تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الأول: سورة النّاس الى سورة البروج

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله على نعمة القرآن، الحمد لله على نعمة الإيمان، الحمد لله أن عرفنا عليه وهدانا إليه، ونسأله سبحانه وتعالى الثبات على الصراط المستقيم. اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم صل وسلم وبارك وأكرم وأنعم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الأول من مجالس هذا البرنامج الرمضاني، برنامج رحلة الإنسان في القرآن.

حقيقة أيها الأحبه، فكرة هذا المجلس أو الطريقة التي سنتعاطى فيها مع القرآن في هذا المجلس ربما تكون غريبة عند كثير منكم، ولعلها أول مرة تمر عليه، التعاطي مع القرآن بهذه الطريقه. في العادة التعاطي مع الدرس القراني إما أن يكون باستلام سورة معينة تفسر تفسيرا مفصلا مع كل آية آية والوقوف على معاني وأفكارها، وهذا نوع من التفسير جميل ومهم، وهو قائم عندنا بحمد الله في تفسير العلامة النسفي في المجلس المستدام طوال العام. وهناك نوع آخر، مثلاً، أن تدرس غريب القرآن والالفاظ المبهمة والمشكلة على الناس، وهذا بحمد الله قائم أيضا في مدارستنا لكتاب غريب القرآن للعلامة ابن قتيبة رحمه الله تعالى عليه. لكن الطريقة التي سأعطي فيها مجالس رحلة الإنسان في القرآن ستكون مختلفة.

سرح في خاطري وفي ذهني أيها الكرام، لماذا لا نمر على القرآن من أوله إلى آخره خلال هذه الأيام المباركة التي نعيش فيها قبيل الشهر وفي ثنايا الشهر الفضيل؟ لماذا لا نمر عليه مرورا جمليا نركز على معاني معينة، كيف تعاطى القرآن معها؟ دائما يقولون من التدبر يحتاج إلى فن والتعامل مع القرآن وكيفية استخراج معاني وكنوز وأفكار القرآن يحتاج إلى دربة وإلى أساليب متعدده حتى تحصل على النتيجة النهائية.

فمن أفضل أساليب التدبر حقيقة، وأنصح بها نفسي وإخواني، هو أن تنظر في معنى معين أو في مجموعة معاني وتبدا تلاحظها وأنت تختم القرآن، وفي كل ختمة تلاحظ معنى جديداً. مثلاً، يمكن في ختمة من الختمات أن تلاحظ فرضا، فرضا، معنى بر الوالدين، كيف تكلم القرآن عن الوالدين في كتابه؟ أن تلحظ مثلا وأنت تنظر في كتاب الله سبحانه وتعالى فكرة التقوى، كيف تحدث القرآن عن التقوى؟ أن تلحظ فكرة الدعاء، كيف تكلم القرآن عن الدعاء؟ وفي كل ختمة يتم التركيز على معنى معين يكون انتباهك، يكون انتباهك مشدوداً إليه ملتفتاً إليه، تحاول أن تستخلصه وأن تتبعه في كل آيات الله سبحانه وتعالى.

هذا النوع فريد وجميل، ويجعلك تنظر للقران نظره شمولية كلية، ولكل نوع من أنماط التدبر والتفسير فائدته المرجوة. في هذا رمضان أنا اخترت في الحقيقة أن أتحدث عن رحلة الإنسان في القرآن، ما هي قصة الإنسان في هذه الحياة؟ كيف تحدث القرآن عن قصة الإنسان؟ ربما نحن في مخيم غراس غطينا الحديث عن هذا الموضوع، لكن للإخوة الذين يتابعون عبر الأكاديمية عامة، رايت أيها الأحبه أن القرآن عندما تكلم عن قصة الإنسان، القصة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تكون، فإنه تحدث عنها بأربعة عناوين عريضة.

العنوان الأول، عنوان العبودية، فتحدث القرآن عن العبودية من حيث مفهومها، ما العبودية التي يحبها الله، محكات العبودية، أنماط الناس في التعاطي مع مفهوم العبودية، المشاعر التي تتوافق مع العبودية وتشكل لبها، ومشاعر التمرد والخروج عن دائرة العبودية. تكلم إذا عن العبودية بشكل واف، لأنها الغاية من وجود الإنسان. ثم بعد ذلك أيضا تحدث القرآن عن فصل آخر من فصول حياة الإنسان وهو فصل البلاء، سنة البلاء وأشكال البلاء وأنماط البلاء وما هي قواعد تعامل الإنسان مع البلاء.

كذلك انتقل القرآن ليتحدث عن موضوع آخر عظيم ومفصلي في حياة الإنسان وفي رحلة الإنسان، وهو مفهوم الثبات، قيمة الثبات وآلياته وقواعده وكيف يمارسه الإنسان، وما الذي يعين الإنسان على الثبات ووقود الثبات، إلى غير ذلك. ثم تكلم القرآن فيما يتعلق بالانسان عن موضوع التمكين، كيف يصل الإنسان إلى التمكين النفسي والإيماني وكيف تمكن الأفكار وتمكن الدول وتنتصر هذه الأمة بكل اشكال التمكين وأنواعه. إذا هي معاني أربعة سنعيش في أفيائها بإذن الله خلال هذا البرنامج الرمضاني، معنى العبودية والبلاء والثبات والتمكين.

ركزوا معي، سنمر على القرآن بإذن الله في ثنايا هذه المعاني الأربعة فقط، هذا الذي يعنيني. والطريقة التي ساتناول فيها هذا الموضوع أنني سأبدأ من آخر سور القرآن، سنبدا من سورة الناس وننطلق منها وفي كل سورة ساتكلم عن معنى سريع فقط، يعني حتى نستطيع أن ننجز إن شاء الله، أننا نستطيع ننجز الكتاب القرآن الكريم كاملاً، لكن حتى لو أنجزنا 80 90% ممتاز، لكنني اريد أن تجهزوا أنفسكم لهذه الطريقه التي ساتعاطى بها.

أول شيء، حتى نستفيد أحبابنا من هذا المجلس، لابد وأن تحضر المصحف الشريف بالمقطع الكبير كما أفعل أنا، تأتي بالمصحف الشريف بمقطع كبير وتضع أمامك منضدة. المصحف الطاهرة الطيبة تكون هكذا نظيفة، تضع عليها مصحفك وتفتح المصحف معي من سورة الناس. لماذا أريد المقطع الكبير؟ لأنني أريد أن أضع فكرة أو خاطرة بجانب كل سورة في الحاشية البيضاء، أريدك في الحاشية البيضاء أن تضع الفكرة التي سنتحدث عنها بجانب السور، ولعلنا أيضا بعض الكلمات المهمة والمحورية سنضع تحتها خط في المصحف. هذا المصحف يبقى معك في رمضان وبعد رمضان، وكلما قرات كتاب الله سبحانه وتعالى والفكرة موجودة على حاشيته وبعض الكلمات وضعنا تحتها خطوط، ستبقى تتذكر هذه المعاني وتحدث في داخلك شيئاً كبيراً.

نعم جميل أن تكون كل سورة لها لمسة معينة في قلبك، وسنمر على كل صفحات القرآن بهذه الطريقة بإذن الله. ننظر، انظر هذه الصفحة، هناك فكرة أساسية تتكلم عنها، سواء في موضوع العبودية أو البلاء أو الثبات أو التمكين، ماذا تريد هذه السورة أن تخبرني؟ ترى كثير من الناس أحبابي الكرام هو لا يعرف كيف يستهدي بالقران، عفوا، كيف يستخلص معاني القرآن؟ طيب هذه السورة ماذا تريد أن تخبرني؟ هذه الصفحة كيف أتعبد الله بها؟ وهذه الصفحة وهذه الصفحة؟

طيب، ما هي القيم التي تريد هذه الصفحة أن تجليها في حياتي؟ ازعم أن كثيرا منا يتيه في هذه الأمور، ونحتاج إلى مجالس مدارسة القرآن، ورمضان شهر المدارسة، لكنني أنصحك أنه لابد أن تبدأ بالمدارسة قبل رمضان. ترى كثير من الناس أحبابي الكرام فجأة يعلن أن غداً رمضان يريد أن يفتح المصحف، لا، ترى حقيقة أنت تأخرت، الأصل المصحف ببدئ به والصلاة ببدئ بها والاقبال ببدئ به في رجب وشعبان وما قبلها. لكن لا، يعني لا أقل قبل رمضان بخمس ستة أيام تبدأ تفتح المصحف معي، حتى إذا دخل رمضان كان هناك نوع من الدربة ونوع من الاستعداد النفسي لاستقبال هذا الشهر الفضيل.

أما هكذا أن تنزل رمضان فجأة تجد نفسك فتحت المصحف، ستجد نوع من الثقة، ستجد نوع من الجفوة أنني ابتعدت كثيراً عن القرآن الآن، أريد أن أفتحه أحتاج ربما إلى ست سبعة أيام من رمضان حتى أبتدئ أعتاد على النمط الجديد. لا، إذا دعنا نعتاد من الآن على القرآن والتعامل معه واستخلاص معانيه، يدخل رمضان عليك سهلاً ميسراً. لا أريد أن أطيل لأنه حقيقة البرنامج طويل والرحلة مع القرآن شيقة وجميلة بهذه الطريقة، ولعلها يكون نمط جديد من أنماط التعاطي مع القرآن لعله يعجبك وتجد فيه بإذن الله فائدة وثمرة.

إذا، كما اتفقنا، نحن هنا لا نريد أن نفسر السور، لكننا نريد أن نضع ملامح السور والصفحات، الآن صور لأنه جزء عما، لكن بعد قليل ستبدأ صفحات إن شاء الله، نريد أن نضع ملامحها العامة. أحضر مصحفك يا رعاك الله، وضعتم المصاحف أمامكم؟ إنه ما ينفع هكذا تبقى متلقي، لابد أن تفتح المصحف الكبير وتأتي بالقلم وتكتب فكرة معينة حول الصفحة، وبإذن الله ستشعر بجماليته. أنا أقول لك أعيدك بإذن الله إذا اهتممت واحتفيت بهذا ستجد جمالية هذا عندما تعتني بهذا المصحف، وكل ما تختم تتذكر، والله قلنا هنا فكرة كذا في العبودية، وهذه صفحة فيها فكرة كذا عن الثبات، هذه صفحة تتكلم عن البلاء، هذه تتكلم عن التمكين، وهكذا.

دعونا ننطلق في رحلتنا مستعينين بالله، وكما اتفقنا سنبدا بالسور القصيرة، لماذا؟ أولاً، لأن السور القصيرة، سور جزء عم وسور المفصل، هي في الحقيقة من أوائل ما نزل على النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. ترى أنا أعتقد أن من الخطأ أن يبدأ في التدبر بالتعاطي مع سورة البقرة ابتداء كتدبر، لماذا؟ لأن سورة البقرة ثقيلة وأحكامها كبيرة وهي آخر ما نزل من القرآن. لا، أنا أريد أن أعرف الصحابة الكرام في دار الأرقم بن أبي الأرقم في الرحلة الأولى وفي الخطوات الأولى ماذا كانوا يقراون؟ كانوا يقراون السور القصيرة التي في جزء عمه، وكانوا يقراون السور التي في جزء تبارك، وهكذا السور المكية خاصة، الحجم الصغير، القصير منها. دعوني أقول دائماً نحب الحجم القصير، وأما القرآن فكله كبير، فلذلك أنا حقيقة أنصح إخواني، وأنصح في أي حلقات تدبر أو مدارسة، أنك لا تبدأ بسوره البقرة، لماذا؟ كما قلت، لأنها اللي هي من اواخر السور التي جمعت واكتملت، هذه من جهة.

من جهة أخرى، أن كثير من الناس يعني لما تبدأ معه بسورة البقرة يجدها طويلة والمسير فيها طويل، ويقول لك لسه يا شيخ في أول سورة احنا القران طويل، فيستثقل المسير فينفقطع، بخلاف لما يبدأ بالسور القصيره ويشعر بلذه الانجاز سورة بعد سوره، سورة بعد سوره، ثم ينتهي بسورة البقرة، والله يجد محفز له أن يصبر فما بقي إلا هي. فهذا أيضا من نوع من مخادعة النفس حتى تعينها على الاستمرار والاستدامة.

لذلك سنبدا بسورة الناس، سنبدأ بسورة الناس. ولاحظوا كيف ختم القرآن بماذا؟ بنقطة الضعف الكبرى في حياة الإنسان، وهي وجود الشيطان في حياته الذي يحاول أن يصرفه عن العبودية لله سبحانه وتعالى. ولذلك من جميل القرآن أنه اختتم بنقطة ضعف الإنسان الكبرى، وأنه ابتدأ بسورة البقرة الكبرى، يعني سورة الناس هي تمثل أضعف نقطة في الإنسان، وسوسة الشيطان، بينما سورة البقرة تمثل أعلى مرحلة في حياة الإنسان، وهي مرحلة الدولة المسلمه، مرحلة التمكين، وَكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وتشريع الأحكام والنهايات الكبرى.

فما بين سورة الناس وسورة البقرة تتشكل الحكاية أيها الكرام، الناس نقطة الضعف للإنسان، والبقرة حالة الاكتمال والتمكين والشرائع والاحكام الكبرى، تلك سورة التمكين، وهنا مرحلة أولى من حياة الإنسان، ألا وهي مرحلة الضعف. تمام، سنبدا إن شاء الله ننطلق في هذه الرحلة، نحلق في أجواء سور القرآن، ونسأله سبحانه وتعالى الإعانة.

سورة الناس، الله سبحانه وتعالى يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ. وسامحوني طبعا الكلام سيكون سريعا لأننا نريد أن ننجز إن شاء الله ونريد أن نضع أفكار، فلذلك تبعوا معي وجهزوا أقلامكم. سورة الناس يجب أن أخذها مع سورة الفلق، لا يمكن الاستغناء عنهما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن فضيلتهما معا، فهما يشكلان عقداً واحداً.

ما هي الفكرة العامة لسورة الفلق؟ قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، ولسورة الناس قل أعوذ برب الناس ملك الناس. الفكرة العامة التي تحوم حولها هاتين السورتين هي شعور عظيم من مشاعر العبودية، ألا وهو شعور افتقار الإنسان للإله والحاجة إليه ليقيه الشرور الظاهرة التي ركزت عليها سورة الفلق، وليقيه الشرور الباطنة الوساوس وهذا الذي ركزت عليه سورة الناس. ترى أحبابي، لاحظتم معنى جميلا وأنا أستقرا المصحف بهذه الطريقه، وهي أن القرآن يتحدث كثيرا كثيرا عن شعور الافتقار، ويحذر كثيرا كثيرا من شعور الاستغناء والاستكبار والطغيان. ستلاحظون هذا جليا واضحا في جزء عمه، الحديث كثيرا عن شعور الافتقار، لأنه أهم وأعظم شعور من مشاعر العبودية، شعور الإنسان بافتقاره لخالق الاكوان، والتحذير الشديد المتكرر من شعور الإنسان بالاستغناء عن الإله وطغيانه على الإله وعدم التفاته إليه، ما أسوأ هذا الشعور! لذلك حذر القرآن منه كثيرا.

فلذلك سورة الفلق وسورة الناس تتكلم عن هذا الشعور، شعور الافتقار: قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس. أعوذ، ألتجئ، أعتصم إليك يا رب. في سورة الفلق من شر ما ظهر في حياة الإنسان، من شر ما خلق، من شر القمر إذا ذهب وادلهم الليل، من شر السحر، من شر الحاسدين. سورة الناس التركيز على الشرور الداخلية، الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. فإذا هذه السورة تذكرك بالافتقار، ومظهر الافتقار هو الاستعاذة والالتجاء والاعتصام بالله، أعوذ. فكلمة أعوذ ضع تحتها خط، ضع تحتها خط لأنها تشكل الانطلاقة في هذه السورة.

بعد ذلك ننتقل إلى سورة الإخلاص. ما الفكرة العامة لسورة الإخلاص؟ الفكرة العامة أنها تحدثك عن كمال المعبود. نعم، نحن قلنا الآن سنتدبر القرآن من خلال عبودية، بلاء، ثبات، تمكين. ستلاحظ أن جزء عما يحوم في جله حول العبودية، لماذا جزء عما لا يتحدث كثيرا كثيرا عن البلاء والثبات والتمكين؟ لأن هذه فصول متقدمة من الحكاية، الجذور التي ينبغي أن يتكلم عنها الإنسان ابتداء هي العبودية، يتعرف ضعفه وافتقاره ثم يتعرف على كمال معبوده وغناه.

فتأتي سورة الإخلاص لتعرفك على كمال المعبود، نضع هكذا كمال المعبود. الله أحد، الله الصمد، مقصود في الحوائج، الله سبحانه غني لم يلد ولم يولد، وهذا رمز الغنى، فهو ليس مفتقرا إلى خالق ولا مفتقرا إلى ولد، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. شوف جمالية هذه الصفحة، الفلق والناس تخبرك عن افتقارك، والإخلاص تخبرك عن غنى معبودك.

ننتقل إلى سورة المسد، سورة المسد أيها الكرام ما هي الفكرة العامة التي تتحدث عنها؟ تتكلم عن شعور التمرد على الإاله الذي يمر به بعض الناس، فأبو لهب هو رمز للتمرد، تمام؟ والتمرد عند الناس إنما سببه ما هو؟ الشعور بالاستغناء عن الإاله، لذلك الكلمة المحورية في سورة المسد هي: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. كلمة أغنى، ضع تحتها خط، أغنى، شعورك بالاستغناء؛ لأن معك مال، لأن معك سلطة، لأن معك صحة وبدن وعافية، لأن معك سيارات حديثة وفلل وقصور، شعور الاستغناء هذا بيجعلك تتمرد على الإاله ولا تريد أن تنقاد له، فالله قال: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ. تظن أن المال والعقل وكل ما تعطى من الدنيا يجعلك تشعر بالاستغناء أو يمكن أن تستغني به عن الإاله؟ فهذا شعور خاطئ يخرجك عن مقام أنك عبد لهذا الإاله.

تأتي بعد ذلك سبحان الله التناسق القرآني، تأتي سورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخرها، فسبح بحمد ربك واستغفره. تأتي لتخبر أن الإنسان وهو في أعلى درجات الانتصار في الدنيا وفي أعلى درجات الكمال في الدنيا، وهو النصر والفتح والتمكن في البلدان، إذا جاء نصر الله والفتح، عليه أن يبقى مستحضرا لمشاعر الافتقار وانه عبد، إذا جاء نصر الله فسبح، سبح بحمد ربك واستغفره، ستبقى عبدا، ستبقى مفتقرا حتى وانت في مراحل التمكن. إذا سورة المسد تتكلم عن إنسان استغنى عن الإاله، بينما سورة النصر تخبر عن النبي الأعظم وتوصيه صلوات ربي وسلامه عليه: وأنت في لحظة الانتصار والفتوحات والتمكن في الأرض، عليك أن تبقى مستحضرا مشاعر الافتقار.

لاحظ، الفلق الناس تتكلم عن افتقار العبد، الإخلاص تتكلم عن غنى المعبود، المسد تتكلم عن تمرد بعض العبيد وشعورهم بالاستغناء، النصر تتكلم عن ماذا؟ تتكلم أن الإنسان يجب أن يحافظ على الشعور بالافتقار حتى في لحظات التمكن والانتصار العالي، هذا كله ننتبه له.

ثم تأتي سورة الكافرون: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لتلخص هذه السورة نفسها أو توجهنا هذه السورة إلى ماذا؟ إلى أولا، أهمية توحيد المعبود سبحانه وتعالى: لا أعبد ما تعبدون، أن تكون عبوديتك لله وحده فلا تفرقها ولا تشتتها، هذا واحد. ثانيا، تبين أن البراءة من أعداء السيد المولى العظيم سبحانه وتعالى من أعظم معاني العبودية، الآن أنت عبد والله هو المعبود، وكمال عبوديتك لله يقتضي ماذا؟ أن تتبرا من أعداء سيدك وأن تحذرهم ولا تواليهم، لذلك غريب هذا النمط من الناس اليوم اللي ما عنده مشكله أن يحب أعداء الأمة ويعيش في أحضانهم ويخذوا من لبانهم ويمدحهم ويثني عليهم ثم يزعم بعد ذلك أنه عبد لله سبحانه وتعالى، هذه المشاعر متناقضة. من أعظم مشاعر العبودية لله سبحانه أن تتبرا وتبغض أعداء المعبود، لا، هذا شعور عظيم، لذلك أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، هذه أوثق عرى الإيمان، لذلك سورة الكافرون أتت لتلخص هذه الفكرة؛ الفكرة الأولى: أهمية توحيد المعبود فلا تشرك به هذه من جهة، ثانيا: أهمية البراءة من أعداء هذا المعبود، لان هكذا تكون مشاعر العبودية مشاعر نقية صحيحه لا يوجد فيها اختلاط.

بعد ذلك نذهب إلى سورة الكوثر: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. هذه السورة التي تخبر، لاحظوا، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. فصلي لربك وانحر، الخضوع لله سبحانه وتعالى هو اشرف مقامات الانبياء، لذلك الله اوصى نبيه فقال: فصل لربك وانحر. الخضوع لله والافتقار لله هو اعظم مقامات الانبياء، وبالتالي في المقابل ماذا نقول؟ تشريف الله سبحانه وتعالى لنبيه إنما كان بسبب اكتمال معرفة نبيه بما يستحقه الله من العبودية، يعني هذا الدفاع الكبير وهذا العطاء الكبير، العطاء الكبير: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، والدفاع الكبير: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، إنما حبكته كانت في: فصل لربك وانحر. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما اكتملت معرفته بالله ولما كان في كمال العبودية لله في أعلى المقامات وكمال الافتقار في أعلى المقامات، مقام: فصلي لربك وانحر، استحق كامل العطاء واستحق كامل الدفاع، وهذا نقيسه على أنفسنا: كلما صليت لله وخضعت لله وكانت مشاعر العبودية حاضره عندك، كلما كان العطاء كبيرا وكان الدفاع كبيرا من الله سبحانه وتعالى عنك، العبودية تمكنك منها وزياده خضوعك لهذا الاله زياده في العطاء لك وفي الدفاع عنك.

ننتقل بعد ذلك إلى سورة الماعون: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. هذه السورة حقيقة تتكلم عن ماذا كفكرة أساسية في العبودية؟ تتكلم عن توساع شمول توساع مفهوم العبودية في الإسلام، وأن مفهوم العبودية مفهوم شمولي لا يقتصر فقط على الأفعال الخاصة بك، بل يتعداها أيضا إلى الأفعال النافعة للمجتمع، فالله سبحانه وتعالى لما حذر ماذا قال؟ لم يقل أرايت الذي يكذب بالدين الذي لا يصلي فقط، لا، قال: الذي يدع اليتيم، قال: الذي لا يحض على طعام المسكين، قال: الذي يمنع الماعون، والماعون هي العارية أن تعير أخاك ما يحتاج من امور الحياة، ثم ذكر الصلاة من ضمن الأعمال. فسورة الماعون تبين من بداية الطريق أن العبودية مفهوم شمولي، لا تظن أن العبودية مجرد أن تجلس في بيتك تصلي ركعتين أو تصوم، ثم أخلاقك المجتمعية ومعاملتك للناس كئيبة، لا، هذا ليس تحقيق للعبودية، العبودية مفهوم شامل، هناك مساعدة لليتيم والوقوف مع الإخوة وإعارة العواري، وهناك صلاة وإقبال على الله أيضا في نفس الوقت، فسورة الماعون شمولية وتصوير لطبيعة العبودية التي يحبها الله سبحانه وتعالى.

تأتي بعد ذلك سورة قريش: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ، قال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. فليعبدوا رب هذا البيت. إذا هذه السورة ما فكرتها الأساسية؟ الأخبار عن كمال المعبود، وأن الله هو المعبود الحق الذي يستحق أن يتوجه إليه لكي كمال انعامه وعطائه. هذه السورة، سورة قريش، تتحدث مثل سورة الإخلاص، سورة الإخلاص تكلمت عن كمال المعبود من حيث أسمائه وصفاته، سورة قريش هي تدعو إلى عبادة هذا الإاله الحق لماذا؟ لأنه صاحب الانعام والعطاء، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وقص عليها سائر النعم التي انت في تمر بها في حياتك، فالذي انعم وأعطاه هو الذي يستحق أن يكون معبودا ومفزعا وملجأ وأن يختار هو دون غيره لتوجيه مشاعر العبودية اليه.

تأتي بعد ذلك سورة الفيل أيها الكرام: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. تأتي سورة الفيل مثل سورة المسد لتتكلم عن ماذا؟ ضعوا الخواطر سريعا بجانب السور؛ سورة الفيل تتكلم عن حالة تمرد عن العبودية وتطاول على مقام الإاله، أبرهة أراد أن يتطاول على بيت الله العتيق، أراد أن يتطاول وهو عبد حقير، أراد أن يتطاول على الرب العظيم، حالة التمرد سيكون عاقبتها وخيمة، عاقبهمرد الطير الأبابيل، الطير الأبابيل. فسورة الفيل حالة تمرد تمثل.

ننتقل إلى سورة الهمزة، وسورة الهمزة أيضا إكمال في سورة التمرد عن مقام العبودية ومشاعر العبودية؛ سورة الهمزة تكلمت عن قضية الاستغناء مرة أخرى، الذي يجعل كثير من الناس يتمرد، ولاحظوا عندما يتكلم الله عن قضية الاستغناء عند كثير من الناس والتمرد يكون المال حاضر في سورة المسد، قبل قليل ماذا كان؟ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. في سورة الهمزة الآن: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَكَ أَخْلَدَهُ. حقيقة هذه تستوقفني كثيرا، أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن أكثر ما يجعل الانسان يشعر بالاستغناء والتمرد على الإاله هو وجود المال في يده، الثروة، الرفاهية، الحياة المفتوحة، سيارات وفلل وقصور. للاسف كثير من الناس عندما يتاح المال له وتتوسع الدنيا عليه يبدأ يشعر بشيء من الاستغناء، بقول لك معي مالي، استطيع اشتري ما اريد، أذهب لأفضل المستشفيات، أخذ أفضل العلاج، أذهب للسياحة، أفعل وأفعل، فيبدا رويدا رويدا نفسه تقول له: أنت لماذا تحتاج للإاله؟ لماذا تحتاج لمشاعر العبودية؟ فالمال موجود والمال يفعل كل شيء للانسان. آه، فهنا ربنا يحذرنا: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَكَ أَخْلَدَهُ، وفي سورة المسد: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، وسيتكرر هذا كثير في سور جزء عم. أحذر أن تكون الرفاهية والحياة الواسعة التي تعيشها سببا في شعورك بالاستغناء، عليك أن تحافظ على شعور أنك عبد ولا تصلح إلا أن تكون عبدا ولو ملكت ما ملكت من هذه الدنيا، فهذا المال يذهب.

تأتي سورة العصر لتتكلم عن صورة التعبد التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تكون منا، تفاصيل التعبد كيف يريدنا الله أن نتعبده؟ طبعا هنا من هنا سنبدا نضع أي دائرة حول كلمة الانسان، هذه أول مرة تمر معنا كلمة الانسان، وهذا سنجده كثيرا في جزء عم، أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن الانسان باعتباره إنسانا يعني بغض النظر أنه مسلم أو كافر، سيعطي الله عز وجل كثير من الأحكام للإنسان باعتباره إنسانا، لذلك سمينا هذه الدروس رحلة الإنسان. سورة العصر نضع دائرة حول كلمة: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. يعني هذا الجنس البشري هو في خسارة وفي هلاك إذا لم يقم بوظيفه العبودية. طيب، ما هي وظيفه العبودية؟ آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. الإنسان سيكون في خسارة وصفقته ذاهبة وحياته لا قيمة لها، لفي خسر، إلا إذا التزم عتبات العبودية: العلم الذين آمنوا، العمل وعملوا الصالحات، الدعوة إلى الله تواصوا بالحق، الصبر على هذا الطريق تواصوا بالصبر. هذه الأربعة هي الوظائف عموما بشكل عام في وظائف العبودية العامة، دعوني اسميها العلم والعمل والدعوة إلى هذا الدين تواصوا بالحق، والصبر على ما يتلقاه من الأذى فيه والتواصي على ذلك. إذا بينت هذه سورة العصر أن الإنسان الخارج عن العبودية خسر، والإنسان الملتزم بالعبودية ظافر.

تأتي سورة التكاثر بعد ذلك: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. كلمة ألهاكم هي الكلمة المفتاحية في هذه السورة. تتكلم سورة التكاثر عن خطورة الانشغال عن المقصد الذي خلق الانسان من أجله وهو العبودية؛ أنت خلقت من أجل أن تكون عبدا فلا يصلح ألهاكم التكاثر، ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر. خلقتك لتكون عبدا ولتشتغل بمراتب العبودية التي ذكرت في سورة العصر: العلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى فيه، فللاسف كثير من الناس ترك هذه الوظائف وألهاه التكاثر، وهذا مناقض لمشاعر العبد، العبد لا يشغله التكاثر، العبد تنحنح مهما رزقه الله من المال والصحة والعافية والحسب والنسب يبقى منشغلا بالوظيفة الأساسية التي خلق من أجلها، فاحذر هذا الإلهاء، ألهاكم، نضع تحتها خط.

تأتي سورة القارعة بعد ذلك: الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. حقيقة القارعة فكرتها الأساسية في آياتها الأخيرة: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. سورة القارعة ومثلها كثير من السور التي تتحدث عن الدار الآخرة وتفاصيل النجاح والخسران فيها، هي تتكلم عن ثمرة حياة الانسان؛ وأنت تعيش في هذه الحياة الدنيا قصة، لكن الفصل الأخير من هذه القصة سيكون يوم القيامة، فالله يخبرك كثيرا كثيرا عن يوم القيامة وعن الدار الآخرة باعتبارها تمثل الفصل الأخير من قصة الحياة، الفصل الذي ستحصل فيه على ثمره السعي. فالله عز وجل يخبر أن الانسان الذي خلقته في هذه الدنيا وعاش، سياتي يوم القيامة ليرى الفصل الأخير والنهاية وهم أحد أمرين أو أحد شخصين؛ أما شخص ناجح فيقال له في عيشة راضية، وأما شخص سقط ولم يقم بالعبودية والصبر والبلاء فسيقال له فأمه هاوية، وانتهت الحكاية بشكل واضح ما في غبار. هذه جمالية العقيدة، العقيدة الإسلامية واضحة، ما عندنا تفاصيل غير مفهومة النتائج، التفاصيل قصة الحياة والثمار النهائية كله واضح: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ.

ننتقل إلى سورة العاديات، أما سورة العاديات ففكرتها الأساسية تتكلم عن الانسان: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. نضع تحت كلمة الانسان خط أو حولها دائرة؛ لاحظ، سورة في العصر: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، في سورة العاديات: إِنَّ الْإِنسَانَ، الكلام عن الانسان وعن نقاط ضعفه. فالله عز وجل في سورة العاديات يركز لنا على نقطة ضعف كبيرة في الإنسان، وهي سرعة جحوده لنعم الله عليه وعطائه الله له وشعوره بالاستغناء لمجرد وجود النعم في حياته، برجع لموضوع الاستغناء: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. الكنود هو الذي يجحد المنعم ويجحد نعمه عليه، هذا معنى الكنود الجحود. أن الإنسان لربه لكنود، الانسان للاسف عنده هي نقطة الضعف: سريع النسيان لمن أنعم عليه، سريع الجحود لفضل المعطي المنعم. حالة النسيان للنعم المتكاثرة وزحمة النعم التي انت فيها في الحياة يجعلك تنشغل بما أعطيت بدلا من أن تنشغل بخدمة من أعطاك. فالله عز وجل يحذرك أيضا من هذا الأمر: عندك نقطة ضعف أيها الإنسان وهي سرعة الجحود والنسيان، عليك أن تقاومها وتنجيها بالالتزام بعتبات العبودية. إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، والخير هنا ما هو؟ المال، الخير هنا المال أيها الكرام، فبنرجع لموضوع المال. يعني العاديات تتكلم عن المال وخطورته، الهمزة تتكلم عن المال: جمع مالا وعدده، سورة المسد: ما أغنى عنه ماله. المال، طبعا المال هو يعني بغض النظر المال قد يكون مال نقدي، قد يكون سيارات فلل قصور، حياة رغيدة الرفاهية باختصار. الرفاهية أكبر شعور يفسد حالة التعبد والافتقار لدى الانسان. لذلك ترى الفقر اخواني نعم، وإن كان الانسان لا يحبه ويسعى للغنى، لكن قد يبتليك الله بالفقر ويكون فقرك نعمة. ترى الغنى خطير خطير خطير على قلبك وعلى مشاعر عبوديتك، نحن نسال الله الرزق الواسع والحياة الطيبة، لكن بس حتى إذا كنت بتليت بفقر لا تقول ليش أنا فقير، ما هو أحيانا الفقر منيح، أحيانا الغنى.

يَطْغَى، يَا إِخْوَانِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. فَهِيَ السُورَةُ بِتَقُولُ لَكِ أَنْتَ يَا إِنْسَانُ ضَعِيفٌ، أَنْتَ يَا إِنْسَانُ سَرِيعُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْإِلَهِ لِمُجَرَّدِ لُعَاعَةٍ تُعْطَاهَا، فَبَدَكَ تَنْتَبِهْ يَا إِنْسَانُ، لَا تَجْعَلْ هَذَا الضَّعْفَ مُسْتَمِرًّا فِيكَ، حَاوِلْ أَنْ تُعَالِجَهُ.

تَأْتِي سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَأَرْجُو إِخْوَانِي كَمَا قُلْتُ، بِجَانِبِ كُلِّ سُورَةٍ ضَعِ الْفِكْرَةَ الْأَسَاسِيَّةَ، بَسْ ضَعِ الْفِكْرَةَ الْأَسَاسِيَّةَ حَتَّى فِي رَمَضَانَ وَأَنْتَ بِتِقْرَأْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِتَضَلَّكْ تَتَذَكَّرْ هِيَ الْفِكْرَةَ وَتَتَأَمَّلْ فِيهَا، فَتَشْعُرْ بِقِيمَةِ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ. سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ تَتَكَلَّمُ أَيْضًا مِثْلَ سُورَةِ الْقَارِعَةِ؛ هَايَ الزَّلْزَلَةُ وَمُقَابِلُهَا الْقَارِعَةُ، فِكْرَةُ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. هِيَ فِكْرَتُهَا الْأَسَاسِيَّةُ تُخْبِرُكَ أَنَّ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ سَيَكُونُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِيَرَوْا أَعْمَالَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. الْمُعَادَلَةُ وَاضِحَةٌ، وَلِوُضُوحِهَا أَيْضًا تُكَرَّرُ وَتُكَرَّرُ حَتَّى تَرْسَخَ؛ لِتَعْرِفَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ حَيَاتِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ تَرَى أَنْتَ تَخُطُّهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. إِذًا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ ثَمَرَةُ الْحَيَاةِ سَتَكُونُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْفَصْلُ الْأَخِيرُ سَيَكُونُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَطَرِيقَةُ التَّعَامُلِ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْقَارِعَةِ، هُنَاكَ نَاجِحُونَ وَهُنَاكَ فَاشِلُونَ، هَذِهِ الْفِكْرَةُ الْعَامَّةُ لِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ.

نَأْتِي الْآنَ إِلَى سُورَةِ الْبَيِّنَةِ؛ طَيِّبٌ، سُورَةُ الْبَيِّنَةِ مَا مَوْضِعُهَا فِي هَذِهِ الْحَلَقَاتِ الْمُتَتَابِعَةِ وَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تَتْرَى أَيُّهَا الْكِرَامُ؟ سُورَةُ الْبَيِّنَةِ تَتَكَلَّمُ أَوَّلًا عَنْ أَيَّةِ مَفْهُومٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ لِمَاذَا أَرْسَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُرْآنِ؟ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. لِمَاذَا أَرْسَلَ لَهُ اللَّهُ لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؟ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. مَا هِيَ الْبَيِّنَةُ؟ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، هَذَا تَفْسِيرُ الْبَيِّنَةِ. فَهَذِهِ السُّورَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَيْكُمْ وَعَرَّفَكُمْ بِمَقْصِدِ وُجُودِكُمْ وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ، مِنْ خِلَالِ هَذَا الرَّسُولِ الَّذِي يَتْلُو عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَرِّفُكُمْ لِمَاذَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَمَا هِيَ قِصَّةُ وُجُودِكُمْ وَمَا هِيَ حِكَايَتُكُمْ وَمَا الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْكُمْ؟ فَهَذِهِ سُورَةٌ تُبَيِّنُ بِوُضُوحٍ: الْبَيِّنَةُ قَامَتْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فَعَلَيْكُمْ أَنْ يَعْنِي لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقُولُ يَا رَبِّ تَرَى أَنَا مَا عَرَفْتُ لِمَاذَا أَنَا وُجِدْتُ وَمَا هِيَ الْغَايَةُ وَالْمَقْصِدُ سَامِحْنِي يَا رَبِّ، لَنْ يُقْبَلَ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَكَ بِالْبَيِّنَةِ وَوُضُوحِ وَقَامَتْ عَلَيْكَ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ، فَأَنْتَ الْآنَ عَلَيْكَ أَنْ تَبْدَأَ قِصَّةَ الْحَيَاةِ وَتَلْتَزِمَ بِهَا.

أَيْضًا رَكَّزَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَوْقِفِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِالتَّحْدِيدِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ. يَعْنِي هَذِهِ الْبَيِّنَةُ أَتَتْ لِتُخْبِرَكَ أَنَّكَ مَاذَا؟ عَبْدٌ لِلَّهِ تُخْلِصُ لَهُ الدِّينَ وَعَلَيْكَ أَنْ تَقُومَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، ثُمَّ بَاقِي الشَّعَائِرِ سَتَاتِي تَبَاعًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ ثُمَّ مَوْقِفُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ كَيْفَ سَيَكُونُ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ. فِي الْمُقَابِلِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. كَمَا قُلْنَا الْبَارِحَةَ فِي دَرْسِ الْمُخَيَّمِ: أَنَّ النَّاسَ تُجَاهَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَفَصْلِ الْعُبُودِيَّةِ قِسْمَانِ؛ قِسْمٌ اخْتَارَ الْعُبُودِيَّةَ وَاسْتَمَرَّ فِيهَا إِلَى كَامِلِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا فَهَؤُلَاءِ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَقِسْمٌ آخَرُ أَيُّهَا الْكِرَامُ لَا هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْقَى مُشْرِكًا وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَلْتَزِمَ بِالْوَظِيفَةِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ وَبِمَشَاعِرِ الْعُبُودِيَّةِ فَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْبَرِيَّةِ.

فَالْكُفَّارُ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِمَقْصِدِ الْخَلْقِ وَهُوَ الْعِبَادَةُ، وَالْمُؤْمِنُونَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا بِمَقْصِدِ الْخَلْقِ وَهُوَ الْعِبَادَةُ. هَذِهِ يَعْنِي مُرُورٌ سَرِيعٌ عَلَى أَبْرَزِ الْأَفْكَارِ فِي سُورَةِ الْبَيِّنَةِ؛ مَعْرِفَةُ تَأْكِيدِ الْإِلَهِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ وَالْحُجَّةَ قَامَتْ وَأَنَّنِي عَرَّفْتُكُمْ لِمَاذَا خَلَقْتُكُمْ فَلَا تَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَجُّونَ عَلَيَّ. ثَانِيًا: مَوْقِفُ النَّاسِ مَعَ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ فَمِنْهُمْ مُؤْمِنٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، الْكُفَّارُ شَرُّ الْبَرِيَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا بِمَقْصِدِ الْوُجُودِ وَغَايَتِهِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، وَالْمُؤْمِنُونَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ لِأَنَّهُمُ اسْتَجَابُوا وَخَضَعُوا لِلْعُبُودِيَّةِ وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ عِبَادٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَالْكُفَّارُ دَخَلُوا جَهَنَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ. دَائِمًا الْإِخْبَارُ عَنِ الْفَصْلِ الْأَخِيرِ عَنِ الْفَصْلِ الْأَخِيرِ مُتَكَرِّرٌ فِي سُوَرِ جُزْءِ عَمَّ.

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُبَلِّغَنَا جَمِيعًا هَذِهِ اللَّيْلَةَ. سُورَةُ الْقَدْرِ أَيُّهَا الْكِرَامُ لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَنْ فِكْرَةٍ عَامَّةٍ هِيَ حَقِيقَةً إِرْشَادٌ مِنَ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ إِلَى الْأَوْقَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّوْا فِيهَا أَعْلَى مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ. هِيَ الْفِكْرَةُ الْعَامَّةُ: إِرْشَادٌ مِنَ اللَّهِ الْمَعْبُودِ لِعِبَادِهِ أَنَا وَأَنْتُمْ إِلَى الْأَوْقَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَشُدَّ فِيهَا رِكَابَ الْعُبُودِيَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ الْقُرْبِ الْعَظِيمِ مِنَ الرَّبِّ الْجَلِيلِ، وَلِمَا فِيهَا مِنَ السَّاعَاتِ الطَّيِّبَةِ وَالْإِقْبَالِ الْإِلَهِيِّ عَلَى عِبَادِهِ الْفُقَرَاءِ الضُّعَفَاءِ. فَاللَّهُ يَقُولُ لَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، فَاحْذَرْ أَنْ تُفَوِّتَ اللِّقَاءَ بِسَيِّدِكَ الَّذِي لَا غِنَى لَكَ عَنْهُ.

تَأْتِي سُورَةُ الْعَلَقِ، وَسُورَةُ الْعَلَقِ تَكَرَّرَ فِيهَا لَفْظُ الْإِنْسَانِ مَرَّتَيْنِ؛ الْمَرَّةُ الْأُولَى فِي الْآيَةِ اثْنَيْنِ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الِافْتِقَارِ؛ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ كَأَنَّهُ رَبُّنَا يُذَكِّرُنَا بِأَصْلِنَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَكَ بِافْتِقَارِكَ إِلَيْهِ ذَكَّرَكَ بِأَصْلِ خِلْقَتِكَ. رَحْ تَجِي مَعَنَا مَنِيٌّ يُمْنَى كَثِيرٌ مَا يُذَكِّرُكَ الْقُرْآنُ: إِيشْ أَنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ؟ لَيْشْ عَمَّ تَسْتَغْنِي؟ لَيْشْ عَمَّ تَطْغَى؟ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ فَقْرَكَ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّ أَعْظَمَ صِفَةٍ فِي الْإِنْسَانِ رَكَّزَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ صِفَةُ الِافْتِقَارِ، وَأَعْظَمَ صِفَةٍ فِي الْإِلَهِ رَكَّزَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ صِفَةُ الْغِنَى.

مِشَانْ هَيْكِ سَتُلَاحِظُونَ أَنَّهُ فِعْلًا يَا أخي سُوَرَ الْقُرْآنِ لَمَّا بِتُخَاطِبُنَا أَسَاسُ مُخَاطَبَتِهَا لَنَا كَإِنْسَانٍ: تَذْكِيرُكَ بِافْتِقَارِكَ، تَذْكِيرُكَ بِحَاجَتِكَ، لِأَنَّ هَذَا أَهَمُّ شُعُورٍ يَجِبُ أَنْ يَخْتَلِجَ فِي حَيَاتِكَ وَأَنْتَ تَسِيرُ، الِافْتِقَارُ الْحَاجَةُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَخْطَرُ شُعُورٍ شُعُورُ التَّمَرُّدِ الِاسْتِغْنَاءِ الطُّغْيَانِ. لِذَلِكَ سُورَةُ الْعَلَقِ إِيشْ بِتَقُولُ لَكَ؟ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، شُو أَنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ؟ أَنْتَ عِبَارَةٌ عَنْ عَلَقَةٍ كُنْتَ فِي رَحِمِ أُمِّكَ لَسْتَ شَيْئًا كَبِيرًا.

لِلْأَسَفِ بَعْدَ ذَلِكَ تَقُولُ لَكَ مَاذَا؟ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى. ذَاكَ الْإِنْسَانُ الَّذِي خَلَقْتُهُ مِنْ عَلَقٍ وَكَانَ قِطْعَةً أَوَّلَ شَيْءٍ كَانَ مَنِيًّا ثُمَّ أَصْبَحَ قِطْعَةَ دَمٍ قَاهِفَةً فِي رَحِمٍ، بَعْدَ مَا كَبِرَ وَصَارَ فِي الدُّنْيَا وَصَارَ حَضْرَتُهُ مَعَهُ مَالٌ وَشَافَ الدُّنْيَا فَتَحَتْ عَلَيْهِ، هَذَا نَفْسُهُ الْإِنْسَانُ الَّذِي خَلَقْتُهُ مِنْ عَلَقٍ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. ضَعْ تَحْتَ كَلِمَةِ إِنْسَانٍ خَطًّا وَتَحْتَ كَلِمَةِ يَطْغَى، الطُّغْيَانُ الشُّعُورُ بِالِاسْتِغْنَاءِ التَّمَرُّدُ عَلَى مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ. لَيْهْ؟ قَالَ: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى؛ شَافَ حَالَهُ مَعَهُ سَمْعٌ بَصَرٌ وَقُدُرَاتٌ جَسَدِيَّةٌ، شَافَ حَالَهُ مَعَهُ شُوَيَّةُ قُرُوشٍ زَيَّ مَا بِيَقُولُوا مَصَارِي، شَافَ الدُّنْيَا فَتَحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ لَكَ: أَنَا لَا أَحْتَاجُ لِلْإِلَهِ، سَأَفْعَلُ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَاللَّيَالِي وَكُلَّ كُلِّ شَيْءٍ خَطَأٍ سَأَفْعَلُهُ. لِمَاذَا هَذَا التَّمَرُّدُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ طَبْ تَذَكَّرْ أَنَّكَ كُنْتَ مِنْ عَلَقٍ؟

وَلَاحِظُوا الْخِطَابَ هُنَا لِلْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِهِ إِنْسَانًا، اللَّهُ لَمْ يَقُلْ: كَلَّا إِنَّ الْكَافِرَ لَيَطْغَى، لَا؛ الْخِطَابُ هُنَا لِلْإِنْسَانِ يَعْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِغَضِّ النَّظَرِ الْآنَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ فِيكَ هِيَ الصِّفَةُ، بَدَكَ تَنْتَبِهْ بَدَكَ تَحْذَرْ، مُجَرَّدُ وُجُودِ الْمَالِ فِي يَدِكَ، مُجَرَّدُ وُجُودِ الرَّفَاهِيَةِ فِي حَيَاتِكَ، هَذَا إِيَّاكَ أَنَّهُ يَجْعَلُكَ تَتَمَرَّدُ عَنِ الْإِلَهِ تمام. طَبْ إِيشْ لَازِمْ أَفْعَلُ؟ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، شُوفْ خِتَامَ السُّورَةِ: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، هَذَا مَقَامُنَا نَحْنُ يَا إِخْوَانِي هَذَا مَقَامُنَا؛ نَسْجُدُ وَنَخْضَعُ جِبَاهَنَا وَنُذِلُّ رِقَابَنَا لِمَوْلَانَا سُبْحَانَهُ وَنَبْحَثُ عَنِ الْقُرْبِ مِنْهُ وَنَعْرِفُ أَنَّ الْعَطَاءَ الدُّنْيَوِيَّ عَطَاءٌ قَابِلٌ لِلزَّوَالِ وَأَنَّ ثَبَاتَ الْعَطَاءِ وَدَوَامَ الْإِنْعَامِ بِكَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ وَالسُّجُودِ وَالتَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارِ لِهَذَا الْإِلَهِ.

طَبْ نَرُوحُ عَلَى سُورَةِ التِّينِ؛ أَيْضًا سُورَةُ التِّينِ فِيهَا ذِكْرُ الْإِنْسَانِ، فِكْرَتُهَا الْأَسَاسِيَّةُ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ، أَيْضًا نَضَعُ تَحْتَ كَلِمَةِ إِنْسَانٍ خَطًّا، شُوفْ كَلِمَةَ الْإِنْسَانِ عَمَّ تَتَكَرَّرُ كَثِيرًا مَعَنَا إِذَا بِتُلَاحِظُوا فَقَطْ فِي كَمْ صَفْحَةٍ كَمْ تَكَرَّرَتْ مَعَنَا؟ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي جُزْءِ عَمَّ مَعَ الْإِنْسَانِ، مَعَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِاعْتِبَارِكَ جَسَدًا وَرُوحًا. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ، رَبُّنَا يُعْطِينَا قَوَاعِدَ الْإِنْسَانِ وَقَوَاعِدَ خَلْقِهِ وَطَرِيقَةَ تَفْكِيرِ الْإِنْسَانِ، لَازِمْ نُفَكِّرَ بِهَيْ الطَّرِيقَةِ فِي الْقُرْآنِ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، طَبْعًا كَلِمَةُ تَقْوِيمٍ لَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْ مَعَانِيهَا مَا ذَكَرَهُ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ أَنَّ التَّقْوِيمَ بِمَعْنَى الْفِطْرَةِ، وَهَذَا فِيهِ تَأْكِيدٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مُتَعَبِّدًا بِفِطْرَتِهِ.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَعْنِي فِي أَحْسَنِ فِطْرَةٍ، إِيشْ هِيَ أَحْسَنُ فِطْرَةٍ؟ الْفِطْرَةُ الَّتِي تُخْبِرُهُ أَنَّهُ عَبْدٌ وَتُذَكِّرُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى دَوْمًا فِي حَيَاتِهِ. فَالِافْتِقَارُ تَرَى هُوَ شُعُورٌ مَوْجُودٌ فِي فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ أَيْضًا، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَّا يُحَاوِلُ أَنْ يَطْرُدَ هَذَا الشُّعُورَ وَيُحَاوِلُ أَنْ يُشْعِرَ نَفْسَهُ بِالْغِنَى بِمَجَرَّدِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ لُعَاعَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. فَاللَّهُ يَقُولُ: الْإِنْسَانُ خُلِقَ فِي أَحْسَنِ فِطْرَةٍ، فِطْرَةٌ تُخْبِرُهُ أَنَّهُ عَبْدٌ، قَالَ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. لَكِنْ لِلْأَسَفِ مَعَ الْوَقْتِ مَعَ كَثْرَةِ الْمُدْخَلَاتِ الْفَاسِدَةِ فِي حَيَاتِ الْإِنْسَانِ كَأَنَّهُ يَنْسَى هَذِهِ الْفِطْرَةَ الْحَسَنَةَ وَيَبْدَأُ يَطْغَى وَيَتَمَرَّدُ عَنْ قَانُونِ الْعُبُودِيَّةِ تمام، فَهَذَا سَيَسْقُطُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَثَبَتُوا عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى مَنْهَجِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَمَشَاعِرِ الْعُبُودِيَّةِ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. فَهَذِهِ قِصَّةُ سُورَةِ التِّينِ بِاخْتِصَارٍ، وَهِيَ تَذْكِيرُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّ لَكَ فِطْرَةً تَدْعُوكَ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ وَأَنَّكَ إِذَا خَالَفْتَ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ سَتُصْبِحُ ذَلِيلًا فِي أَسْفَلِ سافرين عند الله، وَأَنَّ غِنَاكَ الْحَقِيقِيَّ إِنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

طَبْ سُورَةُ الشَّرْحِ وَسُورَةُ الضُّحَى؛ أَيَّةُ حَقِيقَةً رُبَّمَا الْآنَ سَنَخْرُجُ فِيهَا عَنْ نَمَطِ الْعُبُودِيَّةِ قَلِيلًا، وَأَشْعُرُ أَنَّ سُورَةَ الضُّحَى وَسُورَةَ الشَّرْحِ هِيَ كَلَامٌ لِمَنْ اسْتَقَرَّتْ فِيهِ الْعُبُودِيَّةُ عَنِ الْمُثَبِّتَاتِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ. إِحْنَا قُلْنَا رَحْ نَتَكَلَّمُ عَنْ أَرْبَعَةِ مَعَانِي؛ عُبُودِيَّةٌ، بَلَاءٌ، ثَبَاتٌ، تَمْكِينٌ. بِنُلَاحِظُ أَنَّ جُزْءَ عَمَّ مِشْ عَمَّ يَتَحَدَّثُ كَثِيرًا عَنْ مَوْضُوعِ الْبَلَاءِ وَلَا حَتَّى عَنْ مَوْضُوعِ التَّمْكِينِ، لِأَنَّ هَذَا لَسَاتَهُ نَزَلَ عَلَى الصَّحَابَةِ فِي مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا لِمَرْحَلَةِ التَّمْكِينِ وَأَنْ تَبْدَأَ الْحَيَاةُ تَكْبُرُ وَتَكْبُرَ الْمَسِيرَةُ الدَّعْوِيَّةُ، نَزَلَتِ السُّوَرُ هَذِهِ الْقَصِيرَةُ فَقَطْ لِتَبْنِيَ الْإِنْسَانَ بِاعْتِبَارِهِ إِنْسَانًا، لِتَبْنِيَ فِيهِ مَشَاعِرَ الْعُبُودِيَّةِ وَالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ وَالِٱلْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ وَتَطْرُدَ عَنْهُ مَعَانِيَ الِاسْتِغْنَاءِ وَالطُّغْيَانِ وَتُحَذِّرَهُ مِنْهَا. هِيَ السُّوَرُ تُرَكِّزُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، وَأَحْيَانًا بِتَجِيبُ فِكْرَةَ الثَّبَاتِ؛ أَهَمِّيَّةُ الثَّبَاتِ رَحْ يَجِي الْآنَ مَفْهُومُ الثَّبَاتِ فِي سُورَةِ الشَّرْحِ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكُلُّ دَاعِيَةٍ وَكُلُّ سَائِرٍ إِلَى اللَّهِ بِيَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الصُّعُوبَاتِ فِي الثَّبَاتِ، فَيَأْتِي: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ.

إِذًا مَا الَّذِي سَيُثَبِّتُنِي يَا رَبِّ مَعَ وُجُودِ الْعُسْرِ وَالصُّعُوبَةِ وَالْمَشَقَّاتِ فِي الطَّرِيقِ؟ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُخْبِرُكَ أَنَّ الْتِزَامَكَ لِعَتَبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ هُوَ الَّذِي أَصْلًا سَيَكُونُ مُثَبِّتَكَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ؛ إِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ، هَذِهِ خُلَاصَةُ سُورَةِ الشَّرْحِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: تُرِيدُ ثَبَاتًا تُرِيدُ انْفِرَاجًا لِلْكُرُبَاتِ تُرِيدُ اسْتِمْرَارًا وَدَيْمُومَةً فِي الطَّرِيقِ عَلَيْكَ أَنْ تَلْزَمَ عَتَبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، تَلْزَمَ قِيَامَ اللَّيْلِ، تَلْزَمَ الذِّكْرَ، تَلْزَمَ الْخَلْوَةَ مَعَ النَّفْسِ إِذَا فَرَغْتَ يَعْنِي إِذَا فَرَغْتَ انْصَبْ لِلَّهِ قِفْ بَيْنَ يَدَيْهِ ادْعُهُ الْتَجِئْ إِلَيْهِ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ، هَكَذَا يَكُونُ الثَّبَاتُ.

أَيْضًا تَأْتِي سُورَةُ الضُّحَى تُخْبِرُكَ عَنْ مَاذَا؟ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَهُوَ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مَا يَمُرُّ بِهِ مِنْ جِرَاحٍ وَآلَامٍ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا. يَعْنِي أَنَا سَائِرٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاخْتَرْتُ الْعُبُودِيَّةَ وَأَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ تَعَبًا وَآلَامًا وَبَلَاءً، لَكِنْ عَلَيْكَ أَنْ تُحْسِنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

طَبْ مَا الَّذِي يُحَفِّزُنِي عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْآلَامِ وَالْجِرَاحِ؟ تَذَكُّرُ النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ، لَاحِظْ كَيْفَ يُعَلِّمُنَا اللَّهُ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى. فَرَكِّزْ أَنْتَ عَلَى نِعَمٍ أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَيْكَ، رَكِّزْ وَتَذَكَّرْهَا سَتَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْإِلَهَ الْعَظِيمَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْسَنَ الظَّنُّ بِهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِيهَا بَلَاءٌ، فَالْبَلَاءُ هُوَ سُنَّةٌ وَفَصْلٌ مِنْ فُصُولِهَا لَابُدَّ وَأَنْ يَمُرَّ بِهِ أَهْلُ الْعُبُودِيَّةِ. لَكِنْ فِي الْمُقَابِلِ هُنَاكَ أَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تُجْعَلُنِي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِمَوْلَايَ، وَلَوْ أَنَّنِي فَكَّرْتُ فِي الْعَطَايَا وَالْمِنَحِ الْإِلَهِيَّةِ فِي حَيَاتِي سَأَجِدُهَا كَثِيرَةً وَكَثِيرَةً كُلُّهَا تَدْفَعُنِي إِلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ.

تَأْتِي سُورَةُ اللَّيْلِ لِتَتَكَلَّمَ عَنْ فِكْرَةٍ أَسَاسِيَّةٍ خُلَاصَتُهَا الْآيَةُ الرَّابِعَةُ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، مَا مَوْقِفُ النَّاسِ فِي الْعُبُودِيَّةِ؟ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، اللَّهُ أَخْبَرَنَا بِالْعُبُودِيَّةِ ثُمَّ أَخْبَرَنَا أَنَّ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ سَيَخْتَارُونَ هَذَا الْمَنْهَجَ، بَعْضُ النَّاسِ سَيَسْتَغْنِي وَبَعْضُ النَّاسِ سَيَخْضَعُ لَهَا. لَاحِظُوا: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، الَّذِينَ هُمُ اخْتَارُوا الْعُبُودِيَّةَ وَالْخُضُوعَ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. كَلِمَةُ اسْتَغْنَى ضَعْ تَحْتَهَا خَطًّا هِيَ الْفِكْرَةُ الْأَسَاسِيَّةُ فِي خُرُوجِ الْإِنْسَانِ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ، خُرُوجِ الْإِنْسَانِ عَنِ السِّكَّةِ، لَاحِظُوا الِاسْتِغْنَاءَ؛ اسْتَغْنَى.

طَبْ نُكْمِلُ: وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ. يَا أخي تُلَاحِظُونَ الْأَفْكَارَ هُنَا وَاضِحَةً، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ نَرْجِعُ لِسُورَةِ الْمَسَدِّ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ، إِذًا الْمَالُ فِيهِ مُشْكِلَةٌ، الرَّفَاهِيَةُ عَمَّ تَعْمَلُ مُشْكِلَةً، مَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ، إِيَّاكَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الْحَيَاةِ أَنَّهُ بِإِمْكَانِكَ تَسْتَغْنِي، تَرَى الْمَالَ الرَّفَاهِيَةَ الصِّحَّةَ الْعَافِيَةَ كُلَّ مَا هُوَ فِي يَدِكَ لَا يُجْعَلُكَ تَسْتَغْنِي وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذًا تَرَدَّى.

فَإِذًا سُورَةُ اللَّيْلِ وَاضِحَةٌ؛ مَوْقِفُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ هُنَاكَ مَنْ خَضَعَ وَذَلَّ وَاسْتَشْعَرَ، وَهُنَاكَ مَنْ شَعَرَ بِالِاسْتِغْنَاءِ وَالَّذِي أَطْغَاهُ مَالُهُ فَجَعَلَهُ يَتَمَرَّدُ، فَاللَّهُ يُخْبِرُنَا عَنْ.

حال الناس في هذا الموضوع تأتي سورة الشمس. سورة الشمس فيها أطول قسم في القرآن، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، يعني جملة قسمية على مفهوم أساسي ومحوري في العبودية، وهي انطلاقتك أيها الإنسان في منهج العبودية إنما هو من نفسك، هذه النفس قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا.

سورة الشمس فحواها في هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا، حط تحتها خط؛ لأن هي تمثل أن انطلاقتك وصلاحك ونجاحك من هي النفس؟ هي النفس إذا ربيتها على مشاعر العبودية فشعرت بها أفلحت، أفلح من زكاها، كيف يكون زكاؤها؟ بمشاعر العبودية لله، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا، كيف يكون إدلال النفس؟

وشوف القرآن في السور المكية يعبر عن الذين لم يختاروا العبودية، عبر عنهم بأكثر من تعبير، في سورة العصر عبر عن هؤلاء الذين رفضوا مشاعر العبودية إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، في سورة التين قبل قليل عبر عن هؤلاء الناس بماذا؟ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، في الدرك الأسفل. في سورة إيه هنا الشمس يعبر عن حالة الخروج عن العبودية: قد خاب من دساها، إذا لا تظن وأنت تخرج عن مشاعر العبودية أنك ترتقي، لا، أنت عم تنزل ترى، خسر، أسفل سافلين، دساها، أنت عم تنهار، عم تسقط، وإن كنت تظن نفسك عم ترتفع فانت واهم، تعيش في وهم الحياة، فهذه فكرة مهمة.

ثم أعطاك نموذج للطغيان نموذج للاستغناء عند بعض البشر، نموذج ثمود: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا. شوف مصطلح الطغيان والاستغناء مصطلح متقارب كثيراً فنضع دائماً تحته خط، الطغيان طغواها، طغت، شعرت بعدم الحاجة، ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ثمود الذين نحتوا الجبال، فمن تمردهم على عبودية الإله واستهزائهم به أنهم ماذا؟ قتلوا ناقة صالح استهزاءً تهكماً، شعور الإنسان بالقدرة وأنه الذي يملك أمره، فماذا فعل؟ قَالَ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَاهَا. إياك تتمرد، إياك تستغني، إياك تطغى، حتى أنت على مستواك الشخصي ترى ددم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، الله يسخط هذا الإنسان ينهيك تماماً ينهيك تماماً، ولا يعتبر بك ولا يلتفت إليك ولن ينقذك أحد إذا أنهاك الله عز وجل، فدعك أيها الرجل من حالة التمرد على أحكام الله وشرع الله، وأنت أيتها المرأة دعيك من حالة التمرد على أحكام الله وشرع الله، أمرك بالحجاب التزمي بالحجاب، أمرك بالجلباب التزمي بالجلباب، أمركم بعدم العلاقات المحرمة التزموا، إياك تتمرد تقول لا أنا بدي أعمل اللي بدي إياه، أنا بدي اطلع على الحرام، بدي أشوف الصور المحرمة، بدي أسمع المعازف المحرمة، بدي مسابح وحفلات مختلطة، بدي هذا شعور التمرد اللي أنت فيه راح يدمرك.

شوف العبارة: دمدمة عبارة ثقيلة، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَاهَا، بنهيك تماماً، فالتزم الأدب واعرف الخضوع، وهذا من أجلي وأجلك والله لصالحك وصالحك يعني، وإلا فالله سبحانه وتعالى غني عني وعنك.

تأتي سورة البلد، سورة البلد أيضاً ذكر فيها الإنسان، أه هون الله عز وجل رح يعطينا حقيقة أو فصل من فصول قصة الإنسان في الآية الرابعة، الآية الرابعة لازم نضع تحتها خط: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ. أبد هي الآية الرابعة أنا بعتبرها مفصلية في سورة البلد، تتكلم عن ماذا؟ أساس سير الإنسان في هذه الدنيا وأساس عبوديتك أصلاً أيها الإنسان في الدنيا هو البلاء، الكبد هي المشقة والتعب، فالله يخبرك أنت أيها الإنسان كإنسان بدك تفهم هل قضية: أنت خلقت في كبد، يعني لا تفكر أن هي الحياة ستصفو لك، ستكون خالية من الآلام والأقدار، هذا وهم، وهذه حقائق عظمى، الله يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ، إذاً أساس سيرك هناك فصل ستمر به وهو فصل البلاء الكبد المشقة.

طيب بعد ذلك سورة البلد تكلمت أيضاً عن حالة الطغيان، طبعا ليش السور المكية عموماً تتكلم عن حالة أو التحذير من حالة الطغيان والاستغناء عن الإله؟ طبعا شيء طبيعي أن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة كان يدعو كفار قريش ويدعو العرب وبدا يؤسس لهذه الدعوة، فالحالة العامة للعرب في ذاك الوقت وفي كل زمان ومكان الكفار حالتهم العامة حالة استغناء طغيان تمرد يعني مشاعر مناقضة للعبودية، فكان لابد من تسليط الضوء على هذه المشاعر بشكل كبير، لذلك أخطر شعور في حياتك برجع بقول التمرد الاستغناء الطغيان.

فلاحظوا كيف سورة البلد تحدثت عن هذا الشعور: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا، أهلكت مالاً لبداً كثيراً، أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، تمام، على إيش أنت شايف حالك أيها الإنسان؟ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، يعني أنت تظن أنك تستغني وما حدا رح يقدر عليك والله عز وجل لا يدمدمها عليك وتقول المال وعندك قدرة أنك تصرف المال يميناً وشمالاً وتؤدي يعني هذا الشعور جعلك تشعر بالاستغناء وأنه ما حدا قدك، وأرض اشتد ما حدا قدي هيك بقول لك المثل، لا هذا شعور شيطاني ابليسي سيردك إلى أسفل السافلين.

ثم الله عز وجل ذكر له نعمة: مين اللي أعطاك العينين واللسان والشفتين وهديك النجدين؟ دعك من الاستغناء فانت عبد، دعك من الاستغناء والتمرد فانت عبد. ثم أخبره الله عز وجل كيف يمارس العبودية، وبرجع بقول الله عز وجل لما يتكلم عن العبودية يعلمنا دوماً أن العبودية ليست فقط مجرد صلاة وصيام بل هناك أعمال مجتمعيه عظيمة فاضلة هي من صلب العبودية، فهنا يقول لك: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، أن تطعم الناس في المجاعات وفي الكوارث والحروب، تَيْتَامًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، مارس مارس العبوديات بمفهومها الشامل ولا تظن فقط أن العبودية هي صورة معينة أو نمط معين أو شكل واحد، العبودية في الاسلام شاملة. وفي الختام بتأتي سورة البلد كأغلب السور المكية، إيش الفصل الأخير من القصة؟ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ.

بتجي بعد ذلك سورة الفجر، سورة الفجر أيضاً تكلمت عن الإنسان وعن حالة الطغيان، رمز الطغيان في سورة الفجر كان الكلام عن عاد: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، ذات العماد عاد الضخمة، عاد الأمة الأسطورية، عاد الأمة أصحاب الأجساد الكبيرة والبنيان الضخم التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود أيضاً، ثمود الذين جابوا ونحتوا وقطعوا، جابوا يعني كانوا يقطعون الصخور في الجبال العظيمة، كانت أجسادهم كبيرة جداً تستطيع أن تفعل وتنحت وتبني، وفرعون ذِي الْأَوْتَادِ.

طيب هؤلاء كلهم إيش مشكلتهم؟ الذين طغوا طغيان، طغيان الإنسان سبحان الله النقطة القاصمة في حياة الجميع والنقطة الفاصله في حياتك إما الذل لله أو الطغيان والاستغناء، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ، طب إيش النتيجه؟ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، يعني الموضوع ليس كبيراً على الله سبحانه وتعالى.

لكن دعونا ننظر الآن الحديث عن الإنسان، فَأَمَّا الْإِنْسَانُ كإنسان فيه هي الصفة، شوفوا هي الصفات اللي فينا، إذا ابتلاه ربه فإذا مر بمرحلة البلاء فأكرمه ونعم فيقول: رَبِّ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ: رَبِّ أَهَانَنِ، وهي ذكرناها البارحه في درس قصة الحياة، قضية أن الإنسان للاسف كثير منا يعبد الله على حرف، على جهة واحدة، يعبد الله في السراء إذا ربنا أعطاه وأكرمه يقول: ربي أكرمني، وماشي مع ربه تمام، إذا الله أفقره وابتلاه، ابتلاه شوف هنا إشارة بدأنا نتكلم عن بعض فصول البلاء تمام. في سورة البلد لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ، حقيقة البلاء في حياة الإنسان ترجع سورة الفجر لأنها قريبة منها وبعدها مباشرة بتتكلم للانسان: ترى أنت ستبتلى كيف رح يكون موقفك في البلاء؟

فإياك أنك تكون إذا أصبت ببلاء قلت ربي أهاني وتسخطت على الله وابتعدت، بدك تكون مركز، بدك تعبد الله في السراء كما تعبده في الضراء تمام، كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ. الآن ثم بعد ذلك إي في ختام السورة في أيضاً آية محورية يقول: يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، نحن قلنا الحياة الدنيا قصة قصة الحياة، آية في الفصل الأخير يوم القيامة لما تظهر النتائج النهائية لهي القصة كثير من الناس بالندم أنه لم يعش هذه القصة كما أراد الله، سيقول: يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، يا ريت عشت الدنيا بفصول حكايتها الحياة الصحيحة عشت عبداً وتحملت البلاء وثبتت ووصلت إلى النفس المطمئنة، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، النفس المطمئنة هي اللي وصلت للمرحلة الرابعة والأخيرة من قصة الحياة، الطمانينة التمكين، التمكين هي النفس المطمئنة، لاحظوا عندك عبودية، بلاء، ثبات، تمكين، فالنفس المطمئنة هي اللي رح تدخل الجنة التي تمكنت في إيمانها، وأما النفس التي لم تخضع للإله ستندم وتقول يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي.

شوف الفرق بين هذه النفس وهذه النفس في سورة الفجر، نفس ستقول يَا لَيْتني قَدَّمْتُ، ونفس سيقول لها الرب يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ تَمَكَّنَتْ فَاطْمَأَنَّتْ فَدَخَلَتِ الْجَنَّةَ، نسأل الله أن نكون منهم.

سورة الغاشية بعد ذلك أيضاً سورة الغاشية من السور التي ركزت على الفصل الأخير على النتائج النهائية، وأنت دائماً إذا أردت أن تبني فكرة وترسخها في ذهن شخص دائماً عليك أن تريه عواقبها. الأفكار كيف ترسخ؟ كيف تقنع شخص بفكرة معينة؟ عليك دائماً أن تريه نتائج هذه الفكرة وعواقبها الختامية، فالصور المكية خاصة الصور القصيرة بتركز كثير على موضوع الفصل الأخير العاقبة، سورة الزلزلة، سورة القارعة، وقس على ذلك نفس الشيء آخر سورة البلد، هنا سورة الغاشية: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ إلى آخرها، ثم قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، هي عم تعطيك الختامات.

طيب أنت بتقول أنا إيش بدي في الختام؟ لماذا دائماً يذكر به؟ لأنه أبصارك للختام للفصل الاخير من حياتك أيها الإنسان بخليك تفكر كشير في الدنيا وأنت تسعى أني أنا كيف سارسم الختام؟ كيف أريد أن يكون ختامي؟ هل أريد وجوه ذليلة عاملة ناصبة ولا أريد ختام وجوه ناعمة لسعيها راضية؟ فلا بد دائماً نركز على الفصل الأخير من حياة الإنسان هذا الفصل اللي رح يكون مش في الدنيا، الفصل الأخير سيكون في الدار الآخرة.

طيب بنيجي على سورة الأعلى، سورة الأعلى تتكلم عن ماذا؟ أولاً تتكلم عن صفات المعبود، تعرفك على المعبود الحق بأفعاله العظمى، كيف سورة الإخلاص تكلمت عن صفات المعبود؟ أيضاً هنا تكلم عن صفات المعبود: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى. فابتداء السورة كمال للمعبود وحديث عنه حتى تعرف جزء من أعماله، وأنت لما تمشي في القرآن من أوله إلى آخره كل سورة من القرآن بتعطيك بعض أعماله بعض صفاته بعض أسمائه، هكذا نحن بنتعرف على المعبود، بدك تعرف رب العالمين اقرأ سورة الإخلاص، اقرأ سورة الأعلى. على كل سور القرآن عندما يتحدث الرب عن نفسه فهو يعرفك من هو المعبود، فإذا القرآن جميل إخواني أحياناً بكلمك عن نفسك أن الإنسان: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ، إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وبعدين إذا بعد ما يذكرك بافتقارك وذلك وضعفك ونقصك بعدين فجاه بينقلك للكلام عن الإله وكماله وغناه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ربك الأعلى خلق فسوى قدر فهدى هذا أخرج المرعى، فتبقى أنت دائر بين صفات نقصك وحاجتك وافتقارك وهذه مشاعر العبودية اللي نحتاجها، وكمال المعبود وغناه وجماله وعظمته وهنا ك مشاعر الغنى الإلهي، فلا بد أن تبقى دائرا بين هذين المعنيين.

ثم الكلام عن طبيعة الإنسان، يعني بعد أن أخبرنا ربنا عن كماله قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، إذا أنت زكيت نفسك فخضعت لمعاني العبودية وبقيت مستشعرا لها أفلحت وسعيت، بينما إيه؟ الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى، هذا اللي بده يعيش الحياة زي ما بده وبده يستغني عن الإله مفكر حاله فهمان وأنه فهلوي أنه ما بصلي أو ما وبياكل مال حرام وأنه بطلع للحرام وما شابه ذلك، هذا أشقى، شقي لأنه ما خضع للمعبود، ما خضع لهذا الإله متمرد دائماً، فهذا شقي، أسفل سافلين، خسر، وهذه المعاني هي التي تليق به وليس معاني الفلاح والنجاح والمعاني الإيجابية تمام.

سورة الطارق أيها الكرام أيضاً سبحان الله ترجع بتحذر الإنسان من الشعور بالاستغناء، أين ذلك؟ نقول إذاً سورة الطارق موضوعها تحذير الإنسان من الاستغناء من خلال تذكيره بأصله. شبيهة بسورة العلق، لق الان في سورة العلق إيش كان تذكير الإنسان باصل خلقته؟ شو أنت أيها الإنسان؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، كلمة الإنسان وضعنا تحتها خط هناك، هون برجع نضع تحت كلمة الانسان خط في سورة الطارق آية رقم خمسة: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَخُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، المني أنت خلقت من مني، من ماء متدفق يخرج من صلب الظهر وصدر وترائب المرأة تمام وترائب صدر المرأة، وهنا خلاف بين المفسرين، أنا كما قلت مش شغلتي الآن التفسير التفصيلي، لكن الله عز وجل بيقول لك لماذا تستغني؟ لماذا ترفض الانصياع لمشاعر العبودية؟ فدائماً يكرر الله عز وجل علينا التذكير: أنت كنت عبارة عن نقطة مني خرج من ذكر والدك فاستقر في رحم أمك، ماذا أنت؟ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَ خُلِقَ، هذا الإنسان المتمرد المستغني اللي بده يغض بصره عند الحرام، اللي بقول له صلي الصلوات في وقتها، اللي مش راضي يترك مال ربوي، اللي مش راضي يترك علاقة محرمة، المدمن على الأفلام الاباحية، اللي ما بدها تلبس حجاب، اللي مش هذا الإنسان إيه هذا الإنسان اللي شايف حاله بده يتمرد وما بدي أنصاع فلينظر.

الإنسان مما خلق، خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. ثم أخبرك عن افتقارك ليس فقط في الدنيا، بل حتى في الدار الآخرة يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ. في الدار الآخرة أيضاً أنت مفتقر، وفي الدنيا أنت مفتقر.

نيجي على سورة البروج، سورة البروج لا هون الكلام ليس عن معنى العبودية، ليس هذا هو الفكرة الأساسية. سورة البروج تتكلم عن فصل من فصول قصة الحياة، تتكلم عن البلاء، البلاء لأهل الإيمان، هذا مفهوم واضح في سورة، في سورة البروج، أنها تتكلم في القصة المشهورة، الَّذِينَ حُفِرَ لَهُمُ الْأُخْدُودُ * ذَاتِ الْوَقُودِ لما آمنوا، وألقاهم الملك الجبار فيها، فالله عز وجل يخبر أنكم يا أهل البلاء يا أهل الإيمان ستُبتلون، كما يحصل الآن مع إخواننا في غزة، الله يفرج عليهم، هم في أخدود حقيقة، وما يحصل مع إخواننا في السودان هم في أخدود، وما يحصل مع إخواننا الله يفرج وينصر ويرفع الهم والكرب ويكون هذا الشهر شهر تمكين ونصر لهم.

فالله يقول وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، الله ما غاب إخواني، وشاهد ومشهود الله ما غاب، والله عز وجل يعرف ما يحصل بالتفاصيل، لكن هي سنة في الحياة أن البلاء سيأخذ وقته وحجمه، وأن البلاء سيصطفي الشهداء والكرماء ليرتحلوا إلى الله سبحانه وتعالى، وسيكون البلاء لأهل الإيمان فيه تمكين لفكرة الإيمان، فأصحاب الأخدود هم تمكنوا حقيقة، لكن تمكين لأيه؟ هذا نمط من أنماط التمكين سنتحدث عنه إن شاء الله في مخيم غراس، التمكين للأفكار. أنت لما تموت من أجل فكرة، أنت أحييتها ومكنتها، أهل غزة أيها الكرام رضوان الله عليهم عندما يموتون مقابل ثباتهم أمام اليهود، نعم نحزن ويتألم الإنسان، لكنني موقن أن هذا الجهاد وهذا الرباط فيه تمكين لفكرة، فكرة الجهاد في سبيل الله، وفكرة مقاومة الأعداء، وعدم الخيانة، وعدم التطبيع، وعدم بيع هذه الأمة، فنعم تزهق الأرواح وتتألم النفوس ويطول البلاء، لكن هذا البلاء والله فيه خير، فيه التمكين للأفكار كما حصل مع أصحاب الأخدود.

فإذا سورة البروج سورة البلاء لأهل الإيمان والانتصار والتمكين للأفكار حتى ولو ذهبت الأرواح من أجلها، حتى ولو ذهبت الأرواح من أجلها، فتثبيت الأفكار هذا عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

تمام، حقيقة لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، سأقف اليوم عند سورة البروج، وإن شاء الله في الدرس القادم سنبدأ، يعني أنا اليوم كان في مقدمة ثلث ساعة ذهبت في بيان طبيعة الدرس، في المجلس القادم إن شاء الله سنمر إلى ختام جزء عم ونأتي إلى سورة، إلى جزء تبارك. أرجو أنكم تعطوني إشارات وتنبيهات، هل كانت هذه الطريقة بالنسبة لكم جيدة؟ وهل تعتقدون أن هذه الطريقة ستشكل نقطة فارقة لكم في التعاطي مع القرآن؟ لأنه نحن كما قلنا سنركز على معاني عريضة وأفكار عامة، ولن نركز على التفاصيل الدقيقة. لا، أنا بدي لما أنت كإنسان مسلم تقرأ السورة، أنا فاهم شو العبودية اللي، أو ايش عفواً الفكرة العامة اللي بتتكلم عن السورة، هي سورة بتتكلم عن فكرة في العبودية، هي سورة بتتكلم عن فكرة في البلاء، هي سورة بتتكلم عن فكرة في الثبات، سورة بتتكلم عن فكرة في التمكين. أحياناً قد تكون السورة لا عم تتكلم عن أكثر من فكرة، ممكن تتكلم عن عبودية وبلاء، ممكن عم تتكلم لي عن عبودية وثبات، أنت عندك أربع معاني حط لي إياها أمامك في المصحف: عبودية، ثبات، بلاء، تمكين، وشوف وابدأ فكر بالنصوص القرآنية من خلال هذه الطريقة.

أسأل الله عز وجل أن يعلمنا، وأن يبصرنا، وأن يفهمنا، وأن يعيننا على أن نعيش مع القرآن، ونحيا مع القرآن، ونحب حب القرآن، إنه سبحانه وتعالى هو الموفق دوماً لكل خير.

طيب، فقط يعني من يريد أن يغادر يغادر، أنا سأقرأ تعليقات بعض الإخوة عن مدى انتفاعهم بهذا النمط، لأنه حقيقة أول مرة أدخل في دورة بهذه الطريقة، فأريد أشعر هل الإخوة شعروا بتركز الأفكار فيهم ولا الطريقة متعبة؟ لأنه أنا عارف أنك ستمر جزء، جزئين، نحن إخواني ترى في الأيام القادمة سنمر بجزء جزئين ما راح ينفع معنا حتى نقطع، لكن المهم بالنسبة لنا الفائدة المرجوة هذا هو الأساس.

طيب، طيب، أم، الأصل أننا نمر على المصحف كامل، الأصل أننا نمر على المصحف كامل بهذه الطريقة إن شاء الله. طيب، يعني إن شاء الله في تقبل عام للفكرة ومحب لها، ربنا يعينا، بس زي ما قلت لكم يعني المرة القادمة ما بقبل تكون مستمع، بدك يكون مصحفك معك، وأنا هذه من أجلك حتى تستفيد، والمصحف يكون كبير هكذا، وسجل الأفكار على الحاشية، تمام. يعني أنا أحب هذه الطريقة، فكرة تسجيل الأفكار على الحاشية، حتى وأنا يعني أقرأ هذه السورة أتذكر المعنى العام اللي راح تعطيني إياه هذه السورة ليظهر أمامي جلياً. الله يبارك إن شاء الله، ونلتقي على خير بإذن الله في مجالس قادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.