بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلمه، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في أيام رمضان للبحث عن الإنسان في القرآن؛ هذه الرحلة الشيقة الماتعة المطلوبة من كل واحد منا أن يعيشها، وليس مرة بل مرتين وثلاث وأربع وخمس وست، بل إلى آخر الأنفاس، أن يبقى يعيش مع الإنسان في كتاب الله سبحانه وتعالى: ماذا أراد الله عز وجل أن يوصل لهذا الإنسان من رسائل في هذا الكلام العظيم الذي نزل من فوق سبع سماوات؟ حقيقة الأمر يحتاج إلى جد واهتمام، والقرآن كلما أعطيته أكثر كلما أعطاك أكثر، وكلما منحته من جهدك ووقتك وتفكيرك كلما منحك من ذخائره وكنوزه وهداياته، فنسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم عنه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا في رحلتنا إلى الجزء الرابع والعشرين. وكالعادة نبدأ من آخر الجزء ثم ننتقل إلى أوله: سورة فصلت. ولاحظوا أن اسم هذه السورة فعل ماض (فصلت)، وأخذ هذا الاسم من الآية رقم ثلاثة فيها: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا. أي سورة فصلت من السور التي تركز على محوريه القرآن والوحي الإلهي، وضرورة تلقيه والعمل به، وعدم الإعراض عنه. من السور التي تركز على قضية القرآن، طبعا وما يدل عليه القرآن من عبودية الله سبحانه وتعالى والالتزام بشرعه وأمره، لكنك ستجد في أنحاء كثيرة أن الله عز وجل يؤكد على مركزية القرآن ومركزية الوحي في هذه السوره. فمن بدايتها، طبعا سورة فصلت هي من السور الحواميم، تمام؟ والحواميم تبدأ من الأحقاف ثم الجاثية ثم الدخان ثم الزخرف ثم الشورى ثم فصلت ثم غافر. وهذه سور الحواميم، وهذه صور يعني كثير من الصحابة وأهل العلم كان يخبر أن فيها من عقائد الإيمان ومن المعاني العظيمة التي ينبغي أن يتربى عليها الإنسان، ويؤسس عليها قلبه، ولذلك كان بعض أهل العلم يخصها بالتفسير؛ هذه السور المبتدئة بالحواميم لما فيها من معاني التوحيد والعقيدة ومركزية الوحي والدار الآخرة، ما يدعو للإنسان يعني يهتم بها ويعطيها من التركيز ما يعطيها.
طيب، كما قلنا، هذه السورة بدأت ببيان مصدرية الكتاب وهو الوحي، فقال: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ونحن قلنا لاحظ هنا تنزيل من الرحمن الرحيم بتشبه سورة الجاثية وسورة الأحقاف: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. فهذا المطلع هو بيان لعظمة القرآن من خلال بيان مصدريته: من أين صدر ومن أين نزل؟ من العظيم سبحانه وتعالى. لكن في سورة الجاثية وفي سورة الأحقاف كان الكلام باختيار اسمين من أسماء الله الحسنى: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. اختير اسم العزيز الحكيم في تلك السور، في سورة فصلت اختير: تنزيل من اسم الرحمن الرحيم. وهذا طبعا لابد أن يكون له أثر؛ لأنه أنا معقول هذا الكتاب هو تنزيل من الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء؟ فأنت ستتصور أن هذا الكتاب مليء بالرحمات، ومليء بالخيرات، ومليء بالبركات، ليه؟ لأنه تنزيل من الرحمن. تمام، كيف مثلاً أجي أقول لك: والله هذا البناء أو هذا المركز أو هذه المضافة من الكريم؟ هنا أنت ماذا تتوقع لما أقول لك هذه المضافة أو هذا المركز أو هذا البناء أو هذا المجمع من الكريم الجواد؟ مجرد اختيار هذا الاسم راح تتوقع أن هذا المركز أو هذا المجمع أو فيه سخاء؛ لأنه الذي بناه هو شخص وصف بالكرم والجود. فهذه فكرة ننتبه لها لما قال: تنزيل من الرحمن. إذن أنت متوقع أن هذا الوحي سيكون فيه من الخير والبركة والسعادة إلخ، لأنه ليس من شخص جبار، وليس من شخص عنيد، من الرحمن الرحيم.
ثم الله عز وجل مدح كتابه: كتاب فصلت آياته، ومن هنا اختير اسم السورة: قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. يعملون قواعد علمية ويستفيدون من القواعد العقلية في الوصول إلى معاني القرآن وتدبره. بَشِيرًا وَنَذِيرًا، هذه وظيفة القرآن، لكن كما في سورة الجاثية الله عز وجل أخبر عن تلقي المشركين لهذا الوحي الإلهي، مع أنه تنزيل من الرحمن، مع أن فيه من الخير والبركة ما فيه للإنسان لو أنه تمسك به، لكن للاسف: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ. كان الله عز وجل يعني ينكر على هؤلاء: يأتيكم تنزيل من الرحمن، ويكون الثمن أو النتيجة أن أكثركم يعرض عنه؟ فهم لا يسمعون، يعني لا يستجيبون له. لا يسمعون ليس مراد نفي حاسة السمع، وإنما نفي الاستجابة والانصياع. وقالوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ، نحن عنا قلوبنا مش قادرة تستوعب ما تدعو إليه، وفي آذاننا وقر أي ثقل شديد، ومِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، فاعمل يا محمد على طريقتك إننا عاملون. يعني نحن لن نتقبل هذا الوحي الذي أتيت به وما فيه من الرحمن الرحيم من الهدايات، اعمل على طريقتك إننا عاملون. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام يخبرهم بمركزية: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. هذه كلياتها أفكار متكررة في القرآن: وظيفة النبي ووظيفة الدعاة ووظيفة أهل العلم البلاغ، وأما حصول النتائج واستجابة الناس لهم فهذا بيد الله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك في الآية تسعة إلى الآية اثني عشر، السورة أشارت إلى ما يقتضي عبودية الله سبحانه وتعالى والانصياع له: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا. طبعا هنا الآية من تسعة لآية اثني عشر تكلمت عن خلق الأرض وخلق السماوات، وكيف أن الله خلق الأرض في يومين، وخلق السماء أيضا في يومين، وبعد ذلك الأرض قدر فيها أقواتها في أربعة أيام. في تفصيل في موضوع خلق السماوات والأرض، تفصيل لا تجده بهذا الووضوح في مكان آخر، تفصيل عميق، والله عز وجل هنا يريد أن يخبر عن كمال قدرته سبحانه. وهذا دائماً وأنت تقرا في القرآن إذا وجدت الله عز وجل يتكلم عن أفعاله، فاعلم أنه يريد أن يدلك على توحيده. دائماً في القرآن إذا سمعت الله عز وجل يخبر عن أفعاله: إنه ينزل الماء، ينبت النبات، وضع الجبال، خلق السماء، عندما يتكلم الله عن أفعاله مباشرة يجب أن يذهب ذهنك إلى قضية: لماذا يخبرني عن أفعاله العظيمة سبحانه وتعالى؟ لأنه يريد أن يسوقني بذلك إلى كمالاته وإلى أنه الذي ينبغي أن يتفرد بالعبادة، كما أنه تفرد بهذه الأفعال العظيمة من خلق الأرض والسماوات ووضع الجبال وغير ذلك. فإذن هو وحده سبحانه وتعالى الذي يستحق أن يعبد وأن يخضع له الإنسان.
لذلك أجت الآية ثلاثة عشر واضحة، بعد أن أخبرهم عما يستلزم توحيده والإنقياد له، قال: فَإِنْ أَعْرَضُوا. شوف الآية ثلاثة عشر: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ. هذا الإنسان الذي يعرض، ها كلمة أعرض بتشعر أنه في هناك دلائل باهرة وآيات واضحة تدل على كمال المعبود واستحقاقه للعبادة. إعراضك أيها الإنسان عن هذا الذي خلق الأرض في يومين، والذي جعل الرواسي واستوى إلى السماء فقال لها وللأرض: اِئْتِيَا. طبعا إعراضك عن كل هذه الدلائل الداله على وحدانيته واستحقاقيته للعبودية، هذا الإعراض ستدفع ثمنه باهظاً، ستدفع ثمن باهظ: صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. لذلك جاء في كتب السيرة النبوية أن النبي عليه الصلاه والسلام قرا بداية سورة فصلت من الآية واحد إلى الآية ثلاثة عشر، قراها على الوليد بن المغيره أحد عتاولة كفار قريش. الوليد بن المغيره أتى ليساوم النبي عليه الصلاة والسلام على مفاصلات، يعني ليحقق التنازل منه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: أفرغت؟ قال: فرغت. قال: اسمع مني. فقرا عليه النبي عليه الصلاة والسلام: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ. واخذ يقرا حتى وصل إلى الآية ثلاثة عشر: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ يا كفار قريش صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ.
