تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس التاسع عشر سورة الحجر إلى سورة الرعد

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، بارك الله فيك يا شيخ عازم، وبارك الله في جميع الإخوة والأخوات الذين رابطوا معنا في هذا الشهر على هذا المجلس. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا بعد هذا الشهر الفضيل على إتمام كتاب الله سبحانه وتعالى. هذا هو المجلس الأخير إخواننا إن شاء الله في شهر رمضان، واليوم سنتكلم عن سورة الحجر وإبراهيم والرعد، وما بقي إن شاء الله يكون بعد رمضان إن كان في العمر بقية.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في رحلة الإنسان في القرآن، ونحن نبحث عن معاني كلام ربنا سبحانه وتعالى ونحاول أن نتفهم هذه الرسالات القرآنية تفهماً جملياً.

وقد وصل بنا الحديث إلى سورة الحجر في الجزء الرابع عشر. وسورة الحجر وسورة إبراهيم وسورة الرعد، هذه السور الثلاث هي من سور التثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم في مواجهه الكم الهائل من الاستهزاء من قبل الكافرين بهذه الدعوة المباركة، سواء الاستهزاء بشخص النبي صلى الله عليه وسلم والتشكيك في مصداقية بعثته، أو الاستهزاء بالقرآن وعدم العبء به أو الإصرار على عدم التصديق باليوم الآخر، أو الإصرار أيضاً على اتخاذ شركاء مع الله سبحانه وتعالى. يعني كما تلاحظون، هذه أبرز ملامح السور المكية: الصراع بين الحق والباطل.

وحتى أطيكم هذه الفائدة أيها الكرام تنتبهوا لها، وهو أن الذي يعيش معاني القرآن ويتلذذ بمعاني القرآن هو ذاك المسلم الذي يعيش قضية الإسلام. يعني كثير من الناس قد يمر على معاني القرآن ومعاني الصراع بين الحق والباطل واستهزاء الكافرين بالنبي صلى الله عليه وسلم والشبهات والاشكالات والدعوة إلى الصبر والثبات في مواجهه الكافرين، قد لا تحدث في قلبه شيئاً. والسبب في ذلك عند كثير من الناس أنه لا يعيش الإسلام قضية؛ يعني هو فقط يعيش من أجل طعامه وشرابه، يؤدي الفرائض العامة، لكنه لم يفكر يوماً أن يعيش الإسلام قصة حياة، مضحياً داعياً إلى الله، كما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كل شخص منهم يعتبر نفسه جزءاً من هذا المشروع الإسلامي العظيم.

لذلك جزء كبير، جزء كبير أقول من معاني القرآن، إنما يتلذذ به ويستانس به الدعاة الذين يخوضون معركة الإسلام ويقفون في وجه الباطل، من بين علماء، ومن بين دعاة، ومن بين طلاب علم، ومن بين موجهين تربويين وغير ذلك، وما بين مجاهدين ومرابطين ورؤساء وغير ذلك. كل من يعيش الإسلام كفكر ومنهج حياة، ويحاول أن يطبق هذا الإسلام في واقعه وفي مجتمعه، لابد وأن يصطدم. يعني حتى أيضاً الفتاة، الفتاة التي تعيش في بيئة غير داعمة وأمام أهل يستهزئون بتدينها، تستفيد من هذا القرآن وتتلذذ بمعاني القرآن؛ لأن الإسلام والقرآن يعتبر لها قضية تعيش من أجلها، تحاول تثبت. أي إنسان يحاول أن يثبت ويصارع للتمسك بدين الله سبحانه وتعالى، هؤلاء يعيشون معاني القرآن.

أما إذا أنت بقيت تعيش في هذه الدنيا على شاطئ الإسلام على الضفاف ولكنك لا تريد أن تعيشه كفكرة، ستبقى معاني القرآن وإن فهمتها جملياً، لكنك لا تشعر بلذتها ولا بانسها ولا بجماليتها ولا بافتقارك لها لأنك لا تعيشها. فهذه قضية فقط على الهامش حتى ننبه على أهمية أن يختار الانسان كيف سيعيش الحياة.

كما قلنا، سورة الحجر من السور التي أيضاً جاءت لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت الدعاة الذين يحملون هذه الشريعة بعده على طريقهم، وبيان حال المشركين والمستهزئين والعابثين كيف سيكون.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ. بدأت سورة الحجر كما بدأت أكثر السور المكية بالاحتفاء بهذا الكتاب العظيم ووصفه بأنه مبين. ولعل من أكثر الأوصاف التي وصف فيها القرآن أو التي وصف بها القرآن أنه كتاب مبين، من أكثر الأوصاف التي وصف الله عز وجل بها كتابه وصفه أنه حكيم، ووصفه بأنه شفاء، وأنه هدى. لكن إذا لاحظنا في السور المكية كثيراً ما يأتي وصف القرآن بأنه مبين. الم، تلك آيات الكتاب المبين، حم، تنزيل الكتاب تلك آيات الكتاب المبين، وهنا في سورة الحجر: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ. هذا دائماً يجعل الإنسان وهو يقرأ القرآن يفهم أن هذا الكتاب أتى ليبين. إذاً هناك شيء الله عز وجل سيبينه، ويجب عليّ أن أقف أنا على هذا البيان. طيب ما هو هذا الشيء الذي أتى القرآن ليبين؟ جاء القرآن ليبين لك الغاية والمقصد من وجودك، جاء القرآن ليبين لك العقائد الحقة، جاء القرآن ليبين لك طبيعة المسير إلى الله، جاء القرآن ليثبتك. لابد أن تأخذ بيانات القرآن، وإلا ما فائدة أن تقرا أن القرآن كتاب مبين ثم أنت لا تأخذ البيان منه؟

جيد، هنا بعد هذه التوطئة كالديباجة تكون للسورة يعني يدخل في موضوع السورة رويداً رويداً فقال سبحانه وهو يخبرك عن حال المشركين يوم القيامة: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. في يوم من الأيام سيتمنى الذين كفروا لو أنهم كانوا مسلمين خاضعين لله سبحانه، عندما تاتي لحظة الموت وتنتزع أرواحهم، وعندما ينزلون في قبورهم، وعندما يقفون بين يدي الله يوم العرض الأكبر، وعندما يدخلون جهنم. نعم ربما، وهذا للتكثير، كثيراً يعني كثيراً ما سيود الذين كفروا لو أنهم أسلموا وخضعوا لله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا.

فأنت حالياً يا محمد صلى الله عليه وسلم: فَذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ. وهذا التركيب: ويلهم الأمل، ضعوا عليه دائرة. هذا الأمل المطغي للإنسان، طول الأمل. الله عز وجل كثيراً ما كان يحذرنا من قضية طول الأمل المطغي، وأن يبني الإنسان أنه سيعمر في الدنيا. لا، عليك أن تعيش الدنيا كأنك تموت غداً، هذا لا يمنع من التخطيط للمستقبل وبناء البرامج، لكن كما قال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. كن مستعداً للقاء الله في كل لحظة وفي كل حين، ولا توطن نفسك أنك ستعيش كثيراً؛ لأن الإنسان كلما لهاه أمله بالمستقبل وأنني لعلي أعيش إلى الستين والسبعين وعندئذ أبدأ برحلة الإصلاح، هذا الأمل يطغيك ويجعلك تعيش الفترة الراهنة بلهوها وعبثها معرضاً في شهواتك وملذاتك، وهذه حال مذمومة، لذلك حذر الله منها: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. شوف التهديد، رح يعرفوا الحقائق.

طيب، الآن كالعادة من أبرز النقاشات التي تدور بين الحق والباطل في أفياء مكة، قضية مصداقية هذا الكتاب. فالله عز وجل يقول: وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ. طبعا هنا الكتاب أيها الكرام ربما لا يتعلق بالكتاب المنزل من السماء، لعل كلمة الكتاب هنا المراد أجل معلوم. وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ، يعني أجل معلوم، معلوم البداية ومعلوم النهاية، لأنه ماذا قال بعد ذلك؟ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ. كل قرية، كل جيل، كل قرن، كل أمة من الأمم على وجه الأرض، الله عز وجل جعل لها كتاباً معلومًا، أي قدراً معلوماً في نشأتها وفي نهايتها، وعندما تأتي النهاية لن تسبق هذه الأمة أجلها ولن تستاخر عن نهاية معلومة في وقت يعلمه الله. حتى الأمم المعاصرة: أمريكا، الصهيونية العالمية، الماسونية، الكفر، الطغيان العالمي، كل جبار وكل دولة وكل منظومة، كونوا واثقين لها بداية ولها نهاية.

هذا بدأ الكفار يستهزؤون بالنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. حاشاه صلى الله عليه وسلم. شوف الكلمة كم هي مؤذية! ذري، قلت سورة الحجر سورة إبراهيم الرعد هي كلها تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا موضوعها عام: تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم أمام الكم الهائل من الاستهزاء والعبث وعدم التصديق، وهذا كان يضايق النبي عليه الصلاة والسلام ويؤلمه، لذلك سياتي في نهاية سورة الحجر: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.

هم كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم، تخيل النبي العظيم، صاحب الأخلاق والمكارم، صاحب الصفات الحميدة، يأتي سفهاء قريش يقولون له: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. أنت تخيل نفسك كداعية، أو أنت أختي الكريمة داعية تدعو إلى الله، يأتيك شخص هكذا امام الناس في مجتمعك في قريتك يقولون: انت شخص مجنون. حقيقة كلمة مؤذية وكلمة جارحة جداً، فما بالك بالمقام الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم!

ثم كعادتهم يقترحون الآيات كما مر معنا في السور السابقة: لَوْ مَا تَأْتِينَا... يعني هلا أنزلت علينا الملائكة، لماذا أنت تأتي؟ لماذا أنت رسول بشري؟ نحن نريد الملائكة تنزل علينا. فالله عز وجل يهددهم، شوف صيغة التهديد، وهذا الجميل في القرآن أن الذي يتولى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس شخص بشري، الذي يتولى الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم الله بذاته! الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام من فوق سبع سماوات يدافع به عن نبيه الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، وهنا وهذا هو الذي يكسب النبي صلى الله عليه وسلم الثقة والطمأنينة عندما يجد ربه يحتفي به، يثبته، ينزل آيات من السماء على قلبه أمام هذا العتو والاستكبار القرشي.

فالله عز وجل يقول لهم: تريدون الملائكة؟ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ. والحق هنا العذاب. مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ. إذا نزلت الملائكة بالعذاب، وما كانوا إذا منظرين، إذا نزلت الملائكة بالعذاب لن تنظروا. هم يقترحون انزال الملائكة، فالله يهددهم: إذا نزلت الملائكة لن تنزل بشيء يسركم وإنما ستنزل بعذاب يستاصلكم ولن نعطيكم فرصة. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. الله عز وجل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الذكر الذي يستهزئون به سيخلد، وأن الله عز وجل هو الذي يتولى حفظه سبحانه وتعالى.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ. هنا الله عز وجل يوجه الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد صلى الله عليه وسلم، ما حصل معك حصل مع من قبلك من الرسل، كَمْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. يعني ما يحصل معك يحصل مع من قبلك أو حصل مع من قبلك، فاثبت كما ثبت الأنبياء من قبلك.

كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. نسلكه، الضمير هنا قال كثير من المفسرين يعود على الاستهزاء والطغيان؛ يعني كيف نحن بنقول: خليت هي الشغله في دمه. كذلك نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين، يعني أصبح الاستهزاء عجينتهم، في دمهم، في طريقة تفكيرهم. وهذه طبعا عقوبة أن الله عز وجل يجعلك دائماً مستهزئاً بشعائره وبدينه، فالله يقول: دائماً المجرمون في دمهم في عجينتهم في طريقة تفكيرهم دائماً الاستهزاء والعبث. هذه سنة الله عليكم أيها الدعاة إلى الله أن تفهموها وتثبتوا أمامها، تثبت أمامها.

طيب، ثم يقول سبحانه يا محمد صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين يقترحون عليك انزال ملائكة من السماء: لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ... وكثيراً ما كانوا يقترحون عليك انزال الآيات: هَل تعرف أننا لَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، يعني لو أعطيناهم آية عظيمة جداً فتحنا السماء أمامهم وخليناهم يصعدوا على السماء، سيبقون بمنهجية المكذبين لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ. يعني لن يصدقوا، حتى لو لأن هم مشكلتهم ليست حقيقة عدم وضوح الحق، ليس أن الحق لم يصل إليهم كاملاً بأدلة كفلق الصبح، هي مشكلتهم الاستكبار والعناد وعدم الرغبة بالدخول بهذا الدين ويريدون التمسك بتقاليدهم وعادات آبائهم وأجدادهم. فلو فتحت لهم باباً من السماء لقالوا: لا، أبصارنا سكرت، نحن في هناك مشكلة عندنا في البصر، أو أو أنت سحرتنا يا محمد لما أريتنا السماء مفتوحة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أراهم القمر منشقاً فلم يصدقوا، وأراهم كثير من الآيات. فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يطمئنه: ترى هؤلاء ليسوا فعلاً طالبين للحق وليسوا فعلاً يريدون شيئاً وموضحاً لهم، هؤلاء فقط يريدون الجدل، يريدون ماذا؟ الجدل. طيب، ولو كانوا فعلاً باحثين عن الحق لاكتفوا بهذه الآيات الواضحة أمامهم في خلق السماوات والأرض.

وَلَقَدْ جَعَلْنَا... الآن بدأ الله عز وجل يسرد آيات لو أنهم نظروا إليها لاكتفوا عن يعني قضية: نريد آيات، نريد آيات. فإن حولهم من الآيات في السماوات والأرض ما بحد ذاته يكون دليلاً واضحاً للباحث عن الحق. وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلَّا مَن استَرَق السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُم لَهُ بِخَازِنِينَ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ.

أليست هذه آيات واضحة أمامكم؟ لماذا تريدون آيات من نوع آخر؟ أليست هذه كافية بحد ذاتها للوصول إلى المعبود الحق سبحانه وتعالى؟

طيب، إذا شو مشكلة الإنسان؟ ايش مشكلة الإنسان بغض النظر، الانسان الكافر القرشي ولا غير القرشي؟ هل مشكلته عدم وضوح الحق؟ لا، مشكلته أنه كثيراً ما ينصت لإبليس. إبليس اللعين الذي أخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيشتغل بإفساد ذرية آدم، كثير من بني آدم للأسف ينصتون له. فالله عز وجل يريد أن يخبر أن مشكلتكم ليست عدم وضوح الحق، مشكلتكم هي الإنصات لإبليس. فذكر الله الإنسان بما قاله إبليس، فقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. الحما هو الطين، والمسنون هو المتغير الرائحة النتن، يعني خلقنا الإنسان وهو أصله أبينا آدم من طينة تغيرت رائحتها.

طيب، وأما الجان خلقناه من قبل من نار السموم. الآن الله عز وجل أراد أن يعطينا ذاك المشهد الذي أعلن فيه إبليس أنه سيغوي بني آدم. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ الآيات تعرفونها، الله قال لإبليس: ما لك ألا تكون مع الساجدين؟ قال: لم أكن لأَسْجُدَ لبشر خلقته من صلصال. قال: فاخرج منها فإنك اللعين.

هنا المشهد، قال ربي: فانظرني إلى يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين. ماذا قال إبليس في آية تسع وثلاثين؟ قال: ربي بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. هنا يذكر الله الإنسان بما حصل في الملأ الأعلى، أيها الإنسان إياك أن تقع فريسة لإبليس، إياك أن تنصط له فيصدك عن الحق.

فإبليس قال لله سبحانه وطلب من الله أن يأذن له بذلك، فالله عز وجل ماذا قال لإبليس؟ قال: هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. الله تكفل ببيان صراطه المستقيم، بيان الصراط المستقيم الله تكفل به، ثم قال لإبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. الله عز وجل يخبر، هكذا هي قصة الإنسان.

الله عز وجل يقول لإبليس: أنت لن تتسلط على عبادي المخلصين، وإنما ستتسلط على الطين الفاسدة من البشر وإن كانوا هم أكثر البشر. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، هؤلاء الذين سيتبعونك من الغاوين أعددت لهم جهنم. جَهَنَّمُ جُعِلَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ كُلُّ بَابٍ مِّنْهَا جُزْءٌ مَّقْسُومٌ. وفي المقابل المتقون الذين رفضوا الانصياع لك يا إبليس: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ.

ثم الله عز وجل قال بعد أن انتهى هذا المشهد وإخبار الإنسان بالمشكلة التي تواجهه في هذه الحياة، مشكلة إبليس الذي أذن له أن ينشغل باغواء البشر، قال سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبر الناس بهذه الحقائق الكبرى حتى يفهموا، نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. نبئهم أن الله غفور رحيم، كل من تعثرت خطاه، كل من ضل واراد الرجوع، كل انسان تائح حائر يريد أن يقبل فالله يقبله.

لكن في نفس الوقت لا تغتروا بحلمي ولا تغتروا برحمتي: وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ. ولما أراد أن يؤكد أن عذابه أليم سرد سبحانه وتعالى هنا مجموعة من قصص القوم الفاسدين الغاوين الذين أنزل الله عز وجل عليهم العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة. فبدا بقصة لوط، ولما بدا بقصة لوط مهد لها كيف أن الملائكة ذهبت إلى إبراهيم، وإبراهيم سألهم أين تذهبون بعد أن بشروه بالغلام العليم، فقالوا له إننا سنذهب إلى قوم لوط، وذهبوا إلى قوم لوط ودمروهم.

ثم تكلم سبحانه وتعالى أيضا في الصفحة التي تليها عن أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب، وتكلم أيضا عن أصحاب الحجر وهم قوم ثمود وبهم سميت سورة الحجر. فالله عز وجل لما قال: وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ، أراد أن يؤكد لهم أن عذابه أليم لأن سورة الحجر هي الآن ليست في سياق بيان صفات المؤمنين وماذا أعد الله لهم، لا، المقصود الأعظم منها إيعاد المشركين الذين ما زالوا يستهزئون بهذه الدعوة، ويريد أن يخبرهم بهذا العذاب الأليم الذي يمكن أن ينزل بهم في أي لحظة.

فعند قصة لوط أنا ساترك لكم قراءة المقطع الأول، مقطع الملائكة وهي تدخل على سيدنا إبراهيم، يهمني من آية سبعة وخمسين: فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ، إِلَّا آلَ لُوطٍ. آل لوط يعني أهله المؤمنين، أهله من أهل الإيمان ممن آمن به، وقيل آل لوط كل من آمن بلوط بغض النظر كانوا من أقاربهم ولا لا، فهؤلاء سينجيهم رب العالمين. إلا امرأته، تمام، إذا إلا آل لوط إلا امرأتهم.

إذا كلمة آل لوط تشمل أهله، لكن هل كل أهل لوط نجوا؟ لا، في واحد من أهل لوط ما راح ينجو، مين هو؟ امرأته، الفاسد. قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ. ثم بدا المشهد يسرد لك ماذا حصل، دخلت الملائكة على لوط، لوط ما عرفهم: قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ، وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ.

جاء أهل المدينة أصحاب الفعل الشنيعة يريدون الفاحشة بالملائكة، لوط تضايق جداً ضيوف وجايين وكذا وأنتم تريدون بهم الفاحشة؟ قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ، أي هؤلاء بناتي تزوجوهم بالحلال، لماذا والعياذ بالله تفعلون الفاحشة؟ فالله عز وجل يقول: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. يخاطب الله عز وجل نبيه قوم كانوا في سكرة العمى والشهوات، وفي قمة هذا السكر في قمة شهواتهم وغيهم وهم يعتقدون أن الحياة ستستمر هكذا.

فأخذتهم الصيحة، تخيل هم في سكرتهم يعمهون فأخذتهم فجأة، وهكذا يا إفواني الانتقام الإلهي يكون الإنسان في قمة فساده في قمة غيه شهواته ويظن أن الحياة متاحة له لكل المعاصي والشهوات، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ عند وقت الإشراق، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ. انقلبت القرية واتبعها الله بحجاره من سجيل، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ، المتوسمين المتاملين المتفرسين، يعني يا كفار قريش تاملوا قوم لوط كانوا على طريق كفار قريش عندما كانوا يذهبون في تجارتهم إلى الشام كانوا يعرفون أماكن قوم لوط.

فالله يقول لهم وأنتم تسيرون انظروا إلى ديارهم أنتم ترونها أمامكم، أيضاً وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين، الأيكة هي البستان أو الغيضة يعني الغيضة الذي فيها شجر ملتف، وهؤلاء قال المفسرون قوم شعيب أيضا الله عز وجل انتقم منهم كما مر معنا في سوره الصافات اتاهم عذاب يوم الظله انه كان عذاب يوم اليم، فقال سبحانه: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِئَامَامٍ مُبِينٍ.

ما معنى وانهما لبامام مبين؟ الامام هنا بمعنى الطريق. وأيضا أصحاب الأيكة الذي يظهر لي من القرآن أن قريش كانت تعرف أين قريتهم وماذا حل بهم من العذاب والظاهر أنها كانت أيضا في طريق تجارتهم، وكنت لا أعرف أين هي بالضبط، لكن لما قال سبحانه: وَإِنَّهُمَا لَبِئَامَامٍ مُبِينٍ، الضمير وانهما يعود على ديار قوم لوط وديار أصحاب الأيكة، أي وديار قوم لوط وديار أصحاب الأيكة لبطريق واضح ترونهم في أثناء ذهابكم إلى التجارة وعودتكم.

فالله يقول لهم وأنتم رايحين على التجارة يا اخي شوفوا هذه الديار تبصروا كيف اصبحت خاويه قويه على عروشها خاليه من سكانها. تمام، هذا الله عز وجل يامر الانسان بالاعتبار والاستبصار، وأيضا أصحاب الحجر. وأصحاب الحجر إخواني هم أقرب القرى المدمرة إلى قريش، لأن قرية ثمود، أصحاب الحجر هم ثمود، قرية ثمود هي اليوم تسمى في بلاد الحرمين المعلى، والمعلى هي قريبة من المدينة النبوية بشكل كبير، فقرية ثمود هي أقرب القرى المدمرة من ديار قريش.

لذلك سبحان الله كثير ما يركز القرآن على ثمود، حتى في سورة الشمس لماذا الله عز وجل في سورة الشمس ركز على ثمود فقط؟ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا. هناك عدة يعني تاملات لكن الذي يظهر لي أن قريش كانت كثيرا ما تمر على ديار ثمود لأنها أقرب القرى المدمرة عليها، يعني هم كانوا يمرون على الأحقاف في اليمن ويمرون على ديار قوم لوط في الشام ويمرون على الأيكة، لكن لو سالتني ما هي أقرب قرية حل بها عذاب كانت قريبة من بلاد قريش من مكة هي ديار ثمود.

ولذلك هنا السورة سميت بسورة الحجر باسم قوم ثمود لأنها على خاطر كفار قريش ويعرفونها جيدا جيدا. وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ. بعد أن نبه سبحانه وتعالى على أن عذابه أليم وذكر قريش بذلك عاد ليبين الحقيقة الكبرى، احذروا أن تعتقدوا أننا خلقنا السماوات والأرض وما بينهما عبثا، مَا خَلَقْنَا هُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وهناك يوم قيامة ستحاسبون فيه.

بعد ذلك قال للنبي صلى الله عليه وسلم أنت يا محمد عليه الصلاة والسلام ما زلت في المرحلة المكية ولم تؤمر بالقاتل بعد: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ، أَعْرِضْ عَنْهُمْ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. الله عز وجل خلاق ويعلم ماذا يحصل معك، وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم في زمن الاستضعاف تمسك بالقران، لقد اعطيناك الفاتحه السبع المثاني واعطيناك القران العظيم باكمله اقراه رتله انظر في معانيه حتى ينزل على قلبك الثبات.

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ، لا تنظر إلى ما عندهم من الحياة المرفهه فيضعف قلبك، القران اعظم اعظم من كل تلك الحياة المادية التي يعيشونها، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. تمام، ثم الله سبحانه وتعالى يامر نبيه عليه الصلاة والسلام بالثبات على الدعوة وعدم الاستهزاء عفوا وعدم الضعف امام الاستهزاء: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. خلاص عند رب العالمين موضوعهم، الله سيكفيك لا تقلق، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

وَلَقَدْ نَعْلَمُ، شوف الله عز وجل كيف يلطف قلب نبيه صلى الله عليه وسلم، يا محمد عليه الصلاه والسلام نعلم ان صدرك يضيق عندما يصفونك بالجنون وعندما يستهزئون بدعوتك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ. التسبيح يا إخواني ذكر الله سبحانه وتعالى تطمئن به القلوب، الله عز وجل يعلمنا، الله سبحانه هو الذي يخبرنا في لحظات الكرب، في لحظات الهم، في لحظات الغم، في لحظات ضيق الصدر: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، إيش أيضا؟ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، احرص على الصلاة والسجود هنا تعبير عن الصلاة عموما بأعظم أركانها وهو السجود، وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، داوم على الصلاة.

عشان هيك ربنا كثير ما يقول: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. الصلاة التي تكون بخشوع وتدبر وخضوع لها اثر كبير في صبر الإنسان، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. هكذا وظيفة الداعيه، الداعيه وظيفته الاستمرار على ثغر العبودية وعلى عتبات مولاه داعيا له مسبحا ذاكرا مصليا صادعا بالحق حتى ياتيه اليقين وحتى تاتي الحقائق فينكشف الغم ويرتفع الهم وينزل الله عذابه بالقوم المجرمين أو أن هذا الداعية يقبضه الله سبحانه وتعالى إليه ويرتفع إلى ربه مكافا مجزيا بأعماله الصالحة وثباته على دينه.

هذه كانت سورة الحجر، نذهب إلى سورة إبراهيم، ولاحظوا كيف تكون المواضيع متشابهه في هذه السور الثلاث. في سورة إبراهيم في البداية المدخل المتكرر وهو الاحتفاء بالقرآن وبيان عظمته وقيمته وفائدته العظيمة للناس، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. إذن الله عز وجل يخبر في مطلع سورة إبراهيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

هذا الكتاب أتى ليخرج الناس من ظلمات الشرك، الكفر، الشبهات، الفساد العقدي، الفساد السلوكي الأخلاقي، من الحياة العابثة الاستهزاء، أت اهم إلى النور. الظلمات كثيرة لأن طرق الشرك والكفر والشبهات كثيرة، فقط ظلمات، واما النور فهو واحد، لذلك جمعه الله سبحانه وتعالى لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، إلى النور إلى صراط العزيز الحميد، فالنور هو صراط العزيز الحميد، لذلك أتى بهذا التركيب إلى النور إلى صراط العزيز الحميد، لاحظوا هذان التركيبان، إذا النور هو صراط الله المستقيم اللي احنا دائما في كل صلاة نقول اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.

طيب، بدأت الصورة الآن بموضوعها بعد هذه التوطئة والديباجه اللي بتكون كالمقدمة، كيف الشعر العربي مش بيكون دائما هناك مقدمة طللية، هناك نفس الشيء القرآن أتبع أسلوب العرب في خطاباتهم، يعطي مقدمة وتوطئة في بداية السورة حتى يدخل في موضوعها رويدا رويدا: وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ. بدا الخطاب مع الكافرين كيف سورة الحجر الخطاب مباشرة مع الكافرين، لذلك سورة إبراهيم سورة مكية كانت ضمن الصراع في مكة فكان لابد من إنذار المشركين، وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، الَّذِينَ يَسْتَحَبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، يبغون الطرق المعوجة ولا يريدون صراط العزيز الحميد.

الان الله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أن بعثتك كرسول بشري إلى قوم بشر شيء طبيعي، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ. الله عز وجل أرسلك بلسانهم باللغة أنت عربي بعثت وخرجت بين العرب، وهذا من التسهيل من الله سبحانه وتعالى على هؤلاء القوم ليفهموا لسانك ودعوتك بدلا من أن يكون رسول أعجمي لقوم عرب أو رسول عربي لقوم أعاجم.

ولست اول رسول يا محمد صلى الله عليه وسلم يرسل، دائما تذكروا أن القصص الأنبياء كانت تثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت لقلوب الدعاة الذين يسيرون على نهجه، فالله عز وجل دائما كان يذكر نبيه صلى الله عليه وسلم حتى لا تتزعزع ثقته حتى لا يشعر بالضعف يذكره لست بدعا من الرسل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ.

أيام الله، كلمة أيام الله وردت في سورة أخرى هذا التركيب من يعطيني في أي سورة ورد؟ أو ما معنى أيام الله أيضا يعني على السريع، أيضا ورد هذا التركيب في سورة أخرى سبقت معنا. يلا انتظر الإجابة من الذين يتابعون معنا، ها سنفتح الآن التليجرام أيضا ننظر في الإجابة. نعم الله، ممتاز، نعم الله. أيام أيام الله، نعم الله، والبعض نعم قال سنن، والبعض قال أنها سنن الله، وأكثرهم يقولون أنها نعم الله، أين وردت في أي سورة سابقة؟ ممتاز، على التليجرام إجابة: في سورة الجاثية قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ. ولذلك أنا قلت أيام الله تفسيرها بالنعم أوضح، لانه كما قلنا لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لا

يرجون نعم الله، هذا يكون أوضح. طيب، إذا موسى أتى لقومه ليذكرهم بنعم الله عليهم وكم أنعم الله على بني إسرائيل من نعمه، أنجاهم من فرعون، أنزل عليهم المن والسلوى، آواهم، أعطاهم وفضلهم على أهل زمانهم، نعم كثيرة.

وموسى قال لقومه في آية ستة: واذكروا نعم الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، وذكر القصة: وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وفي ذلكم يعني إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يعني كان عليكم بلاء عظيم والله سبحانه وتعالى أنجاكم منه. طبعا هنا ذكرت هذه النعمة بالتحديد لأنها أعظم نعمة أنعم الله عز وجل بها على بني إسرائيل، أنه أخرجهم من سيطرة فرعون، لأن فرعون كان كاسرا لهم تماما، فمن النعم العظيمة أن الله سبحانه وتعالى أنجاهم هو منه. فموسى كان يذكر بني إسرائيل كلما عصوا وعتوا وتمردوا بهذه النعم، وأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم ذكر قومك بنعم الله سبحانه وتعالى عليهم، لأن قريش فعلا في جزيرة العرب كانت أفضل القبائل، أفضلهم حالا، أفضلهم مطعما مشربا، يأوي إليهم الناس، فهذه نعم عليهم أن يقدروا قدرها. والله عز وجل سبحانه إذا شكر على النعم زاد، وإذا كفر على النعم حبس وسحب.

لذلك موسى ماذا قال في آية ثمانية: وَقَالَ مُوسَى إِن تَكفُرُوا أَنتُم وَمَن فِي الأَرضِ جَميعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ. ثم الله عز وجل يكمل الخطاب: أَلَم يَأتِكُم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم قَومِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعدِهِم لَا يَعلَمُهُم إِلَّا اللَّهُ. كَم جاءَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ فَاستَكَبَرُوا وَرَدُّوا أَيدِيَهُم فِي أَفواهِهِم وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ.

وبدأ الرسل يحاورون أقوامهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَدعُوكُم لِيَغفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُم؟ وكيف أن الرسل أصرت على عدم السماع للأنبياء بحجة أنهم بشر، الحجة المتكررة: قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا. وهذه من أكبر المشاكل، التمسك بالعادات والتقاليد؛ أكبر خطأ في حياتك أيها الإنسان أنك تبقى متمركزا حول العادات والتقاليد التي نشأت عليها دون أن تفكر هل هي توافق شرع الله سبحانه وتعالى أو تخالفه؟ هذه كانت أبرز صور الهوى عند المشركين، كانوا يقولون لرسلهم: أنتم تريدون منا نترك العادات والتقاليد اللي ربونا عليها آباؤنا وأجدادنا؟ فاتونا بسلطان مبين.

فالرسل قالت لهم: نعم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن ناتيكم بسلطان السلطان حجة والي يريدون آية. وبالتالي منهج كفار قريش في اقتراح الآيات على رسلهم على النبي صلى الله عليه وسلم هو نفس منهج الكافرين مع الرسل دائما، يريدون آيات آيات آيات، وليس بحثا عن الحق، هم يريدون آيات فقط من باب المجادلة والمماحكة. طيب، فالرسل وكل الدعاة إلى الله يجب أن يسلكوا مسلك الرسل، وقالوا ماذا قالوا: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا. شوف هي الكلمة كم هي فخمة وعظيمة، يريد الله من كل السائرين إلى الله أن يقولوها أمام الكافرين، أمام المستهزئين، حتى في المجتمعات المسلمة؛ قولوا أمام كل من يصدكم عن دين الله: ولنصبرن على ما آذيتمونا.

وصل الحال بالكفرة أن قالوا لرسلهم -هنا لا نتكلم عن كفرة معينين أو رسل معينين، الكلام عن الكفر عبر التاريخ- كثيرا ما قال الكفار لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودون في ملتنا. وأوحى الله إلى الرسل: لا تقلقوا، لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم. وهذا ما حصل حتى مع النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن هجره قومه عاد فسكن مكة فاتحا أميرا زعيما، صلوات ربي وسلامه عليه.

والكفار كانوا كثيرا ما يطلبون من أنبيائهم ماذا؟ كانوا كثيرا ما يطلبون من أنبيائهم أن يعجلوا لهم بالعذاب، واستفتحوا. قالوا: أنتم توعدوننا بيوم قيامة وعذاب، يا أخي آتونا بهذا الفتح الذي تقولونه على سبيل الاستهزاء، هي العبارة ورد مثلها في سورة المؤمنون: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. هذا معنى واستفتحوا في سورة إراهيم، ما ورد في سورة المؤمنون: ويقولون متى هذا الفتح، يعني أيها الرسل أتعبتمونا بذكر اليوم الآخر وأن هناك عذاب وأنه سيحل بنا عذاب السابقين، يا أخي آتونا بهذا العذاب، استفتحوا.

طيب، الله عز وجل ايش يقول لهم؟ من ورائه جاييهم، من ورائه أي من أمامه، الوراء هنا بمعنى الأمام؛ جاييهم جهنم ويسقى من ماء صديد، يتجرعه ولا يكاد يسيغه وياتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. يعني في جهنم كل شيء حولك في جهنم يسبب الموت وما رح تموت، لانه خلود أبدي. وتخيل يعني كل العذاب الذي ينزل بك في جهنم هو عذاب مميت ولكنك لا تموت، انظر شدة الألم والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافيه.

ثم الله عز وجل يخبر نبيه، شوف كل هذه طمانينة وسكينه وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد عليه الصلاة والسلام، هكذا وجه الانبياء من قبلك، وهكذا كان خطاب الكفار لرسلهم، تهديد، وعيد، استهزاء: لنخرجنكم. طب هؤلاء الكفار، دعونا نرى مشهدهم وهم في جهنم، وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا، شوف آية إحدى وعشرين: فقال الضعفاء للذين استكبروا -جنود الكفار يقولون لأسيادهم-: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا لما كنا نستهزئ بالرسل والانبياء وأتباع الأنبياء ونعذبهم ونسجنهم، احنا كنا نتبع أوامركم، أنتم طلبتوا منا نسجد للمصلحين، أنتم طلبتم منا أن نسجد أهل العلم والخير والصلاح والمشايخ والدعاة، احنا كنا لكم تبعا، فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ؟ هكذا سيقول الجنود لأسيادهم وهم مجتمعون في نار جهنم.

فماذا سيقول لهم أسيادهم؟ لَو هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَواءٌ عَلَينا أَجَزَعنا أَم صَبَرنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ. يعني نحن لو كنا على خير لقلنا لكم، لكن هسه اجتمعنا في نار جهنم، سواء صبرنا ولا ما صبرنا، بكينا ولا ما بكينا، ما في مهرب. وهذه ورطة جهنم، أي بلاء في الدنيا اخواني له نهاية، لكن أن تبتلى بجهنم والله ليس لها نهاية، مهما تعرضت لبلاء في الدنيا احذر أن تكفر، مهما تعرضت لفتنة في هذه الحياة احذر أن تكفر، لأن كل بلاءات الدنيا تزول، والله لو تسلط عليك أمريكا والصهيونية واليهود وأنزلوا بك كل بلاءات الدنيا، ما آخرها؟ آخرها أن تموت تستشهد، خلص يزول، يعني حتى لو استشهد زال، لكن جهنم كما قال ربنا قبل قليل: وَيَاتِيهِ المَوتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وَما هُو بِمَيِّتٍ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا من عذابه.

نعم، هنا إحدى التعليقات؛ سورة السجدة هي التي ورد فيها: ويقولون متى هذا الفتح. نعم، هذا يعني سهوت تقول سورة المؤمنون، عفوا هي سورة السجدة.

يا رب، إي نعم، الآن في الآية اثنين وعشرين من سورة إبراهيم الشيطان سيخطب بكل اتباعه من الكفار عبر التاريخ الإنساني، الشيطان خطيب النار، الشيطان إبليس خطيب النار سيخطب في كل اتباعه من قوم من الكفار، من قوم نوح وقوم عاد وثمود وكفار قريش، وفي أمريكا واليهود والصهاينة، رح يجمعوا كلياتهم، يخطب فيهم خطبة جهنم، يقول لهم: إن الله وعدكم وعد الحق، ربنا وعدكم أنه في عذاب وخوفكم ووعدكم أنه في جنة وبشركم، لكن أنا ضحكت عليكم، أنا وعدتكم وأخلفتكم، يعني هو صريح الشيطان: وعدكم بحياة دنيا ستخلدون وأنكم وأنكم وغششتكم. وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ، يعني أنا في النهاية ما كنت أملك قلوبكم، أنا فقط كنت أوسوس وأنتم سمحتوا لي أني أدخل في قلوبكم وأملكها. فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ، ما تقولو ابليس، لوموا أنفسكم، لوموا العفونة التي في قلوبكم، مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ، لا أنا رح أفيدكم الآن ولا أنتم رح تفيدوني، إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ، يعني أنا كافر حتى بكم وبشرككم بي. سبحان الذل! شوف الذل، شوف المهانة التي ستلحق بهم في نار جهنم.

في المقابل، الذين ثبتوا على طريق الدعوات وصبروا أمام التهديد والوعيد: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ. هذا إخواني هو الفرق بين الموحد والكافر، لذلك الله سبحانه وتعالى ضرب مثلا لكلمة التوحيد وأثرها في حياة إنسان في الدنيا وفي الآخرة، وكلمة الكفر وأثرها في حياة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة. أنت لما تكون موحد، أنت كسان بذر بذرة طيبة في الأرض، أخرجت شجرة، هذه شجرة أخرجت من أطايب الثمار: أَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصلُها ثَابِتٌ متجذر في الأرض وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. هذه التوحيد؛ جذور ثابته وثمار يانعة.

طيب، في المقابل كلمة الكفر والإصرار على منهج الكفر: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ. كشجرة هزيلة ليس لها جذور عميقة، وإنما سهلة السقوط والوقوع، ما لها من قرار، مش راسخة. إذا ماذا نفعل؟ نطلب من الله الثبات ونستمر حتى يثبتنا الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ بالتوحيد فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون على منهج الثابتين.

هنا عادت سورة إبراهيم من آية ثمانية وعشرين لتذكر كفار قريش بعد ذاك العرض والسرد، عادت لتذكر كفار قريش بالنعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليهم، وهذا يتناسب مع بداية السورة أن موسى ذكر قومه بنعم الله، فأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم بنعم الله وأن يقابلوها بالشكر: أَلَم ترَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وبدلوا النعم بالكفر بدل من أن يشكروا جعلوا مكانها الكفر بالله سبحانه وتعالى وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، وهي جهنم دار الهلاك، وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ قُل تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ.

والله عز وجل في المقابل أهل الإيمان الله عز وجل أمرهم بالثبات على إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله والاستعداد لذاك اليوم المهيب، وذكرهم سبحانه وتعالى -يعني- الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك. هنا سياق التذكير بالنعم؛ شوف النعم المحيطة فيكم وأنتم لا تشكرون الله عليها، من الذي أنزل من السماء ماء فأخرج لكم الأرزاق الطيبة التي تطعمونها؟ من الذي سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره؟ من الذي سخر لكم الأنهار تصطاد منها وتسيروا فيها وتشربون منها؟ من الذي سخر لكم الشمس والقمر دائبين مستمرين بحركة متوازنة؟ من الذي سخر لكم الليل والنهار؟ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.

إذا سورة إبراهيم تشبه سورة النحل في التذكير بالنعم وانه كيف ينبغي للانسان أن يقابل نعم الله عز وجل عليه، وكم نحن مقصرون في جناب هذه النعم، كم نستعمل نعمة الله علينا بالبصر فنضيعها أمام السوشيال ميديا والكلام الفارغ، كم نستعمل نعمة العقل في التفكير بالمعاصي والذنوب والأفكار الرديئة، ما هذه كلها نعم؛ ربنا أعطاك عقل تستثمره بشيء مفيد، أنت لما تكون تستثمره دائما بالمعاصي والذنوب والخطرات الرديئة مش هذا خطأ وإثم وعدم تعظيم هذه النعمة؟ لما يكون ربنا معطيك بصر وأنت تنظر به إلى الحرام، أو سمع وأنت بتسمع فيها المعازف والموسيقى والغناء، أو لسان وأنت تغتاب وتنم به، أو يد وأنت تكتسب بها الحرام وغير ذلك، أليس هذه كارثة؟

طيب، لذلك الله عز وجل يخبرنا عن طبع الإنسان الكفور: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، هي طبيعة في الإنسان لازم يتخلص منها الإنسان؛ ظلوم يظلم نفسه لما يكفر نعمة الله، وكفار لنعم الله، للاسف هكذا أكثر جنس البشر.

ثم الله عز وجل يذكر قريش بابراهيم عليه السلام، بأبيهم إبراهيم الذي هم يتمسحون به، قريش كانت دائما تقول: نحن على بقايا إبراهيم، وتزعم أن إبراهيم كان مشركا وأنه يرضى ما هم فيه من الشرك. فالله عز وجل أراد أن يخبرهم من هو إبراهيم الذي كان سببا في نشأة مكة التي هم فيها: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، مكة التي أنتم فيها يا كفار قريش. وماذا كان يقول إبراهيم؟ أبوكم إبراهيم كان يدعو ربه أن يجتنبه وبنيه عبادة الأصنام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. تقولون أنكم على بقايا دين إبراهيم؟ أنتم كذبا، إبراهيم دعا لأهل مكة أن تكون بلدا طيبا ودعا ربه أن يقي ذريته من عباده الأصنام التي أنتم عليها وكان يقول: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي.

إذا أنتم يا كفار قريش لستم من اتباع إبراهيم، لأن إبراهيم ماذا قال؟ قال: يا رب من تبعني على التوحيد فهذا الذي هو مني ويتبعني ويحق له أن ينتسب إلي، ومن عصاني فانت يا رب اغفر له وارحم من خلال توفيقه للتوبة، لكن هذا مش محسوب علي، فمن عبد الأصنام ولم يسر على خطى إبراهيم ولا على ملته ليس له أن يقول إنني على ملة إبراهيم. رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مُّذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، الوادي غير ذي زرع هي مكة كانت أرض قاحلة لا يوجد فيها أي شيء، صحراء وكانت وادي بين جبال هكذا هي مكة أصلا، لماذا؟ قال ربنا: لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.

شوف هذا كله تذكير لقريش، هذه مكة التي أنتم فيها، هذه دعوة سيدنا إبراهيم وهي النعم اللي أنتم فيها والثمرات والحياة الآمنة وزمزم والبيت المقدس، هذا يحتاج شكر شكر وليس كفر يا بني إسرائيل، إذا هذا كلام سيدنا إبراهيم إلى آخر الصفحة، الموحد المعظم لله سبحانه وتعالى الذي يدعو إلى إقامة الصلاة لله.

الواحد الديان، الذي يسأل الله عز وجل الثبات له ولذريته.

بعد ذلك تأتي الآية اثنتان وأربعون تعود لتتوعد كفار قريش إذا أصروا على عدم السير على خطى إبراهيم: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. إذا أصررتم على منهجكم، ربنا ليس غافلًا، ربنا يمهل ولا يهمل، وهذا منهج ربنا يخبرنا فيه كثيراً في القرآن أنه يمد للظالمين: سَيَمُدُّ لَهُمُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، أمليتهم ثم أخذتهم، كما في سورة الأنبياء. فهذا منهج الله سبحانه وتعالى في القرآن يخبرنا به، أنه في هذا الكون يعطي للظالم وقتاً ومساحة ويمهله، لكنه ليس غافلاً، والله إن ربنا ليس غافلاً.

وهذا يعطيك ثقة بالله سبحانه وتعالى، لا تسئ ظنك بالله، سيأتي يوم هؤلاء الكفار مُهْطِعِينَ أي مسرعين إلى الداعي، مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ هكذا يرفعون رؤوسهم وهم يشهدون اللحظة المهيبة التي طالما ذكروا بها وأعرضوا عنها. ويوم القيامة لما ياتيهم العذاب سيقولون: رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ. فالله سيقول لهم: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وأن دولتكم خالدة؟! وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، يعني كم من قرية ظالمة رأيتموها ورأيتم العذاب الذي حل بها، بدلاً من أن تعتبروا بهذا العذاب الذي حل بهم، سكنتم في قراهم وأحدثتم نفس الظلم الذي أحدثوه. وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم مع أنه تبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال.

سبحان الله، القرآن والله لا يبقي لكافر عذراً، القرآن لا يبقي لكافر وضال عذراً لكثرة ما فيه من التهديد والوعيد والإنذار والتذكير: فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ. الله عز وجل لا يتخلى عن الرسل، ولا عن اتباع الرسل، ولا عن الموحدين، ولا عن المرابطين، لكن لكل أجل كتاب. سياتي يوم القيامة وسيظهر كل شيء، وستظهر الخبايا، وسيحقق الله سبحانه وتعالى ميزانه في عباده، فينجو فيفرح المؤمنين بجنات النعيم، ويغيظ الكافرين في نار الجحيم: تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. كم نفسنا فعلاً نرى هؤلاء المجرمين، نرى هؤلاء المجرمين الذين آذوا عباد الله الموحدين في كل زمن! كم نشتاق أن نراهم مقرنين في الأصفاد في أيديهم وأقدامهم، سرابيلهم من قطران تمام وهو النحاس المذاب، يلبسون سرابيل سراويل وثياب من نحاس مصلى بالنار وتغشى وجوههم النار.

نسأل الله أن يرينا يوماً في الكافرين يشفي به صدور الموحدين، هؤلاء الذين ساموا عباد الله المؤمنين سوء العذاب قديماً ومعاصراً. في الوقت المعاصر كم من جبار يسجن أهل العلم، كم من جبار يتسلط على الموحدين، كم من جبار يفتك بشباب الدعوة ونساء الدعوة! نسأل الله أن يرينا فيهم يوماً أسوداً، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير. لذلك ختمت سورة إبراهيم: هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ. هذا تحذير وبلاغ من الله للبشرية، للجنس البشري، للانس، وليعلموا أنما هو إله واحد. هذا القرآن بلاغ كيف هي القصة ستكون، من بداية ونهاية، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ يعني أصحاب العقول. هذا القرآن يفيده، من اللي بيشغل عقله؟ القرآن يفيده أيما فائدة.

طيب، السورة الأخيرة التي سنختم بها مجلس اليوم ومجالس رمضان إن شاء الله هي سورة الرعد. وسورة الرعد أيضاً هي من السور المكية التي نزلت في الصراع الفكري الذي كان يدور في مكة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش ومنهجية كفار قريش وعقليتهم. القرآن عرض لنا عقلية كفار قريش، وأخبرنا أن العقلية الكافرة لكفار قريش عقلية كانت موجودة عند الأمم السابقة. والانسان المتبصر ويعيش كما قلت قضية الدعوة اليوم يمارس الدعوة، يعرف أنه حتى الكفر اليوم في زمننا الحاضر هو يمارس نفس العقليات، يعني تختلف العبارات والألفاظ، لكن مضمون وفحوى المناقشات الفكرية مع الكفار اليوم هي نفس مضمون وفحوى الإشكالات والاعتراضات التي كانت موجودة عند كفار قريش قديماً بل حتى عند قبلهم.

بدأت سورة الرعد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ. احتفاء بالكتاب، يعني خلص هذا المدخل هذه الديباجة: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ. لا يريدون الإيمان بهذا الحق وما تضمنه من إنذار ووعيد وتذكير بالدار الآخرة.

طيب، الآن سورة الرعد أيضاً كما قلنا، سورة الرعد أتَت لتتدعو كفار قريش إلى ضرورة الانصياع لله سبحانه وتعالى من خلال النظر والاعتبار بخلق الله وأفعال الله سبحانه، فبدأت بذكر أفعال الله العظيمة في هذا الكون: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ. وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشي الليل النهار، يغشي يعني الليل يأتي ليغطي بظلمته النهار. وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. كل هذه الآيات آيات لقوم يتفكرون، آيات لقوم يعقلون، يعني أي إنسان ينظر في المشاهد الكون الأمام التي تعرض أمامه هذه كلها آيات تدل على الله العظيم. فلماذا تقترحون يا كفار قريش آيات أخرى؟ كل هذا الكون بعظمته وجلاله لم يدلكم على الله حتى تطالبوا بشيء أعظم من هذا؟ من لم تعظه السماوات والاراضي، من لم تعظه الأرض والاشجار وانزال الأمطار، هذا لن يعظه شيء إخواني، واضح أن هذا لن يعظه شيء. لذلك كان الله عز وجل يقول: ما في هذا الكون من الآيات المشاهدة فيه كفاية وزيادة.

طيب، بعد أن انتهى الله عز وجل من ذكر هذه الآيات الداله عليه، أنه بعد قليل سياتي في موضعين في سورة الرعد اقتراح الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم: بدنا آيات، بدنا آيات جديدة. هنا بدأت سورة الرعد تتكلم عن قضية الدار الآخرة في آية رقم خمسة: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ. بدك تتعجب من شيء هيك، بدك تتعجب من شيء؟ تعجب من قولهم أو من استبعادهم أن الله عز وجل يعيدهم للدار الآخرة، وَيَقُولُونَ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. طيب، ما أنتم كنتم عدم وأصبحتم في خلق، إيش المشكلة أنكم تتحللوا تراب ثم تصبحوا في خلق؟ لا، هؤلائك قوم بهت، فقال الله سبحانه: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ. والأغلال تكون في الأعناق، وأما الأصفاد التي ذكرت في سورة إبراهيم فتكون في الأيدي والأرجل تمام، هذا الفرق بين الأغلال والأصفاد. وبعضهم قال: إن الأصفاد في الأيدي والسلاسل في الأرجل، هناك يعني راجعوا غريب القرآن وانظر الفرق بين الأغلال والأصفاد والسلاسل.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُولَاتُ. كفار قريش كما قلنا كثيراً ما كانوا يقولون: ايتنا بهذا الفتح، ايتنا بهذا العذاب الذي تقوله. والله يقول: تستعجلون بالسيئة، تستعجل السيئة هنا يعني المصائب والعذاب، تستعجلون بالعذاب بدل ما تقولوا ايتنا بالخير، تستهزئون. وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُولَاتُ يعني كم رايتم من أمثله في القرآن وفي واقع الحياة، مثولات أمثله كثيرة لمن دمرتهم، على ايش ترون أنفسكم؟

لكن الله سبحانه وتعالى يصبر على الناس، صبور: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ. ربنا بيصبر وبيستر وبيبعطيك فرصة لعلك تستيقظ، لكن إذا أخذ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ. يعني صح ربنا بيعطي فرصة وسبحانه وتعالى والله والله أيها الكرام لو أن شخصاً منكم تعرض لمثل هذا الاستهزاء والأذى مع أنه أنعم على شخص بنعم كثيرة، يصبر معك العلاقة معه يومين، يعني لو أنت أحسنت إلى شخص إحسان كبير وعطاء عظيماً، أعطيته ملايين الدينار وسكنته في فلل وأعطيته وأعطيت كل هذا الخير، ثم هذا الشخص لما أتيت تقول له: يا فلان، اعرف هذا الحق لي، قال: لا، بعد ما أعطيتني هذه الملايين والفلل ما بعترف لك بالحق، وجلس يستهزئ بك، أنت سيكون نفسك مباشرة تذبحه وتقتله في أرضه، يا رجل أعطيتك ملايين، أعطيتك حياة رغيدة، بتتعامل معي هاي الطريقة وتسيء إليّ؟

أحياناً نحن بنقدم معروفاً صغيراً، وإذا الشخص الذي قدمت له المعروف أساءك، مباشرة ترفضه وتتركه مباشرة، يعني لا تصبر. بالله عليكم كم آذى الناس رب العالمين سبحانه وتعالى؟ ادعوا له الولد، أشركوا معه، ألحدوا به، لم يعترفوا له، كذبوا برسله، يا الله كم آذوا رب العالمين! والله يصبر، يصبر سبحانه: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ. لكن هذا الصبر في النهاية له حدود، وينزل مغفرته ورحمته على من يستحقه، أما الذي خلاص يصل لمرحلة من الاستغناء والاستكبار التام، فهذا يناسبه: وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ.

طيب، وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ. كما قلنا كفار كانوا يقترحون انزال الآيات، والله بدأ السورة بذكر الآيات حتى يقول هذه الآيات الكونية تكفي، لماذا تقترحون انزال الآيات؟ قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم أنه أنت منذر، أنت لست ليس من عملك أن تبقى: يا رب أنزل علي آية، يا رب أنزل علي آية. لا، أنت وظيفتك أن تنذرهم، وقد جاءتهم من الآيات ما تغني وما تكفي.

وكان السورة تعود إلى ذكر بعض الآيات هنا، لما قال سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ. يعني كم على كم سيولد هذا الطفل؟ على ست أشهر، يعلم تغييد تنقص، وما تزداد، إذا بعض الأجنة ولدوا بعد التسعة أشهر عشرة، أحد عشر، الله يعلم ميقات كل مولود متى سيخرج إلى الدنيا، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. هذا الإله العظيم، العلم، الله يعلم هنا تركيز على صفة العلم. في الصفحة الأولى كان تركيز على صفة الخلق، هنا تركيز على صفة العلم، من كان علمه بهذه السعة اليس هو الإله الحق؟ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ۝ سَوَاءٌ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهارِ. اللي مستخفي في الليل في غرفة ربنا عارفه، وسارب بالنهار واللي ماشي في النهار في الشارع برضه ربنا عارفه. فآية ثمانية، تسعة، عشرة تركيز على صفة الله العليم، كما أنه آية اثنين، ثلاثة، أربعة التركيز على الخلق والإتقان في الصنعة على صفة الله الخالق وعلى صفة الله الذي يحكم صنعته.

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ۝ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ. بعد كل هذه الحقائق، بعد كل هذه القوة والعلم والخلق، ما زالوا يجادلون في الله وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ. الله متين أيها الكرام وشديد القوة.

بعد ذلك يقول سبحانه وتعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ. تمام، كل ما أنت بتحمل يحمل من الماء، سيبقى يتسرب من بين أصابعه، أليس كذلك؟ فالله عز وجل يخبر أن الذي يدعو الله سبحانه وتعالى ويلتجئ إلى الله ويفزع إلى الله يستفيد، وأما هذه الأصنام التي تدعونها لا تستجيبون لكم، لا تستجيب لكم بأي شيء إلا كإنسان يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وعمره ما رح يبلغ، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ. هؤلاء الكفار الذين يدعون أصنامهم، وهؤلاء الذين يدعون القبور ويلتجئون إليها، وما دعاؤهم إلا في ضلال، كله مضيعة وقت وفساد من كل النواحي، لأن الدعاء إنما يكون لمن يسمع ويبصر ويعلم وهو قوي، وهو الله سبحانه وتعالى.

الدعاء يكون لمن يسجد له من في السماوات والأرض، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول للكفار أو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ فسيجيبون: الله. وكفار قريش كانوا يعلمون ذلك. طيب، إذا كنتم تعرفون أنه الله، قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وأصناماً لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؟ يعني لا تستجيب لكم، لا تنفعكم شيء. فعلاً سبحان الله، هَلْ يَسْتَوَى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ؟ الذي يرى الأمور والحقائق، هل يستوي مع شخص أعمى عن الحقائق؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوَى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ؟ والله لا يستوي راحة العلم والإيمان مع ظلمات الكفر والشرك، أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ؟ أو لعل هذه الأصنام التي تعبدونها لعلها خلقت خلقاً فتشابهت مخلوقات الله مع خلق أصنامكم، يعني لعله في شيء زي كذا، وهذا نوع من التهكم والاستهزاء بهم. قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. ما في أي شيء يدل، ولو دلالة واحدة على أن أصنامكم هذه تصلح للألوهية، ما في أي ولو دليل واحد.

ثم الله عز وجل أراد أن يخبر سبحان الله كيف أن الباطل هزيل، كيف أن الباطل ضعيف، ضرب لك مثلاً الحق والباطل، يقول سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا. لما ياتي لما ينزل الماء الكثير من السماء فتسيل الأودية، فوق هذا الماء، فوق السيل يكون هناك غثاء زبد، هذا مثال الباطل، الباطل هو الزبد الذي يكون فوق السيل يذهب لا قيمة له، إذا فاحتمل السيل زبد رابيا.

ومثال آخر أيضاً على الحق والباطل كذلك، ومما يقدون عليه في النار: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِمْ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ. لما تكون أنت استخرجت من المعدن مخلوط بتراب الأرض أو ذهب مخلوط بمعادن أخرى، وأردت أن تخلصه من الشوائب، فإنك تعرض هذه القطعة المعدنية على النار حتى تزول الشوائب منها لتبقى القطعة المعدنية الذهبية أو الفضية خالصة، كذلك هذه الحياة الدنيا. لذلك قالوا ومما يقدون عليه في النار ابتغاء حلية، يعني ابتغاء صنع صياغة بذهب من الذهب، أو ابتغاء الحصول على متاع من خلال هذه المعادن التي يريدون تنقيتها.

من الشوائب زبد مثله، قال: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ. الآن مياه المطر حملت زبد، الزبد يروح وتبقى مياه الأمطار هي التي ينتفع بها الناس. كذلك الحق والباطل، الباطل هو الزبد يذهب ويبقى الحق ينتفع به الناس في مزروعاتهم وأراضيهم.

كذلك القطعة المعدنية المشوبة بالشوائب عندما تعرض على النار يخرج منها الغثاء والأشياء التي لا قيمة لها تذهب وتذوب وهذا هو الباطل، وتبقى القطعة المعدنية النفيسة التي يستفيد منها الناس متاعاً لهم أو في صناعة الحلي وما شابه ذلك. هذه هي الحياة، الله سبحانه وتعالى أوجد الحق والباطل، وأن الباطل هو كالغثاء الذي سيزول والذي يملك له في النهاية هو ماذا؟ هو الحق، لكن لابد من صراع بين الحق والباطل حتى يخرج الباطل وينفصل تماماً ويلقى في مزبلة التاريخ.

طيب، الله عز وجل يعلي من شأن الذين يتبعون الرسل والرسالات، لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إذاً، الذين استجابوا لله لهم الحسنى وهي الجنة في الدار الآخرة، والذين لم يستجيبوا لله وبقوا مع أصنامهم ومعبوداتهم هؤلاء يوم القيامة لو أن لهم ما في الأرض جميعاً لافتدوا به ولن يستطيعوا أن يفتدوا أنفسهم.

فعلاً فرق بين من اتبع الوحي الإلهي وانصاع، وبين من بقي مع هوى، أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى في غيه وشهواته؟ إنما يتذكر وينتفع بهذا الحق أولو الألباب.

ذكر الله عز وجل هنا صفات المنتفعين بالحق، صفات الذين استجابوا لربهم: الذين يوفون بعهد الله، وعهد الله هنا كل ما أمرك الله به من فعل الأوامر وترك النواهي، ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربهم يخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة إلى آخر الآيات. هؤلاء الذين عرفوا أن ما أنزل إليك من ربك الحق، هؤلاء هم الذين يدخلون الجنة مع أزواجهم وذرياتهم، وتدخل عليهم الملائكة تحتفي بهم تقول لهم سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

وأما الذين نقضوا العهد مع الله وينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، كل شيء أمرك الله بصلته من الأرحام وغيرهم، ويفسدون في الأرض، فهؤلاء ماذا؟ هؤلاء لهم اللعنة ولهم سوء الدار. فالعبرة بالنهايات والله، العبرة أيها الكرام بماذا؟ بالنهايات. أما الدنيا ممكن تتوسع على فلان وتضيق على فلان، مشان هيك ربنا في آية ستة وعشرين شو قال مباشرة؟ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ.

يا أيها الإنسان انتبه، الدنيا ليست مقياساً، كل الدنيا متاع، الدنيا لا تزن عند الله شيئاً، لا تعتبر الدنيا نجاحاً، النجاح في الآخرة، النجاح أن الملائكة تدخل عليك من كل باب وتقول لك سلام عليكم بما صبرتم. هذا هو النجاح الحقيقي، وهكذا القرآن يرتب أولويات الإنسان ونظرته للأمور.

طيب، عاد الله سبحانه وتعالى ليكرر ماذا قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم منهجهم في اقتراح الآيات، وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ. هلا أيتنا بآية أخرى، كل هذا الكون بما فيه من الآيات لم يعينهم، كل هذا القرآن وما فيه من المعجزات لم يعينهم، ما زالوا مصرين على اقتراح الآيات.

قل لهم في هذه المرة، في المره السابقة في آية سبع سبع الله أمره أن يقول لهم إنما أنك إنما أنت منذر ولكل قوم هاد، هنا آمره الله أن يجيبهم: ما بدنا ننزل آيات بماذا المفهوم؟ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ. يعني نحن لست مطلوب منا أن ننزل الآيات، هذه الآيات التي ينزلها الله بقدر تكفي، من يكتب الله له الهدايه سيهتدي بها، ومن يكتب الله عليه الضلالة سيضل، فلا تبقوا تشتغلوا بهذه الزاوية.

طيب، ثم الله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم في الآية ثلاثين أنك يا محمد عليه الصلاة والسلام أرسلتك في أمة قد خلت من قبلها أمم، ووظيفتك أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وظيفتك أن تبلغ، وهذه وظيفة كل داعية، وظيفتنا جميعاً أيها الكرام أن نبلغ الناس هذا الدين، تتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن. لما تكون أمام قوم يكفرون بالرحمن أنت تتلو القرآن، تبين معاني القرآن، توصل الرسالة وتقولها بشكل واضح، لا تساوم: قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ.

ثم الله سبحانه وتعالى يستغرب من عقلية الكافرين الذين يصدون عن القرآن ولا يعبأون به فيقول: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى. جواب الشرط محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لو كان هناك قرآن قادر على أن يحرك الجبال أو قادر على أن يقطع الأرض أو قادر على أن يكلم الموتى لكان هذا القرآن، فما بالكم تعرضون عنه وعن حقائقه؟

وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا لا، خلص منهجية الكفر، تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ. ما زال الله عز وجل يرسل الآيات التخويفية على الكافرين، فمثلاً عندما ترى اليوم في الغرب الفيضانات التي تصيبهم، الزلازل التي تحل ببلادهم، الأوبئة التي تنزل بهم، هذه كلها من القوارع التنبيه، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ. ربنا بيرسل فيضانات وزلازل وينزل حالات مناخية جوية قارعة أو تحل، إذا لم تحل في دارهم تحل بجانب بلادهم في بلد مجاور لعلهم يستيقظون في يوم من الأيام.

والله عز وجل هنا يثبت نبيه صلى الله عليه وسلم كما ثبته في سورة إبراهيم وسورة الحجر فيقول: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فمنهجي أنني أملي، أصبر، أصبر على الكافرين ولا أعجل لهم بالعذاب لأنه أريد أن أقطع العذر تماماً عنهم، فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ. وهذا منهج يخبرنا الله به، لأنه كثير من الناس ترى اليوم عندما يرون تأخر النصر في بقعة من البقاع يبقى دائماً شكواهم: لماذا الله عز وجل لا ينصر إخواننا في غزة؟ لماذا الله لا ينصر إخواننا في الشام؟ لماذا الله لا ينصر إخواننا في سوريا في السودان؟

لماذا؟ اخي لا تقل لماذا الله، لأن الله يخبرني بالقران أمليت للكافرين، فهو سبحانه يخبرك بسنته المتكررة أنه يملي، ولابد من الإملاء حتى الله عز وجل يقيم تمام العذر على هؤلاء، فإذا جاؤوا يوم القيامة مش يقولوا يا رب ما أعطيتنا فرصة، أعطاهم فرص تلو الفرص، واستشهد على أيديكم كثير من المؤمنين والموحدين، وصبرنا عليكم حتى خلاص لما يكون خلود أبدي أبدي في نار جهنم، ما في مجال أن يكون لهم أي عذر أو شبهة أمام رب العالمين.

ثم الله عز وجل يخبر عن نفسه: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتَ، وهناك شيء محذوف: هل الذي يقوم ويشرف ويدبر النفوس البشرية وهو الله، كمن لا يقوم بأمر نفسه فضلاً أن يقوم بأمر غيره وهي أصنامكم؟ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتَ كَمَنْ لَا يَقُومُ عَلَى شُؤُونِ نَفْسِهِ فضلاً عن أمور غيره؟ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ مساكين، شركاء مش نافعين حالهم حتى ينفعوا غيرهم. قل سموهم، خبرونا والله من هؤلاء الشركاء الذين يفعلون كفعل الله؟ أَمْ تُنبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ في الأرض؟

الله عز وجل يستهزئ بهم في هذا المقام: لعل رب العالمين مش عارف مين شركاؤه؟ نبئونا، مين اللي بيشارك رب العالمين في هذا الكون في الإشراف على النفوس وتدبير أمر العالم العلوي والسفلي؟ أخبرونا من هم؟

بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ. هذه الحقيقة، الحقيقة أن الشيطان وسوس لهم فزينوا أن زين لهم الأفكار الشيطانية وسولها لهم، فهم فقط يسيرون على خطى إبليس، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ. ما أحد سيقيكم من عذاب رب العالمين بعدها، ربنا بيرسل قوارع كما قال في الآية واحد وثلاثين، آيات فيضانات زلازل، يأخذ منكم يأخذ منكم لتنتبهوا لتستيقظوا.

طيب، هنا الله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم في الآية سبعة وثلاثين بأن لا يتزحزح ولا يتقلقل أمام كل هذه الهجمة الملعونة التي كان يتعرض لها في مكة: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ والوحي والنور الإلهي، مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ.

أي داعية يسير إلى الله ثم ينحرف ويسير على يوالي المشركين والكافرين ويخضع لأهوائهم لن يسامحه الله أبداً. أنت عندك جوهرة، عندك الوحي الإلهي، عندك علم، عندك نور من الله سبحانه، احذر أن تتبع أيها الداعية أهواء المشركين وتتنازل عن شيء من الدين.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً. كانوا يقولون: لماذا محمد صلى الله عليه وسلم بشر؟ لماذا يتزوج؟ لماذا عنده هكذا؟ كل الرسل عبر التاريخ ولست أنت ببدع منهم، وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. هذه إجابة على أسئلة المشركين السابقة في آية سبعة وعشرين وفي آية سبعة، في آية سبعة: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ صح؟ وفي آية سبعة وعشرين: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، كان هناك إجابات في كل آية.

لكن هنا في ختام السورة ربنا بصرح: الرسول لا يأتي آية إلا بإذن الله، ما لهم يقترحوا آيات وكان محمد صلى الله عليه وسلم يحقق أمانيهم؟ آه، أنت إيش بدك آية يا أبو جهل؟ يلا خلص بنجيب لك آية. أنت أمية بن خلف شو راغب آية؟ نزل لك عليها. وأنت يا وليد بن المغيرة؟ هذا عبث، هذا استهزاء، لا، أخبرهم: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. كل أمة وكل قوم لهم أجل وهم كتاب، وهذا فيه لغة الوعيد، لكل أجل كتاب، كل شيء له وقته وسياتي، لا تقلقوا. يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ. الصحف التي في أيدي الملائكة الله يطلب من الملائكة أن يمحوا من الأقدار ما شاء ويثبت من الأقدار ما شاء، وأما اللوح المحفوظ فهذا لا يتغير فيه شيء، لأن اللوح المحفوظ الله عز وجل لا يطلع الملائكة إلا على شيء منه.

ففي اللوح المحفوظ الله سبحانه وتعالى كتب تفاصيل كل شيء، كتب أنك تدعو فيصرف عنك عذاب، كتب أنك تأخذ تأخذ بالاسباب الشرعية فيشفيك من مرض أو تأخذ بالاسباب الشرعية فينصرك، لكن الملائكة التي في أيديها الأقدار هي لا تعرف كامل التفاصيل، فالله يمحو ويثبت مما في أيدي الملائكة، وأاما في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ فالتفاصيل معلومة كلها عند الله سبحانه، وإن كانت الملائكة لا تطلع عليها إلا بالمقدار الذي أطلعه الله عز وجل.

طيب، وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِينَ نَعِدُهُمْ. شوف، كله هذا من تثبيت الله للنبي عليه الصلاة والسلام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان بحاجة إلى هذه الوقفة، يحتاج إلى المدد الإلهي والتثبيت الإلهي لقلبه، فكل هذه المعاني تضخ الثبات: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِينَ نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ.

لا تهتز أمام كل هذا العبث والاستهزاء، فأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم داعية، إما أن نرييك النصر عليهم في يوم من الأيام أو الله يقبضك، ما في مشكلة. ولذلك الدعاة إلى الله يجب أن يفهموا هذه السنة: ليس شرطاً أن أرى أنا النصر، ليس شرطاً أن أنا أدركه، أنا وظيفتي أدعو إلى الله، يمكن أن أموت على هذا الطريق وأستشهد وأنتقل إلى الله، والحمد لله أنني مت على طريق الدعوة، ويمكن أن يعني يريني الله عز وجل النصر على الأعداء في الحياة، لكن هذا ليس لي.

ممكن نحن اليوم نقاتل بني إسرائيل مرة ومرتين، والمجاهدون والمرابطون يخوضون معركة تلو المعركة، والنصر يكون لأجيال قادمة، ممكن، لكن نحن قمنا بالوظيفة المطلوب منا الصمود والثبات والجهاد والرباط الحمد لله، هل يشترط أن نحن نرى النصر؟ هل يشترط أن المجاهدين والمرابطين الذين دفعوا ثمناً كبيراً باهظاً في الجهاد والوقوف أمام بني إسرائيل هم هذا الجيل يرى النصر؟ مش ليس بالضرورة.

والقرآن بيعلمنا الصبر النفس الطويل الطويل في الدعوات، في سنة الله سبحانه الدعاة يجب أن يتمسكوا بالنفس الطويل ولا يستعجلوا ولا يشعروا بالياس والاحباط إذا لم يروا هم النصر، ليس شرطاً أن نرى النصر، المهم أن نسير على سنن الله وأن نسير على مراد الله فلا نغلو ولا نجفو، لا نفرط ولا نتكاسل، نبقى نقدم ونبذل والنتائج متى تأتي؟ متى يتحرر الأقصى؟ متى تعود إلينا المقدسات؟ متى ندوس على رؤوس الجبابرة واليهود؟ هذا وقت يعلمه الله، هكذا علم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وهكذا نتعلم على موائد القرآن.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِينَ نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إيش؟ البلاغ، خلص، أنت مبعوث تعطي رسالة في هذه الدنيا، وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ نحن اللي بنحاسب رب العالمين.

ولكن يأتي الأمل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا؟ هذا جاء بعد يعني إخباره أنك قد ترى النصر يا محمد صلى الله عليه وسلم وقد لا تراه، لكن الله ينصر عباده. والدليل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا؟ ما معنى هذه الآية؟ قال كثير من المفسرين: أولم يروا المسلمون والكافرون أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما كان يضيق على الكافرين بلادهم وتصبح في حوزة المسلمين؟ هذا معنى قولي ننقصها من أطرافها أي ننصر المسلمين فتتسع رقعة بلاد الإسلام وتنقص رقعة بلاد الكفار. وهذا ما حصل فعلاً في فتوحات النبي صلى الله عليه وسلم وفي فتوحات الصحابة، رقعة الإسلام تتسع وديار الكفار تقل، من الذي يأذن بذلك؟ الله، ننقصها.

من أطرافها؟ إذاً، ما معناها؟ تقليل مساحة أراضي الكافرين وتوسيع مساحة أرض المسلمين، من خلال الفتوحات الإسلامية، فيقع هذا وسيأتي النصر، وسنصل إلى روما، وسنفتح القسطنطينية، وستعود بلاد الإسلام، وستعود الحضارة المسلمة بإذن الله في يوم من الأيام، وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا. الله عز وجل هو الذي يدير كل المعركة، هؤلاء يظنون أنفسهم أصحاب القرار، يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ.

ويقول الذين كفروا لست مرسلا، يعني بعد كل هذا المشهد ما زالوا يقولون انك لست مرسلا، ما زالوا مصرين، الصورة مخيفة، الصورة مرعبه، الصورة فيها رسائل وإنذارات ووعيد. لذلك ختمت السورة بإرسال رسالة ختامية لهم، ما زالوا مصرين أن يقولوا انك لست مرسلا، طيب، قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ. يكفي أن الله يشهد أنني رسول، ويكفي أن هناك من علماء بني إسرائيل ممن أسلم ويشهد أنني رسول، قالوا ومن عنده علم الكتاب؛ عبد الله بن سلام وغيره من الصحابة الذين كان عندهم علم بالكتاب السابق وبالكتاب الحالي وأسلموا وشهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصدقه واضح جلي، فلا تتزعزع يا محمد صلى الله عليه وسلم، أما أن يريك الله النصر واما أن تموت، لكن المهم أن تثبت.

هذا المهم لنا جميعا الثبات الثبات أيها الكرام حتى نلقى الله سبحانه وتعالى، فان الدنيا ولت مدبرة، وان الآخرة اصبحت مقبلة، نسال الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا سعينا، نسال الله عز وجل أن يتقبل منا هذا الدأب في شهر الفضيل في سعينا أن نكتشف رحلة الإنسان في القران. نعم، كنا يعني نطמח لعلنا أكملنا القرآن كاملاً، لكن جيد المهم أننا نستفيد ونتعلم، وصلنا إلى سورة الرعد، استفدنا في هذا الشهر الفضيل من هذه الآيات العظيمة، وهو هذا القرآن حاولنا أن نقف على هكذا المعالم الجملية والرسالات الكلية لكلام ربنا سبحانه، هكذا يصبح القرآن له شعور وله لذة، أنك كل سورة أنت تعرف المعالجات العامة لها، ثم المعالجات التفصيلية والتراكيب لكل جزء، هذا يحتاج بالتأكيد إلى مدارسة طويلة يعني، لكن هذا يعني جهد المقل، ما كان من صواب فيما قلت فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي المقصرة ومن الشيطان، ونسال الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وان يعلمنا وان يتقبل منا رمضان قياما وتعليما وتعلما ودرسا وقرانا وذكرا وإخباتا إليه إن شاء الله.

إن كان في العمر بقية كما قلنا نكمل بعد الشهر الفضيل حتى تكون هذه السلسلة كاملة باذن الله، يعني نحن وصلنا إلى سورة يوسف، بقي من سورة يوسف إلى سورة البقرة يعني حدود تقريبا اثنا عشر جزءاً هو الذي بقي علينا من هذا الكتاب العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم، يعني لن نكون طبعا هنا خالص، هذا آخر درس في رمضان ونعلن إن شاء الله متى تستأنف الدروس بعد الشهر الفضيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.