تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثاني والعشرون سورة يونس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله أيها الأكارم في هذه الجلسة الطيبة المتجددة. وققبل البدء، أرجو التأكد من جودة الصوت عبر البث المباشر عبر الإنترنت أو عبر اليوتيوب. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً سهلاً يا رب. إذاً، إن شاء الله أن الصوت جيد.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق أو في هذه الرحلة، رحلة الإنسان في القرآن، هذه الرحلة التي ابتدأناها في شهر رمضان بحمد الله سبحانه وتعالى وابتدأنا من سورة الناس، ووصلنا إلى سورة يونس في الجزء الحادي عشر. يعني فاليوم هو ختام عشرين جزءاً من كتاب الله سبحانه وتعالى، عشرون جزءاً، والهدف من هذه الرحلة هو استعراض معاني القرآن الجملية، استعراض معاني القرآن الجملية، وليس الدخول في التفاصيل. والمقصود من هذا أن الإنسان وأن المسلم عموماً إذا قرأ كتاب الله عز وجل فليكن على دراية بمعاني آيات الله عز وجل، وبمعانيها الكرام.

وحديثنا اليوم، وسيكون مختصراً نوعاً ما، سامحوني عن في سورة يونس. ولاحظوا اختيار أسماء الأنبياء في هذه السور المتتابعة: يونس، هود، يوسف؛ لأن القرآن أيضاً يعلمنا أن من اصول التربية أن تربي الإنسان بالقدوه. إذا أردت أن تربي ابنك أو ابنتك دائماً لابد أن يكون هناك قدوة يحتذي بها ونموذج أعلى يحاول الوصول إليه، وهنا الله عز وجل يتكلم مع نبيه صلى الله عليه وسلم، سواء في سورة يوسف أو في سورة هود وحتى في سورة يونس، عن نماذج الأنبياء وهم أصول القدوات.

صورة يونس ابتدأت، كما ابتدأت أكثر السور في القرآن، بتعظيم مكانة هذا القرآن وبيان صفة من صفاته فقال سبحانه وتعالى في مطلعها: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ. فهذا وصف للقرآن بأنه حكيم، أي محكم متقن، وهو محكم متقن في العديد من الجهات، سواء من حيث البيان، سواء من حيث التشريع، وسواء من حيث الإعجازات المتعددة الموجودة فيه، سواء من حيث إخباره عن الغيب في الماضي وعن المستقبل. فإحكام القرآن والإتقان باب عظيم جداً تحدث فيه العلماء من زوايا عديدة. تمام، واهم ما تريده أنت هنا هو إحكامه من حيث تناسق الآيات، وهذا ما يتعلق بالبيان وعلو الألفاظ وتناسقه، من حيث التشريع وربط الأفكار.

ثم سورة يونس أيها الكرام، كسائر السور المكية، التي تعالج جملة من مسائل الاعتقاد، التي تعالج جملة من مسائل الاعتقاد، فتبين صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أتى به، تبين معاني الوحدانية، معنى توحيد الربوبية وأنه يلزم إذا وحدت الله رباً أن توحده إلهاً ومعبوداً أيضاً. تبين معاني الدار الآخرة وتؤكد وترسخ أن هذا موعد لا بد منه، خلافا لأولئك الذين يشككون في ذلك. تسفه آلهة المشركين وتبين أنها لا تضر ولا تنفع، وتسفه العقول التي اختارتها على العظيم سبحانه وتعالى. فإذاً هي معالجة من المعالجات لجمله مسائل الاعتقاد، وكيف ينبغي للانسان أن يتنبه وأن يستيقظ وأن يعتبر وأن يتبصر بايات الله سبحانه وتعالى في السماوات وفي الأرض وأن يستدل بها على المعبود الحق.

وهذه هي المواضيع التي يعيش الإنسان من أجلها، أصالة الإنسان إنما يعيش من أجل أن يوحد ربه وأن يستعد للدار الآخرة، ولا يستغفل نفسه بالحياة المادية التي ترهقه وترهق فكره وذهنه وتستهلك حياته. فإذا نظرت في معاني هذه السورة وفي معاني السور المكية عموماً تجد أنها تتحدث عن هذه القضايا دائماً: قضية التوحيد لله سبحانه وتعالى؛ لأنها أعظم قضية في الوجود، أن توحد الله في قلبك، أن توحده ربا فهو الذي يدبر وهو الذي يربي، وأن توحده معبوداً ومقصوداً.

تلك الأصنام التي عبدوها من دون الله سبحانه وتعالى، ليست إلا آراء سموها بأسمائهم، أو أساطير ابتدعوها، فجاءت سخيفة سفيهة، وإنما خرجت من أهواء البشر، وليس من عند خالق البشر سبحانه وتعالى. فهنا من الآية الثانية فصاعداً بدأت السورة معالجة هذه القضايا. فانظر مثلاً في الآية الثانية كيف أكدت السورة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وردت الشبهة المتكررة للمشركين في عدم تصديقهم بالنبي وهي أنه بشر منهم، فقال سبحانه وتعالى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ. يعني هل هذا شيء غريب خارج عن المألوف أن يأتيكم بشر منكم ومن جنسكم ينذر من لقاء الله سبحانه وتعالى إذا عصيتم، ويبشركم بأن لكم إقامة في تمام كمالها وفي تمام جمالها وجلالها إذا آمنتم بربكم سبحانه وتعالى؟ حتى يصل الأمر بالكفار أن يقولوا: هذا الرجل ساحر، وما أتى به السحر.

حقيقة، ليس عجب، فكل الأنبياء الذين أتوا سابقاً، وكل من سمعتم خبرهم يا أيها العرب، من قوم نوح إلى قوم هود إلى قوم صالح، كل هؤلاء الأنبياء كانوا بشراً وأرسلوا إلى قومهم من جنس البشر، فليس هذا إذاً بدعاً أن يبعث الله عز وجل رسولاً بشرياً كما تزعمون. ثم بعد أن رسخت أو بينت أنه لا عجب من أن يبعث رسول من جنس البشر، انتقلت لبيان أصل وجود الإنسان وهو التوحيد المالك الديان سبحانه وتعالى.

فقال عز وجل في الآية الثالثة: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ. الرب هو المالك المدبر للأمر المربي. فالله عز وجل يقول: إن هذا المالك، إن مالككم وإن ربكم وإن مدبركم هو الله. والله بمعنى المعبود. فكانه أصبح هكذا المعنى: أن مربيكم وأن مالك أمركم وأن مدبر شؤونكم هو معبودكم سبحانه وتعالى. وهكذا العقل يقول: الذي يملك أمرك ويدبر شؤونك وهو المسؤول عن كل نفس من أنفاسك، وهو الذي يقدر لك كل شيء، هذا الذي يجب أن يكون معبودك ومقصودك. إن ربك هو الله، فإن تقر بأن الله هو الرب لكنك لا تعطيه معاني العبودية ولا توحده في العبودية، هذا تضارب ذهني لا يقبل ولا يسامح فيه ربنا سبحانه وتعالى. إن ربكم الله، إن المدبر لأموركم والمربي لكم هو معبودكم، هذا معنى الله.

ثم شرعت في وصف من هو الله ومن هو هذا المربي العظيم: الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ. فذكر أعظم المخلوقات وهي خلق السماوات والأرض، ثم ما هو أعظم منها وهو العرش الذي استوى عليه. وهذه السورة الثانية التي تؤكد استواءه سبحانه وتعالى على عرشه استواء يليق بجلاله.

ثم أكدت معاني الربوبية أكثر وأكثر: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ثُمَّ مَا من شفيع إلا من بعد إذنه. وهذه هي بداية التسفيه لآراء المشركين في زعمهم أن أصنامهم وأن معبوداتهم تشفع لهم عند الله. فهنا الله يؤكد: ما في أحد يشفع إلا إذا أنا أذنت أن يشفع؛ فلا معبودات التي اخترعتها ولا أصنامكم، كل هذه لا تشفع إلا إذا أنا أذنت لها. ثم ختمت الآية: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ. فاعبدوه هنا ليس فقط مجرد العبادة، بل كما قال السلف: فاعبدوه، يعني فوحده في العبادة، هذا هو الله ربنا. إذاً بدأت بتقديم الربوبية على الألوهية، ثم ختمت بتقديم الألوهية على الربوبية؛ لأن هو في البدايه يقول: إن ربكم، أراد أن يخْبِرَ أن الرب هو الله، وفي الختام قال: ذلكم الله، ذكر الألوهية أولاً، ذلكم الله ربكم، ثم قال: فاعبدوا، هذا هو الله ربنا. فالرب هو الله، والله هو الرب، لا يجوز ان ينفصل هذان المفهومان عن عقلك ايها الانسان، لا يجوز. فلا يجوز كما أنه لا يجوز أن تعبد غير الله، فلا يجوز أن تعتقد أن هناك من يدبر أمرك أو يملك زمام أنفاسك سوى الله سبحانه وتعالى. فكلا النوعين مطلوبان: أن توحد الله رباً ومالكاً وسيداً، وأن توحده سبحانه معبوداً ومقصوداً.

والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون. فالله عز وجل يقول: هناك أيضاً دار آخرة، إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، هذا شيء لا يتخلف، وهناك في الدار الآخرة سينقسم الناس إلى قسمين: فالمؤمنون سيحصلون ما كتبه الله عز وجل لهم، والكفار سيحصلون ما كتب الله عز وجل لهم. وهذا أيضاً تفصيل مهم لنهاية الإنسان، هذه النهاية التي يجب جميعاً أن نعتقدها ولا نغفل عنها.

ثم بعد أن بينت الدار الآخرة -لاحظوا أولاً: القرآن: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، ثانياً: النبوة: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ، ثالثاً: التوحيد هنا: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ... ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، رابعاً: الدار الآخرة: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا- هي كلها قضايا عقدية لا بد وأن توضح وأن تجذر. وكل ما بعد ذلك في الحياة الدنيا أيها الكرام من صولات وجولات ومصارعة بين الحق والباطل ونكاح وطعام وشراب وحياتنا العملية، كلها يجب أن تتفرع من هذه المنطلقات، يجب أن تتفرع من إيماننا بالتوحيد وبالنبوة وبالقرآن وبالدار الآخرة. فهذه هي الحقائق، هذه الرسائل العظمى في حياة الإنسان.

والحمد لله أن هذا القرآن نزل من فوق سبع سماوات ليعطي هذه الحقائق. فكم من تائه عنها وكم من حائر وكم من إنسان ضال تائه في نصرانية مشركة أو في يهودية عابثة أو في وثنية خبيثة أو في أي شيء من الأشكال. والله من تمسك بهذا القرآن اهتداءً لن تضلوا بعده أبداً، يعطيك الحقائق باريحية، بوضوح، ليس من كلام بشر أو تحليل شيخ أو داعية، بل من كلام الله سبحانه الله مباشرة، يعطيك الحقيقة، ثم بعد ذلك أنت أيها الإنسان عليك أن تستيقظ وأن تتمسك بحبل الله وبكلام الله وأن لا تذهب إلى عقول البشر وأن تترك كلام خالق البشر، هذه إشكالية.

والله قال سبحانه بعد ذلك من باب استماع الربوبية والتاكيد مفهوم أن الله هو الفاعل الوحيد في هذا الكون، هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل، ما خلق الله ذلك إلا بالحق، إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات. فهذا كله تأكيد على أنه الفاعل الحقيقي في هذا الكون سبحانه وتعالى.

إلى مطلع الصفحة الثانية، يبين أن كثيراً من الناس للأسف لم ينتفعوا بكل هذه الدلائل ليستدل بها على الخالق العظيم، فقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا -شوف التعبير العظيم هنا لسبب من أسباب انحراف البشرية قال:- وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا. الخلود إلى الحياة الدنيا، إلى المادية والتمسك بها، وحب الحياة الدنيا هو أبرز أسباب انحرافك أيها الإنسان عن تحقيق معاني التوحيد لله سبحانه وتعالى وعن ضعف إيمانك بالدار الآخرة. شوف هذا التعبير: ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها. الرضا بالحياة الدنيا، الإخلاد إليها، الرضا بالحياة المادية، الانهماك في الشهوات والملذات، قال: واطمأنوا بها، خلاص هو يريد أن يستقر هنا، هو أحد أبرز الأسباب التي تجعل الإنسان لا يريد أن يفكر أن هناك انتقال عن الحياة الدنيا، أن هناك دار آخرة، وأن كل ما تراه في الدنيا إنما هو كلام منتهي، كلام لا قيمة له ولا تسوى عند الله جناح بعوضة.

فاحذر أيها الإنسان من هذا ما دام الله ذكره في سياق الذنب، إذاً هو مذموم. الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها مذموم عند الله؛ لأن الله جعله أو أتى به في سياق حديثه عن الكافرين. فالكافرون، ولاحظ اليوم الحياة في أمريكا وأوروبا والحياة الغربية عموماً، هي إخلاد إلى الحياة الدنيا ورضا بالحياة الدنيا وحب وتشبت بالحياة المادية. فجل حياة أحدهم أن يمارس الفواحش، وأن يأتي بالمال ليشرب الخمر وياخذ الربا ليبني قصراً أو بيتاً أو متعة وشهوات. فتقول لأحدهم: دار آخرة؟ صعب، يعني يتصور شيئاً بعد هذه اللذة التي هو فيها، بعد هذه القبائح التي يمارسها. هو لا يريد أن يفكر أصلاً أن هناك انتقالاً عن الدار الدنيا أو أن هناك لحظة سيموت فيها وسيحاسب على أعماله. هو إذن يحب الدنيا وأخلد إليها، أحبها بكل تفاصيلها التافهة.

فقال هؤلاء، قال: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ هُمُ الْغَافِلُونَ، هم هؤلاء. يعني التمسك بالدنيا والحرص عليها هو سبب الغفلة عن آيات الله ودلائلها. فهؤلاء ماذا ستكون نتيجتهم؟ أُوْلَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ. هي سبب ومسبب، تعلقك بدنياك، تشبثك بها، رضاك بها، إخلادك بها إليها، هو سيقودك إلى ماذا؟ قال: أولئك مأواهم النار، سيقودك إلى النار والعياذ بالله.

طيب، خلاف الذين آمنوا بايات الله عملوا الصالحات وجاهدوا أنفسهم، هؤلاء سيهديهم ذلك الإيمان، سيقودهم ذلك الإيمان الذي عاش في قلوبهم في الدنيا إلى ماذا؟ تجري من تحتهم الانهار في جنات النعيم، دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وأخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. وكل إنسان سيدفع ضريبة ما فعله في الدنيا أو ما اختاره في الدنيا. ماذا ستختار أنت أيها الإنسان؟ هل سترضى بالدنيا وتطمئن بها أم ستجاهد وتؤمن بالله وتعمل الصالحات ولا تركن إلى الدنيا وتبقى ناظراً منتظراً للدار الآخرة؟ كل إنسان سيدفع ضريبة اختياره في هذه الحياة الدنيا.

قال سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. الله عز وجل يخبر عن دائماً قضية أن الله سبحانه وتعالى لو عجل لك من الشر كاستعجالك بالخير... فالمهم يقول ربنا سبحانه وتعالى: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير، كما يستعجلون الخير، لو أن الله يعجل لهم الشر كما يستعجلون هم الخير لقضي إليهم أجلهم، يعني كان انتهينا منهم من زمان لو أن الله سبحانه وتعالى سيعجل لنا الشر بسبب الشرك، بسبب الظلم، بسبب الفساد، بسبب المعاصي والقبائح التي يرتكبها الإنسان، لو يعجل له نصيبه من الشر كما

يعجل له بلطفه وكرمه نصيبه من الخير لانتهى الإنسان من القدم لكثرة ظلم الإنسان لكثرة فساد الإنسان لكثرة معاصي والقبائح، لكن سبحانه وتعالى يخبر عن سنته، قال: فَأَنذَرُ للذين لا يرجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. إذًا سنة الله أنه لا يعاجل بعقوبته للقوم الظالمين، لا يعاجل بعقوبته للفاسدين، وهذه سنة من سنن الله التي مرت في عدة سور، وهو أن كثير من الناس يقولون لماذا يتأخر إبادة الله للظالمين؟ لماذا لا يحسم وينهي الله عز وجل أمر الصليبيين وأمر اليهود؟ ولماذا يمهلهم؟ هي سنة الله أنه يؤخر العذاب. قال: فَأَنذَرُ الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون، يتخبطون، يعيشون هذه الدنيا ويظنون أنهم مالكون لزمام الأمور، فالله عز وجل يمهل ويطيل، نمدهم نمدهم يعطيهم، لأنه إذا جاءت ساعة الصفر فهذا سيكون ساعة الانتقام الرهيب اللي حصلت مع قوم نوح لما جاءت ساعة الصفر ومع قوم عاد ومع قوم صالح عذاب الله الاستئصالي.

فمن رحمة الله عز وجل أنه يمهل البشر، حتى الكفار يمهلون لعل لعل أحدهم يستيقظ، لعل أحدهم ينتبه. نعم، نحن سبحان الله دائما نستعجل ودائما نريد النهايات وخلاص وتمشي الأمور وينتصر الإسلام وكذا، لكن الله عز وجل له أمر آخر في هذا الكون وتدبير آخر ونظر آخر، فلا ينبغي للعبد الضعيف الفقير مثلنا أن يعترض على اختيارات الله سبحانه وتعالى وعلى أقداره، إن وظيفتك أن تعمل وأن تشتغل لهذه الأمة، أما لماذا الله عز وجل يمد ويمهل الظالمين فهذا أمر الله يدبر الأمر عز وجل.

طيب، ثم يخبر سبحانه وتعالى أيضا عن حالة متكررة في الإنسان: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ. هذه مرت معنا في سورة الزمر ومرت معنا في سورة الروم ومرت معنا في العديد من السور، حالة الإنسان الذي يفزع إلى الله في حال المرض أو البلاء، ثم يعرض عن الله عز وجل في حال الرخاء، وهذا حال حتى كثير من المتدينين أيضا، أنك تجد الإنسان إذا وقع في بلية أقبل على الله بالكلية مخبتا داعيا راجيا يا رب، وإذا ينذر يا رب إذا شفيتني وإذا سافعل وأفعل، فاذا منحه الله الصحة والعافية ورفع عنه بلواه عاد إلى تقصيره وعاد إلى غفلته وعاد إلى ضعف عبوديته، وهذا من أسوأ الأنماط، أسوأ أنماط العبيد والبشر هذا النوع الذي يعبد الله فقط في الشدة وينساه في الرخاء، لذلك كثيرا مرارا وتكرارا حذرنا الله عز وجل من هذا النوع من البشر ومن أن نكون هذا النوع من الإنسان، وأننا لابد وأن نعبد الله في ماذا؟ في الرخاء وفي الشدة. تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس.

طيب، ثم هنا سورة تخاطب الكفرة في زمانها، فقال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا. يعني رغم أن البينات والآيات تلاحقت على الأمم الماضية لكنهم لم يؤمنوا فكان عاقبتهم الإهلاك. ولقد أهلكنا، ثم جعلناكم يا أيها البشر يا كفار العرب، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون. طيب، فكيف عملوا؟ كيف عمل كفار العرب مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ للاسف، عندما كان يتلو عليهم آياتنا بينات قال هؤلاء الكفر الذين لا يؤمنون بالله عز وجل يا محمد آيتي صلى الله عليه وسلم آيتي بقران غير هذا أو بدله، نريد شيئا آخر غير هذا القرآن.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يجيب جوابا واضحا: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي، أنا لست إلا رسول مبلغ، أنا لا أدعو لنفسي أنا أدعو إلى الله سبحانه وتعالى فانا مرسل من جهته، والعياذ بالله أن أتلاعب بوحيه، إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. ثم قال لهم: قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ. يعني أنا أصلا أربعين عاما بين أظهركم لم آت بكلام من هذا الكلام، ثم بعد ذلك بدأت أتلو عليكم هذه الآيات، أليس هذا دليل أو من الأدلة على أنني صادق في رسالتي؟ فقد لبثت فيكم عمرا من قبله، أنا كنت موجود بين أظهركم وكنتم تنادونني بالصادق الأمين قبل أن أبدأ بتلاوة هذا القرآن، أفلا تعقلون؟ يعني الموضوع لا يحتاج شيئا من العقلانية، أربعين عاما وانا مقيم بين أظهركم ثم لما ثم بعد ذلك شرعت في هذا الكلام وشرعت في نقله لكم، فلا لو شاء الله سبحانه وتعالى لما أدراكم به ولما وصلت إليكم هذه الحقائق.

فانتبهوا واستيقظوا على نعمة الله عز وجل عليكم أن خصكم ومنحكم هذا الكلام العربي المبين، ولا تتعاملوا معه بهذا الاستهزاء وبهذا التهكم: آت بقران غير هذا أو بدله. فقال صلى الله عليه وسلم: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ. وهذه مهمة في هذا السياق، لأن كفار قريش أصلا نمطهم في التعبد أنهم يؤلفون في دينهم ما يهوون، فيحرمون ما يشاءون ويحلون ما يشاءون، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبر كفار قريش عن الفارق بيني وبينكم أنا رسول متبع لله فلا أحلل من عندي ولا أحرم من عندي أنا متبع، ويبين خطورة أن يكذب الانسان على الله فيحل من هواه ويحرم من هواه، وهذا كان نمطهم أصلا في التعبد. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ.

هذا إجرام، وهذا الإجرام وإن كان الكلام في سياق كفار قريش لكنه ينطبق أيضا على كل من غير وبدل في شريعة الله سبحانه وتعالى، هو مجرم حتى لو كان من أصحاب العمائم واللحى، حتى لو كان من أصحاب المناصب في الفتوى الذي يغير أحكام الشريعة إرضاء لأسياده، هؤلاء مجرمون. قال سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. هؤلاء الذين يتلاعبون بالأحكام الشرعية إرضاء لأسيادهم وولاة وسلاطينهم وزعمائهم، هؤلاء الله عز وجل يقول لهم: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. إذا أنتم مجرمون ولن تفلحوا، ولا تظنوا أن أسيادكم سيرفعون، يمكن يعطيك لقب ولا منصب، لكن هذا السيد الذي أنت أرضيته وأسخطت ربك من أجله في يوم من الأيام سيلقيه في زبالة التاريخ، لأنك هكذا دنيء النفس، أنت مجرم، هو يعرف أنك تركت كلام الله وشرع الله من أجل أن ترضيه، فمثلك لا يستأمن، مثلك لا يستأمن، فأول من يتسلط عليك هو ذلك الفاجر الذي أرضيته وأسقطت ربك. إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. هذه رسالة لكل إنسان مسلم: إياك أن تعبث بشرع الله، إياك أن تفتري على الله الكذب في شرعته وأمره إرضاء لأحد، شرع الله يبقى كما هو شاء من شاء وأبى من أبى.

طيب، ثم الله عز وجل بدا يسفه آلهتهم ويخبر عن أنماط التعبد التي كانت سائدة عند كفرة العرب، قال: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا. كما قلنا قبل قليل، يعبدون أصناما لا تضر ولا تنفع ويقولون هؤلاء الأصنام هم وسطاء لنا عند الإله، عند الله سبحانه وتعالى، فالله يقول له: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ. يعني والله هذه معلومة جديدة أن هناك شفعاء ووسطاء في الأرض يتوسطون للبشر عند الله؟ هذا شيء لا يعلمه الله وتنبئ الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه سبحانه وتعالى عما يشركون.

ثم يخبر سبحانه أن الناس: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً. وهذا في زمن آدم، في زمن آدم آدم وأبناؤه ثم أحفاده كانوا مسلمين، الكل كان موحد، ثم جاء الشيطان ينزغ فبدا الافتراق إلى مؤمن وكافر، وما كان الناس إلا أمة واحدة في زمن آدم كان الناس على طريقة واحدة، ثم بعد قال: فَاخْتَلَفُوا. بدا الشيطان يزعزع العقائد ويعبث بأهواء البشر، فاختلف الناس ما بين مؤمن وكافر وسنة الله. وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ. يعني لولا أن الله سبق حكمه، ولولا كان كلمة سبقت من ربك أي لولا أن حكم الله وقضاء الله الدائم وسنته أنه لا يعاجل الكافر بالعقوبة، بل سبحانه وتعالى ترك لكل شيء أجلا، لولا هذه السنة لقضي بينهم، لأنه أمرهم ابتداء، لأنها أمر كل إنسان كافر، الله عز وجل يمقت الكفر ولا يرضاه، فسبحانه وتعالى هو قادر أنه كلما كفر إنسان أهلكه كلما كفر إنسان أهلكه، لكن سبقت كلمته يعني سبق حكمه في هذا الكون، وهنا الحكم قدري كوني سبق حكمه أنه لا يعجل الكافر بالعقوبة بل يمهل ويعطي مساحة لعل هذا الكافر ينتبه ويستيقظ، قال: لذلك ولولا حكم إلهي سبق لقضي بينهم، أي لأنهى الله وجود الكافر وأبقى وجود المؤمن تمام، لقضي بينهم فيما فيه يختلفون.

ويقولون لولا أنزل عليه آية من يعني كما قد بدات الصورة تعالج المواضيع والاشكالات التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم أشكالا أشكالا، كفار قريش دائما كانوا يقولون يا محمد صلى الله عليه وسلم لماذا لا تأتنا بآية من ربك؟ مع أن هذا القرآن هو أعظم آية، لكن بتعرف النمط الإنسان المستهزئ اللي هو فقط يريد المماحكات، وإلا فدليل واحد يصلك إلى الله يكفيك، لكن هؤلاء قوم بهت، فكانوا يقولون: لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ. يعني هلا أتيتنا باية من الله أخرى؟ فقل: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ. أعطيهم إجابة واضحة الله هو صاحب الأمر وهو الذي بيده كل شيء، قل إنما الغيب لله هذا أمر عند الله، أنا وظيفتي أن أخبركم بما هو بين يدي وبما أخبرني إياه، أما قضية أن أتي هكذا بالآيات على أهوائكم وعلى أمزجتكم فهذا ليس عندي، مصرون على موقفكم أنا مصر على موقفي، فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ. هذا أكثر ما أملكه لكم.

طيب، أيضا تكرار لنفس الفكرة اللي مرت في آية رقم إي اثني عشر لكنها الآن بصيغة الجمع، اللي هي فكرة الناس إذا أصابهم بأساء وهذا كان حال كفار قريش عموما أنهم كانوا إذا أصيبوا ببأس أو ضراء رجعوا إلى الله الواحد الديان، ثم إذا عادوا إلى رخاء وزال البأس فأشركوا بالله عز وجل أصنامهم، فقال سبحانه: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا. عجيب حال هؤلاء الناس الذين يتذكرون الله في الشدة وينسون الله في الرخاء، وأعطاهم نموذج بالنماذج التي كانت كثيرة في حياتهم: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْ رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. هؤلاء الكفرة في عمق البحر عندما تتلاطم الأمواج يعرفون أن أصنامهم لن تنفع ولن تضر ولن تأتي بأي شيء الآن خلاص، فيوحدون الله في تلك الساعة تمام، ويدعون الله مخلصين له الدين: لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. الشاكرين هنا بمعنى الموحدين، سنشكرك يا الله ونوحدك فقط أنجينا من ظلمات البحر.

فلما أنجاهم هل صدقوا مع الله؟ للاسف كلا، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق، عادوا إلى استكبارهم وعبثهم وعبادة أصنامهم وعبادة أهوائهم، فالله عز وجل يقول لهم ايش: مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. يعني نمتع متاع الحياة الدنيا، ثم الينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون، سنخبركم عن الأنماط التي كنتم تمارسون، سنخبركم أنكم كنتم تكذبون وتعبثون، تأتوا إلى الله عز وجل في ساعة الشدة تدعونه فاذا كشف الضر عنكم عادتم إلى شرك واستهزائكم وغفلتكم عن الله سبحانه وتعالى، كل هذا سيسجل وستنبأ به يوم القيامة.

ثم يضرب الله سبحانه عن هذه الحياة الدنيا التي رضيتم بها أيها الكفرة واطمأننتم بها، ما حقيقتها؟ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَزَيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ. الله يقول لهم هذه حقيقة الحياة الدنيا، هي عبارة عن أرض نزل عليها غيث من السماء فأخرجت الخضرة وبدأت تتزين، فظن أصحاب الأرض وأصحاب المزرعة أن هذه المزروعات وهذه الثمار هم قادرون عليها وما بينهم وبين قطفها إلا دقائق معدودة، فجاه جاء أمر الله فهلكت هذه الخضرة وذهبت ذلك الزينة وطويت الحياة الدنيا وجاءت الدار الآخرة.

هكذا الحياة الدنيا، تظن أنت أيها الإنسان أنك قادر على كل ما فيها وأنك ستجنيها وأنك ستلتقط وتأخذها لك، وفجاه إذا بهذه الدنيا تذهب من يدك، كيف تلك المزروعات وتلك الخضرة ذهبت كأن لم تغن بالامس كأنها لم تكن موجودة، كذلك هذه الدنيا أنت تبني شركات ومؤسسات وتظن أنك ستخلد وتبدأ أمورك تصعد وتكبر وتحصل ما تحصل، تظن أنك ستأخذ كل شيء، فجاه كل هذا الذي بنيته من أرصده بنكية ومن شركات ومن بيوت ومن زواجات وكله فجاه تفقده وتجد نفسك في ظلمة القبر، تجد نفسك مع منكر ونكير يسالونك من ربك وما دينك وما نبيك.

فالإنسان العاقل إذا فهم أن هذه الدنيا لبنو للموت وابنو للخراب، كما قال الشاعر: إنما نبني ليعيش أبناؤنا ونجمع لياخذه أبناؤنا، وأما نحن فإنما نحن بنيان يهدم، إنما الإنسان بنيان يهدم. إذا عرف الإنسان هذه الحقيقه فليشترك.

مباشرة جاء بعد ذكر قيمة الحياة الدنيا، جاء ذكر الحياة الحقيقية التي تستحق أن تبذل من أجلها، فقال سبحانه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ. هذه هي الدار، الدار التي سلمت من العيوب الموجودة في دار.

الدنيا، شوف اختيار اسم الله السلام هنا أو عفوا اختيار اسم الجنة دار السلام هنا مناسب جدا جدا لما سبقه من ذكر الدنيا، فالدنيا كلها عيوب، وأما الآخرة والجنة والجنة فكلها سلامة من تلك العيوب. الدنيا تزول، الدنيا تعب، الدنيا إرهاق يعني حتى أنت أخرجت هذه الأموال وبنيت هذه القصور وتعبت ووهقت وحصل ما حصل، وأما الآخرة والجنة فهي سليمة، والله عز وجل يدعونا إلى تلك الدار الجميلة: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ، سلمت من كل العيوب والآفات الموجودة في الدنيا.

وهذه الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن أعظم ما فيها رؤية وجه الله، لذلك قال سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى، الحسنى الجنة، وزيادة على الجنة ما هي؟ قال: جاء في الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة الكرام أن معنى وزيادة هي رؤية وجه الله، للذين أحسنوا، الذي أحسن في هذه الحياة الدنيا وأحسن الاستعداد وأحسن العمل له له الحسنى وهي الجنة وزيادة على الجنة رؤية وجه الله سبحانه وتعالى.

وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ، لا تغشى وجهك أيها المؤمن يوم القيامة الكآبة والذلة التي تغشى وجوه الكافرين، بخلاف الذين كسبوا السيئات فجزاء سيئة بمثلها، أنت أسأت في الدنيا سنعطيك مقابل إساءتك، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ تغشى وجوههم الذلة والمهانة يوم القيامة عندما يروا حصائد السنوات، حصائد ما بذلوه في الحياة الدنيا، ما لهم من الله من عاصم لشده سواد وجوههم، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل، وجه الكافر يوم القيامة لشده سواده كما قال في سورة الزمر: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ، وجه الكافر يوم القيامة لشده سواده كأنه قطعه من الليل أسود حالك تماما، كأنما أغشيت وجوه قطعا من الليل مظلمة، أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

وهذه الأصنام التي أشركتم فيها أو أشركتم بها مع الله عز وجل في الحياة الدنيا، الله عز وجل سيجمع بها يوم القيامة: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ، تعالوا أنتم وشركاؤكم قفوا مكانكم، فزيلنا بينهم فالله عز وجل وضع المشركين على جهة، زينا يعني فرقنا ميزنا فوضعنا المشركين على جهة ووضعنا آلهتهم ومعبوداتهم على جهة، طيب وقال شركاؤهم قالت هذه الآية التي عبدت والاصنام ماذا قالوا؟ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ، ما كنتم إيانا تعبدون، وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون أنتم في الحقيقة كنتم تعبدون أهواءكم، كنتم تعبدون رغباتكم، لكن هل نحن قلنا لكم اعبدونا؟ هل نحن طلبتم منكم أن تتوجهوا إلينا؟ فالله عز وجل يخبر هنا قال: فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ، يعني نحن لا علاقة لنا أنكم عبدتمونا، لأنه الكفار كانوا يعبدون النجوم، كانوا يعبدون الملائكة، كانوا يعبدون حتى بعض الجن يعني عبدوا كل شيء، كانوا يعبدون عيسى بن مريم أيضا، فهؤلاء الذين عبددون من دون الله سيتبرءون ويقولون: يا رب نحن لم نأمر أن يعبدونا وأن يتوجهوا إلينا هم عبدونا وحدهم، النجوم ستبدأ منكم، الأصنام هذه الأحجار ستبدأ منكم، أي عيسى بن مريم يتبرا منهم، كل من عبد سيقول: يا رب أنا لم أطلب منهم أن يعبدوني.

فالله عز وجل هنا يظهر لهؤلاء المشركين أنتم عبدتم آلهة زعمتم أنكم تعبدونها من دون الله هذه الآلهة هي نفسها التي زعمتم أنها طبعا ستبدأ، فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين والله إننا لم نطلب منكم أن تعبدونا ولا أن تتوجهوا إلينا ولا أن تقصدونا، فقال: هُنَالِكَ تَبْلُوكُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ، هنا سيظهر كل شيء، هنا ستنكشف الحقائق، هنالك تبلو كل نفس خلاص يظهر وينكشف ما الذي كانت تفعله في الحياة الدنيا، تنكشف ينكشف الزيف، ينكشف اتباع الهوى، ينكشف حب الإنسان للدنيا وتشبثه بها وأنه لم يكن يتعبد حقا، وَرُدِّدُوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وعادوا إلى المعبود الحق ووقف بين يدي المعبود الحق، مولاهم الحق هو الله، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، كل الأكاذيب والخرافات، كل ما كتبوه من كتب ومصنفات ومجلدات في الإلحاد، في العلمانية، في الليبرالية، في عباداتهم، في في أديانهم المحرمة ضل عنهم، كل ما اختلقوه وافتروا ضل عنهم ما عادوا يجدون له أي قيمة.

فالله عز وجل هنا عاد لينبه مرة أخرى لعلهم يستيقظون قبل فوات الأوان: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهَ، هكذا كفار قريش يعلمون أن الله هو الذي يفعل ذلك سبحانه، فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، طيب إذا كنتم تعرفون أنه هو المتحكم المدبر الحقيقي ألا ينبغي أن يقودكم هذا إلى أنه هو المعبود الوحيد الذي يستحق أن يعبد وأن يتوجه إليه؟ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، الله إذا هو الحق، هو المعبود الذي ينبغي أن يقصد، وكل ما سوى الله فهو ضلال، فماذا بعد الحق إلا الضلال، هذه من أعظم الآيات ومن أعظم الجمل القرآنية، من أعظم الجمل القرآنية تجد أنها جامعة، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ماذا بعد الله؟ وماذا بعد شريعة الله؟ وماذا بعد هذاسلام إلا ضلال وتيه وفساد وحيرة وشكوك، فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، غريب كيف تصرفون عن الحق وأنتم تعرفون أنه الفاعل الحقيقي سبحانه وتعالى، لكن الله عز وجل يقول: كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، يعني خلاص من لم يكتب الله عز وجل له الهداية وكتب عليه الكفر والفسق فهذا خلاص مهما أتته الآيات والدلائل والحجج والبراهين فإنه سيبقى على فساد طبعه وعلى فساد طينته.

ثم الله عز وجل ما زال يلومهم فيقول: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، أخبروني هل هناك صنم من أصنامكم يستطيع أن يبدأ خلقا ثم يعيد هذا الخلق مرة أخرى؟ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق أخبروني هل من أصنامكم ومن معبودات هل منها شيء يتكلم معكم ويهديكم إلى الحق؟ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ هذه صفة الله، أروني هل هذه صفة أصنام، أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى، اليس الذي يهدي إلى الحق ويبين ويظهر هو أولى أن يعبد وأن يقصد، أما الذي لا يهتدي في نفسه فضلا أن يهدي غيره، أما لا يهتدي يعني الذي لا يهتدي ويحتاج من ياخذ بيده وينقله من مكان إلى مكان كالأصنام تحملونها أنتم من هنا وتنتقل بها إلى مكان آخر وهي لا تستطيع أن تسير بنفسها شبرا، هذا الذي لا يهتدي في نفسه هل يعقل يعني حقيقة، أحيانا تقول الهوى الهوى إخواني، الهوى يعني صنم حجارة أنت أنت من تنقلها ولا تستطيع أن تخدم نفسها بنفسها أصلا فضلا أن تخدمك، هل هذا شيء يعبد؟ هل هذا شيء يقصد؟ فهم في الحقيقة إذا لم يعبدوا الأصنام هم في الحقيقة عبدوا أهوائهم، عبدوا لذاتهم، عبدوا أمزجتهم، وإلا هذا الحجر يوم القيامة هو يعرف أنه لم يفعل شيئا وانه لا يقدم ولا يؤخر.

لذلك قال سبحانه: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا، إذا هم فعليا لما عبدوا الأصنام هم هم لا يسيرون على علم ومعرفة ومنهج معرفي في اختيار هذه المعبودات، هم يسيرون على الظن والظن هنا الظن الذي ليس مبنيا على دليل وإنما هو التشهي والهوى، إن يتبع أكثرهم إلا هواه وشهوته وما يريد أن يعبده بكيفه ورغبته وليس علم ومنهج معرفي في الاستدلال على هذه المعبودات.

ثم عاد إلى الإجابة عن سؤالهم السابق لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، بعد كل هذه المعالجة عاد إلى السؤال أو إلى الإجابة عن قولهم ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ، فقال سبحانه: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هذا القرآن لا يستطيع أحد أن يفتريه وأن يختلقه، وإنما هو كتاب مصدق لما بين يديه من الكتب السابقة ويفصل كل شيء، وإذا قلتم إنه افتراه واختلقه، إذا كنتم تزعمون أن محمد صلى الله عليه وسلم افتراه أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، فها نحن نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة من سور القرآن، في سورة هود إذا بتذكر كان التحدي بعشر سور فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، هنا في سورة يونس نزل التحدي إلى سورة واحدة لما عجزوا عن الإتيان بعشر سور الله عز وجل قال لهم: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أصغر سورة مثل سورة الكوثر، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ، يعني واجمعوا من أجل هذا المشروع كل ما عبدتم من دون الله إن كنتم صادقين أنهم معبود حق، اجمعوا كل هذه الأصنام وكل هذه الآلهة وكل شيء واجمعوا أمركم وشركاؤكم ودعونا ننظر هل تستطيعون الإتيان بسورة واحدة.

الحقيقة: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، كذبتم بشيء انتم لا تعرفون عشر عشر معانيه ولم تحيطوا بعشر عشر العلم الذي فيه، كذبتم بهذا القرآن وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، ولما يأتيهم تأويله يعني حقيقته في الخارج لم تأتي إلى الآن لكن ستاتي، يعني هذا القرآن أخبركم عن الدار الآخرة لسه لم تأتي الدار الآخرة لكن تأويلها سياتي، والمعنى بالتاويل هنا أي حقيقتها في الخارج، يعني نحن حذرناكم من الدار الآخرة، حذرناكم من النار، لما ياتكم تأويله يعني لسه ما اجت لكنها قال لما يعني وستاتي هذا معنى لما هنا، يعني هي لم تأتي ولكنها قاربت حقائق القرآن أن تظهر وأن تتجلى أمامكم فصبر جميل، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بكتب برسلهم فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، يعني النهاية هنا هناك العديد من النماذج السابقة فلستم بدعا من الأمم.

ساتجاوز بعض الآيات أذهب إلى آية رقم مئة وخمسة: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا، كان هذا بيان لل ولما يأتيهم تأويله، لما ياتي تأويل هذه الآيات ومعنى تأويل هنا يعني ولما يأتي إبرازها إلى الخارج، فالله عز وجل تكلم هنا عن الدار الآخرة وحذر منها مرارا وتكرارا، لما تاتي هذه الدار الآخرة ويجد كل هؤلاء البشرية أنفسهم بين يدي الله ماذا سيقولون؟ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ، سيظنون أنه كل اللي عشناه في الحياة الدنيا لمحة بصر، كانه كل الحياة الدنيا ساعة من نهار تعارفنا فيها ثم تفرقنا، نعم عندما يرون الحقائق العظمى سيعرفون أن الحياة الدنيا انما كانت طيفا عابرا ولمحة سريعة وانتهت.

إذا ويوم يحشرهم يوم القيامة سيتخيلون أن كل ما لبثوا في الحياة الدنيا هو مجرد ساعة فقط من نهار تعارفنا فيما بيننا في الدنيا وافترقنا، يشعرون أنه كل هذه الشهوات والملذات والجبروت والعناد والاستكبار ومحاربة أهل الاسلام والوقوف في طريق الدعاة كل هذا الذي عاشوا من أجله إنما هو طيف سريع والآن انكشفت الحقائق، قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ، فعلا سيدركون سيندمون الذين لم يعيشوا الإسلام قضية سيندمون قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.

ثم قال سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ، فاذا جاء رسولهم يوم القيامة كل أمة تنتظر رسولها فاذا جاء رسولهم شهد على مؤمنهم بالإيمان وعلى كافر بالكفران وفصل بينهم، وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ، ها بعد أن انتهى مشهد الدار الآخرة ارجعنا للدنيا وهؤلاء الكفار ما زالوا يقولون لك يا محمد صلى الله عليه وسلم متى هذا الوعد أي متى الدار الآخرة متى ستاتي؟ قل لهم: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، يعني شوفوا في النهاية نحن كدعاة وطلاب علم ومرشدين والأنبياء الذين انما نحن ورث لهم كل هؤلاء إنما هم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا نحن ننذر ونخبر ونعظ ونسأل الله السلامة لنا وللأمة، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، يعني لا تقول لي متى الدار الآخرة ستاتي، ستاتي وعندما ياتي أجل هذا الجيل وهذا الحقبة من التاريخ عندما ياتي أجلها ونهايتها لن تتقدم ساعة ولن تتاخر ساعة.

ثُمَّ يَتَأَنَّ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا، يعني انتم تستعجلون هذا العذاب وقيان ساعة الصفر، يا ترى لو أتاكم هذا العذاب وأنتم بيات في الليل أو في النهار يعني بغض النظر متى ماذا يستعجل منه المجرمون؟ يعني أنت تستعجل على أي شيء في أي لحظة يمكن ياتيك هذا العذاب وعندما ياتيك يعني هل ستكون فرحا مسرورا انك كنت تستعجل به ودائما تطلب وقوعه على سبيل التهكم؟ إذا وقع ونزلت بك الساعة الصفر ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ، فلا تستعجل ولا تتهكم ترى أنت تقول كلام أكبر من حجمك وأنت لا تعرف ما هو الرعب الذي ينتظرك.

وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقَّ هُوَ، معقول هو حق هذا العذاب الذي تحذرنا منه؟ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ، إي والله وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ، يعني إذا جاءت هذه الساعة لا تظنوا أنكم ستعجزون الله وتهروبون وتستطيعون أن تختبئوا خلف صخرة أو خلف شجرة، لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ، وفي ذاك اليوم عندما يحل هذا العذاب الذي كنتم تستهزئون به: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَفَدَتْ بِهِ، كل إنسان لو استطاع أن يفتدي بأهله وماله وكل الأرض مقابل أن ينجو من هذا العذاب سيسعى أن ينجو من هذا العذاب، لكن للاسف وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا أو العذاب، وأسروا هنا بمعنى أظهروا، أسروا من الكلمات المتضادة التي تاتي بمعنى أظهر وبمعنى أخفى، فقال سبحانه: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ، وأظهروا الندامة والتأسف لما رأوا العذاب، كنتم في الحياة الدنيا إيش تقولوا؟ متى هذا؟

الوعد، وإن كنتم صادقين. طيب، يوم القيامة عندما ترون العذاب ستظهرون الندامة. ليش؟ كنا نستهزئ، ولماذا كنا... لماذا لم نتعامل بالجدية المطلوبة؟

طيب، وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون. ألا إن لله... يعني استيقظوا يا أيها البشر، الله سبحانه هو الذي يملك زمام الأمور في كل شيء: لِلَّهِ ما فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، ووعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون. ثم قال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ... الله عز وجل يريد أن ينبهنا لمعاني القرآن لنستيقظ ونعتبر بها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. يعني المفروض أننا نفرح بالقرآن، نفرح بالقرآن. هذا فضل من الله، رحمة من الله أنه أعطانا هذه الآيات واضحة أمامنا تبين لنا حقيقة الدنيا وكم هي تافِهة، وحقيقة الآخرة وكم هي عظيمة، وبينت لنا طريق الخير وطريق الشر، وما هي المسالك التي يجب أن نسلكها وما هي المسالك التي ينبغي أن نبتعد عنها، وبينت انقسام الناس إلى مؤمن وكافر. هذه أعظم شيء يفرح به الإنسان، الحمد لله على نعمة القرآن، الحمد لله على أننا نققرأ القرآن وأننا نتدبر القرآن وأن الله صرف قلوبنا لنحاول أن نفهم رسالات الله في القرآن. هذا أعظم شيء للبشرية أن القرآن بين أيديهم، ومسكين من يعيش حياته يخرج منها وهو لم يفهم معاني القرآن ورسائل القرآن، فالحمد لله.

طيب، عادت السورة لتخاطب كفار قريش مرة أخرى: كيف كانوا يفترون على الله الكذب، بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا يفتري على الله الكذب بل هو مجرد رسول مبلغ لا يتجاوز ما أمر به؟ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً. هكذا كفار قريش كانوا يحرمون بأهوائهم ويحللون بأهوائهم، كما في سورة الأنعام يأتي معنا: وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بزعمهم، وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا، وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بزعمهم وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا.

والكفر في كل زمان ومكان، أصحاب الذين يضعون القوانين الوضعية هم يحلون على أهوائهم ويحرمون على أهوائهم، كل من شرع بغير ما أنزل الله فهو يحل بهواه ويحرم بهواه، فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً بأهوائهم وليس اتباعا لشرع الله. طيب، قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ؟ شوف هذه الكلمة كم هي خطيرة: قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ يا من بدلت شرع الله وغيرت الأحكام وحللت ما حللت وحرمت ما حرمت، هل الله أذن لك في هذا الفعل وبهذا التصرف؟ وهذا سؤال تهديدي وعيدي. أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟ ولا هذا من شغل عقلك وهواك؟ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ يا الله، هذه الآية ما أصعبها على من يضعون القوانين الوضعية، وعلى من يستعجلون في إرضاء أسيادهم في الغرب في تشريع الشذوذ وتشريع الزنا وتشريع الخنا وتشريع الخمور والصد عن سبيل الله. الله عز وجل يقول لهم: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ايش ظنك سيكون موقفك بين يدي الله؟ ماذا تظن أن الله فاعل بك عندما تقف بين يديه أيها المسؤول، ويقول الله عز وجل لك لماذا بدلت... لماذا بدلت ديني؟ كذلك علماء السوء، علماء البلاط، هؤلاء ماذا سيقولون بين يدي الله لما يقفوا بين يديه ويسألهم: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أن تغيروا هذه الشريعة؟ آللَّهُ أَذِنَ لك أن تفتح محلات الخمور؟ آللَّهُ أَذِنَ لك أن تشرعن الزنا والفواحش؟ آللَّهُ أَذِنَ لك أن تحمي حقوق الشواذ جنسيا؟ آللَّهُ أَذِنَ لك أن تبدل كثير من الأمور وتتلاعب بمسائل الميراث؟ وهكذا. آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ؟ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب؟ كل هؤلاء كذبوا على الله، غيروا شرع الله، ما ظنهم أن يفعل بهم الله يوم القيامة؟ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ. فعلا، الله عز وجل ذو فضل على الناس عندما يصبر عليهم ولا يعاجل هؤلاء بالعقوبة، ويعطيهم فرصة لعلهم لعلهم يستيقظون قبل فوات الأوان، ولكن أكثرهم لا يشكرون.

طيب، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ في الصفحة التي تليها: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. نسأل الله عز وجل أن نكون من أولياته. من هم أولياء الله؟ ما تعريف أولياء الله؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. كل من آمن بالله سبحانه وكان متقيا لعذاب الله وسخط الله فهو ولي، فالولاية هي... لا تحتاج أن تكون من أصحاب العمائم، ولا أن تكون من أصحاب السلالات، ولا شيء خارج عن العادة والكرامات، الولاية تحتاج إيمان وتقوى، هكذا الولاية، الولاية تحتاج إيمانا وتقوى، فكل مؤمن تقي فهو ولي لله سبحانه وتعالى، ويتفاوت الناس في درجات الولاية على حسب إيمانهم وتقواهم. وكل من حصل الولاية لهم البشرى في الحياة الدنيا: الملائكة تبشرهم، الرؤية الصالحة في المنام، عند ساعات الموت والاحتضار، وكذلك في الدار الآخرة وهذا يشمل القبر وما بعد القبر، كل هذا يبشر الله عز وجل فيه الأولياء الصالحين بمنازل المكرمين. لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ. هذه سنة أيضا من سنن الله لا تتبدل، أن الله عز وجل كما يمحق أعداءه فانه يرحم أولياءه.

ثم هنا يعود الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يا محمد صلى الله عليه وسلم إذا استمر القوم في إزعاجك والاستهزاء بك والتهكم بك، فلا يحزنك قولهم، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، الله هو العزيز وهو صاحب الأمر هو الذي... أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ. ترى هؤلاء الذين يعبدون الأصنام هم فعليا لا يتبعون شركاء حقيقيين لله، لا، لا، إياك أن تظن أنهم يعبدون شيئا حقيقيا، إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، يتبعون أهوائهم. مرة أخرى هذه، مرة أخرى يبين الله فيها حقيقة هؤلاء في عبادتهم لأهوائهم وظنونهم في آية سورة يونس آية ستين قال: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً، وفي آية ستة وستين نفس الشيء: وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، أهواء فقط، كل من لم يعبد الله ولا يملك دليلا وإنما هو صاحب هوى، وللاسف اليوم يخرج لك بعض المغفلين فيقول لك: والله الإلحاد اليوم هو وجهة نظر تحتاج يعني إلى مجادلة. هي ليست وجهة نظر، الإلحاد هو عبارة عن أهواء وضلالات وليست وجهة نظر، نعم نحن نجيب فقط من باب يعني إقامة الحجة عليهم وإظهار الأمر لعل المغفل ينتبه، أما أن يأتي مغفل فيقول: والله الإلحاد وجهة نظر ويمتلكون أدلة ونحتاج أن نحاورهم. هو لا يمتلك أدلة، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. لكن نحن نقيم عليهم الحجج بمجادلتهم.

طيب، ومن أيضا من افتراءاتهم قالوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، والله نزه نفسه عن الولد سواء من الملائكة أو من غير الملائكة، لأن الولد نقص، الولد هو دلالة نقص، وحاشاه سبحانه، لذلك قال: هُوَ الْغَنِيُّ. لو كان فقيرا لربما قلنا يحتاج ولد، لكنه غني وغناه كامل فلا يحتاج إلى ولد سبحانه.

طيب، في الآية واحد وسبعين هنا الله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ثُمَّ نَبَأَ مَنْ بَعْدِ نُوحٍ. اتل عليهم نبأ نوح الذي جلس مع قومه سنوات وسنوات ثم قال لهم في النهاية: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ. يعني إذا أنتم مصرون على موقفكم خلاص اجمعوا أمركم وشركاءكم اعزموا وتعالوا اقتلوني ولا تخافوا، يعني اعملوا ما تريدون فانا توكلت على الله ولست أخشاكم، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إن بقيتم معرضين عن منهج الاستقامه فانا لا اطالبكم لا باجر ولا بمال على دعوتي، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، انا فعلت واجبي الشرعي ما يمليه علي الشرع وما أمرني الله عز وجل به.

والنتيجة النهائية لقوم نوح: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ، أيضا ثم بعثنا من بعده رسلا. فسيدنا نوح هو بداية الرسل، ثم بعد ذلك تبعهم الرسل والأقوام أكثرهم كانوا يكذبون بايات الله ويهلكهم الله، حتى وصل الأمر إلى موسى وهارون وقصتهم مشهورة، وهنا استفاضت سورة يونس في بيان كيف موسى وهارون جاؤوا بالبينات وكيف استقبل فرعون وقومه هذه البينات، وكيف حدث المشهد وكيف ألقى موسى العصا وكيف أبطل سحر السحرة، فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وكيف بعد ذلك بدأ فرعون بفتنة موسى وقوم موسى وكيف آمن المستضعفون، وكيف أن الله عز وجل قال لموسى ولقومه: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. يعني اجعلوا بيوتكم... قال بعض: متوجه إلى القبلة، وقال بعضهم: اجعلوا بيوتكم قبلة يعني اجعلوها مكانا لعبادة الله سبحانه وتعالى والتزموا بها بالصلاة إلى أن يأتي الموعد الذي يهلك الله فيه الظالمين. وهذه فيها رسالة للصحابة المستضعفين في مكة: اجعلوا بيوتكم قبلة، اصبروا، في كل زمن استضعاف لابد من صبر وأن نعبد الله عز وجل ولو أغلقنا علينا بيوتنا نستمر على منهج العبودية إلى أن يهلك الله الظالمين.

وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ. فالله عز وجل استجاب الدعوة، وقال بعض المفسرين: ما بين دعاء موسى ربنا اطمس على أموالهم إلى أن استجيبت دعوته بإغراق آل فرعون كانت مدة أربعين سنة. فبالتالي لا يشترط إذا أحد الأولياء أو أحد الصالحين دعا الله باهلاك بني اسرائيل أو هلاك الصليبيين أن يكون الجواب مباشر، لا أنت دعوت وجزاك الله خيرا وهذه دعوة يستجيبها الله، وإجابتها لا يشترط أن تاتي في الوقت الذي أنت تريده بل إجابتها تأتي في الوقت الذي يريده الله سبحانه وتعالى، لذلك قال: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا. لكن متى تحققت على أرض الواقع؟ قالوا بعد أربعين سنة أو أكثر.

متى تحققت؟ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ. هنا لما الله عز وجل اجتاز ببني إسرائيل البحر مع موسى وفرق البحر ودخل فرعون في البحر قال: آمَنْتُ، لما أغرق فرعون وشعر بانتهاء كل شيء في لحظة الغرغرة قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فهنا قال له جبريل وكان في البحر معه: الآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ؟ في لحظات العذاب لا... انتهى كل شيء، لا يقبل، من كذلك؟ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ. وسبحان الله بدن فرعون موجود الآن في المتاحف المصرية أو الأوروبية لا أدري، نجى الله بدنه ليكون عبرة لكل فراعنة الأرض: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّكَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ، ولكن للأسف الناس لا تعتبر. والله عز وجل بعد ذلك أنزل بني إسرائيل: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ، يعني أنزلهم عيشة هنية بعد هلاك بني إسرائيل ورزقهم من الطيبات. لكن للأسف، حتى هؤلاء الذين أنجاهم الله من القوم الظالمين عاد بنو إسرائيل فظلموا أنفسهم عندما جاءهم العلم كما جاء في آيات أخرى بسبب الحسد بغيا بينهم وحب كل شخص أن يتسلط على الآخر، وهؤلاء الله سيقضي بينهم يوم القيامة.

فعاد الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم الآن في الختامات: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ وهو حاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون في شك، لكن الكلام يعني كيقول الكلام لك واسمع يا جاره لكل من يشك فاسأل الذين يقرون الكتاب من قبلك هل هذا الكلام هذا القرآن حق أو لا؟ إياك أن تشك في هذا الوحي الإلهي، لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ من المشككين، وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

طيب، الله عز وجل يقول أيضا من سننه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ. الذين قضى الله عز وجل أنهم سيموتون على الكفر حقت عليهم كلمة ربك من حكم الله أنه سيموت على الكفر بسبب طينته أو خبيثته، هؤلاء لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية من حكم الله وعليه أنه كافر لن يستطيع أن ينتفع بكل الآيات ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم. وعندما يرون العذاب الأليم لو آمنوا لن ينفعهم إيمانهم، لن ينفعهم إيمانهم إلا نموذج واحد لذا وبه سميت السورة: هناك نموذج واحد جاءهم العذاب الأليم والله سبحانه وتعالى عفى عنهم لأنهم كانوا صادقين في التجائهم هذه المره وأطلق الله على صدق قلوبهم، ألا هم قوم يونس لما آمنوا عند نزول العذاب كشف الله عز وجل عنهم العذاب، وهذا متعلق بقوم يونس لما أطلع الله على قلوبهم فهذا استثناء، ولكن العادة المتكررة أن الكفار إذا حل بهم العذاب وساعة الصفر لا يتم إنقاجهم.

ثم يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت لا تصاب أو لا تهلك نفسك بسبب عدم إيمانهم، لا تفتت قلبك ومشاعرك، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً، الأمر في النهاية بمشيئة الله، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ خلاص أنت بلغ وافعل ما تستطيع ثم بعد ذلك النتائج عند الله عز وجل، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. نحن نبلغ، نحاول أن نصلح أنفسنا والمجتمع، لكن النتائج بعد ذلك عند الله سبحانه وتعالى.

فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ؟ يعني ماذا ينتظر كفار قريش إلا أن تاتيهم النتائج الوخيمة التي جاءت على الأمم السابقة حيث الله عز وجل يهلك الظالمين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا، وينجي المؤمنين مع أنبيائهم وعلمائهم ورسلهم؟ ثم هنا الخطاب للبشرية جمعاء: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عموما إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي

فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله، يعني إذا أنتم ما زلتم تتشككون في الرسالة التي أوصلها إليكم، فاعلموا أنني واضح ما في تمييع وما في مداهنة، أنا لا يمكن أن أعبد ما تعبدون من دون الله، وإنما أعبد الله الذي يتوفاكم ويقبض أرواحكم وأمرت أن أكون من المؤمنين، وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ.

كل هذه هي أوامر الله لي أن أكون واضحاً ثابتاً على عقيدتي موحداً لله، أقمْتُ وجهي على شرع الله سبحانه لا أشرك بالله شيئاً، ولا يمكن أن أساوم على هذه المبادئ ولو أقل مساومة، هذه ثبات، قال: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، هذا كله مما أمر الله به نبيه، والدعاء وأهل الإيمان تمسكوا بهذه المبادئ شاء من شاء وأبى من أبى، الضار هو الله والنافع هو الله.

ثم مرة أخرى قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، شوف مرتين هذا نداء للناس والبشرية جمعاء، المرة الأولى تصرح بثبات على مبدأك وعقيدتك: إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، التصريح الآخر والأخير: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، هذا القرآن حق من الله إليكم، فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ، أنا مش مسؤول عن أي شخص منكم، أنا بلغت أوصلت الحق، ومات.

واتبع ما يوحى إليك، ثم الختام الله يقول للنبي صلى الله عليه وسلم تمسك بالشرع الإلهي واتبع ما يوحى إليك في القرآن واصبر، هكذا أيها الدعاة بعد هذا البلاغ وبعد هذا التذكير وبعد هذا التنبيه، إذا الناس أصروا على عنادهم وكفرهم فاصبر، تصبر حتى يحكم الله ويأذن الله وهو خير الحاكمين سبحانه وتعالى.

إذا سورة يونس وجبة دسمة حقيقة في العقائد وتصحيح الأفكار وبيان المنطلقات الصحيحة، ومن الله يعني كل هذا التصحيح من الله مباشرة من إله الكون، وهذا أعظم تصحيح وأجمل تصحيح.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يعلمنا وأن يفقهنا وأن يجعلنا من المحبين لكتابه عز وجل، وأن يجعلنا ممن يعيشون بعد ذلك في تفاصيل هذه السور أكثر وأكثر، ويأخذون من معادنها وجواهرها وما فيها من الإشارات اللطيفة والمعاني الخفية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونلتقي في مجلس آخر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.