تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس العاشر: سورة سبأ إلى سورة الأحزاب

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهده اختفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن، هذه الرحلة التي نحاول فيها أن نكتشف ذاتنا ونبحث عن مقصد وجودنا، وعن رسائل ربنا سبحانه وتعالى من خلال مرور جملي على كلام الله سبحانه وتعالى.

وهذا نوع من أنواع التدارس القرآني، وهو أن يمرر القارئ في رمضان وفي غير رمضان معاني القرآن الجملية على قلبه. الآن أيها الأحبه الكرام، هناك معان تفصيلية جزئية في كل آية، وحكم وأحكام وفقه وأخلاق وسلوكيات في كل آية، هذا المرور التفصيلي يحتاج إلى عمر، لكن ما نسميه أو ما نمارسه نحن الآن -ما أسميه المرور الجملي- وهو أن أعرف رسائل الله سبحانه وتعالى في القرآن على سبيل الجملة؛ ما هي أهم المواضيع؟ ما هي أهم المحاور؟ ما هي أهم الرسائل التي يريد الله سبحانه وتعالى مني أنا كمسلم أن أفهمها؟ وهذا النوع يعني أقرب وأسهل على عوام المسلمين.

المرور التفصيلي الجزئي قد يكون ثقيلاً مرهقاً، يحتاج أصلاً إلى امتلاك مجموعة من الآلات المعرفية سابقاً؛ من اللغة وأصول الفقه ونحو ذلك. لكن المرور الجملي، أنا حقيقة أحث عليه كثيراً من طلاب العلم وطالبات العلم أن يمارسوه في الحلقات القرآنية وفي المجالس العامة؛ لأنه يعين الناس عموماً على فهم الرسائل العامة في القرآن. يعني بعض الناس يقول لك: أنا لا أستطيع أن أجلس في مجالس تفسير خمس ست سنوات حتى أمر على القرآن الكريم كاملاً، وبالتالي ينبغي أن نعطي هؤلاء فرصة لفهم معاني القرآن جملة من خلال مثل هذا المرور العام على رسائل الله سبحانه وتعالى، وأنا أجده مفيداً جداً كما قلت لعموم المسلمين.

وصلنا في هذا التدارس إلى سورة سبأ، إلى الجزء الثاني، وسناتي بعد ذلك إلى سورة الأحزاب أيضاً بإذن الله. سورة سبأ أيها الكرام، اختير لها اسم سبأ لأنه رمز أي على قرية وعلى مجموعة من البشر استعلوا على الله وشعروا بالاستغناء لما رأوا الدنيا فتحت عليهم، فأهلكهم الله وقصمهم، فحتى يبقى ذكرى هؤلاء خالدة في أذهان كل من يحاول أو من تسول له نفسه الاستكبار والاستعلاء والاستغناء، سميت هذه السورة باسم هذه القرية التي أهلكها الله سبحانه وتعالى.

طيب، بدأت هذه السورة بالحمد، وهناك خمس سور في القرآن الكريم بدأت بحمد الله سبحانه وتعالى، منها سورة سبأ، وأيضاً السورة التي بعدها والتي مررنا عليها في المجلس الماضي وهي سورة فاطر: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. هنا كان المطلع: الحمد لله الذي له الملك، الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة. سبحانه وتعالى حقيقه هو له الحمد في الدنيا وله الحمد في الآخرة، لكن لماذا اقتصر هنا على الآخرة؟

قد نقول هذا يشبه ما ورد في سورة الفاتحة لما قال سبحانه وتعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مع أنه سبحانه وتعالى يملك الدنيا والآخرة وليس فقط هو مالك ليوم الدين، بل هو مالك للدنيا. قالوا: لماذا ذكر مالك يوم الدين؟ قال: لأنه في ذلك اليوم لا ينازعه أحد في الملك، ولا يستطيع أحد من جبابره الأرض أن يدعي ملكاً، فكان الملك هناك خالصاً لا منازع فيه، فلذلك ذكره وإن كان هو المالك الحقيقي للدنيا.

كذلك هنا: وله الحمد في الآخرة، مع أنه سبحانه وتعالى هو الذي يستحق كامل الحمد في الدنيا، لكننا قد نمدح كثيراً من البشر، وقد يدعي كثير من الناس استحقاقهم للحمد وأهليتهم لذلك، فتاتي هذه السورة لتقول لهم: ربما في الدنيا أنتم تظنون أنكم تستحقون الحمد وتنازعون الله سبحانه وتعالى فيه، لكن في يوم القيامة الحمد لن يكون إلا لله سبحانه وتعالى، ولن يأتي أحد لينازع الله عز وجل في صفة الحمد.

فاذا هذا يشبه إذاً ما ورد في سورة الفاتحة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قال: وله الحمد في الآخرة. إذاً هل له الحمد في الدنيا؟ بالتاكيد، لكن لظهور كمال الخلوص في الدار الآخرة اختص الحمد لله.

اعلم، ثم إذاً الآية الأولى ابتدات بالملك: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ هذا ملك، يعلم ما يلج... انتقل لصفة العلم! شوف دائماً تعرف على الله في القرآن؛ كيف يخبر الله عز وجل عن أنه مالك، ثم يخبر أنه عالم يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور.

هذا الإله الذي له كمال الملك وكمال العلم، هو قادر سبحانه وتعالى على أن يحدث الحياة الآخرة. ولعل ذكر الحياة الآخرة في أيضاً أول آية والحمد في الآخرة مناسب للموضوع العام الذي تدور عليه سورة سبأ، وهو موضوع إنكار الكافرين لوجود الدار الآخرة. هناك ما يسمى في علوم البلاغة براعة الاستهلال، وهو أن تذكر في مقدمة الخطبة أو القصيدة ما ينبئ عن الفن أو الموضوع الذي ستتكلم فيه. وهنا تشعر أن كلمة وله الحمد في الآخرة الواردة في الآية الأولى كانها تشير إلى طبيعة السياق الذي ستاتي عليه سورة سبأ، وهو الحديث عن إعراض المشركين عن الحقيقة العظمى الباهرة التي لا ينبغي أن تغيب عن ذهن إنسان، ولا ينبغي أن يتشكك فيها إنسان، وهي حقيقة وجود يوم آخر؛ الفصل الأخير من حياة الإنسان.

والإيمان باليوم الآخر هو الجزء أو جزء عظيم جداً من الإيمان بالغيب. شوفوا الإيمان بالغيب حقائقه الكبرى ثلاث التي ركز عليها القرآن بشكل عظيم: أولاً، الإيمان بوجود الله باعتباره غيباً نحن لا نشاهده؛ الإيمان بالدار الآخرة؛ الإيمان بالقضاء والقدر. هذه المحاور الثلاث: وجود الله، الدار الآخرة، القضاء والقدر، هي أعظم محاور التوحيد التي مر عليها القرآن.

طبعا وجود الله بما يستلزم وجوده واحداً أحداً فرداً صمدا مستحقاً للعبودية وحده، فليس مجرد وجود مطلق، إثبات وجود مع كمال ربوبية وألوهية. فالحديث عن وجود الله والدار الآخرة والقضاء والقدر هي أعظم ثلاثة محاور تحدث عنها القرآن، وهي أعظم ثلاثة إشكاليات في حياة كثير من البشر على هذا الكوكب، فكان لابد من الحديث عنها مراراً وتكراراً وبأساليب متعددة ومتنوعة.

لذلك أنت بالكاد تمر على سورة من سور القرآن إلا وتحدثت عن هذه المحاور، حتى إن البعض يعني لا يشعر للوهلة الأولى أن هناك نوعاً من التكرار الكثيف، ولكنه ليس تكراراً مملاً، بل هو تكرار مفيد لابد منه لازم؛ لأنك أنت تتكلم عن أكبر ثلاثة حقائق يجب أن يؤمن بها الإنسان ويعتقدها، ومشكلة وطامة كبرى أن يموت الإنسان وعنده خلل في واحدة من هذه الثلاث. هي منظومة كاملة: وجود الله رباً وإلهاً واحداً أحداً، الدار الآخرة، القضاء والقدر. أي خلل في واحدة من هذه الثلاث تعني أن الإنسان كفر، تعني أن الإنسان سيخلد في نار جهنم. فلما تكون حقائق بهذه الضخامة وبهذا الحجم، إذاً لا بد وأن يكرر الحديث عنها، وأن يؤتى بالأدلة الإقناعية البرهانية حتى ننتقل بالناس إلى الإيمان بها. وتذكر دوماً أن هذا الكتاب إنما نزل أول ما نزل على قوم يشككون وعندهم انحرافات كبيرة في هذه النقاط الثلاث.

فهنا الله سبحانه وتعالى يتكلم عن انحراف الكافرين في قضية الإيمان بالدار الآخرة، فقال سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ما في يوم آخر. فالله عز وجل يقول: قُل بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ والله لتأتينكم هذه الساعة التي تشككون فيها، ثم أخبر عما يدل على قدرة الله على الاتيان بها سبحانه: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ -لا يغيب عن، لا يجهل- مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فالله سبحانه وتعالى كمال علمه وكمال ملكه وكمال عدله يقتضي وجود الدار الآخرة، يقتضي وجود الدار الآخرة.

طيب لماذا ستاتي الدار الآخرة ولماذا لا بد من دار آخرة؟ قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. معقول! شوف هنا العدل، تكلم عن العدل، في الآية الأولى تكلم عن الملك: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. الآية الثانية والثالثة تتكلم عن العلم، وأن علم الله عز وجل يقتضي وجود الدار الآخرة. الآية الثالثة تتكلم عن العدل، وأن عدل الله يقتضي وجود دار آخرة، قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ.

يعني لا يمكن تنتهي الدنيا، خلاص يموت المظلوم ويموت الظالم ولا يقتص؟! هل معقول أن من أحسن وسار على استقامة لا يكون له ثواب وجزاء وهدايا وعطاء، وأن الكافر الذي عاش في الدنيا معانداً لاهياً عابثاً يلبي شهوات بطنه وفرجه مستكبراً، هكذا خلاص يموت وتنتهي الحكاية؟! لا يمكن، هذا ينافي عدل الله سبحانه وتعالى، فاذا كمال الملك وكمال العدل وكمال العلم كله يستلزم وجود دار آخرة.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآن الله عز وجل يخبر ما هي النقاشات التي كانت تدور في الأوساط المكية في تلك الفترة عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينبه ويحذر الكفار من الدار الآخرة: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا استهزاء وتهكماً: هَل نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟ هل نخبركم -يعني كانها فكاهة- هل نخبركم أيها الناس ترى في هناك رجل خرج عندنا يقول: إن الإنسان إذا مزقت أشلاؤه في الأرض وأصبح رميماً يمكن أن يبعث مرة أخرى؟

وحقيقة تنظر إليهم يعني لماذا تستغربون هذه القضية؟ فعلا غريب هذا الإنسان الذي يرى أنه وجد وأنشيء مع أنه كان عدماً، ويستغرب واستبعد قضية إعادة النشأة مرة أخرى! غريب! أَبْتَفَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ هذا الرجل؟ هل به جنون أم أنه يكذب على الله عز وجل متعمدا؟

فالله سبحانه وتعالى يجيب: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ أنتم ستتعذبون في الدنيا وفي الآخرة وستكونون في ضلال بعيد. إذاً المشكلة إذاً محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتعمد الكذب على الله وليس به جنون، لا هي المشكلة فيكم أنتم: بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ -يمكن نقول في العذاب يوم القيامة والضلال البعيد في الدنيا-.

طيب، الله عز وجل أراد أن ينبههم على ما هو أعظم من قضية: إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. قال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَلْأَرْضِ يعني ألا ترون ما يحيط بكم؟ ما بين أيديهم وما خلفهم يعني ما يحيط بهم من السماء والأرض. ألا يرون أن هذا أصلاً أعظم وأكبر من قضية إعادة إحيائهم مرة أخرى؟ لماذا تستنكروا إنكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم ستكونون في خلق جديد؟ أنظروا إلى السماء والأرض، أليس هذا أعظم بكثير بكثير من قضية إعادة الإحياء مرة أخرى؟!

هنا شوف التهديد الآن: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ هنا يهددهم الله إذا استمروا بهذا المنوال، بهذا التهكم، أن يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعاً من السماء تهلكهم. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.

ثم قال سبحانه وتعالى ذكر قصة داوود وسليمان، وكان فيها إشارة كما قال بعض أهل العلم إلى أن ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات وما أتى به من البيان والإرشاد ليس بدعاً من الرسل، وإكرام الله عز وجل لنبيه ليس أول إكرام في تاريخ البشرية، بل هناك الرسل التي كثيراً ما حدثكم عنها بنو إسرائيل يا كفار مكه، هناك داوود وسليمان: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسْلَنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.

كان يعني ذكر يعني هذا السؤال: لماذا ذكرت قصة داوود وسليمان هنا؟ لماذا ذكرت قصة داوود وسليمان ضمن هذا السياق؟ كما قلت، ذكر كثير من أهل العلم أن من أسباب ذكرها هنا أن كفار قريش كانوا يعرفون من هو داوود وسليمان؛ لأن أهل الكتاب كانوا يتحدثون عنهما كثيراً. فكان الله عز وجل يقول: تستهزئون بمحمد صلى الله عليه وسلم وتتقولون به جنوناً، مع أنه آتاكم بالمعجزات، محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، فقد أرلناه قبله رسلاً وأيدناهم بما هو عظيم وعظيم، وداوود وسليمان الذي يحدثكم عنهم بنو إسرائيل من النماذج هذه. يعني لماذا تصدقون بوجود داوود وسليمان وتستبعدون صدق محمد صلى الله عليه وسلم؟ أم لأن داوود وسليمان أخبركم عنهما أهل الكتاب فصدقتم بهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أنه منكم من العرب كذبتم واتهمتم؟!

طيب، هنا بعد أن ذكرت قصة داوود وسليمان وما منحهم الله سبحانه وتعالى من القدرات والمعجزات، عادت الآية للكلام أو التهديد -كما يقول، لهجة التهديد- لكفار قريش: ألا يصيبكم ما أصاب هؤلاء القوم، قوم سبأ. لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ... طبعا ديار سبأ كانت باتجاه اليمن في أرض اليمن، وكفار قريش كانت لهم رحلة في الشتاء وفي الصيف، كانوا في الصيف يذهبون إلى الشام، وفي الشتاء يذهبون إلى جهة اليمن، وبالتالي عندما يتحدث عز وجل لهم عن سبأ هم يعرفونها تماماً، بل يعرفون ما حصل بهم من التقطيع والإهلاك، لذلك حتى كان من أمثال العرب: تفرقوا أيادي سبأ. هذه سبأ مزق...

ملكهم وتشتت شملهم وتفرقوا في الأرض، وكثير من تلك القبائل التي كانت تهجرت إلى شمال الجزيرة العربية وإلى شرقها، فالعرب تعرف أو كفار قريش بالتحديد يعرفون ماذا حصل في سبأ. يقول سبحانه: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ. يا كفار قريش، عندما تذهبون إلى اليمن انظروا في مساكن سبأ لعلكم تتعظون، وهذا من أعظم العظة أنهم شيء يشاهدونه، والله يخبر أن هذا الذي حصل بهم هو بسبب عنادهم فاحذروا أن يحصل بكم ما حصل بهم.

جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ. يعني اعبدوه وحددوه، بلدة طيبة ورب غفور، بلدة أخرجت لهم الطيب من الثمار والمزروعات، فأعرضوا، هذه فأعرضوا هي الكلمة الأساسية. ماذا فعل أهل سبأ؟ أعرضوا عن شرع الله ورفضوا أن يشكروا الله بتوحيده والالتزام أمره، فأعرضوا فهان أمرهم على الله، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.

أرسل الله عليهم سيلاً دمر سبأ تماماً وذهب كل ما فيها، وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ. بدلهم الله سبحانه وتعالى بدل تلك الثمار الطيبة بدلهم أشجاراً صحراوية لا تكاد تنفعهم شيئاً، لا تظلها بظلالها ولا بالكاد يقتاتون من طعامها، لا يخرج منها شيء ذا نفع بعد أن كانت جنات من المزروعات والخضار والفواكه التي تسر الناظرين أصبحت عبارة عن ماذا؟ أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، عبارة عن أشجار صحراوية. هذه الأشجار أشجار صحراوية بالكاد تنفع لرعي البهائم والدواب، بعد أن كانوا في جنان متنوعة المطاعم، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا. إذاً إخواني، من يبدل يبدل الله عليه، هذه القاعدة، وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

من يبدل يبدل الله عليه، إذا بدلت طاعتك لله إلى معصية، إذا بدلت شكرك لله سبحانه وتعالى بدل أن تشكر جعلت الكفر على نعم الله، إذا بدلت طريق الاستقامة إلى طريق الضلال يبدل الله عز وجل عليك. وَلَكُمْ فِي سَبَإٍ آيَةٌ، فعلاً لما كانوا في بداية أمرهم على الاستقامة، بلدة طيبة ورب غفور، لما أعرضوا وجاءت أجيال أعرضت عن شرع الله وعن الهدي الله عز وجل دمرهم شر تدمير، والله وهذه كلها عبر حتى نتعظ، هذه ليست قصص هكذا نقرؤها من زمن الأولين، هذه أمور أراد الله سبحانه وتعالى أن نسمعها لنتعظ بها ونعرف أنه كل شيء الله عز وجل قادر عليه، وأنك إذا سلكت درب الضلال وانحرفت عن الاستقامة لا تظن أنك ستعجز الله سبحانه وتعالى، سيبدل الله عليك.

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا هنا قال كثير من المفسرين هي بلاد الشام. الله عز وجل يقول جعلنا بينهم، جعلنا بين سبأ وبين القرى التي باركنا فيها اللي هي بلاد الشام، كان الله عز وجل منعم على سبأ وعلى أهل اليمن في تلك الفترة، كان منعم عليهم أن بينهم وبين مدن الشام كانت هناك قرى ظاهرة، قرى في الطريق بينهم وبين الشام، قرى في جنوب بلاد الحرمين جنوب الجزيرة وفي وسط الجزيرة، إذا قافلة ذهبت من سبأ باتجاه الشام كانوا يستطيعون النزول في أثناء طريقهم على هذه القرى الظاهرة والتجارة فيها والانتفاع بما عندهم والاستراحة، فكان الله عز وجل قد ذلل لهم الطرق والسبل. فالخير ليس فقط في أرضهم بل كانوا يستطيعون الوصول إلى الأرض التي بارك الله فيها وهي أرض الشام وأخذ خيراتها والعودة بها، ولم تكن الطريق صعبة بين اليمن والشام، مصداقاً لهذه الآية جعلنا بين سبأ وبين قرى الشام إيش جعل الله؟ قرى ظاهرة. قال العلماء أي قرى بارزة في طريقهم يستطيعون أن يستريحوا فيها ويتفيؤوا بل يتاجروا وينتفعوا، يعني كانت الأمور سهلة، التجارة ميسرة باختصار، والرزق في بلدهم ميسر.

وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ. يعني السير بين سبأ وبين الشام خلال هذه القرى كان الله عز وجل قدره وسهله، فلم يكن سيراً طويلاً متعباً مجحفاً بهم، سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ. وأمان، إيش بدك أفضل من كذا؟ الله عز وجل جعل الطريق من سبأ إلى بلاد الشام كلها أمان، فيها قرى ظاهرة تأوون إليها، الطريق سهل ميسر لا يوجد فيه تعب، أي الأمان، ولا يوجد قطاع طرق، لا يوجد لصوص تخشون على تجاراتكم. كل هذه النعم كان الأصل أن يقابلها أهل سبأ بالشكر والخضوع لله، وهذه فكرة عامة ينبه الله عز وجل عليها الإنسان، إذا أحدث الله لك نعمة أيها الإنسان عليك أن تحدث له طاعة وعبودية وشكراً. هذا شيء يريده الله عز وجل منا، انظروا في قصة سبأ، إذا أحدث الله عليك نعمة أحدث له طاعة وشكراً وإياك أن تحدث حدث كفراً ومعصية. إن أسوأ العبيد، أسوأ أنواع البشر هم الذين يستعملون ما أنعم الله عز وجل به عليهم في معصية الله سبحانه وتعالى والتمرد عليهم، هذه حقيقة كبرى يفهمنا إياها القرآن.

كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، إذا أنعمت عليك أيها الإنسان بشيء إياك ثم إياك أنك تستعمل هذه النعمة في معصيتي، أنعمت عليك بالبصر إياك تستعمله في النظر إلى الحرام، أنعمت عليك بالأذن إياك تستعمله في سماع الحرام، إذا أنعم الله على الفتاة بالجمال إياك أن تتبرجي وتخرجي وتبرزي فتنتك لتفتني الناس. النعم تقابل بالشكر، النعم تقابل بالطاعة، النعم تقابل بالعبودية لله، احذر أن تقابل نعم الله بمعصيته. طيب، طبعاً هم هؤلاء، انظروا كيف عندهم نوع فعلاً من الاستكبار والاستغناء الذي يحصل مع كثير من البشر، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا.

شوف، بدلاً من أن يقابلوا نعمة أن الله سهل لكم الطريق إلى الشام وجعل الطريق آمناً وميسراً، بدلاً من أن يقابلوه بالشكر، لا، شعروا بماذا؟ بالاستغناء، أنه نحن قادرون أن نقطع الطريق إلى الشام حتى ولو لم تكن هناك قرى ظاهرة بيننا وبينهم، حتى ولو كانت الطرق صعبة والمسافات بعيدة، نحن أهل سبأ أهل السفر أهل القوة أهل الحكمة أهل الحنكة، لا شيء يعجزنا. شوف كيف الإنسان الخسيس الذي لا يشكر نعمة الله سبحانه، بل يا رب صعبها، حتى لو صعبت نحن أهل سبأ سنقطع هذه الفيافي والقفار ونصل إلى الشام لنأخذ بغيتنا ونعود، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا. غريب، بدلاً من أن يسألوا الله دوام النعمة ودوام الخير سألوه ماذا؟ لاحظ ماذا سألوه، سألوه أن يباعد بينهم وبين الشام. طب لماذا؟ شعوراً أنهم قادرون على كل شيء لا شيء يعجزنا، نحن نستطيع أن نفعل، كأنهم يقولون لا أحد يمن علينا بشيء فعندنا من القدرات والجلد ما نستطيع أن نقطع أي أرض ونصل إلى بغيتنا.

فالله عز وجل ماذا فعل بهم لما أظهروا هذا الاستغناء والاستكبار عن نعم الله؟ قال: وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ، فعلاً والله ظلموا أنفسهم. لما تدعو على الطريقة ولما تتعامل مع ربنا بهذه الطريقة ترى أنت لن تضر الله شيئاً، أنت تضر نفسك بهذا النفس الذي تبديه، قال: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ. إيش يعني فجعلناهم أحاديث؟ هذا باللغة العامية يعني أقف أقول لك ضربته أو عاقبته عقوبة خليت كل الدنيا تحكي فيها، مش هيك؟ نحن بنقول باللغة العامية فلان أدبته تأديباً وأنزلت به عذاباً، أصبح قصة، قصة تقال في الأرجاء. فالله عز وجل يخبرون أنه دمرهم تدميراً بحيث أصبحت قصة سبأ وما حل بهم من العذاب أحاديث على ألسنة الناس يتداولونها في الجزيرة العربية كاملة، انظروا ماذا حدث بهم، كيف أن الله عز وجل أهلكهم شر مهلك، جعلهم الله قصة على ألسنة الناس، قال: وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.

شوف عبارة مزقناهم ممزق، كل قبائل سبأ لذلك كثير من أهل اليمن أصلاً هم تحولوا إلى قبائل في شمال الجزيرة العربية كقبيلة كندة وما حولها، كذلك قبائل في شرق الجزيرة العربية كالأزد وغيره، حتى الأوس والخزرج هم ماذا كانوا؟ الأوس والخزرج كانوا هم سلالة من قبائل اليمن، اليمن تدمرت سبأ وما حوله دمرها الله ومزقها كل ممزق لما ظهر منهم هذا النوع من الكفر والعصيان. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، المصابر على طريق الثبات والشاكر لله على نعمه لما يسمع هذه القصص يزداد ثباتاً وصبراً ويزداد شكراً لله، يعني فعلاً سماعك هذه القصة يجعلك تزداد صبراً ومرابطة على طريق الطاعة وتزداد شكراً لله خوفاً من أن يحصل بك ما حصل بهؤلاء الذين كفروا النعم. الله عز وجل يقول يعني سبأ هو نمط من أنماط البشر عبر التاريخ الذين استطاع إبليس أن يغرهم وأن يخدعهم وأن يجرهم إلى صفه، فقال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ. إبليس لما قال لله سبحانه وتعالى في بداية الخلق بعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، كل من استطاع إبليس فقد صدق عليهم إبليس ظنه، ما المراد بالظن هنا لما أقسم على الله أو بالله أنه سيحرف البشرية والله عز وجل أذن له حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، هنا كل من اتبع إبليس فقد أصبح من جنده، فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين هم دائماً في كل زمان وفي كل مكان تبقى هناك فريق طائفة ثلة قليلة من أهل الإيمان تثبت على مراد الله سبحانه وتعالى، وأكثر البشرية للأسف يصدق عليهم إبليس ظنه.

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ. يعني إبليس ليس هو صاحب الأمر، إنما الله عز وجل هو الذي سلط إبليس لينظر سبحانه وتعالى في حال البشرية، ها ركز، إبليس لا يفعل شيئاً بدون إذن الله، إنما إبليس إنما أذن له وقدر الله عز وجل وجوده في هذا الكون ليبلوكم ليبلوكم ولنبلوا أخباركم ولنعرف من سيتبع شرع الله وآيات الله ومن سيتبع إبليس ووساوس إبليس. إذاً وما كان له عليهم من سلطان، ليس إبليس فعلياً متصرفاً بدون إذن الله، لكن لماذا إذاً يا رب جعلت إبليس يتصرف في هذا الكون أو لماذا جعلته يعني يوسوس ويستطيع الإغواء؟ قال إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ، رجع لموضوع الدار الآخرة، لأنه كما قلت مناقشة المشركين في وجود الدار الآخرة هو المحور الأساس لسورة سبأ، فقال سبحانه جعلنا إبليس أو أذناً لإبليس أن يوسوس لنعرف عرف هؤلاء الذين سيستمرون بإنكارهم للدار الآخرة ويستهزئون ويتهكمون ويعترضون على أسس التوحيد والعقيدة وأولئك الذين هم يؤمنون بها، وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ، ربنا عز وجل يحفظ كل شيء ويسجل كل شيء.

أي هنا في آية يعني سأنتقل لآية 26، قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ. يعني يقضي بيننا بالحق، قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم متى هذا الوعد متى سيأتي اليوم الآخر الذي توعدنا به وتخوفنا به، فيقول قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ. الله عز وجل يأخذنا إلى مشهد هؤلاء كيف سيكونون في الدار الآخرة، يَرْجِعُ بَعْضُهُم إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. دائماً الكفار هم أقسام، هناك أسياد وهناك أتباع للكفار، الكفار هناك سادة وأتباع، سادة رؤوس الكفر ومرَدة الكفر وأتباع من الجنود ساروا على خطى أسيادهم. هؤلاء الجنود المستضعفون سيقولون لأسيادهم المستكبرين لولا أنتم لكنا مؤمنين، أنتم أيها الأسياد أنتم الذين أفسدتم علينا إيماننا، فالذين استكبروا هنا الله عز وجل يخبرك ماذا سيقول المردة لجنودهم: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ. نعم، وهذه مرت معنا أيضاً في سور سابقة أنه لما يأتي المستضعف الجندي اللي يقول لرب العالمين يا رب سيدي هو الذي أطغاني هو الذي حرفني، سيده هو راح يرد عليه، شوف مش رب العالمين، هنا لا هنا نفس سيده كما مر معنا في سورة الصافات، في سورة الصافات بتتذكروا المجلس الماضي أو قبل الماضي لما قال المستضعفون للمستكبرين في آية 28 قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ، المستضعفون قالوا لأسيادهم أنتم كنتم تيجونا بالغصب تخلونا نكفر ونتبعكم وننفذ أوامركم ونخون الأمة الإسلامية، فأسيادهم يعني مش محتاج يقولون لهم بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ، لا، أنت أصلاً كنت فاسد مشان هيك اتبعتنا، لا تيجي تحكي أمام رب العالمين أنه والله يا رب سيدي هو اللي ضيعني، لا لا، هو أنت كنت فاسد وأحببت الفساد فلما نحن أغرينا هناك أنت مشيت معنا فلا تقعد يعني يوم القيامة تحكي والله لولا أنتم لكنا مؤمنين.

قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم يعني هسة صارت المشكلة فينا، ماشي نحن قلنا لكم لا تتبعوا الإسلام ولا الهدي ولا تكونوا من أولياء الله ولا في جند الله بس أنت في النهاية أنت اللي اتخذت قرارك، ما حدا ضربك أنك تكون في صفي، ما حدا ضرب على إيدك أنك تكون في صفي، بَل كُنتُم مُّجْرِمِينَ، هي النفسية الإجرامية في دمك، أنت شخص فاسد القلب أصلاً فاتبعتني، وليس أنا فرضت على قلبك، القلب ما أحد يسيطر عليه إلا الله، لو أنك أكرهت على الكفر فنطقت به في لسانك وقلبك مطمئن بالإيمان ترى الله عز وجل يعذرك، لكن لا، هو أنت قلبك أصلاً كان كافر، أنت قلبك كان مجرم، أنت أحببت الفساد فاتبعت الفاسدين والمجرمين.

وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، ما زالوا يعني يصرخ بعضهم على بعض، بَل مَّكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ.

تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. وأسروا الندامة، أسروا هنا بمعنى أظهروا، وأظهروا الندامة لما رأوا العذاب. هنا انتهى المشهد، يعني المستضعفون مع المستكبرين مهما تجادلتم ما دمتم أصحاب قلوب فاسدة، كونك كنت تابع أو متبوع هذا لن ينفع شيء، كلكم ستحشرون مع بعضكم في نار جهنم.

طيب، ثم الله عز وجل يخبر عن يعني وكان فيه تعريف للنبي عليه الصلاة والسلام بأن الذي يحصل معك حصل في أمم سابقة يا محمد صلى الله عليه وسلم: مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا وَأَكَابَرُ مُجْرِمِيهَا لِلرُّسُلِ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا. نرجع لفكرة الاستغناء، لما يعطى الإنسان، للأسف كثير من الناس بمجرد أن ينعم الله عز وجل عليه ويفتح الله عليه يبدأ يشعر بالإغناء والاستكبار وأنه لا ينقاد لشرع الله، بدلاً من أن تحدث له هذه النعم خضوعاً وانقياداً أحدثت له عناداً واستكباراً، فأصبح يقول: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، والله لو في دار أخيرة لن نكون في جهنم بل سنكون في الجنة. وهذا الحوار كثيراً ما مر في سورة الكهف ومر في سورة فصلت، معنى شعور الكافر بأنه مستحق، صاحب أحقية أن ينعم عليه في الدنيا وفي الآخرة كان في دار آخرة هكذا يفكر.

فالله يقول لهم: ترى انتبهوا القضية، أنا ما أنعمت عليكم هكذا يعني حتى تستعملوا هذه النعم بالاستكبار والعناد، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ. يعني اليوم أنتم يا أيها الكفار، أيها المترفون، الرزق واسع عليكم، بس في يوم من الأيام ربنا عز وجل يقدر يضيق الرزق عليكم، انتبهوا، دوام الحال من المحال، والحالة اللي أنتم فيها لا تظن أنها حالة دائمة، الله هو الذي يبسط الرزق وهو الذي يضيقه، بس أكثر الناس لا يعلم، فيظن أنه إذا توسع عليه رزقه هذا بشطارته وفهمه وعقله، وإذا ضيق علي والله هذا فقط يعني إخفاق، يلا خليني أحاول مرة أخرى بجهدي وذكائي، ولا يعرف أن الله هو الذي يبسط وهو الذي يضيق. وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم، يعني أموالك وأولادك ووزارتك ومنصبك وفخامتك وسعادتك هذا كله لا يفيدك عند الله شيئاً، التقرب عند الله بالإيمان والعمل الصالح، فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا. يضاعف لهم الثواب، وأما الذين كانوا يستهزئون ويتهكمون ويجادلون في آيات الله، أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ.

مرة أخرى الله ينبه على قضية الرزق، إياك أن تظن أنك أيها الإنسان مستحق، الله يبسط ويقدر، يعني يبسط ويضيق، والحياة تتقلب بالإنسان، الحياة متقلبة، الحياة لا تسير على منوال واحد، هذه من الرسائل التي يجب أن يفهمها الإنسان في حياته، هذه من رسائل الله عز وجل للإنسان، الحياة لا تبقى على منوال واحد. وإذا وسع الله عز وجل عليك في يوم فضيق في يوم آخر، اليوم بتكون في سعة وبكرة بتصير في مصيبة، فدائماً اعبد الله، اشكر الله على النعم، لا تفعلوا كما فعل سبأ، سبأ لما وسع الله عليهم قال لهم اشكروا له، فماذا قابلوا هذه النعم بالكفر؟ فالله عز وجل مش ضيق عليهم الرزق، دمرهم أو مزقهم شر ممزق.

طيب، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ. هناك طائفة، الله عز وجل سيخاطب الملائكة يوم القيامة: هل هؤلاء كانوا يعبدونكم حقاً؟ هل أنتم أمرتم الناس أن يعبدوكم؟ فالملائكة ستقول: لا يا رب، نحن لم نأمر أحداً أن يعبدنا، وإنما هؤلاء كانوا يتبعون وساوس شياطين الجن، هم عبدوا الجن لما ماذا؟ لما اتبعوا وساوسهم. مش قال إبراهيم لأبيه: يا أبتِ لا تعبد الشيطان؟ هو لم يسجد للشيطان، لم يكن يعبد الشيطان بمعنى يعبده ويسجد له، لكن اتباعه لوساوس الشيطان هي عبادة له، فهؤلاء يا رب كانوا يعبدون الجن، كانوا يتبعون وساوس الشياطين. وبعضهم، وقيل إن بعض العرب فعلاً كان يعبد الجن كعبادة، يتقرب إليهم، يخدمهم، يسمع أمرهم، وفعلاً قيل إنه كان بعضهم يعبد الجن كعبادة.

المهم الله عز وجل ماذا سيقول يوم القيامة: فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ. أنتم كنتم تقولوا إيش؟ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، مش هيك في أول السورة؟ يلا الآن ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.

طيب، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ. يعني مشكلة الكفار أنه كان النبي عليه الصلاة والسلام يتلو عليهم هذه الآيات اللي بتخوف من الدار الآخرة وتنبه، فماذا كانوا دائماً يقولون بينهم في مجالسهم: مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ. يعني محمد صلى الله عليه وسلم رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، هذه إخواني قضية ينبه عليها القرآن كثير، أن أكثر الكفار هم حبيسو العادات والتقاليد اللي نشأوا عليها، احذر أيها الإنسان أنك تجعل عادات آبائك وأجدادك تمنعك من اتباع الحق، ممكن يكون أبوك على ضلال، ممكن يكون جدك على ضلال، لم يكن على سنة ولا على استقامة أو كان عنده انحرافات، إياك إياك إياك أنك تجعل معيار الحق "إنا وجدنا آباءنا على أمة".

احذر، ترى كثير حتى اليوم من الناس الملتزمة أو المتدينة بتمارس ممارسات خاطئة، وإذا سألته لماذا تفعلها؟ والله هيك تعودنا في بلدنا، والله هيك علمني أبوي، احذر، وأذكر أنني ذكرت لكم كلام ابن القيم أن أكثر ما يفسد الناس ويمنعهم من الوصول إلى الحق تمسكهم بالعادات والمألوفات، تجده نشأ على عادة خاطئة أو ألف شيئاً خاطئاً، وبالتالي يستعظم أن يتبع الحق، حتى اليوم أصحاب الفرق البدعية، عندما لا يكون الإنسان على منهج أهل السنة والجماعة، يكون نشأ في طرائق صوفية أو على طرق المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، سبحان الله هؤلاء يعني لماذا أكثرهم لا يعود أو قل أن تجد أحدهم يعود إلى السنة ويتمسك بطريق أهل السنة والجماعة؟ دائماً حجتهم: والله مشايخنا علمونا هيك، من أنتم حتى تقولوا خلاف مشايخنا؟ "إنا وجدنا مشايخنا على أمة"، وجدنا آباءنا على طرق التصوف أو على طريقة المتكلمين، والله لا نبرح ولا نترك.

وهذه مشكلة في الإنسان الله عز وجل ينبه عليها، ترى الكفار، أبو طالب تعرف أبو طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام، أبو طالب الذي نصر النبي صلى الله عليه وسلم سنوات طويلة ودافع عنه، مشكلته التي أورثته النار والعياذ بالله أنه خشي أن يترك دين آبائه وأجداده، خشي أن يترك دين آبائه وأجداده فأورثه ذلك النار والعياذ بالله. شوف خطأ أبو طالب، أنت ليش متمسك بالعادات؟ إذا كانت عادات آبائك وأجدادك خطأ اتركها، الحق حق أن يتبع، فالإنسان يجب دائماً يوطن نفسه على قبول الحق حتى ولو كان الحق عند مخالفيه، حتى ولو كان الحق عند خصمك، اعترف أنك كنت على باطل أو على خطأ إذا ظهر لك الحق، وإياك أن تبقى متمسكاً بما وجدت عليه آباءك وأجدادك إذا ثبت عدم وجود الدليل والبرهان عليه.

طيب، فالله عز وجل يقول: وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ. هؤلاء هم اللي عم تمسكوا فيهم آباؤكم يا كفار قريش، ما كان عندهم كتب إلهية، كل تصرفاتهم وعبادتهم عن الهوى، ولم يكن فيهم رسل وأنبياء، آباؤكم كانوا في فترة وفي حيرة ولم يكن هناك رسل يرشدونهم، أنتم الآن بين أيديكم كتاب من الله منزل، وبين أيديكم رسول يوحى إليه من السماء، لا تضلكم تقولوا آباؤنا وأجدادنا. "وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير". يا كفار قريش ترى الذين من قبلكم عاد وثمود وأنتم ترى قراهم، وحتى سبأ، كل هذه عندهم والله من العلوم الدنيوية والمعارف أضعاف أضعاف ما عندكم يا كفار قريش، "وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ"، كثير ما الله عز وجل كان يقول لكفار قريش، الأمم اللي أهلكتها قبلكم كانوا ترى أكثر علوم ومعارف منكم، وأكثر قوة، وأكثر جسامة، وأكثر بطش في الأرض، وكل هذا لم ينفعهم، لم ينفعهم شيء لما كذبوا رسلي، "فَكَيْفَ كَانَ نَكِير"، يعني شو سويت فيهم؟ انظروا إلى قراهم، أنتم بتشوفوها في جزيرة العرب.

ثم بدأ الختام: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ. يعني بدنا ننصحكم يا كفار بنصيحة: أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ، أنكم تجلسوا هيك اثنين تتحاوروا مع بعضكم في أمر هذا الدين، أو أنك ما في حدا تحاوره يا أخي اجلس وحدك فرادى وتفكر فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، "مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ". كأنه هذا جواب عما كان في الصفحة الثانية لما قالوا: أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ، هنا في هذه الصفحة الأخيرة الله يقول لهم: لو تفكرت شوي لعرفتوا أن هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم ما به جنة، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. هذا رجل أتى لينذركم قبل أن ينزل العذاب الشديد بكم كما نزل بسبأ وكما نزل بالأمم الماضية.

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ. أنا يعني لا تظنوا أنني آتي لأطلب منكم أجراً ولا مرتباً شهرياً على أنني أدعوكم، أنا داعٍ إلى الله، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ. يعني جاء الحق وسيبقى شامخاً رافعاً، والباطل سينهار أمام قوة الحق وأدلة الحق.

قُلْ إِن ضَلَلْتُ. شوف كيف هذه جملة عامة في حياة الإنسان: قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. احفظوا هذه القاعدة أيها الإخوة والأخوات: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. الهداية والنور والتبصرة في هذه الحياة لا تكون إلا من الوحي الإلهي، لا تكون بآراء الرجال ولا بما تنبته الأفكار، وإنما الهداية والنور والاستبصار بما يوحي إلينا الله، وهذا يدل على أهمية التمسك بالكتاب والسنة، وأهمية التدبر للكتاب والسنة، وأهمية الرجوع إليها دوماً في استخلاص قواعد الحياة. وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي، ضلالي من عندي، من أفكاري، من وساوسي، من خروجي عن النص، وأما الهداية بالتمسك بالنص فبما يوحي إلي ربي.

ثم قال: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ. يعني يوم القيامة لما ربنا يبعثهم ويصابوا بالفزع ويحاول يهرب وهذا يهرب من هون وهذا يهرب من هون، فلا فوت، ما حدا رح يفوت، وما حدا رح يستطيع أن يهرب من يوم القيامة، وأخذوا من مكان قريب، كلهم الآن أصبحوا هكذا في مكان واحد يحشرهم الله سبحانه وتعالى حشراً، فهم قريبون جداً. وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ، لما شافوا يوم القيامة شو صار يحكوا: آمنا بيوم القيامة، وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ. التناوش هو التناول، يعني من وين بدكم تجيبوا الإيمان الآن؟ خلص راحت، الآن عندما رأيتم يوم القيامة أمام أعينكم ستقولون آمنا به؟ لا راحت هذه، أي من أين أو كيف لهم أن يتناولوا الإيمان وقد أصبحوا في مكان بعيد؟

إيش يعني مكان بعيد؟ الإيمان النافع أين يكون أيها الكرام؟ الإيمان النافع هو في الدنيا، هذا اللي بينفعك يوم القيامة، أما لما ترى العذاب أمام عينيك يوم القيامة تقول يا رب العالمين خلص يا رب آمنت، لا، عقيدة الإسلام هي تقوم على الإيمان بالغيب، الله عز وجل كان يريد منك أيها الإنسان أن تؤمن باليوم الآخر عندما كان غيباً، ولما جاءك هذا القرآن وقرأته مرات ومرات والله عز وجل في عشرات السور يعيد ذكر اليوم الآخر بمراحله وأشكاله ومواقفه وعرصاته ويحذر من هناك، كان بينفعك الإيمان لما تقرأ القرآن في الدنيا وتؤمن باليوم الآخر، لكن لما يجي يوم القيامة وتشوفه حقاً أمامك تيجي تقول آمنا؟ آمنت به من وين لك أن تتناول الإيمان وأنت من مكان بعيد؟ مكان بعيد عن تناول الإيمان، لأنه الدار الآخرة ليست مكاناً لتناول الإيمان، الإيمان في الدنيا، أصبحت الآن بعيداً عن الدنيا، الإيمان النافع في الدنيا، أنت لما بعثت إلى يوم القيامة خلص أصبحت بعيد عن الدنيا، مفكر أنك الآن رح تروح تجيب إيمان من الدنيا وترجع؟ هيك بتشعر معنى الآية، يعني بدك تروح تجيب إيمان من الدنيا وترجع؟ الآن لا، صارت الدنيا بعيدة بعيدة بعيدة عنك، انتهى كل شيء، أنت الآن أمام الحقيقة العظمى، وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ، كنت كافر به في الدنيا، وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، الآن هم كانوا يشتهوا الإيمان، بيشتهوا أن ربنا يتقبل إيمانهم، حيل بينهم وبين ما يشتهون، خلاص يعني لما تبعث يوم القيامة ما تستطيع أن تفعله، ذَاكُ يَوْمُ جَزَاءٍ وَحِسَابٍ، إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ.

طيب، دعوني أنتقل إلى سورة الأحزاب بعد أن انتهينا من سورة سبأ وقضية معالجتها للدار الآخرة، وشوف كيف المعالجة يعني سلسة عذبة، أحياناً بجيب لك مشاهد في الدار الآخرة لما يتحاور الضعفاء مع الجبابرة، مشاهد هم يصدوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، إشكالياتهم في التمسك بدين الآباء والأجداد، معالجات جميلة ومتعددة ومتنوعة لطبائع حجج الكافرين وكيف كانت مشاعرهم وأحاسيسهم وكلامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

طبعاً، الدراسة التفصيلية هي التي ستجعلك تشعر بالجمالية أكثر وأكثر، لكن نحن كما قلت نريد أن نفهم الرسائل الجمالية. سورة الأحزاب هي سورة في أكثرها تجدها تعظيماً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولحقه على أمته. حقيقة سورة الأحزاب، وإن كان اسم الأحزاب يطرق في الذهن أنه حديث عن المعركة العظمى، لكن أنت ستلاحظ أن أكثر السورة هو تعظيم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وجنابه وحقه على أمته. السورة بدأت باسمه بالنبوة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ. طبعاً السورة بدأت بوضع منهجية لكل داعية إلى الله: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا. قاعدة عامة لكل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، يا أيها الإنسان، نعم الخطاب للنبي لكنه لأمته عموماً. أحذروا أن تطيعوا الكافرين والمنافقين، أحذروا أن تركنوا إليهم، أحذروا أن تسمعوا منهم، أحذروا أن تجعلوهم يبدلوا شريعتكم ويبدلوا أحكام ربكم. لا تطع الكافرين والمنافقين، واتبع ما يوحى إليك من ربك.

قبل شوي في سورة سبأ: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، وهنا في سورة الأحزاب تأكيد على الفكرة: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ. أيها الإنسان، لا تتبع عقول الرجال ولا ما تبتدعه العقول من أحكام وضعية ومن أمور مخالفة عن الأمور المرعية في شرع الله سبحانه وتعالى. اتبع الكتاب والسنة، هذه نهجك، هذه بوصلتك، هذه نجاتك، هذه سعادتك، ولا تطع الكافرين ولا المنافقين أذناب الكافرين في كل زمان ومكان. طيب يا رب، إذا خفت، يا رب أنا بدي أتبع الوحي وبدي أتبع الكتاب والسنة لكن الكفار والمنافقين يحدقون بي؟ فيأتيك الآية العظمى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا. تمسك، تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، تصلح عقائد الناس ولا تخشى من الكافرين والمنافقين، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. طبعاً تلاحظ أن هذه الأحكام أو هذه الأوامر جاءت في بداية هذه السورة للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام طلب منه أن يعدل كثيراً من الأحكام التي كان يألفها العرب في الجاهلية، مثل قضية التبني التي حرمها الإسلام في هذه السورة، ومثل قضية الظهار الذي حرمه الإسلام في هذه السورة. وهذه أمور كان الكفرة في الجاهلية يعتادونها، أنه الواحد يتبنى أي يتيم وينسب إلى الذي تبناه، وكانوا كثيراً ما يظاهرون من نسائهم ويعتبرون الظهار طلاقاً. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم مطلوباً منه أن يغير كثيراً من تصرفات الجاهليين، كأنه أمر أن يكون قلبه قوياً وهو يأمر الناس بتغيير هذه العادات السيئة التي لا ترضي الله سبحانه.

فالله عز وجل هنا قال: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. شوف هي الآية كم هي عظيمة، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. كل واحد فيكم أيها البشر، عندك قلب واحد، يسعى لشيء واحد؛ إما لشرع الله وإما للهوى. أنت ما عندك قلبين، قلب تضع فيه الشريعة وقلب تضع فيه الشهوات والرغبات والأهواء، هو قلب واحد ووعاء واحد، إما أن تملأه بالوحي واتباع الشرع، وإما أن تملأه بالهوى واتباع الأذواق والشهوات والملذات. ما في قلبين، ما في طريقين، ما في سبيلين أنك ممكن أحياناً تشغل هذا القلب وأحياناً تشغل هذا القلب، هو مسار واحد سيتخذه قلبك في هذه الحياة؛ إما أن يكون متبعاً لما سيوحى إليه من ربه، وإما أن يكون مطيعاً للكافرين والمنافقين وما يأمرونه به، بين أمرين لا ثالث لهما، يا هذا يا هذا، لذلك هو قلب واحد. الآن بدأ التعديل لبعض الأحكام اللي كانت سائدة عندهم في الجاهلية: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ، الظهار حرام، وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، التبني حرام، ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ، التبني والظهار هذا الشيء أنتم تقولونه بأفواهكم لكنه باطل، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ، سوا الطفل اليتيم حتى لو أنت رعيته وكفلته أو حتى الطفل اللقيط إذا أنت رعيته وكفلته، يدعى لأبيه إذا عرف أبوه، لا تدعوه إلك. وهذه كانت قصة زيد بن حارثة لما كان ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه الصلاة والسلام تبناه وكان يدعى زيد بن محمد، فمن هنا الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم امنع كل هذه التصرفات وينسب الولد إلى أبيه، فأصبح ينادى زيد بن حارثة.

ثم الله عز وجل أخبر أنه ما أخطأتم من هذه الأخطاء سواء في الجاهلية ولم يكن على سبيل القصد فالله عز وجل يغفره، ولكن من الذي يأثم بعد نزول هذه الآيات في التبني وفي الظهار وما شابه ذلك؟ الذي يتعمد هذه الأمور بعد أن عرف أن الله سبحانه وتعالى نهى عنها، وهذه قاعدة عامة، كل من بلغه شرع الله في أمر من الأمور فتعمد مخالفته هو الذي يأثم. لذلك قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ، من الذي يأثم عند الله سبحانه؟ الإثم هو الذي بلغه النهي فتعمد مخالفته، هذا هو الإثم. أما الذي يفعل الشيء الذي نهى الله عنه لأنه لم يبلغه التحريم فعذر بجهله، أو بلغه التحريم لكن فعله على سبيل الخطأ والغفلة والنسيان، فرحمة الله سبحانه وتعالى بنا أنه لا يؤاخذنا على ما نسينا أو أخطأنا، ولكن يؤاخذنا على ما تعمدت قلوبنا. هنا كان هناك تعليل خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، لماذا لا يصلح أنه أحد من الصحابة ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد، يعني لماذا زيد بن حارثة لا يصلح أن ينادى زيد بن محمد؟

قال سبحانه وتعالى: النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ. بتشعر كأنه الآية بتقول ما بينفع واحد من الصحابة هو الذي ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو بمثابة أب للجميع؛ أب في الدعوة والتعليم والإرشاد وليس أب لشخص واحد منكم أيها الصحابة، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، هو كأنه والد لكم جميعاً. طبعاً هنا والد المعلم المؤدب المربي، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم هم بمنزلة أمهات لجميع الصحابة، فكان هذا فيه زيادة مزية. لماذا لا يصلح للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتبنى بالتحديد؟ أنه هو أب للجميع وأزواجه أمهات للجميع فلا معنى لاختصاص واحد دون الآخر، قال: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ. خلص، الابن ينسب لأبيه والأرحام هم الذين يتوارثون ويكون بينهم ما يكون من صلة الرحم والنسب، كان الله عز وجل يريد أن يعيد الأمور إلى نصابها حتى لا تختلط الأنساب ولا تختلط الأوراق. خلص، الأرحام بينهم عصبة وفرض وهم الذين يتوارثون، وأما العلاقة بين المسلمين فهي علاقة الأخوة في الله.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ، هنا كان الله عز وجل يؤكد مرة أخرى: يا محمد صلى الله عليه وسلم نحن أخذنا منك الميثاق كما أخذنا من النبيين السابقين أن يبلغوا شرع الله ولا يخشون في الله لومة لائم. وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ، أي أخذنا عليهم الميثاق بأن يبلغوا شريعة الله مهما كان الثمن. أخذ الله عز وجل هذا الميثاق منك يا محمد صلى الله عليه وسلم ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وغيرهم من الأنبياء، لكن ذكر هؤلاء باعتبار كما ذكر كثير من أهل العلم أنهم أولو العزم، لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا. جاءت قصة الأحزاب بعد ذلك في هذا السياق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا. يعني ربما البعض يتساءل يعني ما سياق قصة الأحزاب هنا مع أنه بعد قليل سيعود الكلام عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومراعاة الله له وتحذير زوجاته من التطاول عليه وما شابه ذلك؟ لماذا بين كل هذه المقامات، مقام تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، ذكرت قصة الأحزاب؟ حقيقة وما ذكره البقاعي في نظم الدرر، أن قد يكون مناسب ذكر قصة الأحزاب في هذا السياق بالتحديد لما الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين في مطلع السورة: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا. أراد أن يعطيهم نموذج من نماذج التوكل على الله كيف يكون مؤدياً إلى الظفر والنصر.

من أعظم نماذج التوكل على الله الحقيقي وكيف يؤدي إلى الظفر والنصر ما حصل مع الصحابة في غزوة الأحزاب، لما أحاط بهم الكفار من جميع الجهات وخانهم يهود بني قريظة من الخلف، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. من الذي نجاهم ونصرهم وضحض عدوهم بل وجعل الصحابة يفتكون ببني قريظة وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؟ الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل يعطيهم نموذج من نماذج التوكل، كيف أنكم لما أطعتم الله ولم تطيعوا الكافرين والمنافقين وتوكلتم على الله حق توكله، مع أن الأحزاب جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون، ومع ما كان في هذا المشهد طبعاً من بلاء للمؤمنين وتمايز للصف. هون القرآن سيتكلم عن ثنايا غزوة الأحزاب بتفاصيلها، لكن عموماً سياقها في هذا المكان تشعر أنه يخبرك هذا نموذج من نماذج التوكل، كيف أن التوكل على الله عاقبته خير، وأن الله سبحانه وتعالى يفضح الكافرين والمنافقين ويفرق جمعهم. أنتم بس توكلوا على الله واتبعوا ما أوحي إليكم من ربكم ولا تطيعوا الكافرين والمنافقين، وانتظروا بعد ذلك العطاء الإلهي، انتظروا بعد ذلك التثبيت الإلهي. والله لو أحدقت الدنيا واجتمع الكفر وتداعوا على هذه الأمة، التوكل على الله سينجينا من كل هذه الظلمات وسيخرجنا منتصرين كما خرج الصحابة من أصعب الغزوات، غزوة الأحزاب خرجوا منتصرين، هذه نتيجة التوكل.

مع أن السورة طبعاً تكلمت بتفاصيل صفحتين ونصف تقريباً عن هذه الحالة، لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ. شوف كلمة وكفى هنا، بالله عليكم، لا تجدوها متناسبة مع وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا في الآية ثلاث في سورة الأحزاب؟ تعال على آية 25 في سورة الأحزاب: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ. إذا صدق الله وعده، كفيتكم القتال، كفى بالله وكيلا. من الذي توكل لكم بقتال الأحزاب وتفريق جمعهم؟ أنتم لم تكونوا تستطيعون ذلك، لكن من الذي قلب خيامهم وقدورهم ودب الرعب فيها وجعلهم يعودون؟ الله هو الذي كفاك ذلك بدون قتال منكم للأحزاب. إذاً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم، أي عاونوا المشركين من اليهود، مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وحصلتم شيء لم تكونوا تظنون أنكم تحصلونه، وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا. هنا انتهى هذا المشهد من مشاهد التوكل وعاد الأمر لبيان حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وحرمة جنابه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال الله له: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا.

الآن النبي عليه الصلاة والسلام كان أزواجه أحياناً يلححن عليه ببعض أمور الدنيا، فالنبي صلى الله عليه وسلم الله عز وجل يطيب خاطره، ويمنع حتى أزواجه وهن الطاهرات العفيفات من أذية مشاعره، فما بالك بمن هم أبعد من زوجاته؟ الله يقول لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يا النبي يقول لأزواجه: إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، بدكم الأموال وبدكم الثياب والزينة والنبي صلى الله عليه وسلم يسافر فيكم ويرجع فيكم والحياة المرفهة، تعالوا نطلقكم فتعالين أمتعكن، أعطي كل واحدة مهرها المؤجل وأعطيها المتاع وأسرحها وأطلقها الله يسهل. لأنه الداعية إلى الله هو لا يجد وقت لهذه الحياة المرفهة، أَمَّا إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فتتحملن مع ذلك شوف المعيشة وصعوبة الدنيا مقابل الاجتماع بالنبي في الجنة، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا.

ثم جاء التشديد أكثر وأكثر: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ. عذابها مش كعذاب غيرها لأنه أنت متصلة بالنبي الأعظم، فإنك تأتي بفاحشة هذا سيكون فيه تشويه للنبي وأذية، أي ما أذية، فعذابك سيكون مضاعفاً عن عذاب سائر المؤمنات، بينما في المقابل: وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ. يَا نساء النبي، يعني أنتم مش زي زيكم زي غيركم، أنتم نساء النبي، أنتم نساء المعلم الأول والقائد الأعلى، أنتم نساء أحب الخلق إلى الله، فأنتم لستن كأحد من النساء بشرط التزامكن بالتقوى. طيب، قال: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ. هذا الأمر ليس خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام كما قال العلماء، العام أنه لا يجوز للمرأة أن تلين كلامها أمام الناس، يعني أمام الرجال، لأن كثير من الرجال في قلوبهم مرض. المراد بالمرض الشهوة، الشهوة الزائدة، يعني ماشي، في بعض الرجال قد يسمع كلام الفتاة الشابة فلا يتأثر ممكن، لكن كثيراً من الناس في قلوبهم مرض، بمجرد أن يسمع كلام الفتاة الشابة يتلذذ ويريد أن يفتح معها حوار ويأخذ رقمها ونتعرف على التليفون. فالشابة لا يجوز لها أن تخضع أن تلين كلامها، لأن هذا سيجعل الرجل الذي يسمعها يحاول الوصول إليها، وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، يعني تكلمنا بكلام معتدل معروف بدون خضوع ولا تمايل فيه. طيب، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، وهذا أيضاً عام أن الأصل في المرأة القرار في البيت إلا لحاجة تدعوها إلى الخروج. وَلَا تَبَرَّجْنَ، التبرج هو الخروج والظهور والذهاب والعودة، قال: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ.

الجاهلية الأولى، يعني لا يكن حالكم كحال النساء في الجاهلية خراجة ولاجة، لا تعرف أن تجلس في بيتها. وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ، أمرهن الله عز وجل بمجموعة من التعاليم؛ إقامة الصلاة. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ، يعني احفظن وتعلمن ما يحصل من أمر النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب، أي ما ينزل في بيوتكن من آيات الله والحكمة وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قيل إن أم سلمة قالت يا رسول الله، ما بال القرآن يخاطب الرجال ولا يخاطب النساء؟ فأنزل الله عز وجل الآية 35: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، فجاءت آية يعني تطيباً لخاطرها، إن الله أعطى فيها تفصيلاً عاماً، وإن كان الحقيقة يعني كل الآيات التي يخاطب فيها الرجال تكون النساء داخلة فيها على سبيل التبع بلا شك، لكن أم سلمة كأنها أحبت أن يذكر النساء بالتخصيص والتنصيص، فأنزل الله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ إلى الصفات العشرة، أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

ثم قال سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. حذر الله عز وجل الصحابة الكرام أن يخرجوا عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في أي شيء، وهذا ليس فقط للصحابة بل للأمة إلى قيام الساعة.

ثم ذكر قصة عاد إلى قصة التبني، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في قلبه أن زيد بن حارثة، وهو الذي تبناه في الجاهلية، كان زيد بن حارثة متزوجاً بزينب بنت جحش. فالنبي صلى الله عليه وسلم وقر في قلبه أنه إذا طلق زيد زينب، سيتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وفعلاً حصل إشكال بين زيد وزينب، وزيد جاء استشار النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله هل أطلق زوجتي زينب؟ هسه النبي عليه الصلاه والسلام كان في قلبه أنها إذا طلقت سيتزوجها، لكنه لم يقل لزيد ولم يغشه، شوف الصدق، ما قال آه طلقها إيش بدك فيها، حتى هو يتزوجها صلى الله عليه وسلم، قال: لا، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، قال له: لا والله المرأة فاضلة أنا ما بنصحك أنك تطلقها، مع أنه كان في قلبه أنها إذا طلقت سيتزوجها لكنه لم يغش صاحبه لما جاء يستنصحه صلوات ربي وسلامه عليه، بل قال له أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ.

لكن الله يقول لنبيه: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ وَاللَّهُ مُبْدِيهِ، أي وأنت كنت مضمراً في نفسك أنك ستتزوجها والله سيظهر ذلك، لأنه قدر أنه خلاص زيد لم يتوافق مع زينب فطلقها، فلما طلقها وانتهت عدتها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. وأراد الله أن يتم هذا الزواج لتأكيد أن التبني تم إبطاله؛ ليه؟ الآن لو كان زيد فعلاً بقي ابناً للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبني لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زينب؛ لأنها ستكون زوجة ابنه، وهل يجوز للإنسان أن يتزوج زوجة ابنه بعد أن يطلقها ابنه؟ لا يجوز. فشاء الله أن النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج زينب لإنهاء أي تفكير جاهلي حتى مترسب في عقول بعض الصحابة من أمر الجاهلية، لا يوجد تبني، وبدنا نأكد ذلك بأن نجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج زينب التي كانت هي زوجة زيد الذي كان يحسب أنه ابن النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فهذا فيه تقطيع لفكرة التبني ودحض لها تماماً.

مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا، يعني يا أيها النبي لا تتحرج من زواجك من زينب، هذا شيء الله عز وجل شرعه لك وأحله لك، وكما أحل للأنبياء السابقين أموراً أحل لك أيضاً كثيراً من الأمور وأعطاك كثيراً من المزايا. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، كأنه سورة الأحزاب بتعلمنا كدعاة نكون شجعان في تبليغ الوحي الإلهي، من مطلعها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. الداعية القوي في التبليغ، أيضاً آية 39: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، إذا كان هناك حكم شرعي بلغه وأوصله للناس ولا تخش في الله لومة لائم.

ثم أكد الله على أنه لا يوجد تبني مرة أخرى، مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ. ثم بعد ذلك: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا. عاد ليقوي قلبه: وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا، تقوية لقلوب المؤمنين.

يا أيها النبي، شوف الخطابات للنبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في هذه السورة لأن كما قلت، هذه السورة كثير من أحكامها، موضوعها الأساسي توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في قوة تبليغ الدعوة وكيف أن الله جبر خاطره وأمرنا بتعظيم مقامه وعدم أذيته. فهنا جاء ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وماذا أحل الله له من الزواج من النساء: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ يعني مهورهن، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ، وأيضاً امرأة مؤمنة قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم، تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ، يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم من تطلقها فلك أن تطلقها ومن تؤويها فلك أن تؤويها.

ثم قال له: لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ، قيل في هذه الآية 52 منع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من ماذا؟ من أن يزيد على الزوجات اللواتي اجتمعن عنده، نهاه الله أن يتزوج بعد نسائه، خلاص اقتصر على هذا العدد. وثم جاء في كتب السنة كما مر معنا في الترمذي وفي غيره أن هذه الآية: لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ، أن الله نسخها وعاد فأذن لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج قبل وفاته بمن شاء، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل.

أيضاً آية 53، الله عز وجل نهى الصحابة عن أذية النبي صلى الله عليه وسلم بإطالة المكث عنده، وهذه آية نزلت لما تزوج زينب بنت جحش وعمل وليمة لها، فبعض الصحابة أتى للوليمة وأطال الجلوس مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الدخلة كما نسميها، والنبي صلى الله عليه وسلم قام ورجع، قام ورجع أن الجماعة يقوموا، طولوا في الجلوس وهذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لحياءه عليه الصلاة والسلام لم يقل لهم قوموا، فالله أنب بعض الصحابة على طول المكث في بيته: إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، الأصل خلاص فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ.

ثم تعظيماً لمقام النبي الأعظم قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. هذا الذي يستحقه صلى الله عليه وسلم منكم، تمام المراعاة والتبجيل والتعظيم. إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا.

ثم الله عز وجل يقول لنبيه مرة أخرى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ -شوف كم مرة يا أيها النبي في هذه السورة- قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ. اختلف المفسرون في ذلك، هل المراد يدنين عليهن من جلابيبهن الأمر بلبس الجلباب، فتكون هذه الآية جاءت بذكر لبس الجلباب بشكل واضح، أم المراد كما ذكر بعضهم أن لبس الجلباب كان مفروضاً سابقاً ومعلوماً عندهم فرضه؟ فهذه الآية تكلمت عن فرضية النقاب، وهو غطاء الوجه، وأن معنى يدنين عليهن من جلابيبهن أي أن تنزل المرأة، قديماً كان الجلباب يبدأ من هنا من الرأس، فلما قال يدنين عليهن من جلابيبهن قال أن تنزل المرأة من جلبابها تدنيه على وجهها حتى تغطي وجهها. من قال أن هذه الآية تتكلم عن تغطية الوجه قال أن غطاء الوجه واجب؛ لأن الأمر يدنين عليهن صيغة خبرية لكنها بمعنى الأمر، يجب أن تدني المرأة من جلبابها على وجهها، فاستدل بهذه الآية كثير من الحنابلة وغيرهم على وجوب تغطية الوجه.

وهناك بعض أهل العلم من المالكية أو بعض الحنفية قالوا لا، الآية لا تتكلم عن تغطية الوجه وإنما تتكلم عن وجوب لبس الجلباب، وكلاهما خير ويجب على المرأة أن تتمسك بهذه الآية، والحد الأدنى أن تلبس الجلباب الشرعي، أما تقول والله لا الجلباب ما في في آية، معناتها أنت هذه الآية حذفتيها من كتاب الله سبحانه. أنا لا أعرف كيف يمكن لامرأة أن تقرأ هذه الآية ولا تلبس الجلباب والله، يعني أنا لا أعرف كيف يمكن ذلك، الله عز وجل من فوق سبع سماوات عم يقول لك هكذا وأنت عبدة وأمة، طيب بناء على ماذا أنت رافضة لبس الجلباب؟ حقيقة هذا سؤال يحيرني أحياناً.

إيش اللي بيجعل الإنسان، يعني هسا شوف الإنسان بيعصي لكن المعصية بتكون في لحظة ضعف غفلة، أما إصرار على عدم لبس الجلباب واستمرار سنوات وأنت تقرأ هذه الآية، ما الذي يجعل الإنسان يتعامل بهذه الطريقة إلا أنه لم يدخل الإيمان في قلبه بعد، لم يرسخ الإيمان، كما قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، يعني لساتك هش، والإيمان الحقيقي لا يمكن تقرأ آية وأنت تعلم أنها من رب العزة إلا وتمتثلها.

لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ من أذية النبي صلى الله عليه وسلم والتطاول عليه، لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي لنسلطنك عليهم فتنزل بهم العذاب الشديد، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. كل من يتطاول على مقامات النبوة فإن الله يسلط عليه من يعذبه عذاباً شديداً.

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ مَتَىٰ مَوْعِدُهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا. ذكر الله عز وجل حال الساعة وذكر حال الضعفاء مع الأسياد مرة أخرى، وشوف كيف ذكر الضعفاء ماذا سيقولون في النار الجنود يقولون: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا. ربنا ما جاوبهم، لا تشعر لماذا لم يجاوبهم الله، هم ماذا قالوا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً؟ لم يجاوبهم الله ولم يرد عليهم لأنهم لا يستحقون الرد. هؤلاء السفلة الأتباع الأجناد الذين كانوا يسيرون خلف قادتهم، هؤلاء سفل سقط لا يستحقون أصلاً أن يرد الله عز وجل على احتجاجهم، لكن أسيادهم رح يردوا عليهم كما مر معنا في سورة سبأ: كُنتُم مُّجْرِمِينَ، أنتم أصلاً أصحاب نفوس نتنة فاسدة، أنتم كنتم تبيعون دينكم بالدينار والدرهم، كنتم تبحثون عن دنيا فاتبعتم السادة والزعماء، لا تجوا يوم القيامة تقولوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا، أنتم كنتم طاغين كنتم فاسدين طينة قلوبكم فاسدة.

هنا الله عز وجل يؤكد على ضرورة التعظيم لمقام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ، أي لا تؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى، النبي صلى الله عليه وسلم احذروا أن تؤذوه وأن تمسوا جنابه الشريف.

ثم قال ختاماً عاماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، أي مسدداً صائباً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

هذه أجواء سورة الأحزاب، تعظيم أولاً أن الداعي يجب أن يتمسك بشرع الله ولا يساوم عليه، وتعظيم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم وعدم جواز أذيته، وكان العتاب للصحابة والزوجات فما بالك بمن هو أبعد من ذلك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يوقر النبي صلى الله عليه وسلم ويعظمه حق التعظيم، جزاه الله عنا كل خير كما جزى نبياً عن أمته، صلوات ربي وسلامه عليه، وجزاكم الله أيضاً خيراً على الاستماع والحضور والمتابعة. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً يا أرحم الراحمين، ونلتقي إن شاء الله يوم الأحد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.