السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، اللهم يسر وأعن يا الله. حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك. صوت جيد إن شاء الله، إن شاء الله أن يكون الصوت جيد، فقط لو ينبهنا أحد الإخوة أو الأخوات عبر اليوتيوب. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اتقى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم نج المستضعفين من عبادك، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم الطيب المبارك في يوم الجمعة أن تكتب لعبادك المجاهدين نصراً مؤزراً، وتنجي عبادك المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها. اللهم إنا نسأل فرجاً عجباً من عندك يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في صباح طيب مبارك في يوم الجمعة، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المجلس مجلس خير وبركة ومجلس علم ونفع، ويعقبه عمل يرضيه سبحانه وتعالى. ما زلنا أيها الكرام نعيش في رحلة الإنسان في القرآن، هذه الرحلة التي امتدت بنا من ظلال شهر رمضان -أسال الله سبحانه وتعالى أن يعيده علينا سنوات عديدة- وها نحن نسير إلى أفيَاء السور الأخيرة ولكنها السور الكبيرة. فنحن بدأنا في هذه الرحلة من سورة الناس وانتقلنا سورة سورة وواصلنا أيها الكرام إلى سورة المائدة. هذه سورة المائدة هي إحدى السور العظيمة، إحدى السبع الطوال التي يبتدئ بها ترتيب المصحف، وإن كانت سورة المائدة من أواخر السور نزولاً فيما يعلم أنها من السور المدنية. يعني سورة المائدة تختلف عن سورة الأنعام تماماً في هيكلتها الداخلية، وإن كان في هناك نقاط اشتراك دائماً حتى بين القرآن المكي والقران المدني، لكن هذه السورة سورة مدنية تؤسس لمجموعة من الأحكام الشرعية.
أيها الكرام، سورة المائدة هي سورة العقود بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى، سورة أتت لتؤسس لمفهوم عظيم في حياة الإنسان وهو يسير في هذه الدنيا، وهو أنك أيها الانسان منذ ولدت إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى أنت في عقد بينك وبين الله، وعليك أن توفي هذا العقد. انظروا إلى حسن السبك وبهاء الصورة بين بداية هذه السورة المباركة وبين ختامها، ابتدأت السوره بقوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، واختتمت السورة بقوله تعالى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. شوف هذا الجمال الذي يجمع لك بين الفكرة الأولية في السورة والفكرة الختامية، فتعرف المقصد العام والفكرة العامة التي تحوم حولها هذه السورة الطيبة المباركة، وهي سورة العقود، وهو أن الإنسان منذ خروجه إلى الدنيا إذا بلغ وأصبح مكلفاً فهو في عقد بينه وبين الله، في عقود الحلال والحرام، في عقود العقيدة، في عقود الأخلاق، وعليك أن توفي هذا العقد، وعليك أن توفي هذا العقد مع الله سبحانه وتعالى. لتختتم هذه السورة بتبشير الله سبحانه وتعالى لمن صدق مع الله في هذا العقد من المؤمنين: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فيقول سبحانه وتعالى في الآية قبل الأخيرة في السورة: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. فتكتمل حلقات هذه السورة الطيبة المباركة.
وفي ثنايا هذه السورة نجد في كل حين يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى بضرورة الوفاء بالعقد، ويحذرنا أن نسير على طريقة اليهود والنصارى الذين خانوا العقود وأخذ الله عليهم العهود فبدلوا. إذاً الأجواء العامة لسورة المائدة أيها الكرام تركز على هذا المبدأ وعلى هذا المفهوم العظيم: أنت أيها الانسان في كل يوم من أيامك، وفي كل سنة من سنواتك، وفي كل خطوة من خطواتك أنت متعاقد مع الله بحلال وحرام وعقيدة وسلوك، فعليك أن توفي هذا. واحذر أن تبدل، واحذر أن تغير، واحذر أن تتلاعب بشرع الله سبحانه، وأن تتقاذف بك الأهواء، واحذر أن تغير اصطفافاتك، فالله سبحانه وتعالى شاهدنا على هذا العقد وسيجزي الصادقين بصدقهم. ولا عزاء لمن خانوا وبدلوا ممن يسيرون على طريقت اليهود والنصارى في التبديل والتغيير.
هذا هو المفهوم العام، والآن دعونا نعيش في أفيَاء هذه السورة في أفكارها العامة. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. شوف البداية أمر، ذلك كان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارعها سمعك، فإنما هو أمر يؤمر أو نهي ينهى أو خبر يصدق. فعليك أن تركز دائماً وتنتبه، وتعلَم أن الخطاب إليك، نعم في القرن الخامس عشر الخطاب موجه إليك: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، العقود التي بينك وبين الله يجب أن توفى. ثم سنجد أن السورة طريقتها أن تذكر طائفة من هذه العقود وهي الحلال والحرام، تذكر جملة من هذه العقود التي بيننا وبين الله، ثم تعيد فتذكر بحال الذين خانوا العقود، ثم تأتي مرة أخرى بمجموعة من العقود، ثم تأتي فتحذر من نقض العقود وتبديلها والتلاعب بها.
ففي بداية هذه السورة يقول ربنا سبحانه وتعالى في بيان عقد من هذه العقود: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ. يقول الله عز وجل: أحللت لكم بهيمة الأنعام أن تأكلوها، وبهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم وما شابهها. فقوله: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما سيتم استثناؤه بعد قليل من بهيمة الأنعام، وهي الميتة والموقوذة والمتردية والنطيحة، هذا نوع من بهيمة الأنعام يعتبر من الميتة لا يجوز أكله، وإلا فبهيمة الأنعام متى ذكيت فإنها حلال، ولا يجوز لكم أن تتلاعبوا بهذه الجزئيه فتحرموا ما أحل الله. ولعلنا في سورة الأنعام في المجلس الماضي، وسيأتي معنا أيضا هذا في سورة المائدة في ختامها، عرجنا في سورة الأنعام إلى ما كان يفعله كفار قريش من تحريم بعض بهيمة الأنعام، وقالوا: مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا. فكما أن تحليل ما حرم الله خطير، كذلك تحريم ما أحل الله خطير، وكلهم من صور التلاعب، وكلهم من صور خيانه العقود وعدم الوفاء بالعهود مع الله سبحانه وتعالى. لا يجوز أيها الانسان أن تلعب بشريعة الإله، لا يحق لك أيها الانسان أن تتقاذف هذه الشريعة كيفما شئت. فيقول سبحانه هنا: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّ الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ. ومن العقود بينك وبين الله أنك وأنت محرم لا يجوز لك أن تصيد، وهذه من الأحكام التي تذكر في باب الحج، وهو أن الإنسان إذا أحرم بحج أو عمرة ففي أثناء إحرامه لا يجوز له أن يصيد حيواناً برياً متوحشاً، طبعا كالحمر الوحشية والبقر الوحشي وما شابه ذلك من النعام وغيره. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، شوف هذا الختام للآية الأولى، الله هو الذي يحكم، هو الذي يشرع، وانت عليك أن توفي بالعقد.
طيب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا -دائماً يا أيها الذين آمنوا إذا ركز- لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ، لا تتخطى الخطوط الحمر فتستحق غضب الله سبحانه وتعالى، وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ، والشهر الحرام وكانه عطف خاص على عام ومن شعائر الله، فالأشهر الحرام لا يجوز فيها القتال -وهل نسخ هذا الحكم أو لم ينسخ مسألة أخرى- لكن الله حرم فيها القتال إلا لمن اعتدي عليه. لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ، يعني إياكم أن تعتدوا على الهدي الذي يهدى إلى الله في الحرم، ولا على القلائد. والقلائد هي الغنم والإبل التي كانت تهدى سواء من الحجاج والمعتمرين أو ممن -وهذه هناك سنة مهجوره قديماً كمن السنن المهجورة اليوم- كان أهل المدينة والمسلمون في أي بقعة من البقاع يستطيعون أن يرسلوا هدايا إلى بيت الله الحرام من الإبل والغنم وهم جالسون في بلدانهم، إذا رأوا رجلاً خارجاً إلى عمرة أو رجلاً خارجاً إلى حج يقولون له: خذ هذه الشياه معك أهديها إلى بيت الله الحرام، أو خذ هذه الناقة معك أهديها إلى بيت الله الحرام. وكانت هذه النوق وهذه الشياه يوضع عليها قلائد، يوضع عليها قلائد حتى إذا جاء قطاع الطرق فأرادوا أن يغزوا على قافلة من قوافل الحج أو العمره فرأوا هذه القلائد عظموها فلا يقتربون من هذه النوق أو هذه الأغنام لمعرفتهم أنها مهداة إلى الله، أما إذا لم يروا عليها قلائد فكانوا يسطون عليها وياخذون ويعرفون أنها للبشر.
