تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثاني: سورة الانشقاق الى سورة المُلك

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الثاني من رحلة الإنسان في القرآن؛ نعيش في ظلال كتاب ربنا سبحانه وتعالى ونحن ننتظر أسام هذا الشهر الكريم أن تحل علينا، فها نحن نعد العدة لاستقبال الزائر الكريم والشهر الرحيب: شهر رمضان. ولا بد لشهر رمضان من استعداد؛ فإن رمضان لا يقبل الفجأة، وإنما يريد قلوبًا استعدت لاستقباله، فها نحن نأخذ عدتنا من خلال تروية القلوب بكلام ربنا سبحانه وتعالى. رحلتنا في هذا الرمضان رحلة الإنسان في القرآن؛ نعيش مع القصة التي أراد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يعيشها في هذه الحياة.

من أين نعرف تفاصيل هذه القصة؟ نزل الوحي الإلهي من الله سبحانه من فوق سبع سماوات على هذه الأرض من أجل أن يخبرني أنا وإياكم بتفاصيل هذه القصة. هذه القصة سنقرأ في كتاب ربنا سبحانه وتعالى ونمر عليها في أربعة معانٍ:

المعنى الأول هو العبودية، وما يتعلق بالعبودية من مفهوم، وصفات عبد، وصفات معبود، ومحكات العبودية، ومكتسبات العبودية، والعبودية التي يحبها الله، فسنجد القرآن أعطى هذه المرتبة وهذه المرحلة حظها الوافر. ثم المرحلة الثانية: مرحلة البلاء، بما يتعلق بسنن الابتلاء، ولماذا يبتلينا الله سبحانه، وكيف نواجه البلاء، ونحو ذلك من الأفكار التي تحوم حول البلاء. ثالثًا في المرحلة الثالثة: الكلام عن الثبات، حديث القرآن عن الثبات وقصص الثابتين، ثم حديث القرآن عن وسائل الثبات وقواعده. وأخيرًا بعد تحقيق العبودية والثبات أمام البلاء تأتي مرحلة التمكين: التمكين للإيمان في قلبي وفي قلبك -ونسأل الله ذلك- التمكين للفرد في هذا المجتمع، التمكين للأفكار الإيمانية التي يريدها الله إلى أن نصل إلى التمكين الشامل الكامل، التمكين لهذه الأمة.

فرحلتنا إذن سنركز في قراءتنا للقرآن على هذه المعاني الأربعة: العبودية، البلاء، الثبات، التمكين. ورحلتنا في هذا الرمضان جمالها أنها مع القرآن؛ ليس بين أيدينا كتاب عالم ولا كتاب مصنف ولا كتاب واعظ ولا شيء، إنما بين أيدينا فقط كلام ربنا، وأنعِم به من كتاب، وأنعِم بها من تلاوة، وأنعِم به من مجلس! إنما نحن بالقرآن ومع القرآن، فنسأل الله الاستهداء بكتابه.

وصلنا أيها الكرام في رحلة الإنسان في القرآن إلى سورة الانشقاق، وسورة الانشقاق الفكرة الأساسية فيها في الآية السادسة والله أعلم في قوله: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ. وكلمة كادح كلمة بليغة، في غاية البلاغة والروعة في هذا الموقع. الله عز وجل يعطي الإنسان تصورًا عامًا عن طبيعة حياته: كل انسان، كان مؤمنًا أو كافرًا، فانه كادح. والكادح الذي يجتهد في العمل؛ مش أقول: والله هذا عامل كادح أو عامل مكافح؟ الذي يجتهد في العمل. فالإنسان بطبيعته يعمل في هذه الحياة ويتعب في العمل. ولعل ما ذكرناه في سورة البلد: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ، قريب جدا مما ورد في الانشقاق: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ، الحياة سعي. فالكفار في كدح وتعب من أجل تحصيل لذاتهم وشهواتهم، وأهل الإيمان في تعب من أجل تحصيل المقامات الرفيعة: مقامات العبودية لله سبحانه.

لذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصدق الأسماء حارث وهمام. لماذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام أصدق الأسماء أسماء حارث وهمام؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه: قال لأن كل انسان حارث في الدنيا، ساعٍ فيها؛ لا يوجد انسان، مؤمن أو كافر، الكل يحرث، ولكن: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ.

فإذن هذه هي الفكرة الأساسية في سورة الانشقاق: التركيز أن كل انسان يكدح، لكن هناك من يكدح ليفوز في الآخرة، وهناك من يكدح فقط من أجل شهوته ولذته وينال الدنيا. لذلك جاءت السورة بعد ذلك تبين الفرق بين كادح وكادح: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، هذا أيضًا كدح، ولكنه كدح من أجل لذة وشهوة وتحصيل لعاعة، ولم يكدح من أجل مولاه؛ فالنتيجة أوتي كتابه من وراء ظهره والعياذ بالله. هذه هي الفكرة الأساسية: تنبيه الإنسان إلى أنك ستسعى وتكدح، ولكن النتائج ستكون متفاوتة في يوم قبض الجوائز.

نذهب بعد ذلك إلى سورة المطففين. في سورة المطففين الله عز وجل يبدأها بالحديث عن حال أولئك الذين يتمردون عن مرتبة العبودية: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. الذين لا يعدلون، سواء في بيعهم وشرائهم، سواء في أقوالهم وأفعالهم، سواء في موازناتهم في مواقف الحياة الاجتماعية. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؛ هذا ليس فقط أيها الكرام في البيع والشراء، وإن كان أساس ما يأتي إلى الأذهان البيع والشراء، بل هي قاعدة عامة لأولئك الذين يريدون لأنفسهم الحظ الزائد، وإذا تعاملوا مع الناس أبحسوا الناس حقوقهم، وإذا تعاملوا مع ربهم أبحسوا الله حقه. يريدون لأنفسهم، يعملون لأنفسهم، ولا يتمركزون حول الإله سبحانه وتعالى. فهذا التمرد كان محتاجًا إلى وعيد شديد: إياك أنك تتمرد عن العبودية، أنت لا تعمل من أجل ذاتك، أنت تعمل من أجل المولى سبحانه وتعالى، فإياك أن تكتال لنفسك ولكنك تنقص غيرك.

وفي سياق ذلك، في سياق هؤلاء الذين لا يعدلون، الله سبحانه وتعالى -كما هو الحال في السور المكية عمومًا- التذكير بالنهايات والختام؛ لأن أعظم ما يحرك الإنسان هو أن يبصر عاقبة الشيء. أعظم محرك ودافع للإنسان ما هو أيها الكرام؟ إبصاره العواقب؛ فلذلك أكثر القرآن من ذكر العواقب: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ، إلى ختام ما ذكر عن أصحاب الجحيم. وانتقل سبحانه إلى العاقبة الجميلة فقال: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. فسورة المطففين تبين لك أن هناك عاقبتين، وأنت أيها الإنسان تكدح لتحصل إحدى العاقبتين: هل تريد أن كتاب الفجار لفي سجين، أم تريد أن كتاب الأبرار لفي عليين؟ واقرأ ما الذين كتابهم في سجين، ما صفاتهم، وما أحوالهم، وكيف الوعيد الشديد عليهم، واقرأ النعيم العظيم للذين كتابهم في عليين.

ثم تختم السورة بمشهد أن أولئك الذين يريدون أن يحققوا مقام العبودية سيأتي من يستهزئ بهم في هذه الحياة الدنيا من المتمردين على العبودية ويسخرون منهم: مساكين، دراويش، يعيشون فقط يزعمون أنهم يعيشون لإله، دعونا نرى هذا الإله ماذا سيفيدكم! إذن هؤلاء الذين أخذوا درب العبودية سيواجهون المتمردين، لكن في الدنيا نعم قد تؤذى صدوركم يا أهل الإيمان من هذا العنت ومن هؤلاء الفجار المستهزئين، لكن يوم القيامة ستنالون بإذن الله العاقبة الحميدة وتنقلب القصة؛ ستكونون أنتم من يضحك وهم من يبكون. لذلك الله عز وجل يعطينا هذا المشهد حتى يكون أهل الإيمان على استعداد: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وقال في ختام السورة: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. فهذا المقطع الأخير هو مقطع تثبيتي؛ لو سألنا: ما وظيفته في السورة؟ وظيفته التثبيت لأهل العبودية إذا استُهزئ بهم، فالله عز وجل يقول لهم: ترى المشهد الأخير هكذا سيكون فاثبتوا عباد الله، المشهد الأخير هكذا سيكون: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، فهذا فيه تثبيت.

نذهب بعد ذلك إلى سورة الانفطار، وهذا الجزء مليء بكلام الله سبحانه وتعالى عن الإنسان. وتذكروا دومًا أننا عندما نقرأ كل آية التي تكلم بها الله سبحانه وتعالى فهذا كتاب ربنا، ولذلك أنا قلت لكم في الدرس الماضي: لا بد كل شخص يكون بين يديه المصحف وبالحجم الكبير حتى نعلق على الحواشي التي بجانب المصحف، ضع خطوطًا أمام الكلمات المحورية في كل سورة فعلاً ليكون عيشنا مع القرآن عيشًا حميدًا. سورة الانفطار أيها الكرام محورها الأساسي: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ، تنبيه على النهايات؛ أنه أنت في هذه الحياة الدنيا -كما قلنا- ستعيش في قصة وفي فصول متعددة، سيظهر أمامك الفصل الأخير اللي هو فصل النتائج وتوزيع العلامات -كما يسمونها في الدنيا- متى؟ في يوم الآخرة: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ. يوم القيامة كل شيء إيجابي فعلته سيظهر، وكل شيء سلبي فعلته سيظهر: قدمت وأخرت.

ثم تأتي آية أيضًا محورية في سورة الانفطار، الخطاب للإنسان في رحلة الحياة: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. هي خطاب للإنسان الذي سيختار التمرد، الإنسان الذي لا يريد أن يخضع للعبودية، الله عز وجل يخاطبه معاتبًا له: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. وعدد الله عز وجل له نعمه: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ. فهذا محور أساسي: مخاطبة الإنسان الذي يرفض الانصياع، وهو كثير الجحود: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. الله عز وجل يقول له: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، وكأن الله لقنه حجته فقال: كرمك يا الله! لكن هل هذا الكرم هو سبب دافع للجحود والخروج عن ربقة العبودية؟ كلا، لن ينفعك إذا قلت يوم القيامة: الذي غرني كرمك، وبالتالي هذا كان مبررًا، ليس مبررًا لك، فننتبه لهذه القضية.

طيب، أيضًا سورة التكوير متشابهة كثيرًا مع سورة ماذا؟ مع سورة الانفطار، في أنه جاء ذكر الدار الآخرة وأهوالها: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، إلى قوله -جواب الشرط يعني سورة التكوير مبنية على شرط وجواب شرط، مبنية على شرط وجواب شرط: إذا الشمس كورت، وإذا النجوم، شرط شرط شرط شرط شرط- النتيجة جواب الشرط في آية 14: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ. هذه الآية المحورية نضع تحتها خطًا بالقلم: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ، هي مركز في سورة التكوير، أن الله يقول لنا: الفصل الأخير في القصة -طبعًا السورة رسمت أهوال الفصل الأخير كيف سيكون فصلًا مرعبًا بتفاصيله: الشمس كورت، النجوم انكدرت، الجبال سيرت، العشار عطلت، الوحوش حشرت، البحار سجرت- مشهد مفزع، في تلك اللحظة ستظهر النتيجة، ستظهر نتيجة قصة الإنسان في هذه الحياة: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ. البضاعة اللي عشت فيها في الدنيا الآن ستظهر أمام الله وأمام الخلق، وستحصل النتيجة النهائية: إما إلى جنة وإما إلى نار.

وكثيرًا ما تركز السور المكية على مركزية النبي صلى الله عليه وسلم ومركزية القرآن، يعني هذه قضية أيضًا متكررة؛ فمثلاً هنا في ختام سورة التكوير التركيز على أن جبريل صادق أمين، وأنه نزل من عند الله بهذا الكتاب العظيم. وكل السور المكية أو أكثر السور المكية لا بد وأن تعرج على هذه المركزيات حتى يبقى الإنسان متذكرًا أن هذا الكتاب الذي يقرأه هو مصدر الوحي، وهو الكتاب الكامل الصحة الكامل الدقة الذي نزل من السماء إلى الأرض بواسطة ملك ورسول سماوي قوي، ووصل إلينا عن طريق الرسول الأرضي القوي أيضًا، حتى تبقى على كامل الشغف والثقة وأنت تقرأ هذا الكلام العظيم.

تأتي سورة عبس أيها الكرام. سورة عبس حقيقة فيها فكرة جميلة جدًا، وهي تبين في مطلعها أن من اختار العبودية فهو عظيم عند الله سبحانه وتعالى ولو كان أشعث أغبر لا يلتفت إليه، ومن اختار الاستغناء والاستكبار -الشعور بالاستغناء والاستكبار والتمرد- فهو ذليل عند الله سبحانه وتعالى ولو كان ما كان في المنصب الاجتماعي والجاه الحياتي. فالله عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في عدم التفاته إلى ابن أم مكتوم وانشغاله صلى الله عليه وسلم بدعوة علية القوم من كفار قريش، فأخبر سبحانه: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، ها شوف رجعني لكلمة الاستغناء: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، اللي لا يريد أن يخضع للعبودية ومتمرد ويرى نفسه أعلى من أن يخضع، عنده شعور بالاستغناء لأن الله أعطاه منصبًا وجاهًا ومالاً وما شابه ذلك: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، خله يبقى في حاله ولو كان ما كان من أبناء الملوك والأمراء والزعماء والسادة: وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى.

شوف كلمة يسعى في القرآن! والبارحة كنا في مجلس وأخونا الشيخ أحمد عبد المنعم -الله يكرمه- تطرق لنا لفكرة كلمة يسعى في القرآن وتقلباتها من أول القرآن إلى آخره؛ ممكن يكون مشروعًا لكنك تنظر في كلمة يسعى كيف جاءت في القرآن: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، وغير ذلك. وسأمر بإذن الله على كلمة السعي في القرآن وتقلباتها. المهم، خلاصة سورة عبس: من اختار العبودية فهو عظيم عند الله سبحانه ولو كان أشعث أغبر، وأما من اختار الاستغناء والتمرد فهو ذليل عند الله، وما عليك ألا يزكى ولو كان ما كان في الجاه والمنصب الاجتماعي.

ثم جاء ذكر الإنسان في الآية 17، أنا أحب كل سورة ذكر فيها الإنسان نركز على فكرتها: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ. طب سؤال سريع اختبار للمركِّز معنا في الدرس الماضي: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، ما أشد جحوده لفضل الله عليه! هذه الآية تشبه أي آية من السور من الآيات التي مرت علينا سابقًا؟ يلا، من يخبرني سريعًا؟ من يخبرني سريعًا؟ هذه الآية: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ -طبعًا قُتل هنا قال كثير من المفسرين معناها: لُعن-. ممتاز، أحسنتم! ما مر معنا في سورة العاديات: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. الله يخبرنا أن الإنسان كثير الجحود لفضل الله عليه، في سورة العاديات يأتي تكرار هذه الفكرة مرة أخرى بأسلوب آخر: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، لُعن هذا الإنسان الذي ما زال كافرًا بنعمة الله عليه جاحدًا لها، ولم يطوِ هذا الجحود ولم يزله، ولم يسعَ للوصول إلى الكمال بالاتصال بالمعبود سبحانه وتعالى والإقرار لله عز وجل بكمال الإنعام ودوامه. ممتاز، أحسنتم.

قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. شوفوا، كثيرًا كثيرًا في جزء عم وسورة وجزء تبارك تذكير الإنسان بأصل الخلقة، وأنك خلقت من نطفة، من ماء مهين. وهذا مر معنا في مجلس البارحة، المحاضرة التي ألقيناها في المخيم: خلقتني وأنا عبدك، لما تكلمنا لماذا الإنسان لا يصلح إلا أن يكون عبدًا؟ قلنا لأن أول خصلة فيه أن المادة التي خلق منها تدل على أنه -يعني مادة تدل على أنك معبود، أنت لم تخلق من ذهب ولا من فضة ولا من أنفس المعادن، أنت خلقت من مني يمنى- والله يذكرنا كثيرًا بأصل خلقتنا لنعرف أن هذا الأصل يقتضي منا أن نكون عبيدًا له، غير متمردين عليه، وسأمر على هذا التكرار لهذه الفكرة بإذن الله أيضًا في سور تبارك.

لاحظوا: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، ما أشد كفرك لله يا اخي! ما أشد استغنائك! ما أسرع أن تصبح هكذا متكبرًا! ثم يذكرك: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، من ماذا أنت خلقت؟ يعني هذه حالة التكبر والفشخرة -كما يقولون- التي أنت تمر بها من أين أتت؟ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، نطفة يعني من مني يمنى، فعلى ماذا؟ ثم ذكر الإنسان بنعمه عليه، وكعادة السور المكية تختتم بذكر المشهد الاخير يوم القيامة، وانقسام الناس في لحظة توزيع العطايا إلى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، وفي المقابل: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ.

نذهب إلى سورة النازعات. سورة النازعات تؤكد أيضًا على المعنى الأصيل الذي يدور عليه مع القرآن، وهو أنك أيها الإنسان فقير محتاج والله غني، ومن كان فقيرًا محتاجًا لا يستغني، ومن كان فقيرًا محتاجًا لا يطغى، من كان فقيرًا محتاجًا لا يستكبر أيها الإنسان. لذلك ما أعظم أن نفهم هذه القضية: أن القرآن واجه في بداية نزوله حالة الاستغناء، التكبر، الطغيان الإنساني، وذكّر الإنسان بأصل خلقته ونقصه وضعفه وحاجته لله سبحانه. فأنت ناقص في أصل خلقتك فأنت من ماء مهين، ناقص في صفاتك فأنت خلقت عجولاً ظلومًا جهولاً إلى غير ذلك في كبد، فهذا النقص يقتضي أن تتصل بالمعبود حتى يكملك. أما إذا رفضت الاتصال بالمعبود وأصررت على الاستغناء والطغيان فإن عاقبتك وخيمة في الدنيا والآخرة.

في سورة النازعات أعطانا الله سبحانه وتعالى نموذجًا من نماذج الطغيان الإنساني، وهو نموذج كثير التكرار وسيعيش معنا في كتاب ربنا كثيرًا: نموذج فرعون: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. كلمة "طغى" ضع تحتها خطًا؛ لأنها هي الكلمة الأساسية في السورة والله أعلم، تذكير أو التخويف من حالة فرعون، وما أكثر الفراعنة اليوم! وما أكثر الفراعنة ليس فقط من علية القوم بل حتى من عوام الناس! فرعون في نفسه طغيان، لا يريد أن ينصاع لأحكام الشريعة الإلهية، يأمره الله بكذا وكذا فلا ينصاع، ويأمرها الله بكذا وكذا هذه المرأة فلا تنصاع؛ حالة من الطغيان والاستغناء: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فحاول معه المحاولات أن يتنازل ويترك هذا الطغيان: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، يا فرعون لعلك تتزكى وتحترم ضعفك وأنك انسان ضعيف حتى ولو كنت ملك مصر: وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى. وأراه والله عز وجل أمد موسى بالآيات حتى فرعون لعله لعله، لكن فرعون نموذج على الإنسان المتمرس بالاستغناء والطغيان، وبالتالي العاقبة الوخيمة: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، يعني في النهاية أنت لن تعجز الله سبحانه وتعالى.

ثم ذكّر الله عز وجل الناس بفقرهم، وأن المادة التي خلقوا منها ليست مادة -يعني تجعلهم فعلاً يشعرون بهذا الاستغناء-: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ. يعني أيها الإنسان، هل خلقك يعني أقوى أم خلق السماء؟ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ... وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، وكل هذه الأمور وكل هذه المخلوقات التي هي أعظم خلقًا وبناء من الإنسان منصاعة لله، فلماذا يا من خلقت من نطفة من ماء مهين، لماذا تستكبر؟

ثم جاء ذكر الإنسان في هذه السورة أيضًا في آية 35: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى. شوف كلمة السعي مرة أخرى تتكرر معنا هنا: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى. أنت كإنسان هذه قصتك، ربنا بيعطيك الفصل الأخير، يوم القيامة ستعرف النتيجة النهائية للقصة: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى. ثم ينقسم الناس: فَأَمَّا مَنْ طَغَى، اللي في الدنيا أراد أن يطغى ويستغني عن الإله ويتمرد: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وفي المقابل، من خاف وذل وخضع لمقام العبودية: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى. إذن تركيز على الفصل الأخير من حكاية الإنسان.

طيب، نذهب الآن إلى سورة النبأ. في سورة النبأ أيها الكرام، المقطع الأول هو ذكر كمال المعبود من خلال ذكر أفعاله وصنعه: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا... وجعلنا وجعلنا وأنزلنا لنخرج، كل هذا ذكره لكمال المعبود؛ كمال المعبود بأفعاله، كمال المعبود بأسمائه، كمال المعبود بصفاته، هكذا يتعرف الله إلينا بالقرآن. فالله عز وجل إذا ذكر أفعاله مباشرة اربط أنه يريد أن يذكرنا وينبهنا إلى كمال المعبود وأنه هو الذي يستحق أن يُعبد دون من سواه. فلما استفاضت السورة في ذكر كمال المعبود في القسم الأول منها، بعد ذلك القسم الثاني ليبين فصل يوم القيامة، الفصل الأخير من الحكاية مرة أخرى. طبعًا أنت رح تقول: يا أخي، كل أو أغلب السور المكية هي حديث عن الفصل الأخير، لماذا؟ برجع أقول: لأن القاعدة العامة أن إبصار العواقب تجعل الإنسان العاقل يحسب خطواته في الدنيا، فلا بد دائمًا أن تتذكر القصة، الفصل الأخير من القصة، وتنظر إليه وتجعله بين عينيك: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا. كلمة الطغيان شوف كلمة الطغيان هنا، كلمة الطغيان في سورة النازعات: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، كلمة "أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى" في سورة عبس، الطغيان، الاستغناء، تمام؟ "مَا أَكْفَرَهُ"، "لَكَنُودٌ"، كلمات تعطيك طبائع الناس والنفوس البشرية، وأن هذه النفوس البشرية هي تعاني من حالة الاستغناء والطغيان، والذي يهذبها ويصلحها إنما هو التعبد والخضوع. إذا لم يخضع الإنسان، لم ينصع، لم ينكسر للإله، وبقي يشعر بالاستغناء والطغيان، سيعذب ويستحق العذاب لأنه أساء الأدب؛ مثلك أيها الإنسان لا يستحق إلا أن يكون عبدًا، فلماذا تستكبر وتطغى؟

في المقابل الذين انصاعوا وخضعوا: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، إلى ختام المشهد: إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. فيوم القيامة عندما توزع النتائج ويظهر الفصل الأخير من قصة الإنسان، الذين لم يعيشوا القصة كما أراد الله، وأرادوا أن يعيشوا القصة كما يريدون هم، سيتمنون أنهم كانوا ترابًا نسأل الله العافية.

ننتقل الآن إلى جزء تبارك، سورة المرسلات. في سورة المرسلات واضحة الآية الأساسية أو الفكرة الأساسية؛ الفكرة الأساسية هي التي تكررت كثيرًا: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. يعني هذه الآية هي التي تكررت في ثنايا سورة المرسلات، إذن هي المحور الأساس فيها، وهي أن سورة المرسلات وعيد لمن تمرد على الله سبحانه وتعالى. توعدهم الله عز وجل: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ. توعدهم أولاً بذكر عواقب السابقين، ثم توعدهم بأنه بين لهم كماله وأنه الذي كان ينبغي أن يؤمن به ويوحد وليس أن يكذب فبين كماله. ومرت السورة على فكرة وهي تذكير الإنسان بأصل خلقته: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. الماء هنا المني الذي يخرج من الرجل وسماه الله ماذا؟ مهين. ففيه عتاب للمكذبين: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، يا أيها المكذبون أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ؟ من أي مادة أنتم خلقتم حتى تأتيكم نفسية الاستغناء والطغيان؟ من ماء مهين! هكذا الذي يخلق من ماء مهين يستكبر ويستعلي؟ سبحان الله كيف هذا المعنى يتكرر كثيرًا لتذكير الإنسان أن مثله لا ينبغي أن يستغني! ثم قال: فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثم عاد إلى لغة الوعيد: انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ... أيضًا: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ.

ثم بعد أن ذكر حالة التكذيب، لا بد في العادة القرآن دائمًا يذكر حالة الفشل وحالة النجاح، حالة الفائزين وحالة الخاسرين؛ فختمت السورة بذكر النجاح كما ختمت سورة النبأ بعدها بالنجاح، فمثلاً هنا آية 41 في المرسلات: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وآية 31 في سورة النبأ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا. فهو بيان للذي خضع للإله؛ سورة عم قالت إن لهم مفازًا، والذي خضع أيضًا في سورة المرسلات: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ. فالله يبصرنا بالعواقب، هكذا هي الختامات، فاختر أيها الإنسان كيف تعيش قصة الحياة.

طيب، نيجي الآن على السورة التي سميت بسورة الإنسان، السورة التي سميت أصلاً بسورة الإنسان لأنها حديث واضح عن الإنسان. بداية هذه السورة تنبيه للإنسان على فصل مهم من فصول حياته وهو فصل البلاء، قال سبحانه: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا. فالله عز وجل أولاً يخبرنا بما يقتضي ذلنا له وخضوعنا إليه، يذكرنا بأننا كنا عدمًا: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا. أنت كنت عدمًا والله يقول: أنا الذي أوجدتك، فلماذا تحاول أن تخرج عن النص؟ كنت عدمًا، عدمًا لا شيء، ولما خلقت خلقت من ماء مهين، نطفة من مني يمنى، ثم بعد ذلك وجدت وأنا الذي رعيتك وسقيتك وأطعمتك حتى كبرت، لماذا لما آمرك بالواجبات لا تفعلها؟ ولماذا لما أنهاك عن المحرمات ترتكبها؟ لماذا عندما أقول لك تحجبي لا تتحجبين وتجلببي لا تتجلببين؟ ولا تأكل الربا تأكله، ولا تنظر إلى الحرام فتنظر؟ في مشكلة في هذا الإنسان. لذلك الصحابة الكرام في دار الأرقم بن أبي الأرقم قبل أن يخاطبهم الله بالجهاد والقتال وبناء الدولة المسلمة وقبل أن يأمرهم بالعمران تربوا على هذه المعاني، رضعوا من لبانها وشربوها وتغذى بها فرسخ في نفوسهم أنهم عبيد لهذا الإله، وكمال شعورهم بالعبودية هو الذي جعلهم يصنعون الأعاجيب والقصص الباهرة ويتركون البصمات المؤثرة لكمال عبوديتهم لله.

فهنا إذن تذكير الإنسان بأنه كان عدمًا فمثله لا يستعظم، ثم قال سبحانه: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ -ضع تحت كلمة الإنسان خطًا- مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ، نرجع لقضية أصل الخلقة؛ ها كنت عدمًا ثم اصبحت منيًا يخرج من الرجل، هكذا تتتبع أصل وجودك: عدم، مني، ثم وجدت: نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ. طب لماذا يا رب؟ نَبْتَلِيهِ. فكلمة "نبتليه" من الكلمات الأساسية التي تبين قصة الإنسان في القرآن: خلقت لتبتلى، أنك ستبتلى، هذا فصل مهم من فصول قصة الإنسان. ثم أخبر سبحانه أنه لأنك ستبتلى فالله عز وجل أوضح لك وهداك سبيل الخير وسبيل -يعني أوضح لك الطريقين عفواً: طريق الهداية وطريق الضلال، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتوضح تفاصيل هذا الطريق وهذا الطريق، وختام هذا الطريق وختام هذا الطريق.

فلما أراد أن يبين ما هو الختام إذا ثبتَّ أيها الإنسان، فقال: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا. واستفاضت سورة الإنسان بذكر الختام الجميل. مثلاً سورة المرسلات أغلبها ذكر للوعيد الشديد، سورة الإنسان أغلبها جلها ذكر الختام الجميل وماذا أعد الله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ... دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا... يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ... قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ... يُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى... وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ... عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ، كله تتابع في ذكر الختام الجميل.

ثم جاء أنها -شوفها آية 22 من الآيات الجوهرية أيضًا في سورة الإنسان بعد أن ذكر كل هذا الختام الجميل قال: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا. ذكر السعي مرة أخرى: وَكَانَ سَعْيُكُمْ، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، تذكروا سورة الغاشية، هذا النوع من السعي الذي يسعى فيه الإنسان إلى الله ويريد أن يصل إليه هذا السعي مشكور. الله يقول: نحن نتشكر على هذا السعي أيها الإنسان يا من اخترت الرحلة كما أراد الله أن تكون إذا سعيت بهذا الاتجاه الصحيح فإن سعيك مشكور.

طيب يا رب، بعد أن عرفتني أنني سابتلى ولكن أوضحت لي عاقبة هذا الثبات، ما الذي يصبرني حتى أصل؟ ما الذي يصبرني في البلاء حتى أصل؟ فجاءت آية 24 و25 و26 تذكر وسائل الثبات: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، الصبر. 25: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، المحافظة على الأذكار خصوصًا أذكار الصباح وأذكار المساء.

يا رب، هناك مشكلة كأنه حدث في الكاميرا، طيب فقط أصلح الكاميرا إخواني دقيقة، كان هناك مشكلة. الله المستعان، يا رب. معذرة إخواننا انقطعت، كأنني نسيت أضع الشاحن في كاميرا التصوير. الله المستعان، يا الله المستعان! ياه، بسم الله، يا رب. لا أدري هل سيعاد فتحه أو لا لأن خبرتي في هذه الأمور ليست كما تتوقعون. هل الصوت يصلكم؟ الإخوة الذين يتابعون عبر اليوتيوب هل الصوت يصل؟ خلص، إذا الصوت يصل نكتفي بالصوت اليوم حتى لا يذهب الوقت.

طيب، إذن ذكر وسائل الثبات: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا. إذن وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ: قيام الليل، والأذكار خاصة أذكار الصباح والمساء: بُكْرَةً وَأَصِيلًا، والصبر؛ هذه الثلاثة مفاتيح الثبات في رحلة البلاء: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ. هذا البلاء يحتاج إلى ثبات، ما الذي سيثبتني يا رب؟ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ.

ثم تختتم السورة بذكر أهمية استيقاظ الإنسان في رحلة الحياة وعدم الغفلة، فذكر حال الكافرين، الكافرون ماذا قال الله عنهم؟ إِنَّ هَؤُلَاءِ -أي هؤلاء الذين لم يختاروا الثبات على دين الله ولم-

يختاروا العبودية يحبون العاجلة الدنيا ويذرون وراءهم يوما ثقيلا، ثم قال هذه تذكرة، يعني نحن نذكرك أيها الإنسان، ترى انتبه احذر من الغفلة وتمسك بتفاصيل القصة كما أراد الله أن تكون، هذه سورة الإنسان.

نأتي إلى سورة القيامة، في سورة القيامة هناك يعني مقطعان، دعونا نقسمها، المقطع الأول في سورة إيه: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ. نرجع نتكلم عن الإنسان باعتباره إنساناً، أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن لَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ، ثم قال: بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ، إيه خمسة: بَل يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. شوف هنا الله عز وجل يعطينا شيء عن نقص الإنسان، إيه رقم خمسة بَل يُرِيدُ الْإِنسَانُ -ضع تحت كلمة الإنسان خط- لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. الإنسان لضعفه لا يريد الخضوع بل يريد الشهوات والملذات وأن يعيش الحياة بهواه، بَل يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. الإنسان يريد هذه الحياة، حياة مليئة بالشهوات والملذات والرغبات، يأكل ما يريد، يشرب ما يريد، ينكح ما يريد، يمارس ال وينظر، وكل شيء من الشهوات واللذائذ يريد أن يقترفه.

هذا ضعف في الإنسان، لن تستطيع أن تجبر هذا الضعف وهذا الكسر إلا إذا ارتقيت لمقام العبودية وأرغمت النفس إرغاما على النزول عند أوامر الإله: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. تحتاج إلى تزكية، تحتاج هذه النفس إلى قهر، تحتاج هذه النفس إلى إصلاح، وإلا ستبقى كما قال الله: لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. تمام، لذلك يخبرك الله هذا الإنسان الذي يريد يفجر أمامه، لما يأتي يوم القيامة إيش رح يكون وضعه؟ يَقُولُ الْإِنسَانُ -لاحظوا هنا الكلام لم يقل يقول الكافر، هنا يخاطب الإنسان كإنسان بضعفه ونقصه الذي هو إنسان ضعيف ناقص ولم يجبر هذا النقص بالعبودية- هذا الإنسان يوم القيامة سيقول: أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلَّا لَا وَزَرَ. ثم قال: يُنبَأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، كل واحد فينا يعرف نفسه، ويعرف هل هو يسير مع الإله ويخضع له أم هو مستكبر متعال.

طيب، ثم في سورة القيامة في آية تشبه ما ورد في سورة الإنسان، سبحان الله التشابه بين السور المقترنة، آية 20 في سورة القيامة: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ. في آية 20 سمى الله الدنيا عاجلة هنا، والنسان متمرس متمسك بها بدلا من أن يفكر بالفصل الأخير من القصة في الدار الآخرة، وكذاك في سورة الإنسان مر معنا آية 27: إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ. إذا حب العاجلة في سورة القيامة وفي سورة الإنسان ينبه الله أن حب العاجلة وهي الدنيا مفسد لك أيها الإنسان، يعني هذا الإنسان الذي يفجر أمامه ويعيش الشهوات والملذات إيش مشكلته؟ مشكلته أنه يحب العاجلة ومستتهل بالآخرة، هذه فكرة تكررت مرتين في سورة القيامة: تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ، وفي سورة الإنسان: إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا.

فإذا هذا خطأ مركزي، إياك أن تسقط فيه أيها الإنسان، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من حب الدنيا وكراهية الموت. ثم الله عز وجل في ختام سورة القيامة يتكلم مع الإنسان: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، يعني يا أيها الإنسان اللي تكلمنا عنك في البداية تريد تفجر أمامك، تعتقد أنك ستترك سدى؟ سدى قال المفسرون أي لا يؤمر ولا ينهى ولا يخضع الإله. أنت مفكر أنه هكذا خلص أنت وجدت في الدنيا وعيش شهواتك وحياتك واللي بدك إياه، طلع على النساء، قارف الحرام، حياة مختلطة، فساد أخلاقي سلوكي، انهزام، ضعف، عمالة، خيانة، هيك تظن الأمور: لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ؟ أنت مش فاهم الدنيا صح. أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، تعال تعال أجيك شو أصلك مرة أخرى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ، مش انت كن، مش انت هو نفس ذاك الإنسان الذي كان مني يمنى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَىٰ، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ. فلماذا لماذا لا تريد أن تخضع للإله وشرعه وتريد أن تبقى ليفجر أمامه؟ سورة القيامة ترسل لك هذه الرسائل.

نأتي إلى سورة المدثر، سورة المدثر في الآيات الأولى منها، الآيات السبعة حديث عن الثبات، آية سبعة آية عظيمة جدا: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. ما قال واصبر لربك، لا: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، يا أيها الإنسان الذي تريد أن تسير إلى الله في رحلة الحياة من أجل الله فقط، ليس من أجل أي شيء آخر، من أجل الله اصبر. تتحمل، تتحمل الآلام والاتعاب، تتحمل الظلمة والفجار والكافرين، تتحمل الذين يصدون، تتحمل تزيين الشهوات والملذات أمامك، تتحمل ترك مخالفة النفس، تتحمل الابتعاد عن الهوى، تتحمل كل هذه المراره وتقبض على الجمار: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، بس من أجله. فإذا حديث عن الثبات في الآية السابعة.

ثم بعد ذلك تكلمت السورة عن التمرد الذي وقع فيه الوليد بن المغيرة على العبودية، وكيف كان يصد النبي صلى الله عليه وسلم عن ثباته، ويحاول أن يزعزع من إرادته ويؤذي الثابتين، فالله عز وجل يتوعد هؤلاء الذين يتمردون، ليس فقط هو يتمرد لا، هو يتمرد ويريد أن يؤذي من ثبت، فقال: كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. الاستكبار وهي كلمات كلها تحوم حول بعضها: أدبر واستكبر، شعور بالاستغناء، الاستغناء، الطغيان، الاستكبار، عدم الالتفات إلى إلى الله، كلها كلمات تأتي كثيرا في هذه السياق لتبيين ذاك النوع من البشر، النوع السيء النموذج المخزي. فقال سبحانه وتعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. يعني الموضوع سهل جدا على رب العالمين أن ينهيك تماما إذا أدبرت واستكبرت. اخضع للإله حتى لو عصيت ربنا، بجبر كسرك، اخضع للإله حتى لو زللت الله عز وجل يعينك، لكن ما بدك تخضع وتريد أن تبقى على سوء الأدب والاستكبار والاعراض هنا ينهي الله تماما.

طيب في آية 52 من المدثر: بَل يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً. نرجع بنتكلم عن حالة الإنسان اللي مش راضي يخضع للوحي الإالهي، وكل رجل من العرب كان يريد أن يكون هو المرسل من الله، وإذا لم يرسل من الله يقول: أنا لا اريد أن أخضع لمحمد صلى الله عليه وسلم المرسل. حالة من الاستكبار، لماذا اختير محمد ولم نختر نحن؟ لا نريد، لن نخضع، غير مصدقين، حالة أيضا من الحالات النفسية الكافرة الفاجرة في هذه الحياة الدنيا. ثم بيرجع رب العالمين في آية 54: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ. كلمة تذكرة لو أنك في جزء تبارك وعم مريت عليها ستجد كثيرا الكلام عن التذكرة، في سورة الإنسان قبل شوي: إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ. في سورة التكوير قبل قليل ماذا قال سبحانه وتعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ. فقدم التذكرة، فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا في سورة المرسلات آية خمسة، الله يذكر يذكر يذكر ينبه يعيد التذكير لك، يذكر لك الفصول الختامية مرات ومرات ومرات، حتى ما تدي يوم القيامة لما ربنا يحاسبك الحساب الشديد المرعب اللي أنا واياك لسه مش متصورين لما يقع الحساب الشديد المرعب ما تقول يا رب أنا ما سمعتش، أو أنا يا رب ما كنت حاضر، هي القرآن يتلى والكتاب بين يديك فلا مجال للاعتذار.

طيب، سورة المزمل هي سورة فيها كثير من كلام عن العبودية، وقد ذكرناها سورة الاعتكاف البارحة في اعتكاف المخيم. الله عز وجل في سورة المزمل في بدايتها يبين لنا الوسيلة العظمى للثبات، الوسيلة العظمى للثبات في رحلة لله الإنسان في الحياة وهو قيام الليل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. قيام الليل هي اعظم وسيلة للثبات، لذلك كان مشايخنا وأساتذتنا وعلمائنا يقولون: من تهت بوصلته في الحياة، من كان يشعر بالضعف في الحياة، من كان يريد أن ينهض من جديد في الحياة لا تفكر في وضع برنامج وخطط وتقسيمات وكذا وتتواصل مع مشايخ، أول شيء قوم الليل. ما في قيام الليل كل الخطط تتعب، كل البرامج تضعف، وكل الهمم تفتر. قيام الليل هو وصية الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وللأمة من بعده: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. طب لماذا أقوم الليل؟ تاتي الآية تقول لك: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. الصلاة في جوف الليل هي أشد وطئا أي بها يتواطأ القلب مع اللسان في تذكر الله سبحانه وتعالى والشعور والاحساس بمقامات العبودية له. أنت في النهار بتكون في صخب الحياة وضوظائها وبتشتغل ورايح ووظيفه وترجع الساعة ستة وأكل وشرب وزيارات ما فيش مساحه أنك تفكر بنفسك وتعود لذاتك، تاتي ساعات الليل الآخر وناشئة الليل الدنيا بتهد الأولاد بييناموا كل الناس رايقه فيش تلفزيون، كل شي الأصل طافي، فتاتي إلى قلبك لتبحث عنه أين هو من مقامات العبودية، هنا تجد القلب يساعدك على الاستمرار في الحياة.

فهذه مركزية قيام الليل وكما في سورة الإنسان، نحن قلنا في سورة الإنسان كانت وسائل الثبات ثلاثة صح: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ. بتيجي سورة المزمل بتذكر نفس وسائل الثبات الثلاث: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا في آية اثنين، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ آية ثمانية، وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ آية عشرة. شوف تناسق القرآن في بناء الفكرة: وسائل الثبات صبر، ذكر، قيام ليل، في سورة الإنسان مذكورة وفي سورة المزمل برجع ربنا بذكرك فيها مرة أخرى. بدك تثبت هذا، وبالتالي إخواني إذا أردنا أن نثبت في هذه الحياة ما بدنا نحاول نخترع طرق أخرى للثبات، ربنا اللي خلقنا ويعرف انف وتفكيرنا وخواطرنا بطينا وسائل الثبات: قيام ليل، ذكر، صبر، وتفرج بإذن الله.

طبعا في آخر سورة المزمل ربنا بيعرف ويعلم بسعة علمه سبحانه ضعفنا وأننا سنقصر في كثير من الأحيان عن قيام الليل: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. يا اخي صلي في الليل خمس دقائق، صلي في الليل وأنت جالس. قال: عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مَنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عندهم تجارة وشغل في الصباح، واخرون يجاهدون يرابطون فلا يجدون وقتا لقيام أو يتعبون. كله ربنا عز وجل بعرف ضعفنا، لكن لن لك نصيب من الليل مرة في الأسبوع، مرة في الشهر تعاهد الليل على الأقل، تعاهد الليل والله عز وجل يسامحك على الضعف واستغفر الله، لذلك قال: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. هذا كأنك تستغفر الله من عدم كمال عبوديتك في قيام الليل.

طيب نذهب الآن إلى سورة الجن. سورة الجن يعني ما أشعره حقيقه فيها هي أن الله سبحانه وتعالى يخبر أن الجن خضعوا وفهموا العبودية لله، أو أن طائفة نقول من الجن حتى نكون دقيقين، أن طائفة من الجن خضعت لعبودية الإله وفهموها كما أن طائفة من الإنس أيضا يخضعون لعبودية الله وفهموها. فصورة الجن هي حديث على لسان الجن: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْتُمُوهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا.

فكان الله يقص علينا نحن البشر، الإنسان، يقص عليك أن الجن أيضا الموجودون معك في هذا الكوكب الجن أيضا أرك بعضهم هذه الحقيقة، فالجن لهم قصة حياة كما لنا نحن قصة حياة، الجن لديهم عبودية ولديهم بلاء وعليهم الثبات وهناك تمكين، كما أنت أيها الإنسان عندك عبودية وهناك بلاء وهناك ثبات وهناك تمكين. فهذا القرآن هو ليس فقط خطاب لنا نحن، بل هو أيضا خطاب للجن، والجن لما سمعوا القرآن كان سببا في هدايتهم وذهبوا يذكروا قومهم: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ. فاذا الله يخبرنا أن هذا الكتاب وهذا النبي العظيم ليس فقط للإنس، بل هو أيضا للجن، وهناك تشريعات وأحكام تتعلق بعالم الجن الله تعالى أعلم بها.

هذا طبعا استمر الكلام على لسان الجن في صفحة ونصف، من آية 20 إلى آية 28 في سورة الجن ينتقل الكلام على لسان النبي الأعظم أو الله يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن حتى الانبياء مفتقرون إلى الله ولا يستغنون عن مقام العبودية لله: قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا، أنا مثلي ومثلكم فقير محتاج. قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ. أي قل لهم: إِن أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا.

فهذه الآيات الأخيرة من آية 20 إلى 28 الله عز وجل يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يظهر أيضا الافتقار والحاجة وأن يبين للناس أنه في النهاية فيه صفات الإنسان، صفات الحاجة للإله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اكتمل بمقام العبودية لله سبحانه بكمال خضوعه وانكساره، فكمال الخضوع والانكسار هو الذي ارتقى به، وليس لأنه صلى الله عليه وسلم خلق من ماده تختلف عن مادتنا، أو خلق من عناصر تختلف عن عناصرنا. نفس العناصر خلق نطفة من مني يمنى، خلق صلى الله عليه وسلم إنسانا محتاجا مفتقرا في طعامه وشرابه وحياته إلى الله، وفي علمه وهدايته إلى الله، ولكن كماله بأبي وأمّي صلوات ربي وسلامه عليه جاء في كمال عبوديته: نِعْمَ الْعَبْدُ، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ. لما اكتمل في عبوديته الله اجتباه واصطفاه واختاره.

فبالتالي شرفك أيها الإنسان في كمال عبوديتك. سورة نوح أيها الكرام تتكلم عن رحلة الصبر والثبات في السير إلى الله سبحانه وتعالى للدعاة خصوصا، فنوح نموذج لداعيه استمر ألف سنة إلا خمسين عاما.

يدعو قومه، متخيلين، يعني هذا كلام عن التصبير والتثبيت للدعاة لمن يحمل هم هذا الدين، لمن يحمل هم المشروع الإسلامي. نوح تسعمائة وخمسون سنة لم يفتر ولم يمل ولم يكل عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً. يا رب ليل ونهار دعوة وععمل وعطاء، وللأسف كثير من قومه ما زَالَ معرضاً: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً. مع أنه نوح أطمع مش فقط في الآخرة بل أطمع أيضاً بالدنيا: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ. اعطاهم يعني نوح مغريات أنه إيمانكم وتوحيد ليس عطاء أخروي فقط بل عطاء دنيوي بالمال والبنين والبساتين.

ونبه وحذر لما وصل إلى مرحلة أن هؤلاء القوم فيش منهم فايدة، قال: رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً. قال: يا رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. يا رب هذول فيش فيهم خير، هؤلاء لا خير فيهم. طبعا نوح يوم القيامة سيعبر... القيامة يطلبون من الانبياء الشفاعة، يذهبون إلى آدم فيقول: نفسي نفسي أنا أخطأت في حق ربي، يذهبون إلى نوح يطلبون منه أن يشفع لهم ليبدأ الله فصل الحساب. ماذا يقول نوح؟ نوح سيستغطى، بيقول يعني أنا دعوت على قومي فلا أدري يعني ماذا سيفعل الله بي. كأنه يوم القيامة، يعني شوف نفوس الأنبياء المرهفة صلوات ربي وسلامه عليهم، استغطى نفسه. ليش؟ قال: يا رب لا تذر الأرض من الكافرين دياراً. ليش دعا على الكفار بقول لا، كان الأصل أني خلاص أبقى أبحث لهم عن هداية ولا أدعو عليهم حتى في اللحظات الأخيرة. تسعمائة وخمسون سنة وهو يدعوهم وهم يقابلون ذلك: لَنَرْجُمَنَّكُمْ، يَا نُوحُ لَتَخْرُجَنَّكَ. بعد تسعمائة وخمسون سنة دعا دعوة عليهم، استغطى نفسه عليها يوم القيامة. شوف رحمة الأنبياء وشعورهم أنه احنا حتى لو جلسنا ألف سنة الأصل نبقى عبيد لله نمارس الدعوة نمارس الدعوة، وأما ماذا سيفعل الله بالكافرين هل سيهديهم أو لا فهذا من الله تماماً.

أحد الأخوة يسأل: لماذا لا توجد صورة؟ والله كانت موجودة يا أخي ولكن سبحان الله فصلت الكاميرا عندي ولا ما أعف كيف استرد ما ذهب. ممكن هذا يصلح معي، أنظن يا رب. دقيقة، هل ظهرت صورة عندكم؟ والله ما أدري. والله ظهرت يا أخي سبحان الله. جيد يعني أحياناً تمشي الأمور، طلعت في كبسة أنا الآن انتبهت لها يمكن أني أفعلها، جميل. يعني الإنسان يستفيد إن شاء الله ويتقدم في عناصر التكنولوجيا هذه الكثيرة، الحمد لله. طيب، إذا مررنا على قصة نوح عليه السلام ناتي إلى سورة المعارج، إحنا اليوم سننتهي إن شاء الله من جزء تبارك. لكن في سورة المعارج حقيقة وقفة جميلة جداً مع محور السورة. محور السورة أيضاً ذكر لطبيعة في الإنسان، طبيعة في نقصه: آية تسعة عشر. آية تسعة عشر مركز السورة: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً. ما معنى هلوعاً؟ نفس السورة فسرت: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً. أي الإنسان خلق فيه هذا النقص أنه كثير الهلع، يعني خلق هلوع. الله يقول: خلقتك يا أيها الإنسان فيك هذا النقص أنك عندك هلع. ومعنى الهلع أنه بمجرد ما يمسك بلاء، إذا مسه الشر يعني بلاء، مباشرة جزع وقنوط وأحباط وياس واكتئاب. وإذا ربنا أعطاك خير وعطاء مش انك بتقول يلا بدي أبذل وأعطي شكراً لله، لا ماسك وتكرم على المصاري تاعتك ما بدك تبذلها، إذا مسه البلاء جزع وإذا مسه الخير منع.

فيك هذا النقص، طيب كيف يا رب تعالج هذا النقص؟ الله جاء ليعلمك في سورة المعارج، شوف الدرس كيف: تكمل لهذا النقص تكملة بكمال العبودية. فانت تحتاج إلى العبودية حتى تتخلص أو تعالج هذا النقص، من خلال: إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِم دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ. ثم بدأ بالصلاة وختم بالصلاة: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. فمحافظتك على صلاتك التزامك بأحكام الشريعة خضوعك لما يأمرك الله به هو الذي سيعالج حالة الهلع اللي أنت خلقت عليها. لذلك اليوم الكفار مهما بلغوا في الطرف والدنيا والحالة الحضارية مجرد ما أحدهم يبتلى ببلاء تجد حالة من الجزع الهلع الخوف الرعب اكتئاب بفكر آخر شي ينتحر وينتهي من الدنيا، ليه؟ لانه ما في شي يسكن هذا الضعف. فالهلع في الإنسان، سواء الإنسان المشرقي أو المغربي، المتحضر أو مش متحضر اللي معه مصاري واللي ما معه، الكل عنده هلع، ولن يعالج هذا الهلع والجزع والخوف والقلق إلا ارتباطك وانكسارك وعبوديتك لله سبحانه وتعالى.

ثم ككثير من السور الله عز وجل يحاور المستكبرين المستغنين الذين يريدون أن يتمردوا، فيقول: أَيطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يَدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ آية ثمانية وثلاثون. هؤلاء الكفار كما قلت يمارسون الاستغناء، مش فقط في الدنيا بل حتى في الآخرة، يظنون أنهم يقولون: لو دخلنا الجنة، لو كان هناك يوم قيامة فنحن أيضاً من أهل الجنة. يعني الثقة الزائدة بالنفس كما نسميها اليوم، يعني هو في الدنيا، هو في الدنيا مستغني، وفي الآخرة يعتقد أيضاً أنه مستغني وأنه هو أهل لأن مستحق لأن يتفضل عليه. ليه؟ خلاص بقول لك: أنا انسان لازم أخذ، أنا انسان أهل لان أكرم. ما عنده عبودية، ما عنده خضوع لله سبحانه وتعالى، فظن أنه صاحب أحقية. فالله بماذا يذكرهم؟ كالعادة يذكرهم بأصل خلقتهم. ليه؟ هي الكبرى في النفس والاعتقاد انك صاحب أحقية دوماً بالعطاء: كَلَّا ۖ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ. أنا خلقتك أيها الإنسان مما تعلم، من ايش؟ هنا كان الله كناية من ماء مهين، نطفة من مني يمنى، هذا معنى خلقناه مما يعلمون. كأنه بول ما بديش أحكي لك أنت عارف من ايش خلقتك، أنت عارف من أي مادة خلقت، من ماء مهين. فدعك من هذا الشعور بالاستغناء والاستكبار واخضع للإله قبل أن يفوتك الأوان.

تأتي سورة الحاقة أيها الكرام، وتأتي سورة الحاقة ومحورها الأساسي أظن واضح للجميع، محورها الأساسي هو أيضاً تذكير بالفصل الأخير. طبعا تذكير السور المكية بالفصل الأخير بفصل القيامة ياتي كما قال بعبارات وأساليب مختلفة يعني ما في تكرار تكرار بنفس العبارة، كل سورة تركز على شيء معين في الدار الآخرة. مثلا سورة الحاقة تتكلم عن قضية إعطاء الصحف، أنه الذي سيعطى صحيفته بيمينه كيف ستكون مشاعره: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. والذي سيعطى كتابه بشماله كيف ستكون مشاعره: هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ. فوصف لك مشاعر الساعات الأخيرة مشاهد الساعات الأخيرة وهي توزيع العطايا، وكيف سيكون هناك من يفرح ومشاعر الإنجاز وأنني في الفصل الأخير نجحت يا رب الحمد لله. واللي فشل واللي سيعض أصابع الندم، فالصور ترسم لك المشاعر هنا وكل صورة من السور المكية تعطيك أحاسيس معينة أو صفات معينة أو نوع من مشاهد يوم القيامة حتى تبقى دائما مستيقظا انت للمشهد الاخير. ولا بد من المرور أحيانا على ذكر أو تأكيد عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، صدق النبي عليه الصلاة والسلام، كمال القرآن الذي يخبر بهذه الحقائق حتى تبقى أنت تشعر بالثقة والاعتزاز بهذا الكتاب العظيم وتحب أن تقراه وتتلوه آناء الليل وآناء النهار.

طيب، سورة القلم هي في مطلعها أو في أغلبها أيضا ترجع تتكلم أو تركز على الحوار مع ذاك الانسان المتمرد الذي يريد أن يستغني ويريد أن يقف في وجه الإنسان المتعبد. سيدنا النبي عليه الصلاه والسلام هو الذي كان يدعو ويواجه الكفار، وكان الكفار يواجهونه بالاستهزاء والتهكم. ومن هؤلاء اللي كانوا يواجهوا النبي صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء والتهكم الوليد بن المغيرة، ولذلك نزلت فيه آيات كثيرة هو وأبو جهل. فهنا في سورة القلم الله عز وجل هتك ستره للوليد بن المغيرة لما قال: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ. يعني قالوا فضحه لما قال زنيم، ابن حرام أصلاً، زنيم هو ابن حرام. ولذلك الوليد بن المغيرة دخل على أمه فقال لها إن محمدا صلى الله عليه وسلم ذكر في آيات تتلى وذكر في كذا وكذا، عرفت كل شيء إلا أنني زنيم ابن حرام! فهل فعلت شيئا أخبريني؟ يقول لأمي: أخبريني وإلا قسمت رأسك. فأخبرته أمه أنها أتت به بالزنا والعياذ بالله. هاتك ستره لا تتمرد على العبودية، لا تتمرد على العبودية وتشعر بالاستغناء والاستكبار، وإياك أن تستهزئ بأحكام الشريعة وبفضله وسننه وأحكامه. إياك هذا نموذج، نموذج إنسان كان متمرد فالله هتك ستره. وهكذا عادة الله المتكررة.

فثم جاءت قصة أصحاب الجنة اللي كانوا يريدوا أن يتمردوا، يريد أن لا يعطوا الفقراء نصيبهم من الزروع من الزكاة، فالله عز وجل أخبرك عن مشاعرهم: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. بدهم المساكين يعرفوا أنهم رايحين يجيبوا المحصول: أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ. فالله عز وجل يخبر، هؤلاء المساكين يتمردون عن الإه ويظنون أنه ما حدا سامعهم وما حدا شايفهم، ورايحين يحصلوا الأموال بدون ما يعطوا حق الفقراء والمساكين. قال: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ كان قدر الله يفعل وامر الله يفعل وهم نايمين، يظنون أنه في الصباح الأمور طيبة، لما وصلوا إلى بستانهم البستان محروق تماماً، وقدر الله كان يفعل فعله وهم نايمين. دعك من التمرد، لذلك عادت السورة تتكلم مع هؤلاء الكفار المتمردين: أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَرُونَ، أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ. يعني الله عز وجل يتهكم بالكافرين، لا تكونوا أنتم ماخذين إيمان منا أنكم يوم القيامة يا أيها الكفيرة ستكونون السادة وعليه القوم وأنكم كان عندكم علو في الدنيا وهناك علو في الآخرة، لا تكونوا أخذتم إيمان منا أو بين أيديكم كتاب يخبركم بهذه النتائج. يتهكم بهم الله عز وجل لشعورهم بالثقة الزائدة بأنفسهم وأنهم أصحاب القوة والمكنة في الدنيا وأنهم كذلك سيكونون في الآخرة، فالله يخبر لهم أن القضية مش هيك: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَرُونَ، أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ، سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ. اين عقولكم هل تظنون القضية هكذا ستنتهي فصول الحكاية؟

ثم الله عز وجل يخبر الدعاة: يا أيها الدعاة ستواجهون أهل العناد أهل الاستغناء أهل الاستكبار، فماذا نفعل يا رب؟ في آية ثانية وأربعين الله يركز على الثبات: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، انتظر حتى ياتي الله بالفرج من عنده. الصبر ذكرناه في المزمل، ذكرناه في الإنسان. في المزمل والإنسان ربنا ذكر الصبر وقيام الليل والذكر، هنا ربنا ركز على قضية الصبر أساسا لأنها هي أساس الطريق وأساس الثبات، أن يوطن الإنسان نفسه على الصبر في هذا الطريق.

طيب، أخيرا السورة الأخيرة التي سأعلق عليها اليوم وهي سورة الملك. سورة الملك ابتدات بالحديث عن كمال المعبود: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ. الآية رقم خمسة كلام عن كمال المعبود وصنعه. ثم البيان أن هؤلاء الذين لا يخضعون لهذا المعبود صاحب الصنائع العظيمة والأفعال الجميلة، ماذا سيكون لهم؟ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. أنت ما بدك تخضع لهذا المعبود ناوي تبقى متمرد، عذاب جهنم وبئس المصير. ثم ذكر تفاصيل من تفاصيل عذاب جهنم: إذا ألقوا فيها تكاد تميز، وكيف أن الملائكة تأتي بتقول لهم: شو اللي وصلكم لنار جهنم؟ ما كان هناك نذير؟ ما كان هناك مذكر يذكركم بالعبودية لله؟ قالوا: يا ريتنا كنا ننتفع، لو كنا نسمع أو نعقل. هم كان عندهم عقول وكان عندهم إسماع بس ما انتفعوا بها ليخضعوا للإله: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فاعترفوا، فاعترفوا أنه هم أصحاب المشكلة، هم اللي كان عندهم استغناء وثقة زائدة بأنفسهم ورفضوا الانصياع.

ثم عادت السورة لتتكلم عن كمال قدرة الله كمال المعبود: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ. وبيان أنه بيان كمال القدرة الإلهية ليس فقط في الخلق، ببيان قدرته أيضا على التعذيب والاستئصال لهؤلاء المعاندين: أَأَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَستَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ، وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ، أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ. فالله سبحانه وتعالى يقول لهم: الكمال عندي، الجمال عندي، العلو والاقتدار عندي. ثم يقول لهم مبينا لضعفهم: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُورِ الرَّحْمَٰنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ. أعطوني يعني بناء على ماذا أنتم تمرّدتم؟ هل هناك من سينصر مني ويحميكم ويؤويكم ويرعاكم سواي؟ من هو هذا الجند الذي سينصر إذا أنزلت عذابي بكم؟ فتجد الخطاب يتكلم معهم بهذه الطريقة، هو إله بكماله وأفعاله وأنت تخضع له، ليه هذا التمرد والاستكبار؟ ليه هذا الكفر والطغيان؟ ليه المحاربة لله ورسوله؟ هل هناك من سيفزع لكم في الدنيا أو في الآخرة؟

ثم يعني حتى ختام السورة ختام لكمال القدرة: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ. أقل شيء في الحياة عندكم الماء، لو أنه أصبح غائراً في الأرض لا تستطيعون الوصول إليه، فمن ياتيكم بماء معين من يطيع؟

أن يَأْتِيَكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ، أي بماء على ظاهر الأرض ترونه بأعينكم، من يأتيكم به سوى الله عز وجل. فإذا كان وجود الماء من صنعه، ووجود السماء من صنعه، ووجود النجوم من صنعه، وتذليل الأرض من صنعه، وتوزيع الأرزاق من صنعه؛ لماذا أيها الإنسان، هكذا يعني هو مرور سريع على تفاصيل هذه السور.

انتهينا هكذا من جزئين بحمد لله من كتاب الله سبحانه وتعالى، ورحلتنا مستمرة إن شاء الله. لعل الدرس القادم يكون، إذا كان في العمر بقية، في أول ليلة أو أول فجر من فجر رمضان يوم الثلاثاء، وقد يكون يوم الاثنين يعني غدا، لكن يعني كثير ممن يقولون هو الثلاثاء، الله أعلم.

المهم الدرس القادم سيكون إن شاء الله في صبيحة يوم من أيام رمضان، اللهم بلغنا رمضان على خير وإيمان وسلامة وإسلام وشوق، ولا تحرمنا من بركاته وأنواره وخيره وعطائه. جزاكم الله كل الجزاء على الاستماع والثبات والحضور، ونسأله عز وجل أن يفهمنا رحلة الإنسان في القرآن وتفاصيل هذه الرحله بهذا المرور العام وليس المرور التفصيلي. جزاكم الله خيرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.