مازلنا نعيش أيها الكرام في أفيَاء سورة آل عمران، ووصلنا إلى مقطع جديد من مقاطِعها، هذا المقطع في آية مئة وستة عشر، يُشابه المقطع الذي ورد في الصفحة الثانية. نحن من بداية سورة آل عمران إلى آية مئة وخمسة عشر كنا نتحدث عن حوارات النبي صلى الله عليه وسلم، أو حوارات الإسلام دعونا نقول بالمعنى العام مع اليهود والنصارى، وراينا المواقف العديدة والحوارات المختلفة، وتَمَرُّد النصارى في بعض الزوايا، وتَمَرُّد اليهود في بعض الزوايا. وهذا شيء طبيعي؛ لأن سورة آل عمران سورة مدنية، وأغلب نقاشاتها بالتالي التي حصلت فيها هي حوارات النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتابين.
في آية مئة وستة عشر تجد أن المقطع مُشابه للمقطع الذي في مطلع الصفحة الثانية، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. كان هذا المقطع يُعلن ابتداء موضوع جديد من مواضيع سورة آل عمران. ودعونا نعود إلى الآية رقم عشرة من سورة آل عمران عودة سريعة أيضاً، يقول ربنا سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا. لاحظ المُناسبة بين آية رقم عشرة وآية مئة وستة عشر، إذاً هناك إعادة ذكر لنفس المقطع، وهذا تكرار؛ لأنه الهدف منه أننا سنشرع الآن بفكرة جديدة من أفكار هذه السورة. في البداية كانت السورة تتكلم عن اليهود والنصارى، فقال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا. الآن السورة ستبدأ تتكلم عن المنافقين وأصحاب النفوس المريضة الذين يعيشون داخل المجتمعات المسلمة، وكيف يكون أثرهم على مجتمعاتهم.
وبالتالي فقال سبحانه وتعالى مرة أخرى تأكيداً للمعنى العام: إن الذين كفروا، لا أموالهم ولا أولادهم ستغني عنهم من الله شيئاً. لن تفيدهم جمع الأموال، وجمع الأولاد، والتكاثر، وجمع الجنود والأنصار، وتأسيس الأنظمة لمحاربة الله ورسوله، لن تغني عنهم من الله شيئاً. كما أن ذلك في اليهود والنصارى، فكذلك هنا في المنافقين الذين يعيشون بين أظهرنا. ثم بدأ هذا المقطع من سورة آل عمران يتحدث عن غزوة أحد بالتحديد، ويعالج الأمور الدقيقة في النفوس، وما حصل في غزوة أحد من مشاهد ووقائع تحتاج إلى تربية إلهية لصحابة الكرام، ولكل من يأتي بعدهم على هذه القضايا.
إذاً، نحن الآن سندخل نتحدث عن المنافقين ابتداءً، ثم سنتحدث أيضاً عن أجواء غزوة أحد. وطبعاً القرآن عندما يسرد قصة أحد هو لا يسردها بتفاصيلها الكاملة، وإنما يسرد مواقف معينة تحتاج إلى تربية وتهيِئة وتنبيه لما وقع فيها من أخطاء، لما وقع فيها من إشكالات، لما وقع فيها من أمور يثنى عليها، فتجد الصورة هنا تتكامل في طريِق طرحها ومعالجتها. يقول سبحانه وتعالى في الآية التي تليها: مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. المنافقون مع أسيادهم من اليهود والنصارى هو تحالف قديم حديث، دائماً النفاق في المجتمعات المسلمة يتحالف مع اليهود والنصارى، هذا ليس شيئاً جديداً في واقعنا المعاصر، بل هو تاريخ يتجدد. فقط يجمعون الأموال، ويصرفون أموالهم ليلاً ونهاراً، ويدخرونها من أجل محاربة المشروع الإسلامي.
فالله سبحانه وتعالى يقول: مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، سواء ما أنفقوه على شهواتهم وملاذهم، سواء ما أنفقوه على محاربة الإسلام والمسلمين، سواء ما أنفقوه حتى في أوجه البذل للإنسانية وما شابه ذلك، كل ما ينفقونه قال: كَمَثَلِ رِيحٍ. الآن هذا مثل مُرَكَّب، الصورة المتكاملة، خذ الصورة المتكاملة، تخيل هناك ريح فيها صِرٌّ وبرد شديد، تمام، برد وصوت، هذه ريح مليئة بالصوت والبرد، أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ، زرع قوم، ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ. هؤلاء المنافقون وأولياؤهم من اليهود والنصارى كما قلنا، يجمعون الأموال بملاذِّ شهواتهم لمحاربة الإسلام والمسلمين، يظنون أن هذه الأموال ستنمو وستحقق لهم السعادة والهناء، الله عز وجل يصور كيف أنه يأتي عليها فييبيد هذه الأموال، يهلكها عليهم ويبيد عليهم، ولا يجدون لها ثماراً يانعة.
كَمَثَلِ رِيحٍ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ، الحرث اللي هو الزرع، الإنسان يتعب في زرعه وسقيه وتنقيبه وإصلاحه، حتى إذا كبر وظن أن، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، ظن أنه يستطيع أن يجني الثمار، إذ بريح شديدة عاتية بطائف يطوف من ربك سبحانه وتعالى على هذا الزرع فيهلكه وينهيه. هكذا حال هؤلاء الذين يسخرون أموالهم من أجل كما قلنا محاربة الإسلام والمسلمين، ويظنون أن هذه المحاربة ستؤتي أكلها، وستوفي في يوم من الأيام يستطيعون أن ينهوا وجود الإسلام والمسلمين، وأنهم يستطيعون أن يُدِوا المشروع الإسلامي، وأنهم يستطيعون أن ينهوا الشباب الصالح المؤمن. يبذلون أموالهم بكل شتى الوسائل والطرق من أجل محاربة الإسلام، حتى إذا ظنوا أنهم وصلوا إلى النتائج المرجوة، إذا ربك سبحانه وتعالى يهلك تلك المشاريع ويبيد، ويخرج لهم من الشباب الصالحين ومن النساء الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يجدد أمر الدين من جديد، فتفشل تلك المخططات.
لاحظ هذا المشهد الجميل، كم دفعوا من أموال ومن دراسات ومن مؤسسات ومن مشاريع، ويسهرون ليلاً ونهاراً يمكرون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو زرعهم، هذا هو بذرهم، فَهُمْ قَوْمٌ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ، حتى إذا ظنوا أنهم وصلوا إلى النتائج المرجوة، أرسل الله سبحانه وتعالى من عباده الموحدين من يبيد تلك المشاريع، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ وبرد أَصَابَتْ ذاك الحرث وذاك التعب الذي تعبوه فَأَهْلَكَتْهُ وقام الاسلام من جديد. هذه حال هؤلاء المساكين، يعيشون هذه الدنيا يريدون محاربة الله ورسوله، والله ورسوله منتصر بإذن الله وبعباده الموحدين، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
الآن الله سبحانه وتعالى يرسل تنبيهاً للمؤمنين يحذرهم فيه من اتخاذ بطانة من المنافقين، وهذا كما قلنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الدولة في المدينة، والانصار بالتحديد الأوس والخزرج كانت لهم علاقات قديمة باليهود، اليهود المقيمين في المدينة، وبدأ بعض اليهود كما ذكر المفسرون، بدأ بعض اليهود يظهرون نفاقاً الإسلام، مما جعل بعض الأنصار يحابي أو يداهن في بعض النقاط. فالله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دونِكُمْ، أي من غيركم، من غير أهل الإيمان، لا تتخذوا بطانة من دونكم. بطانة الشخص هم الملازمون له الذين يستشيروا ويعود إليهم، يشاورهم في أموره الخاصة وفي إدارة وسياسة الحياة. الله عز وجل يحذر أهل الإيمان عموماً والانصار خصوصاً في تلك المرحلة أن يتخذوا بطانة موالين لهم من دونكم، هم ليسوا منكم، وإن أظهروا إظهاراً عاماً أنهم منكم، لكن احذروا هم ليسوا صادقين، ولا يريدون النصح حقيقة للإسلام والمسلمين، هم منافقون سواء من اليهود أو حتى من أذناب اليهود مثل عبد الله بن أبي بن سلول ومن دار في فلكه.
فالله عز وجل يحذر، وهذا هذه فكرة مهمة جداً: أن الإنسان إذا أراد أن يجعل هناك أناس من خاصته يستشيرهم في أمره، أو إنسان وضع على هرم دولة ويريد أن يفكر في صالح هذه الدولة، عليه أن يحذر أن يجعل بطانته من المنافقين، من ارباب الدنيا، من الذين لا يريدون الإسلام، من العِلْمانيين أو الليبراليين أو الحداثيين وما شابه ذلك. كل من لا يريد الإسلام بخير أحذر أن تجعله بطانة لك ومن خاصتك، ممكن تستفيد من خبرات، لكن أن تجعله من خاصة الخاصة لتستشيره في أمر دينك أو دنياك، فهذا خطأ وخلل ينبهنا الله سبحانه وتعالى عليه ويخبرنا: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا.
لَا يَأْلُونَكُمْ يعني لا يقصرون، لا يقصرون في ماذا؟ في خبال، والخبال هو الإفساد. فهو الله عز وجل يقول: هؤلاء إذا اتخذتم بطانة تستنصرون تشيرون، فعليكم أن تعلموا أنهم لا يقصرون، لا يدخرون جهداً في إدخال الفساد عليكم في أمر دينكم ودنياكم وفي أمر مجتمعاتكم ودولكم، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ. شوف الله عز وجل يكشف لنا هذه النفوس وهذه طبيعة القرآن أنه يدخل يستكشف لك النفوس، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، أي شيء فيه عنت ومشقة عليكم يحبونه، فأنت كيف تنصح شخصاً هو يريد عنتك، يريد المشقة، يريد الإفساد، يريد الإخلال؟
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، إذا ركزتم في فلتات ألسنتهم ستجدونهم يبغضون الإسلام والمسلمين، لا يريدون التدين، لا يريدون استقرار حكم إسلامي أو نظام إسلامي أو حالة عامة يسود فيها الإسلام ويحكم فيها الإسلام. تعرفون ذلك، وإن أظهروا: لا، يعني نحن لا نريد نموذج إسلامي، ولكن احنا مش ضد الإسلام، يعني بإمكان الإنسان أن يمارس التدين في المسجد في حياتك الخاصة، لكن نحن نريد ديمقراطية ونريد حالة عامة من النظام العلماني، لا نريد أحد يحجر على أحد، نريد الحرية. هذه الكلمات المخيفة التي تخرج من أفواههم كثيرة اليوم نسمعها تقول: نريد حرية، نريد حرية. الآن ضمن سياق معين مفهوم، لكن هل الإسلام يأتي بالحرية بالمعنى الذي يطرحها فيها العِلْمَاني واللّيبرالي وغيرهم؟ لا، بدنا ننتبه، الإسلام يريد أن يضبط هذه النفوس، وحرية الإسلام هي حرية منضبطة الهدف منها إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، إخراج الناس من عبادة شهواتهم وملذاتهم ونفوسهم الأمارة بالسوء التي تجلب لهم الفساد إلى عبادة الله سبحانه وتعالى.
فهناك عبارات تخرج من أفواههم سبحان الله يقول: نريد حرية مطلقة، لا نريد إسلام أو شريعة، ولكننا مش ضد يعني أن تمارس حياة دينية خاصة. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، يعني إذا ركزت في كلماتهم، فيما يصدر منهم هنا وهناك على منصاتهم على إعلامهم، تعرف أنهم لا يريدون الإسلام، هؤلاء هم المنافقون، هم لا يريدون الإسلام، ومن ركز في لحن قولهم يدرك ذلك، وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، وكرههم للإسلام وللتدين ما يخفون في صدورهم من ذلك أكبر وأكبر. فأنت فلتات اللسان هي تشير إلى كم هائل من كره الإسلام في نفوسهم. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ، يعني الله عز وجل يقول: أنا بينت لكم ونصحت لكم، ثم بعد ذلك أنتم ستدفعون النتائج إذا واليتم واتخذتموه بطانة وكلتم إليهم شأن دولكم وحياتكم، ثم بعد ذلك دفعتم الثمن فلا تلومن إلا نفسك.
إذاً، نصيحة إلهية وتوجيه رباني للمؤمنين في كل زمان ومكان، لكل من ملك أمراً من أمور المؤمنين: أحذر أن تتخذ بطانة من المنافقين، وهؤلاء يعرفون في لحن قولهم وفي سياق أعمالهم وتصرفاتهم، هؤلاء لا يقصرون في إفساد أحوالكم، يريدون العنة والفساد لكم، بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، بعد ذلك ولا ساعة مندم من اتخذهم بطانة سيدفع الثمن.
ما زالت الآية تتكلم عنهم أو الآيات تتكلم عنهم: هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ، يعني ها أنتم يا أهل الإيمان تحبونهم وتحاولون التودد إليهم، وتحاولون تقريبهم، وتشعرون أن فيكم من الطيبة والإحسان أنه احنا ما بدنا نترك أحد، نريد أن نجمع جميع الطوائف، نريد أن نقرب جميع المساحات، ما بدنا أن يبقى في المجتمع أحقاد، فأنتم تحاولون إظهار المحبة وبذل المودة، لكن صدقني أنهم هم لا يحبونكم ولا يريدون مبادلتكم نفس المشاعر. الله عز وجل يقول: هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ، هم لا يحبونكم، لا يريدون لكم خيراً ولا صلاحاً وما شابه ذلك، فلا تكونوا سُذَّجاً يا أهل الإيمان، لا تحاول أنك تظهر طيبة زائدة عن القدر المعقول ويستغفل لك بذلك الكافر والمنافق الذي يمكر للإسلام والمسلمين.
لأنه أحياناً السذاجة الزائدة تكون مصيدة، يصيدك العدو من خلالها يقول لك: والله هؤلاء يعني مشايخ طيبين، والله هؤلاء مجموعة من الناس المتدينين الطيبين يعني بدهم كل الناس يكونوا حبايب وأصحاب و و و، خلينا نستغل طيبتهم لنجرهم إلى مربعات، وهذا خطر جداً. مؤمن بقدر ما عندنا من العدل والإحسان للناس، بقدر ما عندنا من اليقظة والنباهة، ويكفرون ببعض. وهذا هو المفهوم ضمناً من السياق؛ لأنه قال: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ، طيب هم، هم لا يؤمنون بالقران كاملاً، وإنما المنافقون الذين يعيشون بين أظهرنا ياخذون من القرآن من الشريعة ما يوافق أهوائهم، وأي شيء من القوانين الإلهية في العقوبات في الجنايات في المعاملات لا يوافق أهوائهم يتركونه، فهذا فرق كبير بين من يأخذ الشريعة كاملة ومن يريد أن يأخذ من الشريعة ما يوافق هواه.
وهذه وهذا فرق آخر، إذاً الفرق الأول: أنكم أنتم تودونهم وهم لا يودونكم. الفرق الثاني: أنكم تأخذون الشريعة كاملة وهم يأخذون أبعضاً، وإذا لقوكم قالوا.
أمنا. يعني إذا جلسوا معكم، ترى، والله إحنا يعني نحب الإسلام والمسلمين، وإن شاء الله ربنا ينصر هذا الدين. ويتكلم بكلام لأنه هو يبيع كلام في النهاية، هو يدرك أن هذا مجرد كلام يتظاهر به، حتى يتصنع، حتى يأمن على نفسه، حتى يستطيع أن يلج في داخلك وينغمس فيك. لكن إذا جلسوا في مجالسهم الخاصة، والله مطلع على تلك المجالس وشهيد عليها، قال: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ.
إذا جلسوا في مجالسهم، يعضون أناملهم، أطراف أصابعهم، غيظا من وجودكم كحالة إسلامية متمكنة في أي مجتمع من المجتمعات. وإذا خلوا في أماكن اجتماعاتهم وأوكارهم الخاصة، عض الأنامل من شدة غيظهم؛ كيف يكون للإسلام مكنة؟ كيف يكون للمسلمين دولة؟ هذا أكبر ما يغيظ المنافقين، ويغيظ أولياءهم من اليهود والنصارى. فالله عز وجل يقول: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ.
الله عز وجل هو الذي يجيب، هو الذي يتولى الإجابة؛ لأن المسلمين لم يكونوا حاضرين في تلك المجالس الخاصة بالمنافقين. فالله عز وجل تولى الإجابة بنفسه والرد على هؤلاء المنافقين: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، موتوا غيضا وكمدا، فإن المستقبل لهذا الدين، وإن الله سبحانه وتعالى سيعلو المؤمنين رغما عن أنوفكم وعن كيدكم، رغما عن أموالكم التي ترصدونها لمحاربة الإسلام والمسلمين.
سيبقى يخرج في هذه الأمة من الشباب الصالحين من يجددون أمر دينها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعمله في طاعته. مهما كانت المشاريع ضخمة، مهما كانت إعدادات العدو كبيرة، سيبقى هناك طائفة من الأمة على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم. ما زال سورة آل عمران تتكلم عن نفسيات المنافقين: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا.
الحسنة والسيئة هنا بمعنى النعمة والضراء. يقول ربنا: هؤلاء المنافقون إن تمسسكم مجرد مسيس، يعني مجرد أن يصيبكم شيء يسير من الحسنات، أي من النعم بأن فتح الله عز وجل عليكم فتحا، أو أغدق عليكم نعما، أو رزقكم من باطن الأرض أو من السماء، إن تمسسكم أي حسنة وأي نعمة يجددها الله لكم، سيئون بذلك، ويصيبهم غم وهم لأن الله أنعم عليكم.
وإن تصبكم سيئة، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. وإذا أصابت المسلمين سيئة -والسيئة يعني هنا المصيبة- بهزيمة في واقعة من الوقائع، بفقد عظيم من عظماء الإسلام والمسلمين، بجوع، بقحط، بتسلط الكفار علينا، إذا أصابتكم سيئة يفرحوا بها. إذا يفرحون لضرر أهل الإسلام، ويحزنون لسرور أهل الإسلام.
إذا فعلا هم ليسوا منا، ونحن لسنا منهم، حتى ولو كانوا من بني جلدتنا، ولو تكلموا بألسنتنا. هم ليسوا منا، ونحن لسنا منهم، هم من غيرنا، هم ينتسبون إلى اليهود والنصارى، ووضعوا أيديهم في أيديهم. لذلك الله عز وجل، ما أجمل قوله تعالى في توصيف حالهم: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ. هم مش منكم، حتى ولو تدثر بالعروبة، حتى ولو كلموا بألسنتكم، هم ليسوا منكم، وأنتم لستم منهم، هم لأتباعهم ولدهاقنته، لمن يوالونهم ويتولون طعامهم وشرابهم.
لكن احذروا من هؤلاء: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا. طيب، كيف كيف يا رب نتعامل معهم، مع أنهم يقيمون بين أظهرنا ومن بني جلدتنا؟ فالله عز وجل يعلمنا، قال: وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا. هذا هو أساس التعامل مع هؤلاء، هذا هو أساس التعامل: الصبر وتقوى الله سبحانه وتعالى.
المؤمن الذي يتقي الله سبحانه في أقواله وأفعاله، وصاحب الأمر الذي يتقي الله عز وجل في تصرفاته، مع الصبر والتحمل، لا يضرنا باذن الله كيدهم شيئا. طبعا من تقوى الله عز وجل الالتزام بشرع، وهذا أساس تقوى الله. الله عز وجل يامرنا بالصبر والتحمل والالتزام بالشريعة.
طيب، لماذا لم يامرنا الله سبحانه وتعالى باستئصال المنافقين؟ لماذا لم يامرنا بتصفيتهم؟ لأنك لا تستطيع أن تفعل ذلك دوما. النبي صلى الله عليه وسلم، كان المنافقون بين أظهر الصحابه، وكانوا سببا في كثير من المصائب التي وقعت في أثناء مراحل الدولة المسلمة، سواء في غزوة بدر، في أحد، في الخندق، كثير، في تبوك، في كثير، ما كان المنافقون سببا من أسباب مشاكل داخل المجتمع المدني، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ قرار التصفية لهم.
وفي غزوة أحد ستاتي مواقفهم المخزية، النبي عليه الصلاه والسلام لم يتخذ قرار التصفية لهم؛ لأنه يدرك عليه الصلاة والسلام أن الأمور الإعلامية داخل النظام الإسلامي مهمة، وأن القضاء على المنافق في مرحلة معينة قد يؤدي إلى فساد أكبر من النتيجة المتوقعة. لذلك لما بعض الصحابه استاذنوا في قتل عبد الله بن أبي بن سلول، قال النبي صلى الله عليه وسلم -عبد الله بن أبي بن سلول لمن لا يعرفه رأس المنافقين في المدينة- النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يقال إن محمدا يقتل اصحابه.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا استراتيجية في إدارة الأنظمة الإسلامية: سيكون بينكم منافقون، هؤلاء المنافقون ليس من السهل أبدا اتخاذ قرار التصفية، خاصة أن المنافق هو لا يجاهر ولا يظهر في المجالس العامة عداوته للإسلام والمسلمين، وإنما كما قال ربنا في مدارسهم الخاصة، أنت تعرفهم في لحن القول، لكنك باختصار ما مسكت الممسك الواضح العلني الذي تقول إن هذا الانسان خرج عن دين الإسلام، لكنك من تصرفاته تعرف أين قلبه.
فهنا النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن هؤلاء أنت لا تستطيع أن تقوم بتصفيتهم مباشرة؛ لأنه لم يجد الجرم المشهود الذي يعرض على الجهات القضائية بحيث يقتضي إنزال حكم إعدام، وفي نفس الوقت أنت تخشى من الحالة الإعلامية أن ينتشر عند الكفار وعند ضعاف الناس المؤمنين في أصقاع الأرض أن هؤلاء يقتلون أصحابهم، يقتلون أولاد بلدهم، أن هؤلاء وما شابه ذلك.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن التعامل مع النفاق هو تعامل حذر كمن يمشي على الشوك، فانت تحتاج أن تصبر، أنت تحتاج أن تصبر على مكرهم وكيدهم، ولكن هذا الصبر يكون معه ماذا؟ تقوى الله عز وجل، يعني الالتزام والانضباط بأحكام الشريعة الظاهرة والباطنة. إذا نشرنا حالة التقوى في المجتمع والالتزام بالشريعة ظاهرا وباطنا، إذا كنا نحن وصبرنا، فإن الله سبحانه وتعالى سيصرف كيد هؤلاء المنافقين وسيكشفهم ويسحقهم، أو قد ينتهي أمرهم وقد يموتون ويهلكون.
عبد الله بن أبي بن سلول في النهاية مهما كاد للنبي صلى الله عليه وسلم في الاخير مات وألقي جيفة في الأرض، فصرف الله كيده ولو بعد حين. فإذا الله عز وجل يعلمنا منهجا كيف نتعامل مع هؤلاء، لأن قضية الخلاص المباشر منهم لا تكون حلا كما يقول بعض الشباب أنه: طب خلص، يعني نخلص على المنافق ونقتل. لا لا، هي الأمور تكون معقدة؛ لأن هو كما قال: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا.
هم لا يظهرون في الظاهر إلا أنهم من أهل الإسلام، ممكن يصلي معك في المسجد، ويحضر صلاة العيد، وقد يخرج شيئا من الزكاة، وقد يقوم ببعض التصرفات أنت لا تملك ما يسمى الجريمة الواضحة التي من خلالها تستطيع أن تنهي أمره. أمر المنافقين أمر معقد، هو الاصعب حقيقة، التعامل معهم أصلب من التعامل مع الكفار الواضحين من اليهود والنصارى؛ لأن الكافر الواضح هو مواجه، لكن هؤلاء يندس بيننا، ويتكلمون بألسنتنا، بل قد يصلون معنا، ويظهرون أنهم حريصون، لكنهم لا يألونكم خبالا، لا يقصرون أي شيء فيه إفساد للتعليم، للإعلام، للمروءة، إفساد لنا، ما بقصروا، فالتعامل معهم معقد وصعب، وبالتالي نحتاج إلى توازنات كبيرة، نحتاج إلى توازنات كبيرة لنعرف كيف نتعامل مع هذا الصنف.
وهنا ستبدأ الصورة تتكلم أكثر وأكثر عن موقفهم في غزوة أحد، هذا نموذج من نماذجهم. فالله عز وجل يقول: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ، يعني اذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم، واذكروا أيها الصحابة الكرام، في غزوة أحد، كيف كان موقف هؤلاء؟ لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن قريشا اجتمعت من أجل أن تغزو المدينة، يريدون أن يثروا لقتلاهم في بدر.
فالنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة عقد اجتماعا مع رجالات المدينة، من رجالات الأوس، من رجالات الخزرج، من رجالات المهاجرين. طبعا لما يعقد اجتماع كان بعض المنافقين من الحاضرين بطبيعة أن عبد الله بن أبي بن سلول أحد رؤوس المنافقين الكبار هو أحد قادة الخزرج، فحصلت مشورة: هل نخرج لمواجهة المشركين خارج أسوار المدينة، أم نواجههم داخل أسوار المدينة، يعني حرب عصابات داخل المدينة؟
الشباب المتحمس قالوا: يا رسول الله، نريد أن نواجههم في خارج المدينة، نريد حرب مفتوحة وجه لوجه، نريد أن نفعل ونفعل. الكبار وأصحاب الحنكة والحكمة ومنهم كان النبي عليه الصلاة والسلام على رأسهم، قالوا: لا، نحن في النهاية عدد أقل من عددهم، وبالتالي أن نجعلهم يأتون داخل المدينة، نقاتلهم، نحشرهم فيها، القتال سيكون أسهل علينا، نحن نعرف حواري المدينة، وبالتالي يعني حرب العصابات داخل المدينة ستكون أسهل. لكن الأغلب كانوا من الشباب المتحمس، أغلب من ماذا؟ من الشباب المتحمسين، وبالتالي النبي عليه الصلاة والسلام مشى على رأي الأكثر، والأكثر كان يريد الخروج إلى خارج أسوار المدينة لمقاتلة المشركين. فاختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرار، فدخل إلى بيته ولبس لأمة الحرب.
من الذي لم يعجبه الموضوع؟ عبد الله بن أبي بن سلول. عبد الله بن أبي كان من كباره، وكان يرى رأي النبي صلى الله عليه وسلم أننا نريد أن نقاتل داخل أسوار المدينة ولا نريد أن نقاتل خارجها. ما رأى عبد الله بن أبي أن نتيجة الشورى مشت مع رأي الأغلبية هنا وأننا سنخرج للقتال لم يعجبه ذلك، وبدا يكيد. طبعا هو في البداية كما قلت النفاق هو لا يظهر المصادامة التامه والكفر الواضح، وإنما يبدأ يتكلم بفلتات الألسن أنه رد على الصغار وتركنا. شوف أخذ رأي شباب مندفعين متحمسين.
المهم النبي صلى الله عليه وسلم خرج، لبس لباس الحرب، وطبعا اجو الشباب يستسحموا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يا رسول الله، يعني لعلنا أكره هناك على شيء لا تريد. قال: ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يفصل الله بينه وبين عدوه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم لبس لباس الحرب كما قلنا، وبدا يجهز ويضع المؤمنين في أماكن القتال، ويجهز الصفوف والسرايا والرايات.
فالله عز وجل يذكر المؤمنين الآن ببدايات غزوة أحد، يقول سبحانه: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ، وهذا يدل على أنه غدا، والغدو يكون في الصباح. المراد هنا أنك خرجت من أهلك، أي خرجت من أسوار المدينة، خرجت من بين أهلك باتجاه غزوة أحد، وبدات تضع المسلمين وترتب ميمنة، ميسرة، وتضع الرايات والمقدمة والمؤخرة. قال: تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ، يعني ماذا كان ما هو كان الهدف الآن؟ بدا النبـ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة من أهله، خرج من أهله، وبدا ينزل المؤمنين منازلهم في القتال، يعني يرتب الجيش، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما كان يققال بين المؤمنين وبين المنافقين، عليم بكل التفاصيل.
شوف التذييل الجميل: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يعني الله كان يسمع كل ما يققال داخل الجيش المسلم من المسلمين ومن المنافقين، وماذا كل واحد كان يقول لصاحبه في تلك الساعات. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
الآن ماذا حصل؟ عبد الله بن أبي خرج في البداية مع الجيش، كان جيش المسلمين ألفا. عبد الله بن أبي كعادة المنافقين والنبي صلى الله عليه وسلم عم يرتب الجيش ويجهز خارج أسوار المدينة للمواجهة، انسحب بثلث الجيش، انسحب بثلاثمائة، وقال: أنا حقيقة لا أريد أن أقاتل خارج المدينة، أنا غير مقتنع بقراركم. لاحظ كيف: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا، أراد أن يضعف الروح المعنوية، أراد أن يضعف الروح المعنوية للمسلمين، فانسحب بثلاثمائة.
الآن هذا عمل بالتأكيد بلبلة في نفوس المؤمنين، وليس كل المؤمنين على نفس الدرجة العالية من الثبات والرسوخ. فهنا قبيلتان أو فخذان من الأنصار، وهم بنو سلمة وبنو حارثة، فخذان من أفخاذ الأنصار بنو سلمة وبنو حارثة، بدات نفوسهم تراودهم أن يعودوا مع عبد الله بن أبي إلى المدينة. هم من المؤمنين، لكن حصل شيء من الضعف؛ ليه؟ لأن عبد الله بن أبي لعب على قضية الروح المعنوية، أن يثبط أطحـ، لما انسحب بالثلاثمائة جماعته، كما قلت أعود فأقول: ليس كل المؤمنين على نفس الدرجة العالية من الثبات، عمل على إضعاف الروح المعنوية للسبعمائة المتبقية، وهذا فعلا ظهرت نتيجته في ماذا؟ ظهرت نتيجته أنه بنو حارثة وبنو سلمة الروح المعنوية تضعضعت لديهم: ننسحب، لا نكمل مع النبي صلى الله عليه وسلم، ننسحب أو لا؟
فالله عز وجل سجل هذا المشهد، سجل هذا المشهد ليخبر: إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا. الله عز وجل مطلع، وهذا من سمعه وعلمه، أن الله عز وجل راى ماذا حصل في هاتين القبيلتين أو الفخذين، وكيف أرادوا، همت، يعني جاء في خاطرها وفي إراداتها أن تنسحب، لكن الله سبحانه وتعالى ثبت، وهذا فضل واسع منه: إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا.
سبحان الله، وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا هي عظيمة حقيقة، أن الإنسان المؤمن دائما لابد وأن يعتصم بالله في لحظات الضعف. كثير ما نمر في حياتنا إخواني وأخواتي بلحظات ضعف، لحظات تشعر أن الأوراق تلخبطت فيها شوي في حياتك صحيح، تشعر أنك بدك تقدم نحو الالتزام، لكن الشهوات عم تأثرك وبتحاول ترجعك خطوات للوراء، بتجيك لحظات تشعر أنك بدك تصير أفضل، وبعدين بترجع بتشعر لا أنه بدك.
تتراجع، تشعر أن هناك قوة جذب كبيرة للذنوب، للمعاصي، للشهوات، للذكريات، للخواطر. هي قوة الجذب الكبيرة التي للشهوات تحاول أن تصدك، تحاول أن ترجعك، تحاول، وأنت تحاول أن تخطو خطواتك إلى الله، في شيء بده يعيدك إلى الانتكاسة. هنا أنت تحتاج إلى أن تفتقر إلى ربك سبحانه وتعالى. أي والله، والله وليهما.
من الذي يثبت الإنسان في تلك اللحظات الصعبة؟ تلك اللحظات التي تتضع فيها الأوراق؟ الله هو المثبت. لذلك دائماً عليك أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. حقيقة من أعظم الأدعية التي تكسب الإنسان قوة في لحظات الضعف، من أكثر الأدعية التي تكسب الإنسان قوة في لحظات الضعف: لا حول ولا قوة إلا بالله.
لا تستطيع أن تواجه أنت الحياة وحدك بما فيها من الشهوات والمغريات والملهيات، وبما فيها من الأمور المضض، بما فيها من كثرة أهل الباطل، وكثرة الزخرف، وكثرة الإغواء، وشدة الوساوس. تشعر أنك في لحظة معينة ستنهار، أنك في لحظة معينة ستتراجع، أنك في لحظة معينة ستنسحب من الصف المسلم، ستنسحب من الحالة الإيمانية.
هنا أنت تحتاج إلى: لا حول ولا قوة إلا بالله. والله وليهما. الله هو الذي تولى بذاته المقدسة، تولى تثبيت هاتين الطائفتين. إياك أنك تنسى هذا الدرس. يعني دائماً لما أعود فأقول: الله عز وجل لما يتحدث لنا عن سوء، عن غزوة من الغزوات، ويتحدث لنا عن مواقف معينة حصلت، يريد منا أن نشاهد الحضور الإلهي فيها. في الغزوات هناك أمور معينة تحصل، احنا ربما كثير من الصحابه ما كانوا منتبهين لما يحصل في بني حارثة وبني سلمة، صحيح؟
يعني يعني بصدد احنا في معركة وغزوة، وهناك ميمنة وميسرة، بجوز ما حدا فاضي لحد خلينا نحكي، يعني الكل يتجهز للمعركة، لكن الإله كان حاضراً سبحانه وتعالى سميع عليم. فالله عز وجل يخبر الصحابه أن هناك طائفتان كادت أن تخذل وتتراجع، لكن هناك من ثبت، هناك من ثبت لأن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نزداد يقيناً بحضوره عز وجل.
أحياناً الإنسان يظن أن الحياة المادية هي التي تحكم العالم، وأن الأمور فقط بالأسباب، وينسى حضور الله سبحانه وتعالى في كل التفاصيل، وتدبير الله عز وجل لكل الدقائق والامور. فالله عز وجل ينبه: والله وليهما. إن كانوا بإمكانهم في لحظة معينة تسقط الهمم ويعودوا، لكن هناك من ثبت؛ حضر الله سبحانه وتعالى وهو شهيد حاضر في كل التفاصيل دوماً. وهذه عقيدة يريد الله سبحانه وتعالى أن يثبتها في قلوبنا. قال: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
دائماً وكل أمرك إلى الله. المؤمن هو الذي يوكل أمره إلى الله في السراء والضراء وفي الشدائد والصلح. الذي لا يعرف عبودية التوكل على الله يفشل. الذي لا يعرف عبودية التوكل على الله خاصة في المضائق والمصاعب والشدائد يفشل. لابد من تحقيق هذا المعنى في القلب. ثم الله عز وجل يريد أن يثبت الصحابة أكثر وأكثر، فذكرهم بذكريات بدر.
يعني لسه في غزوة أحد، أنتم في عم تستعدوا، في استعدادات وعارفين في مواجهة بدر، غزوة حصلت بدون استعداد مسبق. أنتم خارجون أو كنتم خرجتم من أجل قافلة، إذا بالقافلة تذهب، وإذا معركة تحصل على غير استعداد أو توقع لها، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ. الصحابة ما كانوا أبداً متوقعين أن خروجهم لقافلة أبي سفيان سينتهي بغزوة بدر العظمى التي فرق الله فيها بين الحق والباطل. لكن الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل يدبر الأمور من عنده، وهنا ينبههم أنه يعني تثبيتي لكم في غزوة أحد هو شبيه بتثبيتي لكم في غزوة بدر.
فتذكروا غزوة بدر، هل كنتم أصلاً من البداية؟ هل كان هناك تخطيط لمواجهة صناديد كفار قريش؟ أبداً ما كان في أي تخطيط من النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة لمواجهة صناديد كفار قريش في بدر. كل الموضوع كان هو قافلة لأبي سفيان أرادوا رصدها والإجهاز عليها، وأخذ ما فيها من الأموال، إذا بالقافلة تذهب وإذا بمعركة عظمى تحصل بدون أي تخطيط مسبق، وبدون أي تدبير من الصحابة. لذلك كثير من الصحابه من الأنصار لم يحضر غزوة بدر، ليه؟ لأنه هو ما كان أصلاً يعرف أنه في غزوة.
كثير من الصحابة لم يحضرها لأنه لم يكن يعرف أنه في هناك غزوة. هم فقط كانوا متوقعين النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى قافلة، يأتي بالمال ويعود، إذا بمعركة كبرى من معارك الإسلام فاصلة، ينتهي فيها أبو جهل وعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن شيبة. معركة يسقط فيها الصناديد والرجال الأشاوس كفار قريش، صرعى في قليب بدر.
من الذي دبر لهذه الغزوة؟ ومن الذي أتى لكم بالنصر العظيم فيها بدون أي تخطيط مسبق منكم؟ هو الله. فهنا الله عز وجل يثبت القلوب، يخبرهم أنه أصلاً كل غزوة بدر أنا ثبتكم فيها وأعنتكم فيها ونصرتكم فيها بدون أي استعدادات مسبقة. ثم كم كان عددكم؟ ثلاث مئة وأربعة عشر. العدو كم كان عدده؟ ألف. ومع ذلك كان انتصار باهر: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ. أذلة، ثلاث مئة وأربعة عشر يعني عدد قليل، وباستعراض بالعدد الكبير.
طيب، فاتقوا الله، اذكروا الله، خافوا الله سبحانه وتعالى، لا تعصوا أمره، لا تعصوا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، استمعوا التعليمات واتبعوا التوجيهات وسيروا، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يأمركم إلا بما هو خير لكم. طيب، فاتقوا الله لعلكم تشكرون. ولاحظ بين التقوى والشكر: فاتقوا الله لعلكم تشكرون. كأن تقوى الله عز وجل باجتناب معاصيه، باتباع شرعته، بامتثال أوامره، هو شكر له على نعمه الظاهرة والباطنة.
فاتقوا الله، لعل هذه التقوى ولعل في القرآن كما قال الأخفش وكثير من أهل العلم، ليس المراد بها مجرد الرجاء بل هي حقيقية وحتمية، فهي مش ليس مجرد بلعل يعني ممكن تشكره، لا قالوا هي حتمية يقينية للسببية. فتقوى الله سبب لشكره، فتقوى الله سبب لشكره. إذا أردت أن تشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة، عليك أن تتقيه في قلبك ولسانك وجوارحك، عليك أن تبتعد عما يغضبه في قلبك ولسانك وجوارحك، عليك أن تمتثل شريعته ظاهرا وباطنا. هكذا تحقق الشكر لله على نعمه الإسلام وعلى كل نعمه الظاهرة والباطنة.
فالله عز وجل يقول للصحابة: تريدون أن تشكروا الله على ما أعطاكم إياه من النصر العظيم في بدر؟ تريدون أن تشكروا الله على ما حباكم به من الإيمان والإسلام بعد أن كنتم متفرقين مشركين ضائعين؟ شكر الله يكون بامتثال شرعته وامتثال أمر نبيه وهديه صلى الله عليه وسلم: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بִخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوَّمِينَ.
اختلف المفسرون، هل هذه الآيات تتكلم عما حصل في بدر؟ أم تتكلم عن وعد وعد به النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في أحد؟ في خراب بين المفسرين. البعض يقول أن هذا تذكير لهم بما حصل في بدر، الآن هم في أحد وفي الاستعدادات هي يذكرهم بما حصل في بدر، فيقول لهم: تذكروا إذ تقول لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم ألن يكفيكم، يعني ما بيكفي ينزل ثلاثة آلاف ملك من الله سبحانه وتعالى منزلين؟ منزلين يعني حاضرين أمامكم يشاركونكم في المعركة.
فهو هم الآن في غزوة أحد، لكن يذكرهم بمشاركة الملائكة لهم في غزوة بدر. طبعا علماء السير، علماء السير ماذا يقولون؟ علماء السير يقولون إن الملائكة لم تقاتل في غزوة من الغزوات إلا في بدر، أما في سائر الغزوات الأخرى فقالوا: الملائكة حضرت لكن لم تقتل في القتال. يعني غزوة بدر حالة استثنائية، الملائكة شاركت فيها بالقتال، باقي الغزوات الملائكة حضرت لكنها لم تشارك في القتال.
ومن هنا، كما قلنا، كثير من المفسرين قالوا إن هذه تذكير للصحابه في غزوة أحد بما حصل معهم في بدر، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في يوم بدر: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ حاضرين معكم، منزلين بين أيديكم يشاركونكم في المعركة. فقضية أنهم منزلين هو تاكيد للحضور. المنزلين يعني تاكيد أنه ايش نازل معك عم بارك معك في المعركة.
يقول: بلى، لا يعني يكفينا. فكان الله عز وجل هو الذي تولى الإجابة. يعني ثلاثة ملايين ثلاثة آلاف من الملائكة بيكفوا، وبل ربما ملك واحد منهم يكفي. لكن هذا الرقم ثلاثة آلاف كان الهدف منه تثبيت قلوب الصحابه في غزوة بدر، كان الهدف تثبيت قلوب الصحابة، فإذا كان عدد المشركين ألف، أنا بجيب لكم ثلاثة آلاف يعني ثلاث أضاعفهم، بلى.
ثم يعدهم وعداً أعلى زيادة لتثبيته، لأنه ورد في القصص أن الصحابة في غزوة بدر تخوفوا أن يأتي للكفار مدد. قيل إن الكفار كفار قريش كان سياتيه مدد من أحد رجالات هوازن أو ثقيف اسمه كرز أو مكرز -يعني نسيت الاسم- فالصحابة بدأ الخوف يعني ياتي في قلوبهم أنه هل كفار قريش سياتيهم مدد، وهل ستساعدهم هوازن وثقيف على قتالنا؟
فلما وقع شيء من يعني الخوف البشري الطبيعي في قلوب الصحابة يوم بدر، الله عز وجل زاد لهم العدد ليزدادوا ثقة، فقال لهم: إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا. لاحظوا دائماً الصبر والتقوى هي مفتاح الفرج إخواني. وهنا سيدنا يوسف عليه السلام يذكرنا أيضاً بهذين المبدئين لما قال لإخوته بعد أن طال البلاء وحان وقت كشف القضية: أَنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
دائماً احفظوا هذه المعادلة. الله عز وجل ذكرنا فيها قبل قليل في التعامل مع المنافقين في الآية السابقة: وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرَّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا. وهنا مرة أخرى يذكرنا بوعده: إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا. فالاقتصار والتقوى كثير في القرآن ليدل لنا على أن مفتاح الفرج، مفتاح الفرج في قضايا الأمة العامة والخاصة، مفتاح الفرج في حياتك هو أن تجمع بين الصبر والتقوى.
صبر على أقدار الله سبحانه وتعالى ورباط جاش وتحمل، مع تقوى التمسك بالشريعة ظاهراً وباطناً. من تمسك بالشرع فاجتنب المحرمات والتزم بالطاعات وصبر على مراد الله وأقداره، سياتيه الفرج ولو بعد حين. وشوف يوسف عليه السلام، هذا نموذج لإنسان وقع في بلاء شديدة على مستوى حياته الخاصة، ثم بعد ذلك أصبح سيد مصر، وانقلبت تلك المصائب والحياة والشدائد إلى فرج وراحة وسعادة، فقالها لإخوته: أَنتَ يُوسُفُ ۖ قال أنا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي.
إخوته اندهشوا، معقول يوسف الذي رميناه بالبئر هو الآن سيد أسياد مصر؟ قال: أَنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ. من اتقى الله في السر والعلن، وصبر على أقدار الله، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. وكذلك هنا في المجتمعات، إذا أراد أي مجتمع مسلم أن ينهض، عليه أن يتمسك بالصبر والتقوى: وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرَّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا.
وهنا في غزوة بدر لما قال لهم: إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وتلتزموا بالشريعة ظاهراً وباطناً، وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا، ويأتيكم مثلاً، يأتوكم أي كفار قريش بأمداد، إذا صبرتم وجاءكم كفار قريش من فورهم هذا بمدد وتكاثر العدد عليكم، أنا أنزل عليكم خمسة آلاف من الملائكة مسومين. يعني العدد كان ثلاثة آلاف ملك، سيصبح خمسة آلاف ملك.
وهذا كله تثبيت من الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرى الصحابة في غزوة بدر كانوا متوجسين متخوفين، كما قلنا أن غزوة بدر حصلت من دون أي استعداد أو تخطيط مسبق، فكانوا الصحابة محتاجين لرفع المعنويات. فالنبي عليه الصلاة والسلام أول شيء قال لهم ثلاثة آلاف، بعدين لما شاف برضه الصحابة ضعضعوا شوي لما سمعوا أن هناك مدد سيلحق بكفار قريش، الله عز وجل قال لهم: اصبروا واتقوا، يعني قل لهم: إذا صبرتم واتقيتم يصيروا خمسة آلاف ملك.
وهؤلاء الملائكة سينزلون مسومين يعني معلمين، والمسوم هو المعلم الذي وضع علامة على نفسه قديماً. العرب شجعان وفرسانهم إذا كانوا يشاركون في المعارك، يضعون ريشة إما على رؤوسهم، أو يضعون ريشة على صدورهم للدلالة على أنه فارس صنديد. فالله عز وجل قال للصحابة: سانزل لكم خمسة آلاف ملك، كلهم معلمون، معلمون دلالة على أنهم شجعان، يعني رهيبين في القتال.
طيب، من الذي فعل هذا؟ من الذي ثبت قلوبكم في غزوة بدر؟ هو من هي من ولاية الله لعباده المؤمنين. فلاحظ هنا: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. من الذي ثبت؟ والله وليهما. في غزوة بدر لما خفتم وتضعضعتم، من الذي ثبت؟ من الذي أنزل الملائكة من الله سبحانه وتعالى؟ هو الذي ثبت.
وقضية ذكر الملائكة هنا ياتي التربية الإيمانية على: حتى الملائكة وهي من جنود الله ما بدي اياكم تتعلقوا فيهم. حتى الملائكة وهم من جنود الله لا اريدكم أن تتعلقوا بهم، بل عليكم أن تتعلقوا بالله، وأن تعلموا أن النصر ليس من عند الملائكة، إنما هم اسباب لتقويه قلوبكم. وإلا: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ. فقال عز وجل: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ، تبشير بأن الملائكة ستقاتل معكم في بدر هذه بشارة.
ليس المراد أن تعتمد قلوبكم في القتال على الملائكة، بل المراد منها تخفيف حالة الرعب والخوف التي دخلت عليكم: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ. أبداً، لا ملك ولا ريح ولا أي شيء يأتي بالنصر إلا الله سبحانه وتعالى، وإنما هذه أسباب وجنود أؤيد بها.
طيب، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. طب وهنا قال سبحانه وتعالى عن فائدة القتال والمناضلة بين
المسلمين والكافرين، ولماذا الله سبحانه وتعالى شرع قتالهم، فقال: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ. ليس لك من الأمر شيء؛ جملة اعتراضية: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ. الله عز وجل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، يخبر الصحابة عموماً، عن سنة الله عز وجل في نتائج المعارك، فقال سبحانه وتعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
عندما ينصر الله سبحانه وتعالى المؤمنين على الكافرين، تحصل هناك عدة مقاصد أو عدة مصالح، وهي أربعة شملها الله سبحانه وتعالى في هذ- في هاتين الآيتين. عندما ينتصر المؤمنون على الكافرين، الذي يحصل كالتالي: أولاً، ينقطع طرف من الكافرين؛ يعني يهلك عدد من رؤوس الكفر ومن رجالات الكافرين، قال: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. هذه أول فائدة من فوائد المواجهة بين الحق والباطل بالسلاح، ومصادقة المجاهدين المؤمنين للكافرين المحاربين، أولاً أن ينقطع طرف منهم؛ يعني أن يهلك طرف، أي قسم من رؤوسهم ومجرِميهم وفرسانهم.
أو يكبتهم؛ والكبت هنا هو الغم والهم والخوف والرعب، قال: فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ. الحال الثاني: أن القسم الآخر الذي لم يقتل على أيدي المسلمين، يصاب بغم وهم ورعب وخوف، فينقُلِب خائباً بعد أن كان مستشرياً لحرب الإسلام والمسلمين، عندما يرى ما حصل لإخوانهم- عندما يرون ما حصل لإخوانهم من القتل، فإن الطرف الآخر سيعود أدراجه مهموماً، مغموماً، حزيناً، خائباً، منقلباً على عقبيه بعد أن رأى هزيمته على أيدي الموحدين.
ثم قال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. يعني في النهاية يا محمد صلى الله عليه وسلم، هذه جملة معترضة؛ أن لسه ما اكتمل السياق، هو: لِيَقْطَعَ طَرَفًا، أَوْ يَكْبِتَهُمْ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ تمام؟ فتأتي هذه الجمله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. بعض المفسرين يقول: ليس لك من الأمر شيء؛ هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى ويرجو أنه لو قتل المشركين جميعاً في غزوة بدر، فالله عز وجل يقول له: يا محمد صلى الله عليه وسلم- وإذا كان الكلام له فنحن حري بنا أن نسمع لأن الخطاب له خطاب لأمته-: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. يعني نتائج المعارك وما يقدره الله سبحانه وتعالى من أمور بعدها، هذه من أمر الله، وليس لكم أنتم أيها البشر أن تتدخلوا في أقدار الله وفي نتائج المعارك، فتقول: لا يا رب، ما أعطيتنا أن نقتل جميع الكافرين، لماذا لم يا رب تجعلنا نستأصل كلهم في غزوة واحدة؟
الله عز وجل لا يريد أن يستأصل الكفار في غزوة واحدة، الله لا يريد أن يستأصل الكفار في غزوة واحدة. لماذا؟ لأن هناك أموراً قدرية أنتم أيها البشر تعجزون عن الإحاطة بها وفهمها في فلسفة أقدار الله. أنا أتيكم يا عبادي الموحدين على مقاتلة الكافرين، وأكتب لكم النصر عليهم في جولات وجولات، لكن نتائج المعارك وبعد الانتصارات الأمر لله، والأقدار التي ستأتي هي كلها بتدبير الله. فهناك قسم من الكفار قدر أن يهلكوا، وهناك قسم من الكفار لا أريدهم أن يهلكوا، وإنما أريدهم أن يكبتوا ويصابوا بالهم والغم والحزن وينقلبوا خائبين، وهناك قسم من الكفار أريد أن يتوبوا ولو بعد حين، وهذا ما حصل؛ فإن كثيراً ممن شهد غزوة بدر من الكافرين وكان في صف الكافرين، أسلم بعد ذلك وكان من كبار المؤمنين.
فليس ال- يعني نحن ليس لنا أن نتجرا على الله أو أن نسيء الأدب مع الله ونتمنى الأماني، ونقول: يا رب نريد أن نهلك جميع الكافرين، وإذا لم تحصل لنا في نتائج الغزوات ما نريد اعترضنا على الله وبدانا يعني نتلون ونتمنى على الله الأماني. لا، أنا أتيكم يا عباد الموحدين على الكافرين، لكن ماذا سيحصل في الكافرين؟ وكيف سيكون القسم فيهم؟ هذا من شأن الإاله. فهناك قسم كما قلنا نقطعهم ونبيدهم، وهناك قسم قدر عليهم أن يكبتوا وينقلبوا خائبين، وهناك قسم أريد أن أتوب عليهم، أريدهم أن يروا هزيمتهم ليكون ذلك داعياً إلى أن يراجعوا اوراقهم وحساباتهم فيتوبوا ويعودوا، ويكونوا في يوم من الأيام- بعد أن كانوا في صف الكافرين وفي مواجهتكم- يكونوا من رجالات المؤمنين الأشاوس.
وهذا وقع لكثير من صناديد المشركين في غزوة في غزوة من الغزوات، يعني كثير منهم شاركوا في غزوات بدر أحد، ثم أصبحوا بعد ذلك من أهل الإسلام. خالد بن الوليد مش شارك في غزوة أحد، بل كان هو سبب المقتلة التي حصلت في غزوة أحد، لكنه بعد ذلك أحد فرسان الإسلام. أبو سفيان بن حرب هو زعيم المشركين في غزوة أحد، ثم بعد ذلك أصبح أحد فرسان الإسلام، وقصة أبو العاص بن الربيع زوج زينب، وغيرهم من رجالات قريش الذين كتبت لهم الهداية واصبحوا من فرسان الإسلام بعد ذلك.
طيب، قال: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. هذه القدر الثالث. القدر الرابع والأخير قال: أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ. أو يعذبهم، ما قال علماء؟ هناك قسم رابع يريد الله سبحانه وتعالى أن يهلكهم بعذاب آخر، نجى من المعركة، لم تستطيعوا الإجهاز عليه في المعركة، لأن الله ادخر له عذاباً آخر يريد أن يعذبه به لحكمة أخرى، قد يكون عذاب نفسي، قد يكون عذاب جسدي، قد تكون مصيبة من المصائب، أنتم لا تعرفون القدر، فدعوا القدر للإله إذن. وما النصر إلا من عند الله، وهذا النصر يأتي لِيَقْطَعَ طَرَفًا، أَوْ يَكْبِتَهُمْ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ. فالنتائج هذه ليست لكم أنتم أيها الموحدون، افعلوا ما هو مطلوب منكم من الجهاد والقتال والمدافعة، وأما نتائج الغزوات والمعارك فهذه من أقدار الله سبحانه وتعالى.
هنا يقول سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ. وهذا تقرير لفكره أنك يا أيها الموحد، أنت تبذل ما هو مطلوب منك من المدافعة للكافرين، لكن بعد ذلك من الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض؟ وإذا كان يملك ما في السماوات وما في الأرض، فمن باب أولى أنه يملك قلوب العباد، ويملك هذا الكون بمجرياته وما يحصل فيه من مدافعة. فنحن جند الله وننفذ أوامر الله ونصبر ونتقي وننتظر النتائج التي يريد الله أن تتحقق ونسلم لله ونسلم لله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. كانها هي تدعوك للتسليم، خلص، سلم لمن لمن في يده ملكوت السماوات والارض، لا تناقش في أقداره، لا تقل: لماذا يا الله؟ لا تناقشوا في أقداره، اصبروا واتقوا وانتظروا الفرج، هذا المطلوب منا في محاربتنا للكفار والمشركين وفي مدافعاتهم مع أهل الباطل.
والله عز وجل يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ، حتى هؤلاء الكفار الذين تواجهون، فإن كثيراً منهم أريد أن أكتب له التوبة، نعم، هو الآن في صف الكفار، غداً قد يكون في صف الموحدين. وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ بأيديكم وبدون أيديكم؛ يعني يعذبهم إما بأيديكم ويشف صدور قوم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم كما جاء في سورة التوبة، أو يعذبهم بعذاب آخر من عنده، كل شيء بمشيئته، وهذه المشيئة القدرية التي تحكم هذا الكون.
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وشوف كيف غلب جانب المغفرة والرحمة على جانب الغضب والانتقام، لأن هناك كثيراً من الأمور يسلطها الله على الكافرين لتكون سبباً في توبة كثير منهم، لتكون سبباً في توبة كثير منهم. ليس لنا أن نتألى على الله أيها الكرام، الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نقوم بوظيفتنا الدعوية والإصلاحية، وأما الكفار فالله عز- هم أيضاً نفوس بشرية يريد الله أن يمهل لهم، لأن بعضهم ستكتب له التوبة وستكتب له الهداية ولو بعد حين.
أنت لأنك نشأت في الإسلام والخير والهداية، فاحمد الله، احمد الله، ولا تكن سيفاً مسلطاً على الإنسانية تريد أن تبيد كل من ليس مسلما،ً لأن هناك أيضاً بشر الله يريد أن يعطيهم فرصة، ويريد أن يمهلهم حتى يتوبوا حتى يعودوا، فهي رحمة التي سبقت غضبه سبحانه وتعالى. نحن بشر عندنا دفاع، عندنا قصور، نريد النتائج السريعة، نريد أن ننهي الأمور، لكنه هو إله، هو رحيم، هو غفور، هو يريد أن يتأنى حتى بالكافر والمشرك، لأن كثيراً من الناس لم تنشأ في ديار الإسلام، نشأت في بلاد الصلبان، وفي بلاد اليهود، وفي بلاد الفرس، وفي بلاد الهند، فالله سبحانه وتعالى يتأنى بالبشر، يرحمهم، يعني يأخذ بأيديهم حتى باللوى، حتى بتسليط المؤمنين عليهم، يأخذ بأيديهم لعل كثيراً منهم يتوب، وهذا حصل فعلاً، نحن لا نتكلم عن قصص، نتكلم عن واقع، أن كثيراً من المشركين قاتلوا الإسلام وكانوا في صف الكفار، وفي يوم من الأيام كانوا معنا إخواناً وكانوا معنا في هذا الطريق.
بالتالي ما ينبغي للإنسان أن يتدخل في تصريف الله للأمور وفي نتائج الوقائع. هذه مهمة الآن السورة من آية 31 هنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً، حتى الصفحة التي تليها 136، يعني هنا في سبع ثمان آيات كثير من المفسرين تحيروا في موضعها، لأنها خرجت عن سياق غزوة أحد؛ تكلمت عن الربا، تكلمت عن ضرورة المسارعة إلى الله، عن ضرورة التوبة وسؤال الله المغفرة من الذنوب، وبعدين رجعنا إلى أجواء غزوة أحد، عدنا إلى أجواء غزوة أحد بعد ذلك في آية قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ. هذا بيان للناس.
فطاهر بن عاشور مثلاً في التحرير والتنوير يقول: هذا يعني ليس شرطاً أن يكون هذا المقطع من عند قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً، إلى قوله: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ، ليس شرطاً أن يكون له علاقة بغزوة أحد بالتحديد أو تكون له مناسبة في غزوة أحد، فإن القرآن كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً منجماً على 23 عاماً، فلعل هذه الآية- فلعل هذه الآيات نزلت في موطن من المواطن، وفي موقع من المواقع، وفي زمان من الأزمنة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها في ثنايا غزوة أحد.
ولكن وإن كان يعني كلام الطار بن عاشور في النهاية نعم واضح ومنطقي، أنه ليس شرطاً أن تكون هناك مناسبة علنية بين موضوع تحريم الربا: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً، وبين موضوع غزوة أحد، لكن حقيقة وضع هذا المقطع في منتصف الكلام عن غزوة أحد لا بد أن يكون له مناسبة. يعني أنا لا اتفق مع قضية أنه لا يشترط أن يكون له مناسبة، أقول: لا بد أن يكون له مناسبة، لكن قد يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها، يعني هي من المناسبات الخفيه حقيقة، لذلك أشكلت على كثير من العلماء.
لاحظ أنه هي ما مناسبة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً، ونحن نتكلم في خضم معركة أحد وتذكير الله للمؤمنين بما حصل في غزوة بدر وما شابه ذلك؟ كما قلت، البعض أشكلت عليه فاختار خيار أنه لا يشترط أن تكون هناك مناسبة واضحة، وإنما هو مقطع نزل في فترة من الفترات وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعه في هذا المكان من سورة آل عمران.
وهناك مساحة كما يقولون أيضاً للفكر الإيماني، يعني الإنسان لو فكرت من باب التدبر وليس من باب اليقين: هل هناك مناسبات تجدونها في نفوسكم من ذكر الربا وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ، وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ؟ يعني الكلام عن المسارعة إلى المغفرة وكيف أن المؤمن يستغفر الله سبحانه وتعالى وما شابه ذلك، يعني هي في مساحات كبيرة للتدبر.
أقول من المعاني، يعني من المعاني التي قد تظهر في هذا السياق: أنه سبحانه وتعالى لما تكلم عن مغفرته للكافرين- مغفرته الكافرين أقصد أنه يتيح لهم التوبة، يتيح لهم التوبة والعودة إلى الله في قابل الأيام، فبالتالي ليس كل الكفار يهلك على يد المؤمنين، بل الله عز وجل يعطيهم فرصة حتى ولو هزموا، يعطيهم فرصة لعلهم يتوبوا-. ذكر المسارعة إلى التوبة والمغفرة عموماً يعني: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فكما يقول: الشيء بالشيء يذكر، لما ذكر أنه يوفق بعض الكافرين ليتوبوا ويدخلوا في صف الموحدين، دعانا جميعاً أن نسارع إلى هذه المغفرة والتوبة من الذنوب والمعاصي، وليس فقط من الكفر، بل حتى من الذنوب والمعاصي، وأخبر عن هؤلاء الذين إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ.
طيب، ستبقى قضية لماذا ذكر الربا ابتداءً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً؟ الآن الربا كان منتشراً عند اليهود، الربا كان منتشراً عند اليهود في المدينة وعلموه للأوس والخزرج قبل مجيء الإسلام، وبالتالي كان كثير من المؤمنين قبل مجيء الإسلام يتعاملون بالربا، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يحرم عليهم هذا الشيء وأن ينهاهم عنه، فقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً.
طبيعة الربا، سبحان الله، شوف هذا التعبير القراني، أن من اعتاد على الربا عشقه وتعلّق به، ليه؟ لأن الربا يحصل للانسان الربح السريع بدون تعب ولا جهد، فبالتالي يصبح يحب أن يضاعف ربحه من خلاله أضعافاً مضاعفة، يعني الذي يربح من خلال الربا هو يربح من دون أي عمل أو جهد أو إنتاج حقيقي لسلع وبضائع، وإنما بعطيه عشرة بترجع له عشرين، بعطيه عشرين بترجع له خمسين، بعطيه خمسين بترجع له مئة، فتصبح شهوة ولذة للإنسان تنسحب قدمه إليها أنه شايف كيف مبلغ من المال بدون أي تعب ولا جهد ولا إنتاج ولا شركة ولا مؤسسه، أعطيته دين أو قرض أو شيء جاب.
لي مبلغ أعلى وأنا مرتاح وجالس في البيت، وما فيش أي تعب. فمشكلة الربا أن رجله بتنسحب، كما يقولون، لذلك المرابي تجده يعشق الربا لما فيه من الراحة مع الربح السريع، ما في تعب في البدن وربح سريع، فتبدأ تتضاعف ثروته من خلاله، ثم سبحان الله يمحق الله الربا، ثم لا يجد بركة ولا شيء وتتوالى المصائب عليه في حياته. فلذلك الله عز وجل يحذر المؤمنين من هذه المعصية ومن هذه الخطيئة، فيقول لهم: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً. إنما ذكر هذا القيد ليخبر أن طبيعة الربا أنه يتضاعف في عين صاحبه ويصبح يطمع ليضاعف أكثر وأكثر وأكثر لما يجد فيه من سرعة الربح، راحة الربح، كثرة الربح، ولكنه يؤدي إلى تدمير المجتمع المسلم، لأن الربا يقوم على فكرة أن المال يولد مالاً، وأنك تربح المال من خلال المال دون أن يكون هناك سلع تنتج ومؤسسات تقوم وتوظيف لقوة عاملة.
وبالتالي أكثر شيء يمحق بركات المجتمعات الربا، لأنه يخالف مقصد الله سبحانه وتعالى من عمارة الأرض. الربا يصطدم مع مفهوم عمارة الأرض، الله يريد من البشر أن يعمر الأرض بالمنتجات، بالمؤسسات، بإنتاج قوة عاملة، بإنتاج سلع وخدمات، حياة اقتصادية حقيقية تتوافر فيها صلاح الأرض. الربا هو فقط مال يربحك مالاً، لا مؤسسات قامت ولا شركات ولا رؤوس أموال عملت أو وفرت فرص عمل لعاملين، لم تتحرك عجلة الاقتصاد في المجتمع أبداً. ولذلك هذه خطيرة فكرة الربا وفكرة حتى العملات الرقمية والفوركس وغيرها من الأشياء التي ينكب عليها الشباب اليوم، لأنه هي أصبحت فقط المال يولد مالاً، وأنا دائماً أنصح: ابتعد عن الربح بهذه الطريقة، ابتعد أن تجلس في بيتك بدون أي انتاج ولا مصلحة ولا منفعة للإسلام والمسلمين، فقط تريد الربح السريع الهادئ بدون تعب وإنتاج معرفي ولا شيء، فقط أضع مالاً يجيب مالاً. طب مين بده يعمل منتجات وسلع وخدمات ومؤسسات؟ من الذي سيوفر فرص عمل لأصحاب الدخل المحدود؟
الربا وطريقة الربح المال مقابل مال هي ستحدث أن الغني يزداد غنى يعني اللي معاه مال يزداد غنى والفقير يزداد فقراً، وهذا شيء يخالف مقصد الله سبحانه وتعالى في التوزيع العادل للثروات. الأصل أن ماشي أنت كغني ربح ونمي ثروتك، دون الانتباه أن لك إخواناً في المجتمع فقراء ليس لديهم القدرة على التبادلات المالية كما يوجد لديك. فالأصل أنه أنت اربح أيها التاجر المسلم ونمي ثروتك، لكن وأنت بتنمي فكر في ناس معك في المجتمع فقراء ضعفاء ما عندهم سيولة مالية محتاجين أنك توظفهم في أعمال مهنية وخدمات وحياتية، فالفقير يجد لقمة العيش ويجد الحياة الكريمة، وأنت كغني نميت ثروتك من خلال هذه المشاريع والمنتجات وإشراك الفقراء وتوفير اليد العاملة، جابوا لك ربح، وبالتالي الربح يعني حقق لك الحياة التي فيها رفاهية.
إحنا لسنا ضد أن تحصل المال والربح، لكننا ضد أن تكون جشعاً لا تفكر إلا بمصلحتك أنت وربحك أنت، ويبقى إخوانك من الفقراء والمساكين في حالة يرثى لها لأنه ما في أحد يريد أن يقيم لهم مؤسسات ومشاريع ومنتجات، الكل يفكر فقط بنفسه، الكل يفكر بكيف أنا اربح بأسهل الطرق بأسرعها وأنا مستريح واللي معوش مصاري مش محتاج. هل هكذا هي فلسفة الإسلام؟ بالتأكيد لا، الإسلام يقوم على التوزيع العادل للثروات وعلى ضرورة إقامة المشاريع والمنتجات. فلذلك الله عز وجل دائماً يحذر من خطيئة الربا، الربا دمار للمجتمعات: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. لأن الذي يقع في الربا ويقع في الكبائر ويسقط في نار جهنم والعياذ بالله، حتى ولو لم يكن كافراً يعذب في نار الكافرين وهي نار مؤلمة نار شديدة. إيش اللي جابرك أن تسقط في النار من أجل متاع الحياة الدنيا؟
قال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وأطيعوا الله ورسوله، طاعة الله ورسوله فيها من الرحمة وفيها من الخير وفيها من البركة الشيء الكثير. الالتزام بشرع الله والالتزام بمنهج الإسلام هو الذي يحقق للمسلم السعادة في الدنيا والآخرة. ثم قال سبحانه وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
هنا في هذا المقطع يأمرنا الله سبحانه وتعالى بالمسارعة، يأمرنا الله عز وجل بالمسارعة إلى المغفرة، وهذه المغفرة التي هي سبب في الدخول إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فما بالك بطولها إذا كان عرضها السماوات والأرض، فما بالك بطولها؟ لمن أعدت؟ للمتقين. المتقين اللي تكلمنا عنهم كثيراً: أَن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا. المتقين الآن هنا شرح لصفاتهم: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ يعني في إذا كان معهم مال ورخاء مالي أنفقوا، والضَّرَّاءِ وحتى لو كان دخلهم محدود أنفقوا، فهم ينفقون ويبذلون في سبيل الله سواء في الرخاء أو في الشدة.
قال: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ الذين يكظمون غيظهم إذا رأوا شيئاً يستفزهم، القدرة على ضبط النفس عند الاستفزاز هذا متقي لله سبحانه وتعالى فلا يظهر منه كلمات السوء ولا مواقف السوء ولا الضرب ولا العصبية، هذه تقوى لله سبحانه وتعالى. وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ إذا أحد جار عليهم وأخطأ في حقهم يمشي، يغض طرف، يتغافل، يتغافل عن أخطاء عائلته، عن أخطاء زوجته، عن أخطاء أصدقائه، عن أخطاء مجتمعه، عن أخطاء أساتذته، عن أخطاء طلابه، وهكذا. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً. من صفات المتقين، إذاً هل المتقي هو الذي لا يقع في المعاصي؟ لا، المتقي يقع في المعاصي والذنوب لكنه يحسن المبادرة إلى التوبة. فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَعَلُوا فَاحِشَةً هذه من الكبائر أو ظلموا أنفسهم هذه تكون من الصغائر، والذي يظهر والله أعلم: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ. هذه صفة المتقي، المتقي يعصي، لكن شو الفرق بينه وبين غير المتقي؟ أنه غير المتقي يعصي ومش سائل، أما المتقي إذا عصى ربه، إذا مسهم طائف من الشيطان كما قال في سورة الأعراف، تذكر، انتبه، شعر بالندم، شعر بالحسرة، شعر بالنكد: ليه عصيت ربي؟ فقال: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا، ذكرهم لله أحدث لهم استحياء وخوفاً ووجلاً من ربهم فاستغفروا مباشرة. ما سوف، مش قال سأستغفر، فاستغفر وأعلن التوبة مباشرة: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، والله يعطيه الأمل قال: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، عرفوا أنه لن يغفر لهم ذنبهم إلا مولاهم فاستغفروه. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا، إنه مجرد استغفروا الله بعدين بس بعد شوي يلا خليني أرجع اعمل المعصية، ما هو مش يضبط، لابد أن يكون الآن استغفار مع ندم وعزم على عدم العودة، فقال: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا، ما في إصرار، ما في تكرار ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذونه، لا، توبة حقيقية نصوح. فإذا سقط بعد مدة في نفس الذنب فلا يكون عن سبق إصرار وترصد، وإنما يكون أيضاً لحظة ضعف بشري أخرى، وإذا هو أخذ احتياطاته التامة حتى لا يقع في الذنب مرة أخرى، لكن سبحان الله ضعف مرة أخرى بس بدون سبق إصرار وترصد، فلذلك الله قال: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
هؤلاء الذين سارعوا إلى المغفرة، هؤلاء الذين إذا وقعوا في معصية ذكروا الله فاستغفروا وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ، هؤلاء ربنا بيغفر لهم ويتوب عليهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وهذا جزء من مفهوم رحمة الإله. فكان الكلام عن رحمة الله بالكافرين جرنا للكلام عن رحمة الله عموماً بالمؤمنين، كان الكلام عن رحمة الله بالكافرين جرنا للكلام عن رحمة الله بالمؤمنين عموماً وأسباب المغفرة وكيف يكون حال المؤمن إذا عصى ربه وكيف أن الله بعد أن يغفر لك يدخلك جنات النعيم. لذلك قال سبحانه وتعالى -وأختم بهذا مجلس اليوم-: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.
نعم أجر العاملين، الله عز وجل يقول ما أحسن وما أجمل وما أعظم وما أنعم ما سيحصل العاملون اللي اشتغل في الدنيا على نفسه، اشتغل بطاعة ربه، اشتغل بالتقوى، اشتغل باستغفار ومحاربة الذنوب والمعاصي، اشتغل بمجاهدة النفس ومجاهدة الكافرين. اللي تعب وعمل في الدنيا نعم أجره يوم القيامة، فهذا كأن الله سبحانه وتعالى يستفزنا للعمل ويستنهض هممنا للعمل ويخبرنا أنه اللي اشتغل في الدنيا وتعب لن يكون حاله كحال من جلس على أريكته يفكر بطعامه وشرابه ولذته، لا يستويان عند الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يجعلنا من العاملين المسارعين دوماً إلى طاعته ومن المتدبرين لكتابه وسننه، أنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل