يا السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله جميعاً الإخوة والأخوات في هذا الصباح الطيب المبارك. ونتاكد من جودة الصوت عبر الوسائل المتعددة إن شاء الله، حياكم الله جميعاً، مباركة فيكم.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في هذا الصباح الطيب المبارك، ورحم الله سبحانه وتعالى شهداء أمتنا، نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على أحداً، رحم الله قادة الجهاد وقادة الرباط، وأخلف هذه الأمة خيراً في فقدهم.
وحقيقة أيها الأكارم، كلما سمع الإنسان بشهادة قائد من قادات الرباط والجهاد، يأسف الإنسان على نفسه حقيقة، ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يستعمله وأن لا يستبدله. عندما ينظر الإنسان في رباط هؤلاء وفي ثباتهم، يجلس الإنسان منهم، بل يجلس 30 سنة وأكثر مختفياً في سراديب الأرض، ويعيش حياة متعبة بكل الملاحقات الأمنية والسرية، ويحتاج إلى أن يعيش حياة تختلف عن حياتنا.
تجد إنساناً في هذه الدنيا في لذاته وطعامه وشرابه، آمناً في سربه، وفي ذنوبه وفي خطاياه وفي تقصيره في حق ربه، وترى أناساً تغبطهم حيث يستعملهم الله سبحانه وتعالى عقوداً وعقوداً في الجهاد في سبيله وفي الرباط وفي مقارعة بني صهيون وفي قتال أعداء الله سبحانه وتعالى، وأنت أين استعملك الله عز وجل؟ هكذا دائماً يسأل الإنسان نفسه ويغبن؛ استعملهم الله ويسر قلوبهم للثبات على هذا الطريق، على طريق الجهاد والرباط والتضحية في سبيله.
عندما ترى هذا الاستعمال، تأسف على نفسك والله، أي والله، تأسف الإنسان على نفسه، ويرجو من الله سبحانه وتعالى ختـاماً فاخراً، يرجو من الله عز وجل ألا يحرمه وألا يبعده، وأن يستعمله في شيء يرضيه عنه. تخيل أيها الحبيب، أنت تعيش كما قلت حياة طبيعية، تحقق كل ذاتك المباحة ولا تشعر بأي شيء، ولعل أحدنا إذا ابتلي بلاء يسيراً في أمر من امور الدنيا يعني يئس وأحبط واكتئب، وغيرك يعيش تحت الأرض يأخذ كل احتياطاته، حياته ليست كحياتك، طعامه ليس كطعامك، همومه ليست همومك، ما يعيش من أجله يعيش من أجل غاية شريفة، يقاتل في سبيل الله، ويمكر بالعدو، وينشغل بمقارعة بني صهيون، هذا العدو الذي يتفق العقلاء على عدائه للإسلام والمسلمين، ثم يقضي نحبه ولا يكون من همه أن يعرفه الناس، ولا أن يتحلق حوله، ولا أن يشار إليه في السوشيال ميديا، وإنما يكفي أن الله سبحانه وتعالى يعرف حاله وضعفه وهو يقاتل في سبيله.
هذه الميتات الفاخرة وهذا هو الاستعمال الذي نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا منه بسبب ذنوبنا وبسبب خطايانا؛ على مثل هؤلاء فلتبكي البواكي، وعلى مثل هذا الرباط فليتنافس المتنافسون، وعلى مثل هذا الاستعمال فليتنافس المتنافسون. همم عالية؛ الإنسان إذا قرأ كتاباً أو كتابين أو شارك في مجلس أو مجلسين، ظن نفسه قدم كثيراً للإسلام، وفي المقابل تجد رجالاً أشاوس استعملهم الله سبحانه وتعالى عقوداً وعقوداً في القتال والرباط والجهاد، ويعيشون حياة تختلف. فسبحان الذي قال: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، أي والله سبحان الذي قال: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.
اختياراتنا متعدده وأهدافنا في الحياة مختلفة، هناك من يعيش لغاية شريفة، وهناك من يعيش لأمته وإسلامه ودينه فتكون كل حياته ملخصة في هذا الاتجاه وكل قضاياه في هذا الاتجاه، وهناك من يعيش من أجل شهواته ولذاته والسوشيال ميديا والخلافات الفئوية ومن أجل التفريق بين المسلمين، إلقاء الخلاف بينهم وإثارة النعرات، وهناك من يعيش فقط عبثاً لا يعرف لعيشه غاية ولا لوجوده معنى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.
اللهم إني أسألك لنفسي وإخواني شهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك لنفسي وإخواني مقبلين غير مدبرين ثابتين غير مبدلين، نسألك ميتة الشهداء، اللهم استعملنا في درب الجهاد والرباط وفي الذب عن هذه الأمة وحياضها وفي إعلاء كلمتك ورفع رايتك، ولا تجعلنا اللهم بسبب ذنوبنا وخطايانا من المحرومين، ولا تجعلنا من المطرودين، ولا تجعلنا ممن استبدلته، اللهم اجعلنا ممن استعملتهم فثبت وربطت على قلوبهم وأنزلت عليهم صبراً.
واررحم اللهم قادة الرباط والجهاد، ارحم اللهم كل من قاتل في سبيل هذا الدين مقبلاً غير مدبر، ثابتاً غير مبدل، معلياً رايتك وناصراً لشريعتك، اللهم ارحمهم وتقبلهم واغفر لنا ولهم ولمسلمين، آمين آمين.
ما زلنا نعيش أيها الكرام في أفياء رحلة الإنسان في القرآن، وما زلنا نعيش في ختام سورة آل عمران، هذه السورة التي عشنا في فيائها منذ أسابيع لعظم ما فيها حقيقة من المعاني في رحلة الإصلاح ورحلة الرباط ورحلة الجهاد في سبيل الله، وكيف عالج الله سبحانه وتعالى نفوس الصحابه في غزوة أحد في بدايتها وفي ثناياها وفي ختامها، وما فيها من القواعد الإيمانية والمنهجية والسلوكيه في المجتمعات المسلمة، ومن يتحرك لهذا الدين، وكيف يجب أن يكون الإنسان متعلقاً بربه سبحانه وتعالى، ثابتاً على أحكام شريعته، متفهماً لما يحصل معه من أقدار وبلايا ونتائج، متبصراً بالمنافقين الذين يحيطون به في داخل هذه المجتمعات، الذين يتربصون بهذه الدعوة ويكيدون لها من الداخل إلى غير ذلك من الأفكار الكثيرة التي تكلمنا عنها في ثنايا هذه السورة.
وصلنا إلى المقاطع الأخيرة التي تتحدث عن غزوة أحد، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول سبحانه وتعالى: وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. الله سبحانه وتعالى وهو يقدم لنا تفاصيل غزوة أحد بالمعالجات الإيمانية التي ينبغي أن تكون حاضرة لنا؛ كثيراً ما نبه سبحانه وتعالى على قضية المنافقين وأثرهم السيء، سواء قبل المعركة أو في أثناء المعركة أو بعد المعركة، كيف كانوا يثبطون إخوانهم، فعبد الله بن أبي بن سلول من بداية المعركة انسحب بثلث الجيش وفت في عضده، والذين بقوا وكانوا قلة يقولون: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا.
وبعد المعركة الذين قالوا، وليعلم المنافقون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا. هي أكبر معضلة داخل العمل الإسلامي وأكبر معضلة في المجتمعات المسلمة هي معضلة النفاق. أنا لا أتقد أن المعضلة الكبرى هي معضلة وجود كفار واضحين، لأن الكافر الواضح التعامل معه سيكون واضحاً، لن يلتبس أمره، لن تنطلي حيله في الجمله لأنه واضح، يهود، نصارى، الأعداء الذين نقاتلهم ويقاتلوننا، لكن المشكلة هؤلاء الذين يلبسون لباسنا، ويعيشون بين أظهرنا، ويتكلمون بكلامنا، بل ينتسبون إلينا وينتسبون إلى الإسلام وحالهم كحالك، يدرسون في الجامعات، ويتقلدون المناصب، ويعيش هؤلاء المصيبة بهم، لأن هؤلاء يكسرون همة الساعين إلى الله سبحانه وتعالى، هؤلاء الذين يثبطون العاملين لدين الله عز وجل، هؤلاء هي المشكلة.
لذلك الله سبحانه وتعالى كثيراً في القرآن ما عالج مقولاتهم وحذر الصحابه منهم ونبه على أخلاقهم، لأن الداء دوي منهم. فهنا في ختام سورة أحد يقول الله عز وجل لنبيه ولكل سائر إلى الله سبحانه وتعالى، ولكل جماعة مسلمة تقاتل في سبيله وتسعى لإعلاء رايته، ولكل عالم يريد أن يعلي راية هذا الدين، ولكل من يقدم في سبيل الله؛ يخبره: هناك منافقون من حولك، هناك منافقون ستجد قلوبهم ليست معك، قلوبهم في بلاد الكفار وإن كانت أجسادهم عندكم.
هؤلاء يقول الله عز وجل لنا: وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. هؤلاء المنافقون الذين يسارعون في إرضاء الكافرين ويسارعون في تقديم القرابين لهم، وتقديم المعلومات لهم، والتجسس لصالحهم وتثبيت مشاريعهم في بلاد المسلمين، يقول سبحانه: وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، لماذا؟ قال: إِنَّهُمْ لَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، لن يضروا الله، لن يضروا دين الله، ستبقى هذه الدعوة قائمة رغماً عن أنوفهم. لاحظوا أيها الكرام كيف كادوا لهذه الأمة عقوداً وعقوداً، المنافقون يسارعون في إرضاء الكفار منذ عقود ويوالونهم، ويغرس الله في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته وفي نصره شريعته رغم التضحيات ورغم الآلام ورغم السجون ورغم أشياء كثيرة تحصل، ما زال الله سبحانه وتعالى يغرس في هذا الدين غرساً.
فالله عز وجل يطمئن نبيه ويطمئن السائلين إليه: لا يحزنك يا أيها السائر إلى الله وجود هؤلاء المنافقين من حولك الذين يسارعون في إرضاء الكفار، إِنَّهُمْ لَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، هؤلاء يعني أن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين، كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، سينتصر الإسلام، سينتصر وستعلو، والمستقبل لهذا الدين والنصر هذا نحن نوقن ونراه بإذن الله، أنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، لكن العبرة أن يستعملك الله في هذا الدين.
فهذه رسالة دعونا نقول طمأنة في نهاية غزوة أحد وفي نهاية الجراح والآلام، ونحن أيضاً في نهاية طوفان الأقصى وفي نهاية الجراح والآلام؛ نعم هناك منافقون في هذه الأمة، يقول الله: وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا. سينتصر هذا الدين، وهذه رسالة كما قلنا تطمين من الله عز وجل لكل سائر في سبيله ولكل من يحمل هذه الأمة.
طيب، هؤلاء يا رب لماذا وجدوا بيننا ولماذا هم بين أظهرنا؟ فيقول سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ، شوف أقصى درجات الخذلان والعياذ بالله، أقصى درجات الخذلان هؤلاء وجدوا بين أظهركم يريد الله إرادة كونية قدرية سبحانه وتعالى، يريده أن يحرمهم من الآخرة، يريد أن يلقوه وليس لهم أي نصيب في جنات النعيم، بل يكونوا مع المنافقين مع الكفار في دركات الجحيم. يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ، نعوذ بالله من الخذلان، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
ثم أعاد الله عز وجل حديثاً عنهم، عن المنافقين، عن تلك الفئة التي بين أظهرنا، يقول: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ. مرة أخرى يعيد الله عز وجل، لكن هنا في الآية السابقة كان الخطاب لذاك الداعي لقائدهم محمد صلى الله عليه وسلم ولكل من يسير على خطاه، لكن هنا أعيدت نفس الفكرة لئلا يظن هؤلاء المنافقون أنهم سينالون من ربهم أو من دينه سبحانه وتعالى شيئاً: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، نفس الفكرة: لَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا.
وهذه رسالة لهم، اسمعوا، لعل أحدكم يسمع القرآن ربما في صلاة أو في شيء وفي قلبه النفاق، لعله يسمع فيستيقظ: يا أيها المنافق، أنك لن تضر الله ودينه شيئاً، فقط أنت تحرم نفسك من حظ الآخرة، وإلا هذا الدين سينتصر رغماً عن أنفك وعن مخططاتك وعن كل من يساعدك وعن كل ما تفعله ليلا ونهاراً، إِنَّهُمْ لَن يَضُرَّ اللَّهَ، إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ.
ولاظ، شوف التعبير القراني: هؤلاء المنافقون أعلنوا إسلامهم استوقد ناراً كما قال الله في سورة البقرة، لكن للاسف ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، ألقوا الإسلام وراء أظهرهم، باعوا الإيمان واشتروا مقابله الكفر، اشتروا الكفر بالإيمان، دفعوا الإيمان، تخلوا عن الإيمان مقابل شراء الكفر وبئس الصفقة والله! لن يضر الله شيئاً ولهم عذاب أليم.
لاحظ هنا الآيات تحشد العذاب لهؤلاء، هذه الآيات الثلاث مترتبة، تحشد العذاب لهؤلاء؛ في الآية الأولى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وفي الثانية مباشرة: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وفي الثالثة: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ. ثلاث، وعيد، ثلاثة من الوعيد، يعني هذه كلها وعيد من الله سبحانه وتعالى متكرر في ثلاث آيات لهؤلاء المنافقين. يا الله، ما أعظم هذه الآيات وكم هي مرعبة للمنافق! تخيل يا أيها المنافق، الله يقول لك في الآية الأولى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، والتي بعدها مباشرة: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، والتي بعدها: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ. هذا وعيد الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المجرمين المندسين الذين يسارعون في الكفر وفي إرضائهم ويقدمون لهم القرابين على حساب هذه الأمة.
يقول سبحانه في الآية التي تليها: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا. يخاطب الله عز وجل هؤلاء من المنافقين الكافرين وكذلك من الكفار عموماً: إياكم أن تظنوا أن ما ينعم الله عز وجل به في هذه الدنيا عليكم من الرخاء والحياة الرغيدة والسعة والتكنولوجيا وما أنتم فيه، أن هذا استبقاء، بل هذا استدراج.
الله عز وجل يقول للكفار والمنافقين: إنني استدرجهم، وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ، لا يحسبن هؤلاء أن إملاء يعني أن تركنا لهم هذه السعة وعدم المسارعه في أخذهم وأخذ أرواحهم وإنزال العقوبة عليهم أن الله يملي لهم يمهل عليهم لا يعالجهم أو يعاجلهم بالعقوبة، لا يحسبن هؤلاء الذين لم يعاجلهم الله بالعقوبة على كفرهم ونفاقهم بل أملى لهم ومتعهم في هذه الدنيا، لا يحسبوا أن هذا خير لهم، إياكم أن تفهموا الأمور بهذه الطريقه.
طيب لماذا أمليت لنا؟ لماذا لم تعاجلنا بالعقوبة؟ يقول سبحانه: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، قمة الخذلان! أنا أملي لك وأعطيك من المال والرخاء و و و، بل من الحكم والتمكن، لتزداد إثماً على إثم وكفراً على كفر، لأنني أريد أن أعاقبك عقاباً قاسياً يكون نكالاً وعبرة للأولين والآخرين، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ، فنعوذ بالله من قمة الخذلان الذي يعيشه هؤلاء من المنافقين ومن الكفار.
ثم الله عز وجل يخبر عن سنة كونية في كل مراحل الإنسانية، يقول سبحانه وتعالى: قاعدة عامة يجب أن يفهمها كل مؤمن، لماذا يبتلى المؤمنون؟ ولماذا تكون هناك المحن والتصفية؟ يقول سبحانه: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. هذا لا يكون، أن تكون المجتمعات المسلمة هكذا بدون بلاء وبدون معارك وبدون صراع بين الحق والباطل، الله عز وجل يقول لنا: هذا لا يكون، بالتالي هذه سنة الصراع بين الحق والباطل. لماذا يا رب؟
المجتمعات المسلمة هي دائما تخوض معارك الجهاد ومعارك المدافعة لأهل الباطل. يقول سبحانه وتعالى: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. هل تظن أن كل من قال لا إله إلا الله قالها بصدق؟ هل تظن أن كل من قال لا إله إلا الله هو مستعد أن يعيش من أجلها؟ كلا والله، بل هذا شيء نراه، ليس كل من يقول لا إله إلا الله يعيش من أجلها، يريد أن يضحي في سبيلها، هو موالٍ لها حقيقة، هو موقن لها حقيقة، فلا بد من أن يحصل البلاء ليكون التمحيص. لماذا؟ ليميز الله الخبيث من الطيب، فقال سبحانه: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
وهذا مصداق قوله تعالى في سورة العنكبوت: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. لا يمكن، أحسب الناس أن يتركوا وأن يقولوا آمَنَّا؟ تظن أن لا إله إلا الله هكذا سهلة، تقولها وانتهت القضية وخلص، تذهب إلى الجنة مباشرة؟ لا بد أن يعرف الله عز وجل من قالها من قلبه، ومن يعيش من أجلها، من هو مستعد أن يدفع الثمن لها، ومن قال لا إله إلا الله فقط هكذا، لكنه لا يعيش من أجلها. فقال: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. القضية ليست سهلة، هناك ثمن وتضحية لابد أن تدفع من أجل لا إله إلا الله.
ومن أجل هذا قام سوق الجهاد، وقام سوق الرباط، ومن أجل هذا وجد الكفار ووجد المنافقون وكان هناك حق وباطل، لأن هناك حكمة إلهية عظيمة، أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يميز الصفوف. وتمييز الصفوف يقتضي وجود هذا الشر في العالم، هذا الشر الذي اسمه الكفار، وهذا الشر الذي اسمه المنافقون. وهذا مهم وجوده حتى يميز الله عز وجل بهم أهل الإيمان الصادق من أهل البلابل ومن أصحاب القلوب الضعيفة، حتى يميز الخبيث من الطيب. ثم قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ.
فالله سبحانه وتعالى جعلنا نسير في هذه الدنيا وفق المعطيات التي بين أيدينا، وفق إرادتنا الحرة، نحن لا نعلم ماذا سيكون، سواء من مآلات المعارك والحروب، أو من مآلات اختيارنا وأفعالنا، أو من مآل أمرنا عموما. نحن لا نعرف المآلات، وإنما نخطط وترسم الخطط ونسعى ونسير ثم نتوكل على الله سبحانه وتعالى. وإنما من يمكن أن يطلعه الله على الغيب فهؤلاء هم الرسل صلى الله عليهم الذين يجتبي الله سبحانه وتعالى. فنعم، فقد يعطيهم أو يطلعهم على مقدار من الغيب.
فأنتم يا أهل الإيمان عليكم أن تسيروا في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وفي مقارعة الحق والباطل، بغض النظر عما سيكتب بعد ذلك. كأنه سبحانه وتعالى يقول في نهاية غزوة أحد -يعني ممكن بعض الصحابه يعني هكذا ياتي في ذهنه خاطر-: لو كنت اعرف أن نتيجة غزوة أحد هكذا كذا ربما ما شاركت، أو لربما ما عاجل النبي صلى الله عليه وسلم وحثنا على الخروج إلى خارج المدينة ليقاتل. فتشعر أن هذه الآية -يعني أنا أفكر ما موقع هذه الآية هنا- وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ.
ربما كثير من الناس بعد نهايات المعارك الدامية، سواء معركة أحد أو حتى في المعارك المعاصرة معركة طوفان الأقصى أو غيرها، بعض الناس عندما يرى النتائج ويعيشها يقول: لو أنني كنت أععرف أن النتائج هكذا ولو كنت أعرف الغيب لما دخلت في هذه المعركه أو لما كانت القضية أو لم أخطئ هذا الخطأ أو لم أمارس أو. فهنا كان الله سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء الذين يسيرون بالإسلام ويعملون للإسلام وأحيانا بعد بعض المعارك تكون نتائج وتضحيات ودماء كبيرة: أنتم في النهاية لن تعرفوا الغيب.
يعني أنتم ستدخلون في أتون معارك وصراعات مع أهل الباطل، نعم، بعض المعارك قد تكون نتائجها دامية، وعليكم طبعا أن تعيدوا الدراسة، يعني هذا لا يعني أن الإنسان لا يتعلم من التجربة ولا يستفيد ولا ينظر ولا يقيم، هل هناك أخطاء؟ هل هناك أمور كان ينبغي أن تراعى ابتداء؟ هذا بعد آخر. لكن في النهاية عند نهاية الامور لا تبدأ تشكو ولا تقنط من ربك ولا تياس ولا تقول: لو أنني عرفت الغيب لما خُضْتُ هذه المعركة. هي خلاص، أنت ستخوض معركة الإسلام وستكون هناك تضحيات ودماء، وأخطاء، سيكون لك أخطاء وسلوكيات غير صحيحة، وستخطئ وتتعثر وتعود فتنهض.
أنت لست مطلوب منك أن تعرف الغيب ولن تعرف الغيب، هذا الغيب ومآلات الأمور عند الله سبحانه وتعالى، أنت لن تستطيع قبل أن تخطو خطوة في المشروع الإسلامي سواء فرد أو جماعة، أنت لن تكون مدركا تماما ماذا ستكون نتائج الأمور، أنت تبذل تأخذ الأسباب وتسعى وتحاول ثم بعد ذلك الله عز وجل يقدر ما يشاء، لكن المهم أن تدرس الموضوع جيدا، أن تتاكد أنك اخذت بالاسباب الشرعية والقواعد المرعية، ثم بعد ذلك: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ.
أنت تسير ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، هناك رسل، سواء من الرسل الملائكية أو الرسل الأرضية، يطلعهم الله عز وجل على قسط من الغيب، ويبقى جانب من الغيب لا يعلم إلا هو سبحانه وتعالى. طب فما دمنا نحن لا نستطيع أن نعرف الغيب، وبالتالي تحركاتنا وقراراتنا ومسيرنا في الدنيا إنما معتمد على اجتهادنا، يقول سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. فانتم المطلوب منكم إذا أن تحققوا الإيمان الصادق بالله ورسوله، وأن تؤمنوا وتتقوا فلكم اجر عظيم بقدر إيمانكم بالقضية بهذا الإسلام العظيم وسعيكم دوما للتقوى. لاحظ الإيمان مع التقوى، يعني وانتم تسيرون بركب المسلمين أن تتقوا الله عز وجل في مسيركم بهذه الدعوة الإسلامية.
وتقوى الله تقتضي أن يكون العمل الإسلامي وفق قواعد شرعية، وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى، يعني مش فقط ما دمت أنت مؤمن وصادق خلاص أنت صح، لا، ابن عز قال: وَإِنْ تُؤْمِنُوا، إذا أولا الإيمان لله والتصديق والإخلاص، قال: وَتَتَّقُوا، يعني أن تحذروا أن تكون أعمالكم وفق مرضاة الله بعيدا عن مساخطه، وهذا مهم في العمل الإسلامي دوما أنه أنت كما أنك تبحث عن الإيمان الصادق عليك أن تبحث عن العمل الصائب.
فاذا المطلوب دائما إيمان قوي صلب، وعمل صحيح صائب يرضي الله سبحانه وتعالى، ويكون وفق قواعد الشريعة الصحيحة المقاصد الإلهية والقواعد الربانية والأحكام، يكون عمل منضبط صحيح. إذا اجتمع الأمران: وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ. أنت خلاص هذا ما في وسعك، أنا ما في وسعي أن أطلب العلم النافع لتكون تحركاتي بهذا الدين تحركات صحيحة مبنية على تقوى الله عز وجل، وأحرص على صدق القلب واخلاصه وصفائه لربه سبحانه وتعالى. إذا جمعت هذا وهذا فلكم اجر عظيم، بغض النظر عن النتائج، لاحظ بغض النظر عن النتائج المادية التي ستحصل بعد ذلك، لأن الله لم يكن ليطلعكم على الغيب، فالنتائج هذه عند الله عز وجل، الأقدار بيد الإله هو سبحانه وتعالى صاحب الأمر من قبل ومن بعد، وإنما أنا أومن وأعمل.
ثم سبحانه وتعالى توجه إلى هؤلاء الذين يبخلون عن العمل، يبثون، يبخلون في العطاء لامتهم، يبخلون أن يعطوا الأمة جهدهم ووقتهم ومالهم وحياتهم وأرواحهم. يقول سبحانه لكل هؤلاء الذين لا يريدون البذل في سبيل الله بمختلف أنواع البذل، الوقت والبدني والمالي والجهد، يقول: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. ولاحظ يقول سبحانه: بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. وأعتقد أن هذا صحيح، أول ما يخطر في ذهننا المال، لكن أيضا هناك أناس ما عنده عطاء ما عنده مال عفوا يقدم، ولكن عنده ذكاء يمكن أن يخدم به الأمة، كثير من الشباب من الأذكياء الفطاحل يبخلون به على أمتهم وعلى دعوتهم وعلى مسيرة الإسلام.
يوظفون ذكاءهم في الهجرة إلى بلاد الكفار ليخدم في مستشفى عند أمريكا، ويخدم، حتى بعضهم يخدم في القواعد العسكرية هناك في أمريكا، وفي صناعة لوائح وكذا لطائراتهم، يخدموا ذكاءهم، ليس لامتهم، ذكاءهم لأعداء الأمة في شتى علوم الحياة. وبئس هؤلاء والله الذين لم تنتفع الأمة من ذكائهم ولم ينتفع الإسلام من جودة ذهنهم، وإنما كان عطاؤهم لعدونا. فهناك أناس ربنا عز وجل معطيها ذكاء وفهم في امور الفيزياء والكيمياء وذكاؤهم ليس لنا. هناك أناس ربنا معطيهم قوة بدنية تمام وقدرة على ممارسه كثير من الأعمال التطوعية والاجتماعية والخدمات، ولكن قوتهم البدنية مهدرة في المعاصي والذنوب والعيش والبحث عن الأموال العالية والرواتب العالية.
بعض الناس عنده مال ويبخل به عن الأمة والمشاريع الإسلامية، فالخطاب للجميع. يقول سبحانه لهذا الشخص الذي لا يريد أن يبذل للإسلام ولا يريد أن يعيقه: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. هناك طبعا كلمة محذوفه: لا يحسبن الذين يبخلون بما اتاهم الله من فضله بخلهم هو خيرا لهم. كلمة بخلهم مقدرة في السياق، لا يحسبن هذا البخيل بخله خيرا له. بخلهم مفعول به أول، خيرا هي المفعول به الثاني. لا تحسب بخلك خيرا لك، هذه خلاصه الآية، لا تحسب بخلك خيرا لك. لا تظن أنه أنت هيك بتكون شاطر، أنه أنا ما عرضت نفسي للمشاكل، أنا خلص عشت حياتي حافظت على أموالي وحافظت على بدني وكذا.
ويصير هؤلاء ينظرون إلى الذين يبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل الله نظرة المسكنة، أنه هذول مساكين، يعني هذا مش عارف أنا ليش عايش، إيش اللي أجبره يعيش في الأنفاق وفي الكذا وأخر شيء يعني مغلب حاله عم قاتل اليهود 30 سنة، أو هذا اللي عم ببذل ماله من أجل فقراء أو مساكين أو مشاريع أو كذا. هو يظن نفسه أنه هو شاطر، يظن نفسه أنه هو عارف كيف يدبر حاله، لكن في المعايير الإلهية هو فاشل وساقط. لا يحسبن بخله عن العطاء أمته خيرا له، بل هو شر، يعني مش فقط هذا مش خير بس هو في حال الاعتدال يعني نيوترال يعني لا هو خير ولا شر، لا بل هو شر. عدم عطائك لأمتك هو شر عليك، لأنه هو سبب الهشاشَة الإيمانية والضعف الإيماني. عدم العطاء لأمة الإسلام من أكبر المثبتات على دين الله سبحانه وتعالى، أن تكون معطيا معطاء لأمتك ولدينك ولدعوتك.
يقول سبحانه وتعالى متوعدا هؤلاء: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. هذا الشيء الذي أنت بخلت به ضننت به عن أمتك وفقط استعملته لقضاء وطرك ولذتك، هذا المال، هذا العقل، هذا البدن، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. وقد جاء في الآثار أن هذا الرجل الذي بخل بماله عن العطاء في سبيل الله ياتيه ماله على صورة شجاع أقرع، صورة أفعى سامة تحيط به وتخنقُه يوم القيامة: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. يعني أنتم وأموالكم التي بخلتم بها، أنتم ومناصبكم، أنتم وعقولكم، أنتم كل هذا، كلكم مع دنياكم أنتم لله سبحانه، وكأننا لاحظ هنا الميراث الله عز وجل يعني لا يأخذ ميراثا بالمعنى الحقيقي، لكنها عبارة مجازية تشير أن الله سيرث الأرض ومن عليها، يعني على ايش بخلان وعلى ايش ماسك مالك وحريص عليه؟ ترى أنت ودنياك كلها لله رب العالمين، الله يرث الأرض ومن عليها وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
الله خبير بكل نفس منا، خبير في كل واحد منا كيف يفكر وكيف ينظر وكيف يزن الأمور، خبير بضمائرنا وخواطرنا وأنماط تفكيرنا وطرق معالجتنا للحياة، يعرف من الذي يقدم ويعرف اللي واقف بين الصفين يعني لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويعرف المنافق الخالص، ويعرف الإنسان الذي يعيش من أجل دينه، ويعرف الإنسان الذي يعيش من أجل دنياه، هو يعرف كل اختياراتنا، كل شيء على المكشوف كما يقولون، فأرِ الله منك ما يرضيه.
هنا انتهت التعليق على غزوة أحد وآثارها، ثم عدنا للكلام عن بني إسرائيل الذي هو كان يشغل الحيز الأول أو النصف الأول من سورة آل عمران، عاد الكلام عنهم حتى يكون ختام السورة مناسبا لمطلعها، فقال سبحانه: لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ. تمام، وهذا رجل من اليهود كان في المدينة قال هذه العبارة، فلما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم واستدعاه فقال له: أنت قلت إن الله فقير ونحن أغنياء؟ أنكر اليهودي، فانزل الله عز وجل تكذيبا لليهودي وقال: لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا، لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ. تمام، دائما من الأدب في القراءة لا تقف عند قالوا لتقول إن الله فقير كأنك إذا قلت هكذا كأنك تقررها، إذا وقفت عُد من البداية فتقول: قالوا، هم الذين قالوا، وإلا والعياذ بالله هذه كلمة كفر أن تقول إن الله فقير وأن الغني والعياذ بالله هذا كفر، فتنسب الكلام إلى قائله من اليهود. فالله عز وجل يقول مهددا لهم: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا، سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا. طبعا هم لماذا قالوا هذا الكلام؟ لما سمعوا الآيات القرآنية والقرآن يقول: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. فأراد اليهود أن يشغبوا على ضعاف الإيمان فقالوا: إن ربكم فقير، إن الله.
يستقرض من أموالكم، يقول لكم: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا. إذاً؛ نحن معنا الأموال، والله محتاج إلى أموالنا؟ لأنه خير، لذلك هو يستقرض هنا والعياذ بالله، والله غني عنهم، عن أموالهم. وقبل قليل نقول: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فيقول سبحانه: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا، كل كلمة تقولها سيكتبها الله عز وجل، وليس هذا فقط يا يهود، سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونقول في النهاية لكم: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. هذه الكلمات تسجل وتحصى وفي ملفكم يوم القيامة لما يفتح أمام العالمين، سيقال لكم أمام الناس بعد أن تقرأ هذه العبارات وكيف كنتم تعاملون ربكم، سيقال لكم: ذُوقُوامِ عذاب الحريق، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ حاشاه سبحانه.
لما لما إذاقكم عذاب الحريق هو لم يظلم، هذا من كيدكم وبأسكم ومن عملكم ومن سوء صنيعكم. الَّذِينَ قَالُوا: ما زال الله عز وجل يتكلم عن اليهود وعن سوء أفعالهم: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا. مِنْ حجج اليهود التي كانوا يثيرونها لعدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يقولون: نحن لا نؤمن بك يا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله عهد إلينا في كتبنا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار. احنا لا نؤمن لهذا الشخص أنه رسول أو نبي حتى يأتي بقربان معين؛ أموال، ثمار، وتنزل عليها صاعقة من السماء تأكلها، عندئذ نعرف أنه نبي.
طبعا كل هذه المعجزات التي ظهرت على يد محمد صلى الله عليه وسلم وأعظمها القرآن، كل هذا لم يعجبكم وأنتم تخيرتم شيئاً على مزاجكم، لا هذه طريقة أن تختر انت المعجزه التي أنت تريدها؟ هذا هوى! فالله عز وجل يقول سبحانه وتعالى لنبيه: قُلْ أجب هؤلاء اليهود اللي بقولوا: احنا لن نؤمن بك لأنك ما فعلت هذه المعجزة بالتحديد. طيب قُلْ: قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، تمام مش أنتم بتقولوا: احنا هيك نؤمن للرسل والأنبياء؟ طب هناك رسل من قبلي جاؤوكم بالبينات بمعجزات متعددة، وببعضهم جاء بهذه المعجزة بالتحديد التي أنتم تطلبونها، جاءكم بمعجزة قربان تأكله النار، ومع ذلك يا أيها الكذبة الفجرة قتلتموهم! فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين؟ هذا الرسول الذي جاءكم بقربان وأكله النار ليش قتلتوه إذا كنتم صادقين أن هذه هي علامة صدق الأنبياء عندكم؟ يعني إذا أنتم تعترفون أنكم قتلتم نبياً صادقاً، أنتم تشهدون بصدقه.
فإن كذبوك قالوا: لا، لا، لم يأت نبي من الأنبياء بما يعني طلبنا فقتلناه، لا، احنا نبي أتانا بالذي طلبنا منه لم نقتل. فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ. خلاص يعني هذه تسلية من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا، يعني انفض يديك منهم ولا تأسف عليهم، فهؤلاء اليهود قوم فجرة كذبة، قوم ليس لهم عهد ولا ميثاق، فقد كُذّب رسل من قبل. هؤلاء الرسل جاؤوا إلى اليهود بالبينات يعني بالمعجزات، والزُّبُرِ وهي الكتب، الزبر هي الكتب السماوية، وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ. وهناك خلاف؛ ما الفرق بين الزبر والكتاب المنير؟ أليس الكتاب المنير هو نوع من أنواع الزبر؟ هذا خلاف طويل تحريره في مجالس التفسير.
ثم قال سبحانه وتعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ. هنا عَمَّ الكلام لكل من يقرأ القرآن ولاهل الإيمان عموماً، أن الله عز وجل يريد أن يعطيكم معادلة واضحة على الإنسان أن يعيش من أجلها. كل نفس ذائقة الموت، كلنا ذاهبون إلى الله وكلنا سنسير إليه في يوم من الأيام ونغادر هذه الدنيا. وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وكل إنسان سيحصد نتيجة العمل. الأجر هنا هو نتيجة سعيك في الدنيا، نحن في الدنيا نسعي ونتيجة هذا السعي ستحصد يوم القيامة. وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فالإنسان الذي يأتي يوم القيامة فيجد نتيجة سعيه، يجد أجرته أنه زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ، ولاحظ زُحْزِحَ يعني كأنك بتتكلم عن سنتيات قليلة، مجرد أن تزحزح عن النار سنتيات محدودة وتدخل الجنة فَقَدْ فَازَ!
يعني هذا هو الذي عاش حياة ناجحة، لا تقول لي: أنا ابني متخرج من جامعات كامبريدج والغرب، ولا تقول لي: أنا ابني راتبه في الشهر 30 ألف و35 ألف، ولا تقول لي: أنا ساكن في فيلا أو ساكن، ولا تقول لي: أنا عندي كذا وعندي كذا وإمبراطورية سيارات وأموال، ولا تقول لي: أنا عندي جمهور ومتابعين على السوشيال ميديا مليونين ولا 20 مليون، ولا تقول لي كل هذا! ارميه وراء ظهرك وحقق هذا الموضوع، إذا حققت هذا الموضوع استطعت أن تزحزح عن النار سنتيات وتدخل الجنة، عندئذ قل لي إني أنا فزت، قل لي إنه أنا ناجح، غير كذا هذه دنيا. ماشي، ممكن تحقق نجاح جزئي في الدنيا لكن لا قيمة للنجاح الجزئي إذا تبعه هلاك كلي، لا قيمة لهذه الدنيا التي تلهث ورائها وتعيش من أجلها وتسعى، إذا كان نتيجة الأمر أنك ستغمر جهنم غمسة تنسى بها كل نعيم الدنيا.
يعني حتى عصاة الموحدين لما يغمس غمسة في نار جهنم ينسيه كل نعيم الدنيا، السيارة والفلة، كل الشيء اللي عاش من أجلها سينسى في غمسة واحدة حتى ولو كان لن يخلد في النار، فما هذا الشيء الذي عشت من أجله إذا كانت غمسة في نار جهنم كفيلة بأن تنسيك اسمك وتنسيك كل شيء؟ فحري الإنسان العاقل الذي يقرأ كلام ربه ويعرف أن هذه رسائل واضحة، أن يعيش من أجل أن يزحزح عن النار، وأن يعيش من أجل غاية شريفة.
ولذلك قال سبحانه: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا -هذه الحياة التي تعيشون من أجلها وتتقاتلون عليها وتحسد بعضكم بعضاً على نيلها- وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. متاع إنسان مخدوع، متاع الخداع، الغرور الخداع، متاع متاع خادع. ولاحظ المتاع هو الذي يكون مع المسافر، فنحن في الدنيا في سفر، بغض النظر شو معاك من سيارات أو أموال أو مناصب أو شهادات، هي عبارة عن متاع ستلقى في يوم من الأيام وراء ظهرك، وستغادر الدنيا وحدك، ستغادر الدنيا وحدك، فلا تستكثر من المتاع ولا تثقل ظهرك به، وإنما استكثر من الأعمال الصالحة التي هي كفيلة بأن تزحزح عن النار. هذا الذي يستكثر منه الإنسان، وإلا فربنا يقول لنا: كل هذه الدنيا التي تلهث وراءها إنما هي متاع، متاع خادع، متاع الغرور.
تمام، يقول الله عز وجل بعد ذلك للمؤمنين السائرين إلى الله الذين يحملون هم هذا الدين، يحملون هم الإصلاح ورفع راية لا إله إلا الله، يقول سبحانه لتلك الطائفة المسلمة مسلياً لهم، مثبتاً لهم، موضحاً لهم طبيعة الطريق، يقول: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، سيكون هناك بلاء بلاء تتعرضون له في أموالكم، في دنياكم، الحياة المادية، ربما تعانون من فقر، ستعانون من اضطهاد مادي، قد تسلب أموالكم، قد يحصل زلازل اقتصادية لكم يا أيها المسلمون ويا أهل الإيمان، وَأَنْفُسِكُمْ وهذا يكون بفقد ماذا؟ سيكون بفقد الارواح والمهج تمام، وqتل الذي يمارسه الكفار والمنافقون لأهل الإيمان. سيكون إذاً هناك بلاء مالي وبلاء نفسي، ولاحظوا الآن ما يحصل في غزة، لاحظوا البلد دمرت عن بكرة أبيها، 80% من غزة الآن مدمرة، لاحظ هذا بلاء مالي لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، نتكلم عن أكثر من 55000 من الشهداء نحسبهم والله حسيبهم، فضلاً عن الجرحى، فضلاً عن المبتورين، فضلاً..
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ -اليهود والنصارى الصليبيين- وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم المنافقون الذين بين أظهرنا، تمام، المنافقون المشركون الذين بين أظهرنا، ومن الذين أشركوا ستسمعون من اليهود والصليبيين ومن الذين أشركوا أذًى كَثِيرًا. لماذا أخبرهم الله سبحانه وتعالى بهذا؟ حتى يوطن أنفسهم على طبيعة هذا الطريق.
والإنسان لما يكون يعرف طبيعة هذا الطريق يهون عليه، بخلاف الإنسان الذي يأتيه البلاء فجأة أو يدخل في طريق الدعوة إلى الله وهو لا يعرف ماذا سيتعرض له من البلاء. لا، الله عز وجل من البداية يخبرك يقول لك: هذا الطريق ليس مفروش بالورود، هذا الطريق سيضحى فيه بالاموال والدماء، وهذا الطريق ستسمعون فيه من المشركين ومن المنافقين ومن اليهود والنصارى اهل الكتاب الصليبيين، ستسمعون أذى كثيراً في وسائل الإعلام، في المجالس العامة، في المجالس الخاصة، سيحذف عنكم أنكم إرهابيون، وأنكم سيقال عنكم ما يقال وتشوه صوركم ويفت في عضدكم.
فأنتم ماذا تفعلون يا رب؟ ما المخلص؟ ما المنجا؟ طب كيف نتعامل إذا كان هكذا هو الطريق؟ فيقول سبحانه مقدماً لكم العلاج الواضح: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. العلاج أمام كل هذه البلايا الصبر، وأن يكون صبراً ممزوجاً بالتقوى، الصبر الممزوج بتقوى الله عز وجل وهي فكرة دائماً أكررها مرت معنا قبل قليل، لما قال سبحانه وتعالى لعباده.. أنا نسيت الآية التي آية كانت معنا في التقوى، نعم: وَإِنْ تُؤْمِنُوا، قبل قليل في آية 179 لما قال: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ، آية 179.
هنا نفس الشيء: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا، فالله سبحانه وتعالى يريد في مواجهة هذه البلايا، مواجهة التشويه الإعلامي والأذى النفسي وفي مواجهة الأذى البدني ومواجهة الأذى المالي. لاحظ، إذاً سيكون أذى مالي وأذى بدني وأذى نفسي؛ الأذى المالي: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ، الأذى البدني: وَأَنْفُسِكُمْ، الأذى النفسي: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا. ما الذي يعين المؤمن الذي يعيش قصة الإسلام؟ ما الذي يعينه على مواجهه كل أنواع هذا المالي والنفسي والبدني؟ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا.
الصبر، وعليك أن تتعلم الصبر، فالصبر بالتصبر، ويكون هذا الصبر ممزوجاً بالتقوى، أي وفق الضوابط الشرعية. لأن هناك من يصبر لكن صبره يكون فيه أخطاء، يعني يمارس أخطاء وآثام، وقد مثلاً من أجل أن يصبر على عدوه قد يقوم بمراهنات خاسرة أو آثام، أو يميع بعض القضايا الفكرية والعقدية، هو صابر هو فعلاً قد يكون الإنسان هو فعلاً يريد الصبر، لكنه لا يصبر صبراً شرعياً، صبراً وفق قواعد الشريعة.
والصبر وفق قواعد الشريعة ينبغي أن لا يكون فيه لا تمييع ولا غلو، لأنه بعض الناس أيضاً يقول لك: أنا صابر بس سافعل وافعل، فتجده أيضاً يغلو يغلو، وبالتالي قد يشتغل بإخوانه المصلحين، يقول لك: احنا صابرين على العدو وأنتم تفعلون! فيشتغل بإخوانه مكفراً لهم مبدعاً لهم مشتغلاً بتفسيق واتهامهم أو تخوينهم أو أشياء من ذلك. فالصبر لابد أن يكون صبراً شرعياً، والصبر الشرعي هو الذي لا غلو فيه ولا تمييع، وهو الصراط المستقيم، لذا قال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا.
هناك من يصبر يا شباب، لكن هناك من يصبر صبراً لا يكون شرعياً، لأنه ممزوج إما بتمييع لقضايا الإيمان أو بغلو في قضايا الإيمان. وأما صبر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو صبر متوازن، صبر لا غلو فيه ولا تمييع، وهذا معنى: تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا. فإذا صبرت صبر الكبار، الصبر المتوازن الهادئ الممزوج بتقوى الله؛ فإن ذلك من عزم الأمور، هذه هي الأمور القوية الصلبة التي يفلح أصحابها ونجحون وتكون العاقبة لهم بإذن الله. فلذلك قال: هذه من عزائم الأمور، يعني من الأمور المؤكدة ومن القواعد الصلبة في قواعد النجاح والظفر، الصبر مع التقوى، هذه هي رسالة الله لنا.
ثم يقول سبحانه وتعالى -وأتاكد من الوقت حتى لا أكون قد أطلت عليكم- يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذوه وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. هنا الله عز وجل يذكر طبيعة علماء بني إسرائيل والكلام موجه إلى علماء هذه الأمة المباركة، يقول سبحانه وتعالى: أنا أخذت الميثاق على بني إسرائيل في التوراة والإنجيل أن كل ما ورد في التوراة والإنجيل من صفات محمد صلى الله عليه وسلم لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ. فكيف تعامل علماء بني إسرائيل مع ما في كتبهم السماوية؟ نبذوا ما في هذه الكتب من الأوامر الإالهية وراء ظهورهم من أجل تحصيل لعاعة من الدنيا، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ! تشتري الفاني وتترك جنة عرضها السماوات والأرض.
وهذا حال علماء السوء من أمتنا، الذين قرؤوا القرآن وعرفوا أحكامه وكلياته، وقرؤوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقرؤوا سيرته ونهجه، فلما طلب منهم البيان وأن يضعوا الأمور في موازينها، كتموا ما في كتاب الله وما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو شوهوا معالم القرآن والسنة، وحرفوا وبدلوا هذه المعاني لتوافق أهوائهم وأهواء ساداتهم الذين يخدمونهم ويقتاتون على أموالهم. فتجدهم يتلاعبون بدلالات القرآن ويتلاعبون بدلالات السنة وبدلالات الأحاديث ويبدلون، من أجل ماذا؟ الثمن القليل الذي يأخذونه، لعاعة الدنيا التي يعطيها هؤلاء الظالمون والمستبدون لهم.
أعطوهم لعاعة، توجد هذه الطائفة التي تسير على خطى بني إسرائيل، قد يكون بلحى وقد يكون بشماغ وقد يكون بأي شيء يعني عادي جداً، ومع ذلك ينبذون الكتاب وراء ظهورهم ويشترون به ثمناً قليلاً، بيشتري به راحة الدنيا والعز والمناصب وما شابه ذلك، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ. مش كل شيخ يخرج على الإعلام ويتكلم باسم الدين ترى هو صادق، ليس كل انسان بلحية أو غطوة أو يتزيّ بزي أهل العلم هو صادق، مش كل إنسان حتى لو كان لديه مؤلفات في الأسواق أو حلقات على السوشيال ميديا أو يستضاف على القنوات هو صادق. هناك من يشوه لكم الدين من أجل مصالح يراها ودنيا يبحث عنها، فبئس ما يشترون! وعلى المسلم أن يكون على درجة من الوعي جيدة ليفهم من الذي يعبّئ نفسه لله ويتكلم بما في الكتاب والسنة ولا يخشى في الله لومه لائم، ومن الذي يحرف.
المفاهيم ويتلاعب بالكلام من أجل أن يحافظ على قسطه من الدنيا. يقول سبحانه أيضاً: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا بِمَا أَتَوْا من الخبائث والصنائع. والكلام هنا عن المنافقين عموماً وعن المشركين أيضاً. لكن يقول سبحانه وتعالى عن هناك أناس يعيشون معنا في مجتمعاتنا من المنافقين يفرحون بما أتوا أي بما يصنعونه من المكر والخديعة، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويحبون أيضاً أن يثنى عليهم في أشياء أنهم مرابطون مقاتلون وثابتون وهم ليسوا كذلك، يحبون أن يعني تلصق بهم الأوصاف الشريفة. وإن كانوا لم يفعلوا شيئاً، يلصق فيهم أنهم يعيشون للإسلام وهم يعيشون لأهوائهم، يلصق بهم أو يشهرون أنه فلان ما شاء الله خاص اليوم على السوشيال ميديا، الناس كل ما رأت رجلا تكلم بكلمة صفقت له، ما شاء الله فلان شريف انسان يعيش من أجل قضية، ما شاء الله فلان وهو لا يعيش من أجل قضية ولا شيء، هو يقتات ويأكل من أجل دنياه. فيقول سبحانه: وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا بأشياء هم لا يفعلونها أصلاً. تمام، بعضهم يخرج خبر عن نفسه أو أحد يخرج خبر عنه أنه والله تبرع لأهلنا وكذا بمليون وخلص، أنتشر الخبر وانتشر، قول لك يا أخي أنا ما تبرع بشيء، لكن صيت غنى ولا صيت فقر كما يقول.
فيحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، هذه نفسية المنافق داخل المجتمعات المسلمة، يفرحون بما أتوا، يفرحون أنهم لم يشاركوا ولم يضحوا في هذا الدين فسلمت لهم دنياهم. هو فرحان أنه الحمد لله ما قاتلت مع المسلمين غزوة أحد وبالتالي ما خسرت يعني نفسي وأبنائي ودنياي، وفرحان فكر أنه شيء عظيم، وفرحان بمكره وفرحان بأنه لا يضحي ولا يبذل وانه يستطيع أن يتهرب من المسؤولية الدينية، يتهرب من مسؤولية الدعوة إلى الله عز وجل، يفرح بما يفرح بهذا ويشعر أنه ذكي كما ربنا وصفهم في سورة التوبة: وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوَ كانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا. فقال سبحانه: لَا تَحْسَبَنَّ هذا الصنف من المنافقين الذين يعيشون معكم يفرحون بسلامة دنياهم، ويحبون أن يحمدوا في المناقب والأمور الأخروية ومناقب العلو وهم لم يفعلوا ذلك. فهو يقتات على الكذب، يقتات على الخداع، يقتات فقط على السمعة وأهم شيء سلام الدنيا. لا تحسبنهم مرة ثانية عاد: لَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ أن العذاب بعيد عنهم، سيصابون بعذاب في الدنيا وفي الآخرة، لذلك قال: لا تحسبنهم بمفازتهم يشير إلى العذاب الدنيوي قريب سيبتلى، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ينتظرهم في الآخرة حتى يعني ولو فاتهم عذاب الدنيا فعذاب الدنيا لا شيء مقارنة بعذاب الآخرة.
بقي علينا المقطع الأخير من سورة آل عمران، هذا أتركه إن شاء الله للمجلس القادم إن كان لنا في العمر بقية. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل