بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاةً تترا وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا على مائدة القرآن، مجلس رحلة الإنسان في القرآن، هذا المجلس الطيب المبارك الذي ابتدأناه في شهر رمضان وما زال مستمراً معنا، والهدف منه أن نمر على معاني آيات القرآن وسور القرآن مجملة، وهذا كما قلت مراراً وتكراراً هو نوع من تدبر القرآن ونوع من العيش في آفاه يحتاجه المسلم كثيراً، لأن المرور التفصيلي على آيات الله قد يحتاج إلى دهر طويل، وأما إمرار معاني القرآن الكلية بشكل دوري في كل ستة أشهر على الأقل على قلب الإنسان يجدد هذه المعاني، ويجدد الإيمان بها، ويجدد إحيائها في حياة الإنسان.
فلا بد أيها المسلم من أن تمرر معاني القرآن على قلبك كل فترة لابد، ولا يصلح أن تقتصر على تفسير جزئي لسورة معينة أو على التفسير التفصيلي العام للقران والذي قد يحتاج إلى سنوات، ذاك نوع، وأما إمرار المعاني الكلية على القلب، معاني العقيدة، معاني الإيمان بالقران والاحتفاء به، معاني الصبر والثبات والرضا عن الله عز وجل، المرور على قصص الأنبياء وما فيها من المعاني الكلية، المرور على يوم الآخرة، المرور على مسائل القضاء والقدر في القرآن، هذا كله لابد أن يمر عليه الإنسان حتى يبقى قلبه مقبلاً على القرآن، مقبلاً على الله سبحانه وتعالى.
ننتقل من الحديث أيها الكرام إلى سورة هود، طبعا نحن بدأنا من سورة الناس، خصوص الإخوة الذين يحضرون معنا جديد نخبرهم أننا ابتدأنا من سورة الناس وصعدنا حتى وصلنا إلى سورة هود بحمد الله، ولاحظوا من اسمها سورة هود إذن هناك الكلام عن قصة، هناك الكلام عن شخصية، هناك الكلام عن شخصية مميزة من الأنبياء رضوان الله تعالى عليهم. والعديد من سور القرآن سميت باسم الأنبياء، عندك سورة يوسف، سورة هود، سورة يونس، وهذه السور الثلاث متتابعة في ترتيب المصحف، عندك أيضاً سورة إبراهيم، عندك أيضاً سورة نوح، عندك سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل أن القرآن يحتفي بالنماذج العظيمة البارزة من الأنبياء رضوان الله تعالى عليهم ويصنع منهم قدوات في حياة الإنسان المسلم.
يعني هود بشر، ونوح بشر، وإبراهيم عليه السلام بشر، اصطفاهم الله واجتباهم، ولكنهم أيضاً في نفس الوقت قدوات، وليست سيرهم وحياتهم شيئاً لا يمكن الاحتذاء به بحجه أنهم أنبياء، نعم فيهم جانب من الاختصاص والاصطفاء من جهة النبوة، لكنهم بشر عندهم مشاعر وأحاسيس وحياة، ومع ذلك صبروا وثبتوا ورابطوا على دين الله سبحانه وتعالى، وأوذوا في سبيل الله وثبتوا وابتلوا إلى أن أبلغوا وأوصلوا هذا الدين إلى القوم الذين أرسلوا إليهم، فهنا القرآن يحتفي بصناعة القدوات، هذه فكرة عامة اريدها أن تبقى في ذهنك.
فهنا القدوه التي تركز عليها هذه السورة، طبعا سورة هود لا تتكلم فقط عن قصة سيدنا هود، هي تتكلم عن مجموعة من الشخصيات، بل ربما المساحة التي أخذتها قصة سيدنا نوح من هذه السورة أكثر من المساحة التي اختصت بسيدنا هود، لكن تكررت هنا قصة نوح، فلا يعاد تسمية السورة باسم نوح مرة أخرى حتى ولو كانت هذه السورة ذكرت نوحاً بصورة أوسع ذكر، لكن كان الاختيار لهود عليه السلام حتى تسليط الضوء على شكل آخر من أشكال الأنبياء، ليكن هذا نوعاً من التنوع المحمود المرغوب في أسماء السور في كتاب الله سبحانه وتعالى.
مطلع هذه السورة مطلع متكرر في أغلب سور القرآن، وهو مطلع الاحتفاء الإلهي بهذا الكتاب العظيم، والتدليل والإخبار لهذا الإنسان أنك أمام حقيقة عظمى كبيرة جداً اسمها كلام الله سبحانه وتعالى، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُم فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. هذا دائماً مطلع السورة وهو توطئة للموضوع الذي سيأتي بعد ذلك، يخبر الله أن هذا القرآن هذا الكتاب العظيم كتاب أحكمت آياته، إذن هو كتاب متقن في غاية الاتقان، وأنت أيها الإنسان عليك أن تبحث عن معالم هذا الإتقان في كلام الله سبحانه وتعالى، الإتقان البياني والإتقان التشريعي والإتقان في سرد القصة، الإتقان بجوانبه المتعددة، إذن فهو كتاب متقن.
ثم هو كتاب ماذا مفصل؟ قال: ثم فصلت، هناك نوع التفصيل في كل المواضيع التي يحتاجها الإنسان، المواضيع الكلية التي يحتاجها الإنسان والتي توصله إلى الله بأمان، هذا الكتاب العظيم فصلها، لانه من ما هو المصدر الذي أتى منه؟ من أين أتى هذا الكتاب؟ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، حكيم شوف كتاب أحكمت آياته لأنه من حكيم، ثم فصلت تفصيلا يتناسب مع كل ما يحتاج الإنسان لأنه من خبير، فختم الآية الأولى بالحكيم الخبير يتناسب مع الأحكام والتفصيل.
ما العظمة الكبرى التي يركز عليها القرآن؟ ما هي الرسالة العظمى التي يركز عليها القرآن بالنسبة للإنسان؟ هي آية رقم اثنين: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. يعني القرآن كله الفكرة الأساسية فيه ألا تعبدوا إلا الله اللي هي باختصار لا إله إلا الله، اللي هي شهادة التوحيد، هذه أصل رسالات القرآن جميعاً، وكل رسالات القرآن الأخرى للانسان هي تندرج تحت هذا الأصل العام تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى وحده، ونفي جميع أشكال عبودية الإنسان لغير الله، عبودية الإنسان للشهوات، عبودية الإنسان للمال، عبودية الإنسان للدنيا، أي شكل من أشكال العبودية والتعلق القرآن يريد أن يطرده من حياتك ويعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ.
إذن هذا الكتاب كل ما فيه من أحكام وتفصيل إنما يراد به تحقيق هذا الأصل العظيم في حياة الإنسان ألا تعبدوا إلا الله، حقق أيها الإنسان عبوديتك لله سبحانه وأطرد كل أشكال العبودية الأخرى، ألا تعبد إلا الله. فهذا أسلوب حصر، طيب: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا. هذا المقطع وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه هو المقطع الذي سيصحبنا في هذه السورة وسيكون على ألسنة جميع الأنبياء، جميع الأنبياء قالوا لقومهم هذه الرسالة: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه.
يا أيها الإنسان هذه فكرة أيضاً يجب أن تنتبه لها، عليك دوماً أن تجدد الاستغفار، والاستغفار هو طلب الستر للذنوب والخطايا وطلب المحو والمغفيرة لها، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، لابد أيها الإنسان سواء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، سيدنا نوح، سيدنا هود، سيدنا صالح، الأنبياء جميعاً، سيدنا شعيب، سيدنا إبراهيم، سيدنا لوط، كل الأنبياء الذين سيأتون معنا شعارهم الدائم لأقوامهم، لابد أيها الإنسان لابد أيتها البشرية أن تستغفروا ربكم من خطاياكم وأن تديموا التوبة والرجوع إليه.
واستغفار الإنسان بين يدي مولاه وتوبته إليه هذا مصدر سعادة للإنسان، وهذه شيء واضح في سورة هود، التركيز على أن سعادة الإنسان وهناء الإنسان في هذه الحياة الدنيا مرتبط تمام الارتباط بمقدار استغفاره وتوبته لله عز وجل. إذن أيها الإنسان إذا أردت أن يوفقك الله، أن يسعدك الله، أن تتيسر أمور دنياك وأخراك، إذا أردت انفراج الهموم، إزالة الكروبات، إذا أردت استقامة الحال، فابدا من الاستغفار والتوبة، ففي آية رقم ثلاثة الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول لقومه: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ما النتيجة؟ يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى.
يعني الأجل المسمى قالوا إلى حين انتهاء أعماركم، تعيش حياة طيبة يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، تعيش حياة هانئة رضية بالله سبحانه وتعالى إلى أن تأتيك المنية، ويؤتي كل ذي فضل فضله، وهو أيضاً سبب من أسباب تفضل الله على عباده، كل انسان كتب له شيء من الفضل سيعطى فضله، وهذا الفضل إنما تحصله أيها الإنسان والفضل هو الزيادة، فالله يزيد عطاءه لك أيها الإنسان بزيادة استغفارك وتوبتك.
لذلك دائماً المسلم حقيقة يحرص في كل يوم، في كل صباح، في كل مساء أن يستغفر الله عز وجل، على الأقل على الأقل تقول في أذكار الصباح والمساء سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت. هذا الحد الأدنى من أنواع الاستغفار تبتدئ به صباحك وتنهي به في مسائك.
ثم بعد أن يعني قرر القرآن هذه الحقيقة العظمى، ما مضمون رسالة القرآن؟ وكيف يحصل الإنسان السعادة في حياته بالاستغفار والتوبة وهو شكل من أشكال الاعتراف بالعبودية لله عز وجل؟ يخبر القرآن عن حالة الكافرين، حالة الكافرين في استقبال هذه الرسالة العظيمة وهذا الهدي الإلهي، كيف استقبلوا هذه الهدايات وهذه الإرشادات وهذه الدعوة إلى السعادة؟ للأسف استقبلوها أَلَا إِنَّهُمْ ثَانُونَ صُدُورَهُمْ ليَسْتَخْفُوا مِنْهُ.
اختلف المفسرون في معنى قوله: يثنون صدورهم ليستخفوا منه. وذكر ابن جرير الطبري كثير من المعاني المحتملة للسياق، قال بعضهم: ألا إنهم يثنون صدورهم أي يثنون صدورهم على عداوتك يا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى عداوة ما جئت به ولا يصرحون بذلك، هذا كلام عن بعض كفار قريش وبعض المنافقين أيضاً الذين كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم أظهروا له البشرى والسرور والاحتفاء ولكنهم في باطنهم كانوا يضمرون له الضغائن والكره والاساءة والشر. فنقول ثنى صدره على عداوتك، ما معنى ثنى صدره على عداوتك؟ يعني أضمر في صدره عداوتك، فكان هناك شيء محذوف في السياق تقديره ألا إنهم يثنون صدورهم على عداوتك يا محمد صلى الله عليه وسلم، على عداوتك هذه لابد نقرر يعني نقدرها حتى نفهم السياق.
أي هم يثنون صدورهم يعني يخفون في صدورهم عداوتك ويظنون أنك لن تطلع عليها ولن تعرفها، فيقول الله سبحانه وتعالى أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، كل شيء يعني تفعلونه وتحاولون ستره فالله عز وجل يعلم السر والعلانية. فأخفاؤكم لهذا القرآن وإخفاؤكم للعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم هذا لا نتيجة مثمرة له في حياتكم، ولن يبقى مضمرا، بل سيطلع ربنا سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى نبيه صلى الله عليه وسلم عليه، فهو سبحانه عليم بذات الصدور.
طيب بعد ذلك الله عز وجل يخبر عن عظمته وجلاله في أنه صاحب الرزق وصاحب الأمر، قال: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا، أين مستقرها؟ على الأرض، وأين مستودعها؟ في التراب، أيضاً هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء.
فالله عز وجل هنا يخبر عن حقيقة وجودك أيها الإنسان في الحياة الدنيا قال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً. لماذا خلق الله السماوات والأرض؟ هل فقط خلقها لنراها ثم بعد ذلك نتمتع في حياتنا؟ لا، كل خلق السماوات والأرض وإيجاد فكرة الحياة الدنيا هدفه واضح والله يخبرنا به: ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. هذا الوجود الإنساني أيها الكرام له غاية عظيمة دائماً يكررها القرآن، إياك أن تظن أيها الإنسان أنني خلقتك لتاكل وتشرب ولتكون موظفاً في شركة ولتنكح وتأتي بالأولاد وهكذا تكون الحياة كما يعيش أكثر الناس اليوم. لا، أنت إذن قاصر جداً في تصورك لمعنى وجودك ومعنى الوجود الانساني، إنما خلقتكم لأبلوكم أيكم أحسن عملاً.
بعد أن أعطى الله عز وجل المشركين وجميع البشرية هذه الحقيقة العظمى للوجود الإنساني عاد الله عز وجل للكلام إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في مواجهه كفار قريش، ولئن قلت يا محمد صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الكفرة إنكم مبعوثون من بعد الموت حتى يجازيكم الله عز وجل، الآن ما دام الهدف من الوجود في هذه الحياة الدنيا وأن يبتلينا أينا أحسن عملا، إذن وسيكون هناك جزاءه، ما في امتحان إلا في نتيجة ولا بد توزع النتائج، فالله عز وجل ابتداء أخبر عن الامتحان ثم قال يا محمد صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتهم أن هناك يوم لتوزيع النتائج وتكريم الناجحين وعقاب المقصرين المفرطين سيقول الذين كفروا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.
غريب حالهم، معقول أن هناك بلاء ولا يكون هناك نتيجة؟ لا يمكن، أي بلاء أي اختبار يحط فيه الإنسان، المنطق السوي أن تكون هناك نتيجة نهائية ينتظرها، أما أن يكون محسناً فيثاب، واما أن يكون مسيئاً فيعاقب، أما أن يكون بلاء ولا تكون نتيجة هذه مشكلة. فهؤلاء الكفار لم يعرفوا أن هناك امتحان، أو لم يعيشوا الحياة الدنيا على أنها امتحان، وبالتالي انكروا حقيقة الدار الآخرة، فهذا السبب والمسبب، يعني أنكروا كلا الحقيقتين العظميين، أنكروا حقيقة البلاء وأنكروا حقيقة ماذا يوم الجزاء.
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ، من أساليب كفار قريش وأساليب الكفرة عموماً عبر التاريخ أنك إذا أعدتهم بعذاب الله وخوفتهم من الله يستهزئون ويتهكمون ويقولون: ما الذي يحبس العذاب عنا؟ أتونا بعذاب الله، فالله عز وجل يهددهم أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ، هذا العذاب الذي تستهزئون به وتستعجلونه إذا آتاكم ستولو ن وتحاولون: اكشف عنا العذاب، لكنه ليس مصروفاً عنكم.
ثم عاد الله عز وجل للكلام عن الإنسان عموماً، هذا الإنسان الذي إذا لم يهتدي بشرع الله كيف يكون حاله؟ هذا الإنسان إذا لم يهتدي بشرع الله كيف يكون حاله؟ يقول سبحانه: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ.
وَلِئَنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ.
كيف يستقبل البلاء وكيف يستقبل السراء؟ كيف يستقبل الضراء وكيف يستقبل السراء؟ فالله عز وجل يقول: إذا الله عز وجل أنعم على الإنسان برحمة ثم نزعها منه فأصابه شيء من الضراء أو البأساء في الحياة، تجده مباشرة مصاب بيأس وقنوط، إحباط وكفور، ومعترض على الله، كفور اعتراض على الله سبحانه وتعالى، ويشكو أقدار الله عز وجل. وفي المقابل، إذا جاءه الرخاء بعد الشدة وَلِئَنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ، تجده ماذا؟ فرح بمعنى بطر، فخور متكبر على الناس، متعجرف، يظن أنه أهل لما أصابه من الرخاء والسراء والسعة، ولا يسند الأمر في الحقيقة إلى الله عز وجل، لا في حالة الضراء يسند الأمر إلى الله، ولا في حالة السراء يسند الأمر إلى الله. ودائما إذا أصابته بلاء تسخط، اعترض، شكى الله، وإذا أصابته سعة وخير ظن أنه أهل ومستحق لذلك، وتكبر على الناس وبطر. وهذه حال كثير من الناس، بل حتى كثير ممن ينسب إلى الإسلام ممن غفل عن ربه وأعرض عنه، تجد عنده هذا التصور. الله عز وجل هو إما يشكى ويعترض على أقداره، وإما ينسى ويغفل في حالة الرخاء.
فقال لذلك الله عز وجل قال: هكذا هو الإنسان إلا صنف معين. هؤلاء هم المميزون، هم العارفون، هم الفاهمون، الذين إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، الصبر يناسب الآية الأولى، صبروا عندما تنزع منهم الرحمات ويأتيهم الضراء، صبروا على البلاء ولم يشكوا الله، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هذه تناسب الآية الثانية، أنهم إذا أنعم الله عز وجل عليهم برخاء وسعة عملوا الصالحات شكرا لله عز وجل على هذه الرخاء والسعة، وبذلوا ما أنعم الله عز وجل به عليهم في الصالحات. فصبروا عند الضراء وعملوا الصالحات عند السراء، فهؤلاء هم أعلى أنواع البشر، وهؤلاء هم النوع الذي يريدهم الله سبحانه وتعالى.
بعد أن ذكرت سورة هود هذه المعاني، الله عز وجل يلتفت إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مطالبا له بالثبات على هذه الدعوة وعلى هذا القرآن، ويقول: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول عظيم، ولكن في نفس الوقت هو بشر يعني يحز في نفسه ويضيق في صدره أن يستهزئ به وأن يتهكم به، وأن يتهكم بهذه الدعوة العظيمة التي أتى ليبشر الناس بها. فالله عز وجل يقول له: لعلك تارك بعض ما يوحى إليك أو كاتم بعض ما يوحى إليك خشية تضايق من هؤلاء الكفار لطريقة استهزائهم وتهكمهم وقولهم لماذا لا ينزل عليك كنز يا محمد صلى الله عليه وسلم أو يأتي معك ملك؟ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ. أنت يا محمد عليه الصلاة والسلام وكل الدعاة الذين يسيرون على دربك، إنما وظيفتك الإنذار والابلاغ وايصال الأفكار والرسائل، ثم النتائج بعد ذلك عند الله سبحانه وتعالى. فهذه مطالبة للنبي عليه الصلاة والسلام بالتسليم للوظيفة وألا يضعف أمام الكم الهائل من الاستهزاء والتهكم الذي كانوا يوكلونه إليه.
هنا جاءت الصفحة الثانية تتكلم عن صورة من صور تحدي القرآن لكفار قريش في معجزته العظمى القرآن. ابتدأ مع كفار قريش يتحداهم أن يأتوا بمثله، هذه أعلى أنواع التحدي التي ابتدأ بها القرآن، فالله عز وجل قال للكفار: اتحداكم أن تأتوا بمثل هذا القرآن، قال: لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. لما عجز الكفار أو عجزوا عن الاتيان بمثل هذا القرآن، الله عز وجل تحداهم بالاتيان بعشر سور فقط مثل القرآن، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ. دائما تقولون يا كفار قريش القرآن افتراه محمد عليه الصلاة والسلام، القرآن أخذه محمد من شخص رومي، القرآن كلام سا، القرآن كذا. طيب، دعونا نتفاهم معكم، تحديكم أن تأتوا بمثل هذا القرآن لم تستطيعوا، الآن نتحداكم أن تأتوا فقط بمقدار عشر سور فقط، نريد مقدار سور، اختاروا أي سورة بغض النظر ماذا كان حجمها، آتوا بمقدور وعين بآلهتكم وأمكم، ودعونا نرى هل أنتم صادقون في أن هذا القرآن مفترى وأنه يمكن صناعة مثله؟
طيب، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إذا هؤلاء الكفار لم يستجيبوا لكم أيها المسلمون عموما في هذا الطلب، فاعلموا أنهم عاجزون وأن هذا الكتاب أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟
مَّن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ. شوف هذه الآيات مخيفة، الله عز وجل يقول: أيها الانسان، إذا كنت تريد الحياة الدنيا، إذا كان فقط حياتك طعام، شراب، شهوات، ملذات، ولا التفات لك إلى الله سبحانه وتعالى ولا إلى شرعك ولا إلى غاية وجودك، ممكن تاخذ الدنيا، قال: نوفي إليهم أعمالهم فيها، يفتح الله عز وجل في الدنيا ويعطيك من السعة ما يمكن أن يعطيك، لكن لما يأتي يوم القيامة يوم توزيع الجوائز للاختبار فانت ليس لك في الآخرة إلا النار. شوف أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط وتلف كل ما صنعوا في الحياة الدنيا، وباطل هباء منثورا، كل ما كانوا يعملون، الذين عاشوا من أجل ذواتهم وعاشوا من أجل رغباتهم وحياتهم ولم يعيشوا من أجل مولاهم سبحانه وتعالى، هؤلاء نتيجتهم في الاختبار يوم القيامة، لا تطالب الله عز وجل إلا بالنار، هذه هي نتيجتك التي تستحقها.
فعاد الله عز وجل يحتفي بنبيه صلى الله عليه وسلم ويقول: أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ. قال كثير من المفسرين هو جبريل تمام، يعني النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يخبركم بهذا القرآن أيها الكفرة هو النبي عليه الصلاة والسلام يسير على بينة ووضوح، وهناك شاهد من الله وهو جبريل هو الذي يتلو القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام يتلقى القرآن منه، وهذا القرآن ليس بدعا من الكتب السماويه، وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً، كان أيضا كتب سابقه وأنتم تعرفونها، منها التوراة الذي بين يدي اليهود، كتاب موسى وإن كانوا حرفوه.
فقال سبحانه: وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ. الذين يكفرون، يعني هناك أولئك يؤمنون به، أي هناك من يؤمن بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وصدق الرسالة التي أتى بها وصدق كتابه، وهناك من يكفر به جميع الأحزاب والطوائف، وهؤلاء فالنار موعده الذين يكفرون بهذه الرساله فالنار موعدهم.
فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ، لاحظوا هنا في تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، لا تكن يا محمد صلى الله عليه وسلم في مرية أو في شك، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يشك، ولكن الكلام يكون موجها للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به اتباعه وأمته، أحذر أن تشكوا في هذا الطريق الذي أنتم فيه. نعم، لو كثر الكفار ولو أتوا بما أتوا، ولو كثر الاستهزاء، ولو ادلهمت الخطوب، فلا تكن في مرية منه، لا تشك في الحق الذي معك وبين يديك، لأنه الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.
استمرت السورة سورة هود تتكلم يعني بتأكيد وتخويف، يعني تخويف للكفار وتبشير للمؤمنين. فالتخويف، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرَ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. كل هذه الآيات هي تخويف لهؤلاء الذين لا يقبلون على الهدى، الذين يصدون عن الاستقامة ويريدون الحياة الدنيا أن تبقى عوجاء، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا. وهذا في كل المجتمعات اليوم، هناك بل أكثر البشر يبغونها عوجا، يريدون الحياة شهوات، ملذات، يريدون الصد عن دين الله، عن توحيد الله، يريدون إيذاء المسلمين وإفساد المجتمعات، ونشر الفحشاء في الصور، في الأفلام، في المسلسلات، في البنوك الربوية، في الحياة العامة يبغونها عوجا. هؤلاء يحذرهم الله سبحانه وتعالى: لستم بمعجزين في الأرض، يضاعف لهم العذاب، أولئك خسروا أنفسهم، لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. هؤلاء أخسر الناس الذين يريدون الحياة الدنيا أن تبقى عوجا ولا يريدون الاستقامة والهدايه التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على البشرية.
في المقابل، الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم، وأخبتوا خضعوا وذلوا لشرع الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم أصحاب الجنة، أولئك أصحاب الجنة.
وفي النهاية، الدنيا فيها فريقان دائما، هذه فكرة متكررة في القرآن، القرآن الناس البشرية في هذه الحياة الدنيا سينقسم إلى فرقتين، أعمى وأصم، الذين يريدون العمى عن شرعة الله والصمم عدم سماع الهدايات الإلهية، وفي المقابل هناك البصير السميع، مبصر للحقائق، سميع لشرع الله. هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.
طيب، هنا بعد أن أعطى الله عز وجل هذه الحقائق الوجودية عن حقائق القرآن، عن حقيقة رسالة القرآن، عن أن الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله أثرها عظيم في حياة الإنسان، عن طريقة استقبال الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الحقائق وتحديهم بالعشر السور، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على بينة ووضوح، وتثبيت النبي عليه الصلاة والسلام بعد هذا الدرس وهذه المقدمة، وانقسام الناس إلى مؤمن وكافر وإلى سعيد وشقي، هنا بدا الله سبحانه وتعالى يقص على نبيه صلى الله عليه وسلم نماذج من قصص الأنبياء ومن التحديات التي تعرضوا لها ليثبت به فؤاده. لذلك في آخر السورة قال سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. فالآن من هنا إلى آخر سورة هود قصة بعد قصة لبيان كيف الإنسان عبر فجر التاريخ. الإنسان عبر فجر التاريخ منذ أول الرسل، أول الرسل نوح عليه السلام، آدم لم يكن رسولا إنما كان نبيا، أما أول الرسل على وجه الحقيقة هو نوح عليه السلام، كيف كانت البشرية تستقبل رسالات الأنبياء؟
فالله عز وجل بدا بقصة نوح عليه السلام: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ، أَّلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، اللي هو نفس مضمون رسالتك يا محمد عليه الصلاة والسلام اللي ذكرناها في آية رقم اثنين في السورة، كما أن رسالتك للبشرية ألا تعبدوا إلا الله، كذلك كانت رسالة نوح ألا تعبدوا إلا الله. ونفس الشيء، كما أني لكم نذير مبين، نوح قال لقومه: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ. فرسالة الأنبياء الكلية مضمونها واحد عبر البشرية، الدعوة إلى عبادة الله وعدم الخضوع لأي شكل من أشكال التعلقات الأخرى، والإنذار أن الإنسان إذا لم يخضع لعباده الله سبحانه وطرد كل أشكال العبوديات الأخرى فهو مهدد بعذاب أيم ينتظره.
ولكن للاسف كما أنت يا محمد عليه الصلاة والسلام تعاني من الملأ الكافرين ومن المستهزئين والمتهكمين، نوح عليه السلام عانى كثيرا ولمدة أطول، تسعمئة وخمسون سنة ونوح يعاني مع هؤلاء الفاسدين. فقال الملأ الذين كفروا من قومه، نفس عبارات الاستهزاء التي يقولها الكفار لك، قالوها لنوح: مَّا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّنَّا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ. أنت مجرد بشر، اتباعك الضعفاء، ولا نرى لك تميز علينا أنت ومن معك من المؤمنين بل نظنكم كاذبين.
ونوح عليه السلام ثبت على موقفه: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ. كما أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم في الآية رقم سبع عشرة ربنا عز وجل وصفك: أفمن كان على بينة من ربه، نوح عليه السلام أيضا قالها بشكل واضح قبلك، قال: أنا على بينة من الطريق الذي اخترته ومن الدعوة التي أبثها، أنا لست مترددا ولست شاكا، أنا ثابت. وهذا الثبات نحتاجه كلنا يا إخواننا اليوم، أفمن كان على بينة من ربه؟ كونوا دائما واثقين بالخير الذي بين أيديكم، كونوا دائما مطمئنين لله سبحانه وتعالى، حتى ولو كثرت الخطوب وادلهمت الفتن واجتمع الكفار على أمة الإسلام، نحن على بينة، نحن على ثقة، نحن مطمئنون لما بين أيدينا من الخير والهدى ونقاتل عليه ونثبت عليه ونفنى عليه بإذن الله، ونسأل الله عز وجل الثبات على هذا الطريق.
نوح يقول لقومه: إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده، وهي هذه النبوة التي أنا أخاطبكم بها وهذا الهدي الإلهي وهذا الوحي الإلهي والتعليمات الإلهية التي أعطيكم اياها، فعميت عليكم، أنا عندي رحمة من ربي تعليمات وإرشادات وأنتم خلص في تعامي عنها، ماذا استطيع أن أملك لكم؟ أنا إنما أنا نذير، أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ؟ أنا لا استطيع أن أجريكم إجبارا، إنما أنا داع ومبشر ومنذر في نفس الوقت، فإما أن تقبلوا الهدى الذي معي وأنا في النهاية لا أملك لكم بعد ذلك شيئا.
وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِن أُجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا. يعني هؤلاء المستضعفون الذين آمنوا بي لن أطردكم لأنهم مستضعفون، بل ما دام الله عز وجل كتب لهم الهداية فهم من جندي ومن أصحابي. وهذه رسالة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تشعر بالقلق لأن أصحابك في مكة كانوا من المستضعفين، هذه الدعوة إنما تنصر بضعفائها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم.
ثم قال لقومه: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ.
تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما أنفسهم، يعني هو يعطيهم حقائق، أنا لا أملك خزائن الله لأوزعه لكم الآيات، وأعطي كل شخص منكم ما يشتهي، ولست أعلم الغيب وأطلع على أمور إلا بما يأذن الله لي، ولست ملكا خارقا. هذه كلها يعني إعطاء، صحيح هي جاءت على لسان نوح، لكنها أيضا النبي عليه الصلاة والسلام سيستفيد من هذه الخطابات التي أعطاها نوح لقومه، ففي النهاية، في النهاية، الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى وظيفتهم البلاغ، وليس وظيفتهم الاتيان بالخوارق والكرامات وإعادة الناس أنهم سيملكون الدنيا وسيصلون ما يحصرون.
نحن نوصل للناس رسالة الله، وعليك أيها الإنسان أن تقبل هذه الرسالة، هذا ما نملكه لأنفسنا وما نملكه لك. فطبعا كفار قوم نوح قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. شوف هذه الجملة، فاتنا بما عنا، قالها كفار قريش في آية رقم ثمانية للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَئِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ. كأن سورة هود تريد أن تخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كل ما يقال لك يا محمد عليه الصلاة والسلام قاله الكافرون للأنبياء من قبلك.
وانظروا إلى نهاية هؤلاء الكافرين الذين كانوا يقولون مثل هذه المقالات: طوفان كامل أغرق قوم نوح. طيب، نوح عليه السلام استمر على هذه الدعوة وقال لقومه في النهاية: وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَن أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ، يعني إذا كان يا قومي الله عز وجل لم يكتب لكم الهداية فكل ما أنصحكم به لن ينفعكم، ففي النهاية أنا سأبذل جهد قدر المستطاع، والله عز وجل هو صاحب الأمر من قبل ومن بعد. هل ستهتدى؟ شوف آية رقم 25 من سورة هود، آية رقم 35 من سورة هود، وآية رقم 13.
أخي عجيب هذا التناسب في السورة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ آية 35، نفس الكلام أيضا قاله كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم آية رقم 13: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ. إذا واضح جدا أن الله عز وجل يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ما قيل لنوح بكل تفاصيله هو نفس الذي وجهت به يا محمد صلى الله عليه وسلم، فثبت نوح، فأنت عليك أن تثبت. شوف ثبت نفس الكلام: أم يقولون افتراه أم يقولون افتراه. شوف تناسبات القرآن.
ونوح عليه السلام ثبت على موقفه وقال: أنا لم أفتر شيئا، أنا لم أفتر شيئا ولم أختلق شيئا من عندي، بل إن افتريت شيئا على الله فعلي إجرامي، أنا مجرم، ولكنني أنا عارف أنا على بينة، أنا على وضوح مما عندي، وأنا بريء في نفس الوقت مما تجرمون. في النهاية الله عز وجل بلغ نوح، خلاص لن يؤمن من قومك إلا تلك الثلة التي آمنت، فالآن سيبدا مشروع إهلاك قوم نوح. فيا نوح عليه السلام اصنع الفلك وأنت في رعايتنا، فصنع الفلك في صحراء، بنى سفينة في صحراء، وقال الله له: خلاص لا تخاطبني في الذين ظلموا، لا تسترح لهم، فانني قضيت بإهلاكهم. وهي رسالة مبطنة لكفار قريش: انظروا ماذا حصل في نهاية المطاف.
كان نوح عليه السلام يصنع الفلك في الصحراء وقومه يمرون به ويسخرون منه: من أين أين ستجري هذه السفينة يا نوح؟ فنوح عليه السلام قال: إن تسخروا منا فانا نسخر منكم، يعني سياتي يوم نحن من سيسخر منكم. وفعلا لما جاء أمر الله وفارت المياه من الأرض، وامر نوح أن يحمل في السفينة كل من آمن من أهله وقومه، وما آمن معه إلا قليل. وهذه هكذا جاءت رسالة مبطنة: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. عادي جدا انك تدعو إلى الله مده عشر سنوات، عشرين، سبعين، مئة سنة، ولا يؤمن معك إلا قليل. أنت متخيل أن سيدنا نوح 950 سنة يدعو إلى الله؟ 950 سنة يدعو إلى الله، ثم ماذا كانت النتيجة؟ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
بعض الإخوة والأخوات اليوم يبدأ بمشروع دعوي، ربما أشهر يعني ست، سبع أشهر، ثمان أشهر لا يرى مردود، لا يرى إقبال من الناس، يترك هذا المشروع الدعوي ويقول: خلاص يعني واضح أنه ما في إقبال. سيدنا نوح 950 سنة يدعو إلى الله، وكانت النتيجة المادية: وما آمن معه إلا قليل. هكذا قال ربنا، بالتالي الدعوات لا تقاس بحجمها بحجم أتباعها، وإنما تقاس الدعوات بثبات حاملها. احفظوا هذا الكلام أيها الإخوة، الدعوات لا يقاس نجاحها بكثرة أتباعها، وإنما يقاس نجاح الدعوات بثبات حاملها.
كل ما كنت أثبت على دعوتك وعلى فكرتك فالدعوة ناجحة بغض النظر كم كان عدد أنصارك أتباعك من اقتنع بفكرتك. وأما أن يقيس الإنسان نجاح الدعوة فقط أنه والله كثر أتباعي وأنصاري ولا قلوا، هنا ستتعب كثيرا في هذه الحياة، خاصة الناس اليوم المفتونة بعالم السوشيال ميديا والأرقام الموجودة فيه. يبدأ مشروع دعوي، إذا وجد والله الناس تقبل أنا أقول، أنت صاحب مشروع دعوي وفكرتك صحيحة وأداؤك صحيح، لكن قد لا يكتب لك أن الناس كثيرا تسمع لك، هل هذا يعني أن مشروعك خطأ؟ هل هذا يعني أن تلقي راية الدعوة والاصلاح؟ ليس هذا حال الأنبياء. نوح عليه السلام عادي جدا مئات السنوات 950 سنة والنتيجة: وما آمن معه إلا قليل، لكنه راضي بحمد الله عن النتيجة لأنه فعل ما طلب منه، لم يقصر في الأساليب الدعوية، دعوت قومي ليلا ونهارا كما جاء في سورة نوح، ومارس كل أشكال الدعوة التي يستطيعها وأدى ما عليه. في النهاية النتائج على الله وليست عليكم أيها الدعاة.
طيب، وعندما جاء الوقت المحدد وساعه الصفر كما يقال: ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا. وهنا بدأت الأمواج تجري بهذه السفينة والمياه غطت الأرض أو كمية الأرض، الأرض التي طلب من هذه المياه أن تغطيها. تخيلوا أن من ضمن الكافرين، من ضمن الكافرين كان أحد أبناء نوح، ونوح ينادي عليه: يا بني اركب معنا ولا تكون مع الكافرين. هذه لحظات أخيرة، اركب معنا، ادخل في سفينة الإيمان، في سفينة النجاة، في سفينة الاهتداء إلى الله سبحانه. هو ظن أن هناك شيئا آخر غير الإيمان، غير الهداية، يمكن أن يحميه إذا جاء وعد الله. المسكين يقول لوالده: سَأَوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ. لن أركب معك في سفينة الإيمان.
لكن للاسف لم يكن هذا الابن الذي كتب عليه الشقاء، لم يكن يعرف النتيجة، فَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. هلك تماما، لا ينجو الإنسان إلا في سفينة نوح. إخواني في هذه الحياة، سفينة الإيمان التي يجب أن ندخل فيها جميعا وأن نركب فيها جميعا. في هذه الأمواج المتلاطمة أيضا هذه الحياة فيها طوفان وفيها أمواج متلاطمة، سفينة الهداية هي التي تكفل لنا بإذن الله النجاة والسلام.
ثم انتهى المشهد، انتهى الكفر على وجه الأرض في تلك الفترة: يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. نوح عليه السلام يعني كان عنده شيء من الشفقة في قلبه والحزن على ابنه الذي مات، ونادى نوح ربه فقال: رب إن أمني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، وأنت وعدتني أن تنجي أهلي. فقال: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ. واما من كان كافرا بك فهو ليس من أهلك، ولا تعده من أهلك حتى ولو كان من أقرب الناس إليك.
وهنا تاتي سورة هود لتوضح عقيدة واضحة في حياة الإنسان: أنه أهلك هم من يتبعونك على درب الخير، وأما أولادك أو آباؤك أو زوجاتك أيا كان إذا كان عدوا لله ومحاربا لله فإن عداوته لله تقطع الوصل بينك وبينه. الوصل دائما في هذه الأرض يجب أن يكون بين أهل الإيمان حتى ولو تباعدت الأوطان واختفلت الديار والبلدان، وأما أقرب الناس إليك إذا كان على الكفر والطغيان فلا عبرة بهذه القرابة. فالله عز وجل يؤسس لنا مفهوما جديدا للعلاقات الإنسانية، وهي أن علاقتنا الحقيقية ينبغي أن تكون مع من يسير معنا في سفينة نوح في درب الهداية، ولو كانوا من أبعد الناس نسبا، وفي نفس الوقت أقرب الناس نسبا إذا كانوا على ضلال ويبغونها عوجا فهؤلاء لا عبرة بهم، ولا تحسب ولا تعدهم من أهلك ولا من جماعتك وركبك.
هكذا يعني قصة نوح عليه السلام إلى آخرها تنتهي، والله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا. طب ما الرسالة يا رب من قصة نوح؟ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. كما صبر نوح وثبت وحصل النتيجة النهائية، أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم وكل الدعاة إلى الله اصبر، إن العاقبة للمتقين، ولو بعد حين. ممكن بعد 200، 300، 400 ممكن العاقبة للمتقين في الأجيال القادمة. نحن نبذل، قد نزرع بذورا في هذا الجيل وليس شرطا أن نرى نتائج هذه البذور. قد يرى النور والإشراق في هذه الأمة في أجيال لاحقة أيها الكرام والكريمات.
فأنت وظيفتك البلاغ ووضع البذور، وأما النتائج والزرع متى سيخرج ومتى ستجني الأمة ثمار هذه الدعوات وثمار هذا البذل وثمار هذا العطاء، الله تعالى هو الذي يتولى رعاية هذه البذور التي نضعها: فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
النموذج الآخر الذي عرض في هذه السورة، نموذج هود عليه السلام: وَإِلَىٰ عَادٍ أَخاهُمْ هُودًا. المراد بالأخوة هنا أخوة النسب؛ لأنه كان من قوم عاد، هود هو فرد مواطن في هذه القبيلة، لكنه ليس أخا لهم في العقيدة؛ لأن الإسلام يقطع الوثائق في هذا الموضوع، والأخوة أخوة العقيدة تكون بين المؤمنين فقط. إذا: وَإِلَىٰ عَادٍ أَخاهُمْ هُودًا، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، نفس رسالة نوح، نفس رسالة النبي صلى الله عليه وسلم: أن يعبد الله في الأرض ولا يعبد سواه.
وقال لقومه: انتم مفترون، انتم بعبادتكم لهذه الأصنام وهذه الأوثان تختلقون أشياء من أهوائكم وأمزجتكم ولا تنقادوا لشرع الله. ونفس الشيء نفس رسالة نوح، رسالة هود: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، أنا مش جاي آخذ راتب أنا أنتظر الأجر من الله. ونفس الرسالة أيضا: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۡا إِلَيْهِ. ونوح عليه وهود عليه السلام لما تكلم عن أثر الاستغفار في الحياة، وهذا يدل على إخواني الكرام وأخواتي الكريمات على عظيم ثمار الاستغفار، قال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۡا إِلَيْهِ تُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، تحصلون في الدنيا العديد أو تحصر في الدنيا العديد العديد من الثمار المادية المطلوبة. يرسل السماء عليكم مدرارا، وهذا يعني سعة الرزق مطر وحياة، سعة الرزق، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ، قوة في البدن وقوة في الحياة.
إذا من ثمار الاستغفار في حياة الإنسان أن الاستغفار يوسع الرزق، والاستغفار يزيد الإنسان قوة في حياته. وهذا ملاحظ في حياة الإنسان، الإنسان الذي يداوم على الاستغفار لله سبحانه وتعالى والتوبة إليه ويكثر من هذا الأمر، تجد في حياته من البركة وسعة الرزق وتجد فيه من الهمة والنشاط ما لا تجده عند غيره. طيب، في النهاية للاسف نفس المواجهة.
قوم هود قالوا: يا هود ما جئتنا ببينة، بشيء واضح على دعوتك. هود كان يعرف أنه على بينة، لكن هؤلاء الكفار تغاشموا وقالوا: ما جئتنا ببينة ونحن في المقابل لن نترك آلهتنا بناء على قولك، إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ، صنم من أصنامنا أصابك بسوء وجننك. فسيدنا هود عليه السلام كان واضحا فقال: فَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ. يعني اجتمعوا كلكم من أجل إيذائي وقتلي ولا تستنوا لحظة، قرروا مباشرة.
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبُّمَا. شوف هذه الرسائل عم تصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وللدعاة لنا جميعا: لا تخف من تجمع الكفار، لا تخف من تألبهم ومن تكالبهم، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ، يعني اجتمعوا كلكم واصلوني من الأرض. إيش يعني ذلك؟ أنا قلبي لا يخاف لأنني معتصم بربي سبحانه وتعالى: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبُّمَا. هنا العقيدة إخواني، هذه هي العقيدة، عقيدة الإنسان المؤمن الذي لا يخاف من تكالب الكفار ولا من زيادة عددهم ولا من اجتماعهم، لأنه متوكل على ربه، متعلق بالعظيم عظيم السماوات والأرض: مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. الله عز وجل أفعاله وأعماله وما يقضيه في هذا الكون كله على استقامة، لا يوجد في أحكامه جور ولا ظلم، فمن كان يعبد إلها مثل الله، ومن كان يلتجئ إلى الله عز وجل الذي هو على صراط مستقيم لماذا يخاف؟
فإن تولوا، تولوا يعني أن تتولوا هذا المعنى، فإن تتولوا حذفت التاء الأولى، فإن تتولوا يعني فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، أنا أوصلت الرسالة المطلوب مني أوصلها. وهذه فكرة مهمة جدا جدا جدا، يعني لا بد ترسخ حقيقة في نفوسنا، نحن إخواني لا نملك إلا أن ندعو إلى الله، لا نملك إلا إيصال الرسائل، لا نملك النتائج. هذه فكرة عظيمة في القرآن، وما أكثر ما يسقط الشباب الدعاة والآخوات الداعيات أمامها لأنهم فقط يراقبون النتائج ويهتمون بها ويضخمونها في حياتهم، وبالتالي ما أسرع أن تفتر الهمم إذا ضعفت النتائج. كلا، استمر في هذه الدعوة مهما كانت النتائج.
طيب ونفس الشيء لما جاءت ساعة الصفر نجينا.
وهوداً والذين آمنوا معه برحمة منا، وتلك عاد. جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة، جاءت الريح الصرصر العاتية فأهلكتهم. عاد نموذج آخر من نماذج الأنبياء، ثمود جاءهم صالح وهو منهم، نفس الفكرة: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وذكرهم بنعم الله عليهم. قوم نوح عفوا قوم صالح ثمود أعطوا قدرات عالية وهائلة فكانوا ينحتون الجبال العظيمة ويبنون منها مستعمرات وبيوت وقصور، ولذلك قال لهم: فاستغفروه ثم توبوا إليه رسالة الاستغفار والتوبة رسالة الأنبياء.
فبدأ بالاستهزاء: يا صالح والله كنا نظنك إنسان عاقل! كما تتعرض يا محمد صلى الله عليه وسلم للاستهزاء، كلهم كانوا يتعرضون للاستهزاء. فهود ماذا قال له قومه؟ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، احنا شاكين انك ملبوس أو فيك جنون. نفس الشيء صالح قال له قومه: قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، والله كنا نتوقع إنسان فهمان وعاقل، ما الذي حصل بك؟ لماذا تدعونا إلى ترك أصنامنا؟ أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ تريدنا أن نخرج عن العادات والتقاليد؟ يعني يا صالح انت فشلتنا ما كنا نظن أنك تكون بهذه العقلية، مساكين هؤلاء.
فصالح نفس الشيء واجههم بصراحة: إن كنت على بينة من ربي، نفس ما قال نوح: كنت على بينه من ربي، زي ما هو انت يا محمد صلى الله عليه وسلم أفمن كان على بينة من ربه؟ نحن على وضوح، وهذه نعمة الإيمان والهداية اخواننا أن الإنسان يشعر أنه يعرف الطريق، الطريق امامك مكشوف واضح. هل أحد منكم عنده زعزعة في وجود الله؟ هل أحد منا عنده زعزعة في توحيد الله؟ هل أحد منكم في هناك جانب من جوانب الوجود الكوني لا يعرفه؟ هذه عقيدة الإسلام الواضحة البينة نعرف وجود ربنا وتوحيده ونعرف أسماءه وصفاته ونعرف أن هناك دار آخرة ونعرف قضاء وقدر، والله الحمد لله على نعمة الإيمان، ما أعظم هذه النعمة اللي احنا فيها على بينة ووضوح من دنيانا وأخرانا، نعرف كل ما نحتاجه في هذه الحياة ولا يوجد فراغات في حياتنا الذهنية عن طبيعة وجودنا أو علاقتنا بالاله أو أعمالنا، كل شيء أجابت عنه العقيدة الإسلامية، فأنت على بينة وأنتم أيها الكفار على ضلال.
لذلك اجلس مع أي شخص ملحد كافر اليوم تجد كثير من الفجوات المعرفية في حياته لا يعرفها، هل القضاء والقدر الدار الآخرة من الذي ينتج؟ من الذي يقضي بالخير أو الشر؟ وغير ذلك من المسائل هو في تيهان وفي حيرة من هذه الأمور، فالمؤمن دائماً على بينة من ربه، على وضوح. والله عز وجل لما يعطيك القرآن أو هو آتاك منه رحمة، فإذا أعطاك الله رحمة وهداك الله قال: فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ بعد كل هذا الوضوح، بعد كل هذا الخير الذي أنا فيه الذي منحني إياه أعصي ربي وأنتقل من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر؟ فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير، انتم بدكم إياني أرجع لطريقتكم في التفكير ترى انتم تريدون لي الخسارة ولا تريدون لي النجاح.
صالح عليه السلام أعطي ناقةً كما تعرفون، وطلب منهم ألا يمسوا هذه الناقة وذويها تأكل بأرض الله، ولكن أشقاء كانوا قوم أشقياء عقروا الناقة. فسيدنا صالح قال لهم: يعني مادام وصلتم إلى هذه المرحلة من الاستهزاء والتهكم حتى بآيات الله العظيمة، هي ثلاثة أيام ثم ستاتي ساعة الصفر، وفعلاً فلما جاء أمرنا جاءت ساعة نجينا صالحاً والذين آمنوا برحمه منا. وهذه هي رسالة تطمين للنبي عليه الصلاة والسلام، قومك يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ ترى هذا الوعد جاء إلى قوم نوح وهذا الوعد جاء إلى قوم هود وهذا الوعد جاء إلى قوم صالح ولو بعد حين، مش مشكلة ولو بعد مئات السنين لكن جاء وهم يستهزئون به، لكنه وصل في النهاية وصل واستأصلهم والله نجا صالحاً والذين آمنوا معه وأصاب الذين كفروا خزي عظيم، وأخذ الذين ظلموا الصيحة، فهذا كان عذاب قوم ثمود. فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها يعني كأنهم لم يكونوا في هذه الديار في يوم من الأيام.
ثم بعد ذلك الله عز وجل أراد أن يخبر أيضاً عن نهاية قوم لوط، لكن جاءت الوطأة ابتداءً بذكر سيدنا إبراهيم الذي جاءته البشرى بأنه سياتيه إسحاق ثم بعد إسحاق يعقوب، وكيف كانت رحمة الله به. ثم الملائكة التي زارت إبراهيم أخبرته أيضاً في نفس الزيارة أن قوم لوط سيحل بهم العذاب الأليم وذهبوا بعد ذلك مباشرة إلى قوم لوط، ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب. ولم يسؤ من زيارة الملائكة حقيقةً وإنما سيء بهم لأنه كان يخشى على هؤلاء الضيوف من قومه، قوم لوط والعياذ بالله كانوا قوم يفعلون الفاحشة بالرجال، فهؤلاء الضيف الكرام دخلوا على لوط، لوط لم يعرفهم ابتداءً كما جاء في سورة الحجر: قوم منكرون يعني ما عرفتكم، لكنه سيء بهذه الزيارة خوفاً على الضيوف لأنه فعلاً ما كان يتوقع حصل وجاءه قومه يهرعون إليه، شوف مشهد هذا أصحاب الشهوات اللي جايين يتراكضون والعياذ بالله ليفعلوا الشذوذ الجنسي، وجاءه قومه يهرعون إليه تراكضوا حتى ينقضوا على ضيوفه ويفعلون معهم الفاحشة، هذا اللي كان مضايق جداً سيدنا لوط في هذه الزيارة التخوف عليهم.
ولما لوط شافهم على الباب: يا جماعة هؤلاء ضيوفي لا تفضحون مع الناس تزوجوا بناتي هن أطهر لكم يعني اسلكوا الطريق الصحيح في النكاح الزواج من النساء بالطريق الصحيح ودعوكم من هذا، لا تخزوني في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟ قالوا: لا احنا يا لوط ما لناش علاقة بناتك وإنك لتعلم ما نريد، هم جماعة يفعلون يريدون الفواحش مع الرجال أنت تعرف أننا لا نحب فعلها مع النساء. قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، فأوى إلى الله سيدنا لوط فأواه الله، فهؤلاء الرسل هؤلاء الضيوف كشفوا عن هويتهم الحقيقية وقالوا: يا لوط لا تقلق دع الأمر لنا هذه المره إنا رسل ربك، نحن لسنا مجرد ضيوف نعم أتينا على صورة بشر لكننا لسنا مجرد ضيوف، إنا رسل ربك لن يصلوا إليك. شوف العبارة هذه كم فيها من حجم الثقة بالله سبحانه وتعالى والطمانينة، الطمانينة: لن يصلوا إليك.
وهنا تخيل حجم السعادة التي دخلت إلى قلب لوط عليه السلام أن الضيوف في أمان طلعوا ملائكة ولن يصل قومك إليك، المطلوب منك الآن تأخذ أهلك وحتى زوجتك الكافرة تخرجوا جميعاً لكن زوجتك الكافرة ستلتفت التفاتة تهلك فيها مع الهالكين، أخرج بأهلك بقطع من الليل أي في ساعات الليل أحذر أن يلتفت منكم أي أحد للوراء، لأن يعني جبريل عم بيعطي لوط التعليمات: اطلع ليلاً واياكم تنظروا للخلف لأنه ما سيحصل في الخلف دمار، وكل من سيلتفت سيصيبه هذا الدمار، لأن جبريل رفع كل قرية قوم لوط وقلبها ظهراً على عقب وأرسل عليها تبعاً حجارة من سجيل، سبحان الله نسال الله العفو والعافية لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، خليها تلتفت لأنه امرأتك كانت تساعد قومك على الفاحشة وعلى معصية، أنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب؟
شوف يعني هي رسالة لقوم النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أن موعدهم الصبح هي ساعات والحياة كلها ساعات، أليس الصبح بقريب؟ إي والله الصبح بقريب والفرج قريب على هذه الأمة، قد تطول يعني بعض البلاءات قد تشتد على الأمة قد تكثر الجراح والدماء لكن إن موعدهم الصبح. بنو إسرائيل الصهيونية العالمية أمريكا الماسونية الصليبيون الروس كل الذين يحاربون المسلمين كل من يغدر باهل الإسلام وبأهل السنة والجماعة وعدهم الصبح والصبح قريب إخواني الكرام، لكن لابد من المخاض الصعب حتى ياتي الصباح، لابد شيء من ساعات الليل المؤلمة. وفعلاً لما جاءت ساعة الصفر، فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها انقلبت القرية رأساً على عقب وأتبعها بعد ذلك بحجارة من سجيل منضود، سجيل نضد يعني حجارة مرتبة، المنضود هو المرتب بعضه فوق بعض مسومة عند ربك يعني علمها الله كل حجر، ما معنى مسومة؟ كل حجر معلم على من سيسقط من الكفرة وما هي من الظالمين ببعيد.
نموذج آخر من نماذج قصص الأنبياء وإلى مدين أخاهم شعيباً، ومدين تختلف عن أصحاب الأيكة، سيدنا شعيب قالوا أرسل إلى طائفتين: أهل مدين وأصحاب الأيكة. مدين كان منهم لذلك قال: أخاهم شعيباً في سورة الشعراء لما كان الكلام عن أهل الغيضة ما قال أخاهم شعيباً تمام، ما قال أخاهم شعيب، كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب فلذلك قال المفسرون: شعيب أرسل إلى قومين قوم كان منهم وهم مدين وقوم لم يكن منهم وإنما هم أصحاب الأيكة، هكذا قال بعضهم وإن كان هناك في يعني خلاف في بعض التفاصيل المتعلقة بهذا.
فالمهم مدين سيدنا شعيب كان فيهم وهي التي توجه إليها موسى عليه السلام عندما فر من قوم فرعون، فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، وهناك التقى بالبنتين اللي كانوا يعني لا نسقي حتى يصدر الرعاء ثم جاء إلى أبيهم، وقال كثير من المفسرين: أبو الفتاتين كان شعيب، ليه؟ لأن شعيب أصلاً هو مرسل إلى مدين، هو مرسل إلى مدين، فبالتالي لما موسى هرب إلى مدين هرباً من فرعون وجد شعيب هناك، هكذا قالوا والله أعلم بصحة هذه المعلومة.
وإلى مدين أخاهم شعيباً نفس الرسالة السابقة: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ايش المشكلة الأبرز اللي كانت عند قوم شعيب عند أهل مدين؟ أنهم كانوا قوم عندهم غش واحتيال وكذلك أصحاب الأيكة في سورة الشعراء كان عندهم غش واحتيال، فهل أذيا هم نفسهم أصحاب الأيكة هذا قاله بعض المفسرين أم هؤلاء قومان مدين وأصحاب الأيكة وعندهم نفس المشكلة في ذاك الزمان أن كانوا يغشون الناس ويتلاعبون بالمكاييل والموازين. فسيدنا شعيب قال لهم: يا جماعة اتقوا الله عز وجل في مكاييل في موازينكم في تجارات، يعني أولاً حققوا عبودية الله أيضاً من تحقيق عبودية الله أن تعدلوا في المكيال والميزان، إني أراكم بخير يعني ارزاقكم واسعة وحياتكم طيبة فلماذا الغش؟ إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.
قالوا: يا شعيب أصلاوتك تأمرك؟ بداوا بالاستهزاء دينك وصلاتك هي التي تأمرك أن نترك العادات والتقاليد؟ شوف أثر العادات والتقاليد على عقليتهم، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ احنا حرين بدنا نفعل في أموالنا ما نشاء، بدنا نغش بدنا نضحك على بعض بدنا نلعب في الموازين والمكاييل هل دينك هو اللي بقول لك هذا الحكي أنه لا تغشوا؟ ما هذا الدين! إنك لانت الحليم الرشيد، نفس لغة الاستهزاء اللي عند قوم صالح: قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، نفس لغة الاستهزاء عند قوم هود: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، نفس الشيء متكررة: إنك لانت الحليم الرشيد. قال بعض المفسرين: أن هذا تهكم به أنهم يتهكمون به يعني أنت العاقل يا شعيب بهذه اللغات في عصرنا.
فسيدنا شعيب كان واضحاً قال: يا قومي أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، هذه فكرة متكررة على ألسنة الأنبياء ويجب أن تتكرر على ألسنة الدعاة، نحن على وضوح من الرسالة التي نسير عليها ورزقني منه رزقاً حسناً، ونحن الحمد لله الله يعطينا من الرزق الحسن ونحن على الهداية والطريق الذي يرضي ربنا، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، لا تظنوا أنني أمركم بشيء ثم أو أنهاكم عن شيء ثم أفعله، لا تظنوا أنني أنهاكم عن شيء ثم أفعله أو أنني أنهاكم عن التطفيف في المكاييل والموازين لأنني أريد أن أستحوذ المال عليكم، لا، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
فالأنبياء والدعاة دائماً هم متوكلون على الله سبحانه وتعالى: إن أريد إلا الإصلاح والتوفيق والنتائج بيد الله وفي النهاية أنا كداعية إلى الله متوكل على ربي عليه توكلت وإليه أنيب. وثم نبه شعيب قومه أنه يا قومي لا يحملنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد، واضح أن المدة الزمنية بين مدين وشعيب وبين لوط لم تكن مدة طويلة وبالتالي اخبار قوم لوط وماذا حصل بمدينتهم ترى أنتم تعرفونها واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه، نفس الدعوة تتكرر إن ربي رحيم ودود.
في المقابل للأسف استمر القوم على الإعراض والاستكبار، قالوا: يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول ترى ما احنا فاهمين ايش بدك ما الذي تريد منا؟ وإنا لنراك فينا ضعيفاً، أنت إنسان مسكين ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز. فشيب يناقش: قال رهطي أعز عليكم من الله؟ يعني أنت خايفين مش رهطي لا تخافوا من رب العالمين واتخذتموه وراءكم ظهرياً وضعتم رب العالمين وراء الظهر بدلالة يعني أعرضتم وكأنه غير موجود فقط المشكلة عندكم هي قبيلتي مش خايفين من رب العالمين!
قال: يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل، سننتظر ساعة الصفر وفعلاً فلما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين شبيه بعذاب قوم ثمود.
القصة الأخيرة قصة موسى، لكن هنا جاءت مختصرة جداً جداً: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ٭ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، نفس الفكرة. فاتبعوا أمر فرعون، وفرعون استكبر واعتراض على موسى. وماذا كانت نتيجة فرعون؟ يقدم يوم القيامة فاوردهم النار وبئس الورد المورود. ثم ختمت قصص الأنبياء بعد هذا العرض: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ يَا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمتك.
هذه القرى التي نزل بها ما نزل، منها ما هو قائم ترونه عياناً في ذهابكم في تجارة الشام وتجارة اليمن، مثل قوم ثمود ما زالت ديارهم حاضرة ومشاهدة، ومنها قرى حصدت تماماً فأبدت ولم يبق لها أي أثر وأي وجود. المهم هذه القرى وتلك القصص هي قصص البشرية، ومحمد صلى الله عليه وسلم أنت جزء من سلسلة البشرية، عليك أن تثبت كما ثبت الأنبياء من قبلك، والنتائج ستكون كما هي النتائج: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.
ثم الخطاب يتوجه إلينا نحن حتى ونحن في هذا القرن في القرن الثاني والعشرين، نعم أيها الكرام، علينا أن نسير على خطى الأنبياء على طريقتهم في الدعوة، الثبات على هذا المنهج، التمسك به، عدم تهويل الأمر، بمعنى عدم انتظار النتائج الكبيرة، الثبات هو المطلوب منا، وأما النتائج فستأتي بلا في موعدها. من يظهر لنا من معاندين، من مستكبرين، من مستخفين نقول: اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. كلنا يترقب النتائج وعندما تأتي ساعة الصفر سننتصر، هذه ثقتنا بالله سبحانه وتعالى.
الله عز وجل يقول كل هذه القرى التي حصل بها ما حصل، من قوم نوح إلى قوم هود إلى قوم صالح إلى قوم لوط إلى قوم شعيب وغيرهم، ما ظلمهم الله في هذا العذاب ولكن هم ظلموا أنفسهم لما أعرضوا عن رسائل الله سبحانه، فما أغنت عنهم آلهتهم كل ما كانوا يعدونه ويمنونه من الآلهة ما أغنت عنهم لما جاءت ساعة الصفر وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ. كل عبادتهم لغير الله لم تزدهم إلا هلاكاً وخسراناً، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ يعني هذا أخذ متكرر، إِذَا أَخَذَ اللَّهُ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. الله عز وجل إذا قرر أن يهلك قرية وأن يبيدها لا يقف شيء أمام أمره سبحانه، صاحب الأمر من قبل ومن بعد.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً كل هذه فيها آيات وعبر وعظات لمن يخشى الله سبحانه وتعالى ويخشى اليوم الآخر، ذلك اليوم العظيم، ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ. ثم شرع في تفاصيل هذا اليوم، هذاك اليوم لا تتكلم نفس إلا بإذن الله، وينقسم الناس فيه إلى أشقياء وسعداء، الذين قبلوا رسالة الله في الدنيا فهؤلاء سعداء يقرضون في الجنة، والذين استمروا في عداوة طريق الله ويبغونها عوجاً الأشقياء، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالدين فيها أبداً.
طيب، فالآن الصفحة الأخيرة: فَلا تكُ في مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ. يعني إذا عرفت يا محمد صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء السابقين وكيف كانت دعوتهم وخطاباتهم وحواراتهم مع قومهم، فاثبت يا محمد على الحق الذي معك، فَلا تكُ في مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ يعني لا تك في اضطراب وشك فيما يعبدون من أصنام، ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل. ونعود فنقول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكاً، إياك أن تفهم من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكاً، لكن هي الرسائل بالمفهوم، يعني الكلام لك واسمعي يا جارة مش هيك احنا بنقول، هي رساله لكل من حوله من المؤمنين الجدد: إياكم أن تتزعزعوا في عقيدتكم وأن تهونوا وأن تضطربوا، والله نحن على صواب.
أم كفار قريش كذلك في زمننا الآن، هل نحن على صواب أم أمريكا والحياة المادية؟ كثير من المسلمين اليوم بقول لك أمريكا والصليبيون هم على يعني صواب، لذلك الله عز وجل يعطيهم من سعة الدنيا والتكنولوجيا، بعض الناس يشك لأنه يرى الأمور من ناحية الأمور المادية المحسوسة ولا يعرف أن الأمور لا تحسب بالمادة. المهم إياك أن تشك في طريقك، ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ يعني جايينهم ما قدر لهم من العذاب والهلاك لن ينقص منه شيئاً.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، أنت لست أول يعني من يعني يتعرض لمثل هذا الأذى، فموسى أيضاً اختلف في الكتاب الذي أتى به، وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، أنه يؤخر الناس إلى أجل مسمى لأنزل العذاب بالمكذبين معجلاً لقضي بينهم. طيب، فالمطلوب إذاً النهاية الرسائل الأخيرة في هذه السورة للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن يحمل دعوته: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا، الاستقامة على أمر الله والثبات على الفكرة والمنهج، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا عدم الميلان وعدم المساومة والركون إلى الظالمين مهما كان شكلهم، ومن ركن إلى الظالمين فتمسكم النار، لن يقبل الله ذلك.
رسالة رقم ثالثة: المحافظة على الصلاة: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ، المحافظة على الصلوات هي زادك في معركه الحياة، في معركة الدين، في معركة الثبات، وهي التي بسببها يمحو الله عز وجل سيئاتك ويبدلها حسنات، وَاصْفِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. الرسالة رقم أربعة: لازم صبر، هذا الطريق طريق صبر، طريق ثبات، طريق الدعوات ليس مفروش بالورود، فيه آلام، فيه جراح، فيه تعب، لكن في النهاية النتائج ستاتي بإذن الله وستظهر، سواء أنت أدركتها أو لم تدركها.
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مَّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ، لازم يبقى في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من الأجيال بقية من أهل الخير، ليس فقط من الصالحين بل من المصلحين، أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مَّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ.
كل قرن من القرون الماضية كان فيه مصلحون يحاولون أن ينهوا عن الفساد في الأرض، يحاولون الإصلاح، وفي المقابل كان هناك ظالمون يتبعون أهواءهم وما أترفوا فيه وكانوا مجرمين. وكانت كل قصص التاريخ أن الله عز وجل إذا قضى إهلاك قرية أهلكها عندما يعم الظلم ويفشو، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ. كل القرى السابقة لو أن أهلها كانوا مصلحين مش فقط صالحين، لو أن القرى السابقة كانوا مصلحين يسعون لإزالة الفساد لما أهلكها الله، ولكن إنما يهلك الله القرى عندما يغلب عليها الفساد ويطغى، والمصلحون الذين كانوا يريدون الخير لهذه القرى ينجيهم رب العالمين سبحانه وتعالى.
لذلك قال: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مَّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ، كأن الآية ماذا تقول؟ يعني يا ريت كانت القرى السابقة والقرون السابقة كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، لو كانوا القرى السابقة مصلحين ينهون عن الفساد في الأرض لما أهلكهم الله ولما أنزل عليهم من العذاب، وإنما أهلك الله سبحانه وتعالى تلك القرى لما ابتعدوا عن الإصلاح وعندما نشروا الفساد وعندما اتبع الذين ظلموا وأكابر مجرميها ما أترفوا فيه. وعادة الله سبحانه أنه يهلك القرى عندئذ، إلا هؤلاء المصلحون لذلك قال: إِلَّا قَلِيلًا مَّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ، شوف هذه الفقرة: إِلَّا قَلِيلًا مَّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ هي هذا تركيب الآية هذه شوي بدها تركيز.
يقول: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ كان في هناك نوع من التحسر على البشرية، أنه هذه القرى للأسف ما كانت تنهى عن الفساد في الأرض، بل كانت تندفع نحو الفساد في الأرض وأكابر مجرميها ينشرون الفحشاء والحفلات الراقصة والأغاني والفجور، إلا قليلاً ممن نجينا منهم، في قليل نعم يثنيهم الله، في قليل كانوا فعلاً مصلحين ينهون عن الفساد في الأرض وهؤلاء سنة الله في العادة أنه ينجيهم.
إذا كان إنسان مصلح يا إخواني، هي الفكرة بدي أوصلها أنه إذا كان إنسان مصلح وكانت البيئة اللي حواليه فاسدة، إذا جاء العذاب إذا جاء العذاب والإهلاك فإن الله عز وجل ينجيك لأنك كنت تسعى في الإصلاح وهذا اللي حَفّزكَ أنك تبقى تحاول إصلاح مجتمعك، أسرتك، البيئة اللي حولك، حتى إذا أذن الله باهلاك لشرهم وفسادهم ربنا ينجيك ما تكون معهم، لأنه إذا انت كنت صالح مش مصلح سيهلك الله معهم.
إذا كنت صالح مش مصلح، صالح يعني بتشوف الفساد حولك بتقول أنا ما لي دخل في تغييره، أنا لي بحالي، هيك خطاب بعض المسلمين اليوم بقول لك أنا ما لي علاقة بغيري، أنا لي بحالي هم يدبرون أنفسهم، لا ما بنفع! إذا أنت قلت هذه العبارة أنه أنا أكون صالح في نفسي لكن ما لي علاقة بغيري يهمني نفسي، إذا جاء العذاب والهلاك تهلك مع الهالكين، أما إذا كنت مصلح...
بسم الله، بسم الله، بسم الله. طيب، الآن الصوت يعمل، خلاص جيد، ما دام الصوت عاد. احنا فقط في الختام، هي الختام فكرة مهمة جداً: دورنا في المجتمعات ليس أن نكون صالحين بل أن نكون مصلحين، لأن الله يقول مشكلة الأمم الماضية أنهم كانوا يكون القرية أو المجتمع أو البلد ينشر الفحشاء، يسارع في الفساد وما في لحيين إلا القليل، ولذلك وهؤلاء القليل قال أنجينا، يعني إلا قليل ممن نجينا منهم. فسنّة الله بدنا نفهما أن الذين يسعون في إصلاح المجتمعات ينجيهم الله سبحانه وتعالى في كثير من الأحيان.
نعم، أنت قد تسعى في إصلاح المجتمع ويكتب الله لك الشهادة في هذا الطريق، تقبل على الله وتموت في سبيله ممكن وفي، لكن المراد إذا جاء عذاب الله الاستئصالي لهذه القرية -في هذه الحالة عذاب الله الاستئصالي كما حصل الصيحة، قلب القريه، حجارة من سجيل، طوفان يهلكهم- إذا أراد الله أن يعذب قرية لفسادها أنجى المصلحين فيها، وأما إذا كان أهل القرية في الجملة يسعون إلى الإصلاح فالله عز وجل لا يهلكهم، هذه سنة الله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ عموماً.
أخيراً آية رقم 120: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، إذا هذه القصص التي تتلى هدفها الأساسي أيها الكرام هو تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلب الدعاة إلى الله، أنتم على هداية، أنتم على بينة من ربكم، أنتم على نور وخير، ولا يقاس هذا النور والخير بحجم الاتباع، بحجم الأنصار، أعود فأقول إنما يقاس بحجم ثباتك، يعني أنت عليك أن تقيس نجاحك في الدعوة بحجم ثباتك عليها وليس بحجم الاتباع والأنصار الذين معك.
يا محمد صلى الله عليه وسلم قل لقومك كما قال الأنبياء السابقون لأقوامهم: اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. هذه رسالتنا الأخيرة لكل من يقف في وجه هذه الدعوات: اعملوا ونحن سنعمل، وانتظروا ونحن سننتظر النتائج النهائية، وعندما تأتي ساعة الصفر نحن موقنون تمام الإيقان أن العاقبة للمتقين، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ. كل هذه الدنيا بما حصل عليها من حكايات، بما حصل عليها من خير وشر وصلاح وفساد ومواجهة بين الحق والباطل، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، كله سيعود إلى الله سبحانه وتعالى، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، يا أيها الإنسان وتوكل عليه في الدعوة إليه، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، لا يضيع شيء عند الله سبحانه وتعالى.
الحمد لله على نعمة القرآن، الحمد لله على نعمة الوضوح، الحمد لله على نعمة المثبتات، ربنا سبحانه وتعالى هو الذي يثبتنا بهذه الآيات العظيمة الجميلة الجليلة التي يخاطبنا بها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا فهماً لكتابه وتعلقاً به، إنه ولي ذلك والقادر عليه. جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع، ونلتقي في مجلس آخر من مجالس رحلة الإنسان في القرآن، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل