تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس الثامن: سورة الزمر الى سورة الصافات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن، وها نحن نحث الخطا ونشد الرحال في تدارس كلام ربنا سبحانه وتعالى تدارساً جميلاً، وبدأنا من عند سورة الناس ووصلنا اليوم إلى الجزء الثالث.

طبعا سورة الزمر منتصفها في الجزء الثالث، والنصف الآخر في الجزء الرابع؛ لذلك سأبدأ من مطلعها. سورة الزمر أيها الكرام، طبعا الزمر هي الجماعات، وأخذ اسم هذه السورة باعتبار ما ورد في آخرها: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا، أي جماعات، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا. وكان اختيار هذا الاسم للسورة يراد منه أن يبقى الإنسان مستحضراً لهذه الصورة الختامية التي هي ختام رحلة الإنسان؛ صورة أنك ستكون في إحدى الزمرتين: إما أن تكون في الزمرة التي تساق إلى جهنم والعياذ بالله -ونسأل الله أن يجيرني وإياكم من أن نكون واحداً منهم- أو أننا سنكون في الزمرة التي تساق إلى الجنة. يعني أنا وانت نهاية القصة في هذه الدنيا أننا سنكون يوم القيامة في إحدى الزمرتين، لا مناص، لا يوجد شخص منا سيغيب عن هذا المشهد. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا من الأعمال الصالحة ومن الإنابة إليه والتوبة إليه ما يجعلنا مع الزمرة الموفقة، الزمرة التي ستذهب إلى النهايات السعيدة وليس إلى أهل النهايات الكئيبة.

هذه السورة أيها الكرام تركز على مفهوم تحقيق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. سنلاحظ في أفيائها أنها عالجت تحقيق التوحيد الخالص لله عز وجل وتنقُّي الإنسان قلبه من أي شائبة شرك، والتوحيد أعظم حسنة في الوجود. تذكروا ذلك، أن التوحيد لله سبحانه وتعالى أعظم حسنة في الوجود وأعظم شيء في الوجود، وإن كانت الخطابات المعاصرة للأسف تحاول أن تصور مسائل التوحيد والانشغال بالتوحيد على أنها أمور هامشية أو اختيارات انسانية، لكن والله ليس على هذا قامت السماوات والأرض، بل قامت السماوات والأرض من أجل توحيد الله سبحانه، وإنما بعث الأنبياء من أجل تحقيق توحيد الله سبحانه، وإنما دارت المعارك في بدر وأحد والأحزاب، وإنما خاض النبي صلى الله عليه وسلم تبوك وخيبر وفتح مكة، وإنما ذهب الصحابة إلى الشرق والغرب حاملين لواء هذا الدين من أجل تحقيق هذه الحسنة العظمى في الوجود: أن يعبد الله وحده لا شريك له.

وكلما كان قلب الإنسان مليئاً بالتوحيد والإفراد لله عز وجل إلهاً ورباً ومعبوداً ومقصوداً، كلما شعر بالقوة في هذه الحياة وهانت عليه كل امور الدنيا. واما إذا كان العبد قلبه متفرقاً في الشعاب، يعبد هواه، ويعبد الدينار والدرهم، ويعبد الشهوات، ويعبد ويعبد، القبور ويذهب إلى قبور الأولياء ويتمسح وغير ذلك، فهذا قلبه هزيل ضعيف هش. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تحقيق التوحيد الخالص، ونعوذ بالله عز وجل من أن نشرك به شيئاً نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه. فأعظم أصل من اصول حياة الإنسان حماه القرآن وتحدث عنه وادار حوله القصص والعبر هو أصل التوحيد.

فهنا في بداية السورة ككثير من السور التي في ربع يس ابتدات بتعظيم القرآن: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. ومر معنا أن في هذا تعظيم للكتاب باعتبار مصدره وانه ليس من اختراع حكيم أو مؤلف بشري، وإنما مصدرية الكتاب من الله العزيز القوي الحكيم الذي يضع كل شيء في مكانه. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، اي هذا الكتاب أيضاً يعطينا ربنا في مطلع السورة معلومة عنه أن هذا الكتاب نزل متضمناً للحق الذي يجب أن يتقبله الإنسان بدون جدال ولا نقاش. ومر معنا في سورة غافر أن الذين يجادلون في آيات الله ولا يقبلون الحق الذي في القرآن أن في قلوبهم إلا كبر واستعلاء، وإلا بمجرد أن يعلم أن هذه الآيات التي يتلوها من ربه سبحانه انتهى الأمر، كلام معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما مر معنا أيضا في سورة فصلت. فلا بد من أن تعظم مركزية القرآن في حياتك ومرجعية القرآن وألا يعلو فوق صوت القرآن صوت شيء آخر.

فجاءت آية اثنين في آخرها تبين الموضوع الأساس في السورة: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. كلمة مخلصا لابد نضع تحتها خط أو حولها دائرة لأنها كلمة ستتكرر معنا في هذه السورة: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ. الدين العبودية الخضوع، الدين هنا بمعناه مع الخضوع والعبودية هذه خالصة لله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يصرف منها أي شيء لأي شيخ أو ولي أو قبر أو أو جهة أو جماعة أو حزب أو بلد أو سلطان أو هوى وما شابه ذلك. طيب ما مشكلة المشركين إذاً؟ ماذا كانت مشكلة المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال سبحانه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ، وقولهم أننا لا نعبد هؤلاء الأصنام الأولياء، كل ما عبد من دون الله هنا الأولياء في هذا السياق، فمن كان يعبد مع الله صنماً فقد اتخذ ولياً، من كان يعبد مع الله ولياً أو مقبوراً ويذهب إلى القبر ويدعوه ويستغيث به ويذبح له فهذا اتخذ أولياء من دون الله.

كفار قريش لابد تفهموا أيها الاخوة قضية فيهم: كفار قريش الذين حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى، متخيل؟ كفار قريش كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى. طيب وين مشكلتهم؟ لماذا دارت هذه المعارك الطاحنة؟ مشكلتهم أنهم كانوا يعبدون مع الله أصناماً، يعني بعض عبودياتهم كانوا يقربونها إلى الله وبعض عبودياتهم كانوا يقربونها إلى الأصنام. وعندما سألهم النبي عليه الصلاة والسلام: من الذي يخلقكم؟ قالوا: الذي في السماء. طيب من الذي يرزقكم؟ قالوا: الذي في السماء. من الذي يحييكم من الذي يميتكم؟ قالوا: الذي في السماء. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم القرآن: وَلَئِنْ سَألتهم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. طب إذا انتم تقرون أن الله الذي فوق السماوات العلى هو الذي خلق ورزق ويحيي ويميت، طب لماذا تعبدون الأصنام؟

هكذا كان القرآن يجادلهم: ما دمتم تعرفون أن أصنامكم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت ولا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً فلماذا تعبدونها؟ شوفوا فكرة كفار قريش في عبادة الأصنام اللي هي للأسف موجودة اليوم أيضاً في كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام. الله عز وجل يخبرنا كيف يفكر كفار قريش: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى. هذه كانت حجتهم أن كفار قريش يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: نحن نعبد الأصنام لأنها تقربنا إلى الله الذي في السماء، مش قادرين يتصوروا أنهم مباشرة يعبدون الإاله الذي في السماء بدون أي وسائط، لابد يضعوا نماذج في الأرض من أصنام وما شابهها يتقربون إليها، وهذه الاصنام التي يتقربون إليها هي التي تقربهم من الإله سبحانه وتعالى الذي فوق السماوات العلى. هذه الفكرة هي أصلاً تشبه ما يقوله كثير من أهل غلاة المبتدعة من أهل التصوف؛ لأنهم يذهبون إلى القبور ويذبحون لأصحاب القبور ويذبحون للولي البدوي والسيدة نفيسة وما شابه ذلك، ويدعونهم من دون الله وما شابه ذلك، وإذا سالتهم أنت: لماذا تذبح لصاحب القبر ولماذا تتقرب إليه ولماذا تدعوه؟ يقول: والله أنا انسان ملطخ بالذنوب والخطايا فلا استطيع أن أتحدث مع الله مباشرة، أدعوه مباشرة لا استطيع، أشعر أنه إذا وضعت واسطة بيني وبين الله فتقربت لهذا الولي أو هذا المقبور سيدة فلانة ولا فلان هو راح يكون واسطة يقربني من الله. وهذه أكبر فكرة خطيرة تسربت عند كثير من المسلمين أننا نحتاج إلى وسائط لننتحدث مع الله ولنعبد الله ولنتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

ايها الكرام، عظمه هذا الدين في التوحيد. عظمة هذا الدين انك تتحدث مع الله مباشرة ولو كنت ملطخاً بالذنوب والمعاصي والخطايا والآثام. إياك أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى وسائط ولا إلى شفعاء، لا يحتاج، بل هو يبغضك ويغضب عليك إذا اتخذت الوسائط والشفعاء، هو يريدك أن تدعوه مباشرة؛ لأن العبادة هي خضوع، ولا يصلح الخضوع إلا لسيد الأسياد وملك الملوك سبحانه وتعالى، وأي خضوع لغير الله سبحانه ممقوت مذموم عند الله عز وجل. فالله إذاً يريد من هذا الإنسان -افهم أيها الإنسان موضعك في القرآن وافهم رسالات الله لك، هذا كلام ربك، هذا كلام ربك، هذا ليس بقول مؤلف من مشايخ أو من تيار أو من مذهب معين أو هذا كلام ربك-: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وحالهم ومقالهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ.

نعم، سماهم الله كذبة وسماهم ماذا؟ كفار. نعم إذا عبدت مع الله أي ولي أو صنم أو شجر فأنت كافر بالله سبحانه وتعالى. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، يعني لو فعلت من القبائح ما فعلت في الزنا والخمر والربا وما شابه ذلك، ولكن حققت حسنة التوحيد فالله سبحانه وتعالى يتجاوز، وحتى لو دخلت والعياذ بالله نار جهنم من أجل كبائرك في النهاية تخرج بحسنة التوحيد. لكن لو كنت أعبد الناس وأتقى الناس وأكثر الناس ملازمة للمساجد، ولكنك تشرك مع الله سبحانه وتعالى سواه فانك خالد مخلد في نار جهنم. شوف عاد مسألة التوحيد، مسألة ما فيها مجازفة، ما فيها مجازفة عند الله سبحانه وتعالى. يعني اخطئ في أي مكان -طبعا ليس المراد أنك تخطئ، المراد أن الخطأ يمكن أن يجبر في أي مكان- لكن في التوحيد لا يجبر، إذا مت مشركاً ولم تتب إلى الله قبل موتك انتهى كل شيء، وستبقى خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله.

فهنا يأتي دور الإنسان أن يفهم القرآن. وكثير من الأخوة مثلاً ترد عليهم شبهات من السوشيال ميديا من مشايخ يقولون لهم: لو دعوت ولياً أو مقبوراً أو كذا هذا من التوسل المشروع أو ما شابه ذلك، يفسدون عليهم دينهم. إذا كنت يعني واقع في حيرة: أصدق هذا الفريق أو هذا الفريق؟ أقول لك: صدق كلام ربك سبحانه وتعالى. اقرأ كلام الله وانظر: هل هناك آية في القرآن يطلب الله عز وجل منك فيها يا أيها الإنسان أن تتخذ واسطة بينك وبينه؟ أعطني آية في القرآن الله عز وجل يطلب فيها منك أيها الإنسان أن تتخذ واسطة؟ لن تجد، القرآن محذر منبهاً على خطورة التفكير بموضوع الوسطاء، ما في وسطاء، الله لا يريدك أن تفعل ذلك.

فللأسف بعض الناس حتى للأسف بعض أصحاب العمائم والتيارات يصدع راسك بقضية الاستغاثة بالقبور مشروعه، التوسل بالاموات مشروع، يصدع راسك بهذه القضية وكانه يدفع الناس ويأز الناس أزاً إلى قضية اتخاذ الوسطاء. طب لماذا لا نؤذي الناس ولا ندفع الناس إلى توطين قلوبهم على توحيد الله سبحانه وتعالى وتعظيمه والاقبال عليه وحده؟ يعني أحيانا أنا بفكر بهذه الطريقة، بقول: بغض النظر عن وجهة نظرك في مسألة التوسل وما شابهها، بغض النظر عن وجهة نظرك، أليس كلام ربك سبحانه من أول القرآن إلى آخره كله دعوة إلى أن يتعلق القلب بالمعبود سبحانه وتعالى ويتخلى عن شوائب التعلق بغيره؟ فلماذا يكون خطابنا أو خطاب هؤلاء كله توجيه للتوسل بالقبور للاستغاثه بهؤلاء؟ ليه ليه؟ وكأنهم إذا فعلوا ذلك حققوا التوحيد، مع أن كل ما يفعلونه هو مناقض بنصوص كلام الله سبحانه وتعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم.

فهذه إذاً قضية محورية في رحلة الإنسان في القرآن، مهم جداً أن تركز على أعظم حسنة في الوجود وأن تسد أي ذريعة يمكن أن تشوبها، ألا وهي حسنة التوحيد. ثم الله عز وجل قال: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. بتعرف كفار قريش من مشاكلهم العقدية أنهم كانوا يدعون أن الملائكة بنات لله، وهذه ناقشناها في سورة الزخرف، وهذه في سورة الزمر ورح تجي أيضاً في سورة الصافات ورح تجي في سورة مريم وفي سورة الكهف؛ لأن هذا كفار قريش مشوا في ذلك على خطى اليهود والنصارى، فكما أن النصارى ادعوا أن عيسى ابن لله والعياذ بالله تقدس الله سبحانه وتعالى عما يقولون، ودعت اليهود أن عزيراً ابن لله، فكفار قريش مشوا على خطواتهم فزعموا أن الملائكة هي بنات لله، مش كمان ذكور لا، جعلوهم أول شيء إناث بعدين جعلوهم بنات لله. فالله عز وجل أراد أن ينزه نفسه عن هذه الفرية فقال: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، يعني شو في يا كفار قريش لستم أنتم من يتحكم أن الله عز وجل اصطفى البنات على البنين؟ لا، لو -وهذه لم يحصل لكن لو- أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى أفضل ما يريد، وليس أنتم من تتحكمون على الله أنكم خلص أعطيتموه البنات وقلتم ما له أولاد. فالله عز وجل جل يريد أن يخبر عن حجم التحكم والهوى والفساد العقلي والطينة الخبيثة التي كانت في نفوس هؤلاء القوم سبحانه، ثم عاد فنزه نفسه سبحانه أن يكون له ولد، ثم بدأ يذكر معالم كمالاته التي من أجلها يستحق أن يُفرد بالعبادة.

دائما اذا وجدت القران يتحدث عن افعال الله في الكون فاعلم انه يريد بذلك ان يخبرك، ما دام الله هو الوحيد المتصرف في هذا الكون، الوحيد الذي يفعل هذه الافعال العظيمه، فاذا هو الوحيد الذي ينبغي ان يوحد بالعباده. فكما انك رضيت به مدبرا لهذا الكون، عليك ان ترضى به معبودا خاضعا له. فبدا يذكر افعاله في الكهنه خلق السماوات والارض، انه يكور الليل على النهار ويكور النهار على، وسخر الشمس والقمر. وفي الايه التي تليها، خلقكم من نفس واحده وهي ادم، ثم جعل منها زوجها حواء، خرجت من ادم، وانزل من الانعام ثمانيه ازواج. ثمانيه ازواج هي الانعام التي ذكرها في سوره الانعام: من الضان اثنين، ومن المعز اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الابل اثنين.

طيب، يخلقكم، ثم ذكر خلق الانسان في داخل رحم امه: يخلقكم. من الذي خلق؟ هنا كان التركيز على الخلق: خلق السماوات والارض، وخلق النفس الواحده، وخلق الانعام، وخلق الانسان في رحم امه وتقلباتها. قال: ذلكم الله ربكم. يعني ربنا بيعرفنا في نفسه: هذا هو الله. هذا هو الله الذي لا يجوز ان يشرك به في الععباده. هل يوجد اي صنم او بشر او نجم او كوكب يستطيع ان يخلق شيء من هذه الامور؟ ثم الله عز وجل بعد ذلك قرر قاعده عامه: ان تكفروا فان الله غني عنكم. يعني اذا انت مصر على الكفر وعباده الاولياء والمقبورين والاصنام والاشجار، انت المسكين، انت يعني انت من ذهبت عليه ولا يرضى لعباده الكفر.

وان تشكروا، الشكر هنا ما دام يقابل الكفر، فهو الشكر بعباده الله سبحانه وتوحيده يرضاه لكم. طيب، ثم الله عز وجل يخبر عن طبيعة في الانسان للاسف متكرره في كثير من البشر: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ. الانسان شوف هنا كلمه الانسان نيجي نقول رحله الانسان نضع تحتها خط، دعا ربه منيبا اليه، ثم اذا خوله نعمه منه، نسي ما كان يدعو اليه من قبل، وجعل لله اندادا ليضل عن سبيله. كفار قريش كان فيهم ايضا هذه الخصله. كفار قريش كانوا اذا وقعوا في ورطه من ورطات الحياه وضاقت بهم الارض بما رحبت، عندئذ يدعون الله وحده: يا رب فرج عنا واكشف عنا، فاذا كشف الله عنهم الكرب وعادوا الى الرخاء، عادوا فاشركوا بالله. وهذا حال كثير من الناس، حتى بعض المسلمين عنده هذا النمط انه اذا، لذلك الله عز وجل جعل القضيه متعلقه هنا بالانسان، ان الانسان حتى سواء مسلم او كافر، وكثير من المسلمين يقعون في هذا الخطا الا من عصمه الله بحسنه التوحيد، انه يدعو الله في الشده ويلتجئ اليه: ويا رب اذا شفيتني سافعل وافعل، ويا رب اعطيني فرصه من العمر وباذن الله ساقوم الليل واحافظ على الصلوات، وبعض الناس يعطي الله الوعود الكثيره.

فإذا شفاه الله وصرف عنه الضر، عاد الانسان إلى حاله العتو وجعل لله اندادا، أشرك مع الله سواه. بعض المسلمين كيف يشرك مع الله سواه؟ يعبد الدنيا، يعبد المال والشهوات والملذات. تجده اذا وقع في مرض او باساء قال: يا رب بس نجيني ولن اعود الى المعاصي ولن اتعلق بالدنيا ولن افعل ولن افعل. فبمجرد ان يكشف الله عنه البلاء، اذا به يعود الى نفس الانغماسات المحرمه والى نفس التصرفات غير المرضيه سبحان الله.

ثم إذا خوله نعمه منه، نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله اندادا ليضل عن سبيله. هذا حال الانسان الذي لا ينصاع ولا يتربى على التوحيد. اما من تربى على التوحيد وعاش عليه، الحمد لله، الحمد لله، فهذا ذكره الله عز وجل في الايه التاسعة: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْخَذْرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. اللي عارف عظمه الله سبحانه، والذي يعرف الدار الاخره ويعرف قصه الحياه، هل يستوي مع انسان لا يعرف توحيد ربه ولا يعرف غايه وجوده، وانما يعيش من اجل شهواته؟

طيب، ايه 11، عادت السوره تركز على محورها الاساسي: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم للجميع، اني امرت ان اعبد الله مخلصا له الدين، امرت بالاخلاص، اخلاص التوحيد لله وان لا يشوبه شائبا، وامررت لان اكون اول المسلمين. قل اني اخاف ان عصيت ربي، طبعا المعصيه نعم لها معنى عام، لكن هنا تحمل ابرز معانيها: المعصيه بالشرك. قل اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصا. شوف كلمه مخلص كلها ضحى ولها دوائر، انها الكلمه الجوهريه في هذا السياق. فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل ان الخاسرين الذين خسروا انفسهم واهليهم يوم القيامه. اكبر خساره انك يوم القيامه تلقى في النار لانك عشت مشركا، خسرت نفسك، خسرت اهلك، خسرت كل شيء. انت في الدنيا انشغلت بتعميرها واشركت بالله سبحانه وتعالى غيره، لكنك يوم القيامه ستخسر كل شيء.

واما الذين وحدوا الله، قال: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا، يعني والذين اجتنبوا عباده الطاغوت، والطاغوت اسم لكل ما عبد مع الله، كل شيء جعلته ندا لله فعبدته من ولي او صنم او نجم او شجر او وطن او هو طاغوت. فالله يقول: اما الذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها، يعني اجتنبوا عباده الطاغوت واخلصوا لله سبحانه، هؤلاء الذين كسبوا، هذول ما خسروا. هؤلاء لهم البشرى: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.

ثم الله عز وجل مره اخرى في ايه 21 تجي تاتي هكذا، يعني يعود فيخبر عن استحقاقيته للتوحيد الخالص: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إلى اخر الايه. من الذي يفعل ذلك؟ الله. اذا هو الذي ينبغي ان يوحد.

طيب، ايه 22 و23 تتكلم عن اهميه استقبال الانسان للقران بالشكل الصحيح، وكيف ان الذين يقراون القران كما اراد الله سبحانه، لابد وان يحدث القران في نفوسهم حاله من الوجل والقشعريره والخوف. يقول سبحانه وتعالى: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. الذين قلوبهم قاسيه لما يقراون، بعض الناس فعلا لما يقرا هذه الايات التي تتكلم عن توحيد الله سبحانه وان خطوره الشرك قلبه قاسي، يعني لا يتحرك، لا يتفاعل مع هذه النصوص. فلذلك يمكن كثير من الناس قرا سوره الزمر كثيرا وسمع الله عز وجل يامر بالاخلاص وهو غارق في الشرك، غارق في عبادات لاشجار وقبور وما شابه ذلك، ويتعلق قلبه بغير الله. فال الله سبحانه وتعالى يحذر من هذه الحاله، ان القران لا يحدث فيك تغييرا: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. هكذا يجب ان تكون نفسيتك وانت تستقبل القران: ان يقشعر جلدك، حاله من الخوف والوجل من الله الذي انزل هذا الكتاب مليئا بهذا الوعظ وهذا الانذار والبشاره، يجب ان يكون هناك حاله من الخوف والوجل من الله سبحانه. لكنها تتبعها حاله من السكينه والطمانينه والراحه، يعني بعد حاله القشعرير والخوف يتبعه حاله من السكينه والراحه، لان هذا القران بصرني بغايه وجودي انا كانسان، وعرفني اين يجب ان اضع قدمي في هذه الحياه حتى لا تتيه الخطا.

طيب، ايضا في ختام هذه الصفحه ركز الله عز وجل على التوحيد في المثل الذي ضربه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا. الله عز وجل يقول يا كفار قريش: اعطيكم مثال من واقع الحياه التي تدركونها، لو ان هناك عبد في هذه الدنيا له سيدان، هل سيصلح حال هذا العبد ام سيكون هذا العبد مشتتا؟ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، يعني متخاصمون. تخيلوا عبد له سيدان، سيد بقول له ايه الساعه 12 بدك تيجي عندي، والسيد الاخر بقول له لا الساعه 12 بدك تكون عندي. هذا العبد ان يقع في حيره وتنازع وتشتت، لا يستطيع التركيز، لا يستطيع ان يخلص لاحدهما لان الاخر يطالبه بشيء اخر.

كذلك سبحان الله حال الانسان المشرك بعباده الله، الذي يعبد الله ويعبد الاولياء والقبور والاصنام والنجوم، قلبه موزع، ليس متوجها إلى معبود واحد، وبالتالي سيبقى متشتت الهواء، متشتت القلب، لا يخضع الى جهه واحده وانما ينفذ تاره هنا وتاره هنا. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، شركاء يعني اسياد مختصمون، كل واحد بده شغله منه. وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ، يعني عبد مع سيد واحد. هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا؟ الراحه، الهدوء، الوضوح. فقال لهم: كيف اذا ترضون لانفسكم ان تكونوا مع الله ومع غيره؟ هذه مشكله، بل اكثرهم لا يعلمون، هم مش مستوعبين، مش متصورين اين يذهبون بانفسهم.

ثم قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ؟ الذي يشرك، هذا كذب على الله وكذب بالصدق، والصدق هنا يشمل القران والنبي صلى الله عليه وسلم. بخلاف الذي وحد الله والذي جاء بالصدق وصدق به، قالوا هذه نزلت في ابي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. اذا الناس ينقسمون امام حقيقه التوحيد الى من كذب على الله فادعى وجود شريك له وند له فعبد معه غيره، وبين انسان وحد الله واخلص له فهذا جاء بالصدق وصدق به. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ الكفايه التامه انما تتحقق من الله لعبده اذا حصل ماذا؟ التوحيد. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ ويخوفك كفار قريش بهذه الاصنام، وما الذي ستفعل يا اخي؟ هذه لا تفعل شيئا اصلا. وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ. هنا فيها مركزيه هذه الجمل، ان الذي سبحان الله الذي يوفق في الى الهدايه او يجعلك تذهب الى الضلال في النهايه هو الله سبحانه وتعالى. الله بيده الهدى والضلال، هو بين لك سبيل الخير وسبيل الشر، ثم سبحانه اما ان يوفقك للهدايه اذا راك اهلا لذلك، واما ان يجعلك تتيه في بحار الضلال اذا وجدك اهلا لذلك. فاسال الله سبحانه وتعالى دائما ان يهدي قلوبكم لما فيه الخير والرشاد.

ثم لاحظ كيف ما زالت السوره تركز على التوحيد: تعالوا يا كفار قريش، وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ طيب، ليش بتعبدوا اصنام من دون الله؟ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ. سؤال: لو انا الله الذي في السماء ارادني بضر، هل اصنامكم كاشفات لضره؟ طب لو ان الله ارادني بنعمه ورحمه، هل تستطيع اصنامكم ان تمنع هذه الرحمه؟ هم يقولون: لا، لا تستطيع. طيب، لماذا تعبدونها؟ ويناقشهم نقاش علمي بناء على طبيعه العقيده التي هم يؤمنون بها: ما دمتم تؤمنون ان الله هو المدبر الذي في السماء، فلماذا تحتاجون الى اصنام في الارض ووسطاء؟ الله ادخل عليه مباشره. في النهايه: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ. اذا انتم مصرون على الشرك، اعملوا. اني عامل، انا ساعمل بالتوحيد وانتم اعملوا على طريقتكم. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ.

ناتي الى فكره في ايه 43 واييه يعني الى اخر الصفحه: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ؟ شوف كلمه شفعاء اللي هم وسطاء، ما زال الله ينكر عليهم: انتم ام اتخذوا من دون الله شفعاء، اي اتخذتم شفعاء وسطاء يتوسطوا لكم عند رب العالمين، اين عقولكم؟ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ. ترى هذه الاصنام وهؤلاء المقبورون، وهؤلاء المقبورون هؤلاء لا يملكون لانفسهم شيئا، واصنامكم لا تعقل شيئا اصلا. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا. الله هو الذي يملك الشفاعه وهو الذي يعطيها يوم القيامه لمن يشاء، فياذن للنبي صلى الله عليه وسلم ان يشفع، وياذن للصالحين ان يشفعوا. الله هو الذي يعطي الشفاعه وليس انت ايها الانسان تحدد هكذا على مزاجك من الذي يكون من الشفعاء والوسطاء او لا. وكم من ملك في السماوات، اذا بتذكروا في سوره النجم: لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى. الانسان ليس له ان يتدخل، من الذي يسمح الله عز وجل له بالشفاعه ومن الذي لا يسمح له بالشفاعه؟ انت توحد الله وتعبده، ويوم القيامه من سيسمح الله عز وجل له بالشفاعه هو صاحب الامر من قبل ومن بعد. واما في الدنيا، مامور انت بالتوحيد.

لذلك في ايه 45 سبحان الله، الله عز وجل يصور حاله كثير من المشركين بل حتى بعض المنتسبين للاسلام عنده هذه الخصله للاسف: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. فاذا كنت في مجلس هكذا ودعوت الناس الى التوحيد الخالص، الذين في قلوبهم مرض يشمئزون من كلمه التوحيد الخالص. بعض الناس سبحان الله، حتى ممن ينتسب الى الدائره الاسلاميه، تكون جالس اذا تكلمت عن اهميه التوحيد وعدم اتخاذ الوسطاء، وان يعتاد القلب ان يوحد الله وحده ويتخلص من اي شائبه ما سوى ذلك، تجده ينزعج، بقول لك يا اخي بس في عندها يعني نستطيع نستغيث بالسيد الفلاني والفلاني، ويكون عندك اولياء تدعوهم، ترى هذه شيء جيد والتوسل بالصالحين مذهب كثير من المتاخرين من المذاهب. و يعني سبحان الله، كانك كلما تكلمت عن حسنه التوحيد وخطوره اتخاذ الوسطاء، لابد ان يقحم التوسلات والاستغاثات، ولا بد وان تتخذ شيخا تدعوه مع الله وقبرا تذهب اليه.

حالهم، وإذا ذكر الله وحده اشمازت، زعلت، غضبت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة من ضعف توحيده. لا يحب أن يذكر دائما بحسنة التوحيد، قال: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، إذا ذكرت الولي الفلاني والسيد الفلاني وكرامات سيدنا فلان وسيدنا فلان، إذا ذكر الذين من دون الله إذا هم يستبشرون. فالله يحذر الإنسان من هذا النهج: قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

قال سبحان الله في بعض الناس أشربت قلوبهم حب الوسطاء. بعض الناس أشربت قلوبهم حب أن يعبد الله مباشرة، ومهما حاولت أن تقنعه بضرورة التوحيد وضرورة التجريد لله، سيبقى يأتيك بقصة: فلان دعا الله عند قبر فاستجيب له، وفلان دعا الولي الفلاني وابصر إيش صار معاه. فأنت في النهاية كإنسان طالب علم أو إنسان مسلم داعية إلى التوحيد، في النهاية تدعو، إذا هو بقي مصرا على موقفه وعلى شبهاته، تقول: أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. أنتم مختلفين معنا في هذه الأمور، خلص الله عز وجل يوم القيامة سيحكم بيننا، يعني أنا لا استطيع أن أجبرك ولا أن أكرهك ولا أنظرك على ما أعتقده، أنت مصر على اتخاذ الوسطاء والشفعاء، الله يحكم بيننا يوم القيامة.

ثم عاد الله سبحانه وتعالى في آية تسعة وأربعين يعطينا نموذج ذاك الإنسان: فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ. لكن هنا إيش قال؟ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ. هذا إنسان، في الآية في أول السورة قال: جَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا، هون قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ، يعني أنا بستحق. حالة الإنسان المستكبر الذي يشعر أنه أهل لأن يحصل أي هذا الشفاء ورفع الضر، قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ. فالله بقول له: لا، أنت لست أهل لأن تعطى، وإنما هو محض فضل الله، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ، وانت فتنت نفسك، اختبرتك أيها الإنسان ففشلت، بدل من أن تحمد الله وتشكره بعد أن شفاك، إذا أنت تدعي انك أهل لهذا الشفاء، بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

هنا الله عز وجل يفتح الباب لكل من وقع في الشرك معك، فرصة أن تتوب قبل موتك: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. في آية ثلاثة وخمسين الله يقول لكل المشركين: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، يعني إذا أنت تبت من الشرك، الصحابة الكرام ماذا كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم كانوا على الشرك، ثم لما وحدوا الله سبحانه وتعالى أصبحوا عظماء التاريخ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، والاسلام يجب ما قبله، وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ، يعني الاستسلام والخضوع لله وحده، قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم، يعني اتبعوا القرآن وما فيه من الدلالة والارشاد. طيب، ويوم القيامة، دعونا نذهب إلى الصفحة التي تليها: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، الذين عبدوا وسطاء وشفعاء مع الله، هذول كذبة، كذبوا على الله لأن الله لم يأمر بذلك ولم يقل بذلك ولم يأذن بذلك، هؤلاء ستجد وجوههم مسودة.

تمام. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ؟ آه، رجعنا لقضية التكبر في الجنس البشري، وكيف أن التكبر هو الذي جعل الناس ينصرفون إلى الشرك ويأنفون من الخضوع لرسالات الله سبحانه وتعالى التي جاءت على ألسنة الأنبياء. احذر من نفسية الاستكبار، نفسية العلو على الحق، رفض الحق، كن خاضعا للحق كيفما جاء. ثم الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم في آية خمسة وستين: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ، يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم، لو أنك أنت وأنت النبي الاعظم لو أشركت ليحبطن عملك. طبعا الكلام موجه له كخطاب، لكن المراد إسماع كفار قريش، إذا كان النبي الأعظم ربه سبحانه وتعالى يخاطبه ويقول له: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ، فانتم من باب أولى أن تنتبهوا لهذه الأمور: لَئِنْ أَشْرَكْتُمْ لَتَحْبَطَنَّ أَعْمَالُكُمْ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ هذا أسلوب حصر، اعبد الله واياك أن تعبد غيره أيها الانسان.

وإنما مشكلة المشركين وعباد القبور واصحاب الاستغاثات بغير الله، مشكلتهم ما هي؟ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. لو انك عظمت الله في قلبك حق التعظيم، لعرفت أن هذا الجلال وهذا الكمال وهذه العظمه يجب أن يصرف كمال العبودية لها، وأن إشراكك مع الله سواه هو حقيقة من عدم تعظيم قلبك لله سبحانه، وإن كنت توهمني أن هذا الشرك بحجه اتخاذ وسطاء تقربك من الله، لكن حقيقة أنت لم تعرف عظمة الله. ومن عرف عظمة الله سبحانه وتعالى عرف أن التوحيد والعبودية لا تصلح إلا له. ثم ختمت السورة بممشهد الفصل الأخير أو المرحلة الأخيرة وهي مرحلة يوم القيامة: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ، وأشرقت الأرض ووفيت كل نفس ما عملت.

وسينقسم الناس في النهاية: الذين أصروا على الشرك في الدنيا وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا، وستقول لهم الملائكة فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ. والذين كانوا على حسنة التوحيد الخالص وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ. وختام مشهد الرحلة كاملة: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، يعني بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، وبعد أن يدخل المشركون النار، المشهد النهائي هكذا تراه السورة: تَرَى الْمَلَائِكَةَ تَطُوفُ حَوْلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ، يعني قضي بين البشرية بالحق، وعرف المشرك أنه كان مشرك، وعرف الموحد أنه كان موحد، وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

انتهت الحكاية، كيف تحكي انتهت الحكاية؟ هكذا: وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هنا انتهت حكايتك أيها الانسان عند عتبات الجنة أو عتبات النار. طيب، نسأل الله أن نكون من أهل السعادة. نذهب الآن إلى سورة ص.

نذهب إلى سورة ص وطريقه الحوار الذي أدارته هذه السورة أيضا. ولاحظوا أن هذه كلها سور مكية، بالتالي ما أنها سور مكية أي نزلت قبل الهجرة، فالموضوع العام والمحور العام الذي ستركز حوله المحاور التي تتعلق بموضوع العبودية وصبر الداعي الى الله سبحانه وتعالى على موجهة المشركين ومنافحتهم. فهذه هي بشكل عام خارطة السور المكية: الكلام عن تحقيق التوحيد لله، محاورة المشركين، أمر الدعاة إلى الله عز وجل بالصبر على ما يصيبهم من لأواء هذا الطريق، والدار الآخرة باعتبار أن الدار الآخرة هي المركزية العظمى في حياة الانسان التي لا تجب أو لا يجوز أن تغيب يوما من أيام حياتك عن ذهنك. الدار الآخرة لا يجوز أن تغيب في يوم من الأيام عن ذهنك، لأنها هي البوصلة، هي الموجه، هي الضابط لكل أقوالك وأفعالك وإراداتك وطموحاتك في هذه الدنيا. وأما الذين كثيرا ما ينسون الدار الآخرة فهؤلاء هم الذين يتقاتلون على الدنيا ويقعون وينغمسون في ذنوبها وشهواتها.

لذلك والله القرآن نعمة، الحمد لله على نعمة القرآن الذي يذكرنا دوما بهدف الوجود ونهاية الحياة ومقصد وغاية الانسان، هذه نعمة عظيمة. فإذا وفقك الله إلى أن تكون من أهل القرآن فاحمد الله واشكر الله، وإذا رزقك الله سبحانه وتعالى تدبرا للقران فانت والله في خير عظيم، لأنك دائما في تذكر. الورد القراني اليومي هذه بركة الحياة، والله يشعر الإنسان معه بالراحة والطمأنينة والتغذية المستمره لمسائل الايمان. أنت كإنسان تحتاج إلى تغذية مستمرة لقضايا الإيمان، هذه التغذية والله لا يشبعها كلام المشايخ ولا الدعاء ولا الوعظ ولا الجامعات الشرعية ولا المعاهد، لا يشبع هذا القلب حقيقة في التغذية الايمانية إلا كلام الله عز وجل. وإنما كل كلام المشايخ والدعاء والأساتذة والموجهين إنما هو مساعد ومحفز، وإلا فعلق قلبك بالقرآن أساسا.

قال سبحانه: ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. شوف أيضا مدح للقران في بداية السورة، والقران يقسم الله بالقران، والقران هذا قسم، واقسم بالقران الذي وظيفته تذكير الانسان. هنا الله عز وجل يخبرنا عن وظيفه القرآن: القرآن مذكر، القرآن منبه، القرآن يعيد ترتيب أولوياتك في الحياة.

طيب، بدات الصورة بالكلام عن المشركين الذين كانوا يواجهون الدعوة ويرفضون الانصياع للقرآن ولرسالات الله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، اللي هو الاستغناء الاستكبار. شوف القرآن في المرحلة المكية كيف يركز على التحذير من نفسية الإنسان المستكبر الذي يشعر أنه أعلى من أن ينصاع للوحي الإلهي، ثم دائما يربينا ربنا على ضرورة الاعتبار بالأمم الماضية. الانسان يجب أن يعتبر، فاعتبر يا أولي الأبصار، لا يجوز أن تكون انسانا لاهيا غافلا، لابد وأن تكون انسانا معتادا على الاعتبار بسنن الله. هناك سنن فعلها الله عز وجل في الأمم السابقة، القرآن دائما ينبه عليها، يعني القرآن بالله عليكم كم مرة ذكر قصه قوم نوح وهلاكهم، وعاد وهلاكهم، وثمود وهلاكهم، وفرعون وهلاكه؟ عشرات، عشرات المرات ذكرت هذه القصة، لان الله يريد منك ايها الإنسان أن تكون كائنا معتبرا، كائنا منتبها، تقيس الأمور وتوازن، ولا تلدغ من نفس الجحر الذي لدغ منه السابقون: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، يعني لا مهرب اليوم بعد أن نزل بنا عذاب ربنا، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ يعني ليس الوقت الآن وقت هروب، انتهى كل شيء.

وعجبوا، كفار قريش ان جاءهم منذر منهم أي من البشر، وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. شوف متعجبين من التوحيد، لكن ليسوا متعجبين من أنفسهم أنهم يقدمون القرابين لأصنام وأحجار لا تضر ولا تنفع، اه هذا مش شيء عجاب، أما انك تعبد الإاله الواحد سبحانه وتعالى هذا شيء عجاب.

وانطلق الملأ منهم أي رؤوسهم: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ. شوف سبحان الله، الكافر المتشرب بالكفر ينصح بعضهم بعضا، اصبروا على الكفر على هذا يتواصون، نحن اهل الاسلام أحق أن نتواصى فيما بيننا على التوحيد، أن اصبروا على توحيد الله وعلى ما يصيبكم في هذا الطريق من اللأواء: إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. والله هذه هذا كفار قريش كانوا يقولون لبعضهم، إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ أي أن هذا أمر دبر بليل، هذه الدعوة التي خرج بها هذا الرجل فجأة من بين أظهرنا هذه مؤامرة حتى يفسدوا علينا ديننا الذي تلقيناه من آبائنا: مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ.

أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا؟ طب شوف هذين الآيتين: مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، وَأَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا، تدلان على أعظم الشبهات النفسية اللي كان يعاني منها هؤلاء المشركون. أول قضية أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى وهي خطوره التعلق بمنهج الآباء والأحلاف. كفار قريش كثيرا كما مر معنا في سورة الزخرف: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ، أنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون، زي ما يجي معنا إن شاء الله في سورة الصافات نفس الشيء. هنا سورة ص: مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، أكبر خطأ أيها الانسان أن تستدل على شيء بأنه صواب لأن والدك أو أجدادك كانوا عليه، هذه أكبر طامة. الحق ليس حقا لأن والدك وجدك كان عليه، الحق هو حق لأن الأدلة قامت عليه، فاحذر ايها الانسان من أن تعتاد نصرة الآراء والأقوال والعقائد فقط لأنك وجدت آباءك عليها، أو وجدت المنطقة اللي في بلدك عايشة عليها، أو لأنه مشايخك هم عليها.

بعض الناس تقول يا اخي والله هذه العقيدة بدعية، بيجي بيقول لك: يا أخي طب شيخنا كان هيك. طيب، يعني هو كون شيخك كان على هذه الطريقة البدعية، هل هذا دليل على أنها صحيحة؟ فسبحان الله القرآن يعلمنا أسس التفكير، أنه كون الآباء والأجداد أو المشايخ أو البيئة كانت على منهجية معينة لا يعني بالضرورة أن هذه منهجية صحيحة، وبالتالي الحق إنما يطلب له الدليل وتقام عليه البراهين، ولا يستدل عليه بوجود أشخاص كانوا على هذا الطريق.

لذلك قالوا: إنما يعرف الرجال بالحق وليس الحق هو الذي يعرف بالرجال. يعني ما بتقول والله هذا حق لأنه فلان كان عليه، لا، نحن بنقول هذا حق لأن الأدلة قامت عليه، وفلان كان على هذا الحق خاضعا له، وليس هو دليل عليه.

المهم الشبهة الثانية أو المشكلة الثانية مشكلة شعور بالحسد أيضا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإرادة أن يكون الخير لهم: أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا؟ ليش محمد صلى الله عليه وسلم من بين كل كفار قريش ينزل عليه القرآن؟ لماذا ما نزل القرآن على أبي جهل أو الوليد بن المغيرة أو ما شابه ذلك؟ لذلك في سورة الزخرف سبحان الله الله عز وجل يعيد ترسيخ الشبهات الكفرية لأنها متكررة: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، مرت معنا في سورة الزخرف هي المشكلة متكررة، لا يناقشون من أين جاءهم الحق وليس في نفس الحق، يا اخي أنت إيش علاقتك؟ هل جاء الحق عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم أو عن طريق غيره؟ جاءك عن طريق بشر أو عن طريق ملك، هل الحق هذا حق بالادلة؟ دعك من طريق وصوله، أنت تناقش في الهوامش وليس في الصلب.

اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، هذه مش موضوعك، مش شغلتك، انت شغل شغلتك هل ما قاله حق أو باطل؟ يلا هنا النقاش، لذلك الانسان لما يكون ضعيف الحجة تجده هكذا يصير يناقش في الهوامش ولا يرا ولا يناقش في الصلب، لأنه يدرك أن صلب هذه الدعوة واضح جلي، والحق فيه بارز، والحق فيه بارز. لكن سبحان الله لما الإنسان الضعيف في الحجة تجده بيناقشك في هوامشه، لذلك حتى اليوم في مناقشات الرسائل الجامعية.

أو حتى في أي مناقشة، بس يكون الطرف الآخر ضعيف وما عنده حجة وهزيل، حتى في الإعلام بتلاقيه بيصير يعني يخرج عن النص ويناقش في أمور أخرى: لا، بس ما هو أنت أصلاً ماسك عليك أنا شغلة، أنت يوم حكيت كذا، يا أخي أنت دعك مني أنا شو حكيت ذاك اليوم وايش حكيت، أناقشك في صلب قضية معينة. فهؤلاء كفار قريش كانوا يعرفون أن التوحيد هو حق، لكن عنادهم، استكبارهم، تمسكهم بموروث آبائهم، وحسدهم جعلهم أيضاً يناقشون في الحواشي ويتركون صلب الدعوة.

طيب، أهم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب؟ يعني هذه رحمة رب العالمين أنزلها على النبي عليه الصلاة والسلام، لستم أنتم من يقسم الأرزاق، والدعوة ونزول الوحي على شخص معين هذا من الرزق: وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. ثم حذرهم من أن يصيبكم ما أصاب السابقين: كَذَبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ. إِن كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ. بالتالي يعني اتعظ، انتبه.

كررت عليكم ذلك مراراً وتكراراً، اتعظوا بهؤلاء، لستم بأفضل منهم، كانوا أقوى منكم، وفي النهاية كل إنسان يعني هو الذي سيدفع ثمن مسيره. الآن انتقل الخطاب مباشرة إلى الداعية، إلى النبي صلى الله عليه وسلم: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ. كلمة اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ، اصبر لحكم ربك، متكررة جداً جداً في القرآن المكي خصوصاً، لأن تشريع الجهاد لم يكن قد نزل بعد، فكان الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة بضرورة الصبر. أي دعوة حتى تنضج، أي تمكين للأفكار حتى ينضج، يحتاج إلى ماذا؟ إلى صبر واستحمال وتروي، وألا يستعجل الإنسان في قطف الثمار، هكذا الدعوات تحتاج إلى صبر أصحابها، والداعي المستعجل لقطف الثمار سيشوه الثمرة لن يجنيها.

طيب، هنا سنجد سورة ص أوصت النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده وأهل الإسلام بأن يتصفوا بخصلة ذكرت كثيراً، وهي: العبد الأواب. العبد الأواب هنا في آية 17 أول مرة قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ. ضعوا على كلمة أواب دائرة، لأنها كلمة محورية في سورة صاد. من الصفات التي يحب الله أن تكون فيك: الأواب هو كثير الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأواب الذي يكثر الرجوع إلى الله، سواء كان عنده خطأ ومعصية وتقصير، أو حتى لو لم يكن عنده خطأ ومعصية وتقصير، هو دائماً يفزع إلى الله سبحانه وتعالى، فهذه الخصلة كانت في داوود: كثير الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، عبد أواب.

وأعطانا الله عز وجل مثالاً كيف كان يؤوب إلى الله كلما شعر بشيء من التقصير، كان هذا المثال قصة الملكان اللذان دخلا عليه وقال: هَذَانِ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُطْشِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ. إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. ثم قال: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ، يعني اختبارناه، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، أناب يعني رجع إلى الله سبحانه معترفاً.

الآن، ايش قصة أيوب، داوود في هذا الموضوع؟ وقصة أنه هل داوود يعني استغل غيبة أحد قاده جنوده واستشهاده وتزوج امرأته؟ في كثير من الإسرائيليات تذكر هنا، حقيقة أنا بعيدة أحب أن أذكرها، في كثير من الإسرائيليات ذكرت في سبب وقوع هذه القصة مع داوود عليه السلام وما الفكرة وأين الخطا الذي قصر فيه، وبعضها أشعر أن فيه يعني ما لا يليق بمقام الأنبياء فأتحاشى عن ذكره. لكن عموماً واضح أنه في يعني شيء عاتب الله عز وجل فيه نبيه داوود ولم يرد سبحانه أن يطلعنا عليه بالتفصيل لعدم حاجتنا إلى ذلك، فالانشغال ما الذي حصل مع داوود ليس انشغالاً يحمد، وإنما نفهم أن هذان الملكان نبه داوود على خطأ وقع فيه، وداوود أدرك وفطن لذلك، فأسرع الرجوع إلى الله مباشرة: خر راكعاً وأناب، خر راكعاً وأناب مستغفراً لربه.

فهذه من اعظم الصفات التي ينبغي على الإنسان المسلم أن يتحلى بها: أنه دائماً يعود إلى الله سبحانه وتعالى ويؤوب إليه، كن عبداً أواباً كثير الرجوع إلى الله، معترفاً بخطاك، معترفاً بتقصيرك، معترفاً بأنك لم تعبد لله عز وجل بما يستحق أن يعبد، هذه صفة ممدوحة، لذلك قال: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ. يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض يحكم بين الناس بالحق. فكلما كنت عبداً أواباً، كلما ارتفعت عند الله، يعني داوود لما كان عبداً أواباً رفعه الله عز وجل وجعله ممكناً في الأرض.

طيب، ثم لاحظ في الآية رقم 30: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ. نِعْمَ الْعَبْدُ يعني عبد بالمعايير العالية ما شاء الله عليه، هيك بنحكي. أنه أواب أيضاً، سليمان وصفه الله بأنه أواب، ضع كح يعني على كلمة أواب دائرة، إذاً هي كلمة محورية في سورة صاد. وسليمان كان كثير الأوب إلى الله بدليل، ها كان الله عز وجل يذكر هذه الخصلة ثم يأتي بالدليل، في داوود ربنا أعطانا قصته مع الملكين، طيب سليمان ايش الدليل على أنه أواب؟ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. لما كانت عليه صلاة العصر، وسليمان نعم كان، والأنبياء عموماً كان عندهم صلوات وملزمين بصلوات، لكن كيف كانت تفاصيلها؟ الله أعلم.

المهم سليمان في يوم من الأيام كان عنده الخيل وكان يحبها ومتعلقاً بها، فاشتغل بالخيل حتى غابت الشمس قبل أن يصلي تماماً. فسليمان أنب نفسه وعاتبها واستغفر، فقال: رُدُّوهَا عَلَيَّ، رجعوا كل هذه الخيل، فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ. كما قال جمهور المفسرين أنه ذبحها وتصدق بلحومها على الفقراء، وقال: أنا لا اريد أن تشغلني، وهذا هو التفسير الصواب والله أعلم عند الأكثر. نعم، ابن جرير الطبري اختار رأياً آخر، لكن ابن الجوزي في زاد المسير علق وقال: يعني لا حاجة إلى التكلف في تفسير الآية، فطفق مسحاً أنه أصبح يمسح على أعناقها هكذا. السياق يعني بعيد عن ذلك، وإن كان ذكره بعض المفسرين، لكنني حقيقت أفق مع ابن الجوزي أنه يعني في نوع من التكلف، وإلا يعني هم كانوا يقولون كيف نبي يذبح الخيل؟ هو ما ذبح الخيل والقى لحمها في القمامة، من الذي قال ذلك؟ هو ذبح الخيل وتصدق بلحومها، يعني كيف مثلاً يكون عندي أنا خمس غنمات في هالدار شغلوني عن ذكر الله فأقول يا عمي بدي أذبحهم وأصدق بلحومهم مع الفقراء وأتعبد ربي، هل هذا فيه مشكله؟ فتصور أن سليمان ذبح الخيل أن هذا فيه إفساد، هذا كلام قاصر، لأنه حقيقت أنت يعني لا تظن المشهد انتهى هنا، الله عز وجل لم يخبرك ماذا فعل سليمان بهذا اللحم، فأنت عاد بدك تككمل المشهد أن سليمان عليه السلام بالتأكيد لم يفرط في هذا اللحم ولم يلقه، وإنما يعني وزعه على من يحتاج وأراد أن يتخلص من هذه الخيل التي أ شغلته.

فهذا مثال على أنه أواب: أنه قطع جذر المشكلة، قطع جذر المشكلة التي تشغله عن ربه، وهذا من كمال رجوعه، كمال أنه أواب كثير الرجوع إلى الله. أنب نفسه، قال: أنا مشكلتي والله في هذا المال الذي يفتنني، بعض الشباب مثلاً ممكن مشكلته في الجوال، فيفعل كما فعل سليمان، يتخلص من هذا الجوال، وهذا كمال وصفه بأنه أواب: أنه يعود إلى الله سبحانه متخلصاً من كل ما يشغله عن مولاه.

نفس الشيء: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ. واقرأوا أيضاً هذا نموذج آخر من توبة سليمان عليه السلام وشعوره بالقصور فأب إلى ربه، قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي. فلما كان أواباً، قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ. سبحان الله، العبد الأواب كان الله يقول لنا: العبد الأواب يكشف الله عنه اللأواء، ويرفعه ويمنحه، داوود لما كان أواباً: إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ، سليمان لما كان أواباً: سَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ.

طيب، مثال الثالث على العبد الأواب: أيوب عليه السلام، وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ. أيوب ابتلي عليه السلام بمرض شديد وفقد أهله وذريته سبع سنوات، وكان أيوب قد يعني أزعجته زوجته في يوم من الأيام في أثناء المرض فحلف بالله إن شفاه الله أن يضربها مائة جلدة. فالله عز وجل تخفيفاً عن هذه المرأة الصالحة التي صبرت مع زوجها، قال لايوب: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ. قالوا: يعني أورد أن يأخذ يعني شمراخ فيه مائة عود فيضرب زوجته ضربة خفيف واحدة، فهي كانت بمثابة مائة ضربة، لأنه هو حلف أن يضربها بشيء واحد، فالله أمره أن يأخذ ضغثاً فيه مائة عود ويضربها به، فكانه ضربها مرة واحدة، وكان في هذا أيضاً نوع من التأنيب والتلطيف: أنه يا أيوب مثلك ما كان ينبغي أن يشدد على هذه المرأة، وإنما يتلطف بها.

ثم قال سبحانه عن صفة أيوب، مش احنا دائماً نقول صبر أيوب؟ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. أيضاً هذا النبي الثالث على التوالي يصفه الله بأنه أواب، إذاً هذه صفة محبوبة مرغوبة لله أن تكون فيك أيها العبد، العبد ينبغي أن يكون أواباً كثير الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ. أصحاب القوة والبصائر: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ. يعني هؤلاء الأنبياء الثلاث من ميزاتهم أنهم كثيرون التذكر للدار الآخرة، أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ، كثيروا التذكر للدار الآخرة.

ثم الله عز وجل لما سبحان كيف هذا بيسموه حسن التخلص في علم البلاغة، لما أخبر أن هؤلاء الأنبياء كانوا كثيرين التذكر للدار الآخرة وهذا حقيقت من الأوب إلى الله والرجوع إليها، تكون دائماً تفكر في المصير والنهاية، أخبر عن أهل الجنة: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ، وأخبر عن أهل النار: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ، وأخر هذا فليذوقوه حميم وغساق، اللي هي المقابلة المستمره في القرآن بين النهايات: نهاية أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.

النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا هنا النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله عز وجل في النهاية أن يقول لكفار قريش بعد هذا: قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ. يعني يا أيها الإنسان، قصة الحياة وهدف الوجود هذا أمر عظيم، وأن نهاية دار الآخرة هذه قضية عظمى ومحورية ومركزية، إذا لم يفهمها الإنسان لم تجري حياته على استقامة: قل هو نبأ عظيم أمر القيامة وقصة الإنسان نهايتها أمر عظيم، أنتم منشغلون عنه. مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أنا فقط مبلغ لكم لاعطيكم الهدف من وجودكم.

طيب ما هو الذي اختصم فيه الملأ الأعلى؟ ما معنى ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون؟ المراد إذ يختصمون قالوا اللي هو الحوار الذي جرى بين ربنا سبحانه وتعالى وبين الملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، ثم لما سواه، وطبعا الحوار كان جزء كبير منه ذكر في سورة البقرة، هنا ذكر الله عز وجل قضية أنه بعد أن خلق آدم أمر الملائكة بالخضوع والسجود، فسجد الملائكة لادم إلا إبليس استكبر، وهنا بدأت قصة الإنسان في هذه الحياة، أن إبليس استكبر عن السجود لادم. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. اللي هي أصل مشكلة الإنسان أيضاً الكافر: الاستكبار. فكان الله يحذرنا أولاً من نهج إبليس، ثم يخبرنا أنكم يا كفار قريش ويا أيها الكفر عبر التاريخ قديماً وحديثاً ترى المشكلة في الجن، في هذا الكون بدأت من هذه النقطة، من لما إبليس رفض أن يسجد لادم.

هنا إبليس أقسم، أقسم بالله، قال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. طبعا "إلا عبادك المخلصين" ضعولها دائرة لأنها رح تيجي معك في سورة الصافات، يعني اللي كانه في هناك انسجام سبحان الله بين السور. إلا عبادك المخلصين، هذه مذكوره أكثر من مرة في سورة الصافات بعد سورة صاد.

فالمهم قصتك أيها الإنسان في هذه الحياة، مشكلتك مع الوسوسة، مشكلتك مع عبادة غير الله مع الأصنام مع الأولياء، مشكلتك في الشهوات في الشبهات، مشكلتك أنه في شخص اسمه إبليس، هذا الشخص لما رفض الانصياع لشرع الله أقسم أمام رب العالمين: فبعزتِكَ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. فالله عز وجل بإذنه أعطاه المساحة، قال له: اذهب ووسوس لهم، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ. أنت في النهاية ستذهب لجهنم، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل قصة هذا الكون قائمة على وجود شخص اسمه إبليس له اتباع وجنود، هذا الإبليس بأتباعه وجنوده الله أذن لهم أن يفعلوا في هذا الكون ليكونوا محط ابتلاء واختبار للجنس البشري.

هذه قصة الإنسان لازم نفهمها ونعيها، أنت بالنسبة لكم بتقول معروف هذا الكلام بس أحياناً بننساها، نحن هذا مشهد عظيم حدث في السماء وبقيت آثاره إلى الآن في الأرض. إبليس أقسم ليفسدن، والله أذن له وأعطاه المساحة، وبين للناس طريق الخير وطريق الشر، وبين لهم الله أن إبليس عدو لهم، ثم أعطاك أنت أيها الإنسان إرادة حرة لتتصرف وتفكر وتنظر، أليس كذلك؟ فبالتالي هنا الله عز وجل يعلمنا أنه هو الذي أذن لابليس أن يوسوس، وتوعد سبحانه: لأملأن جهنم منك وممن اتبعك منهم أجمعين.

تمام، ثم النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يختم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ في مسيرة.

الدعوة إلى الله، أنا أيها المعاندون، أنا لا أطلب منكم راتب ولا أطلب منكم أجرًا، الله يرزقني ويكفيني، أنا أريد لكم الخلاص، وما أنا من المتكفلفين، أي لا أدخل في أمر لا أحسنه. وما أكثر الناس اليوم الذين عندهم تكلف؛ المتكلف هو الذي يتكلم في شيء لا يحسنه. فالنبي عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قال له: إنما أنت منذر فقط، نذير، ليس لك ما هو أبعد من ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم، العبد الصالح قال لقومه: ما أنا من المتكفلفين، أنا لا أتكلم إلا فيما أتقنه، فيما أعرفه، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْر لِلْعَالَمِين، هذا القرآن تذكير لهذه الأمم بحقيقة الوجود الإنساني مبدأ ومعادًا. ولتعلمن نبأه بعد حين، يعني وختام وقصة الإنسان ستعرفونها بعد حين عندما تأتي الدار الآخرة وما هي ببعيد.

طيب، نذهب إلى السورة الأخيرة معنا اليوم، سورة الصافات. يا رب الصافات أيضًا ابتدات بالقسم بالملائكة وهم من المخلوقات العظيمة عند الله، بسم الله. يا رب سامحوني على شيء من الارهاق ما زال يغشیبي في هذه الأيام، اللهم لك الحمد. أقسم الله عز وجل بملائكته: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا. أقسم الله على ماذا؟ على التوحيد: إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ، يعني أقسم بالملائكة الصافة بين يدي الله، أقسم بالملائكة الزاجرة، أقسم بالملائكة التالية. أقسم الله على ماذا؟ أن إلهكم لواحد، المعبود واحد لا شريك له. انظروا إلى عظمة هذا الشيء المقسم عليه، هذا المعبود الواحد هو الذي يدير أمر السماوات والأرض وما بينهما، ورب المشارق وضمنيًا أيضًا وإن لم يذكر ورب المغارب، إِنَّا زَيْنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ، لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ.

ثم جاء في آية 11: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ. تذكير للإنسان بأصل خلقته، وهذه كثيرًا ما مر معنا في الجزء الأول والثاني؛ أنت أيها الانسان إنما خلقت من طين لازب. لازب يعني بيتلصق باليد، بتعرفوا الطين لما يكون الطين يعني التراب معجون بالماء ويصبح طين، الطين بيتلصق بالايادي، فهذا معنى طين لازب أي يلتصق بالايادي. يعني أنا واياكم أصل خلقتنا من آدم، آدم عليه السلام إنما خلقه الله من طين لازب يعني ليس من معدن نفيس وشيء عظيم، حتى يصبح عندكم هذا الاستكبار وهذه النفسية من الاستعلاء على الحق وعدم قبوله عندما يأتيكم من الله، بل عجبت ويسخرون، وإذا ذكروا لا يذكرون، وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا: إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ، أَعِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ، فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ صَيْحَةُ البعث، فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ، إذا هم أمام مشهد يوم القيامة هذا اليوم اللي ما كانوا مصدقين به وما كانوا، يستهزئون. أيها الإنسان المستهزئ هي صرخة واحدة ستجد نفسك أمام الحقيقه التي طالما كذبت بها.

واحشروا الذين ظلموا أزواجهم، الله يخبرنا كيف أنه سيوقفهم وأنهم لن ينصر بعضهم بعضًا. الله عز وجل يستهزئ بهم بعد ما كانوا هم يستسخرون في الدنيا بآيات الله، الله هنا سيأمر الملائكة بالاستهزاء بهم: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ، يلا انصروا بعضكم بعضًا. بل هم اليوم مستسلمون، لا يستطيعون، خلاص عرفوا الحقيقه. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، اجا الضعفاء صاروا يخاطبوا اسيادهم الكفار، الجنود مع الأسياد، الجنود قالوا لاسيادهم: إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ، يعني فرضتوا علينا الكفر فرض وأنتم اللي وصلتونا لهذه الورطه. فاسيادهم سيقولون لهم: بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ. سبحان الله، يعني أسيادهم سيقولون لهم: لا تحكوا إنه نحن اللي ورطناكم، لا، أنتم كأجناد كانت نفوسكم خبيثة فقبلتم أن تتبعونا. لا تجوا يوم القيامة تعملوا حالكم إنه نحن المستضعفين يا رب وهم أسيادنا اللي ضحكوا علينا. أنت مستضعف في الجسد، لكن قلبك ما أحد يستطيع أن يستضعفه، لو أن قلبك موحد الله يعذرك إذا أكرهت على أن تفعل الشيء لا تقبله، لكن لا، أنت كنت ماشي مع الظالمين وفي جندهم وفي ركبهم ومبسوط وبتأخذ راتب وتأكل وتعيش معهم وتنصرهم في باطلهم، إياك تيجي يوم القيامة تقول يا رب سي أسيادنا كانوا يأخذوننا بالقوة، اليمين هنا بمعنى القوة. نفسهم أسيادهم وجنرالاتهم سيقولون لهم: بل كنتم قوما طاغين، لا، أنت أصلاً قلبك فاسد وطينتك فاسدة، لا تيجي الآن تتبرا وتقول لا سيدي هو اللي أفسدني.

يوم القيامة: إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا. فالله عز وجل يقول: لا، كل واحد رح يأخذ نصيبه، فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ. الجنود والأسياد، فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ، أنت وجنودك في عذاب جهنم بإذن الله. إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ، انهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. قضية الاستكبار، الاستغناء البشري، حذر الله منها، بخلاف أهل الإيمان: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فهؤلاء أخلصوا التوحيد لله، فالله عز وجل أعطاهم هم الثواب العظيم، رِزْقٌ مَّعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُم مُكْرَمُونَ، ووصف جنات النعيم.

وأهل السعادة لما يدخلوا الجنة سيتساءلون فيما بينهم، ربنا عز وجل أعطانا حوار من حواراتهم في سورة الطور: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. هذا مشهد آخر من الحوارات بين أهل الجنة، يعني جالسين جلسة حبية طيبة نسأل الله أن نكون من أهل الجنة جميعًا، فيتحاورون فيقول واحد منهم: قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، واحد من أهل الجنة بيحكي لصاحبه وترى في الدنيا: كان لي صاحب، هذا صاحبي كان يقول لي: يا اخي أإنك لمن المصدقين، أنت مصدق إنه في دار آخرة؟ يا اخي إذا متنا وكنا تراب وعظام معقول أإن لمدينون، يعني هل هناك جزاء حساب؟ هاي صاحبي اللي كان يأمرني بعدم الايمان باليوم الآخر ويدعوني إلى أن أكون منغمسًا في الدنيا، تعالوا أورجيكم إياه. طبعا هو ما رد على صاحبه، وهذا نجاحه إنه ما رد على صاحبه، بل صاحبه بقي على كفره وهو موحد. فالآن هو يقول لأصحابه من أهل الجنة: تعالوا أورجيكم صاحبي هذا أين هو، قال: فَهَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ، فاطلع، اجا أهل الجنة اطلعوا معه، فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، سواء بمعنى وسط، وجدوا صاحبه في وسط جهنم جالس، فهو الآن وهو في الجنة يخاطب صاحبه في النار، شوف أهمية الصحبه الصالحة والحذر من الصحبه السيئة: قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ، كنت رح توديني في ورطة، ولولا نعمة ربي وانه ربنا ثبتني على الدين لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، ولنت أنا معك في نفس الزاوية في نار جهنم، نسأل الله العفو والعافيه.

أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ؟ الله عز وجل يقول أيهما احسن انك تكون جالس في الجنة ومستريح ومبسوط أم انك تكون مع في جهنم شجرة الزقوم؟ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ، إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ جَحِيمِ، طلعها كأنه رُءُوسِ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ فَمِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ.

طيب، أيهما هنا في سورة أيضًا الصافات الله عز وجل أخبر عن قضية متكررة هي التي تسبب انحراف الجنس البشري، إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ. مشكلة الجنس البشري أن كثيرًا من الناس يخرج إلى الدنيا يجد أباه وأمه وأقاربه على ضلال، فهو يستمر معهم، وإذا نصح بالحق وأتاه الحق يرفض الانصياع له بحجه أبوي هيك رباني وامي هيك ربتني، هذا ما رح ينفعك عند الله. إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ، أي ساروا على خطى آبائهم وأجدادهم وتمسكوا بقومياتهم وعصبياتهم، ولم ينتبهوا إلى الحق وأعرضوا عنه. بس إيش حجتك في الإعراض عن الحق؟ مش لأنه لم تاتك أدلة، جاءتك الأدلة الدامغة، لكن لا، أترك العادة التي نشأت عليها. أكبر خطر على الإنسان إنه يبقى مصر على عادات آباء وأجداد باطله لا دليل عليها.

طيب، هنا الله عز وجل يخبر كيف يرجى عباده المؤمنين، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ، من هنا إلى تقريبا آخر السورة، إلى آخر الصفحة، الله عز وجل سيعطينا كيف أنه أرسل منذرين وهم رسل إلى الأمم السابقة، ويخبرنا: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ بالفتح، وهم تلك الأمم المكذبة. هنا سيعطيك الله عز وجل للاعتبار والاستبصار، لقد أرسلت منذرين ورسل إلى الأمم السابقه فكل من أعرض انظروا كيف كانت عاقبتهم وكيف أهلكتهم هلاكًا دمّرًا، وكيف أنني أنجي المؤمنين إلا عباد الله المخلصين فكنت دائما ما أنجيهم.

فهنا بدأت قصة نوح، ألف سنة إلا خمسين عامًا. بعد هذا الإصرار من الكفار على الاستمرار في كفرهم، أغرقهم الله سبحانه وتعالى ونجى نوحا وأهله من الكرب العظيم، شوف كلمة: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. طيب، أيضا ناتي إلى إبراهيم، إبراهيم الذي دعا قومه إلى التوحيد ودمر أصنامهم، ثم تآمروا أن يلقوه في النار، ماذا فعل الله عز وجل؟ فَأَرَادُوا بِه كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ، ونجى سيدنا إبراهيم من هذه النار. ثم ذكر قصة سيدنا إبراهيم مع إسماعيل عليه السلام وكيف إنه ثبت أمام بلاء عظيم من بلاءات الله سبحانه، إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.

ثم ناتي إلى موسى وهارون، وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، نجى الله موسى وهارون مع بني إسرائيل من ماذا؟ الكرب العظيم، من فرعون وجنوده، وأنهى الله فرعون وجنوده. كذلك إلياس الذي حذر قومه من عبادة الأصنام، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، فكذبوه فانهم لمحضرون، ونجاه الله سبحانه وتعالى من الهلاك الذي نزل على قومه. لوط، وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ نَجَّيْنَاهُ، إذا كلمة نجيناه هي الكلمه المستمرة في قصص الأنبياء هنا للدلالة على أن سنة الله المتكررة أنه بعد طول الدعوة والصبر على المشركين إذا جاء أمره سيهلك المشركين ويدمّر شر تدبير وينجي عباده المؤمنين، وينجي عباده المؤمنين.

كذلك يونس عليه السلام، حتى وإن كان أخطأ ووقع في بطن الحوت بسبب خطاه، تعرفوا سيدنا يونس لم يصبر على طول كفر قومه فغادرهم بدون أن يأذن الله له بذلك، فابتلاه الله فوقع في بطن الحوت، لكن لأنه كان من المسبحين أيضًا نجاه الله من بطن الحوت، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ.

ثم بعد أن ذكر الله عز وجل سنته المتكررة في إهلاك الكافرين المعارضين للرسل وإنحاء الرسل ومن معهم من المؤمنين، عاد الخطاب لكفار قريش مرة أخرى. كفار قريش الذين ما زالوا مصرين على نسبة الملائكة إلى الله على أنهم بنات، فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، إذا واضح أن هذه قضية من القضايا الشائكة لأنها ذكرت في أكثر من سورة مرت معنا في سورة الزخرف ومرت معنا أيضًا في سورة الزمر قبل قليل، جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا، وهي تمر معنا أيضًا هنا مرة أخرى ادعاء كفار قريش لله البنات. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ، يعني أنتم أصلاً كيف عرفتوا أن الملائكة إناث؟ يعني شهدتم خلقهم؟ أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، يعني أنتم الله عز وجل اختار بنات وترك البنين الذكور؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ، الآن عندكم حجة؟ دائما الله عز وجل يعلم الإنسان منهجية أن لا يتكلم بكلام إلا عن علم وحجة. هل لك حجة وعلم وبينة أن الملائكة خلقوا إناثًا وأنهم بنات الله؟ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.

وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا، الجنة هنا أيها الكرام هي عند كثير من المفسرين اسم من أسماء الملائكة، بخطر في بالنا إنه الجن هنا الجن لكن لا، الذي يظهر بناء على هذا السياق أن الجن هنا اسم من أسماء الملائكة، وسموا جنة باعتبار أن الجن هو الاستتار، الجنة هي ماذا؟ الاستتار والملائكة مستترون عنا فنحن لا نراهم ومن هنا صح تسميتهم جنة بناء على هذا، فالمشركون جعلوا بين الجن وهم الملائكة وبين الله نسبًا لما قالوا أن الملائكة بنات الله، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، بين يدي الله وسيقفون ليس وقفة الحساب ولكن هم دائما محضرون بين يدي ربهم واقفون. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فهؤلاء لم ينسبوا نسبًا بين الملائكة وبين ربهم.

ثم ختم السورة بالوعيد الشديد لكفار قريش ولكل من يسير على خطاهم: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ، يعني أنتم يا كفار قريش ويا أهل الكفر عمومًا إنما تفتنون بكفركم وشبهاتكم من قدر الله عز وجل عليه أنه سيدخل جهنم ممن فسد قلبه وطينته.

ثم قال سبحانه وتعالى بقسم: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ. سورة الصافات سورة مكية، بالتالي في العادة في القرآن المكي لنبيه: اصبر على ما يقولون، اعف عنهم، اصصفح، قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله كما مر معنا في الجاثية؛ تولى عنهم، اتركهم، ستنتصر يا محمد صلى الله عليه وسلم عليهم بعد حين، وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ، أصبر وتولى عنهم وأبصر فسوف يبصرون. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تنزه الله نفسه عما يصفه به المشركون من أن له بنات وأن له الملائكة وأن له أصنام وشفعاء، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، سلم على المرسلين لسلامة كلامهم مما يؤذي الله، فالمرسلون كلامهم كله يليق بجلال الله سبحانه، ثم ختم بالثناء على نفسه وأنه أهل للثناء والمجد. نقف إن شاء الله اليوم عند.

هذا المقدار من مدارسة كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونلتقي إن شاء الله بكم في مجلس آخر، زادنا الله فهماً لكتابه وتبصيراً به، وعِلْماً ومعرفةً وعملاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.