السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعا في هذا الصباح الطيب المبارك. أسأله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا ولكم كل خير، هل الصوت واضح جيد؟ طيب، بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك، يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، وفي مجلس مبارك بإذن الله حول موائد القرآن في رحلة الإنسان في القرآن. هذه الرحلة التي تأخذنا إلى آفاق بعيدة وإلى مراحل عظيمة في السير في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، ونساله عز وجل أن يرزقنا فهمه وحسن تدبره والعمل به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نساله سبحانه وتعالى أن ينجي المستضعفين من عباده في مشارق الأرض وفي مغاربها، أسأله أن يفرج عن أهل غزة، وأن ينزل عليهم نصرا ورحمة وبركة، أن يرحم ضعفاء فقرائهم، نساءهم، أطفالهم، شيوخهم، شيب شبابهم. أسأله سبحانه وتعالى أن يؤويهم، أسأله سبحانه وتعالى أن ينزل عليهم الدفء في برد الشتاء، وأن ينزل عليهم الأمن والطمانينة مع شدة الخوف الذي يحيط بهم. نساله سبحانه وتعالى أن ينصرهم عاجلا غير آجل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا أيها الكرام في سورة آل عمران، ولعل سورة آل عمران في المقطع الذي نحن فيه اليوم يتناسب مع الظروف التي تمر بها الأمة، وهو حديث عما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في لحظات البلاء، وفي لحظات الجراح، وفي لحظات الآلام، وفي لحظات اشتداد المعركة بين الحق والباطل. وما سيصيب أهل الإيمان في تلك الفترات من شهداء وجراحات وآلام يمكن أن تبعث البعض على اليأس والاحباط والتراجع عن الطريق، بدلا من الإقدام والاستمرار في السير إلى الله سبحانه وتعالى رغم الآلام والجراح.
تأاتي سورة آل عمران لتعالج نفوس الصحابة ونفوس المصلحين عموما عندما يشتد عليهم البلاء في رحلة الدفاع عن الحق، وفي رحلة الدعوة إلى الله، وفي رحلة السير إليه. سورة آل عمران أيها الكرام تحدثت عن غزوة أحد، وتحدثت عما وقع فيها من أحداث ومواقف وما مر به الصحابة من إشكالات ويعني خلينا نقول أمور نفسية كانت تحتاج إلى أن يعلق عليها وينبه عليها، ليس فقط الصحابة الكرام بل كل سائر إلى الله سبحانه وتعالى.
سورة آل عمران عالجت نفوس الصحابة في لحظة البلاء الشديد الذي وقع عليهم في غزوة أحد، عالجته معالجة إيمانية ليست فقط لهم بل لكل من يسير إلى الله سبحانه وتعالى من الدعاة والمصلحين وأتباع الأنبياء الذين يقاومون الباطل، عالجته معالجة إيمانية نفسية ليفهموا من خلالها مقاصد الله سبحانه وتعالى فيما يقع بهم في لحظات البلاء وفي لحظات الشدة، لئلا يصابوا بالضعف والوهن والرجوع وانتكاس الأعقاب. إن كثيرا ممن يختار السير إلى الله سبحانه وتعالى ويختار طريق الدعوات عندما يبدأ يصاب بالجراح أو الآلام أو يبدأ يمسه شيء من الأذى، يتسرب إليه الضعف الوهن الاستكانه ويعود أدراجه إلى الخلف ويترك هذا الطريق.
فالله سبحانه وتعالى يعلمنا في سورة آل عمران كيف هو الطريق إليه، وما يصيب أهل الإيمان الربيون، كما سياتي معنا الربيون أتباع الرسل والأنبياء الذين تربوا على قواعد الإيمان، ما يصيبهم في تلك اللحظات كيف يجب أن يتعاملوا معه ويفهموا مراد الله عز وجل فيه، لئلا يصابوا بالانتكاس والرجوع على الأعقاب كما وقع من المنافقين. وحتى لا أطيل في هذه المقدمات، دعونا نعيش في هذه التربية الإيمانية الفائقة التي قدمتها سورة آل عمران للصحابة الكرام في ثنايا غزوة أحد ودعونا نتعلم منها.
يبدأ المقطع الآن من قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. في البداية يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن هناك سننا له ثابتة في هذه الأرض عند تدافع الحق مع الباطل، هذه السنن الثابتة تقتضي أن أهل الحق سيواجهون إشكالات، سيواجهون شدائد، سيواجهون أهوالا، سيواجهون قتالا وسيكون شهداء وتضحيات. ولكن أيضا من سنة الله الثابتة أنه في نهاية المطاف وبعد كل هذه التضحيات والآلام والجراح، يأذن الله سبحانه وتعالى بالنصر لعباده الموحدين المؤمنين، وتكون نهاية المكذبين نهاية وخيمة مهما بلغت قدرات المكذبين من العدد والعدة والتقنية والتقدم، الله سبحانه وتعالى ينهيهم.
ولنا في انتهاء قوم نوح، وانتهاء قوم عاد، وانتهى قوم ثمود، وانتهاء فرعون وانتهاء هؤلاء الجبابرة، كيف أن الله سبحانه وتعالى أنهاهم النهايات الوخيمة على الرغم من جبروتهم. واقرءوا مطلع سورة الفجر لما قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.
ربما مختصر لما ورد في آيات القرآن من العذاب الشديد: أرسلنا عليهم حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا. فآيات القرآن الآن تدل فعلا على عاقبة المكذبين وعلى النهايات الوخيمة. لكن حتى نصل إلى هذه النتيجة النهائية وهي اهلاك الله للمكذبين هذه نتائج نهائية، لكن خلال ذلك سيكون هناك ابتلاء للمؤمنين الموحدين واستضاف وقوة وجهاد ورباط، وحتى نصل إلى هذه النتائج لكن كن واثقا بربك أن هناك سننا أنه في النهاية في النهاية سيهلك الكاذبين المجرمين الفاسدين الطغاه والمستبدين.
فقال سبحانه وتعالى في مطلع هذا المقطع: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ، فانتم يا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لستم أول من أتى على هذه الأرض، لستم أول مواجهة والمدافعه بين الحق والباطل بل قد سبقتكم نماذج كثيرة. طيب، هذا بيان للناس، الآن الله عز وجل يقول: هذا القرآن وما سياتي الآن من النصائح والتوجيهات هذا بيان للناس كيف ينبغي أن يتصرفوا في تلك المواجهه. يبين الله لنا وهو الهنا وربنا وهو صاحب الأمر من قبل ومن بعد، وهذا يجعلك تشعر بالثقة بهذا البيان لأن هذا البيان من الله سبحانه وتعالى وهو صاحب الأمر فهو يخبرك، والانسان كلما ازدادت ثقته بالمخبر كلما شعر بالطمانينة لخبره، اليس كذلك؟ كلما ازدادت ثقتك بالمخبر يعني لما يكون الذي يخبرك بالشيء هو مثلا عالم كبير تشعر يا اخي انك تطمئن لخبره أكثر مما لو اخبرك بالشيء يعني مثقف أو سياسي أو انسان يعني قارئ تقول والله هذا كلام عالم الطمانينة له أكبر.
فما بالك انك تقرا كلام ليس فاعلم العالمين ورب العالمين وخالق كل شيء وصاحب الأمر والقضاء والقدر وصاحب السنن والذي تعيش من أجله وتموت من أجله، فاذا لابد أن يكون ثقة بهذا البيان: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وهدى هداية هداية تبصر في الظلمات تجعلك على ثقة من طريقك على ثقة من خطواتك وموعظة للمتقين. والموعظة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في القرآن هي الأمر والنهي، هي الأمر والنهي هذه هي خلاصه الموعظة، نعم ما يعظكم به أي يعني يامركم به ووجهكم اليه. فاذا ما سياتي الآن من الآيات هو بيان من الاله لأهل الإيمان وهدايه لهم حتى يعرفوا أين يضعوا الخطوات، وموعظة يعني توجيه فيه أوامر ونواهي، لكن من الذي سينتفع منها؟ المتقون الذين يريدون أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وأن يضعوا بينهم وبين سخطه وعقابه وقايه تحميهم، سينتفع من هذا الخطاب.
فجاء الأمر الأول بماذا؟ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. شوف ما أجمل هذه الآيات! هذه كماء بارد في يوم شديد الحرارة، هذه الآية كإنسان يشرب ماء باردا في يوم شديد الحرارة في المصيف. الصحابة في شدة الألم في غزوة أحد بعد ما حصل ما حصل، فالله سبحانه وتعالى بذاته المقدسة يقول لهم لا تهنوا. إن شاء الله يوم الاثنين سيكون لنا أمسية بعنوان الوهن في حياة المسلم ونتكلم عن الوهن أكثر وأكثر، لكن عموما ما استطيع أن أقوله في هذا المقام اختصارا أن الوهن هو بداية الضعف، الوهن هو أنك ما زلت مستمرا في الطريق لكن بدأت تفقد الوهج، بدأت تفقد الدافع، بدأت تفقد الحماس والهمة مع أنك ما زلت يعني في دائره الالتزام أو في دائره أصحاب الدعوات ما زلت تسير معهم في ركبهم، لكنك بدأت تشعر بالهيكل الضعف التدريجي.
فأقول الوهن هو أول الضعف هنا أول شعور بالسلبية أول الشعور بالاستسلام، فالله عز وجل ينهى حتى عن هذه المرحلة لا ينبغي لمن يحمل لواء هذا الدين أن يتسرب إليه اليأس ولو على أقل درجاته، ولو على أقل درجاته. يا من يحمل مشروع الجهاد في سبيل الله والرباط في سبيل الله ومدافعة الكافرين، ليس مقبولا منك حتى الوهن وهو أول مراحل ضعف وهو أول الشعور باليأس، ترى يعني لسه أنت ما تركت الطريق أنت موجود، لكن كما قلت بدأت تفقد الدافع. حتى فقد الدافع ليس مقبولا لأصحاب الدعوات، عليك دوما أن تجدد الدوافع حتى ولو كانت الآلام شديدة والجراح كبيرة. أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذين يحملون اللواء لا يهنوا، قال سبحانه: وَلَا تَهِنُوا.
ثانيا: وَلَا تَحْزَنُوا، فالحزن إذا ليس من مقامات العبودية وإن كان مباحا كشعور إنساني، لكنه ليس مقاما من مقامات العبودية ولذلك نهى الله سبحانه وتعالى عنه، طبعا ولا يريد منهم ألا يصابوا به كشعور طبيعي لكن لا يريد لهذا الحزن أن يؤثر عليه وأن يعرقلهم عن إكمال المسير. لأنه أحيانا إخواني حزن الإنسان الشديد يجعله يترك الحزن والتراكم على قلب الإنسان يجعله يعني تهبط همته ويفتر في السير إلى الله سبحانه. فالله عز وجل يقول لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولنا ولهم في كل وقت وحين، على الرغم من الجراح والآلام غير مقبول منكم الوهن وهي أول مراحل الضعف وهي فقد الدافعية، لا نريد الحزن أن يغلب عليكم.
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ رغم الجراح رغم الآلام أنتم الأعلون تمام، نعم لأنك لماذا أنتم الأعلون؟ لأنكم ترتبطون بالأعلى، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. ما دام مطلبكم هو الأعلى في الوجود وهو الله سبحانه وتعالى فانتم إذا الأعلون، أنتم الأعلون. الكفار يقاتلون من أجل ماذا؟ من أجل دنياهم، من أجل مقصد سفلي. لكن الموحدين يقاتلون من أجل الأعلى سبحانه وتعالى وجعلوا الله سبحانه وتعالى أعلى مطالبهم، فما دمت تقاتل من أجل الغاية الأعلى وما دمت تقاتل باسم الله الأعلى وما دام مطلبك هو أعلى شيء في الوجود هو الله، إذا فانت الأعلى أنت الأعلى. حتى لما تصاب بالآلام، حتى لما تفقد الأحبة، حتى لما يقل السالكون معك في السير إلى الله سبحانه وتعالى، حتى لما تصاب بالجراح، نعم ستبقى الأعلى لأنك ارتبطت بالأعلى ارتبطت بالأعلى وجودا وبالأعلى مطلبا.
فلا ينبغي لمن كان بهذا الارتباط وبهذه العلاقة مع الله سبحانه وتعالى أن يصيبه الوهن والحزن. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، يعني إن كنتم واثقين مصدقين بهذا الطريق، يعني يقول لك: هل أنت مؤمن بهذه القضية التي تقاتل من أجلها؟ هل أنت مؤمن بالطريق الذي تسلكه؟ هل أنت مؤمن بالغاية التي تطلبها؟ إن كنتم مؤمنين فانتم الأعلون، أما إذا أنت ما زلت متشككا في الغاية التي تقاتل من أجلها وفي الإله الذي تطلبه، نعم ستصاب بالوهن والحزن وبكل شيء، بل ستلملم أوراقك وتغادر الطريق عند أول ألم أو آلمة. أما هذه التوجيهات: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، فهذه توجيهات لمن كان مؤمنا بالقضية الدينية الشريفة التي يقاتل من أجلها، وبمسيره الذي يخوضه، وبإلهه الذي يعبده.
ثم بدأ يحدثهم أكثر وأكثر ليطمئنوا: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، إذا أصابتكم جراح أصابكم فقد، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ. لا تظنوا يا عبادي يا أيها الذين قاتلتم في غزوة أحد وأصاب ما أصابكم، إذا أصابكم جراح فلا تنسوا أن القوم هم العدو قد أصابتهم جراح أيضا في وقائع أخرى، وهنا يذكرهم الله بغزوة بدر وكيف أصابوا من العدو مقتلة. فهي هكذا سنة التدافع بين الحق والباطل، أحيانا يكون القتل في صف أهل الباطل وأحيانا يكون القتل والشهادة في صف أهل الحق تماما.
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، فاطمئنوا، يعني القضية ليست أن القتل لا يكون إلا في المؤمنين والموحدين، وأما الكفار فدائما هم سعداء ناجون، لا، قضية متبادله لذلك قال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. الله يخبر عن السنن الآن أن أيام الله سبحانه وتعالى ووقائعه بين المؤمنين والكافرين أنهم يتداولونها، فأحيانا يكون المؤمنون في استضعاف وأحيانا يكونون في تمكين، ثم يعودون إلى استضعاف ثم يعودون إلى تمكين، وهكذا. تاريخ الأمة الإسلامية من استقرأه منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، هي مراحل من الضعف ومراحل من التمكين، ثم نعود إلى ضعف ويستولي أعداؤنا، ثم نعود إلى التمكين بعد 100، 200، 300 سنة، ثم نعود إلى الضعف وهكذا، لأن هناك سننا وحكما يريد الله سبحانه وتعالى أن تظهر من هذه المدافعة بين الحق والباطل.
إذا، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ كان الناس يتداولونها، من أهل الحق مرة ثم من أهل الباطل مرة، طيب لماذا يحصل هذا التداول؟ قال: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. لأن هناك لا يمكن أن تظهر كثير من الحكم الإلهية والمقاصد الربانية إلا من خلال هذا التداول، فقال أولا: يريد الله عز وجل أن يعرف المؤمن من المنافق. هو يعلم ذلك قدرا، البعض يقول: كيف وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أليس هو عالما بذلك قبل أن يخلقنا؟ بالتاكيد وكما قال أهل العلم يعني: ليراه موجودا.
كما علمه معدوما، يعني هو يعلمه قدرا، يعلم المؤمن من المنافق من الكافر، لكن المراد بالععلم هنا هو أن يظهر هذا العلم، فهو علم بالأشياء بعد أن وجدت. وهذا يقولون علم آخر للإله، هو علم الأشياء معدومة، وينتظر أن يعلمها موجودة، وهذا العلم الموجود هو لا ينافي العلم بهذه الأشياء قبل أن توجد، وعلم مطابق له تمام. فالمهم: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ليراهم عيانا ويمتاز صفهم عن صف المنافقين. لأنه ليس كل الآن متى يظهر إيمان الإنسان بالقضية التي يقاتل من أجلها، وبرأيه التي يحملها، وبالدين؟ متى يظهر إيمانه الصحيح؟ في لحظات الشدة، في لحظات الكرب، في لحظات البلاء التي تنصب عليه، يظهر المؤمن من المنافق. له دائما، دائما لحظات البلاء هي اللحظات الكاشفة.
شوفوا غزوة تبوك لما تكلمها عنها في سورة التوبة، لماذا سميت الفاضحة؟ أنه في لحظات البلاء ينكشف الصف، يظهر من هو الراسخ، من هو المتضع الذي في قلبه مرض، من هو المنافق المنتكس أصلا. جاءت هذه المواقف لتعريه وتكشفه. فالله عز وجل يقول: نعم، أنا أداور الأيام بين الناس، أولا ليظهر أهل الإيمان من الذين في قلوبهم مرض من المنافقين، ليس الكل شيء واحد. ثانيا: وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ. الله سبحانه وتعالى يريد أن يأخذ من دنائنا حتى يرضى الله عز وجل، يريد أن يأخذ من دمائنا حتى يرضى، فهو الذي خلقنا، وهو يحب، وهو يحب أن يكون هناك شهداء يقاتلون من أجله ويبذلون أرواحهم ومهجهم ابتغاء مرضاته.
هذا مقصد من مقاصد المدافعة بين الحق والباطل، مقصد من مقاصد وجود الدماء والاشلاء على هذا الطريق: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. وهذه الدماء وهذه الارواح وهذه المهج التي بذلت هي لن تذهب سدى مجانا، بل سيكافئ الله أصحابها مكافأة عظيمة في دار السعادة الأبدية والخلود الأبدي. فتلك الدار هي التي ارتضاها سبحانه وتعالى لهؤلاء الشهداء. فبالتالي المؤمن الذي يعرف وهن ضعف الدنيا ودناها، ويوقن بجمال الآخرة وعلو كعبها، يطمئن لربه سبحانه وتعالى، سواء حصل الانتصار المادي أو لم يحصل. ومطمئن هو يعلم ماذا يريد الله، هو يعلم ماذا يريد الله من طول أمد المعركة، ومن كثرة الشهداء الذين يتم اصطفاهم. فوالله لو كشف لنا عالم الغيب لعرفنا قمة سعادة هؤلاء الشهداء، وأن ما اختاره الله لهم من الشهادة والقتل في سبيله خير مما نرجوه نحن لهم، إذن: وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. آه يعني إياك أن تظن أن تسليط الظالمين على المؤمنين ليسوموا سوء العذاب، وليقترف المجرمون على الموحدين المؤمنين فيحصل هناك شهداء وأشلاء ودماء، لكن إياك في لحظة ما أن تتزعزع عقيدتك بربك فتظن أن هؤلاء الشهداء الذين أتوا على حصلت شهادتهم بسبب الظالمين أن هذا نتيجة وقوف الله مع الظالمين، حاشاه سبحانه وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، لكنه يسلط على المؤمنين الموحدين ليحصل، لتحصل لهم الشهادة. وهذا فرق بين مشهد أن يحب الله الظالمين، وبين أن يقدر الله بأمره أن يتسلط الظالم على المؤمن لتكون الشهادة وتحصل له، فمقام القدر شيء ومقام المحبة شيء آخر، يجب أن تكون واضحا في هذا المقام.
طيب، ثم قال: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. وهذا وضوح كأنها إعادة، لكنها أكثر تفصيلية، أنه قال في البداية: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، هنا أعاد، أعاد مرة أخرى التنبيه على هذا المقصد لكن بتفصيل أكثر، فقال: وَلِيُمَحِّصَ، وكانه هناك نوع من التمحيص والتنقية والغربلة خلينا نقولها. التمحيص ونوع من الغربلة، فكان الصفوف تتغربل، وكان النوايا والقلوب تتغربل، ففي وقت الرخاء الكل يدعي أنه صاحب المقام الأعلى، والكل يدعي أنه فارس الدعوة، في مقام الشدة يظهر المؤمن من المنافق، يظهر الصادق من الكاذب في الدعاوى. فلا بد إذن من الغربلة فسماها تمحيص: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ويمحص ويغربل ما في نفوسهم من المشاعر والمعاني تجاه إلههم سبحانه وتعالى، وتجاه هذه القضية التي يقاتلون في سبيلها.
قال ايش أيضا: وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. وهذا من مقاصد الغزو ومن مقاصد وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، أنه لما تأتي إذن الله بالتمكين للمؤمنين يمحق الكفر وينمحي، لما يأذن الله أن يعلو المؤمنون عليهم في الدنيا يمحق الكفر وينتهي، ثم بعد ذلك يعود الصراع من جديد بشكل آخر وطريقة أخرى، هي هكذا الدنيا وعليك أن تفهمها. فالله عز وجل لم يجعل الانتصار للمؤمنين المادي الانتصار المادي هو ونقطة معينة لا لا ينزلون عنها، لا، لا، هي هكذا ننتصر ثم نعود مرة أخرى لفتح صفحة جديدة من صفحات الصراع، ثم ننتصر ثم نعود نفتح صفحة جديدة من صفحات الصراع، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لأن الله هو يريد هذا الصراع ويريد هذه المدافعة لأنها تحقق معاني الإيمان وتكشف أولياء الرحمن.
فعلينا إذن أن نذعن لأمر الله سبحانه وتعالى، المهم أن يراك الله سبحانه وتعالى في ثنايا هذه المدافعة، أن يراك في المكان الصحيح ومع أوليائه، هو هذا الذي يريده سبحانه. هو يريد أن يراك أنت، نعم أنت، يريد أن يراك أين ستصطف؟ يريد أن يرى مشاعرك، يريد أن يرى مدى إيمانك بقضيتك، يريد أن يرى مدى ثباتك، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا، هذا الذي ينظره منك سبحانه وتعالى.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. يعني وهذا كشف آخر، يعني تظنون أن جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ستدخلون بالهوة والمجانسة وبدون أثمان؟ إلا أن سلعة الله غالية، إلا أن سلعة الله الجنة. تريد جنة عرضها السماوات والأرض، وفيها من اللذائذ الحسية والمعنوية والربانية ما لا يخطر على قلب بشر، تريد أن تحصل كل هذا وبعد وفوق ذلك هي سعادة أبدية لا تنتهي، وخلود سرمدي لا يفنى؟ تريد أن تحصل كل هذا بدون أتعاب وبدون تضحيات وبدون أثمان؟ هذا غير معقول، حتى في عالم البشر لو أن ملكا من ملوك الأرض صنع حديقة عظيمة، وفيها من النعيم والجمال وال... ثم بعد ذلك طلب من رعيته أن يعملوا من أجل أن يدخلوها ويحصلوها ويمتلكوها، سيعلم جميعنا أن هذا الملك عندما صنع هذه القرية الضخمة بما فيها من وسائل اللذائذ الحسية هو لن يعطيها بالمجان، بل لن يعطيها إلا بما يعني قد تعجز نفوس البشر عن طلبه في الدنيا.
لكن الله سبحانه وتعالى لم يكلفنا ما لا طاقه لنا به، هذا برحمته، لا يكلفنا ما لا طاقة لنا به، هو يكلفنا ما في وسعنا، لكن ما فيه مخالفة لأهوائنا. ويكلف شيء في وسعك لكن فيه مخالفة لهواك، وبالتالي هو يريد أن يرى منك مدافعة الهوى ومغالبة الشيطان والمصابرة على هذا الطريق وترك المعاصي والذنوب ومجاهده النفس. يريد أن يرى منك في عمرك الذي منحته يا أيها الإنسان، يريد أن يرى منك هذه المشاعر وهذه الأحاسيس وهذه التضحيات وهذه الأثمان ليعطيك الجنة. أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا، وهذ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ، أي لم يظهر بعده وإن كان سيظهر قريبا، لأنه لما هي صحيح تفيد النفي لكنها تفيد باقتراب حصول الشيء أيضا.
قال: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، لسه ربنا بده يشوف المجاهد الباذل المضحي في سبيل هذه الدعوة الإلهية، ويريد أن يرى الصابر العاض على الآلام والجراح في مراحل المدافعة بين الحق والباطل، لأن هؤلاء هم الذين يستحقون تلك الدار العالية. قال: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا، لسه ربنا ما شافش منكم المجاهدين والصابرين وإن كان اقترب رؤية ذلك.
وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. وهذه معالجة لبعض نفوس الصحابه، بعض الصحابة الذين لم يشاهدوا غزوة بدر لأنهم لم يكونوا على دراية بوقوعها وعرفوا ما حصل فيها من انتصار عظيم للمؤمنين وعلو على الكافرين، كان لديهم حماس شديد أن يخرجوا لمصارعة الكافرين في لقاء آخر. ولذلك لما جاءت غزوة أحد وبلغهم خروج قريش لمواجهة النبي عليه الصلاه والسلام، كان هؤلاء الشباب من أشد الناس حرصا على البروز خارج المدينة لمواجهتهم وجها لوجه مع أنه كان رأي النبي عليه الصلاه والسلام كما ذكرنا في المجلس السابق أن يتم القتال داخل أزقة المدينة، ما يسمى اليوم قتال العصابات أو قتال يعني داخل الأحياء. لكن هؤلاء الشباب كانوا متحمسين: والله يا رسول الله أن شهدنا مشهدا آخر مع الكافرين ليرين الله ما نصنع. فكان كلامهم مليئا بالحماس، لكن أحيانا بيكون الإنسان متحمس زيادة كما يقول وغير منتبه لمشاعره، وغير منتبه أن الكلام في حاله الرخاء ليس كالواقع، ليس كالواقع، ليس كما ترى السيوف أمامك والرؤوس تطير والأيادي تقطع والدماء والأشلاء. كلام في حالة الراحة ليس هو الواقع في حالة الشدة والكر.
ولذلك الله عز وجل عاتب هؤلاء الصحابة عندما فر بعضهم في غزوة أحد، عاتب هؤلاء الصحابة الذين كانوا متحمسين مندفعين ومقبلة، عاتبهم عندما حصل منهم الفرار في غزوة أحد لما رأوا ما رأوا من الأهوال فقال سبحانه: وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ، كنتم تتمنون الشهادة قبل بدء المعركة، مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. شاهدتم الموت لكنكم لم تقتحموا، شاهدتم الموت، شهدتم الساعات التي أو اللحظات الصعبة والعسيرة التي سيحصل فيها شهادة، وهذا عندما على خالد بن الوليد على المؤمنين. فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ إِلَيْهِ وتشاهدونه، لكنكم فررتم من الموت ولم تقتحموا، فكان الموت هكذا: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، كأنكم لم تقدموا عليه كما كنتم تدعون قبل بدء المعركة أنكم ستقتحمونه. رأيتم الموت وبقيتم منتظرين وانسحبتم كما سياتي معنا بعد قليل، هؤلاء بعض أصحاب انسحب ولم تقتحموا كما كنتم.
وهذا يدل إخواني أن ما يعني أن الإنسان عليه أن يعرف أن ثباته في ساعات الشدة، أن ثباته في ساعات الشدة هذا بتوفيق الله، وأن القضية ليست ذكاء، القضية ليست مجرد أماني وطموحات، وهذا هو الدرس النفسي هنا المراد أن يوجه لهم: ثباتك في ساعات الشدة هذا من الله. أنت عليك أن تعد العدة الإيمانية والنفسية في ساعة الرخاء ليحفظك الله في ساعة الشدة، احفظ الله يحفظه، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. لكن إياك أن تظن أن القضية بمجرد الدعاوى، إيه والله أنا إذا شاركت في معارك ضد الكافرين والله ليرنا الله، بس فلتو على اليهود رح نورجي شو را نعمل في اليهود، أنتم بس فلتو، أنتم بس جربونا، افتحوا الحدود حتى نفعل. الكلام سهل وجميل ورائع، لكن إذا حلت الواقعة والتحم الصفان وأطل الحق مع الباطل، هل تعتقد أن الأمور كما كنت تقولها وأنت في ساعة الرخاء؟ كلا، ثباتك في الشدائد، ثباتك في الشدائد أولا تحتاج أن تأخذ عدته في ساعات الرخاء، ثم تحتاج أن تفتقر وتلتجئ إلى الله دوما أن يرزقك الثبات، فإن الثبات بالله ومع الله، وأما الإنسان وحده ضعيف وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا.
ثم تاتي معالجة أخرى من المعالجات النفسية للصحابة في ثنايا غزوة أحد، وعندما حصلت البلبلة وانقلب خالد بن الوليد على الصحابة من الخلف، وبدأ القتل يستحر في الصحابة وانقلبت موازين المعركة. في ثنايا هذه البلبلة والوهج الذي أصاب أشيع مقتل محمد صلى الله عليه وسلم، رجل من المشركين اسمه ابن قمئة قتل مصعب بن عمير، وقالوا: مصعب بن عمير كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في خلقه. فظن هذا المجرم أنه لما قتل مصعب بن عمير ظن أنه قتل محمدا صلى الله عليه وسلم، فصرخ: قتلت محمدا رب الكعبة، أو عبارة مثل كده. وقيل إن الشيطان هو الذي صرخ، وهناك بعض روايات السيرة تقول إن الشيطان هو الذي صرخ من أجل أن يؤجج قلوب الصحابة ويدخل الوهن عليهم.
المهم ابن قمئة قتل مصعب بن عمير، فظن أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد الله أن يحصل هذا المشهد. ليه؟ وهذا قد نتكلم عنه إن شاء الله في محاضرة الوهن يوم الاثنين إن شاء الله، وهو أن بعض الناس يكون مع الدعوة أو ثابت أو موجود في الصف الإسلامي، لكن قلبه وايمانه معلق بشخص وليس معلق بالله سبحانه وتعالى. كثير من الرجال والنساء يكونون في ميادين دعوية، علمية، دعوية، جهادية، رباطية، مها ما شئت، المهم يكون في باب الدعوة إلى الله وفي قافلة المسير، لكن هو عايش على، ليس على قضية الإيمان والارتباط الحقيقي بالله سبحانه وتعالى بكامل مفعولها، لا، هو عايش على تعلقه بشخص موجود في هذه البيئة، ومتعلق بشخص موجود في هذه البيئة. فبالنسبة لوجود هذا الشخص هو مسسكين، هو سبب للهدوء، لكن إذا فقد هذا الشخص بالشهادة واصطفاه الله وأاماته تنكشف لهذا الرجل أو لهذه الاخت نفسها ويظهر لها أن باقي القلب ضعيف في ارتباطه بالإله الحق، وأن باقي أنا صحيح موجود مع الصف المؤمن وساكن لكني أنا كنت عايش على المسكنات. عايش على إيه؟ على المسكنات، ايش هو المسكن اللي كنت عايش عليه؟ وجود هذا الشخص، قد يكون نبي، وهذا في زمن الصحابة، قد يكون قائد عظيم في زمن ما بعد الصحابة، قائد عظيم وجوده ملهم بالنسبة لأتباعه، اليس كذلك؟
لكن هذا القائد العظيم اللي وجوده ملهم لأتباعه، عليه أن يربي أتباعه على قضية أنه أنا في لحظة معينة ستفقدونني، في لحظة معينة قد يتم اغتيالي، قد استشهد، قد اعتقل، قد يحصل ما يحصل، بالتالي لا يكن تدينهم حالة التدين والإيمانية ارتباط بشخص، لابد يكون الإيمان راسخ بالارتباط بالله سبحانه وتعالى. وكان الله سبحانه أعد الصحابة في غزوة أحد في موقف شائعة قتل النبي عليه الصلاه والسلام للموقف الحقيقي الذي ارتقى فيه النبي صلى.
الله عليه وسلم إلى ربه بعد في العام الحادي عشر من الهجرة. تمام، يعني كان هذا هذه التربية في غزوة أحد هي كأنها إعداد وتحمية للفقد الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم من بينهم. ولذلك جاءت هذا الموقف ليكون فعلاً تمحيصاً وابتلاءً لهم، ويتعلم منه درساً يا أصحاب الدعوات، يا أيها الرجال، يا أيها النساء الذين تسيرون إلى الله، عودوا قلوبكم أن ترتبط بالإله سبحانه وتعالى وليس بالرموز والأشخاص.
ولو كان هؤلاء الرموز والأشخاص حتى بحجم محمد صلى الله عليه وسلم بينكم، فمع شدة حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم ومع أنه أحب إلينا من نفوسنا وأرواحنا ورجالنا ونسائنا وأبنائنا، لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون استمرارك في هذا المسير متعلقاً على وجوده بذاته، فإذا وجد استمررت وإذا فقد انتكست، ما يصلح.
ولذلك لما توفي النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام وفاته الحقيقية في العام الحادي عشر وحصل ما حصل، قام أبو بكر الصديق وكان من أكثر من وعى درس، فقام فقرأ نفس هذه الآية على مسامع الجميع: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.
طبعا من مراد بالحصر هنا؟ وما محمد إلا رسول، قال العلماء: هذا حصر لمن كان يظن أنه مخلد، فالله عز وجل يريد أن يقول: محمد ليس مخلداً بل ما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.
ففائدة ما هو إلا رسول، من الرسل الذين كتب الله لهم الوفاة كما كتب للرسل الذين قبله. فانتم يا أصحاب الدعوات لا تتعلقوا بالأشخاص، أو خلينا نقول: لا تعلقوا استمراركم في طريق الدعوة والصلاح والبحث عن نصرة دين الله، لا تعلقوه بشخص إذا وجد وجدتم وإذا فقد فقدتم: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، انتكست.
نعم، بعض الناس ترى هو ملتزم فقط لوجود شخص معين في حياته، ممكن يكون ملتزم فقط لوجود أبوه، ممكن لوجود أمه، ممكن لوجود مهم شيء معين وبسببه ملتزم حالة معينة، إذا فقدت هذه الحالة بنتكس، وهذا أكبر خطأ وأسوأ تربية إيمانية أن يكون إيمانك معلقاً على وجود أشخاص أو فئات أو أماكن. هؤلاء مساعدون جيدون، لكن إياك أن تتعلق بهم؛ لأنك إذا فقدتهم ستتعرض، الضعيف الهشة سينكشف لك هشاشة الإيمان.
فالله عزوجل يقول: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، ثم قال: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا. الله قادر على أن يستبدلكم بأناس موحدين صادقين، علقوا إيمانهم بالله وليس بوجود الأشخاص. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ هُوَ الْخُسْرَانُ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
سيجزي الله الشاکرین الذين شكروا الله في ساعة البلاء كما شكروه في ساعة الرخاء. تمام، الذين يشكرون الله سبحانه وتعالى في السراء والضراء، فهم دائما يشكرون الله على أنه يدنيه منه، على أنه يتفقده حتى ببلاياته، والبلاء الذي يقودك إلى الله سبحانه وتعالى عليك أن تشكر الله عليه. والبلاء الذي يقودك إلى الله ويكشف لك حقيقة من حقائق الإيمان، صح بلاء لكنه يستحق الشكر؛ لأنه كشف لك ذاتك وبين لك هشاشتك فأيقظك على مواطن من الضعف موجودة فيك، فأنت بهت وأصلحت وقومت قبل فوات الأوان.
فالبلاء وإن كان مؤلماً لكنه يستحق الشكر والثناء العطر والجميل على ربك سبحانه وتعالى عندما يكون سببا لأن ترتقي وتسمو في علاقتك معه. ثم قال: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. ما في نفس على هذا الكوكب ستموت إلا إذا أذن الله قدرا أن تموت، إلا إذا أذن الله بقدره أن ينتهي أجله كِتَابًا مُؤَجَّلًا. كل شخص فينا له كتابه المؤجل، له ساعة الصفر الخاصة به عندئذ سينتهي أجله، فهذه هذه سنة الكون: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
ثم قال: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.
الآن درس آخر، أنت تقاتل من أجل ماذا؟ أنت تقاتل من أجل ماذا؟ أنت عندما تختار التدين كخيار من أجل ماذا؟ عندما تدخل في هذا الطريق تبحث عن ماذا؟ ماذا تنتظر أن تحصل؟
إذا كنت تحمل هذا الدين لكن هدفك أن تحصل على عز دنيوي ومكان في الدنيا وعلى ملك في الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها. لكن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الصادقين في حمل مشروع الإسلام هم لا يبحثون عن عز دنيوي، وإنما يقاتلون في ذات الإله، كما خبيب بن عدي رضي الله عنه وهو معلق: وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلا شلو ممزق.
نحن عندما نسير بهذا الدين ونخوض المعركة بهذا الدين، نحن لا نبحث عن مطامع دنيوية، لا نبحث عن غنائم، لا نبحث عن ثروات، لا نبحث عن ملك، وإنما إذا حررنا منطقة وأقمنا شرع الله فيها فهذا إنما نفعله من أجل الله. عندما نحرر بلاد المسلمين من الطغاة والمستبدين ونسعى لإصلاح أحوال الناس، هذا ليس بحثاً لا عن عز ولا عن جاه ولا عن ملك، وإنما بحكم الاستخلاف، وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ خليفة في الأرض، أنا هذه فقط وظيفتي.
فالله عز وجل يخبر أيضاً هذه الثلة من الصحابه ولكل من يحمل الدعوات: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا، إذا كان حملك لمشروع الدعوة والإصلاح لتحصل على جاه دنيوي أو منصب دنيوي أو مال دنيوي، ترى ستحصل ثوابك في الدنيا أو غنيمة دنيوية نؤته منها. لأنه يعني كان بعض الصحابه يؤنب، تعرف أنه ما هو سبب الخطا الذي وقع في غزوة أحد؟ ما سبب الخطا الذي وقع في غزوة أحد ونزول الرماة عن الجبل؟ إنما هو الغنيمة التي رأوها، فطرت بعض النفوس اليس كذلك، ولم يلتزموا بأمر محمد صلى الله عليه وسلم بالثبات على الجبل.
فالله عز وجل هنا أنبهم على قضية الدنيا، لأن إذا أنت بتقاتل من أجل دنيا نؤته منها، وممكن حتى ما تحصلش، لكن هو خلينا نقول إن الآية فرضت أعلى الاحتمالات، أعلى الاحتمالات أنه أنت تريد دنيا وربنا يعطيك إياها، لن تجد عند الله شيئا. بس حتى ممكن تطلب الدنيا وربنا ما يعطيك إياها، اليس كذلك؟ لأن الله عز وجل ماذا يقول في سورة الإسراء: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ. يعني حتى الذي يريد الدنيا ربنا بعطيه منها إذا ربنا شاء.
يعني حتى من يبحث عن الدنيا، الدنيا مش مضمونة، لكن خلينا نقول أعلى الاحتمالات أنك تحصلها يا سيدي حصلها، دنيا حصلت التافه الزائل. فيقول سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا، من تكون هذه همته وإرادته نؤته منها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا. وفرق هائل بين من يريد ثواب دنيا فانية وبين من يريد ثواب آخرة دائمة، بين من يريد ثواب الدنيا التي كل لذاتها ممزوجة بالألم والضعف والنقص، وبين من يريد آخرة كل لذاتها تامة كاملة.
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، أعادها مرة أخرى: وسنجزي الشاكرين. وشكر الله سبحانه وتعالى كما يكون بالقلب يكون باللسان ويكون بالعمل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والجنان المع.
طيب قال سبحانه وتعالى بعدك: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
لما حصل ما حصل من الآلام ولما حصل ما حصل من الفقد، لما حصل ما حصل من الجراح، الله عز وجل يريد أن يثبت الرعيل الأول من الصحابة ويثبت كل من يسير على خطى الرعيل الأول إلى يومنا هذا، فيقول سبحانه: وكأين من نبي، وكأين بمعنى وكم، وهنا كم خبرية للتكثير، يعني كثر، هو الآن الانبياء، وكأين من نبي، يعني كثر، كم كبير من الانبياء، كم من نبي قاتل معه، له اتباع شارك معه في حمل لواء الدعوة، قاتل معه ربيون.
وربيون هم اتباع الانبياء الذين تربوا على موائدهم، من هم الربيون؟ هم اتباع الانبياء الذين رباهم الأنبياء على موائدهم بالأعمال الصالحة والعقائد الناجعة، وكل من تربى على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. نعم النبي عليه الصلاة والسلام قد نفقد ذاته لكننا لم نفقد سيرته، لم نفقد سنته، لم نفقد نهجه، فهو منقول بالحذاء، فكل من كان على خطى النبي صلى الله عليه وسلم وتربى على الكتاب والسنة فهو من الربيين.
إذاً يقول الله عز وجل: كم من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين.
هكذا هم اتباع الأنبياء حقا، وهكذا هم حملة الرايات حقا. بدأ الله سبحانه وتعالى بماذا؟ بأخف الأحوال، نفى عنهم أخف الأحوال إلى أصعبها. الله عز وجل يقول: اتباع الأنبياء أصحاب الدعوات حملة الرايات حملة هذا الدين لم يصبهم وهن، كما قلنا والوهن هو أول الضعف، الوهن هو أول الضعف هو فقد الدافع، ثم يتبعه بعد ذلك الضعف، فلذلك قال: فما وهنوا، نفى عنهم حتى الوهن، ثم نفى عنهم ما هو أسوأ من الوهن وهو الضعف.
عفست ثم ما هو النزول الإيماني السفولك؟ إخواني أي انسان ملتزم وأي اخت ملتزمة، السفوليا الصالحة بس بدا يفقد الدافع لهذا الالتزام، بدا يفقد الدافع للتدين، بدا يفقد تلك اللذة والحلاوة التي كان يجدها في أول التزامه أو في أول سيره إلى الله، هذه أول مراحل الانهيار، أولا الوهن، ثم الوهن إذا استمر ولم يتم معالجته ناتي إلى الضعف.
بدا يظهر الضعف، بدا يتخلف عن الصلوات، والله كانت تلبس مثلاً نقاب خلعت النقاب، طبعا فرق بين من تخلع النقاب لحاجة مرضية وللعذارى عند بعض أهل العلم، طبعا لم يكن في فتوى لا عن بعض أهل العلم مسألة خلافية، لكن فرق بين من وصلت إلى النقاب وخلعت بدون سبب؛ لأن هذا معناه انهزام، وبين من لم تصل أصلاً، يعني هي ابتداء كحالة حياتية أو كبيئة مستحب وتركته، لا لا، هو مش مستحب وتركته، هو انهزام وقع.
فأحياناً قد يترك الإنسان مستحباً فعلاً لظرف طبيعي، وقد يترك المستحب انهزاماً داخلياً، وفرق هائل بين هذا وهذا. يعني فرق بين من يعني يترك مستحباً من المستحبات لانشغاله عنه، وبين من يترك مستحباً من المستحبات بسبب الوهن الذي أصابه، فهذا شيء وهذا شيء تماماً. يعني زي واحد بحفظ قرآن بيقول لك خلص، يعني هو حفظ القرآن واجب تركته؟ لا، ما هو انت ليش تركته؟ هذا السؤال، احنا مش عم بقول لك إنه انت يجب عليك عيناً أن تحفظ القرآن، أنا فاهم، لكن أحياناً أخشى أن يكون تركك لهذا المستحب ولهذه الطاعة المستحبه في مقام من المقامات أخشى أن يكون هو نتيجة الوهن وأنت مش منتبه، فهو مؤذن بما بعده من السقوط.
المهم قال: فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ض... الاستمرار على الوهن دون معالجة يورث الضعف. طيب، الضعف إذا بدأ يظهر في مظاهر كثيرة في حياة ذاك الشخص إذا استمر عليه ماذا سيحصل؟ سكون، وهو وقف الحركة، قال: وما استكانوا.
الآن الاستكان هو السكون والوقوف في منتصف الطريق، هو كان متحركاً يسير إلى الله سبحانه وتعالى مندفعاً من نواحي علمية ودعوية وعملية وكذا، ويشتغل ويروح وكذا، ومشروع إسلامي ومشروع كذا، ورايح وجاي وحركة وتغليه نحي، بدأ الوهن يظهر لم يتم معالجته، إذاً بالوهن ينقلب إلى ضعف. بدأ يتخلى عن ورد اليومي، إيه كان يقوم الليل بطل يقوم الليل، إيه ترك أذكار الصباح والمساء، ها تركت النقاب شوي، خلعت الحجاب شوي، فهمتوا؟ فاهمين علي تماماً، صحيح؟ شوي شوي، هذا الذي كان في يوم من الأيام يسير إلى الله سبحانه وتعالى كان في حركة في اندفاع، أصبح في استكان، سكن، توقف في منتصف الطريق.
وما أصعب ذلك الشعور، شعور ذاك الإنسان الذي اختار السير إلى الله سبحانه وتعالى ثم بسبب ضغوطات الحياة وهموم الحياة وأثقال الحياة، وهن، ضعف، توقف. ويا ليت في مرحلة معينة حتى يقف عند الو يعني يعني يصل فقط إلى الوقوف، بل للأسف الوقوف يتبع في العادة ايش يا مشايخ؟ الوقوف يتبع في العادة انتكاس، تراجع إلى الخلف، يعود أدراجه ويلملم حياته ويعود ذاك الإنسان الذي يتبع شهواته وملذاته وجالس على السوشيال ميديا فقط من مقطع لمسلسل، لقصة، لكلام فارغ، لجلسات.
إيه فلان مش كنت معنا في مجال طلب العلم؟ إيه يا فلان ألم تكن ممن يحمل هم الدعوة إلى الله عز وجل وإصلاح المجتمع؟ يا فلان لماذا اختلف حالك؟ لما أصابني الوهن لم أتدارك ولم أهتم بإصلاح النفس، فتحول وهني إلى ضعف، الضعف أيضاً لم أهتم بمعالجته فتحول إلى سكون، ثم فقدت كل شيء.
أسأل الله السلامة والعافية، فعلاً لكن اتباع الأنبياء أصحاب الدعوات ليسوا ذلك: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. كثير هم الذين تربوا، ولم فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله.
لاحظ ماذا قال: فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله. احنا للأسف الوهن بيجي حتى تعرفوا كم حجم الهشاشة الإيمانية في وقتنا المعاصر، وأن أنماط التدين اللي في واقعنا المعاصر أنماط تدين مرعبة. السوشيال ميديا والحياة المعاصرة صنعت أنماط من التدين هي هشة من البداية. يعني احنا هنا لما نتكلم عن سورة آل عمران ربنا بيقول: فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، يعني ربنا بيتكلم هون عن دماء وأشلاء وأرواح ومهج بذلت، وقتل حصل ولم يسبب لهم وهن. احنا اليوم الإنسان بس بجوز يعني لاتفه شيء يصيبه الوهن، يعني لا أصاب لا دماء ولا أشلاء وما شاء الله طعامه موجود وأمنه موجود وحياته موجودة وبيصيبه الوهن بسبب والله خلاف.
بينه وبين شيخ آخر، أو اخت اختلفت مع اختها، تترك التدين كله، أو اختلف مع أهل المسجد بطل، أو مثلاً سوشال ميديا معينة أو حرم لذة، أصاب الوهن فعلا. أنماط التدين في واقعنا المعاصر مخفية، احنا بنتكلم في سورة آل عمران بسقف عالي يعني، نتكلم لَمْ يَهِنُوا مع أنهم رأوا الدماء والأشلاء وفقدوا الأحبة في معركة بركات السير إلى الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك لَمْ يَهِنُوا. طيب، إيش بدي أكلمك عن هذا الذي يهن فقط لأنه يعني شيخ حكى له كلمة قاسية، فقال لك ما بديش أتدين أصلاً! أصابه الوهن بس من كلمة جرحته، أو فلانة أصابها الوهن من موقف من أخواتها صار معها تركت كل التدين، أو فلان ابصر ايش صار معه في درس معين شاف الله شوية يعني فوضى في درس في محاضرة قال لك لا إذا هذول المتدينين أنا ما بديش إياهم.
أن تفهموا جِدا أننا اليوم عندنا هشاشة وضعف، وأن الوهن يصيب كثير من العاملين في الحقول الإسلامية على أتفه الأمور، على أتفه الأمور بيدخل الوهن ثم الضعف ثم الاستكانة. سورة آل عمران عم بتخاطب بالسقف العالي، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لما رأوا القتل والموت الأحمر والاعتقالات والأشلاء ما وهنوا، تيجي أنت تهن على أتفه الأمور وعلى دنيا تانية! غريب حال هذا الإنسان أي والله. فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. نعم، الله سبحانه وتعالى يحب رؤيتك وأنت تصاب على هذا الطريق، الله يحب أن يراك وأنت تدافع الوهن وأنت تدافع الضعف، وأنت تحاول أن تسير إليه رغم الجراح والآلام والاتعاب رغم ما أصبت به من أمور منهكة ومع ذلك ما زلت تسير. هذا المشهد، مشهد الإنسان الذي يسير رغم الثقل، من أعظم المشاهد التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويكرم أصحابها تماماً.
انتبهوا، هذا المشهد مراد للإله، أن يراك الله وأنت ما زلت مصراً على المسير، وما زلت تملك الدافع للسير إليه، وما زلت تملك القوة والدافع للحركة لهذا الدين رغم مع كل ما يحيط بك من آلام وجراح، ما أعظم هذا المؤمن! هذا هو المؤمن، هذا هو المؤمن الصادق المؤمن القوي. ثم لم ينتهي مشهدهم هنا، مش فقط فَمَا وَهَنُوا وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا، بل كانوا في قمة الدفعية، بل كانوا في قمة الروعة هؤلاء الربيون، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا. يعني هم رغم الجراح التي أصابتهم في سبيل الله رغم التضحيات لم يشعروا بماذا؟ بالجميل على الله! لم يشعروا أنه يا رب طرا احنا قدمنا لك كثير، احنا ضحينا من أجلك كثير. لا بالعكس، رغم كل التضحيات التي بذلوها من أجل ربهم سبحانه وتعالى ما زالوا يشعرون بالتقصير في حق مولاهم. شوف، شوف الفخامة! رغم كل التضحيات والآلام التي بذلوها في سبيل الله لما أصابهم ما زالوا يشعرون بالتقصير، وأن حق الله أعظم، وأننا لم نقدر الله حق قدره، فكان هجيرهم وكلامهم وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنوبَنَا.
يعني يا رب مقصرين. بعض الناس اليوم بس يعني بيختم القرآن ختمة يعني بحمل كل الأمة الإسلامية جميله على هاي الختمة، إذا فعل هيك معروف بيصير وتصدق له ب٥٠ دينار ١٠٠ دينار اوف شاف نفسه أن انه أنا حق الجنة يعني وليس لي إلا الفردوس الأعلى على أشياء بسيطة فعلها! هؤلاء ليسوا من الربيين، الربيون إذا قدموا وبذلوا يرون ضعفهم ونقصهم وأنهم لم يقدروا الله حق قدره، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا. احنا يا ربك يا رب ثبت الأقدام، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فهؤلاء آتاهم الله مش فقط ثواب الآخرة، فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، حصلوا الشغلتين معاً.
وهنا فكرة مهمة ربما أشرنا إليها في تراث ابن تيمية، وهي أن كثير من الناس يظن أنه إذا كان من الربيين، يعني إذا اخترت أن أكون من أصحاب الدعوات وسأقاسي في الدنيا، خلاص معناتها الدنيا راحت علي! ما دمت اخترت أن أأصبح متديناً وأن أكون من اصحاب الدعوات، إذا خلاص معناتها بدي أقاسي كما يقولون، الدنيا رح تكون مش مشكلة، آلام، جراح، أتعاب، سجون، اعتقالات، بس خلاص بطلب ثوابي من الله في الآخرة الدنيا خلاص ما فيها لذة! لا لا لا، وهنا الشيطان بدأ يفكر معك، من قال لك إن الربيين لا يشعرون باللذة وقمة الروعة في الدنيا؟! ورغم الآلام والجرح التدين والقتال في سبيل الله، وأن تحمل هم هذا الدين لا يعني كما يصور لك الشيطان انك خلاص ستفقد الدنيا ولذتها وتعيش حياة مليئة بالهموم والاحزان والغموم والفقد والجراح وفقط تطلب ثوابك من الله في الدار الآخرة. كلا، إذا أنت تفكر بهذه الطريقة معناتها أنت تفهم اللذة على أنها فقط اللذة الحسية طعام، شراب، مناكحة في البيت وقصر هذه اللذات الحسية.
لكن اللذات الأعظم، وهذه من المباحث التي كان العلماء يهتمون بها، ما هي أنواع اللذات؟ أعلى أنواع اللذات هي اللذات الروحانية والعقلية الفكرية، هذا قسم وأعلى وأجمل وأفخم أنواع اللذات، لكن لن تشعر أنت بقيمته حتى تتذوقه. ايش اللي كان يخلي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه وهو في سجنه يقول: إنها لتمر علي ساعات داخل السجن، تخيل داخل السجن! يقول: إنها لتمر علي ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم الذي أنا فيه لكفى بذلك نعيماً في الجنة. يعني متخيل هو في سجن والابواب مغلقة عليه وتمر عليه ساعات فيها لذة وسرور يقول: لو كان أهل الجنة في مثل هذه اللذة أنعم بها! طب ايش اللذة التي تمر بها وأنت في سجن وأهلك بعاد عنك والله يعلم ما هو الطعام والشراب؟ هؤلاء يتكلمون عن نوع آخر من اللذائذ.
كل سائر إلى الله يجب أن يبحث عن هذه اللذائذ، أنا أقولها لنفسي ولإخواني، هناك اللذائذ الروحانية والعقلية والفكرية، لذة معرفة الله، لذة محبة الله اللي هي سماها النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور حلاوة الإيمان ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ولذة الإيمان، لذة معرفة الله، لذة محبة الله، لذة الأنس بالله، لذة الجهاد في سبيل الله، لذة التضحية في سبيل الله. هذه لذة من عرفها وذاقها يعلم أنها أعلى من لذة أفضل الأطعمة في الدنيا، وأفضل الأشربة، وأفخم الفنادق، وأعظم الفلل، وأجمل النساء، كلها هي لذائذ واحنا نقر بها، لكنها لذائذ حسية، وهناك لذائذ الإيمان ومعرفة الله والانس بالله أضعاف أضعاف أضعاف هذه اللذائذ.
ولذلك من ذاق حلاوة الرباط في سبيل الله، من ذاق حلاوة الجهاد في سبيل الله، من ذاق حلاوة الإيمان بالله، من ذاق حلاوة محبة الله، يصبح ما يعني لا يستقر له قلب ولا تهدا له نفس إلا وهو يرابط يقاتل يضحي يبذل، حتى ترى الناس الذين لا يعرفون إلا اللذات الحسية يتعجبون من حال هذا الشخص، يقول لك يعني هذا مسكين مش عايش حياته! هذا مقضيها آلام واتعاب ونصب وعرق وسجن، ولا يعرفون أنه يعيش في عالم آخر من اللذات، عالم آخر هم لم يتذوقوه لا يعرفونه لم يكتشفوه فلا يرون ذاك العالم إلا عالم من البؤس والكآبة والدماء والاشلاء للحظة أنه بقولوا يا سيدي الحمد لله احنا مش في ذاك العالم. لكن أنت مسكين إذا لم تذق لذة ذاك العالم ولم تعش بتلك الأجواء.
الوهن يدخل علينا أيها الكرام عندما نجفوا ولا نفكر إلا فقط باللذات الحسية بالطعام والشراب والمنكح والبيت والفقط، لما نفكر فقط باللذات الحسية ولا نعرف ذاك الطعم العذب الجميل للذات الإيمانية اللي سماها الحديث حلاوة الإيمان، نعم سنبقى وسيبقى الشيطان يشعرنا أن التدين وأن السعي في السير إلى الله هو نوع من خلاص أنه ما راح يكون لك في الدنيا أي لذة، أي سعادة، أي جمال، بدك ترضى انك تكون كئيب، معتقل، سجين، مقهور في الدنيا بس بتنتظر ثوابك الآخرة، وهذا قمة القصور في التصور للإيمان. بل والله، لذلك الله عز وجل ماذا قال؟ قَالَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا يعني هؤلاء الربيون الذين اصابهم ما اصابهم في سبيل الله فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا وبقوا معترفين بالتقصير لربهم ودعوا الله والتجأوا إليه، هؤلاء لهم ثواب في الدنيا ولذائذ في الدنيا لو عرفها الملوك اتباع الملوك لقاتلونا عليها، لكن كما قلت هذه اللذات قد لا يحسن بالوصف لا يمكن أن أحيط بها، وأسال الله أن يذيقني وإياكم بلوغ هذه اللذات، أسال الله أن يذيقني وإياكم بلوغ هذه المنازل فنحن نخبر عنها لكننا نسال الله أن نكون يوماً من أهلها.
ولأن هؤلاء هم الربيون، الربيون هم من ذاقوا ذاك النوع الآخر من اللذات وارتقوا إليها وما بقوا كحالنا وحال كثير من الناس فقط نفكر باللذات الحسية، إذا التدين والسير إلى الله لا يعني انك تفقد اللذات، بل بالعكس يعني انك ستنتقل من نوع من اللذات إلى نوع أجمل وأبهج في اللذات، هذا معنى التدين انك ستنتقل من نوع من اللذات، طبعا لا عنك ستنتقل من اللذات الحسية يعني انك لن تحصلها لا لا بتعادي ترى، الحمد لله المجاهدون والمرابطون والدعاة والعلماء بيأكلوا وبيشربوا ويتزوجوا ممكن يتزوج واحدة واثنين وثلاثة، يعني عايشين للذات الحسية، لكن نعيم الدين نعيم التدين نعيم الالتزام نقلهم نقلة نوعية أنه أنا مش فقط عايش من أجل لذات حسية، بس هذه حلوة جميلة تمام بس لها مساحتها.
أنا أبحث عما هو أعظم من اللذات، انفتحت لي كوة إلى ما هو أجمل، أنا باقي حاصر حالي فقط في لذة الجنس ولا لذة طعام وشراب ولحم ودجاج ورز! أنا هذه اللذات اللي أنا عايش من أجلها في الحياة، ولا لذة أجلس على بحر أو أشرب عصير ولا كوكتيل ولا يعني هذه هي أنا العايش من أجلها؟ ولا سيارة حديثة ولا بيت واسع؟ يعني في النهاية النايم نايم والماكل ماكل والشارب شارب، الفقير ماكل والغني ماكل، ماشي اختلفت حجم نوعية الغذاء نوعية كذا بس يعني مش هالشيء الذي يستحق أن أقاتل من أجله، ليست أفخم لذات الدنيا، أفخم لذات الدنيا هي أن تعرف الله وتعيش من أجله ويكون هو المطلب الأعلى ويكون هو الغاية العظمى وتكون عارف بربك والسير إليه والغاية من وجودك وتبذل من أجل هذا الطريق.
هنا تبدأ اللذات العقلية والإيمانية تتنزل على قلبك وترى ما معنى هذه اللذة، ولذلك من ذاق تلك اللذات الأسماء أصبح ينظر دناءة لأصحاب اللذات الحسية، يعني الذين قصار همهم اللذات الحسية، أصحاب اللذات الحسية يرون اهل التضحية في سبيل الله مساكين، والذين يضحون في سبيل الله يرون الذين حصروا أنفسهم في اللذات الحسية هم المساكين حقاً، هم المساكين ينظرون بتأسف مساكين ما عرفوا من الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها، خرجوا بس بطعام وشراب ومنكح ومسكن وسيارة عاش من أجل مصاري بس، عبد دينار عبد درهم، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل وأبهى ما فيها.
العمل لله والسير إلى الله وأن تكون في واحة مع القرآن ولا مجلس نتدبر فيه كلام ربنا ولا مجلس علم نقرا فيه كلاماً ينير عقولنا ولا ساعة قيام ليل ولا مجلس تضحية في سبيل الله والوقوف مع المسلمين وقضاياهم والذهاب والجهاد والرباط والانتصار، يعني حياة لها معنى قضايا شريفة، فنسال الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا ثواب الدنيا ولذة الدنيا الحقيقية لذة معرفته والانس به والسير اليه وأن يرزقنا حسن ثواب الآخرة ثواب الآخرة الحسن بالقرب منه أيضاً في جنات النعيم قَالَ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ. وختم المحسن الذي أتقن تدينه الإحسان والاتقان الذي احسن واتقن فهم الدين وتصوره كما تصوره الربيون، هيك رح أجزي، نسال الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم وألا يحرمنا من منازلهم، آمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل