تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس التاسع: سورة يس إلى سورة فاطر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى.

حياكم الله أيها الأكارم والكريمات في مجلس جديد نعقده في رحلة الإنسان في القرآن؛ نحن نكتشف ذاتنا وسر وجودنا ورسائل ربنا في ثنايا هذا الكتاب الكريم. مجلسنا مع كتاب الله عز وجل في شهر القرآن، في شهر التدارس، في الشهر الذي ينبغي أن ننفض فيه الغبار عن هذه المعاني العظيمة وعن هذه الرسائل الإلهية التي أراد الله سبحانه وتعالى منا أن نقرا القرآن من أجل أن نستخلصها. فكل قارئ للقران لم يفهم رسالات الله سبحانه فهذا ما زال من المحرومين.

كل قارئ للقران لم يفهم رسالات الله سبحانه وتعالى فما زال محروماً. فعليك عبد الله وعليك أمة الله أن تستثير القرآن، وأن تطرق أبواب القرآن، وأن تطرق أبواب تدبر القرآن حتى تستخلص هذه الرسائل. ماذا يريد الله سبحانه وتعالى أن يخبر هذا الإنسان الذي خرج إلى هذه الحياة الدنيا وهو يخوض حياة ملؤها الكبد والتعب والكد؟ ماذا يريد الله سبحانه وتعالى من هذا الإنسان أن يكون، وماذا يريد منه أن يفعل، وإلى أين سينتهي هذا الإنسان؟ كل هذا في رحلة الإنسان في كتاب ربه سبحانه وتعالى.

فنسأل الله عز وجل أن يزيدنا فهماً وتعقلاً وتدبراً، وأن يفتح على قلوبنا، وأن يشرح على عقولنا لنستطيع أن نستنبط ونفهم مرادات الله سبحانه وتعالى. وصل بنا الحديث إلى الجزء الثاني وسورة يس أيها الكرام، طبعا الجزء الأول منها في الجزء الثاني والجزء الثاني منها في الجزء الثالث والسورة يس.

حالها كحال السور التي وردت بعدها في ترتيب المصحف، حالها كحال سورة ص: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وسورة ق: ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، والجاثية: حم ۝ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، والدخان: حم ۝ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. هي سورة من السور التي ابتدأت بتمجيد القرآن وتعظيمه وتشريفه. ونلاحظ أن هذا أسلوب متكرر في كثير من مطالع السور، أن الله عز وجل يريد منا أن نعظم هذا الكتاب، وأن نعظم منزلته، وأن نتعامل مع هذا الكتاب بكامل الجدية والاهتمام، وأن نعرف أن كل آية في هذا القرآن المجيد كل آية وضعت في مكانها، لا يوجد حشو، لا يوجد إطالة لا داعي لها، ولا يوجد نقصان إخلال، وإنما كلام موجز عظيم من الله العزيز الحكيم.

لذلك وصف هنا كتابه بأنه حكيم: يس ۝ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. والحكمة أيها الكرام تدل على الإتقان، وتدل أيضاً على وضع كل شيء في موضعه. فهذا القرآن إذاً بكل المفاهيم التي أتى بها وكل الرسائل التي أريد من الإنسان أن يستنبطها، هذه الرسائل الإلهية كل رسالة في مكانها، وإذا وضعتها في غير مكانها فقد أخطأت. عليك أن تتعامل مع هذا القرآن بمنظومة متكاملة شاملة تغطي جميع جوانب حياتك أيها الإنسان، وجوانب حياة المجتمع، وجوانب حياة الأمة: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ.

ثم بعد أن بجل مكانة القرآن، أراد أن يبجل الذي أرسل بالقران وهو النبي الاعظم صلوات ربي وسلامه عليه: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ۝ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. ثم عاد إلى القرآن فقال: تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. أي هذا القرآن الحكيم نزل من العزيز الرحيم. فهنا جمع بين وصف القرآن ووصف منزل القرآن وهو الله سبحانه وتعالى، وجمع فيه بين وصف اسم الله العزيز واسم الله الرحيم؛ العزيز الدال على القوة والغلبه، والرحيم الذي فيه تودد وتلطف. فانا عندما يكون لي قرآن حكيم من عزيز رحيم، فانا أتكلم عن شيء عظيم يجب أن أعطيه انتباهي واهتمامي وأن أقدره حق قدره.

طب ما وظيفة هذا القرآن؟ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ. أي لتنذر بهذا القرآن أقواماً آباؤهم ماتوا على الكفر، آباؤهم هم لم يدركوا هذا الكتاب ولم يدركوا هذا الخير ولم يدركوا هذا العطاء. كيف سيتعامل الله مع آبائهم؟ هذا موضوع آخر فيما يتعلق بأهل الفترات وغير أهل الفترات، لكن هذا الكتاب أتى ونزل على العرب الذين كانوا في عماية الجاهلية غارقين، لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون في حالة غفلة وضياع وتيهان.

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. نعم أكثر هؤلاء الكفار الذين نزل عليهم القرآن حق عليهم القول، سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. طبعا لماذا حق عليهم القول؟ يعني حق عليهم قدر الله أنهم كافرون، لأنهم يتعاملون بتهكم، باستهزاء، بعدم انصياع، بنفسية المستكبر، بنفسية الانسان المستغني. كل هذه الصفات التي قابلوا فيها القرآن وقابلوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم جعلت الله سبحانه وتعالى يختم على قلوبهم بعدم الإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.

طبعا الهداية والاضلال بيد الله سبحانه وتعالى، وأنت أيها الإنسان عليك أن تسلك اسبابها، وعليك أن تري الله سبحانه وتعالى ما يرضيه منك حتى يمنحك الهداية. أما إذا قابلت شرع الله عز وجل بالإعراض والإنكار والاستهزاء والتهكم وعدم الاكتراث، فعليك أن تنتظر العقوبة، العقوبة أن يختم الله على قلبك. لذلك كثيرا ما نجد في القرآن عبارات الختم، عبارات الطبع: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ.

الختم والطبع تعني انتهاء هذا القلب، تعني أن الله خلاص لن يجعل الخير يتسلل إلى قلبك. ومهما سمعت ومهما حضرت ومهما شاهدت، سيبقى قلبك أسود، سيبقى قلبك مختوماً عليه محروماً من الخير. هذه الحالة إنما أنت تسعى إليها وتصل إليها أيها الإنسان باسلوبك في التعامل مع كتاب الله سبحانه ومع وحي الله ومع شريعته.

ثم أخبر سبحانه أن هؤلاء الذين ختم على قلوبهم فهم لا يؤمنون، في الدنيا كيف سيكون حالهم في القيامة؟ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ. تعرفون هذا الذي يوضع غل في رقبته فلا يستطيع أن يثني رقبته؟ هكذا يكون حال الكفار والعياذ بالله، الأغلال في أعناقهم فهم هكذا ينظرون لا يستطيعون أن يحنوا رؤوسهم، وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا إلى آخر الآيات. طب فهؤلاء الذين حق القول على أكثرهم سواء عليهم أأنذرتهم أو لم تنذرهم، خلاص ختم الله على قلوبهم بعدم الإيمان لما علم في قلوبهم من الفساد والعياذ بالله.

طب إذاً من الذي يستفيد من القرآن حقيقة؟ من الذي يستثمر آيات القرآن؟ من الذي يوظف آيات القرآن في حياته؟ قال سبحانه: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ. الذي ينقاد قلبه للوحي، اتبع الذكر، شوف الألفاظ القرآنية، اتبع القرآن، سار مع القرآن، كان يبحث عن رسالات الله في القرآن. هذا الذي يتبع القرآن ويجعل القرآن في مقدمة حياته، ولم يلق القرآن وراء ظهره -حقيقة تعبير عالي في الفخامة: اتبع الذكر، جعل القرآن أمامه قائداً موجهاً وهو يتبع القرآن- لأن كثيراً من الناس حقيقة ألقى القرآن وراء ظهره كحال بني إسرائيل ألقوه وراء ظهورهم ومشى وجعل هواه هو الذي يقوده شهوته ولذته.

فهذا القرآن إنما ينذر به وينتفع به من اتبع الذكر، من جعل القرآن أمامه، وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ، وجعل خشية الله سبحانه وتعالى نصب عينيه مع أنه لا يرى الله عز وجل وإنما يرى أفعاله له في هذا الكون. فالذي جعل القرآن قائداً موجهاً وجعل خشية الله نصب عينيه مع أنه لم ير ربه سبحانه، فهؤلاء فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ.

ثم الله عز وجل ضرب مثلاً لهؤلاء الكفرة، لكفار قريش ولأهل العرب عموماً ولكل كافر، ضرب لهم مثلاً في طريقة تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. نحن قلنا عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء الكفرة اعترضوا عليه، كذبوه، أعرضوا عنه، اتهموه بما اتهموا. فالله عز وجل يريد أن يضرب لهم مثلاً حتى يتعظوا: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ. هناك قرية من القرى الله أعلم في مكانها، وإن كان اختلف المفسرون في ذلك ولا يهمنا مكانها ولو كان مهمّاً لذكره الله عز وجل لنا.

أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ۝ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ. كيف قابل المشركون هؤلاء الرسل؟ مَّا أَنتُ إلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا. سبحان الله، نفس الشبهة التي ذكرت في السور التي مضت وعلقنا عليها في المجالس الماضية. كثيرة من أعظم شبهات المشركين والكفرة عبر التاريخ الإنساني عندما تاتيهم رسل الله أنهم يناقشون في طريقة وصول الحق إليهم، وهذا أكبر خطأ يرتكبه الإنسان. يا أيها الإنسان، لا تناقش في طريقة وصول الحق؛ وصلك الحق من بشر مثلك، مناقش في نفس الحق: هل ما قاله هذا البشر صحيح؟ هل قامت عليه البراهين؟ هل قامت عليه الأدلة؟

الله سبحانه وتعالى أيها الكرام يربينا يربي هذه النفوس والعقول والقلوب على قبول الحق بغض النظر عن المصدر الذي أتى به. لذلك حتى سيدنا أبو هريرة لما بتعرفوا قصته لما كان الشيطان يصده عن صلاه الفجر ويحرمه من الخير وآخر شيء نصح الشيطان وقال له يعني إذا اردت أن ينجيك الله مني أو أن يمنعك الله مني فعليك بآية الكرسي. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: صدقك وهو كذوب. يعني الشيطان كذوب في هذه الحالة لما نصحك بقراءة آية الكرسي صدقك.

بالتالي الإنسان يوطن نفسه على هاي القضية؛ قضية أنني أقبل الحق بغض النظر عن مصدره، ولا أجعل رفضي للحق لأنه جاء من شخص أقل مني، أو من شخص أنا لا أهواه، أو من جهة لا أتقبلها. هذه كانت أعظم مشكلة ترى من مشاكل الكافرين؛ لماذا ياتيهم الوحي عن طريق بشر مثلهم؟ مرة أرادوا ملائكة، مرة أرادوا أن ينزل الخير عليهم، مرة أرادوا لماذا لا ينزل القرآن على رجل من القريتين عظيم؟ يعني هم يقسمون رحمة ربك! يا اخي الله أعلم حيث يجعل رسالته، لماذا تناقشون في الهوامش وتتركون الأصول، ما دامت المعجزات الباهرة والأدلة الساطعة قامت على صدق هذا الحق، عليك أن تتقبله أيها الإنسان. يعني هذه أظن رسالة من الرسائل العظيمة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن يربينا عليها، وهي فكرة تقبل الحق والانقياد للحق الذي قام عليه البرهان دون النظر في المصدر أو التفاصيل التي أحاطت به ما دام ثبت بالأدلة أنه حق انتهى الأمر.

طبعا نقاش طويل بينهم وبين رسلهم بعد ذلك. أي الله عز وجل أخبرنا بقصه ذلك الداعي الصادق: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبَعُوا الْمُرْسَلِينَ ۝ اتَّبَعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ إلى آخر قصته. هذه القصة التي تحتاج إلى وقفات ووقفات، وليس هذا من موضوعنا في هذا المرور السريع، لكن يكفي أن هذا رجل حمل هم أمة، حمل هم قومه، فجاء يسعى من أقصى المدينة مبادراً في صلاحهم. رجل يسكن في اطراف المدينة، ربما بعض الناس يقولون: ما الذي أتعبه وما الذي أشغله؟ ما الذي جعله يبادر ويسعى ويهرول من أجل إنقاذ قومه مع أنه يعرف أنه قد يكون الثمن باهظاً؟

وكيف فعلاً كان الثمن باهظاً في الدنيا وهو أن قومه قتلوه بعد أن نصحهم ووجههم إلى التوحيد وعرفوهم بربهم، ومع ذلك هو كان حريصاً عليهم حتى بعد استشهاده رضي الله عنه. فلما دخل الجنة قال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ۝ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ. حقيقة قصة هذا الرجل مليئة بالعبار والفوائد، ونموذج لأنه ليس نبياً، وهذا يجعل الاقتداء به أكثر سهولة عليك.

كثير من الناس عندما تتكلم معه في قضية اتباع المرسلين يقول لك: يا أخي المرسلون هؤلاء قوم خصهم الله بالوحي، يا أخي الله عز وجل يوحي إليهم أنا لا يوحى إلي. فتاتيك مثل هذه النماذج في القرآن: نموذج صاحب يس، نموذج مؤمن آل فرعون، نموذج آسية امرأة فرعون. تاتيك بعض النماذج التي ليست بأنبياء ولا يوحى إليها من السماء، فتجعل أيضا هناك نماذج أخرى لغير أنبياء صمدوا وثبتوا وقدموا لله سبحانه، وأخرج الله عز وجل ذكرهم في كتابه حتى لا تبقى محتجاً بأن حالك أيها الإنسان لا يصل إلى حال الأنبياء.

ثم الله عز وجل ختم قصة هذا الرجل وهذه القرية عموماً؛ هذه القرية التي لم تتبع المرسلين، وعندما جاءهم رجل صالح يؤكد على دعوة المرسلين اتُّبِعُوه بالقتل. قال سبحانه: إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً. يعني إنهاء وجود الظلمة وإنهاء وجود الفاسدين سهل جداً على الله سبحانه وتعالى، لكن الله عز وجل يطيل في أعمارهم ويمدهم بطغيانهم من أجل أن يمتحن بهم أهل الإيمان، وهذه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى المتكررة، كما قال عز وجل: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ في سورة الفرقان.

الله عز وجل يخبرنا عن سنة من سننه أنه يملي للظالمين، ويجعل في كل قرية أكابر مجرميها، الأكابر والعظماء والسلاطين أكثرهم يكونون من المجرمين، لأن هناك سنة التدافع؛ سنة التدافع بين الحق والباطل، وأن يبقى الإنسان الموحد في مجاهده ومدافعة وجهاد يمتحن الله عز وجل به إيمانه ويختبر ما عنده من الخير: وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ، ويكون لك شهداء وأصفياء وأقياء لله سبحانه. هي جزء من قصة هذا الوجود الإنساني، وبالتالي الذي يقرأ القرآن سيكون مطمئناً حتى وهو يرى الظلم ينتشر، وهو يرى الشهداء يرتقون، وهو يرى أي ما يرى من أحداث مؤلمة في العالم الإسلامي، لأنه سيفهم أن هذه سنة التدافع التي أراد الله عز وجل أن يسير عليها هذا الوجود، لأن الله لم يجعل هذه الدنيا دار استقرار، وإنما جعلها دار ممر، وأن الآخرة هي دار القرار الجنة والنار.

فالله عز وجل يوجهنا: هذه الدنيا سيبقى فيها مدافعة بين الحق والباطل، والله عز وجل قادر على أن ينهي الباطل، وإنما هذه الآيات تاتي: إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ، لتطمين قلوب أهل الإيمان أنه

إذا شاء الله أن ينهي الباطل، أن ينهي الصهيونية العالمية وأمريكا وعملاء أمريكا وكل شيء من الظلم والفساد، الله قادر ينهيه بكلمة كن فيكون، لا يعجزه شيء سبحانه. فتأتي هذه الآيات تطمين: الله موجود، الله حاضر، الله يشاهد ما يحصل مع إخواننا في غزة، ويشاهد الظلم الذي يقع على رجال ونساء السودان، ويشاهد كل شيء، ويعلم تفاصيل كل شيء، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. ولا يوجد شيء حصل وكان الله غائباً جل في علاه سبحانه وتعالى، لكن هي سنة التدافع وسنة ابتلاء أهل الإيمان بوجود الظلمة وأكابر مجرميها، ويحصل هنا الشهادة ويرتقي الأبطال، ويوجد الدعاء والعلماء، ويوجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما هذا التصور الذي يريده الناس، وهو انتهاء كل شيء وأن يتمكن الإسلام تمكناً لا يوجد فيه أي ظالم ولا أي فاسد، هذا التصور حالم لم تبنَ عليه أصلاً الحياة الدنيا، فاطمئن لقدر الله.

طيب، الله عز وجل يقول: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ. حسرة الله عز وجل على هؤلاء العباد: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. مساكين هؤلاء العباد! هؤلاء البشر الذين كلما جاءهم الحق رفضوه وأعرضوا عنه واستهزؤوا به. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ؟ اعتبار بالأمم الماضية. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَإِن كُلّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ.

ثم الله عز وجل من آية 33 إلى آية 46 يخبر أنه أقام العديد من الآيات في هذا الوجود التي تدل على وجود الله ووحدانيته وكماله. فمثلا هنا يقول: وَآيَةٌ لَّهُمْ، أي من آيات وجود المعبود وكماله، الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّا. كذلك وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ليأكل من ثمره سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض.

آية أخرى: وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ. كيف يأتي الليل يسلخ نور النهار؟ كأن النهار هكذا انسلخ، فجاء الليل وأظلمت الدنيا. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ. آية أخرى على كمال المعبود وعلى قدرته الباهرة.

وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ. الله عز وجل جعل هناك السفن في البحر، وجعل هناك الدواب في البر. من الذي يجعل هذه السفن تسير ويمنعها من الغرق؟ ومن الذي يجعل الدواب تقطع الفيافي والقفار؟ قال: وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ. من الذي حملهم ومنعهم من الغرق؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ.

هكذا حال هؤلاء مع أنهم يرون العظيم صنع الله سبحانه وتعالى في الفلك، في السماوات، في الأرض، في البحار، في الجبال. كيف يقابل أكثر الناس هذا الخلق العظيم مع أنها مظاهر كلها تدل على وجود الواحد الديان وعلى كماله؟ انظروا اليوم كم وصلت الحضارة الغربية في كل العلوم الدنيوية، وللأسف لم تقدهم هذه العلوم إلى الله سبحانه، بل زادوا إلحاداً وكفراً وتشكيكاً وغطرسة والشعور بالاستغناء، وأنهم بلغوا أقطار السماوات وخرقوا الأرض والبحار. فعلاً، وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ.

والله كأنك تشاهد هذه الآية أمامك الآن. يرون في كل يوم في علومهم المتقدمة آيات الله سبحانه وتعالى في السماوات وفي الأرض، وكلما رأوا آية ازدادوا إعراضاً. بالله عليكم، ألا يستحق هذا الإنسان البشري الذي يرى كل هذه الآيات الباهرة، ألا يستحق يوم القيامة أن يعذب العذاب الشديد لرفضه الانصياع لكل هذه الأدلة التي تضغط على العقل وتثقله وتجره وتؤزه أزاً إلى التوحيد، ومع ذلك ترفض وتعرض؟

فعلاً هذا الإنسان المتغطرس الذي خلق نطفة من مني يمنى كما قلنا ولم يكن شيئاً، ثم كبر ورى كل هذه العلامات والبراهين ومع ذلك ازداد كفراً واستغناءً، أمثال هؤلاء حقيقة لا يستحقون إلا أن يعذبوا في العذاب المهين.

طيب، ثم استمرار في معاندتهم: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. إذاً، إذا تلاحظون أن مشاكل الكفر أو مشاكل الكفار مع دعوة النبي عليه الصلاة والسلام مشاكل واضحة تحدث عنها القرآن بوضوح: مشكلة مع القرآن، مشكلة مع النبي عليه الصلاة والسلام، مشكلة مع مفهوم التوحيد لله وأنه لابد لابد من وجود وسطاء، مشكلة مع مفهوم الدار الآخرة. كل ما درسناه وتدارسناه سابقاً نجد فعلاً يضع الملامح واضحة في سورة الزمر: المشكلة كانت الكلام عن الشرك، مَّا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، في كثير من السور: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. متى هذا الوعد؟ هل فعلاً في يوم القيامة إذا متنا وكنا تراباً؟ سورة قاف وغيرها. فمشاكل المشركين واضحة.

والله سبحانه وتعالى أجاب عن هذه الإشكالات بأساليب وأنماط متعدده حتى يزيل كامل الشبهة عنهم، وحتى يرفع العذر تماماً، ولا يبقى لهم يوم القيامة حجة أمام الله أن في هناك شبهات عقدية أو فكرية حالت بينهم وبين الحق. فمثلاً هنا: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ، أي وهم ما زالوا يخاصمون الحق ويجادلونه ويختصمون معه. وَإِذَا جَاءَكُمُ الْمَوْتُ لَن تستطيعوا توصية ولا إلى أهلكم ترجعون، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ، أي من القبور، إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ.

طبعاً هنا كان النقاش نقاشاً تخويفياً. الأدلة على البعث ستأتي في آيات آخر السورة، ستأتي في آخر السورة لما قال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، الذي أنشأ أول مرة قادر على أن يعيدها ثاني مرة، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً، يعني الله سبحانه وتعالى القادر أن يجعل الشجر الأخضر الذي فيه الرطوبة إذا وضعته وأشعلت فيه يصبح ناراً وحطباً، ويجعل هكذا هذه الأشياء العجيبة، فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ، هو القادر على أن يأتي بالدار الآخرة. أليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم وأن يعيدهم مرة أخرى أيضاً؟ الذي خلق السماوات والأرض وهو خلق عظيم عظيم، قادر على أن يعيد هذا الإنسان بعد أن يصبح رميماً. فناقشهم في الأدلة في نهاية السورة: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. لكن هنا كان السياق سياقاً تخويفياً في هذه الصفحة وتهويلاً، ما الذي سيحدث؟ تستهزئون باليوم الآخر؟ تقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ والله والله يوم القيامة سيتفاجأ الكثير من الناس الذين كانوا يتعاملون باستهتار مع قضية الدار الآخرة، سيتفاجؤون وينصدمون: صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ.

في المقابل دائماً القرآن لما يتكلم عن هؤلاء المكذبين يعود فيفتح باب الأمل والرجاء، كأنه يعني بعد أن يقنطهم ويؤيسهم من أنفسهم يفتح لهم باب أنه طب أنظروا في زاوية أخرى في الدار الآخرة لعلكم تصيبونها: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَٰكِهُونَ، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ إلى آخر الآية.

فالله عز وجل يقول المهدد إليكم يا بني آدم، هنا جاء كأن إعلام إلهي: يا أيها البشر، يا أيها الإنسان في أي مكان كنت، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. طب هو سؤال: هل الإنسان هو يعبد الشيطان فعلاً وأنت لا تعبد الشيطان بمعنى أنك تسجد للشيطان، وإن كان اليوم صار عنا عبدة شياطين والعياذ بالله في هذا الواقع، لكن المراد يعني في تاريخ تاريخ الإنسانية لم تكن هذه ديانة بارزة عبادة الشيطان كشيطان، لكن بمجرد أنك تطيع الشيطان فيما يوسوس لك وفيما يأمرك به أنت مارست شكل من أشكال العبودية له، كل من تطيعه وتخضع لأوامره فقد عبدته. والشيطان يوسوس لك بالشهوات والمردات والشبهات، وكثير من البشر يتبعونه ويطيعونه، فهذا شكل من أشكال عبادته سواء أنت أقررت بذلك أو لم تقره. الشيطان أمرك بالنظر الحرام وأنت أطعته، سمعت وسوسته ونظرت إلى الحرام، أنت هنا عبدت الشيطان وخضعت لسلطانه وقهره، ولم تخضع لله سبحانه وتعالى الذي قال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، وقص على ذلك. لكن هناك من يطيع الشيطان جزئياً، وهناك من يطيع الشيطان كلياً في الأصول، نسأل الله العفو والعافيه.

وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا. كم استطاع الشيطان أن يضل من بني آدم عبر التاريخ الإنساني الطويل جبلاً كثيراً؟ هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، وايضاً كنتم تستهزئون بها في الدنيا، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ.

توعدهم، ثم بعد ذلك تجد أيضاً يعود ليدلل على كمال معبوديته وأنه المستحق لكمال انعامه وفعله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنهَا يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ.

فالله عز وجل هنا بعد ذلك يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إذا أصروا على هذه الحالة من الكفر والطغيان، يا محمد صلى الله عليه وسلم لا يحزنك قولهم خلاص إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.

أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ، ضع دائرة على كلمة الإنسان هنا الخطاب للإنسان، أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ، مثل الصور التي كانت في جزء تبارك، يذكرنا الله سبحانه وتعالى بأننا خلقنا خلقاً ناقصاً ضعيفاً، خلقنا من نطفة من يعني نطفة من مني يمنى، فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ. هذا الإنسان الذي خلقته نطفة من مني يمنى، بعد أن كبر واصبح إنساناً يفكر ويعقل، أصبح يخاصم ربه ويجادله في الحق الذي جاء به الرسل، فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ.

ثم ذكر لنا حال أبي هذا الرجل المشرك أبي بن خلف الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستهزئاً قال: من يحيي العظام وهي رميم يا محمد صلى الله عليه وسلم؟ فذكر الله عز وجل له أدلة الخلق والقدرة عفواً على إعادة إحياء الموتى يوم القيامة: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، الذي يصنع الأشياء العجيبة الغير معتada الغير متصورة. هل هناك متصور أن يكون شجر أخضر طري يصبح نار، مع أنه الماء خلاف النار اليس كذلك؟ الشجر الأخضر الذي فيه رطوبة، فيه ماء، كيف من هذا الشجر الرطب الذي فيه ماء يشتعل ويصبح ناراً؟ الذي قادر على فعل هذه الأشياء العجيبة، والله سبحانه وتعالى هو القادر على أن يحيي هذه العظام الرميمة، فليس إحياؤها بأصعب من خلق هذه الأمور، والله سبحانه وتعالى كل شيء هين عليه.

هذه كانت إذاً جولة في مناقشه تعامل المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التعامل واضح في كل زمان ومكان. يعني هذه الشبهات وإن كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن نفس اليوم يمكن تناقش بها ملحد اليوم، جاءك شخص يقول لك يا اخي معقول في دار آخرة؟ تبصره بخلق الله العجيب في السماوات والأرض، وما هو أشد خلقاً من خلق إعادة الأجساد البالية، يعني خلق السماوات والأرض وإخراج النار من الماء هذا كله أشد من إعادة الأجساد البالية والله. فهذه مناقشة معقولية لتبين الإمكان العقلي الخارجي لإحياء الموتى، ما فيها أي مشكلة وما فيها أي صعوبة، فلماذا تستبعدون ذلك؟ لكن هو العناد الانساني.

ناتي إلى سورة فاطر، وسورة فاطر أيضاً من السور التي تحدث الله عز وجل فيها عن أفعاله ليدلل على استحقاق للعبودية أيضاً. شوف الله سبحانه وتعالى أيها الكرام، يعني فعلاً فعلاً أقام علينا من الحجج ما لم يبق لنا عذر بين يديه يوم القيامة. نبهنا على كل أفعاله في هذا الوجود: أفعاله في الخلق، أفعاله في الأنعام، أفعاله في إمداد الإنسان بكل شيء، أخبرنا مع أننا نرى ذلك، لكن أخبرنا بذلك في القرآن ليجعلنا نتذكر. تذكروا من الذي خلق السماوات والأرض؟ تذكروا من الذي خلقكم وأوجدكم؟ تذكروا من الذي أنعم عليكم بكذا وكذا بالسمع والبصر والأفئدة؟ تذكروا تذكروا.

الله عز وجل وهو يعلم أننا نرى كل هذه الأمور، يدرك أننا نغفل عنها، فهو سبحانه يريد أن يقيم علينا حجة حتى لا ناتي يوم القيامة فنعتذر بشيء، إذا لم نسر على درب الاستقامة: ألم أعطكم كل ما يدل علي؟ وفي القرآن ذكرتكم بهذه الأدلة التي تدل علي، ثم أنتم بعد ذلك اخترتم.

فمثلاً في سورة فاطر، لاحظوا الاسم: فاطر، والفطر هو أن تشق الشيء، أن تشق الشيء. والبعض يقول الفطر أن تكون أول من شق هذا الشيء وأخرجه. الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، شقها وأخرجها، وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةَ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. الحمد لله ثناء على الله سبحانه وتعالى الذي يدلنا ويعرفنا عليه. نحمد الله سبحانه على أنه خلق وأوجد وعرف ودلل عليه. مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِّن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. لاحظ كيف ذكرنا ونبهنا على خلق السماوات والأرض، وعلى خلق الملائكة، وعلى أنه سبحانه وتعالى الذي يوسع والذي يغلق، فهو الذي يفتح الرحمات وهو الذي يمسكها. ثم نبهنا على أن الله عز وجل هو الذي يرزق.

ثم بعد ذلك يقول: يعني كل هذه الحقائق أنتم ترونها وتشاهدون يا أيها فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ؟ كيف تؤفكون؟ أي تصرفون. كيف تصرف عن الحق؟ كيف تصرف عن التوحيد؟ كيف؟

تصرف عن الإيمان والانقياد بالعبودية لهذا الإله العظيم، وتتبع شيطان رجيم وخطرات ووساوس ولذات. تنبيه للإنسان: يا أيها الإنسان، والله انك لم تخلق عبثا، والله إن الله خلقك من أجل أن تطيعه في أوامره وتجتنب نواهيه. عجيب فعلا حال الإنسان العاصي، هؤلاء العصاة المدمنون على الذنوب والمعاصي ويجاهرون الله في الأسواق وفي النوادي في زنا وخنا ولهو وعبث، ويعيشون حياتهم أمام المناظر المحرمة والمسلسلات وما شابه ذلك والتفاهة. حقيقة لما تقرأ القرآن تعرف كم حجم البعد والمسافة الكبيرة بين ما يخبرنا الله عز وجل به في القرآن عن غاية خلق الإنسان، وعما يمارسه هؤلاء البشر في حياتهم اليومية. ترى يا إخواني الناس اليوم هي فقط أصبحت تعيش لذاتها: طعام، شراب، نكاح، شهوات، ملذات، جلسات، سوشيال ميديا؛ الناس فقط تعيش الشهوات والملذات.

ونسى الناس الهدف والغاية والمقصد، وأكثر الناس في غفلة عن كونهم عبيد لله سبحانه. والله حتى كثير من العبادات أصبحت عبادات خاوية جوفاء، تجد الإنسان يصلي فقط لأنه يعني اعتاد الصلاة ليؤدي هذا الواجب يعني كأنه واجب وطني لا بد ينهيه، إذا صام فقط لأننا اعتدنا الصيام هكذا أدركنا آبائنا وهكذا علمنا آباؤنا. إذا أصبحت نذكر أو نفعل كثير من العبوديات نحن لا نستشعر معنى العبودية، وأن هذا هو أصلا غاية وجودنا أن نفعل هذه الأمور وأن نكون عند أوامر الله سبحانه وتعالى وقافين. نحن كثير منا -لنكن واضحين- يفعل كثير من العبادات فقط لأنه اعتاد عليها وأصبح نمط حياتي، بعضنا ممكن يزداد خوفه فيقول لا فعلا أنا خايف أني أفرط في هي الفرائض فبفعلها بس بفعلها من باب إني خلص بدي أتهيأ في شيء بدي أنيه حتى أعود للحياة، خلص في صلاة تراويح لازم أصليها حتى انتهي من موضوعها لأعود في مسلسلات، في سوشيال ميديا، في لقاءات، في مجالس، لازم مثلا أصوم رمضان خلص بعدين الحمد لله بيجي العيد وبتنتهي الأمور.

تشعر أننا عندما نتعبد لا نتعبد ونحن نشعر بحبنا لهذه العبودية وأنها غاية الوجود وهدف الحياة، كأنها مجموعة من التكاليف لازم نأديها وننتهي منها ثم بعد ذلك خلاص نعود إلى الحياة الطبيعية. لا، هو الأصل أن حياتك الطبيعية هي العبودية، وأن كل الفراغات والمساحات الأخرى التي تعطيها لنفسك هي التي ينبغي أن تكون على هامش الحياة. طيب، لذلك الله سبحانه وتعالى يخبر النبي عليه الصلاة والسلام: يا محمد صلى الله عليه وسلم، إذا كذبك قومك بعد وجود هذه الدلائل والعلامات فقد كذبت رسل من قبلك، يعني مش أنت أول واحد تكذب.

ثم نداء آخر من الله سبحانه وتعالى بعد أن نادانا في الآية ثلاثة: يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، عاد فنادانا في الآية خمسة: يا أيها الناس إن وعد الله حق. الله ينبهنا والله نبهنا ويذكرنا: اتعظ أيها الإنسان أن وعد الله حق في دار آخرة، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. الله عز وجل يخبرنا ما الذي يحصل: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا يوجهك ينصحك، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. الذين كفروا لهم عذاب شديد، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير، بدك تنتبه يا أيها الإنسان.

ثم عاد الله عز وجل يذكرنا بأفعاله، والله الله من الذي فعل هذا الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض؟ طيب من الذي قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِّن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ؟ من الذي: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ؟ من الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر؟ من الذي يفعل كل هذا يا جماعة؟ الله جل في علاه، الله. قلها من قلبك ومن وجدانك: الله هو الذي يفعل هذه الكمالات العظيمة، بعد ذلك انشغل عنه وأعرض عنه لاشتغل في توافه الحياة.

فالله عز وجل يخاطب أهل الشرك يقول: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ. القطمير هو ال يعني شيء يسير جدا جدا أيها الكرام يكون على نواة التمر. آلهتكم لا يملكون صنعها ولا يملكون خلقها ولا يملكون فعل شيء منها، فغريب ذلك الإنسان الذي يعبد صنما ولا شجرا ولا شمسا ولا نجما ولا لا يملك قطميرا تافها لا يستطيع أن يملكه، فما بالك بخلق السماوات والأرض، ما هو أعظم من ذلك: إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ. شوف يعني الله عز وجل يقول: خذ الكلام من الخبير، خذ الكلام من الخبير اللي عارف التفاصيل ويعرف النهايات وهو الله سبحانه وتعالى، دعك من أي عصيانك، دعك من طغيانك أيها الإنسان، دعك من إعراضك عن هذه الحقائق الكبرى.

النداء الثالث: النداء الثالث يا أيها الناس، شوف في سورة فاطر هناك نداءات للناس باعتبارهم جنس بشري بغض النظر عن مؤمن ولا كافر. النداء الأول آية ثلاثة: يا أيها الناس. النداء الثاني آية خمسة: يا أيها الناس تذكير بالدار الآخرة. الآية الثالثة تذكير الناس بافتقارهم واحتياجهم الدائم إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه أعظم حقائق الوجود بل هي لب الوجود، أن يدرك الإنسان فاقته وغنى ربه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ. يا ناس أنتم تحتاجونني، والله كلكم جائع إلا من أطعمته، وكلكم عار إلا من كسوته، وكلكم ضال إلا من هديته، أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني، الله هو الغني صاحب الغنى المطلق سبحانه وتعالى.

قَالَ: وَإِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ. ثم أخبرنا ببعض القواعد: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، كل إنسان بيتحمل مسؤولية عمله. وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ، يعني الإنسان إذا جاء مثقلا بالذنوب والخطايا والمعاصي ما حدا راح يشيل عنك يوم القيامة، كل واحد راح يشيل عمله بنفسه. إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَهُم بِالْغَيْبِ، شوف يعني هنا كيف التناسق بين سور القرآن؟ هنا كما في سورة يس لما الله عز وجل في سورة يس قال لنا: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ، ذكر هنا أن الإنذار إنما يصلح ويمشي مع الذين يخشون ربهم بالغيب.

فذكر فكرة يخشون ربهم بالغيب في سورة يس، وخشي الرحمن بالغيب، يدل هذا على أن هذا القرآن المليء بالإنذارات والتنبيهات إنما يصلح وينجح مع أصحاب القلوب الحية الذين عرفوا أن لهم ربا واحدا أحدا، فخافوا من هذا الإله. هؤلاء يفيدهم هذا القرآن، لأنه يذكرهم بهذه الحقيقه التي قد ينسونها أحيانا أو ينشغلون عنها في صخب الحياة، هؤلاء ينفعهم. أما الإنسان الذي لا يخشى الرحمن بالغيب، هذا الإنسان العاصي الذي إذا ذكر بالله لا يعبأ ولا يتحرك قلبه. شوف مهما كان عندك من المعاصي، مهما كنت بعيدا عن الله لازم يكون عندك شعور بالخوف من الله، يعني احترم ضعفك وعليك أن تخشى الله إذا خُوفْت به.

والعياذ بالله والعياذ بالله نسال الله أن يعافينا، بعض الناس حتى ممن ينتسب إلى الإسلام إذا قيل له: اتق الله، اخذته العزة بالإثم، بقول لك اتق الله وحدك يا اخي ابلش بنفسك. إذا ذكر بالله لا يخاف الله، هؤلاء والعياذ بالله طبع على قلوبهم، فلذلك مهما قرأت أمامه من الآيات قل أن ينتفع قل أن تؤثر في قلبه ليه؟ لأنه لم يخش الرحمن بالغيب، لم يخش ربه بالغيب. أما المؤمن اللي عنده ذنوب وخطايا ومعاصي خلوات، ويعني يتعثر وينهض ثم يتعثر وما ينهض، هؤلاء اللي عندهم خوف في قلوبهم من الله، حتى لو عندنا قسوة قلوب، شوف عندنا والله قسوة قلوب وعندنا جمود في العين، عندنا حالة من البعد عن الله سبحانه، لكن يا رب انك تشهد أن هؤلاء الجمع عندهم خوف منك، يعني على ما عندنا من قسوة القلب على ما عندنا من الزلات والأخطاء لكن يبقى عندنا شعور أنه خايفين من ربنا، خايفين ربنا يحاسبنا.

وبتلاقي الإنسان بالتالي لما يفعل معصية بيلوم نفسه، بقول يعني ليه لماذا فعلت ذلك؟ إذا كنت تلوم نفسك على المعصية فاعلم أن في قلبك خيرا، إذا كنت تجلد نفسك عند المعاصي والذنوب جلدا طبعا نافعا اعلم أن فيك خير، لأنك ما زلت من الذين يخشون ربهم بالغيب. أما إذا أصبحت تفعل المعصية ولا تبالي ومش مهتم ومش لا تجلد نفسك عليها، هنا عليك أن تدق ناقوس الخطر الرهيب؛ لأنه معناه أنه آيات القرآن ما عادت تجاوب معك. بتعرفوا إخواني المريض اللي بيأخذ دواء وما بيجاوب معه ليه؟ بقول له الطبيب: والله جسدك مش عم مش عم بيستقبل الدواء، جسدك مش عم بيستقبل الدواء عشان هيك مش عم بيأثر فيك. هذا الذي يحدث مع كثير من الناس، بقول لك بنقرا قران لكن نزداد معصية وكبرا وبعدا عن الله، أحيانا قد تكون أنت لا تتق الله ولا تخشى الله عز وجل، وإذا ذكرت بالله لا تتذكر، فمثل هؤلاء مهما ألقيت عليهم آيات القرآن، مهما أسمعتهم هذا القرآن -القرآن شفاء بس الشفاء يحتاج إلى محل قابل للعلاج- أجسامهم وقلوبهم وعقولهم ما عادت تتقبل الانتفاع بالقران، فهذه قضية مهمة أن القرآن شفاء وعلاج للقلوب، القلوب التي تتقبل ولكن هناك قلوب خلاص انتهت ما عادت تتقبل، نسال الله العفو والعافية.

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، يعني موتى القلوب يبعثهم الله، يعيشون ما يعيشون ثم يموتون وهم بعداء عن الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ، كل ما زكيت قلبك وأصلحت نفسك لتستقبل رسالات الله سبحانه هذا لصالحك، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه. أنت لما تزكي القلب وتبحث عن صلاحه وتبحث عن سبل هدايته هذا لصالحك أنت، أنت لا تنفع الله شيئا، الله غني لكن أنت الفقير، أنت المحتاج إلى هذه المجاهدة. فهذا يشبه ما في سورة العنكبوت: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ. هذول الآيتين ضعوهم جنب بعض دائما: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ. أنت الفقير المحتاج أنا واياكم والله هو الغني، فأنت لما تزكي أنت بتعمل شيء لمصلحتك وليس من أجل مصلحة الله سبحانه وتعالى، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، يعني كل شيء سينتهي عند الله.

وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ، وَلا الظَّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُ وَلا الحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ. كما أن هذه الأشياء لا تستوي في الدنيا، كذلك لا يستوي أحياء القلوب وأموات القلوب. إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ، يسمع أن يجعل هذا القرآن يؤثر، فالسماع هنا ليس المراد السماع بالأذن، المراد بالسماع هنا الانتفاع، إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ لأن الله عز وجل يجعل هذا القرآن وهذا الوعظ وهذا التذكير ينتفع به من يختار الله سبحانه وتعالى أن ينفعه. وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن في الْقُبُورِ، الآن هنا تاتي عبارات المفسرين، ما المراد وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن في الْقُبُورِ؟ هل المراد موتى القلوب؟ البعض يذكر ذلك، وأما المراد وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن في الْقُبُورِ يعني الموتى الذين ذهبوا إلى الله سبحانه. البعض يقول يعني واضح أن الموتى الذين في القبور انتهى أمرهم فلا فائدة من قول وما أنت بمسمع من في القبور باعتبار أنهم موتى انتهوا، لكن المراد ما أنت بمسمع من في القبور أي من حاله كحال المقبور، حاله كحال الميت قلبه في غفلة، فكان قلبه مقبورا وكان عقله وفكره أصبح ميتا وإنما هو في الدنيا جسد فقط يعيشون وياكلون كما تعيش الأنعام، إِن أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ، أنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا.

طيب، ثم الله عز وجل يقبل عن أفعاله مرة أخرى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُكَذَٰلِكَ، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. الإنسان العارف بالله هو الذي يخشى الله حقا، لا يمكن أن تكون عارفا بالله سبحانه إلا إذا كانت هذه المعرفة تورثك خشية، أما الذي يدعي أنه العارف بالله وأنه الإمام الأكبر وأنه صاحب مؤسسة دينية أو مفتي في بلد ثم يفتي الناس بالحرام -كما يحدث اليوم في مصر عافانا الله وإياكم، تجد المسؤول عن الحالة الإفتاء عندهم يفتي بجواز اختلاط الرجال بالنساء، هذه آخر الصرعات- هل هذا علم والعياذ بالله؟ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا والعياذ بالله. أنك تتبوأ منصب إفتاء وتكون على رأس الكلام في الدين ثم نجدك بعد ذلك تدل الناس على الحرام وعلى المنكرات وعلى الفواحش، إذا العلم الشرعي ليس معلومات، العلم الشرعي ليس بالكم، العلم الشرعي بالنوع: ماذا أحدث في قلبك معرفة الله سبحانه ودراسة شريعته؟ إذا أحدثت في قلبك خشية فانت عارف بالله، وأما إذا زادتك معصية وذنوبا وبيعا للآخرة من أجل شراء لعاعة من الدنيا فانت لم تعرف الله حقا، أنت ربما أستاذ شريعة، ربما عندك مؤلفات في الشريعة، لكن كل هذه لا قيمة لها في موازين الإله وإنما القيمة العلم الذي يورث خشية وإجلالا هيبة لله سبحانه وتعالى.

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ. هؤلاء الذين يتلون كتاب الله ويتدارسونه ويستذكرون آياته هؤلاء هم الذين ينتظرون التجارة الناجحة، التجارة التي لن تهلك ولن تفسد. وهنا يؤكد الله على أن الكتاب كل ما فيه هو الحق، فقال: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ. إياك أنك تتشكك فيه يا

وهذا الكتاب أورثه الله لمن اصطفاه من عباده، الله عز وجل أن تكونوا ممن اصطفيتم لحمل هذا الكتاب وحمل معانيه وحمل أفكاره للبشرية جمعاء الأجيال القادمة، ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. وهؤلاء الذين يحملون الكتاب ويحملون رسالته؛ منهم من سيكون عنده معاصي ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد أي يقتصر على فعل الواجبات ويترك المحرمات لكنه لا يبذل أكثر من ذلك، ومنهم سابق بالخيرات من يقوم بالإحسان من يعبد الله بالإحسان فيزداد من النوافل وفروض الكفايات ويتوسع في إصال الخير إلى الناس.

فالذين يرثون الكتاب منهم العاصي المذنب، ومنهم المقتصد المعتدل، ومنهم السابق المبادر. وهؤلاء جميعاً ما داموا ماتوا على التوحيد سيدخلون في جنات النعيم، حتى ولو أن الظالم لنفسه ممكن يكون دخل النار بعض السنوات لكنه سيخرج في النهاية ما دام موحداً، هناك جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً. وأعظم شيء في الجنة -قال أو من أعظم الأمور بدي أقول أعظم شيء أقول من أعظم الأمور في الجنة- أنه لا يوجد فيها حزن ولا هم ولا غم، وقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُنَا فِيهَا لُغُوبٌ.

يعني الأمور المعنوية في الجنة أيضاً جميلة وهي عدم وجود نصب، عدم وجود تعب، عدم وجود حزن. يعني الجنة الجمال فيها مش فقط إنه أكل وشرب وعور عين وما شابه ذلك، وهذا عظيم عظيم، لكن أيضاً من الأمور الجمالية اللي بنغفل عنها أنه أنت بحياتك اليومية في الدنيا في كثير تعب، في كثير نصب، في كثير حزن، هم، كرب، مصيبة؛ الجنة ما فيها كل شيء من ذلك، تنتهي الأحزان وتنتهي المصائب وتنتهي الغموم والهموم، كل يوم سعادة كل لحظة سعادة. يعني مجرد تفكير الإنسان بأن هناك دار فيها هذا، معقول معقول في دار أربع وعشرين ساعة سعادة سعادة سعادة سعادة أبدية لا تنتهي؟ والله نعمة الدار هذه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها.

بينما الكفار والعياذ بالله بدك تنتبه أيها الإنسان أيضاً لأنك لا تضمن على نفسك، يعني لما نقول الكفار أنت مش تقول آه هذا الكلام مش لي، إنه كثير من الناس لما يمر على آيات الكفار بيقول هذا في الكفار يعني أنا ما لي علاقة في الموضوع: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ. لما تسمع هي الآيات لا تتعامل معها وكأنها نزلت في قوم من كوكب آخر، لا بدك تخشى على نفسك، ما دمت حياً على هذه الدنيا عليك أن تخشى على نفسك من الردة، وتخشى على نفسك من الاستدراج، وتخشى على نفسك أن تموت على غير الإيمان، وأن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها والعياذ بالله. فلما تسمع آيات وهم يصطرخون فيها أنت بدك تخاف، لا تقول أنا مش كافر ففي داعي أخاف، لا بدك تخاف لأنك لا تضمن على ماذا ستموت، نسأل الله عز وجل أن يختم لنا بالإيمان.

وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل، هنا يعاتبهم الله معاتبة شديدة: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ. يعني مش عشت ستين سبعين سنة وكان في مشايخ ودعاة وعاظ وقرآن بين يديك وسمعت ووجهت ونصحت، يعني جعلتك تعيش دهرا كبيرا ما الذي جعلك لا تتعظ؟ لماذا الآن جاي تصرخ وعويل وصراخ بين يدي الله سبحانه أخرجني وأنقذني، مع أنه كان معك فسحة طويلة من العمر حتى تنصاع لشرع الله سبحانه، فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ، يعني حكمكم في عذاب ترى لا تستحقون أن تخرجوا.

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ، هكذا أنت أيها الإنسان الله جعلك خليفة في الأرض من أجل أن تقيم شرعه، فمن كفر وتمرد ولم يكن خليفة لله حقاً بل كان يعيش لشهواته، فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا. قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني هذه المعبودات والطواغيت التي تعبدونها من دون الله، أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ، أم مثلاً هؤلاء الطواغيت الذين تعبدونهم هم كتب أتوا بها آيات بينات تدل على مصداقيتهم، بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا.

سبحان الله، الأسياد الظلمة يعدون أجنادهم أنكم إذا أطعتمونا واتبعتم أوامرنا فستحصلون وستحصلون وستمكنون، الله عز وجل يقول حتى يسمع هؤلاء الجنود، ليسمع هؤلاء التابعين؛ ترى هؤلاء الظلمة الذين ينصحونكم أن تكونوا معهم وأن تحوموا حولهم، إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا، بيضحكوا عليكم والله يضحكون عليكم ويريدونكم أن تكونوا في صفهم، لكن ويعدونكم بالتمكن وأنكم ستحصلون، والله لن تجنوا لن تجنوا يوم القيامة إلا الحسرة والندامة، يعدونكم غروراً خداعاً. استيقظ على نفسك أيها التابع قبل أن تقول: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، استيقظ.

الله عز وجل يقول عن كفار قريش: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا. كانوا يقصدون بالله أنه إذا كان الرسول منهم سيكونون أهدى من غيرهم من الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً، لما جاءهم الرسول ما زادهم إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، يعني أنتم يعني ماذا تنتظرون إلا أن يحل بكم ما حل بالأولين سنة الله المتكررة، ما حل بقوم نوح وعاد وثمود وصالح وأصحاب الأيكة ولوط؟

وشوف سبحان الله كل هذه الأمم نوح وعاد وثمود ولوط والأيكة، قالوا هؤلاء العرب كانوا يعرفونهم وأكثرهم كانت العرب تعرف أماكنهم، يعني العرب كانت تعرف أين مكان الذي يعذب فيه قوم عاد والمكان الذي يعذب فيه سبأ والمكان الذي عذبت فيه ثمود ديار المعلى وديار لوط والعذاب الذي نزل بها وكانوا يعرفون ديار نوح. فالله عز وجل إنما كان يذكرهم بهؤلاء الاقوام لأنهم يعرفون قصصهم يعرفون سنة الله فيهم، فيذكرهم الله ترى أنتم تعرفون ما حل بهؤلاء؟ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.

تأتي الآية الأخيرة في هذه السورة أيضاً بالكلام عن الناس بغض النظر مؤمن ولا كافر، قال: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبَ. ما دام الخطاب في بداية آية السورة للناس يَا أَيُّهَا النَّاسُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فالختام يكون مع الناس: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبَ، لو أن الله يؤاخذنا بمعاصينا هذا المعنى بما كسبوا لو يؤاخذنا الله بمعاصينا ما ترك على ظهرها من دابة لا مؤمن ولا كافر؛ لانه حتى المؤمنين والمسلمين عندهم من المعاصي وعدم التوقير لله وعدم الإجلال ماله إن الله سيحاسب الإنسان على كل معصية، قال: مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ، تدب ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، الله يؤخر إلى أجل مسمى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ وَجَاءَتِ الدَّارُ الْآخِرَةُ وَبُعِثُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِ بَصِيرًا.

عارف الكافر المعاند صاحب النفسية الاستكبارية الذي سيتورط في نار جهنم، وعارف المؤمن الذي بيتعثر وبحاول يصلح من نفسه وكان بيجاهد في هذه الحياة من أجل تزكية قلبه، ربنا عارف هذا وعارف هذا مطلع على ما في القلوب سبحانه سبحانه وتعالى. هذه حقائق عظمى حقيقة يجب دوماً نتدارسها ونتذكرها وننتبه على أنفسنا لعلنا نكون ممن خشي الرحمن بالغيب وأيقظ قلبه قبل أن يفوت الأوان.

حقيقة ساكتصر اليوم على هذا المقدار لشيء من التعب، لكن عموماً يعني كنت أتمنى أن أخوض أكثر من ذلك لكن لا أشكال، المهم أن نستفيد وأن نتدارس وأن نستبصر بالمعاني الجملية لكلام ربنا سبحانه وتعالى. نلتقي إن شاء الله في مجلس آخر من مجالس التدارس القراني في رعاية الإنسان في القرآن، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.