يعني حتى قطاع الطرق كان عندهم احترام، كان عندهم احترام لما أهدي لله سبحانه وتعالى، بخلاف كثير من الناس اليوم الذين لا يهتمون بشعائر الله! فالله سبحانه وتعالى يحذر: إياكم أن تستحلوا شعائر الله، ومن شعائر الله الأشهر الحرم لا تستحل بالقتال فيها، ومن شعائر الله الهدي والقلائد التي تهدى إلى بيت الله الحرام. الهدي هو الذي يكون مع الحجاج والمعتمرين كما قلنا، وكذلك القلائد التي تكون معهم، إياكم إياكم أن تعتدوا عليهم. وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا، وكذلك فاحذروا أن تعتدوا على قاصدي بيت الله الحرام الذين يريدون الحج أو العمرة، هذا كله من شعائر الله التي لا يجوز انتهاكها ولا استباحتها، واستباحتها خيانة للعقد بينك وبين الله سبحانه وتعالى.
ثم قال سبحانه: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا، إذا انتهيت من إحرامك وحللت فلك أن تعود إلى الصيد. ثم قال: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا، أيضا من العقود بيننا وبين الله أننا لا نعتدي على خصومنا، ولا يحملنا بغضنا لأعدائنا على أن نظلمهم وأن نعتدي على حقوقهم. ثم قال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. هذه كلها عقود، هذه كلها من جملة العقود التي ينبغي أن نتقي الله فيها.
أيضا من جملة العقود: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ من هذه الأمور. طبعا هذه أشكال من أشكال أي الميتة، هذه كلها أشكال من أشكال الميتة: الميتة، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، وجزء منها أيضا من المحرمات المستقلة كالدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، فهذه كلها أيضا من الأمور المحرمة، فلا يجوز لكم أن تقتربوا من هذه الأمور. إذاً لاحظوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، ثم بدات هذه السورة تذكر هذه العقود تباعا.
كذلك: وَأَن تستقسموا بالأزلام، وقد كان كفار قريش يستعملون القمار ويستقسمون بالأزلام، فقال سبحانه: ذَلِكُمْ فِسْقٌ. ثم ختمت الآية: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. وهذه الآية نزلت متى أيها الكرام؟ من يعرف متى نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا؟ من يعرف متى نزلت هذه أو هذا المقطع من السورة؟ يا رب أسأل الجمهور. جميل، أحسنت شيخ حازم، في حجة الوداع. في حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يخطب خطبته نزلت عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. لذلك جاء اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: آية أنزلت عليكم لو أنزلت علينا معشر اليهود لاتخذناها عيدا لاتخذناها عيدا! فقال عمر: وما هي؟ قال: قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي. فعقال عمر: والله انني لأعرف متى نزلت، وفي أي يوم نزلت، والمكان الذي نزلت فيه، انها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة وهو يخطب الناس. هذا طبعا دلالة أن عمر كان محتفيا بلحظات التنزيل وواعيا لكل جزئية من جزئيات هذا الدين العظيم، وهو يرى هذا الدين يكتمل بناء وأحكاماً وأذواقاً: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
إذاً الله عز وجل انظر ما جمال هذه الآية، الله يقول: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. يا أيها البشرية، يا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الدين هو الذي ارتضيته لكم إلى قيام الساعة، فعليكم أن ترضوا بهذا الدين. من رضي بهذا الدين ووفى بالعقود مع الله سبحانه وتعالى وهو يسير على مراد الله عز وجل.
وهذا الدين قائم على قاعدة التيسير وليس على قاعدة التعسير، قال لذلك ختم الآية بقاعدة اليسر، قال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. فمن اضطر -عفواً ذهب الذهن إلى آية أَمَّا آيَةُ- فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. فقال سبحانه وتعالى: وضعت لكم قواعد محكمه وشرائع ثابته، والانسان إذا وقع في ضرورة من الضرورات فإن الضرورات تبيح المحظورات. الله عز وجل يريد أن يبين قاعدة الشريعة الكلية أن الله عز وجل يوجب واجبات ويحرم محرمات، وهذه الأمور في حال الاختيار، أما إذا وقع الإنسان في اضطرار من الاضطرار فإن الاضطرار يبيح لكم أن تتخطوا وتفعلوا المحظورات، فاذا زالت حالة الضرورة -والضرورة تقدر بقدرها- عاد الأمر على ما كان عليه، لاحظ! وهذه قواعد كلية يفهمها الفقهاء. فيستنتج أيضا من العقود التي بيننا وبين الله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ. ماذا أحل لنا من الأطعمة والأشربة؟ فيقول سبحانه: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ. الطيبات من الطعام والشراب بخلاف الخبائث. وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ. ومن جملة ما أحل من الطيبات ما اصطدناه بماذا؟ بجوارحنا المعلمة. الله عز وجل يخبرهم أنه إذا كان لكم كلب أو شيء من هذه الجوارح التي يصطاد بها، حتى ولو كان من الطيور كالصقر والبازي، فعلمت هذه الجوارح كيف تصيد لكم، وصاد لكم بالطريقة الشرعية، فإن الله سبحانه وتعالى يحل ما صادته هذه الجوارح لكم، وهو داخل من جملة.
الطيبات، قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْتُمْ عَلَيْكُمْ. وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. وقال سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتِ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ. اخبر أن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أيضا ذبائح أهل الكتاب، ولو لم يكونوا مسلمين. ذبائح أهل الكتاب مباح لكم لأنهم يشتركون في أصل الفكرة أنهم من أصحاب الكتب السماوية وإن كانوا بدلوا وغيروا.
قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ. أيضا أخبر الله عز وجل أنه أحل لنا العفيفات من المسلمات والعفيفات من اليهود والنصارى. طبعا اليهود والنصارى بالشروط المذكورة في كتب الفقه: أن يكون والدها ووالدتها من اليهود الأصليين أو النصارى الأصليين. وأما من كان والدها أو والدتها من الملحدين أو ما شابه ذلك، فهؤلاء بناتهم لا يعتبر من أهل الكتاب الذين يجوز لنا أن ننكحهم. المهم هناك تفصيلات ليس هذا موضع ذكرها، لكن المهم أن الله عز وجل يخبر ماذا أحل لنا من طعام اليهود والنصارى ومن عفيفات اليهود والنصارى.
قال: والمحصنات. المحصنات هنا بمعنى ماذا؟ العفيفات. إن كلمة المحصن في القرآن ايها الكرام تأتي على معاني متعددة. الإحصان يأتي في القرآن بمعنى المتزوجة، والإحصان في القرآن يأتي بمعنى العفيفة تمام. وأحيانا يأتي كلمة المحصن بمعنى الحرة ويقابلها الأمة. فالإحصان له ثلاثة إطلاقات: الإحصان بمعنى العفيفة، الإحصان بمعنى المتزوجة ويقابلها غير المتزوجة، الإحصان بمعنى الحرة ويقابلها الأمة.
طيب، قال سبحانه وتعالى، لذلك ماذا قال بعد ذلك؟ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، والاجور هنا بمعنى المهر. مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ. يعني هذا شرط حتى تنكحوا المحصنات والعفيفات من أهل الكتاب كما قال: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ، أن يكون هذا على وجه الإحصان لا على وجه السفاح، وأن تكون هؤلاء النساء ليسوا من النساء الفاجرات اللواتي يتخذن أخدان. اللواتي يتخذن أخدان يعني أصدقاء في السر، يعاشرونهن ويخرجون معهن. كحال كثير -ليس فقط من أهل الكتاب للاسف- كحال كثير حتى من نساء المسلمين الذين يتخذون الأخدان الصداقات التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى تمام.
طيب، هنا أحد الأخوة يسأل: هل تشمل الذين هم اليوم من اليهود والنصارى؟ هي لها شرط كما قلت لك أيها الحبيب، وهي أن يكون هذه الفتاة النصرانية أو اليهودية والداها من اليهود الأصليين أو النصارى الأصليين. طبعا ليس مراد الأصليين يعني هم ليسوا على الشرائع المببدلة؛ فإن كل اليهود والنصارى يعتبروا الآن على الشرائع المببدلة. لكن لا يكون مثلا والدها ووالدتها من الملحدين، وهذا كثر اليوم. الإنسان يحتاط، اليوم الأمور ليست مثل القدم على أن ينتبه الإنسان، فقد كثر الالحاد في هؤلاء القوم وتركوا حتى دينهم من اليهودية أو النصرانية.
طيب، قال سبحانه: وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. طبعا إخواني القراءة التفصيلية تجعلك تقف على تفاصيل كل مقطع وكل جملة، لكن هنا نحن كما اتفقنا إنما هي قراءة جملية.
أيضا من جملة العقود: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. شوف هذه السورة يعني ما زلنا في بدايتها وكثر فيها يا أيها الذين آمَنُوا؛ لأن سورة المائدة هي تخبر عن العقود التي بيننا وبين الله. فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. الآن انتقل الموضوع إلى تشريع آخر وهو تشريع الوضوء، إلى الكلام عن الوضوء: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
فاخبر الله عز وجل أولا عن تشريع الوضوء، ثم أخبر أن الإنسان إذا لم يجد ماء فانه يتيمم. فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. طيب، كيف يكون التيمم؟ قال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ. والأيدي هنا عند الحنابله إلى الكوع. ثم أعاد ليؤسس أو ليذكر قاعدة الشريعة: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ. وكل هذه الأحكام إنما هي لصالحك أيها الانسان. هذه الأحكام ليس المراد منها الإثقال ولا التحكم، وإنما المراد -وإن كان الله عز وجل له أن يفعل بنا ما يشاء- لكن يخبر عن حكمه هذه الشريعة. هذه الشريعة لم تاتي فقط لتفرض القيود والأغلال على بني البشر، وإنما جاءت لتسمو بك ولترتقي بك، وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ. فهذه الشريعة نعمة، وهذه الأحكام الإلهية خير والله لنا في ديننا ودنيانا.
ثم قال سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِه. كلمة الميثاق ستتكرر كثيرا في هذه السورة؛ لأننا نتكلم عن العقود، والعقد ميثاق. فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِه إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إذا، بمجرد أن تقول: أشهد أن لا إله إلا وأن محمد رسول الله، أنت تدخل في هذا الميثاق. أنت تدخل في هذا الميثاق. أنت بايعت الله سبحانه وتعالى، فعليك أن توفي هذه البيعة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ. شوف هذه العبارة ما أجملها في حياة الإنسان! كونوا قوامين لله. الشيء الذي يجعلك تنبعث للقيام والحركة في هذا الكون هو الله سبحانه وتعالى. لا تقم لنفسك ولا لرغباتك ولا لشهواتك ولا لنزواتك، وإنما قيامك في هذه الدنيا والحركات والسكنات -قل وهذا يوافق ما ورد في آخر سورة الأنعام: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- كونوا قوامين لله. إذا قمت، قم لله. إذا تحركت، تحرك لله. خلي جولاتك وصوتك في هذه الدنيا لله رب العالمين. كونوا قوامين لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ.
ثم قال: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. شوف، في الصفحة الأولى أو في الجزء الأول قال: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا. إذاً، سورة الأنعام أيضا كما أنها تقرر قاعدة اليسر في الشريعة، أيضا تقرر قاعدة العدل في الشريعة. لاحظوا هذه الصور أو هذه الصفحات حقيقة مليئة بالأفكار الكلية التي الفقهاء عندما يؤسسون أحكامهم يؤسسون بناء عليها. أولا: قاعدة عدم الاعتداء حتى على المخالف، حتى على العدو: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا. ثم قاعدة اليسر في قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ. ثم عاد فكرر قاعدة اليسر: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ. ثم عاد ليؤكد قاعدة العدل فقال سبحانه وتعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. هذه كليات الشريعة وهذه العقود الكبرى التي بيننا وبين الله سبحانه وتعالى.
ثم قال عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ. كان هذا ذكر لجزاء الوفاء بالعقد؛ إذا وفيت بالعقد وبالميثاق الذي بينك وبين الله، فإن الله يعدك بماذا؟ مغفرة وأجر عظيم. أما الذين نقضوا العهود وخرجوا عن الشرعة الإلهية وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
ثم قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ. قيل: هذه الآية نزلت في حادثة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في فتح مكة في منطقة من المناطق، أو في ال... يعني أظنها في فتح مكة، كان في منطقة من المناطق فنزل عليه 80 من كفار قريش وهم في الصلاه يريدون أن يقتلوهم، فتمكن المسلمون من أسرهم جميعا. أما في الحديبية؟ أما في فتح مكة؟ لا يحضرنا الآن متى كانت الواقعة، لكن المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي مع اصحابه في سفره باتجاه مكة، وهم في أثناء الصلاة هبط عليهم 80 مقاتل من أهل مكة يريدون أن يقتلوهم، فاستطاع النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابه الكرام أن يستحوذوا عليهم جميعا. فنزلت هذه الآية: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يريدون قتلكم فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ لما مكنكم من اعتقالهم. ثم قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق سراحهم: وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
الان الله عز وجل يريد أن ينبهنا كقاعدة كلية ويحذرنا من نقض المواثيق، ويحذرنا من أن نكون على نهج اليهود والنصارى. فقال سبحانه وتعالى: اسمعوا يا اهل الايمان، وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. بنو إسرائيل أخذنا عليهم الميثاق من قبلكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا. الله عز وجل وضع عليهم 12 مسؤول، هذول النقباء. وقال الله: إِنِّي مَعَكُمْ ۖ أَنَا مَعَكُمْ، بس وفوا بالعقود؛ لَئِن أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
طيب، أما إذا نقضت العهد؟ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ. خرج عن الخط. فماذا فعل اليهود بالعقود بينهم وبين الله؟ قال: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّهُمْ. طبعا هذه (ما) هنا زائدة، هي فبميثاقهم، لكن (ما) تزاد هنا على سبيل التوكيد. الله عز وجل يقول: فبسبب نقضهم لهذا الميثاق، الله عز وجل يقول: بنو إسرائيل أخذت عليهم العقود وقلت لهم: إني معكم، ساعطيكم من النعم في الدنيا والآخرة، أطيكم، لكن أوفوا بالعقود.
لكن للأسف بنو إسرائيل في الوقت المعاصر وفي الوقت الماضي اهل نكث للعهود. أنظروا كيف يفعلون الآن مع إخواننا في غزة -أسأل الله أن يفرج همهم- قوم بهت، خُونة، قوم ليس لهم ذمة ولا ضمير وَلَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً. فالله عز وجل يخبر عن بني إسرائيل: فبسبب نقضهم الميثاق بينهم وبين الله لعناهم. فماذا ترجو من قوم ملعونين؟ الله عز وجل صب عليهم لعنته إلى يوم القيامة. لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً. ما عندهم أي رحمة، ما عندهم أي شفقة، جفاء فيما بينهم. انظروا إلى حالهم اليوم وجفاء في نظرتهم إلى الآخرين، إلى الجنس الآخر من البشر أو الأجناس الأخرى من البشر؛ يقتلون ويسفكون ويهتكون. قلوب قاسية، وهذا كله من عذاب الله لهم حتى يستحقوا صميم نار جهنم والعياذ بالله.
لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ. من سيمى بني اسرائيل التلاعب بشرع الله، فتلاعَبوا وبدلوا الكلم عن مواضعه. بدلوها ألفاظا وأحكاما. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. يعني تركوا كثيرا من أحكام الشريعة التي أمرهم الله بها. وليس هذا النسيان الطبيعي، لا لا، النسيان هنا هو بمعنى الإعراض. تركوا كثيرا من أحكام الله التي جاءت في التوراة، ألقوها وراء ظهورهم.
قال: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ. لذلك يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا زلت تطلع على خيانات متكررة في بني النضير وفي بني قينقاع وفي بني قريظة. ومن يعرف السيرة يعرف حجم الخيانات المتكررة التي وقع فيها هؤلاء. قال: إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ. شوف إنصاف القرآن! إلا قليلا من اليهود ممن أسلم معك أو ممن لم يسلم ولكنه لم يخن، وهؤلاء قلة فيهم. وإلا فالسواد الأعظم أنهم قوم خونة. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ. في تلك اللحظة أو لما نزلت هذه الآية، قال المفسرون: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن قتالهم في ذاك الوقت، وإن كان أمر بقتالهم فيما بعد ذلك، لكن في هذا الوقت -ليس هذا وقت نزول هذه الآية، ليس هذا وقت قتالهم- فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
ثم قال عن النصارى أيضا، قال: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى. أيضا النصارى أخذ الله عليهم الميثاق في الإنجيل الذي أنزله على عيسى بن مريم. إذا، شوف كيف تركز سورة المائدة على قضية المواثيق والعهود. قال: أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ. فماذا فعلوا بهذا الميثاق؟ هل وفوا؟ قال: فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. فعلوا كما فعل اليهود، تركوا جل أحكام الإنجيل وتلاعبوا بها ومشوا مع أهوائهم. فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
لاحظوا، إذن الله عز وجل يخبر أنه ألقى العداوة والبغضاء بين فرق النصارى. لذلك اليوم النصارى ينقسمون إلى كاثوليك وأرثوذكس، وتجد بينهم عداوة شديدة مستحكَمَة بين شرق أوروبا وغرب أوروبا، بسبب... كذلك بين روسيا وغيره، مع أن النصرانية هي الموجودة، لكن تقول: لماذا يقتتلون؟ لأنهم أصلا ما قاد لكم أنهم على قلب رجل واحد. الفرق الرئيسية هي الأرثوذكس والبروتستانت أو... الكاث... أو عفوا الكاثوليك والأرثوذكس تمام، الكاثوليك والأرثوذكس وهناك فرق أخرى تتفرع وهناك فرق غير هاتين الفرقتين وكلهم يأكل بعضهم بعضا، ويكره بعضهم بعضا، وكل ينتظر أن يلتهم الآخر يفني وجوده كما يقولون. من الذي أغرى بينهم العداوة والبغضاء؟ وما سبب ذلك؟ سبب ذلك لما تركوا شرع الله وراء ظهورهم، الله سبحانه وتعالى القى بينهم وأغرى بينهم هذه العداوة والبغضاء.
وقال المفسرون: بالنسبة لليهود، الله عز وجل قال: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ -وهذه ستاتي معنا في ثنايا السورة-. بالنسبة للصارى، قال الله عز وجل: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ. وأيها أشد؟ أغرينا بينهم العداوة ولا ألقينا بينهم العداوة؟ أيها أشد أيها الكرام؟ ألقينا بينهم العداوة التي ذكرها الله في اليهود، أم أغرينا بينهم العداوة التي ذكرها الله في النصارى؟ اسمع منكم يا... يا رب. هذا سؤال للجمهور. سريعا، الشيخ حازم يقول: أغرينا. طيب أحسنت، هدمت، بَادَرتَ، رفع الله بك. الإغراء أبلغ وأشد من الإلقاء، ولذلك يقولون: فرق النصارى الخلاف بينها أشد، والاقتتال بينها أشد من الاقتتال الذي يكون بين اليهود -وإن كان اليهود أيضا تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى- لكن النصارى قلوبهم ليست على بعضها البعض. ولذلك انظروا في الحرب العالمية الأولى والثانية كيف قتلوا الملايين منهم قتلوا.
الملايين بالأسلحة المختلفة، ودمر بعضهم بعضاً، وهذا يؤكد لك أن قلوبهم ليست عند بعضها البعض. أنسى التحالفات الدولية، هذه التحالفات الدولية التي ترونها أيها الكرام إنما هي التقاء مصالح. ولذلك أنا مستبشر حقيقةً على كثرة الجراح التي أراها في أمتي، لكنني مستبشر أن المستقبل لهذا الدين، وعندي ثقة أن هذه الأمة إذا رجعت إلى دينها فالأمر هين بإذن الله في زوال هذه الامبراطوريات العظمى التي سامت المسلمين سوء العذاب.
إنما الفشل من أنفسنا، فإذا استقمنا على أمر الله فاعلموا أن أمرهم هين. فالله يخبر أنه ألقى العداوة والبغضاء بين طوائف اليهود، ويخبر أنه ألقى، وليس فقط ألقى، أغرى العداوة والبغضاء بين طوائف النصارى. فالله سبحانه وتعالى إذا أمر أمراً صرف قلوبهم وإرادتهم عنا، وأشغلهم ببعضهم البعض بحروبهم، فيفيض بعضهم بعضاً ويقتل بعضهم بعضاً، ليأتي الإسلام يستأثر، لكن علينا نحن أن نبذل، علينا نحن أن نصحح البوصلة مع الله سبحانه وتعالى، ونعود نتمسك بشرع الله عز وجل. وإلا فلا يهولنكم ما ترون من تقدمهم التكنولوجي والاستخباراتي ومؤسساتهم العالمية، نعم هم اخذوا بالأسباب، لكنها ستبقى كبيت العنكبوت، ستبقى كبيت العنكبوت الهش؛ لأنها لم تقم على تقوى من الله ورضوان وإنما على شفا جرف هار.
طيب، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا. الآن الله عز وجل هنا يخاطب اليهود والنصارى، يقول لهم: يا يهود ويا نصارى، أنتم بدّلتم كثيراً وتلاعبتم كثيراً بالمواثيق، سواء اليهود تلاعبت بالتوراة، وسواء النصارى تلاعبت بالإنجيل. الآن كأنكم أمام الفرصة الأخيرة، تقفون أمام الفرصة الأخيرة؛ جاءكم النبي الأمي الذي بشركم به موسى وبشركم به عيسى، جاءكم هذا النبي العظيم، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ.
جاءتكم الشريعة الختامية القرآن، قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. جاءتكم الفرصة الأخيرة وهذه الفرصة في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ اتبعوا القرآن وعودوا والتزموا بالمواثيق. الله سبحانه وتعالى يهديكم سبل السلام، ويذهب بكم إلى الصراط المستقيم في الدنيا وفي الآخرة. هذا الكلام وإن كان موجهاً لليهود والنصارى في هذا السياق، لكنه أيضاً يصدق علينا في بيان قيمة القرآن الذي بين أيدينا وضرورة التمسك بميثاق القرآن.
طيب، من جملة الانحرافات التي وقعت في النصارى أنهم ادعوا أن المسيح هو ابن الله والعياذ بالله، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وهذا من جملة المواثيق التي تلاعبوا بها. قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
ومن انحرافات اليهود والنصارى، وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. طبعا اليهود والنصارى أصلاً قلوبهم ليست على بعضها البعض، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ. فكذلك أقول للأخوة: ترى حتى اليوم التحالفات بين اليهود والنصارى والصليبيين هي تحالفات مصلحية، يعني التحالف بين أمريكا وبين اليهود في فلسطين وبين الصليبيين في أنحاء العالم إنما هي تحالفات مصلحية. وإلا قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، وإنما هناك ما يسمى اليوم بالحركة الصهيونية الماسونية العالمية هي التي تقود لوبيات في أوروبا وفي أمريكا، هذه اللوبيات وظيفتها خدمة مشروع الدولة الصهيونية. وإلا فالنصارى الأصليون ما يسمون بالإنجيليين اليهود لا يطيقون اليهود، وإنما خلص هناك التقاء مصالح ضد الشعوب المسلمة ونهب خيرات المسلمين مع وجود حركات صهيونية ماسونية عالمية تريد أن تستأثر بهذا العالم، يلتقون بناءً عليها على قتال المسلمين، والا فقلوبهم نار على بعضهم البعض.
فالمهم اليهود قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ والنصارى قالت هذه المقولة. الله عز وجل يخبر ترى أنه ما في شيء اسمه عند الله أبناء الله وأحباؤه ولا واسطات ولا شيء من ذلك، وَإِنَّمَا هُوَ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُ بِذُنُوبِكُم، طب إذا كنتم أبناء الله أو إذا كنتم أبناء الله فلماذا الله سبحانه وتعالى يعذبكم بذنوبكم؟ ها أنتم ترون عذاب الله سبحانه وتعالى ينزل عليكم، ها أنتم ترون عذاب الله ينزل عليكم. فالله عز وجل سلط على اليهود وعلى النصارى من العذاب المتكرر ومن تسلط الأمم الأخرى عليهم ما تعرفونه في كتب التاريخ، بل انتم بشر ممن خلق، انتم يهود نصارى مثلكم مثل غيركم تخضعون لقانون من اطاع الله ومشى على منهاجه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، ولا يوجد شيء اسمه نحن الجنس الأعلى والبشر خدم لنا، هكذا كان اليهود يرون أنهم الجنس الأعلى لأننا نحن أبناء الله وكل البشر يجب أن يخدموا أبناء الله، هذه هي نظرتهم وهذه عقيدة سائده فيهم الى وقتنا المعاصر، والله عز وجل يفند هذا الكلام بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.
طيب، يا أهل الكتاب تأكيد مرة لهم عن هذه الفرصة الأخيرة التي جاءتهم، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا، جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم يبين لكم على فترة من الرسل يبين لكم الشرائع والمواثيق بعد انقطاع طويل للرسل بعد موسى وعيسى، انقطعت الرسالة عن الأرض، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة انقطاع للرسل ليكون عليه الصلاة والسلام خاتمة هذا العقد الفريد من الرسل والانبياء صلوات ربي وسلامه عليه، يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا ما جاءنا من بشير، يعني لالا هناك حذف والتقدير لالا تأتوا يوم القيامة. هذا كلام لليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم؛ يا يهود يا نصارى جاءكم النبي صلى الله عليه وسلم يصحح لكم العقائد والأفكار، انتم تعتقدون أن المسيح ابن مريم هو ابن الله، سياتي هذا النبي الختامي يبين لكم كذب هذه العقيدة التي تعتقدون، تعتقدون أنكم أبناء الله وأحباؤه، سياتي هذا النبي الختامي ويبين لكم كذب هذه العقيدة، سيصلح لكم ما أفسدتم في دينكم. باختصار: إذاً النبي عليه الصلاة والسلام ليس فقط نبياً للعرب، النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي للعرب ولليهود وللنصارى والبشر جمعاء، أتى ليصحح العقائد ويصوب البوصلة. فكما أن سورة الأنعام وأيضاً ختام سورة المائدة ستصحح كثير من العقائد المنحرفة التي كانت تسود في كفار قريش، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن جاء ليصحح العقائد الفاسدة التي كانت تسود عند اليهود وعند النصارى جميل هذه كلية وشمول هذه الشريعة.
إذاً، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ يعني بعد انقطاع من الرسل، حتى ما تجي يوم القيامة تقولوا يا رب ما جاءنا من بشير ولا نذير، فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ هي البشير والنذير جاءكم وها هو الآن يقف أمامكم، وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثم يبين لليهود والنصارى في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يحذرهم من أن يسيروا على خطى أسلافهم من اليهود والنصارى الذين كانوا مع موسى وعيسى، فقال وَإِذْ قَالَ مُوسَى يعني واذكروا بدنا نعطيكم تذكير، اذكروا التاريخ يا أيها اليهود يا من تبدلون وتتلاعبون وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لم يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ. فهنا الله عز وجل يذكر اليهود الذين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم كيف كان أسلافهم يتعبون موسى ويخونون العقود والعهود التي اخذها موسى عليهم. فهذا تحذير لليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسيروا على خطى أسلافكم حتى لا تقعوا فيما وقع فيه أسلافكم من التيه عندما عذبوا به وتاهوا في الصحراء أربعين عاماً.
وهذه القصة باختصار لما موسى عليه السلام قال لقومه ادخلوا الأرض المقدسة، أمروا بعد أن نجاهم الله من فرعون في مصر، أمروا أن يدخلوا إلى الأرض المقدسة ويقاتلوا العمالقة الذين كانوا يسكنون في فلسطين وفي بيت المقدس، ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. فماذا قالوا؟ لا، قالوا يا موسى إحنا لن نقبل هذه الشرعة ولن نرضى بأمر الله، قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ في هناك العمالقة وهؤلاء لا نقوى على جهادهم، وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ.
رجلان مؤمنان صالحان أرادوا أن ينصحوا قومهم، قال رجلان من الذين يخافون من يخافون ربنا أنعم الله عليهما بالإيمان والحكمة، قالوا لقومهم يا جماعة ردوا على موسى عليه السلام ادخلوا عليهم الباب، ما دام موسى قال لكم ادخلوا الأرض المقدسة فإن الله سيكتب لكم النصر، فقط ادخلوا وجاهدوا والله سيكتب لكم النصر، ادخلوا عليهم الباب ادخلوا على العمالقة فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلْتُم إن كنتُم مُؤْمِنِينَ. لكن هو الإصرار هو العناد هو الخيانة للمواثيق والعهود، الله عز وجل اخذ عليهم المواثيق والعهود ولكن خانوا ونكصوا على أعقابهم، قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّ دَامُوا فِيهَا قضية أنه ندخل بيت المقدس ما دام فيها عمالقة هذا لن يكون، إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّ دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا شوف العبارة كم عبارة دفشة عبارة سوء أدب قلة احترام، وهذا حال اليهود والعياذ بالله، فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ أحنا مش متحركين حتى تعرف من هم اليهود عبر التاريخ.
قَالَ رَبِّ هنا موسى عرف أن هؤلاء قوم خون، لذلك الله عز وجل قبل في صفحات الماضية قال النبي صلى الله عليه وسلم ولا تزال تطلع على خائنة منهم، اليهود نفسية عجيبة في المرض، نفسية عجيبة في المرض والخيانه والانتكاس الفطري والبشري. فموسى عليه السلام التجا الى ربه، قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ يا رب هؤلاء قوم فسق، هؤلاء لا يمكن أن أدخل بيت المقدس وأحرر بيت المقدس بهذا الجيل. فالله عز وجل أراد أن يبدل هذا الجيل، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قيل لماذا جعل الله عز وجل هذه المدة؟ قال ليبدل هذا الجيل بجيل آخر، هذا الجيل الذي تربى على الذل في أيدي فرعون، لما اراد لما نُجِّيَ من فرعون وأراد منهم موسى أن يدخلوا بيت المقدس يريدون الذل نكصوا على أعقابهم وقالوا لموسى اذهب أنت وربك فقََاتِلا، فاستبدل الله هذا الجيل بجيل مجاهد مقاوم دخل بيت المقدس بعد ذلك.
طيب، هنا انتهى هذا المقطع من السورة. انتهى هذا المقطع من السورة، هنا الآن الله عز وجل يريد أن يذكرنا بقضية مهمة ويحذر منها وهي قضية سفك الدماء وخطورتها، فقال سبحانه وتعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ بدأ الله عز وجل يبين لنا أن قضية سفك الدماء وإزهاق الارواح في البشرية إنما ابتدات من لدن آدم عليه السلام من القتل الذي حصل بين ابنيه، وكيف أن البغي والحسد يؤدي إلى سفك الدماء والافساد في الأرض.
قال سبحانه وتعالى الآن هذا مقطع جديد، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يا محمد صلى الله عليه وسلم اتل على البشرية نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوْعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
المهم تعرفون قصة التحاسد وكيف حسد أحدهما الآخر وكيف قتله، ثم لما قتله شعر بالندم، ثم لم يعرف كيف يفعل بالجثث، فبعث الله غرابي يبحث في الأرض، يعني الله عز وجل حتى يعلم سنة الدفن جعل هذا القاتي يرى غراباً يحفر لأخيه في الأرض، فجاء على آخره أن يحفر لأخيه في الأرض كما فعل هذا الغراب، فبعث الله غرارباً في الأرض يعني يبحث في هذه الأرض ويحفر ليريه كيف يواري أخيه، قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. إذاً هو ندم، لكن ندم بعد أن قام بعملية القتل، وهذه سببها الحسد، والحسد أيها الكرام هو السبب الأكبر للكفر في الأرض. فابليس إنما كفر بسبب الحسد، حسد آدم عليه السلام، وواحد ابني آدم قتل أخاه بسبب الحسد. فالحسد هو السبب الأكبر للكفر في الأرض، فالله عز وجل كثيراً ما يحذرنا من الحسد، الحسد يأكل الحسنات، الحسد يدمر الإنسان، فاحذر عبد الله أن تبتلى بهذا المرض، احذر من الحسد؛ لأنه يحملك على أن تبغي على إخوانك وعلى أحبابك وعلى أصحابك، وتحاول أن تؤذيهم وأن توصل الشر إليهم.
فإنما كفر بالله بسبب هذا، اليهود حسدوا العرب على نعمة محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا وأصروا على موقفهم في الكفر، مع أنهم يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي بشروا به في التوراة ثم في الإنجيل، وكان داعي ذلك الحسد. الحسد مصدر الفساد في الأرض، فينتبه الإنسان على نفسه وعلى أبنائه في تربيته، ينتبه من هذا الخلق أن يتسرب اليه وهو لا يشعر.
طيب، قال سبحانه وتعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. يعني كان قصة قابيل وهابيل وما حصل بينهما من القتل هي قصة ذكرها الله عز وجل لكل الأمم، ليس فقط لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، قصة ذكرها الله لكل الأمم فبين لهم: احذروا سفك الدماء، احذروا من البغي، احذروا أن يحملنكم أن يحملكم الحسد على أن يسفك بعضكم دماء بعض.
من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس. إيش يعني من قتل نفسا بغير نفس؟ يعني من قتل نفسا معصومة ليس على وجه القصاص. الآن إذا انسان قتل فالقاتل يقتل، لكن انك تقتل نفس معصومة لم ترتكب خطأ تستحق أن تقتل عليه، من قتل نفسا بغير نفس يعني على غير وجه القصاص، من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكانما قتل الناس جميعا. الذي يسفك دم انسان هو سفك دم البشرية، الذي يسفك دم انسان على غير وجه الحق فقد سفك دماء البشرية، ومن أحيا نفسا واحدة فكانما أحيا الناس جميعا.
ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون. هذه مشكلة اليهود، هذه مشكلة بني إسرائيل، الرسل أتت إليهم بأعداد كبيرة وبالبينة.
اللي هي تسمى إيه؟ حد الحرابه. بين الله عز وجل فيها الحد الذي وضع على قطاع الطرق الذين يسفكون دماء الناس ويعتدون على أموالهم، هذه تسمى إيه؟ حد الحرابه. إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، حتى ولو كانوا من المسلمين، قطاع الطرق يقام عليهم هذا الحد: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.
الله عز وجل أخبر، وهذه الآية طبعا اختلف الفقهاء فيها: هل هي على الترتيب أو على التخيير؟ فذهب المالكية إلى أنها على التخيير، وذهب الجمهور إلى أنها على التنويع؛ فإن قطاع الطرق إذا قتلوا وأخذوا المال، إذا قتلوا وأخذوا الأموال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا الأموال قتلوا من دون أن يصلبوا، وإذا لم يقتلوا ولم يأخذوا، وإذا لم يقتلوا ولكنهم سرقوا وأخذوا الأموال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. تقطع يدهم تمام وتقطع رجلهم من خلاف، أي هكذا على شكل جانبي يعني ليس من نفس الجهة يمين يمين، لا، تقطع مثلا اليد اليمنى والقدم اليسرى ليكون من خلاف على شكل قطري كما يقولون، قال: أو ينفوا من الأرض. هذه الحالة الرابعة، إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا الأموال ولكن أخافوا ناس في الطرقات، فهؤلاء يبقى الحاكم يطاردهم وينفيهم من أرض إلى أرض حتى يعلنوا توبتهم، فإن ظفر بهم قبل أن يعلنوا التوبة قتلوا.
أما إذا تابوا قبل أن يظفر بهم قال سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فمن اخذ، فمن اخذ من هؤلاء المطاردين الذين يطاردهم الإمام من منطقة إلى أخرى، الذين لم يقتلوا ولم يأخذوا المال ولكنهم أخافوا الناس في الطرقات فانتقلوا من منطقة إلى أخرى، هؤلاء إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم الحاكم يسقط الحد عنهم.
قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ. اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. هنا الله عز وجل يقول لنا: ابذلوا كل الوسائل للوصول إلى الله، شوف: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ. ابذل كل وسيلة توصلك إلى الله سبحانه وتعالى، ومن أعظم الوسائل الموصلة إلى الله: وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
تمام، قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ. طبعا عندي تعليق فقط على موضوع الحرابه: أن الحرابه أيها الكرام لو طبت، لو كان الرجل الذي حارب، يعني قطاع الطرق، لو كانوا قتلوا، تمام، لو كانوا قتلوا وأخذوا الأموال ولم يستطع الحاكم أن يظفر بهم إلا بعد أن أعلنوا توبتهم، هل يسقط عنهم الحد؟ نحن قلنا إذا كان قطاع الطرق لم يقتلوا ولم يأخذوا المال وتابوا قبل أن يقدر عليهم، يعفو الحاكم عنهم، طيب هذا سهل.
لكن القضية لو كان قطاع الطرق قتلوا أو اخذوا الأموال ثم ظفر الحاكم بهم بعد أن تابوا، يعني هم تابوا أعلنوا توبتهم خلص اجوا للحاكم قالوا: احنا تايبين، أنت ما قدرت علينا خلص احنا جايين تايبين وحدنا، وكانوا قبل ذلك قد قتلوا وقد اخذوا الأموال، هل يعفو الحاكم عنهم؟ الصحيح نعم أنه يعفو عنهم، يعفو عنهم في ماذا؟ لا إذا كان في موضوع المال لا يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإنما طالبهم برد المال الذي اخذوه إلى اصحابه، هذا يجب أن يبقى، لكن لا يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وكذلك إذا كانوا قتلوا فهنا سيطبق القصاص، والقتل بالقصاص غير القتل بالحرابة، القتل بالحرابة هذا حد.
فالان هم جاؤوا تائبين، هم استطاعوا يعني أن يتوبوا قبل أن يظفر بهم الإمام المسلم، فهنا في هذه الحالة إن كانوا قد قتلوا نقول للذين قتل منهم، لاولياء المقتولين: هؤلاء القوم جاؤوا تائبين ولكم الآن حق القصاص بدكم تاخذوا قصاصكم منهم تقتلوهم. إذا قال أولياء المقتولين: لا، ترى احنا خلص عفونا عنهم لا نريد منهم القصاص، خلص الحاكم لا يطبق عليهم القتل بسبب الحرابة.
أما إذا ظفر الحاكم، إذا ظفر الحاكم بقطاع الطرق قبل أن يتوبوا ويعلنوا الرجوع إلى الله، إذا ظفر بهم الحاكم هنا يقتلهم، ليس قصاصا ولا يسأل أولياء المقتولين: والله تريدون القصاص ولا لا؟ يقتلون حرابة، يعني يقتلهم مباشرة حد الحرابة ولا يعفو عنهم. هذه تفاصيل طبعا إن شاء الله ناخذها باذن الله في يعني كتب الفقه.
المهم يعني فقط حتى يفهم سياق: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، يعرف كيف تطبق هذه الآية. ثم قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ.
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا. فهنا لاحظوا أنه ذكر في الصفحة الماضية حد الحرابة وهو من الحدود الشرعية ومن العقود التي يجب أن نوفي بها ولا نبدل شرع الله فيها. ثم في الصفحة التي بجانبها ذكر حد آخر من الحدود وهو حد السرقة فقال سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. والنكال هي العقوبة التي يكون فيها عبرة لمن بعدك.
فهنا أيضا هذه من العقود التي بيننا وبين الله، ونلاحظ هنا أنه ذكر حد الحرابة وذكر حد السرقة، لأنه سيخبرنا بعد قليل عن فلسفة بني إسرائيل في التلاعب بالحدود وكيف أنهم تلاعبوا بحد الزنا الذي أمر الله عز وجل به اليهود في التوراة وبدلوا ما جاء في التوراه في هذا الحد، فالله عز وجل شوف كيف سياق الآية الجميل: ذكر حد الحرابة وذكر حد السرقة، ثم بعد ذلك سييعود بنا إلى بني إسرائيل ليخبرنا: إياكم أن تكونوا مثلهم وأن تتلاعب بهذه الحدود وتسقطها كما أسقط بنو إسرائيل حد الزنا الذي شرعهم الله شرعه الله عز وجل عليهم في التوراة وهذا.
ولاظ كيف ذكر الكفر في المنتصف يعني بين حد الحرابه وبين حد السرقة ذكر الكفر في المنتصف لما قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ. يعني لو الانسان بده يفكر ما علاقة ذكر الكفر هنا ضمن ذكر حد الحرابه وحد السرقة؟ من يقول لذلك؟ يعني من يخرج له هكذا استنباط أو نظرة معينة؟ كان الله عز وجل يتكلم عن حد الحرابة لقطاع الطرق أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم، ثم في الصفحة التي تليها قال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، في المنتصف بين الحدين قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ.
يعني الكفار لما يجوا أمام رب العالمين يوم القيامة لو أتوا بمثل الأرض أموال وكنوز وذهب وفضه يدفعوها لرب العالمين مقابل أن ينجوا من العذاب لن ينجوا. يعني لماذا ذكر الكفر بين الحدين؟ أنتظر منكم شيئا من الاستنباط. يا رب ماذا يمكن أن يقال في هذا؟
جيد يعني الاخت تقول إن التلاعب بحدود الله سبحانه وتعالى كما تلاعب اليهود والنصارى هو شكل من أشكال الكفر. جيد، وهذا أراه من أنسب ما يمكن أن يقال في هذا، وقد يقال أشياء أخرى، لكن الله عز وجل يريد أن يحذر أمة الإسلام أنه من العقود اللي بينا وبين رب العالمين أن نطبق شريعته، أن نتمسك بأحكامه، وأحكام الشريعة إخواني هي فقط أحكام الوضوء اللي وردت في أول سورة المائدة؟ أحكام الشريعة فقط هي جواز أكل بهيمة الأنعام وتحريم الميته والمنخنقة والموقوذة؟ هل هي فقط أحكام الشريعة اللي نحكم فيها الشريعة وباقي الأحكام في الحياة العامة والسياسة لا نحكم فيها شريعة رب العالمين، أم هذه العلمانية التي يراد أن تفرض علينا وعلى شعوبنا وبلداننا؟ هذا الذي نريد أن ننتبه له: أن شريعة رب العالمين هي مش فقط: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، هي ليست فقط: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، هي ليست فقط: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، أيضا شريعة رب العالمين: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، في هناك حد اسمه حرابة، هذه من الشريعة التي تطبق، أيضا من شريعة رب العالمين: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا.
فلا تأخذ من الشريعة أو لا تحصر الشريعة فقط في الأمور الشخصية، وإنما تأتي إلى سياسة البلدان والأنظمة تنحي الشريعة؟ احذروا عباد الله، فإن هذا من الخيانة في المواثيق، وهذا من العودة إلى الكفر بعد الإيمان. فالله عز وجل ذكر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في ضمن هذا السياق لينتبه الإنسان أنه إذا ترك المواثيق وراء ظهره -سواء وضوء، سواء أكل الطيبات، أي مسألة تبدلها من حرام إلى حلال أو من حلال إلى حرام- فإن هذا خروج عن الإسلام، فينتبه الإنسان إلى هذه القضایا الكلية المخيفة التي للأسف يستهتر بها.
قال سبحانه هنا في ختام هذه الصفحة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. يسارعون في الكفر يستعجلون في الوقوع في الكفر. كيف يا رب؟ من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه. ما نهج هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؟ يبدلون أحكام الشريعة عن مواضعها يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا.
سبب نزول هذه الآية سيجعلكم تفهمون السياق: إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا. جاء في البخاري ومسلم أن اليهود زنى رجل منهم وامرأة، اليهود الذين كانوا في المدينة رجل منهم وامرأة زنيا والعياذ بالله، فاتوا فأرادوا طبعا ألا يقيموا عليهم حد الرجم لأن حد الرجم كان أيضا مشروعا عند اليهود في التوراة، فأرادوا ألا يقيموا عليهم هذا الحد، وهم أصلا بدلوا هذا الحد، أن الذي يزني وتزني خلص يعني يسخم وجوههم ويوضع عليه الفحم ويجلد وخلاص، فقالوا: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم. فاليهود إيش قالوا؟ قالوا لأنه الآن مثل هذه الجرام الأصل كانوا يتحاكمون فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم إن أمركم بالجلد والتفحيط، ما قال له، ما قاله محمد لكم صلى الله عليه وسلم، أما إن أمركم بما في التوراة من الرجم فلا تأخذوا بما يقول واتركوه.
وفعلا ذهب اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا وامرأة منهم زنيا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في كتابكم؟ إيش حكم الزاني والزانية في كتابكم يعني في التوراة؟ قالوا: نسخم وجوههما ويضرب أو ويجلد، قالوا: هذا الذي نجده أنه فقط يتم تسويد وجوههم وجلدهم خلاص. فقال: كذبتم. النبي عليه الصلاة والسلام قال: كذبتم، إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. ففعلا جاؤوا بالتوراة، قالوا: نأتي بالتوراة، فجاؤوا بالتوراة وجاؤوا بحبر من أحبارهم ليقرأ التوراة أمام النبي عليه الصلاة والسلام.
فماذا فعل هذا الحبر، وجاء في الآثار إنه اسمه ابن صوريا تمام أو صوريا؟ ماذا فعل؟ جاء ليقرا ما ورد في التوراة من الرجم فوضع يده على آية الرجم فقرا ما قبلها وما بعدها ولم يقرأ آية الرجم، لم يقرأها. انظروا اليهود يتلاعبون!
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ارفع يدك، ارفع يدك، أنت تفعل هذه الحركات يعني أمام النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه من السماء؟ فرفع يده قال: فإذا فيها الرجم. قال: هاي اقراها. فإذا فيها الرجم. فقالوا: صدقت يا محمد صلى الله عليه وسلم إن فيها الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، قالوا: الزنا كثر في ساداتنا فقلنا نبدل شرع الله وناتي بحد آخر غير الحد الذي شرعه الله.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: الله أكبر، اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذا معنى قولهم: إن أوتيتم هذا فخذوه، إذا قال لكم محمد صلى الله عليه وسلم خلص يكفي تسخيم الوجوه والجلد اقبلوا بهذا فقد.
بدل محمد كما بدلته، وإن لم تؤتوه فاحذروا. إذا قال لكم: عليكم بالرجم؛ فهذا شرع الله لكم، احذروا لا تأخذوا كلام محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول الله عز وجل: وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. الإنسان الذي خلاص الذي ربنا عز وجل بده يصرفه عن الخير والحق، ماذا تستطيع أن تفعل له؟ إنسان مفتون يريد أن يتلاعب بشرع الله وبأحكام الله سبحانه وتعالى.
وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَم يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ. قلوب دنسة، قلوب عفنة، هذه قلوب بني إسرائيل، لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيمة. سماعون للكذب أقالون للسحت يأكلون الحرام، فَإِن جَاءُوكَ يَا مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَأَنْتَ مُخَيَّرٌ، فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، أَوْ قل لهم: اذهبوا فيما بينكم تحاكموا فيما بينكم، وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ.
ثم يستفهم القرآن استفهاماً استنكارياً عليهم؛ لماذا يا ترى يأتون لمحمد صلى الله عليه وسلم يطلبون منه أن يحكم بينهم؟ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله؟ ترى التوراة بين أيديهم، لماذا يا ترى يأتون إليك ليحكموك مع أنهم يعرفون ماداموا مصرين على اليهودية ولا يريدون أن يسلموا ويؤمنوا بك؟ لماذا يأتون إليك يتحاكمون وعندهم التوراة، توراة موسى التي فيها حكم الله فيما يحصل من الزنا والسرقة وما شابه ذلك؟
أقول لك لماذا يأتون إليك؛ هم يأتون إليك رجاء أن تبدل كما بدلوا، وأن تنحرف كما انحرفوا، فهذا الذي يهوونه ويريدونه منك، وإلا فالتوراة الكتب السماوية؛ التوراة التي نزلت على موسى ثم سيقول عن الإنجيل الذي نزل على عيسى ثم القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، هذه كتب تشريعات إلهية، هذه عقود بينكم وبين الله، فاحذروا أن تبدلوا شرع الله، فاحذروا أن تبدلوا أحكام الله التي وردت فيها وتعودوا إلى حكم الجاهلية.
وهذه الصفحة من الصفحات هذه والتي بجانبها التي تؤسس إلى ضرورة تحكيم شرع الله في حياة الأمة، وإلا نسير على خطى اليهود والنصارى الذين أنزل الله عليهم التوراة فبدلوا، وأنزل الإنجيل فبدلوا. فقال سبحانه وتعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ. هذه التوراة أنزلها الله ليحكم بها الأنبياء، ثم ليحكم بها اتباع الأنبياء من اليهود؛ الربانيون والأحبار، لأن الله استحفظوا- حفظ أحبار- على هذه الشريعة ألا يبدلوها ولا يغيروها، فلا تخشوا الناس واخشون. أقم شرع الله ولا تخش الناس واخش الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا. لا تتلاعب بشرع الله، لا تبدل أحكام الله وتشتري بها الثمن القليل وهي الدنيا. ثم ختم بقاعدة كلية: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. شوف الآية كم هي رهيبة وعظيمة وواضحة وحاسمة في من يبدلون شرع الله سبحانه وتعالى.
ومما كتبه الله على اليهود في التوراة: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، اللي هي شريعة القصاص، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ، فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ، فمن عفا عن القصاص لا يريد أن يقتص فهو كفارة له، الله عز وجل يكافئ الإنسان الذي يعفو عن حقه من القصاص، وهذه الشريعة من الشرائع وكانهم تلاعبوا بها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
ثم بعد أن تكلم عن التوراة قال: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. بعد التوراة التي نزلت على موسى جاء بعد ذلك عيسى ابن مريم، وقفينا أي جاء بعده عيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التورات وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ. جاءت شريعة الإنجيل تعدل على ما جاء في شريعة التورات وتزيد بعض الأمور، فهي حكم الله عليكم فيها أيضاً الهدى والنور، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
ثم أخبر عن خاتمة الشرائع الإلهية وهو القرآن، ثم قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ. وهذا هو خاتمة الشرائع، لذلك هو بالحق مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية التي فيما لم يحرف منها، مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فهو سيد الكتب؛ القرآن هو سيد الكتب السماوية فهو مهيمن عليها.
فالمطلوب منك ومن اتباعك إلى يوم القيامة ومن أهل العلم والخير والصلاح قال: فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ. احذر أن تبدل شرع الله وأن تخون العقود والمواثيق والعهود كما فعل اليهود بالتوراة وكما فعل النصارى بالإنجيل. وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.
فالأنبياء شريعة التوراة كأحكام حياتية تختلف عن شريعة الإنجيل تختلف عن شريعة القرآن في الكثير من التفاصيل، فالأنبياء أولاد عِلات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يشتركون في العقيدة، ولكن الأحكام التفصيلية في الحياة يختلفون فيها على ما أراده الله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا. فشريعة التوراة تختلف عن شريعة الإنجيل تختلف عن شريعة القرآن في الأحكام الدنيوية الأحكام الفقهية.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ. لماذا الله عز وجل جعل الشرائع تختلف من جيل إلى جيل ولم يجعل شريعة التوراة هي نفس شريعة الإنجيل هي نفس شريعة القرآن؟ أن الله سبحانه أراد أن يبتلي كل أمة بالشريعة الخاصة بها، لذلك قال: وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ. فاليهود ابتلوا بما بين أيديهم من التوراة؛ هل سيطبقون هذه الأحكام التي تتناسب مع زمنهم وواقعهم أو لا؟ النصارى ابتلوا بما في أيديهم من الإنجيل؛ هل سيحكمون هذه الشرائع التي لهم؟ ونحن ابتلينا بما بين أيدينا من الأحكام الشرعة الإلهية، البلاء أنه هل سنمتثل لشرعه ومنهاجه؟
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ. استبق الخيرات بالتمسك بشرع الله سبحانه وتعالى، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا. ثم قال في الآية التي تليها تأكيداً على هذا المعنى والمفهوم العظيم في حياة الأمة المسلمة، وهو أنه لا يجوز أن نقفز على شرع الله كما فعل اليهود بالتوراة وكما فعل النصارى بالإنجيل: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ.
فالشريعة ليست لأهواء البشر، الشريعة ليست أمزجة ورغبات، الشريعة بكل زمان ومكان: وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ. احذر يا محمد صلى الله عليه وسلم، واحذروا يا اتباع محمد أن يبدلوا لكم ولو بعض ما جاء في القرآن ولو آية من آيات الله. احذروا أن تساوموا على آية من آيات الله سبحانه، احذروا أن تساوموا على شرع من شرائع الله الثابتة: وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.
وهذه قاعدة عامة سأختم بها اليوم إن شاء الله مع الآية التي تليها، وهي أن الإنسان الذي يصرف عن الحق ويصرف عن التمسك بشرع الله، فاعلم أن ذلك بسبب ذنب أصابه. وهذا نص كلام ربنا؛ من يتولى عن الشريعة، من يبتعد -طبعا هذا الكلام ليس أيضاً عفوا على مستوى الدول والأنظمة بل حتى على مستوى الأفراد، على مستواي ومستواك- الإنسان الذي لا يتمسك بشرع الله ويكره الشريعة والتمسك بها ويصرف عنها، فاعلم أن الله يعاقبه بذنوبه.
أي إنسان يكون على خير واستقامة ثم ينحرف، أي إنسان يجد الهدى أمامه ثم يتولى ويعرض عنه؛ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، اعلم أن هناك ذنوب، بسبب هذه الذنوب صرفوا عن الخير والحق والهدى، فنسأل الله سبحانه وتعالى ألا يصرفنا عن الخير بسبب ذنوبنا رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا.
ثم نختم بقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ ماذا تريدون بعد أن جاءتكم جاءكم هذا النور والكتاب المبين كما ذكر في أول سورة المائدة وذكر في هذا في هذا المقطع أن هذا الكتاب هو خاتمة الشرائع وأنزله الله مهيمناً على الكتب السماوية وعلى حياة البشرية؟ ماذا تريدون هذا الكتاب الذي ملئ حكمة ونوراً وهداية وصلاحاً للبشرية، تريدون أن تلقوا هذا الكتاب وراء ظهوركم وتعودوا إلى شريعة الغاب، إلى شريعة الجاهلية؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. من أحسن حكماً من الله سبحانه وتعالى العارف بالبشرية وما يصلحها العارف بطبائع البشر والنفوس؟
لكننا والعياذ بالله كثير منا كثير منا ألقوا كتاب الله وراء ظهورهم ويلهثون خلف شهواتهم ورغباتهم ويبحثون عمن يؤول لهم ذلك ويشرعن لهم ذلك لتكون الخاتمة وخيمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ. احذروا أن تسيروا على خطاهم، وأن تجعلوا نهجكم على طرائقهم، إذا هم تلاعبوا بشرعهم فأنتم لا تتلاعبوا بشرعتكم: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، فانه على خطاهم وعلى منوالهم.
إذاً هذا ختام درس اليوم أيها الكرام، وهذا ختام تعليقنا على هذا المقطع من سورة المائدة بإذن الله، إذا كان في العمر بقية الجمعة القادمة نقرأ على المقطع الثاني من هذه السورة بما فيه من القواعد الكلية والأحكام المرعية التي ينبغي للمسلم وللإنسان في رحلة الحياة أن يفهم مراد الله عز وجل منه، ويحذر أن يكون من المبدلين على مستوى الأفراد أو على مستوى الشعوب والدول. اللهم علمنا ما ينفعنا وبصرنا بكتابك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل