بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة يوم من أيام رمضان هذا الزائر الكريم، وعلى موائد القرآن نلتقي، وشهر رمضان أيها الأحبه هو شهر مدارسة القرآن؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي مع جبريل في كل رمضان ليتدارسوا كلام الله سبحانه وتعالى. فحذاري حذاري أن يكون نصيبكم من القرآن هو مجرد التلاوة، فليكن هناك نصيب وساعات للفهم، ولمعرفه رسائل القرآن وهدايات القرآن ومقاصد القرآن. اللهم فهمنا وعلمنا وبارك لنا وارزقنا همة على تدارس كتابك في هذا الشهر الفضيل شهر القرآن.
ما زلنا في رحلة الإنسان في القرآن أيها الكرام، هذا عنوان هذه المجالس، ونحن نتتبع أربعة معاني في كتاب الله سبحانه وتعالى: معنى العبودية وما يتعلق بها، ومعنى البلاء، ومعنى الثبات، ومعاني التمكين. هذه المعاني الأربعة التي تدور عليها قصة الإنسان، والذي حدثنا كتاب ربنا كثيراً عنها، بل استطيع أن اقول إن كلام الله سبحانه وتعالى لو نظرت فيه وتأملته إنما يحوم حول هذه المعاني الأربع والله تعالى أعلم.
وصلنا نحن -طبعاً بدأنا من نهاية المصحف- انتهينا من جزء عم وجزء تبارك، اليوم سنحلق بإذن الله في جزء المجادله، سنبدا بسورة التحريم. سورة التحريم، بسم الله الرحمن الرحيم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. هذه السورة أيها الكرام تتكلم عن ماذا؟ تتكلم عن المرأة المسلمة، عبودية المرأة المسلمة لله سبحانه وتعالى. طبعاً بدأت السورة بالحديث عن أو توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم أن مراعاة الله سبحانه وتعالى ومراعاة ما يتعلق به ينبغي أن تكون مراعاة مقدمة على مراعاة أي حظ من حظوظ الناس.
بتعرفوا قصة سورة التحريم لما النبي عليه الصلاة والسلام شرب العسل في بيت زينب أو بيت بعض زوجاته، وأن حفصة وعائشة رضوان الله تعالى عليهما كيف حدثت عندهم غيرة، فلما اتفقوا بينهم أنهم إذا دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله، ما هذا الذي أكلته فإن رائحته كريهة؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحب أن تظهر منه رائحة كريهة؛ فطبعاً هو كان آكل عسل، شيء جميل، ولكن من الغيرة في قلوبهن رضي الله تعالى عنهن حاولوا -يعني من كيد النساء- أن يصنعوا هذا الأمر، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: والله لا آكل العسل.
فعاتبه الله: لماذا يا رسول الله، لماذا تراعي حق زوجات أخطأن، وتترك ما تحبه، وتترك مراعاه ما هو أولى في هذا المقام؟ طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام هو لم يفعل شيئاً حراماً بالمفهوم الفقهي أو غير المشروع، وإنما يعاتبه الله سبحانه وتعالى في مقامات ينبغي أن يكون أكمل فيها، كما عاتبه في سورة عبسة، كما عاتبه في بعض المواطن: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ. فكان الله يقول له: إن كمال عبوديتك يا رسول الله، إن كمال عبوديتك تقتضي ألا تراعي حظ زوجاتك، وإنما تراعي حظ الله دوماً سبحانه وتعالى.
فجاءت سورة التحريم لتخبر النساء عموماً بأهمية الإخبات لله، كأن سورة هكذا تجدها مخصصة للنساء في جملتها، مفهوم الإخبات لله. وجاء هذا في ذكر صفات المرأة الصالحه في قوله تعالى: عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ. هذا محور عظيم في السورة: ما هي صفات المرأة المسلمة الفخمة كما يعني يصح أن يقال؟ مسلمات مؤمنات قانتات، قانتات يعني طائعات لله، تائبات عابدات -شوف كلمة عابدات في حق المرأة المسلمة- سائحات، والسائحات هن الصائمات في أشهر الأقوال، ثيبات وأبكاراً. طبعاً ثيبات وأبكاراً هذا وصف لطبيعة النساء، أن النساء منهن الثيب ومنهن البكر.
لكن مسلمات، مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات، سائحات، هذا النموذج الذي يريد الإسلام أن يصنعه للمرأة؛ ليس نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات فاتنات واصلات مستوصلات واشمات مستوشمات، شغلهن الخروج في الطرقات وإفساد الدين والدنيا؛ ليس نساء متمردات على شريعة رب العالمين؛ ليس نساء خارجات عن القوامة الزوجية ومعترضات وتابعات الأفكار النسوية. هذه هي شريعة القرآن، شريعة الإله، مسلمات مؤمنات قانتات، والقنوت يقتضي أنها طائعة خاضعة لأحكام الله سبحانه وتعالى، تقول دائماً: سمعنا وأطعنا، وهذا هو لب عبودية المرأة لله سبحانه وتعالى.
ثم في الصفحة الثانية ضرب الله نماذج للمرأة البائسة الكئيبة التي تمردت على شرع الله، وضرب الله نماذج للمرأة الصالحة المنصاعة المنقادة لشرع الله وكيف كانت المفاخر للنوع الثاني. فالنوع الأول مثاله ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، فالمراه لو كان زوجها صالحاً ولو كانت في بيئة صالحة لكنها نتنة فاسدة الأخلاق والطبائع لن يشفع لها ولو كانت زوجة نبي. وفي المقابل، المرأة إذا كانت صالحة صادقة محبة طائعة لله، لو كانت زوجة كافر، لو كانت تقيم في أنتن بيئة، فصلاحها يرفعها عند الله سبحانه وتعالى.
فنفسذج النساء الفاسدات كانت امرأة نوح وامرأة لوط، ونماذج النساء الصالحات كانت امرأة فرعون سيدتنا آسيا رضي الله عنها، وسيدتنا مريم بنت عمران اللي كانت في وسط بني إسرائيل -وأنتم تعرفون طباع بني إسرائيل عافانا الله وإياكم من طباعهم-. هؤلاء كانوا في بيئات فاسدة، لكنهم كانوا في قمة العبودية والإخبات، وهذا يدل أن الإنسان له قدرة أن يكافح البيئة غير الداعمة؛ يعني امرأة فرعون في بيئة غير داعمة، بيئة فاسدة، ومع ذلك ثبتت وصمدت حتى اثبتت وجودها في التاريخ وكملت وقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. ومريم كانت محاطة بيئة فاسدة من أحبار اليهود، ومع ذلك ثبتت لامر الله وأطاعت واخبتت، فأصبحت نموذجاً يحتذى به، فهذه حقيقة نماذج عظيمة تتعلق بالمرأة.
طيب، سورة الطلاق، لاحظوا مناسبتها لسورة التحريم، لأن سورة الطلاق تتكلم عن أحكام فراق المرأة وما وكيف ينبغي للرجل أن يتقي الله سبحانه وتعالى في أحكام المفارقة، وأن تكون المفارقة بإحسان، وأن المرأة في فترة العدة لا تخرج من بيتها إذا كانت في عدة الطلقة الأولى أو الثانية، ويخبر الله بتفاصيل أحكام هذه المسائل لأنها أحكام عظيمة وخطيرة وحساسة تتعلق بالبنية الأساسية في المجتمع ألا وهي الأسرة، فتولى الله بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق من عنده.
يعني كثير من الأحكام القرآن تعرض لها جملة وتركت التفاصيل للسنة النبوية، لكن بعض الأحكام لحساسيتها مثل أحكام المواريث مثل أحكام الطلاق الله سبحانه وتعالى تولى بنفسه في كتابه أن يبينها تفصيلاً واضحاً بيناً لئلا يتلاعب الناس فيها. وللأسف وإلى يومنا هذا ما زال كثير من الناس يتلاعبون بأحكام الطلاق؛ فتجد الرجل يطلق امراته وهي حائض وهذا حرام، وتجد المرأة في فترة عدة الطلاق تخرج إلى بيت أهلها وترفض أن تقيم في بيت الزوج ولا تراعي حرمة هذا الأمر وأن الأصل في عدة المطلقة الأولى والثانية أن تكون في بيت زوجها، لا يتقون الله سبحانه وتعالى في عدد الطلقات فيطلق زوجته الأولى والثانية والثالثة وهكذا.
طيب، فهذا موضوع الطلاق وأحكام الطلاق، وقد قال كثير من العلماء منهم الغرناطي في كتابه البرهان في تناسب سور القرآن أن سورة الطلاق جاءت في هذا الموضع تبعا لسورة التغابن. في سورة التغابن ماذا قال الله في ختامها؟ قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَروهُمْ. هكذا قال الله في الآية 14 من سورة التغابن، ممتاز.
فلما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَروهُمْ، قالوا بين في سورة الطلاق كيف يتخلص الرجل من الزوجة التي هي عدوه تمنعه من سبل الهدايه ومن طريق الخيرات وتحرمه من القرب من الله سبحانه بكثره طلباتها وكثره أشغالها ونفور أخلاقها. طبعا سيقول قائل: أليس يا شيخ أحياناً تكون المرأة هي الصالحة والزوج هو الطالح الفاسد الذي يمنع المرأة من الصلاح وسلوك درب الخير؟ بالتاكيد، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى أيضا للزوجه فرجاً ومخرجا من خلال طلب الخلع، من خلال طلب الخلع والافتداء بالمال.
فهناك كما هناك حلول للرجل هناك حلول للمرأة، لكن قالوا هذه من المناسبات ربط سورة التغابن بسورة الطلاق. لكن سورة التغابن أيها الكرام من السور المسبحات، هذه أول سورة من السور المسبحات، أو لا مرت معنا سورة الأعلى سابقاً، مرت معنا سورة الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَىٰ. لكن هنا أول سورة ابتدات بنمط: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. نعم هذه أول سورة بدأت بهذا النمط: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.
ستاتي معنا هذه كثيراً في جزء المجادله، في سورة التغابن، سورة الجمعة بعد قليل: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. سورة الصف: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. سورة الحشر: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. وسورة الحديد آخر سورة من الجزء السابع: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. هذه السور التي تتكلم أو مطلعها يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، أو سبح، والله أعلم، تريد أن تخبر الإنسان -يا أيها الإنسان- أن كل المخلوقات الكونية في السماوات وفي الأرض هي خاضعة لله منقادة لله متعبدة لله، فاذا اردت الكمال أيها الإنسان عليك أن تسير مع هذه الأجرام ومع هذه الكواكب والسماوات والأراضين، كن متسقاً مع حركة الكون، الكون كله موحد، الكون كله يسبح ويقدس وينزه الله سبحانه وتعالى.
شوف: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. فأنت أيها الإنسان بين أمرين؛ أما أن تسير مع حركة الكون فتقدس الله وتمجده وتعظمه وتنتمي، وأما أن تتمرد وتخرج، وهذا الخروج سيكون القاسمة وسيكون الفاجعه وسيكون النهاية. شوف الإنسان لما يخرج عن دائرة مغناطيسية معينة أو مسار وضعه الله للكون، ماذا يحصل بمن يخرج عن المسار؟ يضيع، يتيه، يهلك. كذلك الإنسان، الله يقول: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
ثم سبحان الله في الآية الثانية قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ. أنتم أيها البشر ستنقسمون، منكم الكافر الذي يخرج عن حركة حركة هذا الكون ويتمرد، ومنكم المؤمن الذي يخضع للعبودية وينصاع مع حركة الكون فيفلح وينجح بإذن الله. فهذه بيان لحكم الله ولانقسام الناس في هذا الكون إلى مؤمن وكافر، ثم الله سبحانه وتعالى يخبر يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون. أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا.
طبعا هنا نرجع لقضية الاستغناء أو الاستكبار الذي يحاول الإنسان أن يتظاهر به، فمثلاً هنا شوفوا الآية ستة في سورة التغابن: ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا. هذه فكرة ستتكرر معنا، مرت معنا في سورة المعارج: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ أو في سورة المدثر: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مَّنَّشَرَةً. كانوا يريدون أن الكتب تنزل عليهم وليس على الرسل الذين بعثهم الله إليهم.
ثم بعضهم لما جاءه الرسول قال: أبشر يهدوننا؟ ستأتي معنا في سورة القمر أيضاً قول ثمود: أبشر يهدوننا؟ حالة من الاستكبار الإنساني، أي أنه لا يريد أن يكون الرسول الذي يأتيه بشراً مثله، يريد شيئاً أفخم من هيك، يريد مثلاً ملائكة تنزل عليه من السماء أو كائنات عجيبة، هكذا تأتي. يا أخي أنت إيش علاقتك؟ أنت إذا جاءك الحق من الله وقامت المعجزات على صدق هذا المرسل فعليك أن تنصاع ولا تبدأ تتمرد كما تمرد إبليس واستكبر: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. هذه سبحان الله عقلية الإنسان المستكبر الذي لا يريد أن يتقبل الحق مع ظهور علاماته و ظهور إشاراته ودلائل اله.
نصيحة دائماً لنفسي وإخواني: انزل للحق، تقبل الحق من أي طرف جاءك، شوف الإمام البخاري رحمه الله عليه لما قال: لا ينبل الإنسان حتى يتعلم ممن هو مثله وممن هو فوقه وممن هو دونه؛ يعني لازم تتعلم من شخص مثلك في مرتبتك العلمية، وتتعلم من شخص فوقك في العلم، وتتعلم من شخص أسفل منك في العلم، لا تستكبر على العلم، هذه من اعظم ما ينفع الله عز وجل بها الإنسان هذه الفكرة وأنت تسير في هذه الحياة، كن هدفك الوصول للمعرفة، الوصول للحق، أن تحصل المعلومة الصحيحة ودعك من مصدرها. جاءتني المعلومة من شخص أصغر مني والله استفيد منها، من شخص أعلى بستفيد، من شخص قرين بستفيد.
عقلية أنه أنا ما بستفيد إلا بمواصفات معينة غير هيك أنا لا أقبل الحق، هذه حقيقة ستصدك عن كثير عن كثير من الخير الذي ينعم الله عز وجل به على عباده، فهذه عقلية الاستغناء والاستكبار كثيراً ما يركز عليها القرآن. طبعاً سورة التغابن سميت بسورة التغابن لأن الناس يوم القيامة يتغابنون، يعني يظهر لهم نتائج الصفقات، ويعرف الكفار أنهم غبنوا أنفسهم وخدعوا أنفسهم في هذه الحياة الدنيا، وأنهم كانوا في صفقة فاشلة.
ذلك يوم التغابن، يعني اليوم الذي يظهر فيه الغبن، والغبن هو الخداع، يعني يظهر فيه للكفار أنهم خدعوا أنفسهم وضحكوا على حالهم لما كانوا يظنوا أنهم السادة وأنهم يستطيعون الاستغناء، فصدهم ذلك عن الإله. متى سيظهر لهم نتيجة هذا الخداع؟ متى سيظهر لهم هذا الخسارة في الصفقة؟ يوم القيامة، فلذلك سمي يوم القيامة يوم التغابن، لأنه اليوم الذي يظهر فيه للكفار أنهم غبنوا أنفسهم وأخدعوها وأفسدوها وضحكوا عليها.
ثم الآن عندما يرى الكفار أهل الإيمان في الدرجات العلى وهم يسبحون في أنهار الجنة وجمالها وحورها ونعيمها، آه سعيت يعدون أصابع الندم. في الصفحة الثانية من سورة التغابن هناك آية محورية وهي آية 11 آية تتكلم عن مفهوم أو سنة البلاء.
والثبات، واحنا قلنا هذه مفاهيم مهمة جدا. في القرآن آية 11: مَّا أَصَابَ مُمصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. يخبرنا الله سبحانه: كل المصائب والبلايا التي ستمر بنا في رحلة الحياة، الله أذن بوقوعها؛ من مرض، وفقر، وبلاء، وحرب، واستشهاد كما يحصل في إخواننا في غزة. كل ما يحصل من مصائب وكوارث وحالات ودماء وأشلاء، كونوا واثقين أن الله أذن به. طيب، ما الحل يا ربنا أمام البلايا وأمام المصائب التي أذنت بها؟ الذي قال لك إن البلاء من عنده، أعطى العلاج من عنده أيضاً، فقال: وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. شوف كلمة يهد قلبه، ضع تحتها خط. وكلما قرات سورة التغابن حلق معها. سبحان الله، ما أجملها من كلمة، ما أعظمها، ما ألذها في هذا السياق: وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. يعني إذا كنت مؤمناً بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، مؤمناً بأسمائه الحسنى وصفاته وجلاله وكماله، إذا كنت واثقاً بالله وتحسن الظن به، إذا امتلكت كل هذه الأمور، يهدي الله قلبك لطريقة التصرف في ساعة البلاء.
يهدي قلبه، قالوا: لطريقة التعامل مع البلاء. لماذا ترى الناس يتفاوتون في ساعات البلاء؟ فمنهم الراضي المقبل على الله، ومنهم الساخط المدبر عن الله، بسبب اختلاف الإيمان. اللي عنده إيمان ومعرفة بالله وثقة بالله وحسن ظن بالله، يهدي الله قلبه كيف يتصرف في ساعة البلاء. أما الذي لا يعرف ربه ولا يحسن الظن به، وإنما هو دائم في غفلة، في لهو الدنيا وملذاتها، لم يتدارس القرآن، لم يقرا آيات القرآن، هذا والله يا إخواني لا يعرف كيف يتصرف في ساعة البلاء، فتجده ضاجراً، خائفاً، مرعوباً، أسأل الله السلامة والعافية. فهذه آية محورية أيضاً.
من البلاءات التي ذكرتها سورة التغابن: البلاء بالزوجة والأولاد، كما ذكرنا قبل قليل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. كذلك البلاء بالاموال: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ. فتنة يعني بلاء. فسورة التغابن في الصفحة الثانية تركز على قضية البلاء، وأن البلاء يأتي بأشكال متنوعة. يمكن يكون البلاء من أقرب الأشخاص إليك؛ من زوجتك، هي بلائك وهي مصيبتك. كذلك الزوجه بالعكس، قد يكون بلائها في زوجها وسوء خلقه وسوء معشره. كذلك قد يكون بلائك في ولدك: رزقت ولداً عاقاً، ولداً منحرفاً عن الجادة، ولداً بعيداً عن الاستقامه. قد يكون بلاءك في المال هو سبب انحرافك وطغيانك. فعليك، كما قال سبحانه في الآية 16 أولها جملة محوريه نضع تحتها خط: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا. الذي يتقي الله قدر استطاعته، ويراعي حرمات الله وشرع الله، ويسمع ويطيع -يسمع ويطيع، مش بيسمع وبطنش؛ لأنه بعض الناس بسمع مواعظ ومعلومات شرعية، لكن بسمع ما بطيع، لا ربنا قال: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا- إذا سمعت وعاملت، عندئذ الله سبحانه وتعالى يقيك شر هذه البلايا، ويقيك شر هذه المحن والمصائب. طيب، هكذا يعني افكار سريعه في سوره التغابن كانت تتعلق بالبلاء وطريقة الثبات.
فالثبات بالإيمان: وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. أيضاً الثبات بالسمع والطاعة: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا. قال: وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ، يعني بالاعمال الصالحة.
من سورة المنافقون، ومن سورة المنافقون إلى سورة الجمعه إلى سورة الصف إلى سورة الممتحنة، هنا أيها الكرام، أي من سورة المنافقون حتى سورة المجادلة، دعونا نقول: الله يعلمنا ما هو لب العبودية، افكار متقاربة وطرحت باشكال متنوعة. يخبرنا الله عز وجل عن لب العبودية. لب العبودية أيها الاكارم: أن يكون الإنسان صادقاً مع الله ظاهراً وباطناً. هذا لب العبودية؛ لأن بعض الناس هو يعبد الله في الظاهر، لكن لو فتشنا في أنفسنا في الباطن سنجد كثيراً من التمرد على الإله سبحانه وتعالى، وسنجد أن كثيراً من أعمال الجوارح التي نفعلها في الظاهر نفعلها أحياناً على سبيل العادة أننا تعودنا عليها، وليس لأننا نشعر بمعاني العبودية في قلوبنا لله ونحن نمارسها. فإذا حقيقة العبودية ولبتها: أن تكون صادقاً في الباطن كما أنك تظهر الصدق في الظاهر. ومقابل هذه الحالة، حالة الصدق في الظاهر والباطن، تاتي حالة النفاق؛ المنافق الذي هو يظهر أمام الناس أنه مؤمن ومسلم ومنقاد، لكنه في الباطن كاذب، لكنه في الباطن متمرد.
فتأتي سورة المنافقون بين أيدينا تحذر من هذه الصفة وتحذر من طبائع المنافقين، وتتكلم عن نوع منهم. كذلك سورة الجمعه، كذلك سورة الصف، سنتحدث سريعاً في هذه المواضيع. فسورة المنافقون تكلمت عن طبائع المنافقين وعن كلامهم: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. هم الذين يقولون: لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا. والله يجيبهم: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّوهُم وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ. فيجيب الله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
الله يعطيك طريقه هؤلاء؛ هؤلاء ولا تعرفنهم في لحن القول. المنافق ترى بتكتشفه وبتعرفه، وتظهر أمارات النفاق عليه، ولو حاول ما حاول في إخفاء تمرده الباطني على الإله. سيظهر ذلك في عدم، يعني ماشي بقول لك مسلم، لكن لما تأتي أحكام شرعيه غير موافقه لهواه ما بتقبلها، بقول لك: يا اخي أنا بسمع كلام الشيوخ ولا بتسمع كلام مين؟ والله أنا اسمع ما اعتقده وما أظنه. ترى الذي يتكلم بهذا الكلام أمامك، اعلم أن فيه صفات النفاق. الذي يستهزئ بأهل الخير والصلاح والعلم هو حاله كحال المنافقين الذين قالوا: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. كان عبد الله بن أبي يقول: إذا دخلت المدينه لأخرجن محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه. فالله علمه وادبه من هو العزيز ومن هو الذليل، وقص على ذلك في كلام المنافقين اليوم. يعني كل زمن تخرج فيه من كلمات المنافقين ومن أفعال المنافقين ما يعرف به حالهم والعياذ بالله.
فالإنسان إذاً يحذر، يحذر من أن يكون حاله كحال المنافقين. وهنا في آية أربعة سبحان الله كيف ربنا كأنه يخبرنا ليوم القيامه أن المنافق ممكن يكون من أصحاب البدلات وأصحاب المناصب العالية وأصحاب الجاه والسلطان: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ. شوف في آية أربعة: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ. هؤلاء المنافقون لما تشوفهم إيه، يعني كرافتة وكذا ويلبس ويظهر على القنوات الإعلامية ومتحدث وملسن ومعاه شهادة من جامعة كامبريج ومن جامعة كذا ومتخصص في علم كذا ويدرس في كذا، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ، يعني لما يحكي بتقول: إيش هذا يعني من هالعلم اللي أتى به؟ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ. طبعا اختلف العلماء في بيان ما معنى كأنه خشب مسنده، ومن أجمل الأقوال أن نقول: إن المنافق دائماً يعتمد على غيره، يعتمد على الكافرين وعلى اليهود وعلى الصهيونية العالمية وعلى الماسونية العالمية وعلى الكفار عموماً. لذلك في سورة المجادلة وفي سورة الحشر وفي سورة الممتحنة سنجد آية دائماً في ارتباط بين النفاق واليهود. سبحان الله، في هذا الجزء من أكثر الأجزاء التي ركزت على طبيعة العلاقة بين النفاق واليهود، لأن المنافقين في هذه الأمة يقتاتون على بني إسرائيل ويغتذون منهم وعلى موائدهم، فهم يمولون منهم يستندون عليهم، لكن الله سبحانه وتعالى سيفضحهم.
لذلك سبحان الله شوف في سورة المنافقون، شو قبلها؟ سورة الجمعة. في سورة الجمعة ربنا تكلم عن مين؟ عن اليهود في آية خمسة: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ. فاليهود والمنافقون نفس الطبائع؛ اليهود أعطوا التوراة وكان بين أيديهم العلم، وقالوا لموسى وعيسى عليهم السلام: خلاص احنا آمنا، لكنهم لم يعملوا بالتوراة. كذلك المنافقون في هذه الأمة بيقرأوا القرآن ويعرفون القرآن، لكنهم لا يعملون به، وألقوه وراء ظهورهم. ففي سورة، سبحان الله، في تناسب واضح بين سورة الجمعة وسورة المنافقون: أن سورة الجمعة بتركز على حالة النفاق اليهودي، وسورة المنافقون تتحدث عن حالة النفاق الذي كان عند العرب في المدينة وفي زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فالنفاق موجود في تاريخ الأمم؛ اليهود سادته ودهقنته وورثوه لأمة العرب في كثير من رجالاتها وأصحابها، نسأل الله العفو والعافيه.
لذلك الله عز وجل يضع في نهاية سورة الجمعة كأنه معيار للإنسان الصادق. معيار للإنسان الصادق؛ والانسان الصادق هو الذي يلبي نداء الله دوماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ. شوف صفة العبد الصادق اللي إذا سمع نداء الله، سواء نداء الجمعة، نداء الصلوات الخمس، نداء رمضان، نداء أي عبودية من عبوديات الله في أي مكان، سمعت النداء: فَاسْعَوْا. هكذا العبد الصادق، الموفق، المنسجم ظاهراً وباطناً في خضوعه لله سبحانه وتعالى. ولذلك الله عز وجل يخبر عن خطأ وقع فيه بعض الصحابه، ويشير ويؤدبهم ويعلمهم على أن مثل هذا الخطأ ليس من أخلاق أهل الإيمان الصادقين، قال في ختام سورة الجمعة: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا. في بداية الهجرة إلى المدينة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة، فجاءت قافلة من الشام محملة بالبضائع والاطعمة والأشربة، فلما دخلت هذه البضاعة إلى سوق المدينة، هذه القافلة إلى سوق المدينة، كثير من الصحابة تركوا النبي صلى الله عليه وسلم قائماً يخطب وذهبوا إلى تلك القافلة يسارعون في البيع والشراء منها، وما بقي إلا اثنا عشر رجلاً. فأدب الله الصحابه في هذا الموقف ونهاهم: قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
إياك تجعل التجارة والرزق ولع الدنيا تصدك عن العبودية والتزام أحكام الله وشرع الله سبحانه وتعالى. هذا محك من محكات العبودية؛ قدرتك على أن تخالف هواك لطاعة مولاك. هذه خلاصة: قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ. خالف هواك لطاعة مولاك، هكذا تكون عبداً صادقاً. أما من اعتاد أن يوافق الهوى إذا تعارض مع شرع الله -بعض الناس هو ماشي بعمل عبوديات، بتلاقيه معك في الصف الأول في المسجد، تجده معك في كثير من المواطن، لكن لما تأتيه عبودية تخالف هواه وما يريده هو بوقف، بقول لك: لا سامحني، ما رح أكمل في العبودية هذه- إذاً هذا ليس عبداً صادقاً. العبد الذي هو كمال عبودية حقيقية لله وراسخ في معاني العبودية، هو يعبد الله سبحانه وتعالى في السراء والضراء، ويعبد الله عز وجل بما يوافق هواه وبما يخالف هواه، بل عليه أن يرتقي حتى يصبح هواه تَبَعاً لشرع الله سبحانه وتعالى.
لذلك سورة الصف أيضاً، ننتقل إليها، تحدثت أيضاً عن خصلة من خصال النفاق. يعني إذا كان طاعة الهوى وترك العبودية من صفات أهل النفاق، لذلك حذر القرآن منها، كذلك من صفات أهل النفاق ما ورده في سورة الصف آية 2 و3: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۞ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. من صفات الإنسان غير الصادق الذي ما عنده عبودية حقيقية كاملة لله، أنه كثيراً ما يقول ويتباهى: إنني سافعل كذا، وإذا رزقني الله مالاً سانفق في سبيله، وإذا رزقني الله علماً سافعل، وإذا رزقني الله الصحة والعافية بإذن الله ساقوم وأصلي ووو. فإذا حان الموعد وأعطاه الله ما تمنى، أخلف الله ما وعده، أخلف الله ما وعده! اللي بيتعامل مع ربنا بهذه الطريقه، كما ذكر ربنا في سورة التوبه: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۞ فَلَمَّا آتَاهُم مَّن فضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ ۞ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ.
اللي بيعاهد ربنا عهود أنه: يا رب اعطيني صحه ورح أفرجيك، يا رب رح أقدم لك كثيراً، اعطيني مال وأنا رح يا رب أففع وأفعل، بس مكنني من شيء ويا رب انظر ماذا سافعل لك! إذا مكنه الله من هذا الشيء الذي تمناه وعاهد الله أن يبذله من أجله ثم خالف، أعقبهم نفاقاً في قلوبهم. يعاقبهم الله بأن يصبحوا منافقين حقيقه، ويصبح النفاق نمط وأسلوب لهم إلى يوم القيامة والعياذ بالله. فان تقول شيئاً ولا تفعله هذه خصلة خطيرة جداً، خصلة خطيرة جداً. ولذلك لما ذكر، لما نها المؤمنين عن هذه الحالة في سورة الصف: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، بين لهم نماذج من الذين يقولون ما لا يفعلون. نماذج مثلاً مع اليهود مع موسى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ. يعني أنتم تعرفون أني رسول الله، أقررتم بلسانكم أني رسول الله، لماذا أفعالكم تخالف ذلك؟ تؤذونني، تشتمونني، تسيئون إلي، تخالفون ما أمركم به. فهؤلاء نموذج بنو إسرائيل مع موسى على قوم يقولون ما لا يفعلون.
كذلك مع بني، مع عيسى ماذا فعلوا: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ. النصارى الذين آمنوا بعيسى بن مريم وآمنوا بالإنجيل الذي أنزل عليه، عيسى قال لهم: إذا جاءكم النبي العربي أو النبي محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، وعندهم هذه الإنجيل ويقرؤونها فهم كانوا يقولون بها ويعلمونها، فلما جاءهم النبي العربي صلوات ربي وسلامه عليه الذي اسمه أحمد وبشرهم به، قالوا: لا، هذا سحر مبين.
فهذه حالات النفاق، حالة عدم المصداقية -خلونا نسميها عدم المصداقية في التعامل مع الأمور- حالة لا تدل على أن هذا الإنسان عبد لله حقيقة، تدل على أنه متمرد، غير صادق، كاذب، وإن كان يتشدق بلسانه: عبد ومنصاع ويؤمن بالإله، لكن أنت متمرد على هذا الإله.
ولست مقيماً للبودية؛ لأن لب العبودية الانصياع ظاهراً وباطناً، والتماشي مع أحكام الله سواء وافقت هواك أو خالفت هواك. لذلك النصارى واليهود ما الذي جعلهم يرفضون الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ الكبر، نفس الشيء حالة الكبر، وأنه لا ما طلع منا هذا النبي الختامي، لم يكن من بني إسرائيل نحن ما رح نتبعه، خرج من بيئة العرب خلوه للعرب، شوف كيف رفضوا الحق لأنه لم يأتِ بالصورة التي يريدونها أو بالصورة التي يشتهونها.
وأنا أظن هذه نقطة ضعف فينا جميعاً، نحن بننتكلم عن أنفسنا ملتزمين ومحافظين، لما يأتينا الحق والشرع والدين بطريقة ليست هي الطريقة التي نهواها، كثير منا ما بيقبل، كثير منا حاول يجد مخارج أو يظهر عدم اقتناعه أو أو، المهم ألا يفعل، ليه؟ لأنه الحق لم ياته بالطريقة التي يهواها ويريدها، وهذا حقيقة شيء خطير جداً، تقبل الحق أيها الإنسان بأي شكل جاء، بدي أقول لكم شغلة، اسمعوا هذه الكلمة، الله سبحانه وتعالى يتقصد بجلاله أن يأتينا الحق بصورة لا نريدها ليعلم الله من يخافه بالغيب.
هذا شيء علي وعليكم كلنا، الله سبحانه يتقصد أن يأتيك حق على لسان شخص قد لا تحبه، أو يأتيك بطريقة وأسلوب أو من جهة أنت لا تحبها -طبعاً أنت عرفت أنه حق- ليختبر هل أنت هدفك العمل بالحق حق؛ لأنه الحق بعيداً من أي الطرق جاء؟ أم أنت إذا جاءك الحق بصورة لا تهواها ترفضه وتعانده وتستكبر عليه؟ أوعك، أحذر، فهذا محك من محكات العبودية ونقطه خطيرة في حياتك، أنك تكون إنسان تتعبد الله بمزاجك وهواك وبالطريقة التي أنت تريدها وليس التي يريدها الله أن تكون.
هذه سورة الصف حقيقة سورة عظيمة في هذا المعنى، سورة الممتحنة أيضاً تحذر من خصله من خصال النفاق وهي الولاء لغير الله سبحانه وتعالى وموالاة المشركين ومعاونتهم على حساب أهل الإيمان. سيدنا حاطب بن أبي بلتعة الذي نزلت فيه هذه السورة هو رجل من أفاضل الصحابة، لكن أخطأ خطأ تاريخياً علمه الله وأدبه به وأدب به الأمة، أنه في فتح مكة أرسل رسالة للمشركين ضمنياً مفهومها أنه يا أيها المشركون -طبعاً هو من خيار الصحابة كما سياتي معنا، لكن أخطأ هذا الخطأ مرحلة ضعف نقص، وكلنا فينا نقص، والصحابة الكرام وإن كانوا هم عليه القوم عليه أهل الإيمان، لكنهم بشر في النهاية ليسوا معصومين من الخطا-.
المهم سيدنا حاطب كان في جيش المسلمين، فبعث رسالة سرية للمشركين مفادها أن أحذروا فإننا قادمون اليكم مع النبي صلى الله عليه وسلم، أي هذه الرسالة الله أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم عليها قبل وصولها، النبي عليه الصلاة والسلام أرسل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، قال لهم: الحقوا في جارية خرجت باتجاه مكة معها رسالة سرية من حاطب أيتوني بها، ذهبوا ووصلوا إلى الجارية وغصبوها على أن تعطيهم الرسالة، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة قراها، فيها من حاطب إلى المشركين احذروا فإن قادمون باختصار، فالنبي عليه الصلاة والسلام نادى حاطب قال: يا حاطب، إيش هذا؟ إيش هذا يا حاطب؟ إيش الخطا الكبير؟ طبعاً حاطب من أهل بدر، شارك مع المسلمين في غزوة بدر وشارك في المعارك الكبرى، فهو صادق نحسب الله حسيبه، لكن في مرحلة ضعف حاطب قال: يا رسول الله، أكون صادق معك، والله يا رسول الله ما كفرت ولا نفقت وما خنت، لكنني يا رسول الله خشيت أنك إذا دخلت مكة أن كفار قريش يقتلون أهلي وأولادي، كان له أهل في مكة فأحببت أن أكون لي معروف عندهم حتى يحموا أهلي ولا يؤذوهم، هيك ظن هيك حلل حاطب بن أبي بلتعة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ما بينفع، وجاءت آيات عظيمة تؤدب حاطب ومن يخطئ خطأ حاطب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ، وقال: إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ. يعني حتى ولو نافقتم لليهود، لو نافقتم للكفرة، تظن أن هذه المنافقة وهذه المداهنة ستنفعكم يا أيها المنافقون يا أيها الخونة؟ صدقوني، إِن يَثْقَفُوكُمْ هؤلاء اليهود أول من سيبدأون به أنتم يا أيها المنافقون، سيقتلونكم وسيسلبونكم؛ لأنهم يعرفون أنكم خونة وأنكم دنايا وأنكم بعتم إسلامكم وبعتم قومكم من أجل تحصلوا على أموال من اليهود والكفار، فاليهود أصلاً لن يؤمنوا عليكم والكفار سيبدأون بكم: إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً، أنتم أول ناس رح يبلشوا فيكم.
ثم قال: لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ، وهون كان خطأ حاطب أنه حاطب أخطأ لما ظن أن هكذا سيحافظ على أهله وماله، فقال له القرآن: لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ. إياك أن تخون الإسلام حتى ولو خفت على أهلك ومالك وولدك، خطأ تخون الإسلام، يجب أن يصان وأن يحمى ودولة الإسلام تقام والشريعة هي التي تنهض، وأما أن يققدم الأهل والاموال على الدين وحب الله ورسوله فهذا من خصال المنافقين.
لذلك عمر بن الخطاب ماذا قال؟ قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. يعني عمر قال: واضحة يا رسول الله، حاطب منافق؛ لأنه اكتشفنا أنه أرسل رسالة تجسس. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: مهلاً يا عمر، وما يدريك لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل يا عمر لا تحليلك غلط هذه مش من أعمال المنافقين، هو فعلياً أقر عمر على أن هذا التصرف كتصرف هو من أعمال المنافقين، لكن حاطب -طبعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه من السماء- عرف أن حاطب ما كان منافقاً في هذا التصرف، يعني لم يقصد النفاق، كان صادقاً لكنه ضعف، لحظة ضعف إنساني أخطأ رضي الله عنه والله غفر الله سامحه.
لكن يبقى هذا الفعل إذا صدر من غير حاطب يبقى من أعمال أهل النفاق، لذلك الله عز وجل حذر من هذا. وعموماً سورة الممتحنة تركز على قضية الولاء لله والبراءة من أهل الشرك، وكيف أنه البراءة من أهل الشرك أيضاً يجب التعامل معها بتوازن، فحتى لو أنت تبرأت من المشركين فالمشركون على صنفين: هناك مشركون يحاربون الله ورسوله ويسعون لقتل أهل الإسلام، فهؤلاء لا يجوز المصانعة لهم ولا تكريمهم ولا المشاركة معهم في أي شيء. في المقابل هناك مشركون تجدهم من أقاربك أو من أهلك أو من بعض هؤلاء لا يحارب -يعني لا يسعون في حرب الله ورسوله، هم في حالهم وفي بالهم كحال كثير مثلاً من المشركين اليوم اللي بقول لك أنا عمي في حالي ببالي، كل واحد له دينه الخاص فيه- فهؤلاء ماذا قال الله عز وجل عنهم؟ قال: لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ. يعني المشركين اللي في حالهم وفي بالهم اللي ما بيعتدوا علينا ولا يحاربوننا، هؤلاء بيننا وبينهم العدل نعاملهم بالعدل والاحسان العام والأخلاق الحسنة العامة اللي أمرنا فيها الإسلام. قال: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ -يعني تعاونوا على إخراجكم وأذيتهم وتهجير المسلمين من بلادهم ومعراضيهم- فهؤلاء أحذروا أن تولوهم، أحذر أن تحسن إليهم أو أن تصانعهم، فهؤلاء ما داموا أعلنوا الحرب فليس لهم إلا الحرب، هكذا علمنا القرآن في سورة الممتحنة.
تمام، وفي آخر آية في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اللي هم اليهود. فكان الله يقول -يعني بعد أن كان طبعاً قصة الممتحنة بين حاطب ومشرك مكة، لكن الله بعلمه الأزلي والأبدي يعلم أن أكبر موالاة ستكون في تاريخ الأمة الإسلامية هي موالاة بعض العرب لليهود- فقال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حذراً في ختام السورة؛ لأنه سبحانه يعلم ما سيكون في حال هذه الأمة: لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أحذروا يا أيها العرب يا أهل الإسلام من العرب ومن غير العرب، أحذروا يا أهل الإسلام أن تتولوا اليهود، وهذا للاسف ما وقعوا اليوم وفي كل زمان ومكان خيانة كثير ممن ينتسب إلى الإسلام من العرب وغيرهم، خيانتهم وتوليهم لليهود، فالله حذر وكل إنسان سيجني ما فعل يوم القيامة.
نرجع ننتقل لسورة الحشر اللي فيها أيضاً بيان لطبيعة علاقة المنافقين باليهود، طبعاً سورة الحشر بتعرفوا بتتكلم عن إجلاء النبي عليه الصلاه والسلام لبني النضير، بنو النضير قوم من اليهود كانوا يسكنون المدينة حاولوا أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم في مؤامرة بائسة، فالله اطلع نبيه عليه الصلاه والسلام على المؤامرة، فالنبي عليه الصلاه والسلام قرر إنهاء وجودهم في المدينة هجرهم. مين اللي وقف مع اليهود؟ بعض المنافقين العرب ممن كانوا في المدينة وعلى راسهم عبد الله بن أبي بن سلول، فربنا بيخبرنا عن هذه الحالة الالتصاق والتعاون بين المنافقين واليهود في سورة الحشر آية 11: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. شوف الوصف الفضيع أنه الله عز وجل يقول هؤلاء المنافقون العرب أصبحوا إخوان لزملائهم من اليهود: يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
والله يعني لما سماهم أنهم أصبحوا إخواناً لهم كان يخبر أنهم عملاء خونة لا ينتمون لإسلامهم ولا إلى بلادهم، وإنما بموالاتهم لليهود أصبحوا جزءاً من اليهود وخرجوا عن معدن إسلامهم ومروءاتهم وأخلاقهم: يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِن أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، يعني لا يمكن أن ننثني عن نصرتكم ولو نصحنا من نصحنا ولو وجهنا من وجهنا، لا نطيع من يامرنا وينصحنا بعدم موالاتكم، فنحن معكم أيها اليهود نحن أنصاركم نحن إلى اللحظات الأخيرة سندافع عنكم، هيك حكى عبد الله بن أبي بن سلول وجماعته من المنافقين لليهود، قالوا لبني النضير: اثبتوا في المدينة ونحن معكم سنقاتل النبي معكم. تخيل الخيانه تخيل يعني حجم الضعف الأخلاق والمروءات والشرف عند هؤلاء المنافقون في كل زمان ومكان كان.
فالله عز وجل يقول للمؤمنين: لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ. هؤلاء المنافقون قلوبهم ضعيفة يخشون من المؤمنين، يخشون من المؤمنين أكثر من خشيتهم من رب العزه، واضح؛ لأنه لو كانوا بخافوا رب العالمين ما تعاونوا مع اليهود ولم يخونوا النبي عليه الصلاة والسلام لكنهم خونة. قال: لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ، في آية 13: يخشون أهل الإيمان أكثر من خشيتهم من رب العزة، فالمنافقون جبناء ولو تمر -تمركزوا فيما تمركزوا فيه ولو تحصنوا بالبروج المشيدة، ولو تحصنوا بالمعدات والآليات- المنافقون جبناء إخواني، والله جبناء، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
طبعاً تختتم السورة بنصيحة المؤمنين بالاستعداد للقاء الله عز وجل يوم القيامة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ. يعني كان الله يقول: لا تكونوا يا أهل الإيمان كالمنافقين الذين نسوا الله وتغافلوا عن شرع الله وتماشوا مع نفوسهم وأهوائهم ونفاقهم، فلما نسوا الله وتركوا الله تركهم وأنساهم أنفسهم؛ يعني تركهم وأنساهم مصالح أنفسهم فلم يعودوا ينتبهون لمصالح أنفسهم ولا يعملون لما ينقذها يوم العرض الأكبر، وهذه حالة كئيبة.
ثم ختمت السورة بالتبجيل والتعظيم للقرآن والتبجيل والتعظيم لمنزل القرآن: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا. وشوفوا إخواني الكرام وأخواتي الكريمات ال في كثير من السور، خاصة السور هذه في الاجزاء الأخيرة، هناك تعظيم للقرآن دائماً يعني يكون موضوع السورة في شيء معين وفي ختام السورة ياتي تعظيم للقرآن؛ لأن الله يريد أن يذكرنا دوماً في كل فصل من فصول القرآن يا أخوة، يا أخوات، يا أيها الكرام، يذكرنا الله بماذا؟ بأن هذا القرآن عظيم وأن هذا الكلام جليل، عليكم أن تتدبروا معانيه وتفهموا مراميه ولا تكونوا عنه من الغافلين. لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؛ لأن هذا القرآن أيها الكرام، هذا الكتاب العظيم، هذه رسالات من الله وحقائق عظمى، هذا الكتاب ليس تحليل بشري وليس اجتهاد وليس كلام عالم ولا بشر وليس كلام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا كلام ربنا سبحانه وتعالى.
ما أعظم هذه الهدية والله! وما أجمل هذا الكتاب عندما تنظر في آياته وأنت توقن أن هذا كلام ربي، هذا كلام الإله، هذا كلام نزل من فوق سبع سماوات وأنا الآن أتلوه لأنظر في كلام تكلم به ربي سبحانه وتعالى، أكيد هذا كلام عظيم، كلام شريف، كلام طاهر؛ لأنه يعني بالتأكيد الله سبحانه وتعالى لم ينزله عبثاً، وليس فقط لنتبرك فيه في رمضان، بعض الناس في رمضان بس بيلف صفحات، إخواني والله بعض الناس في رمضان فقط بيلف صفحات ما هو فاهم ولا داري ما الذي في هذه الصفحات، طبعاً جزاه الله خير ياخذ بركة قراءة القرآن، لكن والله القرآن أعظم من ذلك، والله القرآن يحتاج إلى تفكر وتدارس وتفهم، والله أنه أولى من كثير من كثير من الجلسات العائلية، أولى أن يعطى الوقت من كثير من كثير من الحياة الفارغة والسفر والسياحة والأكل والشرب، كلام من رب العزه بين يديك تزهد فيه؟ تزهد في فهمه وتعقله وتقرا التفاسير تلو التفاسير، وكل ختمة يكون لك نظر جديد وفهم جديد وفائدة تخرج بها هذه الحياة، وهذا الذي عاشه السلف صنعوا أنفسهم على القرآن وجعلوا القرآن هو الذي يشكلهم. حتى لا أطيط في هذه الجزئية، أنتقل إلى سورة المجادله، طبعاً.
أي في كتب علوم القرآن يقولون: تقال سورة المجادلة ويقال سورة المجادلة، يجوز أن تقول هكذا وهكذا. المجادلة هي مصدر جادل يجادل مجادلة، فالمجادلة هي عملية الجدال، وأما المجادلة بكسر الدال فهي المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع عظيم ومهم.
طبعاً سورة المجادلة هي في جلها تكلمت عن تحذير أهل الإيمان من صفات أهل النفاق والطغيان، ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وهذا كان حال المنافقين.
شوف كيف سورة المجادلة، سورة الحشر، سورة الممتحنة، سورة الصف، سورة الجمعة، سورة المنافقون، كل هذه السلسلة بل حتى سورة الحديد، يعني خلوا سورة الحديد مع هذه السلسلة، من سورة الحديد إلى سورة المنافقون ونحن نتحدث عن طبائع المنافقين وأنماطهم. سورة المنافقون تكلمت عن أنماط الكلام الذي يصدر من المنافقين يقولون يقولون يقولون.
سورة الجمعة ركزت على رؤوس المنافقين وهم اليهود وحالة النفاق التي يقدم فيها الإنسان هواه على مراد الله. سورة الصف تكلمت عن صورة من النفاق يقولون ما لا يفعلون. سورة الممتحنة تكلمت عن حالة من النفاق وهي الموالاة لأعداء الأمة وخيانتهم على حساب الصف المسلم.
ورجعت سورة الحشر ركزت على هذا الموضوع، على ارتباط اليهود بالمنافقين والمنافقين باليهود والخيانة التي تحصل وتحذير أهل الإيمان من هذه الحال. نجي على سورة المجادلة نفس الشيء؛ أولاً تحذير المسلمين من أنماط المنافقين الذين يعيشون بيننا وبين ظهرانينا ولكنهم يتناجون.
شوف التناجي في الغرف المغلقة وفي العمارات الكبيرة، يتناجون على إفساد الجيل المسلم، يتناجون على خلع القيم والأخلاق، يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، شغلهم الشاغل التآمر على أهل الإسلام. احذروا يا أهل الإيمان أن تكونوا مع هؤلاء وفي ركبهم وفي مجامعهم وأماكنهم، كونوا لله ولرسوله وللمؤمنين.
فليكن تناجيكم يا أيها الذين آمنوا، شوف الآية تسعة: لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، إياكم أن تكون لقاءاتكم ومحاوراتكم أن تكون تآمر على الصف المسلم، فلتكن حواراتكم انتماءً لله ولرسوله وتناجوا بالبر والتقوى.
هذه لقاءاتنا، هذه اجتماعاتنا، هذه حواراتنا، هذه ملتقياتنا الداخلية طاعة الله ورسوله ونصرة هذه الأمة والتفكير بصلاحنا وصلاح نفوسنا وإخواننا. لذلك بتيجي الآية أربعة عشر من سورة المجادلة، شوف الآية: ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم.
شوف سبحان الله التناسق بين سورة المجادلة وسورة الحشر والممتحنة. آخر آية في سورة الممتحنة قرأناها إذا بتذكروها قبل شوي الآية ثلاثة عشر: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، يحذرنا الله تحذيراً من موالاة اليهود.
سورة المجادلة الآية أربعة عشر، ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم، شوفوا هؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود، قوماً غضب الله عليهم، ما هم منكم ولا منهم. يعني هم ليسوا منكم لأنهم خرجوا عن الإسلام، خرجوا من أخلاقكم وإسلامكم ومروءاتكم لما خانوكم وتحالفوا مع اليهود.
ولا منهم، يعني ولا هم من اليهود أيضاً؛ لأنه اليهود مش معترفين فيهم، هم أحذية في نعال اليهود، لما قال ما هم منكم لأنهم خرجوا من الإسلام بموالاتهم لليهود، ولا منهم يعني يا ريتهم حتى اليهود معتبرينهم ولا صاروا مع اليهود؛ اليهود عارفين أن هذول خون، وأن هؤلاء إذا خانوا عروبتهم وإسلامهم فهم أحرى أن يخونوا اليهود، فاليهود يعتبرونهم أن نعالهم، يعطونهم من لعاعة الدنيا هكذا، لكنهم يعرفون أن هؤلاء لا يؤمن جانبهم.
الخائن إخواني كل الناس بتزدريه، حتى العدو للإسلام والمسلمين يزدريه، والإنسان الصادق مع اسلامه ومع أمته حتى العدو بيحترمك، حتى عدوك بيحترمك. هذه الفكرة أشار إليها ابن حزم الظاهري في مداواة النفوس وتأديب الأخلاق، قال إن خصم الإنسان وعدوه يحترمه إذا وجده صادقاً ملتزماً بمبادئه وقيمه، ويزدريك إذا راك خائناً خاضعاً لعاعة الدنيا.
فسبحان الله ما أعظم تعليم القرآن لنا الثبات على قيمنا ومبادئنا: ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم.
طيب، طبعا ربنا يخبرنا ما الذي يجعل هؤلاء المنافقون يخونون أمتهم قال: استحوذ عليهم الشيطان. استحوذ، شوف كلمة استحوذ كلمة نضع تحتها خط لأنها كلمة فصيحة بليغة في هذا المكان. استحوذ الشيطان على هؤلاء الذين يفكرون بالخيانة للأمة، خلاهم يفكروا أنه إذا نحن خنا الأمة رح يعطونا سيارات وقصور ومناصب، ويسمحوا لنا بأن نتربع ونفعل ونفعل.
استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله، نسوا أنه في يوم قيامة وفي حساب وفي لقاء وفي عذاب، وأنه في أمور عظمى ونسوا أن الله حاضر سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا في لحظة سيمكر الله بالمنافقين وينزل بهم بأسَه الشديد وعذابه الأليم.
نسوا، فأنساهم، ضحك عليهم وفكر وجعلهم يعتقدون أنهم سيخلدون وأنهم سيتربعون وأنهم لن يحصل بهم ما حصل بعاد وثمود والأمم التي من قبلهم ممن كانوا أشد منهم قوة، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.
ثم ختمت السورة بماذا؟ بأصل عقدي مهم نختم به مجلس اليوم بإذن الله، أصل عقدي مهم من أصول الإيمان، من أصول العبودية لله. إذا أردت أن تكون عبداً صالحاً فوالي الله ورسوله، وإذا كنت منافقاً خائناً لله ورسوله فاعلم أن بينك وبين العبودية مفازة عظيمة.
قال سبحانه، شوف المبدأ العقدي: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. مش ممكن يكون إنسان مؤمن بالله واليوم الآخر وهو عميل، مش ممكن. لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون يعني يظهرون المودة لمن حاد الله ورسوله من النصارى والصليبيين واليهود، مش ممكن.
قال: وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. المؤمن المؤمن يوالي الله ورسوله ويتبرا من الكافر ولو كان هذا الكافر أباه ولو كان الكافر اخاه ولو كان الكافر أخاه ولو كان الكافر اعز الناس إليه.
أولئك الذين يوالون الله ورسوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، رسخ الإيمان في قلوبهم وأيدهم بروح منه، الله يؤيدهم بقوة من عنده سبحانه وتعالى للثبات في وجه الأعداء، ويدخلهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ.
شوف علاقة المودة، لما أنت توالي الله وتنصر الله وتقف في جند مع جند الله رضي الله عنهم ورضوا عنه. أنا رضيت عنك يا رب وأرضى عني، الله يرضى عنك وأنت ترضى عنه، ترضى عنه دوماً في الدنيا وفي الآخرة وهو يرضى عنك فلا يسخط عليك أبداً، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ.
شوف الشرف، شوف العلياء، شوف الجمال، حزب الله. أنت بين امرين أيها الإنسان في الحياة، هذه قصتك في الحياة انتبه لها، أنت بين أمرين: أما أن تكون مع حزب الله مع المؤمنين مع السنة مع القرآن مع الشريعة، واما أن تكون مع الخونة مع أعداء الأمة مداهناً لهم موالياً لهم مدافعاً عن أفكارهم، ولا يجتمع هذان في قلب مؤمن.
فأما أن تقبل الحياة الغربية بأفكارها وعمالتها ودناءتها وحداثتها وبعدها عن شرائع الله سبحانه، وأما أن تقبل الإسلام بمفاهيمه وقيمه وما في حلول وسط علموها للناس جميعاً، لا يوجد التقاء في منتصف الطريق، إما الولاء لله ورسوله وققيم الإسلام وشرائعه والانتماء لمدرسة الإسلام ومدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الوقوف مع الغرب بأفكاره وقيمه وانحلاله وسوئه ومؤامراته على الإسلام والمسلمين، وهذا لا يلتقيان.
والمسلم والكافر لا تتراءى نارهما ولا تجتمع قبلتان في قلب مؤمن. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. نلتقي بإذن الله في مجلس آخر من مجالس رحلة الإنسان في القرآن وتعليم الله للإنسان كيف يقف ويتصرف في هذه الحياة. جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل