بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا على مائدة القرآن في شهر القرآن لتدارس القرآن، هذا الشهر العظيم الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فيه كتابه الكريم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ليكون هذا الكتاب نوراً لنا في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى، مبصراً وموجهاً ومرفأً للإنسان في قصة الحياة. هذه القصة التي تبدأ بإدراك الإنسان لكونه ولد معبوداً لهذا الإله العظيم، ثم إعلامه بأن هذه الحياة لابد فيها من بلاء: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. والبلاء يحتاج إلى ثبات، فاثبتوا واذكروا الله كثيراً، والثبات طريقك إلى التمكين، التمكين في الدنيا والتمكين في جنات النعيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل المكنة، ونعوذ بالله سبحانه وتعالى من الحور بعد الكور.
إخواني، دائماً كما قلنا في رمضان، ينبغي أن يكون لك حظ من تدارس القرآن، لا ينبغي لك أن تقتصر على تلاوة القرآن فقط. نعم، تلاوة القرآن مطلوب وفيها ثواب بإذن الله، لكن ما هو أهم وأعظم تحقيق التدارس القراني في هذا الشهر حتى تبقى معالم القرآن ومعاني القرآن ومفاهيم القرآن ورسالات القرآن واضحة في حياتك وأنت تسير إلى الله سبحانه وتعالى.
وصلنا أيها الأحبه في تدارسنا لرحلة الإنسان في القرآن إلى الجزء السابع والعشرين. هذا الجزء، طبعاً تعرفون أننا بدأنا من آخر المصحف، فنحن نصعد إلى أعلى، وليس من البدايه إلى الأسفل، لا، من أسفل المصحف إلى أعلاه، ولذلك سنبدأ بالحديث ثم نصعد فأعلى.
سورة الحديد أيها الكرام من السور المسبحات. ما معنى المسبحات كما ذكرنا في المجلس الماضي؟ أي التي ابتدأت: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. هذه السور المسبحات كثيرة في هذا الجزء، في جزء المجادلة، ويعني ولو لم تكن سورة الحديد من الجزء السابع والعشرين لقلت إنها تتبع الجزء الثامن سواء بمواضيعها أو بابتدائيتها في السور. هي تريد أن ترسل رسالة عظيمة في هذا الوجود، وهي أن كل ما في السماوات والأرض من أجرام وجبال وبحار وانهار وملائكة السماوات ونجوم وأفلاك كلها منقادة عابدة خاضعة لهذا الإله العظيم.
وأنْتَ أيها الإنسان أمام أمر إما أن تتبع حركة هذا الكون فتعلن الخضوع كما أعلنت السماوات والأرض وما فيها الخضوع، وإما أن تخرج عن نظام هذا الكون وعن السكة التي أمر الله عز وجل هذا الكون أن يسير عليها، وبالتالي ستكون ناشزاً غريباً عن جسد الكون ولبه وفحواه، ومن كان ناشزاً غريباً شاداً لابد وأن يتم اقتلاعه واستئصاله وإبادته، فهذا نظام بني ليوحد، فعليك أن توحد وتعبد الله وتخضع له، وليس هناك مجال لمكان آخر أو لطريق أخرى في هذا الكون: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وهذه السور التي تبدأ بالتسبيح في العادة تنتقل إلى بيان كمالات المعبود في خلقه وأفعاله. فتجد سورة الحديد ذكرت مجموعة من أفعال الله التي تدل على كمالاته ولأنه يستحق لأن يكون معبوداً دون من سواه: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ، القدرة، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. عاد إلى ذكر الملك: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، أحياناً تطول مدة النهار، أحياناً تطول مدة الليل، كل هذا من أفعاله التي تدل على كماله وأنه قادر على كل شيء ومثله هو الذي يعبد وهو الذي يخضع له.
ثم بعد ذلك يأتي الأمر بالإيمان. إذا عرفت أيها الإنسان أن الكون كله مسبح خاضع لله، وعرفت شيئاً من كمالات المعبود في هذه السورة، فليس أمامك إلا ما جاء في الآية سبعة: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. ما في أمامك إلا الإيمان وأن تلبي هذا النداء والخضوع للملك الديان سبحانه وتعالى. والإيمان الذي يتبعه عمل، وهنا العمل الذي ركزت عليه السورة عموماً، في سورة الحديد هناك تركيز على موضوع الإنفاق والبذل خصوصاً. هذه السورة كما قيل إنها سورة مكية، وكان الصحابه في وضع مادي شديد، والامر يحتاج إلى بذل وعطاء: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، في آية سبعة، وفي آية أحد عشر: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. طبعاً، بعض السور فيها خلاف هي مكية أو مدنية، هذا ندرسه إن شاء الله في علوم التفسير وعلوم التنزيل، لكن عموماً هذه السورة تركز كثيراً على قضية الإنفاق، حتى في الآية ثمانية عشر منها: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ.
فسورة الحديد كما أمرت بالإيمان أمرت بما يستلزم الإيمان والخضوع لله، وهو أن يعرف الإنسان أنك عبد، والعبد أي لا يملك، وإنما هو مملوك، وما بيده لله سبحانه وتعالى. ولكن مع أن ما في يدك لله ولست أنت مالكاً له، لكن الله أقرضه لك سبحانه، سواء في الآية أحد عشر: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، أو في الآية ثمانية عشر: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. فهذه قضية كيف يتلطف الله مع عباده، مع أنه سبحانه وتعالى صاحب الأمر من قبل ومن بعد.
لكن القضية الأبرز، دعوني أقول في سورة الحديد، هي قضية النور. قضية النور ذكرت في سورة الحديد مرة في الصفحة الأولى، وذكر فيها النور في الصفحة الثانية ثلاث مرات، وذكر فيها النور أيضاً في الصفحة الثالثة مرة، وذكر فيها النور في الصفحة الأخيرة أيضاً. فذكر النور منتشر في هذه السورة مما يجعلك تستشعر أنه هو القضية الأساسية الكبرى، وهي أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا عن رحلة النور هذه. هذه الرحلة التي تبتدئ من حياتك بخضوع لله وتمسكك بشرع الله وقيامك في عتبات العبودية، ثم ستستمر معك رحله النور إلى الدار الآخرة عندما تمر على الصراط، فيمر الناس على الصراط المنصوب على جهنم بقدر النور الذي بين أيديهم، وكيف أن المؤمنين يتم نورهم فيصلون إلى الجنة، وكيف أن المنافق غير الصادق -وشوف النفاق المذكور بقوة في هذه السورة- يخذل فيحسب أن معه نوراً، فإذا مشى الصراط انطفأ نوره وعاد ليبحث عن النور من جديد فيضرب بين أهل الإيمان وبين أهل النفاق بسور، ويمنع أهل النفاق من أن يصلوا إلى الجنة. هذه النهاية المرعبة.
فقصة النور في سورة الحديد تبدأ من آية تسعة. يخبرنا الله سبحانه وتعالى أولاً: ما هو مصدر النور؟ أنت أيها الإنسان في حياتك من أين ستقتبس النور؟ من الوحي الإالهي الذي يعدك بالله. فلذلك في آية تسعة واضحة القضية: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. هذه أول مرة يذكر فيها النور. فالنور إنما ستاخذه أيها الإنسان في هذه الدنيا من الوحي. إياك أن تظن أن العقلانية والحداثة والبرجماتية والليبرالية والعلمانية والتحرر الفكري وكل هذا الغثاء الذي تسمعه اليوم وتتردد سيعطيك نوراً، إنما النور من الآيات البينات. أخبرك الله في كتابه وهو الصادق المصدوق، أنا ليس بين يدي كتاب مفكر إخواني ولا كتاب مفسر، أنا فقط بين يدي كتاب ربي سبحانه وتعالى وأقراه وأعرف ماذا يريد ربي من الكلام الواضح البين: آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
فكل من بحث عن النور في هذه الدنيا من غير مائدة الوحي فقد ضل وأضل. إذا رأيتموهم ولو سمعتموه يرصف الكلام ويتشدقون به، ولو رايتموهم على وسائل الإعلام والشاشات وعلى اليوتيوب وغيرها، من رأيتموه لا ينهل ولا يؤسس كلامه على كتاب ربه والوحي الإلهي ولا ينطلق منه، فلا يمكن أن يعطيك نوراً أيها الإنسان. النور إنما يكون بالقرآن وما نبع من القرآن على فهم العرب للقرآن.
طيب، إذاً الوحي هو الذي سيعطيني النور في الدنيا. إذا تمسكت بهذا النور في الدنيا، شوف كيف السورة تاخذك بمشهد سريع في آية اثنا عشر إلى النور في الآخرة: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، أي يوم القيامة، يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ. شوف الجمال، النور استصحبه معك، لما كان معك في الدنيا استصحبه معك في الدار الآخرة لينير لك الطريق إلى جنات النعيم. يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، شوف التعبير القرآني الجميل، النور هو الذي يسعى بين يديك، يعني أنت ماشي وشايف النور عم بيسعى أمامك، النور يسعى تمام ويتقدم، كانك لما سعيت أنت إلى تحصيله في الدنيا سعى هو بك ليقودك إلى جنات النعيم. لما أنت أيها الإنسان في الدنيا سعيت إلى النور وتمسكت به، جزاء وفاقاً، النور سيسعى بين يديك، هو اللي راح يمشي بين يديك ليقود إلى جنات النعيم. يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، عم يمشي أمامهم ليدلهم ويرشدهم إلى الخلود الأبدي في جنات النعيم.
مقابل هذه السورة الجميله المشرقة، تأتي سورة المنافق الذي كان يظن نفسه ذكي في الدنيا: وَيَخْدَعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ. يظن نفسه ذكي أنه كسب الصفين، يعني أظهر للمؤمنين أنه مؤمن وفي الباطن كان بيحكي للكفار: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. هؤلاء ماذا سيكون وضعهم؟ اه، يوم يقول المنافقون، شوف آية ثلاثة عشر: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا، استنونا شوي، نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً. هي فكرة أن المنافق ربنا عز وجل يستهزئ به يوم القيامة جزاء وفاقاً أيضاً.
فلما يأتي إلى الصراط، في البداية بيكون معه نور، يمشي أول خطوتين على الصراط، ينطفئ النور، تظلم الدنيا في وجهه. فالمنافق بيصير ينادي المؤمن اللي أمامه: انتظرني، أنا كنت معك، يصلي معك في المسجد الفلاني، كنا في نفس البلد وكنا في نفس المجتمع وكنا مع بعض، مش تذكر يوم كذا وكذا؟ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ. فأهل الإيمان والله يعرفونهم، يعرفون المنافقين بوجوههم، فيقول لهم اذهبوا، فانصرفوا، اذهبوا والتمسوا نوراً، ارجعوا إلى ما قبل الصراط في منطقة معينة، روحوا جيبوا منها نور وتعالوا، اتبعونا ما رح نعطيكم من نورنا.
طيب، فيذهب المنافق ليطلب جديداً ليمشي به على الصراط، فيمكر الله به فيضرب بينهم وبين المؤمنين بسور، يأتي سور يفصل بين المنافقين وبين المؤمنين. يحاول المنافق يرجع على الصراط مرة ثانيه فيفشل، ويبدأ يدرك الخوف والرعب وأن الله عز وجل الآن سيهتك ستره. فالمحاولة الأخيرة التي يبديها المنافقون في عرصات القيامة أنهم ينادون أهل الإيمان، ينادونهم من وراء السور: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ كنا معكم في المساجد، كنا معكم في البلد، كنا معكم في المجتمع، كنا معكم في الروح الوطنية، كنا معكم بهذه العلامات والرايات، أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟
فالمؤمنون ماذا سيقولون لأهل النفاق؟ بلى، احنا كنا في نفس المجتمع، نعم كنا في نفس البلد ونفس المجتمع، وربما اشتغلنا في نفس الوظائف وفي أماكن، لكن ايش مشكلتكم يا منافقين؟ ايش مشكلتك أنت أيها المنافق عشان تعرف لماذا يفقد الإنسان النور متى يفقد النور؟ قال: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. أنتم عرضتم أنفسكم للفتن، كنتم تريدون الدنيا، بدك وظيفة معينة، بدك منصب وزاري معين، بدك مكانة معينة، فعبثت بدينك واستهزأت به وهتكت وخفت بشرع الله سبحانه، وكنت تتهكم على شاشات التلفاز أو في المدارس العامة بشرع الله وبالمتطوعين وبالعلماء وبالدعاة.
وإنكم تربصتم بالمسلمين وبالمؤمنين الدوائر، تربصتم بنا الهزائم، وَارْتَبْتُمْ، كنتم في ريبة وشك، ما كنتم مطمئنين لله حقاً، نعم، كنتم بتقولوا: أشهد أن لا إه إلا الله وأن محمداً رسول الله، كنتم تظهرون في الظاهر الانتماء وتشهد الجمعة والأعياد، لكنكم ما كنتم صادقين، كان عندكم شك وريبة بالله سبحانه وتعالى. قال: وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ. شوف، غرتكم الأماني، يعني كنتم مغترين، عندكم أماني كثيرة تريدون أن تحقّقوها في الدنيا، هذه الأماني التي كنتم تريدون أن تحقّقوها على حساب شرع الله ودين الله وأحكام الله غرتكم، فظننتم أنه ممكن تجمعوا بين الكفر والإيمان، ظننتم أنه يمكن أن تجمعوا بين موالاة الكافرين وموالاة المؤمنين، حاولت تلعبوها لكن ما بزبط، وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.
عرف المنافق عند ذلك أنه لا مجال، أنه لم يكن صادقاً في الدنيا في التمسك بالنور، كان مهزوزاً، فبالتالي لم يعطى النور في جنات النعيم. لذا هنا الله عز وجل في آية ستة عشر يرجع يذكرنا أهمية أن نستيقظ للقرآن ونقتبس النور منه: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، هذا الكتاب الذي يخرجكم من الظلمات إلى النور؟ هذه الآيات، يكفي قسوة قلوب: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟ القرآن هو الذي يعطيك النور، ليه هي القسوة في التعاطي معه؟ لماذا هذا الاستهتار؟ لماذا عدم الجدية؟ وهكذا. طيب: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيْتَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا، قلبك ممكن يعيش مرة أخرى لكن أعطه مجال أن يعيش ويحيى.
ثم قال هنا الله عز وجل يقول: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. والآية اللي بعديها: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ. رجعت تكررت كلمة النور مرة أخرى أيضاً في هذا الموطن، تمام، في في الآية ثلاثة عشر: نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً. الله عز وجل يخبر من هم أهل النور الحق بالنور يوم القيامة، الذين كانوا مصدقين ومصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً وآمنوا بالله ورسله والشهداء عند ربهم، هؤلاء هم الذين يستحقون النور الحقيقي التام الذي يقودهم إلى جنات النعيم. وأما الكفار بأشكالهم من العرب والعجم والمنافقون والنصارى واليهود وغيرهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. ثم بعد ذلك تأتي سورة الحديد تخبرك بحقيقة عظمى عن الدنيا.
افهم أيها الإنسان الذي خلقت لتعبد الله، ما هي حقيقة الدنيا؟ اعلم الله يقول: أَعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ، كل هذه الزخارف والحياة المادية، كل الحياة المادية لا قيمة لها، وإنما هي الوهم، والدنيا حلم، وأما الحقيقة في الدار الآخرة. لذلك قال: اعلم أنما الحياة الدنيا لعب ولهو إلى آخرها، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
كَأَنَّ الله يخبرنا هنا: اعلموا أيها البشر، اعلم أيها الإنسان أن الدنيا عابرة، أن الدنيا حلم سريع، أوهام تمضي وأعمار تنقضي، وأما الحقائق فستنجلي في الدار الآخرة، عندما تعرف أن النهاية إنما هي إما عذاب شديد وإما مغفرة من الله ورضوان وسعة، ستعرف أن كل ما عشت في الدنيا كان حلماً سريعا عابرا.
طيب، إيش نسوي يا رب إذا عرفنا هذه الحقيقة؟ المسارعة إلى مقامات العبودية: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. ما في إلا أنك تسابق وتسارع إلى التمسك بالكتاب، وإلى اقتباس النور، وإلى السعي الحثيث، وألا تغتر باللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، وما تنشغل بهذا. ترى الدنيا سريعه وتنقضي، ليس الشاطر اللي بيكون عنده مصاري أكثر في البنك والله، ومش الشاطر اللي بيكون عنده جاه أكثر، ومش الشاطر اللي بيكون عنده سيارة أفضل، كل هذه دنيا فانية يا رعاكم الله، وإنما الذكاء أن تعرف لماذا خلقت وإلى أين تصير.
ثم بعد أن أخبر الله بحقيقة الدنيا وبحاجتنا إلى المسابقة في عتبات العبودية، أخبرنا أننا سنبتلى، لأن العبودية سيكون بعدها بلاء ولا مناص من ذلك. فجاء في الآية 22 أخبرنا بالحقيقة: مَا أَصَابَ مِصُيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. هناك مصائب ستصيبك أيها الإنسان في الدنيا في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، واعلم أن هذه المصائب صدرت بإذن الله، وليس إلا في كتاب من قبل أن يراها يعني أنا أيها الإنسان كتبتها عليك ترى أنا مقدرها عليك، ما تفكر أنه المصائب تأتي فجأة بدون حساب ولا سابق معرفة، لا. وهذا بطمئن أيضاً، بعطيك شعور بالهدوء أنه كل المصائب التي ستأتيني إنما هي ماذا؟ بإذن ربي، وبالتالي أكيد ربي رحيم بي، فلن ينزل من البلاء والمصائب إلا ما أستحمله.
لكن هنا تلفتنا في الآية 23 من سورة الحديد إلى مقصد من مقاصد البلاء، مقصد عظيم يقول سبحانه شوفوا هي الآية الفخمة الآية 23: لماذا يبتليك الله؟ اسمع أيها الإنسان حتى لا تعترض على الله يقول لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. يعني لماذا أنزل عليكم المصائب؟ لكي لا شغلتين: أولاً، حتى يعني تجهز حالك وتستعد نفسياً، لأنه من عرف أنه سيبتلى واستعد نفسياً للبلاء لم يأس على شيء فاته من الدنيا؛ فاتته رزق، فاته منصب، فاته ذرية، فاته زواج، لم تستطع أن تتزوج، المصائب كثيرة التي تلحق. من عرف أن الدنيا إنما هي بلاء، وأن البلاء في كتاب من قبل أن نبدأ، عرف أن كل ما فاته فهو ليس من نصيبه، كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك.
لكي لا تأسوا، أنا بع كأنه ربنا بقول لك: أنا بعطيك هاي المعلومة أنه ما من مصيبة إلا في كتاب من قبل أن يراها، بعطيك إياها حتى لا تحزن على شيء ما أصابته ولم يقدر لك، لأنه أنا ما قدرت لك، الله يقول لك: أنا ما قدرته لك. وفي المقابل أيضاً إذا منحتك شيئاً، قال: ولا تفرحوا بما آتاكم. ولأنك وإذا أعطيت شيئاً وأصبح في يدك، لا أُريدك أن تتبطر به، لأنني أُريد أن أُعلمك أنه في لحظة يمكن أن يصيب أيضاً بلاء ويزول، فاحذر من الفرح بمعنى البطر به. إذا رزقك الله ذرية لا تتبطر بها، فاعلم أن الله يسلبك هذه الذرية، يموت أبناؤك في لحظة واحدة وينتهي كل شيء. إذا رزقك الله مالاً لا تتبطر به، فاعلم أن الذي منحك هذا المال في لحظة قد ينزل مصيبة ويثني كل المال. اللي أعطاك سيارة فخمة في لحظة واحدة ممكن يجعلها تحترق، اللي أعطاك بيت في لحظة واحدة يهدم وكل شيء. فيقول لك: أنا أُخبرك بحقيقة أيها الإنسان بدك تفهمها بدك تفهمها، فيش مجال أنني قدرت بلاء على كل إنسان، هذا البلاء أُعلمك به من الآن حتى إذا فاتك شيء لا تأسف على فواته فهذا بقدر الله وإرادته، وإذا منحتك شيء لا تتبطر به وتظن انك صاحب استحقاق، فإنني في لحظة ما أسلب منك. فمن وطن نفسه على ذلك فعلا استراح؛ إذا فاته شيء قال: قدر الله وما شاء فعل، وإذا ناله شيء قال: الحمد لله هذا عطاء ربي، ومتى أراد ربي أن يأخذ عطاءه أخذ. فتستريح في الدنيا لأنك خضعت لمفهوم العبودية. العبد من شروطه أنه لا يعترض على فعل مولاه سلبا وعطاء، هذه أعلى مواصفات العبد وتحقيقه لهذا مقام: لا يعترض على فعل سيده عطاء وسلبا.
ثم يخبرنا الله في الصفحة الأخيرة في سورة الحديد بسنته المتكررة، أن سنته المتكررة في ارسال الرسل وانزال الوحي لاخراج الناس من الظلمات الى النور، هذا ليس فقط في النبي الاعظم صلوات ربي وسلامه عليه، بل هذه سنة الله في الامم على مدار التاريخ البشري والانساني. فجاءت الصفحة الأخيرة لتستعرض كيف أن الله اهتم بالبشر واعتنى بهم، وانزل عليهم المنبهات وارسل لهم المذكرات بالرسل والايات البينات. في الآية 25: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. والميزان هي قدرة الإنسان على أن يوازن الأمور. انزل الله سبحانه وتعالى كتاباً وأعطى الإنسان أيضاً موازain عقلية ونفسية يستطيع أن يحكم بها على وفق الكتاب، طبعا لأن الميزان يكون على وفق الكتاب وليس على وفق الأهواء. قال: وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن ينصره وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ. أي الحديد له مقاصد عظيمة، ومن مقاصد الحديد أن يجاهد به، لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقول في هذه الآية أنها تدل على ماذا؟ على أن قوام الدين كتاب يهدي وسيف ينصر، لأن الله أخبر في هذه الآية بأمرين: أنه أنزل الكتاب ليعلم، وأنزل الحديد لينتصر به. فدلت هذه الآية على أن الدين والشرائع إنما تقوم بالعلم والجهاد، كتاب يهدي وسيف ينصر، فعلم بلا جهاد لا يصلح، وجهاد بلا علم لا يصلح.
ثم أخبر الله عن استدامه سلسله النور الأنبياء الذين يخرجون الناس من الظلمات الى النور، قال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. قال: ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وهكذا.
ثم تختتم السورة بشيء عجيب، وهو أنها تلتفت إلى بني إسرائيل مرة أخرى، وهذا عجيب في السور المكية والمدنية أحياناً أنها تكون تتكلم عن الصحابة وعن المنافقين في المجتمع المدني، وتخاطب، ثم تختتم بختام تلتفت إلى اليهود. لماذا؟ كان فيه إشعار بأن اليهود هم مصيبة الأمة المسلمة إلى قيام الساعة، وهذا ترونه واقعاً الآن أمامكم في أحداث غزة، فرج الله عن غزة وأهلها. شوفوا الختام لما يقول ربنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ، أي نصيبين، من رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا. هنا كثير من المفسرين قالوا: هذه الآية تتكلم عن بني إسرائيل، لمن آمن منهم أن الله سيعطيهم أجرين؛ أجر اتباعهم لأنبيائهم السابقة، وأجر اتباعهم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مثل عبد الله بن سلام وغيرهم من الصحابه الذين كانوا يهوداً وأسلموا. فهو يحفز اليهود على الإسلام واتباع سلسلة النور، وأنه لا تجعلوا كون النبي محمد صلى الله عليه وسلم عربي وليس منكم، لا تجعلوا ذلك حاجزا بينكم وبين اقتباس النور من شرعته.
فالله يحفز اليهود هنا على الإسلام يؤتكم كيف لاي بعطيكم جائزتين، ومش هيك نجعل قصة النور: وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ. مش أنتم بدكوا النور؟ مش بدكوا يوم القيامة شي يسعى أمامكم ياخدكم لجنات النعيم؟ آمنوا بهذا النبي الأخير أجعل لكم نوراً تمشون به، نور بوصلكم لجنات النعيم. واما إذا أبيتم فقال سبحانه: لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ. يعني بدكم تعرفوا يا بني إسرائيل أنه قضية أن النبوة لم تكن فيكم في آخر الزمان وكانت في يد العرب هذا أمر الله وشان الله، وأنت وظيفتك أن وظيفتكم أن تكونوا عبيداً يا بني إسرائيل. كم أرسلت فيكم من أنبياء ورسل مئات والآلاف الأنبياء أرسلوا في بني إسرائيل، لما جاء النبي الأخير ليس منكم قلتم: لا، ترى احنا هيك ما بنسمع، معناتها أنتم لستم عبيداً حق العبد، لا يعترض على الله، العبد لا يتمرد على الله لأن الله لم يوافق له هواه. هذه مشكلة من مشاكل بني إسرائيل، ومن مشاكلنا احنا، ومن مشاكل الإنسان عموماً، لما يأتي الحكم الشرعي خلاف لهواه يبدا يعترض. فالله يقول لبني إسرائيل: جاء النبي ليس منكم حتى تعرفوا قضية ألا يقدرون على شيء من فضل الله، أن هذا الفضل وهذا العطاء الإالهي عطاء الرسالة والنبوة الله يضع حيث شاء، وأنتم لستم أصحاب القرار في ذلك، أنتم عليكم أن تسمعوا وتطيعوا لشرع الله. فضلا أن موسى وعيسى والأنبياء نبهوا على محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبرونا وعرفتم أن الصفات تنطبق عليه فلماذا هذا الإعراض؟ فإذا ذكر بني إسرائيل مهم تجده في ختامات السور وإن كان موضوع السورة الأصلي ليس للحديث عنه.
طيب ننتقل إلى سورة الواقعة؛ سورة الواقعة من السور التي أسست لموضوع الدار الآخرة وهو الفصل الأخير من فصول قصة الإنسان. الدار الآخرة أيها الكرام التي طبعا هي تبتدئ من القبر ثم بعد ذلك إلى دخول الناس إلى الجنة أو النار. فسورة الواقعة تكلمت عن حال الناس في قبورهم، وعن حال الناس عندما يقومون لرب العالمين. ابتدات بالكلام عن حال الناس عندما يقومون لرب العالمين، واختتمت بذكر حال الناس في القبور. فاخبر الله أن الناس يوم القيامة ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسمان في الجنة وهم المقربون وأهل اليمين، وقسم في النار وهم من هم أصحاب المشامة أصحاب الشمال تمام.
فاخبر الله أن أهل الجنة على مرتبتين: أهل الجنة المقربون الطراز الرفيع، الباذلون المضحون الخادم لدين الله، الرعيل الأول من الأمة أو صفوة هي الأمة. فأخبر الله ماذا أعد لهم من الجمال: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ، لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ، وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ. وهكذا.
ثم انتقل إلى أصحاب اليمين، وهم في الجنة أيضاً لكنهم مرتبة أدنى، فأخبر ماذا أعد لهم: وَسِدْرٍ مَّضْخُودٍ، وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ، وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ، وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ.
ثم انتقل إلى المشؤوم وهم أصحاب الشمال، وماذا أعد لهم من ماذا من سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إلى آخر هذه الآيات التي تنبه. طبعا دائماً ممكن بعض الناس يقول لك: يا شيخ، كثيراً ما يذكر القرآن تفاصيل الناس في الدار الآخرة. لأنه هذا حقيقة أعظم موضوع وأهم موضوع أن يعرف الإنسان، أن يعرف الإنسان أيها الكرام.
الختامات أنت دائماً لما تعرف ختام القصة وكيف سيكون المشهد، وتعرفه أنت الآن يا ايها الإنسان بين يديك وباختيارك أن ترسم الختام الذي تريده. ها الله ذكر لك الختامات بتفاصيلها وأشكالها وأنواعها، ويقول لك أيها الإنسان: أنت الآن في الدنيا معك عقلك، جوارحك، جسدك، عم تقرا القرآن، اختر أي ختام تريد، اختر ما هو الختام الذي تريد أن يكون لك؟ هل تريد ختاماً مشرفاً أم تريد ختاماً تعيساً؟ ها عم بعطيك الختامات أمامك تمام.
يعني كيف أنت مثلاً لله المثل الأعلى في الدنيا: آتي بقول لك: أخي، هذا الطريق إذا سلكته ستجد في آخرته مصائب وفي ناس ستعتقلك، وفي هناك عذاب شديد. وهذا الطريق لا، هذا الطريق بصلك بسلام، لما تمشي لآخره راح تجد ماء وعين ماء جميلة وشجر وأزهار وورد وقصور وكذا، وأنت اختار بدك تمشي في هذا الطريق ولا هذا؟ طبعا ماشي بقول لك: هذا الطريق راح يوصل للازهار والورود، بقول لك في هيك مشاكل فيه، في بعض المصاعب، لكن نهايته سليمة. هذا الطريق اللي بصلك للحالة المتعبة ويوصلك إلى مجرمين وسفاحين ويؤذونك هو طريق ابتداه جميل من حيث في شهوات في ملذات في نساء في في، لكن بس توصل لآخرة راح تستوي. الإنسان العاقل ايش بيختار؟ بقول لك: لا، أخي، أنا بدي أوصل في النهاية لراحة، ماشي بتعب شوي في الطريق لكن برتاح في الآخر. فالله عز وجل يركز على الختام لأن الختام مهم، الختامات أيها الكرام مهمة جداً جداً، فلذلك تجد القرآن يمر عليها كثيراً.
طيب في الآية 56 أو الآية 57 انتقلت سورة الواقعة لتتكلم سريعاً تذكير الإنسان بنعم الله عليه، هذه النعم التي تستوجب على الإنسان أن يستقيم لامر الله، وأن يتخذ ربه إلهاً ومعبوداً، فيقول سبحانه: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ، أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ. فيخبرهم أولاً عن نعمة الخلق، ثم في المقطع الثاني يخبرهم عن نعمة الطعام، وأن أيضاً من الله: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. ثم نعمة الشراب: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنتُمْ أَنزَلْتُموهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ. ثم بعد ذلك نعمة النار: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ. فهنا الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن أصول النعم العظمى في حياة الإنسان، وهي أربعة: الخلق إيجادك، واطعام شرابك، والنار التي هي الوقود الذي يستعمل لتحريك كل شيء في حياتك طبخاً ونفخاً وسيارات وماكنات وصانعات وادوات، النار هي الوقود الذي يحرك حياة الإنسان وعجله.
الإنسان فهذه النعم الأربع: الخلق، والطعام والشراب، والنار؛ من من، الإله المعبود؟ فلماذا تتمرد أيها الإنسان؟ لازم دائما تتذكر النعم اللي أنت غارق فيها ومش منتبه لها. سبحان الله، القرآن لماذا نحب أن نقراه دوما ولا يبلى على كثرة الترداد؟ لأن القرآن دائما يذكرك بأُمور قد تغفل عنها في ضجيج الحياة، فتأتي، يأتي شهر رمضان وقراءة القرآن بوعي لتذكرك بأصول النعم ومصدرها ومن منحها، فتزداد حرصا على التمسك بعبودية هذا الإله العظيم.
وكعادة السور القرآنية، لابد في كثير من الأحيان أن تلمح تلميحا سريعا لتعظيم القرآن، تمام زي ما مر معنا في سورة الحشر، في سورة القيامة، في، عفوا، الحاقة، سور كثيرة. تجد الله سبحانه وتعالى السورة بنيت على فكرة، لكن مع هذا في ثنايا كلامه عن هذه الفكرة -مثلا سورة الواقعة فكرة الدار الآخرة أساسها- لكن مع ذلك يأتي ذكر القرآن وتعظيم القرآن، كأنه دائما تنبيه أنه وأنت بتقرا انتبه ترى أنت بتقرا كلام رب العالمين، هذا الموضوع الذي تقراه في هذا الكتاب هذا كلام الله.
فيياتي الله بقسم عظيم: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تنزيل أنزله الله عليكم لتهتدوا به، فهذا فيه تعظيم أنه انتبه هذا الكلام اللي عم تقراه هذا كلام ربك، الله سبحانه وتعالى اكتفى به وتكلم به وأنزله من أجلك أيها الإنسان.
ثم تختتم السورة بذكر أحوال الناس في القبر، كما قال كثير من المفسرين أن ختام السورة هو كلام عن القبر في قوله هنا من آية 88: فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ.
قال العلماء أن هذا كلام عن انقسام الناس أيضا في القبر إلى ثلاث منازل: منزلة المقربين وهؤلاء في روح وريحان ويفتح لهم روباب إلى الجنة ينظرون إليه، كذلك أصحاب اليمين -لم يقل روح وريحان- ربما حالهم أخف شوي ويمكن قال العلماء أن يتعرضوا لشيء من العذاب في القبر ليمسح عنهم ذنوبهم لكنهم في الجملة في سلام وهدوء، بخلاف الكفار وأصحاب الشمال من المنافقين أيضا فهؤلاء نزلهم في قبورهم، فنزل من حميم، يعني الضيافة من حميم والعياذ بالله، وتصلية جحيم هذه ستكون في الدار الآخرة.
إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ. شوف كلمة حق اليقين؛ أن هذه الحقائق العظمى اليقينية، أن هذا، شوف هذا الكلام اللي بتقراه سورة الواقعة وهذه الختامات، هذا هو الحق المتيقن الذي لا ينبغي أن يغيب عن ذهن الإنسان: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ. سبحان ربي العظيم، تعبد واخضع لهذا الإله العظيم قبل أن يفوتك الأوان.
بتيجي سورة الرحمن وهي سورة النعم. سورة الرحمن مبناها ذكر رحمة الله للانسان، ومن هنا سميت الرحمن من خلال إنعامه عليه بالنعم، ومن هنا تكررت: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، 31 مرة: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
أول وأعظم نعمة ذكرها الله عز وجل في هذه السورة، ما هي؟ يلا، هذا سؤال لمن يتابعوننا حتى نشركم في هذا الصباح: أعظم نعمة ذكرها الله في سورة الرحمن، أول أول نعمة شو هي يا رب؟ القرآن. ممتاز، بارك الله فيكم.
أعظم نعمة ربنا اعطاك اياها ترى قبل أي شيء: نعمة القرآن يا إخواني، هذا القرآن اللي بين أيدينا نعمة عظيمة، نعمة، وللاسف ما أكثر استهتارنا بهذه النعمة وعدم اكتراث بها والتعامل معها بالجدية المطلوبة.
الله عز وجل أول نعمة ذكرها قال: الرحمن، ما قال: الرحمن أطعمك، شربك، كساك، اسكنك؛ لا لا، أو، أو أوجدك حتى ما قال أوجدك، أوجدك جعلها الثاني، خلق الإنسان جعل خلقك ووجودك الثاني. لكن أول شيء، أول شيء: عَلَّمَ الْقُرْآنَ، أنزله وعلمه لنبيه صلى الله عليه وسلم، ليعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم. آه، هذه أعظم نعمة في حياة الإنسان لازم أنت تفهمها وأنت تقرا القرآن، أنه عندك قدرة أن تقرا هذا الكتاب وتسمع وتلتف بكلام الله.
والله إن أعظم حقيقة عظمى في حياة الإنسان أنه يستطيع أن يسمع كلام ربه وأن يقرا كلام ربه، بغض النظر عن تقصيرنا، لكنني أقول لكم إن أعظم نعمة في حياتك أيها الإنسان، أنا وأنتم، أننا نستطيع أن نسمع كلام ربنا، أننا نستطيع أن نقرا كلام ربنا. أنتم متخيلين إخواني شو هذا الكتاب اللي بين أيدينا اللي أنا واياكم بس الان جالسين عليه؟ أنت متصور الموضوع هيك؟ لو فكرت فيه شوي، تخيلت أنه هذا مش، يعني مش تأليف بشري، هذا مش عالم شرعي ولا كلام من الصحابه أو التابعين أو هذا كلام ربي.
هذه أعظم نعمة، وفكرتها رهيبة يعني مذهلة بقدر ما احنا بغفل عنها، لكن لما نرجع ونعيد النظر فيها تعرف أنها نعمه عظيمة، انك تستطيع أن تسمع وتقرا القرآن كلام الرب سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، تلطف عليك وأعطاك إياه حتى تقراه. يا رب سامحنا على تقصيرنا في كتابك، اي والله.
ذكر بعد ذلك نععم أخرى: خلق الإنسان، تعليمه اللغو، خلق السماوات والأرض والأشجار، سواء الأشجار الكبرى أو الأشجار التي ليس لها ساق، وهذا معنى النجم؛ النجم هنا بمعنى الأشجار الشجيرات الأرضية وليس النجم بمعنى النجوم التي في السماء، أنزل العدل، خلق الفاكهة، الحب: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. تكلم عن خلق إنسان، تكلم عن خلق الجن، ثم قال: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فدائما قل: لا نكذب بشيء من آلاء ربنا. يعني على ماذا تكذبان؟
طبعا الخطاب في هذي السورة للانس والجن، مش فقط للانس، الخطاب لكليهما، لأنه هذا القرآن اللي بين أيدينا أيضا الجن مسؤولون عنه كما نحن مسؤولون عن التعامل معه. الله يقول لكلينا، للانس والجن: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
ثم استمرت السورة بذكر النعم. نعم، من عجيب الأمور أن أيضا لما تذكر النعم تذكر جهنم، وتأتي بعد ذكر جهنم: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. هل خلق جهنم نعمة مثلا؟ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
يعني ذكر الجنة وتفاصيلها وتذكير بالنعم مفهومة، ذكر خلق الإنسان وتعليمه والفاكهة في الدنيا والبحر أنها نعم مفهومة. طب الذكر فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مع خلق جهنم وماذا أعد فيها من العذاب، أين النعمة في جهنم؟ من يستطيع أن يحلل لنا أين النعمة في ذكر جهنم؟ لماذا يقول فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ بعد ذكر جهنم؟ هي جهنم نعمة من جهة معينة.
طيب، حتى لا نطيل، أستطيع أقول: نعم، هي نعمة من جهة أنها تضبط تصرفاتك وأفعالك، نعمة أيضا أنها مكان عقاب الكافرين والمجرمين ويتحقق فيها عدل الله سبحانه وتعالى. فوجود جهنم نعمة لأنها بتخوفك من جهة وتضبط بوصلتك حتى ما، لا تقترف الأخطاء، وفي المقابل أيضا نعمة لأن فيها سيقتص من الظالمين والمجرمين وقتلة المسلمين والمحاربين لله ورسوله. فأيضا جهنم نعمة من هذه الجهات، نعمة: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، تحمد الله أن جعل هناك جهنم حتى تخاف وتخشى.
لأنه أحيانا لو قلت للإنسان، يعني ليس كل الناس يستطيع أن يترك المعاصي استحضارا لجلال الله وهيبته، يعني النعم، الأصل في الإنسان أن يصل لمرحلة أن يترك المعاصي من أجل الله بغض النظر إذا كان في جهنم ولا لا، بس مش كل الناس يستطيع ذلك أو استحضار هذه الهيبه، فلما تذكره بأنه لا، انهض برضه في جهنم وأعتدنا فيها كذا وكذا وكذا، بيكون فيها وازع كبير جدا جدا على الانضباط بشرع الله وموازين الله. ففعلا خلق جهنم نعمة في انضباط وتخوف وسعينا الدائم للابتعاد عن الذنوب والمعاصي فهي نعمة: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
والسورة إذا من أولها إلى آخرها تذكير بالنعم، وتذكر النعم يذكر بالمنعم، والتذكر المنعم يستلزم الخضوع له بالعبودية. فهي كأن سورة الرحمن تقودك إلى العبودية من خلال ذكر النعم. تمام، هذه الجهة أو البوصلة التي توجه إليها، ذكرت النعم سواء نعم الدنيا ونعم الآخرة، ونعم الآخرة هي الجنة والنار، حتى النار نعمة من جهة من الجهات كما تفضلتم، وبالتالي هي تسوقنا إلى عبادة الله والخضوع له من خلال ذكر نعمه.
طيب، نروح على سورة القمر. نجد سورة القمر من السور التي ركزت على التهديد والوعيد لأولئك المتمردين، تمام، سواء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وفي كل زمان إلى قيام الساعة. الله سبحانه يحرص في كتابه على أن يرسل تهديدات ووعيد شديدة، ويبدأ بهم أولا بالوعيد الرهيب بحالتهم في الدار الآخرة، ثم يعود لينتقل في ذكر أيضا عذابات شديدة وقعت في الدنيا.
فبدأ بالحالة المرعبة في الدار الآخرة: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ، يا مصيبتنا. فهذا تهديد حالي للمتمرد، كيف سيكون حالك في الدار الآخرة؟
طيب، بدنا نرجع أيضا لتهديد بالعقوبات الشديدة أيضا في الدنيا، فالدنيا أيضا ينزل الله بها عقابا شديدا على الكفار والمعاندين والمتمردين. فبدأ بذكر عذاب قوم نوح، تمام: كَذَبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ، وأنقذ وغرق الكافرون وتم إبادتهم: وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.
بعدين قوم عاد: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ، تنزع الناس يعني تقتلهم من أماكنهم وتلقيهم، فاصبحوا كأنهم جذوع نخل لا أوراق عليها، عمرك شفت جذع نخلة هكذا ملقى ما عليه أوراق ولا راس؟ هكذا حاله.
ثمود: جَاءَتْ النُّذُرُ تعاملوا معها بالتمرد والاستكبار، نفس الفكرة اللي في سورة التغابن: أَبَشَرٌ مِنَّا وَاحِدًا نَتَبَعُهُ؟ معقول نتبع بشر؟ ما بدهم ينصاعوا، بدهم يتمردوا، ما عجبهم أن يكون بشر منهم يدعوهم إلى الله، فكانت المصيبة: سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّبُ الْأَشِرُ. امتحنهم الله بالناقة: فَقَتَلُوا نَاقَةً، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، يا ويل شو اللي عملتوا فيهم؟ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً، مجرد صيحة واحدة أبيدوا تماما، يعني الأمر لم يأخذ أكثر من ثواني معدودة، كانوا جميعا في حالة الموت.
كذبت قوم لوط أيضا: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ، وقلب جبريل قراهم رأسا على عقب صبحهم بكرة عذاب مستقر.
فرعون: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
ثم الله يقول لكفار قريش: يعني أنتم لستم باعظم من هؤلاء والنهاية واحدة، وكذلك نقول للكفار اليوم من الليبيين واليهود: أنتم لستم أعظم خلقة وقدرة من نوح وعاد وثمود.
إخواني، نوح وعاد وثمود وفرعون هؤلاء يعني أساطير الأمم، قوة وجبروت. لماذا القرآن يركز على هؤلاء الاقوام؟ نوح، عاد، ثمود، وأنت تقرا القرآن من أوله إلى آخره ستجد تكرار مستمر لهؤلاء الأقوام، يعني في كم قوم تجد دائما القرآن يذكر بنهاياتهم المشؤومة. هناك عذاب نزل على غيرهم، لكن هؤلاء هم جبابرة الأمم.
قوم نوح، إذا نوح عليه السلام جلس يدعوهم ألف سنة، يعني قدش أعمارهم وأجسادهم وطولهم وفكرهم؟ عاد، الذين طغوا في البلاد وعاد الذين بنوا قصور وأجساد هم قالوا مذهلة مرعبه، متخيل واحد طوله طول نخلة؟ يعني شو هالجسد هذا؟ كذلك ثمود، ثمود الذين كانوا يقطعون الجبال وينحتونها، تخيل الجبال ينحتون نحتا، يقطعونها بقدرات عالية فائقة انتهوا تماما. فرعون اللي كان مستشد، يا أرض ما حدا قدي، يرى نفسه أنه الرب وانه وانه وانه، في لحظة واحدة أخذه كليم.
هذا وعيد وإرعاب للكافرين، وفي نفس الوقت تسلية للمؤمنين: ترى يا أهل الإيمان، ترى الله عز وجل في لحظة واحدة قادر أن ينهي جبروت أمريكا ومن حلف أمريكا واليهود وبني إسرائيل ومن في حلفهم. لكن يعني كان الله يخبرنا أيضا، نحن هي رسالة لنا، الله يقول ترى أنا فعلت بامم سابقه أمور مدهشة في لحظات أنهيت.
فبعض الناس يبقى يشكك، يعني لماذا الله عز وجل لا ينهي إسرائيل ولا ينهي اليهود ولا ينهي الصليبيين ولا ينهي و... ترى لله حكم إخواني. ترى نوح جلس ألف سنة حتى انتهت، الموضوع مش ١٠٠ سنة ولا ٧٠ سنة، يعني الخلافة الإسلامية سقطت قبل 1900 في 1924 اليوم احنا يعني لدوبنا كملنا 100 سنة، نوح عليه السلام جلس ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه، ثم بعد ذلك جاء الهلاك.
فاستعجال الإنسان مشكلة، استعجالنا نحن مشكلة، يعني لحظة النهاية لحظة سهلة جدا على الله، لا عجز الله قادر ينهي كل شيء، لكنه لم يرد أن تكون قصة الإنسان في الدنيا بهذه السرعة. يعني بعض الناس ايش بدهم؟ بدهم خلص، أنه مادمنا مؤمنين يا رب، خلص مباشرة صرنا وانتهى الموضوع، ليش يعني يتاخر النصر؟ لا، ما هو معناته أنت مش فاهم الدين أصلا، تصورك أنه مادمنا مسلمين يا رب انصرنا وخلص ما في داعي يعني يطول الموضوع يكون في أشلاء ودماء وكذا، ما هو ربنا ما بدو الدنيا كذا. أنت مش فاهم لماذا أنت وجدت، وما هي قصة الإنسان؟
قصة الإنسان أنه يريد من أهل الإيمان بعد أن يتعبدوا أن يبتلوا، هو يريد ذلك سبحانه، هو يريد أن يكون الطريق فيه صبر ودماء وثبات: لِيَبْلُوَكُمْ ويعرف الصادق من الكاذب. ولا هو فقط كل انسان قال: يا رب آمنت، هو صادق؟ لا، لابد في محكات وفي مفاصل في الطريق، وربنا بدو يعرف أصحاب النفس الطويل: فَمَا وَهَنُوا، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا، أصحاب النفس الطويل.
ولا ليش في سورة الواقعة كان هناك مقربون وأصحاب يمين وأصحاب شمال؟ من وين اجوا؟ لانه الناس
متفاوتة، في هناك أصحاب النفس الطويل فهؤلاء المقربون، وفي أصحاب النفس المتوسط المؤمنون. ما هو لازم هيك وإلا فالنهايات سهلة؛ ينهي الله عز وجل بني إسرائيل وأمريكا ومن معها بلحظة واحدة، يعني الموضوع مش محتاج أصلاً لتصير حرب عالمية بينهم زي ما بيحكوا الناس. والله بصيحة واحدة ينهي كل شيء وينهيه تماماً، كما فعل. ولماذا نقرأ القرآن وما هي معاني القرآن؟
لكن أريد أن أعطيك حتى اليوم لما أنت يعني حتى أقرِب لك الصورة، اليوم أنت لما تشوف مثلاً مسلسل معين أو قصة معينة، بطل عم بخوض معركة من أجل الوصول إلى قضية شريفة، بالله عليك تخيل القصة أنه هذا البطل بدأ، هي أول الحلقة في المسلسل أو القصة، راح البطل خلص على الكفار وأنهاها تماماً وحصل الشرف. أنت خلص رح تسكر التلفزيون والشاشة بتقول انتهت القصة من أولها، يعني مش رح تشعر بقيمة الكسب الذي وصل إليه هذا البطل أو صاحب يعني حلم القصة، يعني بقول هذا ما تعب، هذا فقط لأنه انسان صاحب قضية راح على أعداء وخلص عليهم وانتصر وانتهى، انتهت الحبكة من أولها. أنت نفسك رح تشعر أن هذا النصر أتى يعني بشكل سلس وسهل بدون أي ثمن، بخلاف لما القصة تطول؛ أنت نفسك تتحمس تشوف البطل كيف في القصة صار في جراح، وهنا مثلاً فقد أصحابه، وهنا تركه أهله، وهنا أُسر، وهنا خرج من السجن، وهنا صبر، و... و... ثم في الحلقة ثلاثين أو خمسين آه، بعد معاناة طويلة ومقاساة كبيرة، استطاع البطل أن يمسك الزمام ويرفع الراية وينتصب ويحصل. هون أنت بتتحمس للقصة، بتشعر القصة صارت مثيرة، لها قيمة يا اخي، لها معنى، فيها إثارة، لانه كان فيها جراح وأتعاب وآلام وكذا.
فالنهاية لما حصل النصر، حصله بعد طول عناء وصبر فأصبح له لذته، أصبح له مكانته، والنصر والتمكين الذي يأتي بعد تعب وعناء نكون نحن أحرض على عدم تضييعه، أما النصر الذي يأتي سريعاً وبدون تكاليف ترى يضيع سريعاً، يضيع سريعاً فعلاً لأنك لا لم تشعر بقيمته عندما جاء، فلن تشعر كيف بقيمة المحافظة عليه. فهذه فكرة عامة في قضية لماذا ربنا يذكرنا بهلاك هذه الأمم، لانه يريد أن يجعلنا أكثر يقيناً أن الهلاك إذا نزل سينزل، وأن العذاب إذا أُمر أن ينزل يعني لن يثقلني ولن يتعبني، تذكروا تذكروا مصير هؤلاء الجبابرة.
طيب، سورة النجم أيها الكرام، أي تركز في بدايتها على ماذا؟ ننتقل إليها. تركز في بدايتها أولاً على تعظيم أمر الوحي وأمر الأمور العلوية عموماً، والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى. يعني ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن أو من السنة هذا وحي، فاعلموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يتكلم من منطلق أفكاره وما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إنما هو وحي يوحى.
وهنا جاء تعظيم الأمور العلوية، انه هذا الوحي الذي ينزل على النبي الأعظم إنما ينزل بواسطة ملك سماوي عظيم أيضاً، وهو جبريل. والنبي صلى الله عليه وسلم راى جبريل بصورته العظيمة مرتين؛ مرة في الأرض لما كان ماشياً في الوادي فرأى جبريل قد سد بأجنحته الأفق، ومرة رآه عند سدرة المنتهى في ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة وهذه شجرة اسمها السدر وشجرة السدر معروفة في الدنيا طبعا، لكن سدرة المنتهى هذه يعني أمرها وتفاصيلها أعظم من ذلك، إذ يغشى السدرة ما يغشى من أنوار الله وجلاله ما لا يمكن وصوله ولا الإحاطة به. عند ذلك هذه آخر المنتهى؛ جبريل لا يستطيع أن يتجاوز سدرة المنتهى لأن الله عز وجل منع الملائكة من تجاوزها.
طيب فمطلعها تعظيم لأمر الوحي وتنبيه على أن محمداً صلى الله عليه وسلم هذا الرسول البشري إنما يتلقى وحيه بواسطة الرسول الملائكي جبريل صاحب الخلق العظيم. طيب، بعد أن عظم الله أمر الوحي، هون من أمر الأصنام والآلهة: أفرايتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟ من أين تأخذ هذه قيمها وأفكارها؟ هل هناك وحي يتنزل عليها؟ يتهكم الله عز وجل بآلهتنا. هذا النبي العظيم يوحى إليه من السماء، طب هل أصنامكم هذه أحد يوحي إليها أو يخبرها بشيء من أمر السماء؟ وكفار قريش كانوا يعرفون أنهم يضحكون على أنفسهم.
لكن وين المشكلة؟ المشكلة هي ذكرت بشكل صريح، مشكلة الشرك، الكفر، العناد، التمرد؛ هي في الآية 23: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ. هو هكذا؛ كل أشكال الشرك: ليبرالية، علمانية، براجماتية، نسوية، إلحاد، كله ليس مبنياً على حقائق متجذرة أو أدلة عميقة يصعب تفكيكها وتحليلها، وإنما هو مبني على ماذا؟ على الظن، الظن القائم على الهوى وليس الظن المبني على تتبع أدلة وقرائن. الظن هنا كأنه بمعنى هكذا الرجم بالغيب وما تهوى الأنفس. الذي يقيم دينه على ما يريد هو أن يكون وعلى ذوقه، آه هذا سيخرج إلى خارج دائرة الاسلام والوحي، لان الشريعة منضبطة بالوحي، وأن اختيارك لطريقه التعبد ونمط التعبد وأسلوب التعبد مش أنت يا أيها الإنسان بتختاره. بدك تفهم يا إنسان أنه أنت منصاع لوحي، لذلك سورة النجم بدات بتعظيم الوحي: ما ضل صاحبكم وما غوى، إن هو إلا وحي يوحى.
أما اللي بده يختار طريق آخر؛ طريق الظن، والله أنا حاب هيك يكون الدين مثلاً، أنت ايش حابه؟ والله أنا حابه مثلاً أنه أكون أصلي وكذا بس مش حابه حجاب خلص ماشي، وأنت ايش حاب يكون الدين؟ والله أنا بهوى أن يكون الدين مثلاً بيسمح لي بإقامة علاقات محرمة، بيسمح لي بكذا وكذا مثلاً، مش ممكن أنا عادي ممكن أصوم رمضان ما عندي مشكلة بس بدي كذا وكذا. هذا ما عاد ديناً، هذا أصبح إيه يعني حسبة كما يقولون؛ كل شخص ما يهواه يجعله ديناً، وما لا يهواه يعني لا يجعله، ومثل هذه الأمور لا تدل على وجود عبودية الحقيقة. العبد يتبع أوامر السيد، والسيد أوامره جاءت في الوحي.
فالله يحذر الإنسان من نفسية اتباع الهوى وما تهوى الأنفس. أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى؟ شوف آية 24: يعني هو كل واحد على كيفه؟ أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى؟ هو كل واحد الدين على كيفه؟ كل واحد بده يفصل الدين على قياسه ولباسه ونظرته للناس والمجتمعات والواقع؟ لا، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى. الله عز وجل هو صاحب الأمر من قبل ومن بعد، الله هو الذي يضع قوانين الدنيا وقوانين الآخرة. وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا. إذا الملائكة اللي هم أقرب الناس إلى الله والذين يعبدون الله ليلا ونهارا لا يفطرون مش قادرين يتكلموا لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى. الملائكة اللي هم كما قلنا ما في ذنوب، ما في أخطاء، ما في تقصير، ما في شيء ومع ذلك لا يستطيعون أن يخرجوا عن أمر الله. أنت أيها الإنسان المليء بالذنوب والخطايا والضعف والتقصير على إيه أنت بدك تفصل دين على كيفك وعلى هواك؟
فهنا سورة النجم بتركز على قضية الوحي والهوى، مقابلة الوحي بالهوى؛ في وحي وتعظيم الوحي وتعظيم جبريل نازل بالوحي، وتحذير الإنسان أنه مش على كيفك الدين ومش على مزاجك. فاعرض فالله عز وجل يقول للصالحين وللنبي، رأس الصالح: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا، أي عن الوحي، وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ. يا محمد صلى الله عليه وسلم ويا أهل الدعوة، يا أيها السائرون إلى الله في رحلة الحياة، احذروا من هؤلاء الذين إيه لم يريدوا إلا الحياة الدنيا، بل خليني أقول في الآية أيضاً التحذير من اتباع الظن والهوى: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.
يعني الذي يقيم حياته والدين على مزاجه، ربنا عز وجل بعطيك اياها بشكل واضح؛ هؤلاء الذين يريدون دينهم على مقاييسهم هؤلاء في الحقيقة يريدون الحياة الدنيا، هم لا يهتمون بالدار الآخرة. فلما كانوا يريدون الحياة الدنيا ارادوا أن يفصلوا دينا على مقاسهم ينسجم مع رغبتهم بقضاء أوطارهم وشهواتهم، فالله بقول لك ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ. هؤلاء دعك منهم، جل تفكيرهم وقصارى تفكيرهم الدنيا فأرادوا أن يأخذوا دينا على أهوائهم وأمزجتهم وليس دينا مبناه الوحي والاتباع والانصياع لأمر الله سبحانه وتعالى.
طيب ثم الله عز وجل يخبر في هذه السورة بحقائق عظمى؛ أَن لَّسْتَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ، وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ. يعني قواعد؛ وَأَن لَّسْتَ لِلْإِنسَانِ، وهنا لاحظوا ذكر الإنسان بغض النظر مؤمن ولا كافر. أنت أيها الإنسان بدك تفهم قضية في الدار الآخرة؛ ما في إلا ما سعيت، وأن السعي شو كلمة السعي؟ كأنها كلمة محورية في القرآن: ليس للإنسان إلا نتاج سعيه في الدنيا، كيف عاش قصة الحياة؟ وهذا السعي الله راقبه وسجله ودونه والملائكة على حفظه يسجلون ثم يوم القيامة تجزى الجزاء الأوفى. فهي الفكرة باختصار.
ويحذر الله عز وجل من حالة التمرد عن العبودية كما مر في كثير من السور، وأنه أهلك عاداً الأولى وثمود فما أَبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى، والمؤتفكة اللي هم قوم لوط، نفس نفس الاقوام اللي ذكرهم في سورة القمر ذكرهم في سورة النجم اللهم إلا فرعون لم يذكره وإلا عاد وثمود ونوح ولوط ذكروا مرة أخرى كما قلت كنموذج للأمم الكبرى في التاريخ التي عتت وطغت وتمردت على العبودية كيف كانت النتائج؛ الختامات بائسة وكئيبة. فالله عز وجل يحذر وينبه ثم قال يعني وذكر بأهمية الخضوع: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.
شوف الكلمة الأخيرة: اعبدوا، كن عبداً. آخر كلمة في السورة: وَاعْبُدُوا، كن عبداً للإله هكذا يعني كأن قصة الإنسان تختزل في الكلمة الأخيرة في سورة النجم اعبدوا. ولذلك كفار قريش لما سمعوا سورة النجم مع أنهم كانوا كفار، سجدوا سجدوا من عظمة السورة ووضوحها والحقائق العظمى اللي عم ترسمها لهم في وحي وفي هوى، وأنت أيها الإنسان هكذا قصتك وما في أمامك إلا الخضوع لله والعبادة، أي حل آخر بذكرك بنوح وعاد وثمود وقصصهم وأهلاً الذي لم يأخذ شيء ولم يتعب الله سبحانه وتعالى.
تأتي سورة الطور، احنا إن شاء الله سنختتم كما قلنا هذا الجزء ونقف عند الختام بإذن الله. ظاهر الطور والذات، سورة الطور أيضاً من السور التي تركز على الفصل الأخير من القصة. سورة الطور يقول جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جبير بن مطعم كان مشرك في البداية وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرا بالطور وكان مشركا، جبير قال: فكاد قلبي أن يطير لهولها ولعظم الحقائق التي فيها قضية الفصل الأخير. جبير بن مطعم هو مشرك ومع ذلك لما سمع سورة الطور كاد قلبه ينخلع من مكانه لعظمه الحقائق الموجودة فيها، لعظمة الوعيد والرهيب من الله سبحانه وتعالى في إرسال رسائل للكفار ولكل المتمردين.
وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ المرفوع. أقسم بمخلوقات عظيمة جداً في هذا الكون، إيش أن ما المقسم عليه؟ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِِن دَافِعٍ. إذا نزل العذاب نزل، وإذا جاء يوم القيامة كل من تمرد وعاند منكم أيها البشر وأيها الإنسان ستدخل ناراً عظيمة رهيبة كنت تكذب بها في الدنيا لكنك ستعرف أنها ليست كذب في الدار الآخرة. أَفَهَٰذَا سِحْرٌ أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ؟ يلا استيقظتم، تيقنتم أنه في شيء اسمه نار جهنم يا من كنتم تتحكمون بها؟ اصْلَوْهَا فَصَبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا، صبرتم ولا ما صبرتم الان ما عاد قيمة للصبر.
شوف الدنيا، الصبر له قيمة، الصبر مفتاح الفرج، لكن في الدار الآخرة لما تسقط في نار جهنم، أكثر شيء مؤلم أو من أكثر الأمور المؤلمة وكلها مؤلمة جهنم، لكن من أكثر الأشياء المؤلمة أنه أنت متخيل أنك في جهنم مهما حاولت أصبر فش فش خروج يعني الصبر لا قيمة له، لو صبرت على عذاب الله في جهنم يوم يومين سنة سنتين فش شيء بدفعك أنك تصبر أصلاً، وهذا الشعور مرعب وأنا أزعم أن هذه الآيات لعلها من الآيات اللي خلت جبير قلبه يطير حقيقة. كلمة اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم، يعني سواء أنك صبرت ولا ما صبرت ما في نتيجة لصبرك في جهنم. يعني في الدنيا بنصبر يا اخي لو متنا شهداء يا رب ارزقنا الشهادة جميعاً أخ في جنة يعني الصبر له قيمته، بصبر ممكن حتى يفتح علي في الدنيا وأتمكن، بصبر بعد سنة سنتين انسجنت بطلع من السجن، يعني أي صبر في الدنيا أي صبر له نتيجة.
أكبر حقيقة مرعبة في جهنم أن الصبر فيها ما له نتيجة، مشان هيك الكفار لما كانوا يسمعوا سورة الطور كانوا يرتعبوا: اصْلَوْهَا فَصَبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ، ما فيش نتيجة لصبرك، ولو تحملت لسنوات رح تضلك لسنوات وتحملت لسنوات برضه رح تضل لسنوات، انه الخلود الأبدي في عذاب جهنم وهذه حقيقة مرعبة.
وكما هي عادة القرآن بعد أن يذكر سورة الرعب يرجع يعطيك سورة الأمل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ، وذكر نعيم أهل الجنة، ثم أشار أنه أهل الجنة ما الذي أوصلهم إلى هذا النعيم؟ لما جلسوا هم في الجنة يتحدثوا مع بعض: نحن كيف وصلنا إلى الجنة؟ تذكروا خصلة كانت فيهم حقيقة مهمة جداً ننتبه إليها في آية 27.
قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ. يعني لما كنا احنا في الدنيا مشفقين عايشين بالأشفار هنا خاضعين لعبوديتي، هذا الإشفاق وهذا الخوف وهذا الحذر من مخالفة أحكام الله هو الذي أوصلنا وأورثنا جنات النعيم. والجنة بدون خوف، جنة بدون اتباع وتعبد مش ممكن؛ إذًا: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ. احنا كنا ندعو، والدعاء هو أصلًا رمز العبودية، رمز الخضوع. ولذلك، كما قلت لكم في طوارق الليل، الدعاء الليلي مستمر معنا يوميًا أهمية الدعاء باعتباره مظهر عظيم من مظاهر خضوع الإنسان لسيد الأكوان سبحانه وتعالى.
طيب، ثم عالجت السورة سريعًا موضوع استهزاء الكفار بالنبي العظيم وبما أتى به من القرآن الكريم. وكما قلنا: عادة السور تتطرق لموضوع القرآن باعتبار شوف القرآن حقيقة عظمى مش مسموح تستهزئ فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم قيمة عظمى مش مسموح تستهزئ فيها. فالاستهزاء بالقرآن أو استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر، كفر فيش فيها نقاش من أهل العلم؛ لأن هذه هي الحقائق العظمى التي بنى الله عز وجل عليها هداية الإنسان وإنقاذه. فإذا أنت تهكمت بالأصول العظمى لم يبقَ شيء، فلذلك يحذر القرآن دومًا من الاستهزاء والتهكم بكليهما: الوحي والنبي المرسل بهذا الوحي: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، في آية 34.
ثم الله عز وجل أخبرهم بضعفهم: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟ شوف يعطيهم الافتقار، شوف مفهوم الافتقار في حال الإنسان: مين خلقك أيها الإنسان؟ طيب مين رزقك؟ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ؟ عندك إنت حدا برزقك؟ هل أنت مسيطر فعليًا على شيء؟ تذكير الإنسان بافتقاره وحاجته ليعرف ولعله يتأدب ويعامل السيد بمقامه الحق الذي يستحقه السيد، وهو الخضوع والانقياد.
طيب، طبعا الله عز وجل يظهر صور الكفار واستهزائهم: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ. يعني هذا خير، سنعطي نفسية الكافر اللي بيشعر إنه دائما صاحب أحقية في الغيث من السماء والعطاء من الإله. فالله يخبر أصحاب الدعوات في سورة الطور بما أخبر به في سورة المزمل، وبما أخبر به في سورة الإنسان: إذا واجهتم كفارًا معاندين محاربين... طبعا أنا أعطيتكم الفصول الأخيرة، فصل الدار وفصل الجنة بلشنا في سورة الطور، بس الفصل الاخير خير يا أيها الدعاة، يا أيها السائرون إلى الله، أمامكم ثلاثة وسائل للثبات، مين بذكرها؟ وردت في سورة المزمل وفي سورة الإنسان وفي سورة الطور، ورح تجي معنا في سورة القاف أيضًا، اللي هي ثلاث أشياء ما في مجال إلا أنك تتمسك بها: الصبر والذكر وقيام الليل. فختم الله فقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ. قال العلماء: هذا قيام الليل. هي ثلاث وسائل للثبات لا بد أن يتمسك بها السائر إلى الله سبحانه وتعالى.
أخيرًا سورة الذاريات أيها الكرام؛ سورة الذاريات ركزت أولًا على بيان أن الدين واقع، والدين هو الجزاء والحساب باعتبارها حقيقة عظمى لا يجوز أن يغفل عنها في كل درس من دروس القرآن: أن الفصل الاخير وهو فصل الدار الآخرة سيقع، وأن الناس ينقسمون؛ فأما أهل الإيمان فماذا كان فعلهم في الدنيا؟ والكفار ماذا كان فعلهم؟ فقال: الكفار كان فعلهم في الدنيا الاستهزاء والتهكم: يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ. يعني لبشوفكم تشووا على نار جهنم! الله يتهكم بهم: ذُوقُوا فِتْنَكُم. وأما المتقين ماذا كانت أفعالهم؟ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ماذا كانوا يفعلون؟ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. الذكر والاستغفار خاصة في أوقات الأسحار وقت التنزل الإلهي: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.
ثم الله عز وجل تخلص إلى ذكر هلكات المكذبين في الدنيا، فسورَة الذاريات أيضًا من السور التي ركزت على هلكات الكافرين: قوم لوط، وكيف سيدنا إبراهيم لما جاءه الرسل قال: فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، اللي هم قوم لوط؛ رسل عليهم حجارة من طين. فرعون فتولى بركنه راح بجيوشه، وظن أن اعتماده على جيوشه ومملكته سيغنيه من الله شيئًا، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ. يعني انتهت القصة سريعًا يعني، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ أي وهو مستحق أن يلام. الموضوع انتهى. وعاد: وَإِذْ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ثمود عتوا تمردوا، شوف كلمة عتوا هنا، التمرد على الإله، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ يعني ما واحد فيهم استطاع يقوم من مكانه بعد الصيحة. وقوم نوح من قبل، وأنتم أدرى بقصتهم، فيا كفار قريش ويا أيها الكفار إلى يوم القيامة عندكم نماذج يجب أن تنتبهوا، سهل جدا على الله أن يكررها فيكم نموذج نهاية قوم نوح ونهايه قوم عاد، هذه النهاية المرعبه التي حصلت سهل جدا على الله أن يكررها، وفي لحظة واحدة ينهي كل شيء، كل التكنولوجيا وكل الدبابات والطائرات والبوارج والشبكات والاستخبارات كلها في لحظة واحدة في صيحة واحدة الإله ينهيها، لكن لحكمه ما زال يمهل لهم.
فالله عز وجل ماذا يقول لأهل الإيمان: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ. إذا أردتم النجاة فلا تفر من الله بل تفر إلى الله وتتمسك بالله، فتمسك بالله وعبوديته؛ الفرار إلى الله هو فرار إلى عتبات العبودية، هذا الذي سيجعلك تنجو من عذاب الله سبحانه.
ثم أخبر الله في الآية 56 بالحقيقه العظمى لوجود الإنسان: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مش فقط الإنس، الإنسان بل حتى الجن: وما خلقتهم إلا ليعبدون مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. أنا لم أخلق أيها الإنسان من أجل أن تنشغل بطعامك وشرابك وتنشغل بأمور الدنيا، أنا خلقتك للغاية العظمى وهي الخضوع والعبودية وهي أساس قصة الحياة: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
هذه دروس الجزء السابع، وال- طبعا هي دروس جملية وفي ثنايا هذه السور وفي تفاصيلها الكثير الكثير من الفوائد. جزاكم الله خيرا على الحضور والاستماع، وفي المجلس القادم نتطرق إلى الجزء السادس والعشرين أو إلى الجزء السادس والعشرين وما فيه من القواعد العظمى في رحله الإنسان، وما الذي ينبغي أن يتنبه له قاصد عامة في هذا الجزء. اللهم علمنا وفقهنا واجعلنا من أهل القرآن، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. يا رب اللهم يسر.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل