تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | المجلس العشرون سورة يوسف

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ممتاز، طيب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا ومعلمنا وقائدنا الأعلى سيدنا محمد، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في عودة إلى هذا المجلس، هذا المجلس الطيب الذي شرعنا فيه في رمضان. وحقيقة، وانا أجهز لأن أجلس هذا اليوم، اشتقنا إلى رمضان وتنسمنا عبقه الجميل عندما كنا نجلس في معاني القرآن وفي مثاني القرآن، ونحن نحاول أن نستشف المعاني والرسائل الإلهية من معين كتابه العذب. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا رمضان، نساله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهمة للاستمرار على ما عهدناه في رمضان من تدبر القرآن والعيش في معانيه. ونعوذ بالله أن يكون آخر عهدنا بكتابه الكريم في رمضان؛ فإن كثيرا من الناس أيها الكرام عهده بالقران إنما هو في شهر رمضان، عهده بالتدبر، بمجالس التفسير، بمحاولة الجلوس لاستخلاص رسائل لله سبحانه وتعالى إنما تأتيه الهمة في ذاك الشهر، أما ما بعد رمضان فإنما هي قراءة سريعة لا تكاد تصنع شيئا في قلب الإنسان وبإيمانه. فنعوذ بالله من الكسل، ونعوذ بالله من الفتور بعد اتيان الهمم، ونسأله سبحانه وتعالى المداومة على الخير وعلى فهم رسائله والعيش في ظل كتابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلنا أيها الكرام في هذه الرحلة الطيبة التي سميناها رحلة الإنسان في القرآن، والمقصود منها أن نمر على المعاني الجملية لسور القرآن وآياته. وكما قلنا في شهر رمضان، هذا النوع من التدبر نوع جميل ومطلوب؛ لأن كثيرا ليس الناس يتقنون تدبر المعاني الجزئية، ليس كثير من الناس يتقنون تدبر المعاني الجزئية، وإنما أكثر الناس اليوم يحتاجون إلى تأصيل المعاني الكلية لكلام الله سبحانه وتعالى. وأحيانا التدبر الجزئي لكل سورة ولكل آية قد يستمر سنوات، وتفتر هم الناس عن الاستمرار في ذلك، فيحتاجون إلى مثل هذه المجالس التي يمر فيها على كتاب الله سبحانه وتعالى على جملة معانيه وعلى المعاني الكلية له بحيث يكون المسلم عموما على دراية بما يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يفعله في الجمله. وأما المرور الجزئي التفصيلي على كل آية وعلى كل كلمة وعلى المراد منها وعلى كل تركيب وجملة فهذا له مجلس آخر. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الطريقة التي طرقناها طريقة محمودة مسنونه عندكم بعد ذلك في تعاطيكم مع كلام الله سبحانه وتعالى.

وهذه الطريقة كما قلنا لابد في كل سنة، لابد في كل سنة أن تمر مرورا جمليا على معاني القرآن حتى ولو كان لديك ورد تفصيلي، لكن لابد في كل سنة على الأقل من مرور جملي على معاني القرآن حتى تمرر هذه المعاني على قلبك وتستذكرها وتعيش معها وتنظر في مدى تطبيقك لها؛ إن كثيرا من الناس إلى الآن ما زalوا لا يعرفون هذه المعاني الجملية. وصلنا في رحلة الإنسان إلى سورة يوسف، واليوم بإذن الله سنتحدث عن سورة يوسف وعن سورة هود في كلام جملي أسال الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا فيه السداد.

أيها الكرام، الإنسان بطبعه يحب أن يسمع القصص، وكذلك الإنسان بطبعه يحب أن يصنع القدوات في حياته. هاتان فكرتان يركز عليهما القرآن وهما أيضا مجربتان في واقعنا؛ أن الإنسان بطبعه يحب أن يسمع القصص، فإن فيها من إجمام القلب ومن ادخال السعاده عليه ما لا يوجد في الكلام التقعيدي التأصيل العام الجاف الذي لا يوجد فيه شيء من القصص وتبادل التجارب. كذلك الإنسان يحب أن تكون له قدوة يقتدي بها ويسمع أحوالها ويصبر أخبارها ليحاول أن يصل إليها وأن يسعى لأن يقتدي بها. ولذلك الدرس القراني جاء منوعا في طريقة طرحه، فأحيانا تجد القواعد التأسيسية على شكل قواعد، اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، وأحيانا تجد القصص القراني حاضرا لأنه يمثل تطبيقا عمليا لتلك القواعد.

ولو أن القرآن جميعه كان على شكل قواعد وأحكام لربما ثقل فهمه أو سماعه أو تطبيقه على كثير من الناس، لكن سبحان الله من جمالية القرآن أنه ينوع بين النظرية والتطبيق. هذه من جماليات القرآن أنه ينوع في طرحه بين النظرية وبين تطبيق النظرية، فالله سبحانه وتعالى في كتابه تكلم عن نظرية البلاء: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ. ثم بعد ذلك أعطانا في القرآن من قصص الثابتين أمام البلاء ومن قصص البلاء ما يجعل الإنسان يفهم ما هو البلاء الذي يقصده الله سبحانه وتعالى عندما يقول ربنا: ونبلوكم بالشر والخير فتنة. تأتي بعد ذلك إلى قصة يوسف وإلى سورة هود فتسمع العديد من صور البلاء وتنفر كيف ثبت سيدنا يوسف وكيف ثبت الأنبياء والصالحون أمام هذه البلايا، تصبح عندك قدرة على أن تفهم النظرية من خلال تطبيقاتها، ويكون عندك شيء من الهمة للاقتداء بهذه النماذج الإنسانية التي استطاعت أن تفهم ما معنى الحياة وماذا يريد الله من الإنسان في هذه الحياة وتعيش تلك المعاني.

لانه قد ياتي الشيطان إلى الإنسان فيريه أن هذه الأحكام الكلية وأن هذه القواعد النظرية في القرآن قواعد لا يمكن تطبيقها، وأنه لا يوجد إنسان استطاع أن يثبت أمامها. فعندما أنت تأتيك القصة وتأتيك الحكاية لمن بعد أنت مصدق لكلام الله سبحانه وتعلم أن هذا الكلام هو حق وصدق، ومن أصدق من الله حديثا؟ فعندما تنظر في هذه القصص الإنسانية لئناس ثبتوا أمام أحكام الله، أمام أحكام الله سبحانه وتعالى القدرية وأمام البلايا التي كتبها الله عز وجل عليهم، يصبح عندك إدراك أن لا، هذه التكاليف وهذه الأحكام وهذه القواعد التأسيسية في القرآن ليست قواعد خارجه عن طوق الإنسان، ليست مجرد قواعد نظرية صعبة التطبيق، بل هناك أناس عاشوا عليها وأحسنوا التعامل معها وحصلوا النتائج بعد ذلك، فيكون التطبيق أسهل علينا.

ولذلك سورة يوسف كثير من الناس يحب أن يسمعها، أليس كذلك؟ بل حتى الصحابه الكرام عندما طال عليهم الأمر، الصحابه الكرام كانت تاتيهم السور بالمعاني الثقيله وبالتأسيس لقواعد الإيمان في نفوسهم فطال الأمر عليهم وشعروا بأن معاني القرآن ثقيلة فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا، فانزل الله سبحانه وتعالى سورة يوسف: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ. فقضية انك تحب القصة هذا ليس شيئا غريبا بل هذا من أيام الصحابة الكرام، ونحن نرى الصحابة يريدون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص عليهم فهناك إجمام للقلب وراحه وسعاده في سماع القصة، وهناك صناعة للقدوات، وهناك إنزال للنظرية أو القاعدة من مجال التنظير إلى مجال التطبيق، وهذا هو سر إيراد القصص في القرآن.

لذلك في آية 120 في سورة هود: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. ولذلك كان علماؤنا يقولون القصص جند من جنود الله يثبت الله بها عباده. من أين اخذوا هذه القاعدة أن القصص جند من جنود الله يثبت الله بها عباده؟ أخذوها من آية 120: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. فالنبي صلى الله عليه وسلم رأس الدعاء كان يحتاج إلى تلك القصص للتثبيت، لما يسمع قصة نوح وثباته، وقصة هود وثباته، وقصه يوسف وثباته، وقصه يونس، وقصه الأنبياء والصالحين عندما كان يسمع تلك القصص، هذه القصص كان يتثبت بها فؤاد النبي عليه الصلاه والسلام، لماذا؟ لأنه يجد نظيرا له سابقا، يجد قدوه يحتذي بها.

فلا تستقل من شان القصة ودائما في خطابك أو في وعظك أو في درسك أو في تعليمك حاول دائما أن تعطي الدرس النظري وتقحمه شيء من القصص والامثله والنماذج الحيه. مثلا عندما تتكلم عن أهمية الهمة في طلب العلم وأهمية الجدية فيه والعزم والمحافظة على الوقت، اذكر قصص من قصص الناجحين، اقرأ في سير أعلام النبلاء في قيمة الزمن عند العلماء، في صفحات من صبر العلماء على طلب العلم وغير ذلك من الكتب. سبحان الله تجد الهمه ترتفع، يعني قد أعطيك درس كامل ومحاضرة كاملة عن آليات رفع همة الطالب وكيف تنظم وقتك وكيف تنجز قراءة الكتب، فأنت يعني قد ترتفع رويئدا، لكن عندما تقرا في قيمة الزمن عند العلماء وتنظر في الحكايات والقصص والنماذج الحية، سبحان الله تجد الإنسان يتحمس أكثر وأكثر.

لذلك مشايخنا كانوا دائما يقولون لنا إذا فترت همتك فعليك بالقصص، أنظر في قصص أصحاب الهمم العالية فإنها تستحث الخطى من جديد في السير إلى الله سبحانه وتعالى وفي اقتحام طلب العلم مرة أخرى. فالقصص لا يمكن أن يستقل من أمرها ولا يمكن أن أي إنسان يبحث عن الهمة والجد أن يتغافل عنها أو يتحاشاها، لابد من قصة، لابد من نموذج، لابد من مثال، لابد من قدوة تحتذي بها وتسير على خطواتها.

يوسف عليه السلام إحدى القدوات العظيمة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يرسمها لنا في كتابه العظيم. سيدنا يوسف قدوة لانسان عاش الحياة بكل أنماط البلاء فيها أو بجل أنماط البلاء فيها، البلاء بالخير والبلاء بالشر، البلاء بالسراء والبلاء بالضراء. وكيف عالج عليه رحمة الله هذا هذه الأنماط المتعددة من البلايا رويدا رويدا حتى وصل إلى آخر فصل من فصول حياته: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

في شهر رمضان في مخيم غراس ربما مررنا على بلاءات يوسف، لكن لابد من المرور عليها مرة أخرى بشكل سريع ما يتلائم مع هذا الدرس القراني. من بداية القصة تبدا البلايا ومنذ نعومة أظفار هذا الشاب يوسف عليه السلام، في الآية الرابعة يقول لأبيه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ.

هذا الطفل وهذا الشاب الصغير الناشئ واضح منذ نعومة أظفاره أنه يهيأ لأمر عظيم، يهيأ لأمر كبير الله سبحانه وتعالى يعده له. وقد نظر أبوه يعقوب عليه السلام في هذه الرؤيا فعرف أن هذه الرؤية تشير إلى حدث عظيم وإلى منزله سامقة كبيرة سيصل إليها هذا الشاب الصغير. وكان من ذكاء يعقوب أن حذر ابنه يوسف من الحسد، وهذا هو البلاء الكبير الذي ابتدات به حياه يوسف. يوسف عليه السلام أول بلاء تعرض له هو أنه كان محاطا بأخوة يحسدونه، ووصل الامر بهم مواصيله، وصل الامر بهم أن فكروا في قتل أخيهم، وانظروا كيف يفعل الحسد بالإنسان؟ كيف يمكن يجعله يفكر في قتل أخيه وأعز الناس إلى قلبه؟

يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا. إذا أول بلاء تعرض له سيدنا يوسف أنه يعني وارد أخباره، أحذر يا بني أن تتكلم بهذه الرؤيا فإن إخوتك قد يكيدوا لك كيدا من أجل لان يسقطوا مكانتك ومن أجل أن لا تحصل هذا الخير الذي أعد لك. إذا أب ذكي نبيه يخاف على ابنه من غائلة الحسد، والابن الآن فعلا كان يشعر أن إخوته ينظرون إليه بنظرة مريبة، وكان هذا من البلاء الذي تعرض له سيدنا يوسف في المرحلة الأولى من حياته.

وتخيلوا ذاك الشاب الصغير الذي يرى رؤيا مميزة ويطلب منه أن يكتمها، ويطلب منه أن يكتمها، عاده الشاب الصغير خاصه إذا كان في سن العاشرة أو الحادية عشر أو التاسعة إذا رأى شيئا مميزا يعني لا يحسن أن يكتم ذلك، يحب أن يخبر به، يحب أن يقول لإخوانه ولكل من يراه ترى أنا رايت كذا تراك والده يأمره بالكتمان. وهذه كان فيها شيء من الصعوبة على نفس ذاك الشاب الناشئ، لكن والده طمانه وقال له: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ. واضح يا يوسف هناك اجتباء واختيار واصطفاء لك من بين سائر إخوتك: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، أي ويعلمك تأويل الرؤيا.

ما دام الله عز وجل بدا معك بالرؤيا في صغرك إذا الله سبحانه وتعالى سيجعلك ممن يحسن تعبير الرؤى. الآن سيدنا يعقوب لما قال ليوسف: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، أي ويعلمك الله تأويل الرؤية، هل هذا وحي أوحاه الله إلى يعقوب أن ابنه يوسف سيصبح أستاذا في تعبير الرؤى، أم أنه شيء تلمحه أو استنبطه أو استنتجه سيدنا يعقوب من هذه الحالة أنه لما رأى طفله الصغير بدئ معه بالرؤيه اجتهد واستنبط من ذلك لعل الله سبحانه وتعالى سيجعل ابني أستاذا في هذا الفن، أستاذا في هذا العلم؟ قد يكون إذن من قبيل الوحي وقد يكون من قبيل الاستنباط والاجتهاد.

قال: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ، أي نعمة الرسالة والنبوة كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق. بدأت الآن حياة يوسف وبدأ يوسف يكبر. إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ، مباشرة السورة تأخذنا إلى مشهد آخر، إذا شوف وهذه جمالية القصص القراني، هناك ستكون في غرفة من غرف البيت، يزدل الستار على المشهد يكشف في الستار على غرفة أخرى، رفع الستار على مشهد آخر إخوة يوسف يتامرون ويحاولون التخلص من هذا الفتى الصغير لأنه حصل على حظوة ومكانة عارية عند أبيه، وهذا من البلاء كما قلنا لسيدنا يوسف: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ. الأخوة يوسف ماذا قال؟ قال: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ.

ذهبوا إلى الأب: نريد أن نأخذ يوسف لنلعب معنا، الأب لم يكن مستريحا لأبنائه ولموقف أبنائه من أخيه بيوسف، فحاول أن يصدهم: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ. الأبناء أصروا على أخذ أخيهم معهم وأظهروا لأبيهم كمال الاهتمام والرعاية بأخيهم. فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوره في غيابت الجب هنا الله عز وجل يريك كمال العناية واللطف وانه إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، قال: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ.

بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. كان قدر الله يعمل، والسكينة تتنزل على قلب يوسف وهو يلقى في الجب، وهو يلقى في البئر. الله سبحانه وتعالى يقول له: لا تخف، لا تقلق، في يوم من الأيام يا يوسف ستخبر اخوانك بما فعلوا بك. وهذه كانت فيها رسالة تطمين ورعاية. يوسف الآن في رعاية الله وفي كنف، خرج من جنب والده ليبدأ يقود حياة شاقة مليئة بالمتاعب والبلايا والإشكالات والظروف الصعبة، ليصل به الحال من فلسطين ليصبح على عرش مصر.

خلال هذه الرحلة الطويلة مرت به جولات وجولات وجولات، ليعرف الإنسان أن هكذا هي قصة الحياة، مليئة بالمتاعب، مليئة بالإشكالات، مليئة بالظروف الصعبة، لكن بعون الله، بالاستعانه والالتجاء والاعتصام بالله سبحانه وتعالى، بالتشبث بمعاني التوحيد والعقيدة الصلبة، يستطيع الإنسان أن يتجاوز كل هذه المحطات الصعبة ليصل إلى عرش الإيمان، ليصل إلى المرحلة الأخيرة، مرحلة: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

الآن جاؤوا أباهم عشاء يبكون. البلاء ليس فقط ليوسف، بل هنا بلاء لذاك الأب والنبي الصالح المكلوم: يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسِفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ. ذلك الذئب الذي حذرهم منه ابتداء، ها هم الآن يلقون بالتهمة عليه ويقولون له: فأكله الذئب. الأب مصدوم، الأب فقد أحب أبنائه إليه، وهو يشعر من البداية بتلمس الأب الذكي أن هناك مكيدة كيدت، وهو لا يعرف تفاصيل هذه المكيدة إلى الآن، وإنما يعرف أن هناك مكيدة كيدت. قال: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا. أنا أعرف من حالكم أنكم أنتم صنعتم شيئا. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. هذه أول خطوة وأول رسالة تصل إلينا في كيفية التعامل مع البلاء: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، صبر لا شكوى فيه ولا اعتراض فيه على أقدار الله سبحانه وتعالى. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

بعد الصبر استعانة، قال: سأصبر صبرا جميلا، لا أشكوا فيه ربي ولا أتخط على أقداري، وفي أيضا هذا الصبر يحتاج إلى ماذا؟ إلى استعانة بالله، فالله عز وجل نعم من تستعين به ربك. لذلك دائما نحن في كل صلاة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. لا يمكن أن تسير في رحلة الحياة، ولا يمكن أن تخوض غمار العمر بدون وجود استعانة بالله. حقيقة محروم أيما حرمان ذاك الإنسان الذي لا يستشعر معنى الاستعانة بالله، وأن يلقي همه وغمّه ومشاكله وصعوبات الحياة، أن يلقيها على ماذا؟ أن يشكوها إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يلقي تلك الأعباء أمام ربه عز وجل ويطرحها بين يديه، ويطلب من الله سبحانه أن يعينه على تجاوزها وعلى تخطيها. لا يمكن أن تتصور حياة حقيقة بدون إياك نستعين. سيدنا يعقوب مباشرة: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ.

الآن سيدنا يوسف يتعرض للبلاء تلو البلاء، تأتي قافلة تكتشف يوسف داخل البئر، يصبح يوسف ذلك الشاب الحر ابن الأنبياء من سلالة إبراهيم عليه السلام، يصبح الآن في حكم العبيد، وهذا بلاء جديد. ماذا قال؟ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً، أي هذه القافلة جعلت يوسف معهم بضاعة من البضائع. بعد أن كان يوسف حرا شابا يلهو مع أبيه واخوته، أصبح الآن عبدا تطبق عليه قوانين العبودية وسلعة تباع وتشترى، وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً. بلاء عظيم، وأعان الله سيدنا يوسف على تجاوز هذه المراحل.

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ. القافلة باعت يوسف في مصر، باعته بدراهم معدودة تريد أن تتخلص منه سريعا وتقبض الثمن. لكن قدر الله يعمل، من الذي اشتري يوسف؟ ليس إنسان بسيط أو قروي، لا، الذي اشترى يوسف هو رجل من كبار رجال مصر، عزيز مصر. عزيز مصر ليس هو ملك مصر، بل هو انسان كان زي وزير الوزراء أو مرتبة عالية جدا من المراتب. هذا الرجل لم يكن يولد له طفل، فماذا يقول لامرأته: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنَفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا. الظاهر أنه حبب إليه يوسف فأراد أن يكرم يوسف. يعني صحيح يوسف كان عبدا في قصره، لكنه أحبه لعدم وجود ولد له، وقد كان يوسف عليه السلام حبى من الجمال العظيم جدا والذكاء والمنظر والهيئة ما يلفت الانتباه، وهذا الذي حصل فعلا.

والله سبحانه وتعالى يشير هنا من البداية من البداية: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ. أي هذه الخطوة التي حصلت مع يوسف، هذه الخطوة التي حصلت مع يوسف وهو أنه أصبح في بيت عزيز مصر، هذا من تدبير الله لهذا النبي العظيم، ومن رعاية الله له، ومن شيء أراده الله لسيدنا يوسف في المستقبل. نعم، أراد الله عز وجل أن يتربع يوسف على عرش مصر، وأن تتحقق الرؤيا: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ. فكان قدر الله يعمل.

إذا هنا جميل ياتي هذا التعليق أو هذه الإضافة: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ. أنت تقول يعني كيف تأتي هذه الجمله في هذا السياق؟ يوسف ما زال عبدا عند هذا الرجل، فكيف يقول ربنا: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ؟ التمكين هي خطوات، التمكين مراحل. وكان وصوله إلى هذا البيت، وإن كان ما زال عبدا وسيتهم بما سيتهم وسيسجن، لكن هي الخطوة الأولى أو الخطوة الثانية دعونا نقول بعد خطوة بيعه، هي خطوة أنه وصل إلى هذا البيت بالتحديد، لأن هناك ما بعدها من الخطوات ستصل به إلى أن يتربى على عرش مصر. فالله يريد أن يعلمنا كيف نتلمح لطف الله سبحانه وتعالى حتى في الأقدار الصعبة، كيف نتلمح لطف الله عز وجل حتى في الأقدار الصعبة وفي الأمور التي لا نحبها: وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ. وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ. كل هذه معاني في العقيدة ومعاني في الاستعانة بالله والثقة باختيار الله سبحانه وتعالى للإنسان: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.

يوسف الآن بدأ يترعرع: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ. إذا واضح أنه حتى عندما وصل إلى بيت عزيز مصر ما زال ربما في الثالث عشر في الرابع عشر، وبدأ يترعرع ليصبح شابا قويا مكتملا، آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا. لكن يوسف عليه السلام كان من بلائه أيضا، وهذا بلاء آخر، أنه ابتلي بالجمال. فالجمال الجسدي وأوتي حسنا كما قيل شطر الجمال في الأرض. الجمال أيها الكرام، كما هو شيء محبوب للنفس أن يكون جميل المظهر، لكنه في نفس الوقت بلاء، لأن الإنسان إذا كان جميلا وخاصه في جنس النساء كيف سيوظف هذا الجمال؟ هل سيستغل به الناس؟ هل المرأة توظف جمالها لصيد الشباب؟ أم أنها تصنع بجمالها كما أمرها الله سبحانه وتعالى، تستر هذا الجمال لتظهره أمام زوجها، أمام من يبيح لها الشرع أن تظهر هذا الجمال إليه؟ كثير من النساء إذا رزقها الله جمالا للأسف تستعمل جمالها لفتنة الناس، لإيقاع الرجال في حبالها وفي شراكها. وكذلك الرجال إذا منحوا شيئا من الجمال تجد كثيرا منهم يحاول أن يصور نفسه بصورة جميلة وبهيئة جميلة من أجل أن يصطاد النساء البريئات العفيفات اللواتي يضعفن أمام هذه المشاهد.

فبشكل عام هي رسالة لكل رجل مسلم ولكل امرأة مسلمة، إذا منحك الله جمالا، وإذا منحك الله جمالا، فإياك أن تستعملي هذا الجمال وهو نعمة من نعم الله، إياكم أن تستعملوه في معصية الله، إياكم أن تستعملوه في معصية الله. فكما هو منحة ونعمة هو محنة وبلاء، وسيدنا يوسف كان مبتلى بهذا البلاء.

الآن كما قلنا أيها الكرام، سيدنا يوسف تعرض لمحنة بسبب هذا البلاء، وهنا المحنة التي تعرض لها لم يكن هو بسببها، يعني هو يوسف عليه السلام لم يوظف بلاء جماله لفتنة امرأة العزيز، لكن هذا البلاء كان سببا من أسباب البلايا العظيمة التي وقعت عليه. امرأة العزيز الآن، المرأة التي هو في بيتها كما عبر القرآن وهو مستور عندها، وهي في غاية الجمال، تريد يوسف أن يفعل معها الفاحشة والعياذ بالله. فيوسف تقول له المرأة: هَيْتَ لَكَ. بعد أن تجملت وتزينت. يوسف يقول: مَعَاذَ اللَّهِ، أنا لا أرتكب مثل هذه الفواحش، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ. وهنا قال كثير من المفسرين يقصد إنه ربي أي أن زوجك ربي، أي مسؤول مسؤوليتي وأنا لا أخونه في زوجته، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بها لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ.

هم بها، لولا أن رأى برهان ربه، قالوا أتى في خاطره وفي ذهنه ما ياتي في خاطر أي رجل تجاه أي امرأة، لكن الله عصمه من أن يواقع، لولا أن رأى برهان ربه. ما هو هذا البرهان؟ كثير من الإسرائيليات هنا كثيرة تروى ولا يمكن الاعتماد عليها، ولكننا نوقن أن هناك شيئا ظهر ليوسف، ولعله شيء من تلك التربية الإيمانية التي تلقاها على يد ذاك الرجل الصالح يعقوب عليه السلام والنبي الكبير. هذه التربية متى ظهر أثرها؟ في تلك الساعات. يوسف المتعلق بالله، الذي تربى على معاني الإيمان، هذه المعاني التي عاش عليها وتربى عليها ظهرت أمامه، راها أمامه تازره وتدفعه دفعا عن الوقوع في هذه المعصية وهذه الفاحشة. والله يخبرنا كذلك: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ. الله يريد أن يصرف عن ذلك الشاب المؤمن الوقوع في الفحشاء والمعاصي، لأنه من عباد الله المخلصين: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ. هؤلاء أناس اجتبيناهم لطاعتنا واجتبيناهم لحمل لوائنا، فنغلق أمامهم أبواب المعاصي ونريهم من البراهين الإيمانية ما يدفعهم عن الوقوع في تلك الوساوس الشيطانية.

وَاسْتَبَقَا الْبَابَ. يوسف يحاول أن يخرج من الغرفة، هي أمسكت يوسف من الخلف حتى مزق القميص. وفجاه زوجها على الباب، وفجاه زوجها على الباب. فهي بشكل سريع امرأة محتالة كانت أرادت أن تبرئ نفسها قالت: مَّا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. الرجل يراودني عن نفسي مع أن يوسف بريء عليه السلام. فمباشرة يوسف يريد أن يبرئ نفسه أمام سيده قال: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي. فأتى شاهد، الله أعلم من هو، قيل طفل صغير أنطقه الله في المهد، وقيل وقيل، ذاك الشاهد هو من أقارب عزيز مصر كان قريبا منه وبيته قريب يريدون أن يستروا على الموضوع: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا.

كان طريق حل القضية أن ينظر من أين قد القميص، اكتشفوا أن القميص قد من الخلف، فكان هذا دليل أنك أنت من تريدينه وليس هو من يريدك، أنت من جذبتيه، هو كان هارب وأنت جذبتيه، وإلا لو كان هو طالب لكان أنت مزعتي قميصه من الأمام لأنه هو مقبل عليك وأنت تريدين دفعه. فلما كان قميصه ممزوع من الخلف فهذا دليل على أنه هارب وأنت من تجذبينه. اكتشف العزيز أن امراته وقعت في حب ذلك الشاب، ولكن هل كانت منه غيرة شديدة؟ للأسف، وهذا قد أيضا مما تراكم به البلاء على يوسف، أنه ابتلي برجل لا يوجد عنده غيرة شديدة على زوجته مع ظهور الدليل الواضح القاطع أنها هي التي تريد الفاحشة. فماذا قصار ما قاله زوجها؟ يوسف: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ. هذا قصار ما خرجت به يا عزيز مصر. هذا بلاؤك يا يوسف.

ينتشر الخبر في أجواء مصر في الطبقة الحاكمه، وهذا معروف في كل زمان ومكان أن مثل هذه الإشاعات لا تقف في مكانها: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا. هنا الأمور أصبحت تتراكم على يوسف أكثر وأكثر، انتشر جمال يوسف وقصة يوسف في مصر أو بين طبقة النساء المترفات في مصر وأصبح الكل نعم، هن يلمزن امرأة العزيز، لكنهن في الواقع يرين ما أرادت وكان عندهن طموح أن يرين ذاك الجمال الذي أبهر امرأة العزيز. امرأة العزيز امرأة من الطبقات المترفة، وكانت شغلهن شغل النساء المترفات الفاسدات في ذاك الزمان، وإن كان قيل أنها تابت وحسن إسلامها بعد ذلك وتزوجت يوسف، لكن أنا أتكلم في المرحلة الأولى.

جمعَت هؤلاء النسوة الفاسدات أيضا، ووضعت لهن متكئا وأتت سكينا لكل واحدة، وقالت ليوسف: اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ. فلما رأينه أكبرنه، وقلنا: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا. هذا الجمال ليس جمالا بشريا طبيعيا، وإنما هو جمال ملائكي. فهي تقول لهن: ذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، هذا الذي أنتن تحدثتن فيه وقلتن كيف تراود امرأة العزيز فتاها، انظروا إلى هذا الجمال الذي كان فتنة، وأنتن تقطعن أيديكن بدل من تقطيع الفاكهة. ثم بعد ذلك تصرح، وواضح أنها لم تكن يعني تهتم كثيرا بما سيقال وأن النسوة وافقنها: وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ. شوف التهديد الآن، المرأة تهدد يوسف. لاحظوا البلاءات كيف تتراكم على ذلك الشاب.

فهنا يوسف يختبئ في غرفة من غرف القصر: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ. شوف فلسفة الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، هذه واضحة في قصة يوسف، ويريد الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا، انظروا كيف تلقى يعقوب خبر اختفاء يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. استعانة بالله مباشرة، الالتجاء إلى الله عز وجل. ثم انظروا كيف تلقى يوسف هنا مقالة امرأة العزيز: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ. مباشرة دعاء التجاء، يفزع إلى الله سبحانه حتى يكشف عنه الكرب: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ. يا رب إذا أنت ما عصمتني وما حميتني ولم تكن معي سأميل إلى هؤلاء النسوة وسأقع في المعاصي والذنوب وأكن من الجاهلين الذين يقترفون الفواحش.

فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن. كيف صرف الله الكيد؟ صرف الله الكيد من خلال بلاء آخر وقع فيه يوسف. صرف الله الكيد بدخوله السجن. الله عز وجل هل كان قادرا جل في علاه أن يصرف عنه هذا الكيد دون أن يقع يوسف في السجن؟ بالتاكيد كان ربنا قادرا على ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا عن سنة.

الحياة وهي أن الإنسان ينتقل من بلاء إلى بلاء، وأن كثيراً من البلايا وإن كانت محنة في ظاهرها لكن فيها العديد من المنح. فالسجن نعم هو محنة، لكن كان فيه العديد من المنح، وكان خطوة من خطوات تمكين يوسف ليتربع على عرش مصر كما قلنا بعد ذلك. وأقدار الله سبحانه وتعالى فيها العجب العجاب، وحكم الله عز وجل عظيمة لا يستطيع العقل البشري أن يستوفيها، ولكن علينا أن نتقبلها بالتسليم والمعرفة أن الله عز وجل رؤوف بعباده المؤمنين، وحتى لو كان القدر قاسياً وصعباً في مظهره وشكله، لكنه بإذن الله في مضمونه وعاقبته سيكون خيراً للإنسان، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.

ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان. شوف كيف أقدار الله تعمل! يوسف دخل السجن، عندما دخل السجن في ذاك الوقت دخل أيضاً رجلان معه السجن، وهذه من أقدار الله التي تعمل؛ أحد هذين الرجلين سيكون سبباً في إيصال يوسف إلى عرش مصر. هذه الأقدار، شوف الجمال كيف تشعر أن قدر الله يعمل، وإن كنت أنت لا تلحظ! كثير من مواقف حياتنا يأتيك الفرج وتأتيك نتائج جميلة بعد البلاء من جهة أنت لم تكن تتوقع وقوعها. يوسف عليه السلام دخل في بلاء جديد: سنوات السجن العصاب والصعاب.

يوسف عليه السلام في داخل السجن كان نموذجاً للإنسان الراضي عن الله، مقبلاً على الله، صلاة وذكراً وإخباتاً وانكساراً، مما أعجب هذين الرجلين. تمام، أعجب هذان الرجلان حال سيدنا يوسف، فقصا عليه رؤيا رأياها في داخل السجن، لاحظوا أن أحدهما قال: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا، وقال الآخر: إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ من المحسنين. واضح سمت الإخبات والصلاح كان ظاهراً على سيدنا يوسف.

يوسف عليه السلام يستغل اللحظة، يوسف لا يدعو إلى نفسه، بل استغل اللحظة لدعوة هذين الرجلين، لم يكونا على الإسلام فدعاهما إلى التوحيد وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. بعد يعني وجبة دسمة من معاني الإيمان والدعوة إلى عقيدة الله، يوسف ختم الدرس وختم المحاضرة دعونا نقول بإخبارهم بتاويل الرؤيا: أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه، قضي الأمر، يعني هذا ما سيحصل لكما.

يوسف استغل تلك اللحظة لما عرف أن أحدهما كتب له النجاة، ذهب إليه وقال له: اذكرني عند ربك. بعد أيام ستخرج، أرجو أن تذكرني عند ملك مصر أن هناك شاب مظلوم سجن ظلما، وهو بريء مما نسب إليه. وهناك بلاء حقيقة وقع على يوسف حتى لا يذهب في الطيات، وهي بلاء السمعة السيئة التي حاولت امرأة العزيز أن تروجها عن يوسف؛ يوسف ما هي التهمه التي سجن بها؟ سجن بتهمه أنه يريد أن يعتدي على امرأة العزيز، وهذه حقيقة من اشد ما يؤلم الإنسان الداعية إلى الله أن يسجن وليس على تهمه عالية والله إنه مرابط ولا مقاتل ولا صاحب رأي زي اليوم، أن يسجن بتهمه أنه يريد الفاحشة مع أنه تمام بريء من هذه التهمه وأنه بعيد كل البعد عن هذه الفرية، وهذا حقيقة بلاء فوق البلاء! أن تسجن على تهمه أن تتشرف بها هذا يخفف جزء كبير من رحلة السجن، أما أن تسجن على تهمه أنت بريء منها وهي تؤذي سمعتك وأنت بتتبر منها تمام البراءة، فهذا حقيقة شيء مؤلم جداً.

فسيدنا يوسف كان حريصاً أن يبرئ صورته وسيظهر هذا بعد قليل. يوسف يقول لهذا الرجل: اذكرني عند ربك، وأخبره أن هناك شاب سجن ظلماً، وأنه لم يفعل شيئاً مما نسب إليه. فانساه الشيطان ذكر ربه؛ خرج هذا الرجل من السجن ونسي أن يذكر يوسف عند سيده عند حاكم مصر، نسي واشتغل بصناعة الخمر وعاد إلى حياته ونسي يوسف، وهذا كله من قدر الله، وهذا بالتأكيد ليتعلم يوسف زيادة الاستعانه والتوكل. وما يدريك وأنت في هذا السجن وفي خلوة من خلواته وأنت ملتجئ إلى الله تقرأ القرآن؟ ما يدريك؟ هذا قد يكون أنفع لك وخير لك من أن تخرج من السجن سريعا فيكون ذلك سببا في فتنة تتعرض لها. فأحيانا فعلاً نحن نحب انتهاء البلاء سريعا، لكن قد يكون هناك خير عظيم في استمرار بعض البلايا، خير عظيم في استدامتها من جهة أنها تعلمك الإخبات وتجعلك ترتبط بالله أكثر. كثير من البلايا عندما تحل بالانسان يمر على الإنسان ساعات من الإخبات والاستعانه والالتجاء إلى الله، فإذا ذهب البلاء عاد الإنسان إلى حياته ولهوه ونسي الالتجاء والإخبات والدعاء فيحرم كثير من العبوديات، فقد يجرك الله عز وجل إلى الجنة وإلى العبوديات بسلاسل البلاء، فاحمد الله سبحانه وتعالى على كل حال.

ولكن الله عز وجل لم ينس يوسف؛ نعم لبث في السجن بضع سنين لكن الله لم ينس يوسف. هناك قدر إلهي يعمل، ملك مصر في ليلة من الليالي يرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ويرى سبع سنبلات خضر وأخرى يابسات. الله عز وجل جعل ملك مصر يرى هذه الرؤيا لتكون رؤيا تتخيلون أيها الكرام، رؤيا كانت سبب في إخراج يوسف من السجن بعد سنوات طويلة من البلاء. الملك يقص هذه الرؤيا على حاشيته: هل أحد منكم يعرف تفسيرها؟ لا أحد. وصل الأمر إلى الخمار إلى صانع العصير؛ الملك يرى رؤيا ولم يستطع أحد أن يعبرها. هنا الخمار تذكر يوسف، قال: هناك رجل في السجن هو من سيخبركم بتاويل الرؤيا. ذهب إلى يوسف، بالتأكيد: أسأل كيف صحتك، أخبارك، أمورك؟ تذكره. هل يوسف عاتبه؟ لم يعاتبه، الله أعلم. المهم مباشرة يوسف: أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ مَا هي القصة يا يوسف؟

مباشرة سيدنا يوسف: تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، رح تعود الأمور إلى خيرها وطيبتها. الملك لما سمع تأويل هذه الرؤيا قال: ائتوني به. قال: من هذا الذي يعبر رؤى بهذه الطريقه المتقنة؟ دعوني أتعرف على هذا الشاب. يذهبون ليخرجوا يوسف من السجن، يوسف يمتنع، وشوف هذه فعلاً كانت دقيقة من الدقائق ويمكن نجعلها بلاء من البلايا، أنه الآن يا يوسف السجن يفتح أمامك، هل ستخرج مستعجلاً أم ستصر على البقاء في السجن حتى تثبت براءتك؟ يوسف يرفض الخروج من السجن حتى تثبت براءته، لأن سمعته أهم بالنسبة إليه من مجرد خروج ذليل من السجن مع بقاء التهمه عليه، وهذا الموقف والله لا يقوى عليه إلا الرجال، لا يقوى عليه إلا الكبار جداً جداً في إيمانهم وثقتهم بالله.

يدعى للخروج فيرفض، يقول: لا أخرج حتى تستدعو امرأة العزيز وصواحبها، ويسألهم الملك ماذا فعلوا مع يوسف وكيف ألقوا يوسف في السجن ظلماً وزوراً. الرجل يبحث عن ماذا؟ الرجل يبحث عن تنقية السمعة بعد التهمة الدنسة التي ألقيت عليه، وهذا مواقف الرجال، ليس المهم أن أخرج من السجن أي خروج، المهم أن أخرج عزيزاً مرفوع الراس. الملك يجمع امرأة العزيز مع النسوة: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ. هنا يشاء الله سبحانه وتعالى أن امرأة العزيز هدى الله قلبها بعد تلك السنوات الصعبة التي مرت على يوسف؛ هدى الله قلبها. ما الذي جعل امرأة العزيز تشعر بالندم تشعر بالخطيئة؟ الله أعلم، أنا لا أمتلك معلومة حقيقية هل هناك رسالة وصلت لها في نوم، هل هو حالة من التعبد والإخبات؟ لكن المهم الله سبحانه وتعالى صرف قلبها لتبرئ يوسف، هذا المهم بالنسبة لي: النتيجة النهائية أن الله صرف قلبها لتعلن البراءة لذاك الشاب الطاهر العفيف والنبي العظيم: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.

يوسف هنا يصرح: أنا كنت حريصاً أن أسمع هذه الكلمه وأن يسمعها الجميع، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، ليعلم عزيز مصر وليعلم كل من في مصر أني لم أخن بالغيب، لم أخن هذا الرجل عزيز مصر في غيبته في زوجته، لم أخنه في ذلك، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ. الملك أعجب بثبات يوسف، ذكاء يوسف، صلابة يوسف. قال الملك: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي. هذا يجب أن يكون بجانبي. وواضح أن هذا الملك وإن كان كافراً لكن كان عنده شيء من العدل كما قيل، وأنه كان منتبهاً ذكياً، فعرف أن هذا الشاب ليس كأي شاب: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ.

لاحظوا يوسف كيف يصل رويدا رويدا إلى سدة الحكم وإلى السيادة في مصر؛ اليوم يوسف مكين أمين عند ملك مصر! يوسف الذي كان قبل سنوات وسنوات شاب صغير يلهو، يأخذه أخوته ليحاولوا التخلص منه، ها هي الأقدار تدفعه رويداً رويداً ليصل إلى سدة الحكم في مصر، في بلد آخر في غير بلده. يوسف يقول لملك مصر بكل ثقة، ثقة الإنسان الذي يعرف إمكانياته: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. هناك سنوات شداد ستاتي على مصر يا أيها الملك، اجعلني أنا من هو مسؤول عن خزائن الطعام والشراب في مصر لأستطيع أن أدير الأمور في هذه السنوات الشداد.

وَكَذَلِكَ مَكَّنَّي لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ. مرة أخرى مرت معنا قبل قليل عند بداية بيع يوسف في الآية الحادية والعشرين؛ بترجع سورة يوسف مرة أخرى تكرر نفس الجملة، يخبرنا ربنا عن قدره النافذ: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ. تكرار هاتين الجملتين مرة في الآية إحدى وعشرين ومرة في الآية ست وخمسين مع ما بين القصتين من سنوات -وهي ثلاث صفحات في القرآن لكنهم في واقع الحياة كانوا سنوات، سنوات قيل كانت اثنتي عشرة سنة، ثلاث عشرة سنة، خمس عشرة سنة، عشرين سنة، الله أعلم- لكن واضح أنها كانت سنوات ما بين هذا وهذا، لأنه هي كبر يوسف ترعرع نشا في بيت امرأة العزيز، راودته، ذهب إلى السجن سنوات -سواء مكث في السجن أو ترعرع في بيت امرأة العزيز- هذه السنوات كان قدر الله يعمل فيها وإن كان أكثر الناس لا يعلمون.

مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، يعني أصبح يوسف في مصر ممكناً تمام التمكين، أينما يريد يتبوأ وينزل في مصر ينزل ولا أحد يستطيع أن يتكلم معه، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. يعلمنا الله أيها الانسان، هذه سنن الله: من اتقى الله واستعان بالله وصبر على بلاء الله فالله عز وجل لا ينساه، يمكن له بأي شكل من أشكال التمكين التي يختارها الله سبحانه، ولو كان تمكين الله لك بالشهادة في سبيله، فإن الشهادة في سبيل الله وأنت موحد لله عز وجل تعيش قضية الإسلام وتثبت على معاني الإيمان لست مبدلاً ولا مغيراً، الشهادة في سبيل الله شكل من أشكال التمكين أيضاً أيها الكرام، لأن بعض الناس يظن أن التمكين هو دائماً شيء محسوس مادي أن أصبحت وزيراً أو مسؤولاً أو معي مال، لا، أن تموت وأنت ثابت على عقيدتك، أن تموت وأنت مرابط على ثغر الإيمان، أن تموت على عقيدة صادقة مع الديان سبحانه وتعالى، هذا والله تمكين وأيما تمكين! هذا تمكين للنفس، تمكين للنفس أن تبقى متمكنة في مشاعرها وفي إلتجائها وفي استعانتها بربها سبحانه ولا تتزعزع عقيدتها. ما أعظم أن تمكن في إيمانك، فهذا اعظم اشكال التمكين ونسميه التمكين النفسي، أن يكون الإنسان متمكناً في الإيمان يعيش على هذه المعاني ويموت عليها، هذا شكل من أشكال التمكين العظيم.

طيب، يوسف عليه السلام كان في بلاء والآن أصبح عزيزاً لمصر، هل هو في بلاء أيضاً؟ نعم، هو الآن أيضاً في بلاء، وبلاء السراء. كان قبل صفحات في بلاء الضراء، الآن انتقل إلى بلاء شديد: بلاء أنه في سدة الحكم وعليه أن يعدل وألا يطغى وأن يتقي الله عز وجل في الرعية، هذا شكل من أشكال البلاء أيضاً، لا تظنوا أن البلاء ينتهي في حياة الإنسان، كما تبتلى بالضراء تبتلى بالسراء. ومن بلاءات يوسف هنا أن الله عز وجل أمره أن يأخذ أخاه الثاني من عند أبيه، وهذا حقيقة قرار صعب، ولكنها إرادة الله عز وجل، وهذا كما قال كثير من المفسرين أن ما فعله يوسف مع اخوته الآن هو من وحي الله له؛ يوسف عليه السلام نبي من أنبياء الله أوحي إليه أن يأخذ أخاه بنيامين فيما روي.

إن يأخذ أخاه أيضاً من عند أبيه فهو بلاء ليوسف من أي جهة يوسف عليه السلام يدرك كم سيكون أمر صعب جداً جداً على والده، لكنه أمر الله يوسف سيتخذ هذا القرار، سيأخذ أخاه الثاني الحبيب لوالده أيضاً، سيأخذه وكان صغيراً قالوا كانوا طفل صغير بنيامين هذا سيأخذه يوسف وسيضمه إليه مع أنه يعلم كم سيكون الأمر شاق جداً على والده المكلوم به في فلسطين.

فاتخاذ هذا القرار لم يكن سهلاً على يوسف لكن كما قلنا هو بلاء ليوسف وبلاء لوالده، إخوة يوسف يدخلون على يوسف وهم لا يعرفون أنه يوسف وإنما يعرفون أنه عزيز مصر، قالوا له نريد ميرة، واضح أن السنوات العجاف بدات بدات تؤثر ليس على مصر أيضاً بل أثرت على فلسطين وأصبح الناس في حالة يرثى لها، جاء إخوة يوسف يطلبون طعاماً وميرة فسيدنا يوسف عرفهم، استقبلهم، أكرم مثواهم، قال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها.

لكنه طلب منهم إخوته طلباً قال أيتوني بأخ لكم من أبيكم، يعني هم الآن لما جاؤوا هم طلبوا وجبات طعام على عددهم مع الوالد والوالدة وقالوا له هناك أخ لنا صغير لم نأتي به نريد أيضاً وجبة طعام له، يعني كيف حدث السياق؟ السياق أنهم قالوا له نريد يريد طعاماً لنا ولوالدنا ووالدتنا ولأخ لنا صغير تركناه عند أبينا، فيوسف استغل هذا، قال أنا لا أستطيع أن أعطيكم طعاماً لهذا الأخ الذي تركتموه عند والدكم لأني أنا لست متوثقاً أنه موجود، قد تكونون يعني تضحكون علينا أو يعني تريدون فقط زيادة الطعام لكم، فقال لهم أيه وأيتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوني، يعني إذا ما أتيتم بهذا الأخ الصغير لا تأتوا مرة أخرى تقول نريد ميرة، أنتم قلتم أخ صغير لكم تاتون به معكم المرة القادمة.

فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل، يعني هل منعهم جميع الكيل أو منعهم طعام أخيهم؟ الله أعلم، لكن واضح أن الأمور كانت شحيحة وصعبة جداً في تلك السنوات لدرجة أن الموضوع كان مقلقاً وكانوا ما يستطيعون لا بد كل إنسان أن يأخذ حصته من الطعام ومن لا يأخذ حصته يموت، فقال أرسل معنا أخانا نكتل هذا أخونا لا بد يأتي معنا المرة القادمة حتى نستطيع أن نحضر طعاماً له وإنا له لحافظون.

في هذه المرة كانوا صادقين، في هذه المرة إخوة يوسف كانوا صادقين أنهم يريدون أن يحفظوا أخاهم فقط، فعلاً يريدون أن يحضروا له طعاماً، طبعا يعقوب لدغ مرة منهم فهو كان من الصعب عليه أن يصدقهم، هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين، الحفظ عند الله عز وجل وأما أنتم فإنني لا أثق بكم، فتحوا متاعهم وجدوا يوسف تعامل معهم بكامل الكرم بكامل الإحسان، بل حتى قالوا رد عليهم البضاعة التي أتوا ليبادلوا بها طعاماً، قيل كان الذي يريد أن يأخذ طعاماً من خزائن مصر لابد وأن يقدم مكانها بضاعة من أثاث من سجاد من شيء، يوسف عليه السلام أعطاهم طعاماً ولم يأخذ منهم بضاعة، فهم شعروا قالوا هذا عزيز مصر يعني حقيقة أحسن إلينا، واضح أنه رجل نزيه شريف كريم يعني أعطانا طعاماً ولم يأخذ منا بضاعة مقابل.

فهنا يعني يعقوب عليه السلام يعني شعر بحاجة أبنائه وبالتالي بدا يلين، قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقاً من الله لتأتننني به إلا أن يحاط بكم، يعني إلا أن تهلكوه جميعاً، خلص قدر الله ما شاء فعل، ثم قالوا نعم نعطيك هذا الموعد.

سنخ عن قضية لماذا أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة؟ دخلوا على يوسف مرة أخرى وهم يظنونه عزيز مصر ولا يعرفون أنه يوسف، وكان معهم أخوهم، دخلوا على يوسف، يوسف مباشرة جَذَبَ أخاه إليه وقال له لا تقلق أنا يوسف وانت اليوم ستكون عندي لن تعود مع إخوانك، قال له ذلك من باب التطمين حتى لا يبكي أو لا يحدث له حالة نفسية أو شيء من ذلك، قال له لا تقلق أنا أخوك يوسف وستبقى عندي، طبعا قال ذلك على سر ولم يكن إخوة يوسف منتبهون لهذا المشهد.

ولما دخلوا من حيث أمر أبوهم ما كانوا يغني عنهم، وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لا تقلق اليوم يعني سنفعل بهم، جهزهم بجهازهم ووضع صاعاً للملك يعني آلة للميزان كان يستعملها الملك، وضع صاع الملك في رحل أخيه في رحل أخيه بدون أن من دون أن يشعر أخوه يوسف بالذي يحصل الآن، وهذا كله من أمر الله سبحانه وتعالى، ذهب يوسف أو ذهب أحد خدام يوسف وضع صاع الملك وهو المكيال الذي كان للملك ويقاس به الطعام والشراب، وضعوه في رحل أخيه في رحل بنيامين.

ثم نادى مناد بصوت مرتفع يا أيتها العير إنكم لسارقون، حدث من عندكم سرقة، إخوة يوسف انصدموا، هم فعلاً ما كانوا يعرفون شيئاً، قالوا وأقبل عليهم ماذا تفقدون؟ قالوا نفقد صواع الملك صاعه، ولمن جاء به حمل بعير، يعني الذي يجده لنا سنعطيه طعام بعير كامل، حمل بعير يعني سنعطيه كمية إضافية من الطعام يحملها على بعير مكافأة له.

هم قالوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ، نحن لم جئنا لنسرق، أتينا لناخذ طعاماً ونذهب، وفعلاً هم كانوا صادقين في ذلك، قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ طب إذا وجدنا هذا الصاع عندكم أو في جمل أحدكم، قالوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ، ايش يعني فهو جزاؤه؟ يعني الذي يوجد الصاع في رحله سيكون خادماً لكم وتستعبدونه، هكذا كانت شريعة يعقوب عليه السلام السارق يصبح عبداً للمسروق منه، هكذا كانت شريعة يعقوب ولم يكن هذا في شريعة مصر، في شريعة يعقوب كان أن الذي يسرق -إحنا في شريعتنا تقطع يده- لا، في شريعة يعقوب كان يؤخذ ويصبح عبداً وملكا للذي سرق منه، قالوا اتفقنا.

بدأوا بتفقد الجمال، فاذا بهم يخرجون صواع الملك من جمل بنيامين، انصدم الاخوه طبعا ما كانوا يتوقعون ولكن سقط في أيديهم ولا يوجد الآن مجال إلا أن يصبح بنيامين عبداً لملك مصر أو للعزيز.

طبعا هم مباشرة استغلوا اللحظة، واضح أن إخوة يوسف ما كانوا يحبون كثيراً بنيامين أيضاً، فماذا قالوا؟ قالوا إِن يَسْرَقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مَِن قَبْلُ، قالوا هذا الكلام فيما بينهم، وهذا من بلاءات يوسف أنه ما زال يؤذى وما زال إخوانه يتهمونه بالسرقة، طب يوسف متى سرق وما الذي سرقه؟ هذا كثرت فيه الإسرائيليات أنه كان طفلاً صغيراً وسرق قلادة وما شابه ذلك، لكنها قصة كاذبة.

باختصار هم اتهموا يوسف بالسرقة وكانوا كاذبين في ذلك، ومن بلاءات يوسف الآن كما أنه يتهم بالسرقة هو مطلوب منه أن يكتم ولا يدافع دافع عن نفسه، لأنهم ما كانوا يعرفون أنهم أمام يوسف كانوا يعتقدون أنه عزيز مصر، فكان مطلوب منه الكتمان في تلك اللحظة، فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ، قال أنتم شر مكاناً، لكن هذا بلاء فعلاً أنك تكون مقهوراً من داخلك تريد أن تدافع عن نفسك ولكن ما زال يطلب منك السكوت والصمت ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

حاولوا مع يوسف يا أيها العزيز إن له أبَا شيخاً كبيراً يعني لا يصبر على فقد هذا الطفل الصغير، خذ أحدنا مكانه خلص استعبد رجل منا مكانهم، حاولوا أن يفاوضوه على أن يسلم بنيامين لأنهم يعرفون أنهم أعطوا والدهم المواثيق وأن والدهم لن يستحمل أن يضرب في ابنه الثاني.

يوسف أصر على موقفه مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ، الآن استياسوا من هذا الحوار وئايسوا أن يعطيهم يوسف أخاهم، طب تحاوروا فيما بينهم ماذا نفعل؟ هل نعود إلى فلسطين بدون أخينا؟ ماذا سيكون موقف والدنا؟ أخوهم الكبير وهو أعقلهم فيما قالوا قال أنا لن أعود إلى مصر إلى فلسطين، اذهبوا أنتم عودوا إلى فلسطين وأخبروا أباكم بالتفاصيل التي وقعت وأن الش بنيامين سرق، ماذا نفعل يا أبانا؟

عادوا إلى فلسطين وأخبروا أباهم، والأب المكلوم يتلقى صدمة أخرى من صدمات الحياة وهذه بلاءات الله، فماذا يقول لابنائه عندما سمع الصدمة الأخرى؟ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، نفس الجملة التي قالها في يوسف، لكن لما قالها في يوسف كان كلام يعقوب صحيح سولت لهم أنفسهم أمراً فصبر جميل، الآن في هذا المشهد الثاني هو توقع يعقوب أن ما حصل الآن هو أيضاً من كيد الإخوة لكنه في الواقع لم يكن كذلك، ولكن يعقوب عليه السلام فقد الثقة بهم فقال نفس الجملة ولكن في هذه الحالة الثانية هم فعلاً لم تسول لهم أنفسهم أمراً ولكن هكذا جاء يعني هكذا كان الأمر يعني هكذا كان القدر يسير أمامهم وهم يقعون في هذه الورطة وفي هذه الإشكالية ولم يقصدوا أذية أخيهم بنيامين فعلياً، لكن هذا ما اعتقده يعقوب فصبر جميل، وثقته بالله العالية ما زال يحسن الظن بالله أن الله سيرد عليه يوسف ويع يوسف وبنيامين عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا.

ولكن هنا يعني واضح المشاعر خرجت عن السيطرة، الأب يبكي يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ، فقد أي يعقوب عينيه وبيضت عيناه من الحزن، فقد عينيه من شدة بكائه على ولديه الحبيبين إلى قلبه، لكنه إنما هو بكاء العين وأما القلب فهو راض عن الله سبحانه وتعالى، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، يعني صحيح أنا أبكي وأبث لكنني أشكو إلى الله سبحانه وأعلم أن الله عز وجل يأتي بالفرج بعد العسر وبعد البلاء، يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

يعلمنا يعقوب الأمل، يعلمنا يعقوب حتى لو كانت الحياة صعبة في تفاصيلها، حتى ولو كان البلاء شديداً، حتى ولو دمعت العين لشدة البلايا وبكى الفؤاد، لكن يبقى الثقة بالله سبحانه وتعالى أو تبقى الثقة بالله حاضرة وحسن الظن بالله لا يجوز أن يعدم من قلب الإنسان المؤمن.

يعودون مرة أخرى إلى مصر، دخلوا على عزيز مصر للمرة الثالثة جئنا ببضاعة رديئة نبادلها بطعام، الوضع وضع واضح أن قضية الطعام كانت متعبة جداً في السنوات السبع، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، هنا أذن الله ليوسف أن يصرح، واضح أن الأمور خرجت عن السيطرة لديهم، الشباب تعبوا، الوالد تعب، والأم تعبت، هنا الله عز وجل يأتي بالفرج على يعق ليعقوب، يعقوب الذي عنده حسن ظن بالله، الله عز وجل أعطاه على حسن ظنه، يوسف هنا يصرح بشكل واضح معاتباً ابتداء هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ، هنا يصدم الإخوة وكأنهم دققوا النظر أكثر وأكثر فوجدوا ملامح يوسف، قالوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ، معقول يوسف الذي طرحناه وهو طفل صغير في بئر في جب مزرعة من المزارع أو في صحراء من الصحار أنت الآن عزيز مصر؟ حقيقة أنا بحاول أتخيل صدمة المشهد عليهم، ما كانوا يتوقعون هم في ظنهم أن يوسف ذهب وانتهى من ماضي إذا بهم يجدون يوسف هو ملك مصر أو عزيز مصر وهم الآن يطلبون منه.

فقال أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا، قاعدة مباشرة أنه مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ تقوى الله مع الصبر على البلاء فان الله لا يضيع أجر المحسنين، هكذا يعلمنا ربنا سنن الحياة، إذا صبرت على بلاء الله وكنت متقياً لله لست متسخطاً على أمره فإن الله لا يمكن أن يضيع هذا الثبات وتلك السنوات التي صبرت فيها على لأواء الحياة.

فهنا عرف إخوة يوسف الواقع، قالوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، أنت كنت أحسن منا لذلك الله اختارك واصطفاك واجتباك واحنا كنا الخطأ، هنا شوف وهذا من البلاء أيضاً في هذه اللحظة الصعبة لحظة الاعتراف، تخيل إنسان كان سبب في أذيتك لسنوات وسنوات ولتعرضك لمحن وبلايا وشدائد، إنسان أبعدك عن أمك وعن والدك وعن والدتك سنوات وكان سبب في وقوعك في السجن ومرورك بلحظات صعبة، هذا الإنسان الآن يقف أمامك وأنت أعلى منه وتستطيع أن تنزل به العقوبة، يأتي بلاء العفو يوسف عليه السلام يقرر أن يعفو وهو في كامل اقتداره وقوته، قال لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، ما أجمل يوسف عليه السلام وهو يعفو ويصفح مع كل يعني أنت متخيل حجم السنوات الصعبة لحالها سنوات السجن قصة، ما بالك بالعبودية؟ ما بالك بتشويه السمة؟ ما بالك ما الذي حصل في بيت العزيز؟ كل هي الس، ما بالك بحرمانه من والده؟ من البلايا أنه كان أصلاً ليس مسجوناً والله في مكان إقامته مسجون وهو غريب في بلد لا يعرف فيه أحد ما في أحد يزوره من أقاربه ولا يطمئن عليه ولا يتكلم مع هاتف، غربة مع سجن مع أي تشويه سمعة مع كل هذه المعمعات بعد ذلك يوسف لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

هذه نفوس الكبار العفو عند المقدرة، يعني فعلاً الكلام ليس مثل الواقع، الكلام أبداً ليس مثل الواقع، اذهبوا بقميصي هذا الآن يريد أن يعالج الموضوع مع والده، اذهبوا بقميصي هذا سريَعاً فالقوه على وجه أبي يأت بصيره يعود إليه بصره وأتوني بأهلكم أجمعين، يلا روحوا جمعوا أهليكم وتعالوا إلى مصر.

هم انطلقوا من مصر وقد حملوا القميص يريدون العودة إلى فلسطين ليلقوا هذا.

القميص على عين والدهم. من أول ما تحركوا من مصر يعقوب وهو في فلسطين يشم رائحة يوسف! يا الله، ما أجمل هذه المواقف الأخيرة وتلطف الله بعباده! من أول ما تحركوا من مصر وهم في بداية رحلة العودة، يعقوب يقول وهو في فلسطين: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ، بدأت أشم عبق يوسف يأتي من تلك الناحية. لكن يعني، لا نريد أن تقولوا والله الشيخ خرف أو ضيع، لكن أنا أجد ريح يوسف.

فمن كان حوله؟ من كان حوله الله أعلم، أولاد عمومته، أولاد هكذا، قد يكون بعض الأبناء بقي عنده والبعض هم الذين ذهبوا إلى يوسف. قالوا: تاللَه إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ، يعني أنت ما زلت تتذكر يوسف، يوسف أصبح من الماضي. فلما جاء، فلما أن جاء البشير، وقد يكون البشير هذا أحد الإخوة، لما جاء مباشرة وصلوا فلسطين، ألقوا القميص على وجه أبيه فرتد بصيراً. قال مباشرة لمن حوله: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ من لطف الله وكرم الله وتفريج الله الكربات عن عباده ما لا تعلمون.

قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. عرفوا الآن، إخوة يوسف كانوا تائهين عن معاني الإيمان، إخوة يوسف ما لم يكن عندهم من معاني الإيمان ومن معاني الاستعانة بالله ومن طول الأمل ومن حسن الظن ما كان عند يوسف وعند والدهم، فانبهروا بهذه المعاني. ما الذي يحصل؟ كيف الحياة لفت ودارت إذا بهم يفتضحون ويكتشف أمرهم الآن أمام أبيهم، يعترفون: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. لم يكن من السهل على يعقوب أن يقول الآن سأستغفر لكم، لكن قال: سَأَوْسَفُ سَأَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، يعني أعطوني مجالاً يعني حتى يعني أجد في نفسي ما يدفعني لأن أستغفر لكم، لكن في النهاية: إنه هو الغفور الرحيم.

الآن يوسف عليه السلام يستقبل والديه وإخوته، ويدخلون مصر، ورفع أبويه على العرش بجانبه، وَخَرُورُوا لَهُ سُجَّدًا. هذا هو تحقيق الرؤيا، الرؤيا التي راها يوسف وهو في طفولتهها هي الآن تتحقق بعد سنوات وسنوات؛ ستون، سبعون، ثمانون سنة، لكنها تحققت في النهاية. يوسف على عرش مصر، أبوه وأمه بجانبه، والكل هم إخوته، الكل يخر ساجداً ليوسف عليه السلام. يوسف هنا يحمد الله سبحانه وتعالى ودائما يذكر الله بالخير في كل مرحلة من مراحل حياته، هو دائم الذكر لله وهذا شعار المؤمن. يا أبت هذا تأويل رؤياي. شوف سبحان الله، ما بين يا أبت الأولى ويا أبت الأخيرة؛ يا أبت الأولى: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا، يا أبت الأخيرة: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل. سبحان الله، ما بين هذه وهذه! هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا، ها هي تأويل الرؤيا التي قصصتها عليك وأنا طفل صغير أدرج في أحضانك، وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي.

شوف كمال الأدب، سمو الأخلاق! ما قال من بعد أن آذاني إخوتي، قال: نزغ الشيطان. الشيطان دخل بيني وبين إخوتي، ولم ينسب الخطأ إليهم أمام أبيهم. قمة الأخلاق، قمة الأدب، قمة الفهم، قمة العقل، هذه مروءات عالية أيها الكرام بالكاد تقف عليها اليوم: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. ثم بعد ذلك يوسف الآن في آخر عمره لم يفتن بأنه أصبح من ملوك مصر، لم يفتن بالمنصب الذي وصل إليه، بل كل طموح يوسف عليه السلام ما هو في آخر عمره؟ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

يوسف ليس متعلقاً بدنيا، لم يتشبث بملك مصر، لم يفتنه المال ولم تفتنه الدنيا ولا الشهوات، كما انه لم تفتنه شهوة امرأة العزيز، لم تفتنه شهوة الملك، لم يفتن في السجن، حياة مليئة بالمتاعب، لكنه كان يقضي هذه المتاعب بماذا؟ بمعاني الإيمان، بالاستعانه بالله سبحانه وتعالى.

هنا انتهى المشهد الأخير من القصة، تعود آيات القرآن لتخاطب النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ. الله يريد أن يخبر عن معجزة القرآن وعن صدق القرآن؛ يا ترى يا محمد صلى الله عليه وسلم هل كنت حاضرا في غرفة إخوة يوسف وهم يتامرون على قتله؟ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ. كيف استطعت يا محمد عليه الصلاة والسلام بعد آلاف السنوات أن تذكر تفاصيل المؤامرة لما كان إخوة يوسف يتامرون وأن أحدهم قال ماذا؟ اقتلوا يوسف، والآخر قال اطرحوه أرضا، وكيف أن الأخير قال لا تلقوه في غيابت الجب؟ التفاصيل الدقيقة، أنت لم تكن حاضرا بالتأكيد لانها كانت قبل آلاف السنين، كيف الآن تقصها على كفار قريش وتقصها على العرب؟ أليس هذا من دلائل أن هذا الكتاب من عند الله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في ان هذا الكتاب من ربه؟

أنت ما كنت جالس مع إخوة يوسف وهم في غرفة في تمام الاستخفاء يعني هم لما كانوا يتامروا بالتأكيد كانوا في غرفة وفي كمال الخفية، لا يريدون أحدا أن يشاهدهم وهم يكيدون ليوسف، من أين حصلت على تفاصيل الحوار الذي جرى داخل هذه الغرفة المغلقه؟ من أين حصلت على هذه التفاصيل؟ بالتأكيد هذه معجزة القرآن وصدق القرآن، أنه ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم كما يقول الكفره ولم يفتراه ولم يختلقه، بل هو من عند الواحد الديان سبحانه وتعالى.

لكن: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. يعني النبي صلى الله عليه وسلم سيقص هذه القصة وسيسمعها كفار قريش، لكن أكثر الناس لا يؤمنون لأن الهوى والعناد والاستكبار متجذر في نفوسهم. مع أنك يا محمد عليه الصلاة والسلام عندما تدعوهم إلى الإيمان أنت لا تسالهم أجرا ولا مرتبا، وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. أنت هل تطلب منهم راتب شهري؟ هل تطلب منهم مقابل على انك تدعوهم؟ لا، هو مجرد إن هو إلا ذكر للعالمين، أنت تدعوهم بهذا الكتاب لتذكرهم، لتنبههم، لتوقظ المعاني في نفوسهم.

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. يعني القرآن معجزة وهو آية مبهرة، وقصة يوسف تقص بتفاصيلها بهذه الطريقة آية مبهرة، ومع ذلك كفار قريش ما زالوا مصرين أن محمدا صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عنده. فالآن الله يقول: أفرغ القرآن هذه وفي خلق الأرض وفي خلق أنفسهم وهم يمرون عليها وهم عنها معرضون ولا يستدلون بها على الله سبحانه وتعالى وضرورة توحيده والانصياع له؟ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. هؤلاء نعم يعرفون أن الله هو الخالق الرازق الذي يفعل، لكنهم يعني لا يعرفون توحيد الله، لا يعرفون أن يعبدوا الله وأن يؤمنوا بالله إلا على صورة الشرك، وأما أن يؤمنوا بالله على صورة التوحيد الخالص للأسف فليس هذا من صنيع هؤلاء الفجار الكافرين.

أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. يعني بعد كل هذه القصص والآيات والمعجزات هل هم في أمان أن يحل الله عز وجل عليهم غاشية من عذاب الله أو تاتي الساعة فجاه وهم على غير استعداد لها؟ لكن المهم يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تثبت كما ثبت يوسف وكما يثبت الأنبياء، وأن تصرح: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. نحن ماضون على طريق الدعوة، ماضون على الثبات، ماضون على الجهر بمراد الله سبحانه، وماضون على عقيدة التوحيد.

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ. فهل هم يريدون ملائكة؟ هذا كان طلبهم كما ذكرنا مرارا، لكن ليس لهم ذلك، كل الرسل الذين أرسلناهم قبلك، يوسف ويعقوب ومن قبلهم ومن بعدهم، كلهم كانوا رجالا يوحى إليهم من جنس البشر.

الآن تاتي التصبيرات الأخيرة: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا. هذه سورة يوسف إخواني نزلت في المرحلة المكية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر في حالة صعبة من شدة التكذيب، خاصة بعد وفاة خديجة، بعد وفاة أبي طالب، المرحلة كانت صعبة جدا، فكان يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه التطمينات. فيقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عن سنة الله: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا. ظنوا أنهم قد كذبوا أي ظنوا أن من معهم سيكذبون بهم ولن يستمروا معهم في الطريق. وحاشا الرسل أن يظنوا أن الله كذبهم أو خذلهم، كما يمكن أن يتفهم البعض هذه الآية، هذا خطأ في التفسير. الرسل وصلوا استياس يعني وصلوا إلى مرحلة من شدة العذاب ومن شدة العنت ومن شدة المشقه أنهم ظنوا أن أقوامهم سيكذبونهم، وأن من آمنوا بهم سيرتدون على أعقابهم. يشعرون أن الأمور صعبة، في أصعب اللحظات جاءهم نصرنا، حتى إذا استياس الرسل شعروا بشدة التعب والالم وظنوا أن أقوامهم قد كذبوهم تماما ولا يوجد مخرج من هذه البلية، جاءهم نصرنا. إذا في اشد ساعات الالم في اشد ساعات البلاء يأتي الفرج، هذه سنة الله عز وجل في قصتك أيها الانسان في رحلة الحياة في أحلك الساعات وفي أصعبها: جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

ثم تختم السورة ويعلمنا ربنا ما الفائدة من هذه القصص، هذه ليست فقط قصة تروى، بل هي عبرة لكل البشر ولكل انسان على هذا الكوكب إلى يوم القيامة: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ. هذا القرآن عندما يقص قصة يوسف بهذه التفاصيل هو يصدق في تفاصيلها الكتب السابقة التي هو جاء أمامها، الكتب السابقة التوراه والإنجيل التي قصت شيئا من قصة يوسف، فالقران وهو يقصها بهذا التفصيل هو يصدق ما ورد في الكتب السابقة من هذه القصص. وهذه القصص أيضا فيها تفصيل لكل شيء يحتاجه الانسان في فهم قصته في هذه الدنيا، وفيها الهداية والرحمة لأهل الإيمان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يفقهنا وأن يعلمنا حقيقة الإيمان.

ساكتفي اليوم بهذا القدر بقصه يوسف عليه السلام، يعني كنت سادخل في قصة هود لكن قصة يوسف اخذت مني وقتا كافيا في الشرح والتعليق. اللهم علمنا وبصرنا وفقهنا ونورنا واجعلنا ممن يستهدون بالقران ويفهمون مقاصد القرآن ومعاني القرآن، ولا تجعلنا اللهم من الغافلين. جزاكم الله خيرا على الحضور والاستماع، ونلتقي على خير في مجلس آخر إن كان في العمر بقية، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.