فهنا الوليد بن المغيرة قال: قف يا أبا القاسم، قف لا تكمل، فوالله ما يعني ما عهدناك كاذبا. شوف يعني قدش القرآن أثر في الوليد بن المغيرة لدرجة أنه ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يكمل بعد الآية ثلاثة عشر، قال له: ما بقدر أسمع لأني أنا عارف أن هذا كلام عظيم جليل، وأنك لما قلت: فان أعرضوا فقل أنذرتكم، أن هذا كلام يعني أنت صادق يا محمد صلى الله عليه وسلم. طبعا لماذا لا تتبعونه؟ بترجع لقضية الاستكبار اللي رح تيجي الآن، والرغبة بالسير على خطى الآباء والأجداد، وأن هذه من أكبر الأمور التي حطمت أسياد وقادة قريش. فهذا يدل أن القرآن سبحان الله كان الكفار يتاثرون به ويحدث فيهم ما يحدث، ونحن أهل الاسلام اليوم للأسف كثير منا يقرا مثل هذه الآيات وهو لا يفهمها أصلا، ولا يعرف ما فيها من عظمة الله وجلاله وكماله.
طيب الآن بعد أن قال: فان أردوا فقد أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، ربنا عز وجل فصل، كما فصل في آيات كثيرة عن عاد وثمود. طبعا نرجع بنقول ليش هذا التركيز الكبير في عاد وثمود؟ أولا عاد وثمود قبائل عربية، وكان كفار قريش يمرون على مدنهم وعلى قراهم في رحلة الشتاء والصيف، فكانوا إذا ذهبوا إلى الشام في الشتاء يمرون على قرى ثمود، وإذا ذهبوا إلى اليمن يمرون على قرى عاد اللي كانت جهة الأحقاف. فلما أنت تحكي لك كفار قريش، لما أنت تقول لهم عاد وثمود، كفار قريش عفوا يعرفون من هم عاد وثمود لأن بقايا قراهم كانت موجودة، بالتالي هم يستحضرون حجم الدمار التي تعرضت له هذه القرى. فالله عز وجل ربما دمر كافرين في مناطق أخرى من الأرض، لكن عاد وثمود هم قرى حول مكة يستطيع كفار مكة أن يتخيلوا حجم الدمار لأنها قرى مشاهدة في الجزيرة العربية. فهذا من الأسباب، أقول: من أسباب التكرار الكثير لعذابهم لأنه نموذج سهل التصور لكفار قريش، إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً.
الكلام اللي حكاه كفار قريش للنبي عليه الصلاة والسلام في سور كثيرة: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟ كان قبلهم عاد وثمود حاكين لأنبيائهم: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة. يعني عاد وثمود كانوا يقولون: ليش الرسول يأتي بشري؟ الأصل الرسول الذي سيخاطبنا بخبر السماء لابد يكون رسول ملائكي. نفس شبهة عاد وثمود قالها كفار قريش للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل أحبابي على فكرة معينة يقولها العلماء، وهي أن شبه الكفار متكررة من لدن آدم إلى واقعنا، لكن تتغير فيها الألفاظ والمصطلحات، وإلا الكفار والمعارضون لدعوة الله سبحانه وتعالى طريقة تفكيرهم وأنماط تفكيرهم محصورة، والقران لمن تدبره الله يوقفك على شبهاتهم على أصولها، طبعا على أصول الشبهات وأنماط التفكير الخاطئة التي يكفر بها الكفـ.. يفكر بها الكفرة: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً، أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟ أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ؟ تذكروا هذه الآيات مرت علينا سابقا.
طبعا الله عز وجل يبين لنا أنه بشكل عام هذه القرى التي يهلكها ويامر سبحانه وتعالى بتدميرها يكون الإنسان فيها تمرد واستكبر على الانصياع لله. الله عز وجل شوف بيسامح أخطاءك، بيسامح ذنوبك، بيسامح تقصيرك، لكنه لا يسامح تمردك، لا يسامح شعورك بالاستغناء عنه. الذي يفكر بهذه الطريقه يقسمه الله سبحانه، وهذا ما حصل مع عاد، قال: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا. كلمة استكبروا نضع حولها دائرة؛ لأنه هي تعطيك نفسية استكبار عاد وشعور بالاستغناء عن الإله، دفعوا به ثمنا باهظا: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ. كذلك قال: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ، يعني بصرناهم بطرق الخير وطرق الشر، ونفس الشيء: استعلوا. فماذا قالوا؟ اسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى. شوف التعبير القراني: استحبوا، يعني فضلوا أن يبقوا على عمايتهم وكفرهم، وقالوا: ما بدنا هذا الهدى الذي أتيتم. شوف: فَهَدَيْنَاهُمْ فَفَضَّلُوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، ما بدنا الهدى. حالة الكفر الإنساني، الاستغناء الإنساني، الرفض الإنساني: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذُوبِ الْهُونِ. يعني كان الموضوع سهل جدا، إنهاء قوم ثمود لم يأخذ، ذاك لم ينهك الإله ولم يتعبه ولم يأخذ منه شيء: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ.
ثم هذا كان عذاب الدنيا، ولسه يا كفار قريش انظروا لعذاب الآخرة: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. يوزعون في أشهر الاقوال كما ذكر ابن جرير الطبري: يوزعون يعني يساقون، كيف تسوق الغنم؟ فهم يوزعون، يعني يساقون إلى ماذا؟ أي إلى نار جهنم كما تساق الغنم إلى موردها، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا. طبعا ما هذه ليست نافيه، ما هذه زائده للتاكيد يعني التقدير حتى إذا جاؤوا للوقوف بين يدي الله. شوف كيف الله عز وجل يذل الكافر ويذل الفاجر، ويجعل كل جوارحه تنطق عنه: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وهنا الكافر لما يرى كل جوارحه تشهد عليه: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا؟ ليش فضحتونا؟ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ. احنا أنطقنا الإله، أنت كنت في الدنيا تتحكم فينا، لكن الآن في يوم القيامة نحن طوع أمر ربنا سبحانه وتعالى، وسنشهد بما فعلت بنا من الآثام والظنون والمعاصي.
ثم الله عز وجل يعني مر السياق الآية أربعة وعشرين: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ. يعني هذه النتيجة المؤلمه لهؤلاء أنه حتى لو صبروا، يعني الصبر في يوم القيامة ما عاد منتجاً، الصبر وين بيكون منتج يا جماعة؟ في الدنيا.
لكن صبر الكافرين وصبر الفاجرين في النار هو صبر غير منتج، كما مر معنا في سورة الطور: اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ. يعني لا يؤجر الصبر، لن ينتج ولن يحقق لا انتهاء العذاب ولا موتكم في النار وتخلصوا منها ولا شيء. قال: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا -وإن يطلب الرجوع إلى الدنيا، يستعتب يعني يطلب الرجوع لإصلاح والبدء من جديد- فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ، ما رح نجعل لهم رجوع، هي فرصة واحدة فقط معك أيها الإنسان، أما أن تنجح وأما أن تخفق.
طيب، إيه، الله عز وجل يخبر عن مشكلة هؤلاء الكفار، نرجع لموضوع القرآن. قال: وقاي هؤلاء الكفار في الدنيا كان لهم قرناء؛ قرناء من الجن اللي هم الشياطين اللي بيوسوسوا لك، وقرناء من الإنس اللي هم أصحابك ورفقتك اللي أيضا بيوسوسوا لك. قرنائك من الجن ومن الإنس ماذا فعلوا بك؟ قال: زَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. كلمة زينوا كلمة جوهرية هنا نضع تحتها خط، لأنه هذه مشكلة الإنسان المصر على درب الضلالة أنه يزخرف له الباطل ويظهر له بصورة مجملة، مع أنه باطل، لكن يأتي قرناؤه يزينون له الشهوات، يزينون له الخنا والزنا والفواحش والمنكرات، يصورون لك في الأفلام والمسلسلات ويظهرونها بطرق مغرية فانت تسقط. إذا، شياطين الإنس والجن شغلتهم في هذه الحياة الدنيا التزيين، الزخرفة للباطل، لما لا يرضي الله سبحانه وتعالى.
لكن النتيجة إذا أنت قبلت هذا التزيين ومشيت معه، ستكون النتيجة: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. خسارة، رح تخسر إذا ما نظرت إلى الحقائق كما هي. وقال الذين كفروا: لا تسمعوا لهذا القرآن. نرجع للتركيز على القرآن مرة أخرى، أنه كفار قريش عادوا لمحاربتهم القرآن، لا يسمعون لهذا القرآن ولا يريدون لغيرهم أن يسمع، شوف كما قال في سورة الانعام رب العزة سبحانه: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. يعني هم بأنفسهم ما بدهم يسمعوا، وفي نفس الوقت ما بدهم حدا يستفيد من القرآن أيضا.
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن، شوف آية 26 مع آية 4، قال آية 4: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وقالوا قلوبنا في أكنة. طب أنتم ما بدكم تسمعوا قلوبكم في أكنة، لماذا لا تريدون من الناس أن يسمعوا أيضا؟ لا، هذا كافر محارب. إذا قال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ، يعني استهزئوا، وَإِذَا قُرِئَ تلاعبوا، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ. يظن الكافر أن صوته سيعلو فوق صوت كتاب الله، قال: لعلكم تغلبون، هكذا كانوا يتوهمون أن المعركة ستكون لصالحهم.
شوف سبحان الله، هي الآيات نزلت وين؟ في مكة، والصحابة كانوا مستضعفين، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يستطيع أن يحارب ويواجه ولم يأمره الله بذلك. تذكر بعد ثمان تسع سنوات، رجع عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحا. شوف كلمة لعلكم تغلبون هون بعد ثمان سنوات انهارت مكة، يعني كفار مكة وأصبحت بيد النبي صلى الله عليه وسلم. عن أي غلبة تتحدثون أنتم لكم يعني مدة معينة تصورون وتجولون فيها يا أصحاب الباطل، لكن الغلبة بإذن الله لله ورسوله وللمؤمنين.
طيب، لذلك ربنا قال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ. ثم شوف المشهد الختامي هنا، خلاص المشهد الختامي للكفار؛ الكفار الآن دخلوا في نار جهنم. إيه، لما يدخل الكفار في نار جهنم بصيروا يقولوا: ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدمنا. بصير الكفار يقولوا: يا رب أرنا القرناء، شياطين الإنس والجن اللي زينوا لنا الباطل فاتبعناه، ورجينا إياهم يا رب بدنا ندوسهم بأقدامنا نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين. والكافر يظن أنه بهذه الطريقة يعني يستعطف، يستعطف ويستجلب الرحمة. حتى لو أننا أعطيناك قرناءك ودستهم، في النهاية الحق عليك، أنت كان عندك عقل وكان عندك فطرة سوية وكان عندك وحي، كيف تعاملت مع الوحي؟ كنت تقول للناس لا تسمعوا للقران ولا للسنة ولا للمشايخ، ولا لأهل العلم، واستعملوا عقولكم وعيشوا حياتكم أنتم أنفسكم. وضحنا لكم طريق الخير والوحي والهداية، وفي قرناء كانوا لكم من الجن والإنس زينوا لكم الباطل اتبعتم هؤلاء القرناء. لما أووقعوكم في نار جهنم قضية أنه يا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدمنا، هذا كلام لن يفيدكم، أصبح كلام فارغ لا قيمة له لأنكم أنتم في النهاية من اتبعتموهم ولم يجبركم أحد على اتباعهم.
في المقابل: الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ. أما من قال ربنا ثم استقام يعني ثبت على هذه العقيدة حتى لقي الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء الحال مختلفة تماما؛ تتنزل عليهم الملائكة: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا. قيل طبعا نزول الملائكة هنا المراد في ساعة الاحتضار والموت، تتنزل عليهم الملائكة تبشرهم أن القادم جميل، نعم. لأنه الاستقامة على أمر الله في الدنيا كانت متعبة ومؤلمة وفيها ضريبة، لكن في النهاية عندما يموت الإنسان على الاستقامة يبشره الله سبحانه وتعالى أن القادم سيكون جميلا في روح وريحان. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، نحن الملائكة كنا نثبتكم في الحياة الدنيا ونحن بإذن الله من سيقودكم إلى الجنة في الآخرة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ.
ثم بين الله سبحانه وتعالى من هو أعظم إنسان على وجه الأرض، من هو أعظم إنسان على وجه الأرض؟ فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آية محورية في أخبار الله عز وجل لنا نحن البشر، من هو الإنسان الذي الله عز وجل يميزه ويصطفيه؟ هذه رسالة لي ولكم، بدك تكون مميز عند الله سبحانه وتعالى مارس هذه الآية ومن أحسن قولا، يعني كأنه ما في أحسن من هذا الشخص الذي جعل الدعوة إلى الله وظيفته له وديدنا، والتزم هو في نفسه بالأعمال الصالحة وأعلن أنه من جملة أهل الإسلام، الولاء لله سبحانه وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أنا مستسلم لأمره سبحانه، فبالتالي الدعوة إلى الله هذا شرف، وأنت يمكن أن تكون داعية إلى الله في بيئة عملك، في أسرتك، في مجتمعك، ليس شرط حتى تدعو إلى الله أن تكون طالب علم بالمعنى التخصصي عندك معلومات شرعية تستطيع أنك تمارس الدعوة إلى الله بأشكال وطرق وأساليب متعدده، المهم هذا الإنسان الذي يريده الله دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
طيب، طبعا إيه أنا ما رح أعلق على كل الآيات لأنه نحن هدفنا كما قلنا المرور السريع في آية 37؛ الله عز وجل يقول: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. الله عز وجل يشير وينبهنا إلى أن الأشياء المخلوقة لا يصلح أن تكون معبودات، بل هذه الأشياء المخلوقة الشمس، القمر، الليل، النهار هذه مخلوقات تدل على الخالق، فأنت لا تعبد الشمس لا قال لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن. يعني التفكير السليم والمنطقي أنتم يا كفار قريش تعرفون أن الشمس مخلوقة، والقمر مخلوق، والليل مخلوق، والنهار مخلوق، إذا هل من المنطق أن تعبد المخلوق أو تعبد الذي خلقه؟ المنطق يقول أنك تعبد الذي خلقه. للاسف كثير من إيه الناس من أهل الجاهلية بل حتى في واقعنا المعاصر من جاهلية المعاصر يعبدون المخلوقات، وهذا من ابتعاد الإنسان عن قواعد التفكير العلمي الصحيح، أنا لماذا أخضع لمخلوق؟ المخلوقية هي افتقار، أي شيء مخلوق هو مفتقر، فلا يصلح للإنسان أن يخضع لما هو مفتقر لما هو محتاج، الأصل أن أخضع للخالق الذي هو ليس مفتقرا إلى غيره. فهذه آية واضحة لإخبار الإنسان أن هناك نمط تفكير خاطئ وغريب، أنك تعرف كثير من الأشياء مخلوقة فتعبدها وتخضع لها، مع أن المنطق السوي أنك تخضع للخالق وليس للمخلوق.
فإن استكبروا، بنرجع لقضية الاستكبار، إذا بقي هذا الإنسان مصرا على الخضوع للمخلوق -بعض الناس يعبد النجوم، بعض الناس يعبد الأبقار، بعض الناس يعبد الجبال، وكل هذه مخلوقات مسخرة- فإن استكبر هذا الإنسان وبقي مصرا على طريقة التفكير الباطلة فالله غني عنك، والله سبحانه قد خلق خلقا وهم الملائكة يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون. كان الله يقول لك يعني أنا مش محتاج لعبادتك أيها الإنسان، يعني تظن أيها الإنسان أنني لا أستطيع أن أخلق خلقا يعبدون ليلا ونهارا ويسبحون بحمدي؟ خلقت الملائكة قبلك وهم يعبدون ليلا ونهارا، فانا خلقتك أيها الإنسان لابتليك أنت، وأنت من سيدفع الثمن: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم أيضا أتى بايات أخرى ودليل آخر لكنه ليس دليل هنا دعونا نقول على قضية العبادة، بل هو دليل على الدار الآخرة ومن التي كان أيضا كفار قريش ينازعون فيها، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الذي أحياها لمحيي الموتى. هذا دليل على الإحياء، وهذا مر معنا في سورة قاف كيف أن مشاهد إخراج النبات من الأرض من أعظم مشاهد الدالة على قدرة الله على الإخراج والإحياء، كذلك الخروج نفس الشيء هنا في آية 39 في فصلت؛ الأرض الميتة ينزل الله عليها الماء فتعيش، كذلك أجسادكم لما تكون ميته في الأرض ما أسهل أن الله يرسل ماء وقطرا من السماء فتحيون وتبعثون إلى الدار الآخرة.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا، الذين يتلاعبون بايات الله القرآنية ويستهزئون بها ولا يريدون سماعها ويتهكمون، لا يخفون علينا، كله مكشوف عند رب العزة سبحانه وتعالى. فبدنا نقول لكم معلومة: من يلقى في النار نتيجة تلاعبه بايات الله، هل هو خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة؟ لا، الذي يأتي آمنا يوم القيامة لأنه قال ربنا الله ثم استقاموا هذا الذي سيكون نهايتها والفصل الأخير من قصته خيره، أما الذين كانوا يلحدون في آيات الله فهؤلاء سيدفعون ثمنا باهظا.
ثم الله عز وجل يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِذِكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. عاد الله عز وجل يتكلم عن قيمة هذا الوحي: القرآن كتاب عزيز قوي غالب لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، لا يوجد أي معلومة خاطئة، لا يوجد أي شبهة فيه، كتاب واضح بين، ليه؟ لأنه تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
ثم الله عز وجل نبه نبيه على قضية: يا محمد صلى الله عليه وسلم مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ. كل الشبهات والأساليب التي وجهت بها تمت مواجهة الرسل السابقة بها. فمر معنا في آية قبل شوي في آية 14 مش قالت عاد وثمود لو شاء ربنا لأنزل ملائكة؟ نفس الكلام حكاه كفار قريش للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لماذا الله يرسل رسولا بشريا؟ وهذا ما اسميه أنا آية الابتعاد عن اللب والحقيقه والانشغال بالهوامش، كثير ما يكون هناك حق أمامنا لكننا نرفضه لانه جاء بطريقه لا تعجبنا وليست على وفق أهوائنا، دائما أيها الإنسان ركز على الحق نفسه سواء جاءك بالطريقة أو من شخص أنت تريده أو من شخص لا تريده، بأسلوب راق لك وبأسلوب لم يرق لك، أنت في النهاية عليك الوصول للحقيقه والتمسك بها والاستفادة منها، وليس لك أن تشترط وصول الحق إليك. وهذه من أكبر ترى مشاكل الكفار والمعاندين أنهم كانوا يريدون الحق أن ينزل عليهم هم، أن تكون الرسالة عليهم هم، أن يأتيهم الرسول ملائكي، أن يأتيهم لا أنتم لا تتحكمون في طريقة كيف وصل الحق إليك. أنت عليك أن تتمسك بالحق بأي شكل من الأشكال وصل إليك. وهذه من تربية على الإنسان أن يربي نفسه عليها؛ الحكمة ضالة المؤمن، الحق هو مقصدي حتى لو كان الحق على لسان خصمي وعدوي ساقبل لأنه حق، فالإنسان يبحث عن الحق لأنه يرضي الله سبحانه ولا ينظر في الطريقة التي وصل فيها هذا الحق إليه.
طيب، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ -قرآن الله عز وجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام يعني لا تزعل يا محمد عليه الصلاة والسلام لأنهم لم ينصاعوا للقرآن لم يستجيبوا له- وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ. يعني لو كان القرآن أعجيا لقالوا والله كيف قرآن أعجمي وعلى رسول عربي؟ فالله عز وجل يقول يعني هؤلاء قوم بهت وهؤلاء يعني لا يبحثون عن الحق ولا يريدونه وإنما نفوسهم مستكبرة متعالية عليه. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ. هكذا القرآن هو هداية وشفاء لقلوب المؤمنين، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. يعني مش فاهمينه ولا يصلون إلى كنوزه ورسائله، لذلك قال في آذانهم ايش؟ وقر. وهذا الذي وقع في آية في آذانهم وقر هنا في آية 44 هو نفس ما قاله الكفار عن أنفسهم في آية 5 مش قالوا: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ. فالله عز وجل كأنه يقرهم على ذلك فعلا أنتم قلتوا في آذاننا ثقيلة عن سماعه، كان الله يقول نعم هم ثق آذانهم فيها ثقل لأن الله هو الذي حرمهم من الانتفاع وحرمهم من الاستفادة بالقرآن، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بالقران فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ كما هم قالوا لأنفسهم. طبعا هم لما حكوها حكوها استهزاء لكن الله أثبتها واقعا لا هو لا تستهزئوا أنه في آذانكم وقر لا هو فعلا في آذانكم وقر، الله جعلكم ثقال مش قادرين تفهموا القرآن ولا تستفيدوا من هداياته وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. شوف التعبير القراني وهو عليهم عمى كأنه يعني الأعمى من مش شايف شيء، فهو القرآن بين أيديهم وهم لا يستطيعون الاستفادة منه.
مع أنهم يقرؤونه ويسمعونهم لكن لا فائدة، ما في إنتاجية، وهذا هو قمة العمى في الحقيقة؛ العمى عن البصائر والعمى عن الهدى، كحالي ثمود: وَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى. شوف أحياناً سبحان الله في السورة الواحدة بتلاقي المصطلحات عم تتكرر بشكل متشابه، فبتعرف إنه في بينها خط، في بينها ارتباط، ولذلك قررت بهذه الطريقة. ثم سبحانه وتعالى في الصفحة الأخيرة قال: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا.
شركائي قالوا أذناك ما من شهيد، وظل عنهم ما كانوا يدعون من قبل، وظنوا ما لهم من محيص. ظنوا هنا بمعنى جزموا واعتقدوا ما لهم من محيص. الله يخبر أنه يوم القيامة هؤلاء المشركون، هؤلاء الكفار، سيتبرؤون من كفرهم وكل آلتهم وأصنامهم التي خضعوا لها ستتبرأ منهم، ولكنهم سيجزمون أنه لا مهرب لهم. ثم الله عز وجل يعطينا شيئاً في طبائع الإنسان فيقول: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي.
وبعدين في الآية الحادية والخمسين: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ. الله عز وجل هنا بيتكلم عن الإنسان للاسف عنده دائماً حب الاستئثار بالخير واليأس إذا أصابه شر، ويظن، والإنسان يظن أنه صاحب أحقية، وهو كثير الجحود والكفران لله كما مر معنا في سورة العاديات: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّه لَكَنُودٌ، أي يجحد نعمة الله عليه. في هناك مشكلة في الإنسان يا جماعة، الإنسان الذي لا يعبد الله ولا يخضع لأحكام الشريعة يصبح مريضاً بمرض الشعور أنه يجب أن ينعم عليه، وانه يستحق دوماً العطاء. وبالتالي إذا مسه الخير بفرح ويصير عنده بطر ويظن أن هذا أصلاً هو يستحقه، وبمجرد أن يصيبه شر يصير عنده نوع من القنوط، الإحباط، وذو دعاء عريض، يعني بصير يدعو على حاله يا ويلي ويا كذا، والله يخلصني من الدنيا، فالله عز وجل يخبرنا عن نفسية ذاك الإنسان الذي لم تربه الشريعة، الإنسان الذي لم يزكي نفسه.
وانظروا في حال كثير من الناس كيف أنه في السراء وفي في الحياة الرغيدة بتجده مبسوط، وبالعكس عنده بطر واستعلاء، وبمجرد أن يمسه شيء من ابتلاعات الله سبحانه وتعالى له يصبح عنده نوع من النفور والاكتئاب والقنوط من الله سبحانه وتعالى والاعتراض عليه. طيب، أنت لماذا تعترض؟ هل أنت تعتقد نفسك مستحقاً دوماً لأن تكون محلاً للخير؟ لا، أنت كإنسان في النهاية الله عز وجل سيعطيك خيراً في بعض الأيام، وسيكون هناك بلاءات فيها صعوبة في بعض الأيام، فاعتقاد انك مستحق دائماً للخير هذا من أكبر الأفكار الخاطئة التي يجب على الإنسان أن يجتنبها، أنت لست مستحقاً، بل ربنا سبحانه وتعالى هو المتفضل.
ثم ختم فقال: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أنه أي أن القرآن حق، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم حق، وأن الآخرة حق. الله عز وجل سيظهر من الآيات ومن الدلائل: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ في هذا الكون وفي أنفسهم وفي حياتهم، ما يجعلهم يجزمون أن ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هو الحق، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان على حق، وأن يوم القيامة هو الحق، أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ. يعني سبحان الله، الرسائل الكثير في سورة فصلت، ولو أن الإنسان يعيش مع كل سورة حياة تفصيلية سيجد فيها الكثير من الذخائر.
لكن حتى لا أطيل، أذهب إلى سورة غافر؛ سورة غافر أيضاً من الحواميم ونفس الشيء: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّه، مصدرية الوحي من الله، الموصوف بأنه عزيز غالب، وعليم يعرف تفاصيل كل شيء سبحانه وتعالى. فنفس البدايات المفخمة لموضوع الوحي، وانه هذا الكتاب بالتاكيد فيه رسائل واضحة اليك ايها الانسان. ترى اخواني اعظم الرسائل القرانية انها تعرفك، كما قلت، بغايات الوجود ونهايات الوجود، ايش غايه وجودي انا؟ عباده الله، واحذر أن تخضع لغير الله. وبتكرر هذا المعنى آلاف المرات في القرآن، لانه اعظم معنى يجب أن يعيش مع الإنسان حتى يموت، أنت وجدت عبداً للاله لتخضع له، لتوحده، لتلتزم باحكامه وشرعه.
لازم تربي نفسك على فكرة العبودية. والمقصد الآخر: هناك دار آخرة هي النهاية، طالما هذه من اعظم الحقائق انه الدنيا رحلة وانه نحن في اي لحظه اخواني سنموت، وانه لم يبقى شيء، وستاتي تفاصيل الدار العظمى، دار النهايات والخلود الأبدي في جنة يا جماعة، في جنة وفي نار يا جماعة، في نار. والله لا تمل من ذكر الجنة والنار، لانه هي الحقيقة العظمى في هذا الوجود وفي هذا الكون، انه هي الحياه الدنيا رحلة قصيرة، لا تعيش من أجل الدنيا، لا تعيش من أجل شهواتك، لا تعيش من أجل المال، عيش من أجل دار أخرى. مشان هيك بتجد القرآن تكلم عن الدار الآخرة آلاف ومئات المرات من أجل انه افهم يا انسان افهم، هيك هيك انا بشعر هيك بتخيل القرآن عم بخاطبني: يا انسان افهم، ومره بحكي هنا: أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، مره بقول لي الجنة فيها نعيم، فيها سندس، فيها أنهار، فيها كذا، فيها كذا، النار فيها زقوم، فيها ماء يشوي الوجوه، فيها كذا، فيها كذا.
لما يكون الإله بهذه الرحمة حريص علينا، حريص انه ينبهنا، يعيد لك الدرس مئة ومئتين وثلاثمائة وأربعمائة، وهذه الاعادات اخواني والله تشعرك أن، كما قال في سورة الطارق: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ. الأمر جد وعظيم الجد، فبالتالي لا تقول لماذا ربنا بيتكلم عن الدار الآخرة كثير في القرآن؟ لانه هذه أعظم حقيقة بعد حقيقة عبودية الله سبحانه، اعرف انه هي الدنيا ليست لي. وشوف سبحان الله، ما أن الله بالله عليكم كم تكلم عن الدار الآخرة في القرآن وبتفاصيل وانماط وأشكال، ومرة هكذا، ومرة هكذا، ومرة هكذا، ومعلوم ومعلوم، والإنسان مع ذلك يبقى مصراً على الذنوب، على المعاصي، على الاهتمام بالدنيا والشغف فيها والتعلق فيها، مع أنه انا كمسلم عم بقرا القرآن مئات وعشرات المرات وبسمع قضية الدار الآخرة الدار الآخرة الدار الآخرة بكل تفاصيلها، ومش محدث ذلك تغيير جذري في حياتي، إذا في مشكلة يا جماعة.
فاذا، عندما يكرر الله ذكر الدار الآخرة وذكر العذابات للمعارضين في الدنيا وذكر عذاباتهم في الآخرة، سبحانه يريد أن يوصل رسالة واضحة للإنسان أنه يا أيها الإنسان لا تنسَ، لا تنسَ الموعد، لا تنسَ الغاية، لا تنسَ النهاية، أوعى! فلاحظ هنا: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ، شوف في سورة غافر ولاحظ قضية الجدل تكرر كثيراً، قضية الجدل في آيات الله. طبعا الجدل هنا ليس المراد هو الحوار والمناقشة العلمية، لا، الجدل اللي هو الاعتراض على آيات الله سبحانه وتعالى.
الذي يعترض على آيات الله وعلى أحكام الله وعلى شرع الله، هذه من صفات الكفار، ثم الله عز وجل سيسرد لنا سبب هذا الجدل وهو الكبر الذي في الإنسان على الانصياع لايات الله، ستاتي آيات تتكلم عن ذلك، لكن فكرة الجدل يجب نضع تحتها خط ودائرة بالعكس كذلك، لانه هي فكرة جوهرية في سورة غافر. الله يريد أن ينبه الإنسان: يا أيها الإنسان لا تجادل في آيات الله، طب كيف أتلقى يا رب آياتك؟ عليك أن تتلقى هذه الآيات بالانصياع والتسليم والعمل، وليس بالمجادله والمماحكة. كثير آيات في القرآن بعض المسلمين مش بتكلم عن الكفار ما زال يجادل فيها، ويجادل في أحكامها، في أحكام المواريث، في أحكام الطلاق، في أحكام البيوع، في أحكام غض البصر، في أحكام اللباس والزينة عند المرأة، كثير أحكام من القرآن احنا ما زلنا منجادل فيها وبقول لك عن حاله مسلم ولسه بجادل.
فالله بقول لك: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ يعترض عليها إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني هذه خصال الكفار، وأنا كمسلم لما اسمع هذا بعرف انه بدي انتبه، ما بصير اعترض على آية قرآنية، ما بصير اجادل فيها وما أنصاع لها، لانه هذه من صفات الكافرين: مَا يُجَادِلُ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، هيك ربنا بقول، هي صفات الكفر وليست من صفات أهل الإيمان، أما أهل الإيمان فهم مسلمون.
أما اللي بده يتعامل مع القرآن بنفسية المجادل المعترض فالله يقول له: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، هي بسموها لغة وعيد: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، يعني اصبر شوي عليهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، اصبروا على الكافرين الذين يعترضون على آيات الله ويرفضون تحكيم شرع الله، اصبروا عليهم: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ. ماشي، هم الآن ممكنين وعندهم وعندهم، لكن: مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ. كَذَبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ، الأحزاب هي جموع الكفر الذين جاؤوا بعد قوم نوح؛ من قوم عاد، من قوم ثمود، من قوم فرعون وما شابه ذلك، والاحزاب كل جموع الكفر الذين جاؤوا بعد قوم نوح، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ.
شوف كلمة الجدل هي مرة ثانية: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ، أي استعانوا بالباطل ليدفعوا به الحق، ويجادلوا به الحق. الله عز وجل يخبر: فَأَخَذْتُهُمْ، شوف كلمة فَأَخَذْتُهُمْ هون هيك بدون اي تفاصيل ابعد من ذلك: فَأَخَذْتُهُمْ، ما بتشعر انه بتعطيك صورة الهيمنة والسيطرة الإلهية؟ فَأَخَذْتُهُمْ، ما بقي شيء كأن اخذتهم، هم هكذا كانوا في الأرض جبابرة يملكون وهنا ويذهبون ويغطرسون ويعذبون المؤمنين ويسجنون أهل الإسلام ويفعلون ويفعلون، بس كلمة واحدة ربنا قال: فَأَخَذْتُهُمْ. فكيف كان عقاب؟ شوف يعني خبرني بالله كيف شفتوا عقابي؟ هكذا بلغتنا نحن العامية: كيف شفت كيف رايت عقابي؟ ألم يكن مدمر؟ هل يعني صعبوا على الله أن ياخذهم؟ فَأَخَذْتُهُمْ، بس شلتهم من الأرض واستأصلتهم وأفنيتهم وانتهى كل شيء، بالتالي هذا كله بخوف الإنسان أنه لا تعترض على شرع الله ولا على آيات الله، خليك مؤدب مستسلم حتى لا ياخذك رب العالمين كما اخذ هؤلاء.
وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار، إذا هو اخذهم من الدنيا، وكذلك حقت كلمة الله عليهم أنه أيضاً في الدار الآخرة سيعذبهم في النار. هذا حال المجادل، واما حال المنصاعين لأحكام الله فهؤلاء في المقابل الله يسخر لهم ملائكة: يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. وبيدعوا لنا الملائكة، إذا انت كنت مؤمن مسلم ربنا شوف الملائكة كيف بتدعي لنا، جزاهم الله عنا كل خير: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ.
كلمة وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ هي مقابل لكلمة يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، اللي يجادل في آيات الله: فَأَخَذْتُهُمْ وحقت كلمة ربك الذين كفروا أنهم أصحاب النار، في المقابل الذين اتبعوا سبيل الله، اتبعوا آيات الله، لم يجادلوا فيها، الله عز وجل يسخر ملائكة تستغفر لك عند وقوع التقصير منك: وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. الملائكة بتدعي لك أنه مش انت لحالك تدخل الجنة، انت وزوجتك وذريتك، هذه كلياتها بركات من الله سبحانه لمن اتبع سبيله، شوف: وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ استقام على منهج الله سبحانه وتعالى.
يا رب: وَقِهِمُ السِّيَّاتِ، وقهم هنا السيئات بمعنى، كما قال كثير من المفسرين: عواقب الأعمال، وَقِهِمُ السِّيَّاتِ وعواقب معاصيهم. شو عاقبة المعصية؟ المحاسبة. فالملائكة بتقول يا رب وقهم عاقبة معاصيهم، خلص سامحهم، لا تأخذهم يا رب، وَمَنْ تَقِ السِّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحْمَتَهُ، اللي بتعفو عنه ولا تؤاخذه يومئذ يوم القيامة، خلاص هذا قد رحمته، الذي لا يؤاخذه الله وانما يعرض عليه الأمر عرضاً ويلومه على أخطائه ثم يتجاوز عنه، هذا الذي رحمه.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ، هذا ينادون يوم القيامة لما يحكم عليهم بالندامة: لَمَقْتُ اللَّهِ أي بغض الله لكم أكبر من مقتكم أنفسكم، يوم القيامة الكافر بيكره نفسه: لَمَقْتُ اللَّهِ أكبر من مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يوم القيامة الكافر بيكره نفسه بصير يلومها (ليش وديتيني إلى المهالك؟ لماذا لم تنصاعي ايتها النفس؟ هل رايتي الى اين اوصلتيني؟)، فينادون يوم القيامة: لا بغض الله لكم أكثر من بغضكم لأنفسكم وتبرؤكم منها، إِذْ تُدْعَوْنَ، تذكروا إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ، كنتم في الدنيا ياتيكم اهل العلم واهل الصلاح واهل الخير يدعوكم إلى الإيمان فتكفرون، فماذا سيصرخ الكفار؟ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ، يعني يا رب أنت اعطيتنا فرصة، امدتنا اثنتين، المراد بالموتى الأولى أنهم كانوا عدماً، مش الإنسان كان عدم؟ هذا اعتبر على سبيل التجوز موت، والبعض يجعله موتاً حقيقياً، لكن الذي يبدو أنه على سبيل التجوز كان عدم ثم عاش ثم أصبح عدم ثم عاش للدار الآخرة، فهناك موتتان، اللي هو العدم الأول والفناء الثاني، وهناك حياتان، الحياة الدنيا والحياة الأخرى.
يا رب أنت موتنا مرتين وأحيتنا مرتين فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ، كأنه بيقول: أنت يا رب اعطيتنا فرص في الماضي، في مجال تعطينا فرصة أخرى؟ هيك بتشعر الآية بدها تقول لك: في مجال تعطينا اثنتين وأحيتنا اثنتين يا رب؟ أنت قادر على الإحياء والإماتة، طيب أعطينا فرصة ثالثة، أعطينا فرصة ثالثة ويا رب يعني باذن الله ما راح يعني نخرم وسننصاع. لا، انتهت القضية، هي تلك الفرص وانتهى، ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا.
وهون أنا بدي أوجّهكم أحبابي الكرام، انه هي الآية كما هي في الأصل نزلت في الكفار، لكنها تنزل أيضاً أو تنطبق على بعض المنتسبين للإسلام اليوم، اللي عندهم مشكلة في تحقيق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى.
وتعالى بعض المنتسبين للإسلام اليوم يوجهون الناس إلى الاستغاثة بالقبور، وتدائماً التوسل بأسماء الصالحين، والتبرك بالأشجار والعيدان، والأخشاب، وإذا قيل لهم: يا جماعة علموا الناس التوحيد، علموا الناس التوحيد ما يروحوا على القبور يذبحوا عندها ويستغيثوا بأصحابها ويتوسلوا بأصحابها، دعوكم من هذا، بيجي بيقول لك: أنتم كذا وأنتم كذا، وأنتم، يعني يطرحون عليك من اتباع الجماعة الفلانية، واش اتباع الجماعة الفلانية؟ هؤلاء أخشى عليهم أن ينطبق فيهم قول رب العزة: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا.
ترى بعض الناس اليوم عنده هي العقلية، وإن كان ينتسب إلى الإسلام، أنه إذا قيل له: وحد الله، لا تدعو الأولياء والصالحين، لا تدعو الأموات والمقبورين، لا تتمسح بالأشجار والاحجار، وتقول لي هي آثار الصالحين، يا أخي الكريم وحد الله سبحانه، بيقول لك: هذا الكلام غير صحيح، وهذا مخالف لما قاله سيدنا الشيخ الفلاني وسيدنا الولي الفلاني، ولا بد من دائما إدخال الصالحين وسطاء والذهاب إلى القبور للاستشفاع بها، حقيقة هؤلاء أخشى عليهم أن ينطبق عليهم قوله تعالى: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ما عجبكم، وَإِن يُشْرَكْ بِهِ إذا جعلنا وسطاء وقبور وسواليف واستغاثة بأموات تؤمنون، هكذا تسرون؟ لا، هذا ليس مقبولاً عند الله، يحب التوحيد، يحب أن توحده في دعائك، في قصدك، في التجائك.
لا تتعلق بقبر، ولا تتعلق بولي، ولا تتعلق بشيخ، ولا تتعلق بأحد، حقق التوحيد الخالص لله، هذا الذي أصلاً هو مقصد بعثة الرسل أن تربى القلوب على توحيد الرب المجيد سبحانه، فبتقول لك الآية: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. الْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً، وما يتذكر إلا من ينيب، فادعوا الله مخلصين له الدين، هذا أمر، وسورة الزمر ستركز أيضاً على قضية الإخلاص، الله يريد أن ندعوه وأن نعبده مخلصين له، موحدين له، لا نشرك به شيئاً، وعلى هذا تقوم ساق العبودية، ساق العبودية تقوم على تجريد التوحيد وتوحيد القلب والارادات والهمم على الرب سبحانه دون أي بشر آخر، وهكذا.
وهذه هي قوة المؤمن، قوة المؤمن إنما تتجلى في توحيده، ثم الله عز وجل أعطانا لماذا هو المعبود الحق ولماذا ينبغي أن يخلص له الدين وحده: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ. شوف تسمية القرآن روح زي ما مر معنا في سورة الشورى أيضاً، هنا مرة أخرى في سورة غافر، الله سمى وحيه روحاً لأن به حياة القلوب: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وما وظيفة القرآن وهو الروح؟ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ.
يوم التلاقي، اليوم الذي سنلتقي فيه بالله، يوم التلاق، اليوم الذي نلتقي فيه بربنا، يوم هم بارزون من قبورهم لا يخفى على الله منهم شيء، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. مرة أخرى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ. شوف الإنذار من يوم القيامة: لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ، وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ اليوم الذي أزف واقترب، يوم الآزف، اليوم الذي اقترب موعده، هذا اليوم الذي ستكون فيه القلوب عند الحناجر، سَيَعْرِضُ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ، والله كل أصنامكم وكل الأولياء والصالحين هؤلاء لن ينفعوكم شيء، الذي سينفعك يوم القيامة حسنة التوحيد لله سبحانه وتعالى، عشان هيك دائماً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، دائماً خليها على لسانك، فإن حسنة التوحيد أعظم حسنة تلتقي بها الله سبحانه وتعالى.
طيب، الله عز وجل هنا عاد ليتكلم مع كفار قريش الذين يجادلون في آيات الله ومع كل كافر لا ينصاع لحكم الله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ. هو دائماً ديدن القرآن التذكير كثيراً بالسابقين كيف أخذهم الله، شوف هنا: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ، وفي آية خمسة: فاختتهم، قضية الأخذ، الأخذ السريع السلبي السريع، أخذه الله، أخذه الإزاحة، الإزالة المباشرة الهينة على الله سبحانه وتعالى، ومن أبرز هؤلاء الذين أخذهم الله فرعون وهامان وقارون، كانوا يجادلون في آيات الله، لما جاءهم بالحق من عندنا قالوا: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ.
فرعون طبعا هذا الذي قال: اقتلوا الذكور وأحيوا النساء، لماذا أقتل الذكور؟ لأنه رأى رؤيا أن ذكراً من بني إسرائيل ستكون نهاية فرعون على يديه، فقرر فرعون أن يقتل كل الأبناء الذكور في بني إسرائيل، ولكن أمر الله نافذ ونفذ موسى ليكون هلاك فرعون على يديه، هنا ربنا عز وجل أراد أن يعطينا نموذج للإنسان الصابر الثابت على دينه، نموذج لإنسان ليس نبي، لكنه إنسان صادق، كان يكتم إيمانه، لكن في لحظة معينة انفجر غيره على أحكام الله وشرع الله، فقال لفرعون ولجنده: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ. يعني كان يكتم إيمانه، قالوا هم: كيف تقتلون رجلاً يوحد الله؟ كأنه انفجر في لحظة معينة ولم يستطع أن يتحمل حجم الاستكبار والعتو وجرأته على الله، وأخذ يجادل قومه وينصحهم: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ، يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يعني يا قوم أنا خايف عليكم من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة، خايف عليكم من النهايات الوخيمة في الدنيا كما حصل مع قوم نوح وعاد وثمود، وخايف أيضاً عليكم يوم التناد، يوم القيامة يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ.
شوف آية 35: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، شوف قضية الجدل نضع تحتها دائرة، يجادلون، الاعتراض على آيات الله، إذن الاعتراض على آيات الله ليس فقط في كفار قريش، بل هي سمة عامة في الكفار قادماً وحديثاً وإلى واقعنا المعاصر، ما زال هناك جنس بشري يجادل في آيات الله ويعترض ولا يسلم عليها: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ يعارضون آيات الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ بدون برهان، السلطان برهان، بدون حجج، أنت تعترض على القرآن وعلى وحي السماء بعقلك وذوقك؟ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ لهؤلاء الناس وَعِندَ الذين آمنوا أيضاً، أهل الإيمان يبغضون الذين يعارضون أحكام الله وآيات الله، قال: كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ. فالتكبر هو الذي يجعل أناساً من الجنس البشري يجادلون في آيات الله رغبة في دفعها.
واستمر الكلام على فرعون باعتباره رمزاً من رموز التكبر في التاريخ الإنساني: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، بدي اطلع على السماوات أنظر أفتش على إله موسى الذي يواعدني به، وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فرعون إلّا في تباب. هذا الرجل المؤمن من آل فرعون يعلن دعوة التوحيد: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ بدون حجة ولا برهان، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. استمر والله عز وجل في النهاية عصمه ووقاه: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا.
شوف شو نهاية آل فرعون؟ شو نهايتهم بعد ما قال فرعون: يا هامان ابن لي صرحاً؟ إيش نهاية فرعون؟ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وربنا بعطيك مشهدهم في النار، فرعون وأتباعه، أتباعه سيقولون، يا رب، أو أتباعه سينادونه، أتباع فرعون سينادونه فيقولون للذين استكبروا للفراعنة قديماً وحديثاً، أجناد الفراعنة سينادعون الفراعنة في نار جهنم لما يجتمعوا جميعاً، فيقول الاتباع لأسيادهم: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ يعني احنا في الدنيا خدمناكم يلا شيلوا عنا شوي من عذاب الله، فقال الذين استكبروا: والله ما حدا بيشير عن حد، كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ.
ثم في النهاية اجتمع المستكبرون والمستضعفون لسؤال الملائكة، راحوا على الملائكة لما عرفوا أن الموضوع ما فيه حل، يا ملائكة ادعوا ربكم بس يسامحنا في يوم واحد من العذاب، فالملائكة بدات تستهزئ بهم: أَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ والحجج الواضحات؟ كيف استقبلت آيات الله؟ قالوا: بالجدل، كنا نجادل ونعترض عليها، طيب، فالملائكة بتقول لهم: طيب ادعوا ربنا، شوفوا ادعوا وإذا ربنا أذن أن أخفف عنكم يوماً، سنخفف عنكم يوماً، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، الملائكة تهكمت بهم.
طيب، فيا محمد صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. يعني يا محمد لست أنت أول شخص، لست أول شخص يعارض ويتجادل بآياته، فموسى لما بعثه الله إلى فرعون فرعون عارض هو وجنوده وعاندوا، وهكذا كانت نهاية فرعون، وموسى ارتفع، وبنو إسرائيل الذين كان فرعون يسومهم سوء العذاب هم الذين ورثوا الكتاب، الآن شو عملوا بني إسرائيل بعدين وفسادهم ومشاكلهم؟ هنا سورة غافر ما ركزت عليهم، هي ركزت على فرعون وغطرسته وكيف نجى الله موسى وبني إسرائيل من هذه الغطرسة وأهلك فرعون، لأن فرعون وجنده كانوا من المجادلين في آيات الله، وأما بنو إسرائيل واشكالاتهم فهذا في سياقات سور أخرى.
فما هو الحل يا محمد صلى الله عليه وسلم أمام العتو والاستكبار والمجادله في آيات الله التي يظهرها الكفار أمامك؟ الحل: اصبر اصبر اصبر، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، والتسبيح، نحن دائماً قلنا عناصر الثبات ثلاثة: الصبر والتسبيح وقيام الليل، هنا قيام الليل لم يذكر في هذا السياق، وإنما ذكر التصبير، وعفواً الصبر والتسبيح: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، المحافظة على الأذكار ليلاً ونهاراً.
ثم الله عز وجل وضع قاعدة عامة للذين يجادلون، كان الله يقول لنبيه: إن الذين يجادلون، شوف كلمة الجدل مرة رابعة في آيات الله، بغير براهين وإنما رداً للهدى، إيش مشكلتهم هؤلاء مع القرآن؟ قال: إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ. حالة الكبر الإنساني ربنا بعطينا إياها واضحة، شوفوا أحبابي، أي شخص أنت بتقابله في الحياة، حتى لو كان يظهر الإسلام، أي شخص بتقابله بتشوفه بيعترض على آيات القرآن، أو مش عاجبيته آيات معينة، أو، ربنا أعطاك مشكلته حتى لو أظهر نفسه أنه أنا بس بدي أبحث عن حقيقة وأنه نحن بس بدنا نفكر ونحن لازم نشغل العقل والعلم المعاصر، لا، هو أنت مشكلتك في قلبك كبر على اتباع شيء اسمه وحي: إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ. شايف حالك أعلى من أنه أنا أقرأ قرآن وأسمع له؟ لا، أنا درست فيزياء، أنا درست في جامعات بريطانيا وأمريكا، ودرست، أنا آخرتي أنصاع لكلام قرآن يزعم أنه وحي؟ أنا أعلى من هيك، احنا اكتشفنا الذرة وطلعنا للسماء وخرقنا الأرض، هي حالة سبحان الله من الكبر، والكبر سبحان الله كم يفسد الإنسان، خاصة إذا كان الكبر لما يؤتى علماً ويصبح الإنسان يتفاخر بعلمه ويظن أن علمه سيغنيه عن الوحي، كما سياتي معنا في آخر سورة غافر.
قال سبحانه: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ. الله عز وجل يرد على هذا الإنسان المتكبر: أنت على ايش شايف حالك؟ ترى خلق السماوات والأرض أكبر من خلقك أيها الإنسان، والسماوات والأرض تسبح لله، سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أنت يا انسان إيش مشكلتك وأنت عبارة عن ذرة في مقابل السماوات والأرض؟ لكن سبحان الله: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ، اللي يرى البصائر والهدايات ليس كالأعمى الذي حجبت عنه هذه البصائر والهدايات، وَلَا يَسْتَوِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمَسِيءُ.
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ عندما يريهم هذه الآيات التي تدل عليه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، يا جماعة، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ.
شوف أعظم كذبة في الوجود هي كذبة الشرك، وأعظم حسنة وصدق في الوجود هو صدق التوحيد، يعني لماذا أعظم كذبة في الوجود هي كذبة الشرك؟ لأن حجم الدلائل على وحدانية الله في آيات السماوات والأرض إخواني لا تعد ولا تحصى، أنت لما يكون الشيء عليه ألف دليل وتروح أنت تكذب فيه، مش أنت بتحكوا يا اخي مش منطق هذا يكذب بشيء عليه ألف دليل؟ طيب فما بالك وحدانية الله ووجود الله وتفرد، مش ألف ولا ألفين بل ملايين، بل أظنه تحصى دلائل وجود الله ووحدانيته.
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كل شيء فعله سبحانه وتعالى هو المتصرف الوحيد، فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ؟ تؤفكون يعني تصرفون عن التوحيد، كيف تؤفك، كيف تصرف أيها الإنسان عن توحيد الله وأمامك ملايين الأدلة في نفسك وفي السماوات وفي الأرض في كل البحار والجبال، كل شيء له آية يدل على أنه واحد، لكن هي الاستكبار، لذلك أنتم بتلاحظوا من لما بدأنا في سورة الناس للآن، أكبر مشكلة في الإنسان هي مشكلة الاستغناء والاستكبار والششعور بالذات والتمركز حول نفسه بدلاً من التمركز حول الإله والخضوع والعبودية له والاستشعار بالافتقار إليه، لذلك دائماً القرآن يحذر من الكبر ومن أشكاله ومن لوازم لأن هو آفة الإنسان.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ، فبيرجع ربنا يذكرنا بعد كل هذه الآيات: ماذا يستحق هذا الإله؟ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. شوف في بداية سورة غافر آية 14: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، بيرجع ربنا في آية 65 بيذكرنا في نفس الدرس: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، شوف التناسب بين مواضيع السورة وتلاحمها.
طيب يا محمد صلى الله عليه وسلم، قل للمشركين: إِنِّي نُهِيتُ.
ان أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسسلم لرب العالمين. ذكرهم بأصل خلقتهم، من الذي خلقكم؟ خلقكم من تراب، نطفة، ثم أصبحتم شيوخا، ومنكم من يتوفى. هو الذي بيده الإحياء والإماتة، هو المتصرف، فهو الذي يستحق أن يعبد.
ثم قال سبحانه في آية تسع وستين، سامحوني أنا تعبت قليلا، آية تسع وستين: ألم تر إلى الذين يجادلون. رجع مرة أخرى سياق سورة غافر، بقول لك سورة غافر هي تتكلم عن حالة الجدل الإنساني، الاعتراض الإنساني على الآيات الإلهية وعدم الخضوع أمامها: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله، يعني أنت أيها المجادل أنى يصرفون، أنك استفهام تعجبي استنكاري. كيف تصرف؟ إيش اللي بيصرفك أيها الإنسان عن عبودية الله والخضوع له مع أن كل شيء يدل عليه، كل شيء يخخبر بكماله وجلاله؟
طيب، الذين كذبوا بالكتاب وبما، الآن هنا وعيد، إذا بدك تضلك تجادل: فسوف يعلمون. إذا بدك تضلك تجادل فسوف يعلمون، إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون. ثم إلى آخر الآيات: ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون. كل هذا العذاب الشديد لأنه أنتم الآيات ما تنصاعوا لها، بطرتم في الأرض، ظننتم أنكم تملكون الأرض، أن الحياة لكم، ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين.
ثم مباشرة شوف الخطاب إلى الدعاة، إلى أهل الدعوة إلى الله: فاصبر إن وعد الله حق. مرة ثانية يا أيها الدعاة، اصبروا وصابروا، اتحملوا عناد الكافرين، هي جولة من الجولات، والختام يوم القيامة: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، وما كان لرسول أن يأتي باية إلا بإذن الله، فاذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون.
ثم يذكرون الله أيضا مرة أخرى بكمال من كمالاته ونعمه من انعامه الدالة على وحدانيته: الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها. شوف كيف الله عز وجل يشير إلى أدلة وحدانيته هكذا ضمن كلامه عن المعاندة من الكافرين لآيات الله. فمثلا هون آية تسع وسبعون: الله الذي جعلكم أنعام لتركبوا منهم ومنها تأكلون، ولكم فيها منافع. تكلمت عن كمالات الله في خلق الأنعام، الأنعام للإنسان وتسخيرها له. في مثلا في آيات أربعة وستين: الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء. في آية سبعة وستين: هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة. نجي على أول السورة: أي هو وينزل لكم من السماء رزقا، وما يتذكر إلا من ينيب.
فتجد أن الله عز وجل في كل جولة بيعطيك هكذا معنى من المعاني الذي ينبهك على كمالاته، كانك كلما تذكرت مرة الأنعام، مرة نظرت لخلق الإنسان، مرة نظرت لخلق السماوات والأرض، مرة نظرت لنزول الغيث من السماء، كل مرة بعطيك وجبة، بعطيك إشارة، بعطيك تنبيه، لعل ذلك الإنسان يستيقظ.
طيب، ثم عاد الله عز وجل يحذر كفار قريش مرة أخرى أن عذابكم ليس صعبا علي: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ وبيرجع ربنا بقول لهم: ترى اللي قبلكم كانوا أشد وأعلى منكم قوة، ولم تغن عنهم قوتهم شيئا، ولما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا. الفرح هنا فرح المستكبر وهو نوع من الاستكبار، فرحوا بما عندهم من العلم. أجت الرسل بالآيات والقران وهم ماذا قالوا؟ إحنا عندنا علم، نحن أصحاب الفيزياء والكيمياء والأحياء، كحال الملحدين اليوم الذين يستكبرون بعلمهم. وبعض، حتى للاسف بعض ممن ينتسب أو يظن نفسه مسلما ويذهب إلى الغرب وبيدرس في جامعاتهم وبيتخرج منها وبيصير شايف حاله، لما تيجي تقول له قال الله، بقول لك: يا اخي أنتم لساتكم عايشين على قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، العلوم تطورت والحياة تقدمت؟ سبحان الله، هؤلاء تنطبق عليهم هذه الآية: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات -إذا قلت له قال الله- فرحوا بما عندهم من علوم الدنيا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون.
فلما رأوا باسنا، هذا اللي بقول لك يا اخي علوم تطورت ودعك من قال الله، لما رأوا باسنا مات، لما يرشفوا عذاب القبر وعذاب النار بل حتى عذاب الدنيا، قالوا: آمنا بالله وحده. والله طلع يعني قال الله طلعت حقيقية، طلع لها معنى! اه، بس إيمانك في هذه اللحظة ما راح ينفعك، لأنك آمنت بعد أن فات الأوان: قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. ما عدنا نؤله العلوم الحديثة، آمنا بالله وحده، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا. الله أعطاك فرصة الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، بعد أن عاينت عذاب، عاينت عذاب الله لا ينفعك هذا الإيمان.
الإيمان الذي ينفع هو الإيمان بالغيب: الذين يؤمنون بالغيب، أن تؤمن قبل المشاهدة. أما بعد أن تشاهد العذاب يصبح أمامك تيجي تقول لي بدي أؤمن، هذه ليست، ليس هو الإيمان الذي يريده الله. الإيمان الذي يريد الله من الإنسان أن يحققه هو الإيمان بالمغيبات، أن تؤمن بوجود الله وأنت لم تره، أن تؤمن بالجنة والنار وأنت لم ترها ولكنه أقام آلاف الدلائل عليها. هيك هي قصة الإنسان، قصة الإنسان في الدنيا، في الحياة، أن هناك غيب، وهو الله والدار الآخرة والجنة والنار، هذا الغيب بدك تؤمن فيه، هيك أنت أيها الإنسان، هذا له، والكم هكذا أنت وجدت، أقيمت لك آلاف الدلائل عليه، دلائل فطرية وعقلية، وجبت لك رسل تخبرك عن هذه الحقائق أنه في إله موجود وفي يوم آخر موجود. الآن، إذا به آمنت غيبا بينفعك، ما آمنت به غيبا، آمنت به بعد أن عاينتها ما بينفعك.
هكذا هي القضايا واضحة جدا في القرآن: الذين يؤمنون بالغيب. عشان هيك ربنا قال: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا، لأنه ليس هذا هو الإيمان الذي يريده الله. سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون. سنة الله المتكررة أن الإيمان في لحظة المعاينة لا ينفع صاحبه شيئا. ونكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر من التعليق، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وأن يبصرنا وأن يعلمنا بمقاصد كتابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل