السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، يا رب السلام. عليكم، الصوت جيد؟ أصلح الكاميرا. حياكم الله أحبتنا. بسم الله. حياك الله دكتور طارق، ما شاء الله ما شاء الله، زاد اللهما على الخير يا... اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل. اللهم ثبتنا على طلب العلم، وعلى طلب القرآن، والاشتغال بمعانيه، ولا تحرمنا منه بذنوبنا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس الجمعة، وها نحن نصل إلى ختام سورة آل عمران، هذه السورة العظيمة التي عشنا في فيائها منذ أسابيع، ونقرر المعاني في العقائد، والمعاني في الحوارات مع اليهود والنصارى، والمعاني العظيمة التي قررت أيضاً في موضوع غزوة أحد، والدروس والعبر التي استفادها جند الإسلام وأهل الإسلام واتباع هذه الدعوة المباركة من معاني غزوة أحد، منذ بدايتها إلى وسطها إلى نهايتها، إلى أن استمر بعد ذلك من غزوة حمراء الأسد. كيف عالجت هذه السورة قلوب المؤمنين معالجة إيمانية راقية يحتاجها المسلم في كل زمان ومكان.
بعد كل هذا المشوار الذي مشينا فيه في سورة آل عمران، والأفكار والنقاشات والحوارات والجهاد والرباط، أنت تشعر في سورة آل عمران يعني من بدايتها إلى هذه النقطة التي وصلنا إليها في الصفحة قبل الأخيرة، أننا دخلنا في معارك الحياة، دخلنا في جدالات وحوارات مع اليهود والنصارى، صبر على مكرهم وخداعهم ومحاولة الفهم لأساطيرهم ومكرهم، واقرار الحق عليهم وإقامة الحجة عليهم. ثم بعد ذلك دخلنا في الحديث عن المنافقين وأثرهم في المجتمع المسلم، وكيف كان أثرهم بارزاً واضحاً في غزوة أحد منذ بدايتها إلى نهايتها.
دخلنا في معمعة غزوة أحد والمعركة والثبات والدماء والاشلاء والأخطاء والمعالجات والارشادات والتنبيهات. ثم بعدها استمرار الصحابة في الجهاد بعد غزوة أحد واستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. فانت تشعر في سورة آل عمران أن هناك حركة كبيرة في السورة من بدايتها إلى نهايتها، حركة ذلك المسلم الذي يحمل هم دينه، يحمل هم السير إلى الله سبحانه وتعالى.
ذلك المسلم الذي يريد أن يكون جندياً من جنود هذا الإسلام العظيم، ثابتاً عليه، منافحاً عنه، داعياً إلى الله، محاوراً مناظراً، مترقباً ناظراً لمن حوله، يريد أن يسير إلى الله سبحانه وتعالى، فيجادل ويرابط، يريد أن يكون من الربيين الذين ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، الذين يحسنون الظن بربهم في أحلك اللحظات ومع وجود الآلام والنكبات. في هذا الطريق يبقى ثابتاً مرابطاً وهو يلهث في سيره إلى ربه عز وجل سائلاً من الله الثبات.
يعني أنت تتكلم عن معركة ذاك المسلم في الحياة. هنا يأتي ختام السورة ليبين لك مجموعة من العبوديات التي لابد لهذا المسلم الذي يخوض معركة الإسلام ومعركة الحق ومعركة السير إلى الله، لابد لهذا المسلم من أن يتسلح بمجموعة من العبوديات. هذه العبوديات التي سيمارسها على مستواه الشخصي ستعينه على تحمل آلام الطريق وصعوباته وما فيه من الإشكالات والعقبات التي تظهر.
يقول ربنا سبحانه وتعالى مبيناً هذه العبوديات، نحن وصلنا إلى الآية 189 من آل عمران: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يعني بعد كل هذا الصراع من أول غزوة، من أول سورة آل عمران إلى هذه النقطة، يهود ونصارى وكفار قريش والمنافقون والصراعات، يقول الله عز وجل: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
كل ما في هذا الوجود، كل ما في هذا الوجود هو ملك لله سبحانه وتعالى. فالكفار بمكرهم وكيدهم وبلادهم وديارهم، والمنافقون واليهود والنصارى وأهل الإسلام وكل ما في هذا الوجود هو ملك لله، وبالتالي أنت يا أيها العبد المسلم، أنت تصطف في جنب الله بتوحيدك له، بعبوديتك له، بدفاعك عن دينه، أنت تصطف بجانب القوة العظمى سبحانه وتعالى، الإله القدير العظيم عز وجل.
فهذا يعطي المسلم أول شعور بماذا؟ بالأريحية والطمأنينة أنني أسير، أسير بالاتجاه الصحيح، على ما فيه من الآلام والإشكالات لكنني أسير بالاتجاه الصحيح، أنني مع من يملك السماوات والأرض. أنت عندما تركن إلى ظالم أو إلى فاسد أو إلى كافر أو إلى فاجر، أنت تركن إلى مخلوق، إلى ضعيف، إلى إنسان لا يملك شيئاً ليعطيك إياه.
وأما إذا ركنت إلى الله سبحانه وتعالى فانت تأوي إلى ركن شديد، فانت تأوي إلى ركن شديد إلى الذي له ملك السماوات والأرض، ومن أوى إلى الله سبحانه وتعالى أواه الله، ومن كان في صف الله سبحانه وتعالى نصره الله. وهذا مهم جداً أن يتقرر في عقيدة المؤمن أن كل هذا الوجود هو ملك لله عز وجل، وهذا بالتالي يعطيك كما قلت الطمأنينة في مسيرك: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
طيب، يا رب، أريد عبوديات، أنا كإنسان مسلم أريد عبوديات تزيدني ثباتاً ويقيناً على صحة الطريق الذي اخترت، عبوديات تثبتني رغم الآلام والتضحيات التي أراها أمامي. فيقول سبحانه وتعالى موجهاً المؤمن إلى عبودية التفكر، وعلى عبودية التأمل والنظر في ملكوت السماوات والأرض، ودور هذا التأمل والتفكر في تثبيت الإيمان: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ.
إن في خلق السماوات والأرض يحثنا ربنا سبحانه وتعالى هنا إلى أن ننظر ونتأمل في جمال السماوات والأرض وما فيها من العلامات والدلالات والأجسام الباهرات الدالة على خلق الله عز وجل، والدالة على وجود الله سبحانه وتعالى، والدالة على أنك تصطف بالمكان الصحيح. إن في خلق السماوات العظيمة وبما فيها من الأجرام والنجوم والكواكب، والارض وما فيها من البحار والانهار والاشجار والحيوانات والدواب واختلاف الليل والنهار يعني مسير الليل والنهار وتقلبه.
نحن في كل صباح ننتظر شروق الشمس ثم بعد ذلك إذا بها تغرب ويخرج مكانها أو يأتي مكانها الليل الدامس، ثم ساعات ما بعد ذلك تأت الشمس مرة أخرى معلنة وجود النهار وتنفس الصبح، ثم بعد ذلك تغيب. هذه الحركة المستمره المنتظمة التي لا خلل فيها ولا إشكال فيها، ولم يحدث في يوم من الأيام أننا استيقظنا فوجدنا هناك خلل في نظام الكون، أو أن يعني حصل خطأ في ترتيب الليل والنهار، أو أن النظام الكوني حصل فيه إشكالية معينة وهنا خلل في السستم ويحتاج إلى إعادة ترتيب كما يحصل في أجهزة الحاسوب ولا أجهزة الحياة أو أنظمة الشركات.
أنت إذا نظرت إلى أفخم الشركات في العالم وأعظم الصانعين والفاعلين من بين البشر تجد في النهاية يحصل ما يحصل من الأخطاء التقنية، يحصل ما يحصل من الإشكالات، يحصل ما يحصل من ولو الشيء اليسير من عدم التنسيق والترتيب التام. ولكن هذا لم نجده في يوم من الأيام في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، سبحانه، هذا كله يزيدك يقيناً أنك في الاتجاه الصحيح. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يمارس عبودية التفكر عندما كان يستيقظ في ساعات الليل.
فهذه الآيات إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ في صحيح ابن حبان يقول عليه الصلاة والسلام: ويل لمن قراها ولم يتفكر فيها. هذه الآيات التي تبدأ من آية 190 ورد في صحيح ابن حبان قوله صلى الله عليه وسلم: ويل لمن قراها ولم يتفكر فيها، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. مما يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يتوعد من لا يقف عند هذه الآيات ليمارس عبودية التفكر والتامل.
أنه أحياناً أنت مع مع مع الطريق والصراع والتعامل مع جنس البشر والإشكالات التي تمر بك، أحياناً تنسى أن تعطي نفسك قسطاً من الراحة بعيداً عن هذه الأجواء الدنيوية وصخب الحياة. قسط تأخذ به نفسك لتشحن كما يقولون، ولتثبت معالم الإيمان. وكلنا نحتاج إلى الخلوات، نحتاج الساعات التي نجلس فيها وحدنا لنفكر في مسيرة هذا الكون، في مشهد الحياة، في مشهد الوجود، النظر إلى موازين الدنيا والى الأصناف المختلفة فيها.
النظر إلى السماوات والأرض وتقلب الليل والنهار وحركة هذا العالم والصراعات التي فيه: وَإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى، واختلاف الأفكار. كل هذا لابد وأن تأخذ نفسك في الحياة بعيداً لتنظر إليه نظرة عامة شاملة. هذه الخلوة في التفكر هي من مثبتات الإيمان، والله في معركة الحياة كأنك تذهب تلقط أنفاسك ثم تعود إلى معركة الحياة.
نكمل الآيات: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، لعلامات مثبتات لأولي الألباب، أصحاب العقول النيرة وأصحاب الفكر والتدبر. من هم أولوا الألباب؟ حقيقة هنا الذين سيستفيدون من هذه الآيات والعلامات الباهرات، وإذا نظروا إليها تزيدهم إيماناً بطريقهم وإيماناً بالإله، هؤلاء أولوا الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار.
الذين سينتفعون من هذه الآيات هم هؤلاء الذين عمروا قلوبهم وألسنتهم وعقولهم بذكر الله سبحانه وتعالى على كافة الاشكال والعدد المتوفرة والميسرة بين أيديهم. فسواء كانوا قياماً يسيرون في الحياة ويذهبون وياتون هم يتفكرون، سواء كانوا قعوداً جلوساً في مجالسهم العامة والخاصة يتفكرون، سواء كانوا على جنوبهم وقد استلقوا على فرشهم وأعطوا ظهورهم للأرض يتفكرون.
فلفظة قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم يدل على أن هؤلاء هم المتفكرون على شتى أحوالهم ومختلف تقلباتهم. إذاً، لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله، في ناس بتتذكر ربنا في كل أحوالها، في ناس وهي تسير في الحياة في كل خطوة من خطواتها هي تذكر الله. وهذه مرتبة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، أن تعبد الله كأنك تراك، هذا الصنف الذي يسير في هذه الدنيا وفي كل تقلباته يتذكر الله، هؤلاء هم الذين سينتفعون أيما انتفاع بالنظر في ملكوت السماوات والأرض.
فلذلك قال: هم يذكرون الله ويتفكرون في خلق السماوات والأرض دوماً، إذا نظروا إلى السماء وإذا نظروا إلى الأرض وإذا نظروا إلى الناس وإذا نظروا إلى هذه الحياة يتذكرون ويتفكرون ويعرفون قضية مهمة أن هذا الوجود بهذا الاتقان وهذا الابداع لا يمكن أن يكون وجد عبثاً: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً. باطلاً يعني هزلاً ولعباً. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً.
اللّه عز وجل معقول خلق هذه السماوات بإتقان والأرض بجمالها وهؤلاء البشر بمختلف أشكالهم، معقول خلقوا هؤلاء البشر ليتلذذوا في هذه الحياة الدنيا بفرشهم وطعامهم وشرابهم، وليكون غاية وجودي في الدنيا أن أحصل متاعاً ولاذئذ وشهوات ثم أموت؟ مستحيل، هذا أول ما يخطر في ذهن هؤلاء الأبرار. هؤلاء الذين يذكرون الله في مختلف أحوالهم، بمجرد أن يلتقطوا أنفاسهم بعيداً عن مشهد الدنيا وينظروا نظرة علوية إلى كل هذا الوجود، يدركون هذه الحقيقة العظمى: مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً.
مستحيل أن هدف وجودي في هذه الحياة الدنيا فقط أنني أذهب لاختص في الجامعة بشيء من الأشياء وأذهب أتعلم صنعة، ثم بعد ذلك أصبح موظفاً في شركة أو أعمل في الحياة بعمل وأجيب مال وأتزوج فقط، الهدف أن أوتر الجسد وأجيب أولاد وانبسط في الدنيا خلاص، والحياة طيبة ومجالس عامة وخاصة ومطاعم ومشارب وكشتات ورحلات وخلصنا ونموت وتنتهي حياتنا؟ معقول كل هذا الإبداع وكل هذا الإتقان وكل هذه الصنعة الإلهية فقط من أجل أن أقضي هذه الحياة الدنيا لهثاً خلف شهوات؟
مستحيل. إيمانك بأن دخولك في طريق الإيمان وثباتك على معاني التوحيد ودخولك في يعني كل هذا إنما تحصله من هذا التفكر ومن هذا التدبر، فتزداد يقيناً بقيمه سيرك إلى الله سبحانه. تعرف أنك تسير مع غاية هذا الوجود الدنيوي، أن بالتأكيد هناك غاية، هناك هدف، هناك ثمن يجب أن يدفعه الإنسان من أجل أن ينتقل إلى تلك الدار الأخرى.
فتعرف مصداقيات كلام ربك سبحانه وتعالى ومصداقية طريقك: سُبْحَانَكَ مَا خَلَقْتَ هَذَا... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا سُبْحَانَكَ.
ثم تنتقل الآن إلى عبودية أخرى، وهي عبودية الدعاء. لاحظ كيف أن التفكر والتدبر والتامل والنظر الكلي لهذا الوجود زاده يقيناً أنه لا يمكن أن يكون هذا الوجود لعبث وأنني وجدت لعبث، أنا وجدت لغاية عظمى يجب أن أفهمها. ثم هذا نقلهم إلى مرتبة أخرى وإلى عبودية أخرى، وهي عبودية الدعاء، فإن الدعاء هو سلاح المؤمن في أزمنة الاستضعاف وفي رحلة الحياة.
فهؤلاء الأبرار الأنقياء، التفكر والتدبر زادهم يقيناً بطريقهم، فافتقروا إلى ربهم فدعوا بين يديه: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. يا رب، نحن عرفنا أن هذا الوجود لا يمكن أن يكون خلق عبثاً، فيا رب أعنا على الثبات على المسير إليك حتى ننجو من عقابك، أعنا على الثبات، أعنا، سدد طرقنا، سدد خياراتنا، سدد طريقنا يا رب، ثبت... فقنا عذاب النار.
رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. أدرك هؤلاء القوم الأبرار، هؤلاء المجاهدون الصادقون، هؤلاء المثابرون على معاني الإيمان، أدركوا أن أعظم خسارة هي أن تدخل نار جهنم، أعظم خسارة ألا تسير وفق ما يريده منك خالق هذا الوجود سبحانه وتعالى. فأصبح هجرهم ودعاؤهم وافتقارهم إلى الله: ربنا ما خلقت هذا باطلاً، نحن ندرك ذلك وندرك أنك تريد منا أن نسير إليك وأن نكون صادقين معك وأن نجاهد في سبيلك وأن نرضيك يا أرحم الراحمين.
فياب رب إن أسمى أمانينا أن تقينا من النار، أن تقينا من عذابك يوم تبعث عبادك. رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أكبر خزي وأكبر عار وأكبر فضيحة وأكبر عذاب أن تدخل عذاب الله سبحانه وتعالى، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. إذا دخل الإنسان نار
جهنم والعياذ بالله من ينصره؟ أنت ظلمت نفسك، أنت ظلمت نفسك وظلمت غيرك، وإذا دخلت نار جهنم فإنك لن تجد من ينصرك من أهل الدنيا، ولن تجد مفرا من خالق الوجود سبحانه وتعالى.
ربنا ما زال الدعاء قائما: أَنَّسَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، وكان هذا نوع من التوسل بالأعمال الصالحة. ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان، يا رب نحن عندما خرجنا إلى الدنيا سمعنا دعاة ومصلحين وعلماء ومشايخ وأهل علم بالله سبحانه ومن الراسخين في العلم، سمعناهم ينادون إلى الإيمان، ينادون إلى الالتزام والدخول في سلك الصالحين، ينادون إلى أن نشترك في البرامج النافعة والأمور الصالحة والرباط في سبيل الله. سمعنا من ينادينا للإيمان، فيا رب نحن لبينا النداء، ونسألك يا رب تلبيتنا لهذا النداء نداء الإيمان.
التوسل بالأعمال الصالحة من أعظم أنواع التوسل إلى الله سبحانه وتعالى. بإيماننا بك نسألنا يا ربنا أن تغفر ذنوبنا، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ. سأل الله سبحانه وتعالى أن يكفر عنهم السيئات وأن يستر العيوب والذنوب، وهذا يدل على أن أكثر ما يلحظه السائر إلى الله سبحانه وتعالى يلحظ ذنوبه، يلحظ تقصيره، ولا يدلي على الله ويمن على الله بإيمانه. لاحظوا هذه دائما عبارات الثابتين في منتصف السورة، لما تكلمنا عن الربيين الذين ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، قال: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
فدائما المؤمن يرى ذنوبه، يخشى ذنوبه، يرى ذنوبه كأصل جبل عظيم يوشك أن يقع عليه، هكذا هو المؤمن يخاف من أدنى الذنوب، من إطلاقات البصر، من فلتات اللسان، من خطرات القلوب. هم دائما في خوف ووجل؛ لأنهم يدركون أن حق الله عظيم، وأن هذا الإله عظيم الذي خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار والاجرام وكل هذا، هذا الوجود خلقه إله عظيم وأنا مقصر في حق هذا الإله العظيم، هكذا المؤمن.
اسمى أمانيه أن يغفر له الرب الذنوب، وأن يستر العيوب، وأن يقيه عذابه. المؤمن إذا صلى لا يقول: يا رب أنا صليت لك أو أنا قرات لك أو أنا صمت أو أنا فعلت من أجلك، إياك أن تمن على الله بشيء؛ فأنت غارق في ذنوبك، غارق في بحور التقصير، غارق في أوحال الخطايا والخطرات الرديئة، فاستر على نفسك وافتقر إلى ربك، واسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عن الخطا والافكار وحصائد الألسنة.
لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ. هم عرفوا أن قدر الله عظيم، وأن أعمال البشر وأن أعمالنا مهما فعلت من الصالحات والقربات والصلوات والصدقات، أعمالك ستبقى بضاعة مزجاة تقدمها بين يدي فاطر السماوات والأرض الذي لو بقيت طول عمرك ساجدا له خاضعا له لم تؤدي حقه. فقط طموحنا يا رب الآن أن تغفر الذنوب وتستر العيوب وتوفنا مع الابرار، فقط ارزقنا حسن الختام، ارزقنا حسن الختام، ارزقنا الثبات على هذا الطريق إلى آخر الانفاس وإلى آخر اللحظات.
نعوذ بك من الحور بعد الكور، نعوذ بك من الانتكاس بعد الإقدام، نعوذ بك اللهم من مضلات الفتن، نعوذ بك اللهم أن نحتار وأن نضل بعد إذ هديتنا، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا. هكذا بدأنا في آل عمران، بدأناها بالدعاء ونختم آل عمران بالدعاء: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ. ما وعدتنا على ألسنة الرسل؟ وعدنا الله على ألسنة الرسل أننا إذا ثبتنا على طريق هذا الدين، ثبتنا مرابطين سائرين صادقين مخلصين موحدين، أنه سبحانه وتعالى يدخلنا الجنة برحمته سبحانه.
ولذلك كما جاء في الحديث: يا معاذ، تدري ما حق العباد على الله؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب قال: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ. وهذا حق أوجبه هو على نفسه، وليس لأننا نستحق، هو أوجبه على نفسه. قال: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا. إذا أنت لم تشرك به شيئا فالله أوجب على نفسه أنه لا يعذبك عذابا خالدا في نار جهنم إذا كنت مؤمنا خيرا تدخل الجنة مباشرة، وإذا كان عندك جزء من المعاصي واستحقت بها دخول النار حتى ولو دخلت تخرج منها إلى الجنة.
فإذا الله سبحانه وتعالى يقول هنا عن المؤمنين الموحدين، ماذا يقولون؟ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ. أعطنا ما وعدتنا جناتك ورضوانك، وأن نكون في كنفك وقريبا منك في جنات النعيم، وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولا تخزنا هذا ما يهمهم، أنهم يرجون من الله عدم الفضيحة يوم العرض الأكبر حيث يجتمع الأولون والآخرون، يرجون من الله الستر، يرجون من الله المغفرة، يرجون من الله أن يجبر العثرات والأخطاء، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، أنت وعدتنا يا رب ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا؟
هذه الدعوات الطيبات التي صدرت من هؤلاء الأبرار لاحظ أنها تأتي في أعقاب غزوة أحد بعد الجراح والآلام والإشكالات التي تعرض لها الصحابة، ثم بعد ذلك وجود المنافقين والمثبطين و و و. أنت في كل معمعة الحياة تحتاج إلى الدعاء ليثبت الله سبحانه، أي والله في لحظات الضعف أيها الإخوة والأخوات، في لحظات الكرب، في لحظات الشدائد، اجتماع الهموم والغموم، ما يسل الإنسان وما يخفف عنه هذه الآلام هو متنفس الدعاء، تشعر أنك تستند إلى الركن الشديد وإلى الإله العظيم، تشعر أن هناك من تستند إليه وتلتجئ إليه وتفزع إليه بقلبك، هذا أعظم شعور إنسي يعيشه الإنس، ولذلك حتى الكفر وجميع الأديان يبحثون عن هذا الشعور؛ لأنه شعور فطري، شعور ذاك الإنسان الضعيف الذي يسير في الدنيا أنه يحتاج إلى أن يستند إلى قوة عظمى تقضي حوائجه وتساعده وتساعده على ترتيب أمور حياته واستقراره النفسي وتوازنه الإيماني والعملي.
انت تحتاج إلى عبودية الدعاء وتحتاج إلى هذا الالتجاء وتحتاج إلى البكاء بين يدي إلهك وربك وخالقك سبحانه وتعالى، فإذا الله قريب مجيب سريع الإجابة للأبرار، فاستجاب لهم ربهم، ولاحظ الفاء التي تدل هنا على قرب الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، قريب سبحانه، لكنه يريد أن يرى بكاءك، يريد أن يرى تضرعك، يريد أن يراك وأنت تشكو إليه وترفع الأكف بين يديه، إذا حققت هذه الحالة السنية أيها السائر إلى الله ستجد ربك قريبا، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ. فاستجاب لهم ربهم أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى، وهنا لاحظ عادة القرآن يجمع الذكور والإناث بضمير واحد، لا، هنا جاءت إجابة تفصيلية من الله سبحانه فاستجاب لهم ربهم أنه لن يضيع كل تعب في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم.
كل ألم أصابك في سبيل الله، كل تعب تعبته في الدعوة وفي العبادة وفي التقرب إلى الله عز وجل، كل ساعة قراءة قرآن وكل ساعة قيام ليل وكل ساعة ذكر وكل ساعة صدقة وكل ساعة إغاثة ملهوف ونصر مكروب، كل ساعة خدمت بها دين الله سبحانه وتعالى وتبت بها ربك صادقا مخلصا ليس رياء ولا سمعة، لن يضيعها الله عز وجل، احذر أن تظن أن هناك ساعة أو دقيقة اشتغلت بها في هذا الدين ستضيع، لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى، كنت رجلا أو كنت امرأة فالله سبحانه وتعالى سيثبت الأجور ويرفع الدرجات وهو سبحانه وتعالى يحفظ الجميل ولا ينسى لك أعمالك وثباتك وسيرك. يعلم سبحانه وتعالى ضعفك، ويعرف آلامك، ويعرف أنك حاولت أن تثبت على هذا الدين رغم الفتن المحدقة والآلام والنكبات لكنك بقيت ثابتا تتلمس الخطى إليه سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يضيع هذا التعب: لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ.
فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُون وَقُتِلُوا، لاحظ هي رحلة الداعي، رحلة ذاك المسلم الداعية، طبعا هنا أقصد كل مسلم إلى الله عز وجل هو يحمل شعار هذا الدين ويحمل هم الثبات وهم نصرة هذا الدين. فالذين هاجروا؛ هاجروا من بلاد الكفار إلى بلاد الإيمان، هاجروا من حالة الكفر والأفكار والضياع إلى الإيمان والطاعة والخير، الذين تركوا ماضيهم السيء وانتقلوا بكل ما يتحمله أو يحمله هذا الانتقال من تعب، من إرهاق، من محاربة للخطايا والأفكار، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، كثير من الناس نعم هو سيدفع ثمن الهجرة سواء الهجرة من بلاد الكفار إلى ديار الإيمان أو من أرض الفسوق والمعاصي إلى أرض فيها طاعات، فالهجرة إخواني تتحقق حتى في داخل بلاد الإسلام، انك تكون في منطقة أو حي أو حارة أو كما مر معنا في مجالس ماضية يكون فيها ذنوب ومعاصي لكن بيتك فيها ومع ذلك تضطر أن تترك هذا البيت وأن تترك هذا المكان لكثره ما فيه من الفجور والمعاصي وتذهب إلى حي أو بيئة أو مكان آخر ترجو فيه أن تجد بيئة ملتزمة تطيع الله عز وجل معها وتصبر نفسك معها، كل هؤلاء الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي تعرضوا للأذى في سبيل الله، تم اعتقالهم، تم شتمهم، تم إهانتهم، تعرضوا لأنواع من الضرب والتنكيل والقيود والأغلال، كل هؤلاء أيها الكرام الذين أوذوا في سبيل الله لن ينساهم الله سبحانه وتعالى، لا تظن أن هناك شيء يضيع عند ربك وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وأصروا على المقاتلة والرباط في سبيل الله رغم قلة العدد والعدة لكنهم أصروا على القتال في سبيل الله ثُمَّ قُتِلُوا واستشهدوا ودفعوا ثمن هذا الثبات، هؤلاء الذين خاضوا معركة الإيمان إياكم أن تظنوا أن شيء سيضيع عند ربكم سبحانه وأنكم يعني بذلتم شيء بدون مقابل، حاشاه عز وجل وهو الكريم، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِم.
أنتم طلبتم ماذا؟ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، هنا جاءكم الجواب: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ساتين وروضات وحياه مستقرة هادئة جميلة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وهذا كله ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ. من كان يبحث عن حسن الثواب، من كان يبحث عن عظيم الجزاء، من كان يبحث عن العطايا العظيمة فليطلبها من الله سبحانه وتعالى.
ثم عز وجل يلتفت إلى هؤلاء المؤمنين، إلى الثلة الصابرة التي أصيبت بعد غزوة أحد أو أصيبت بعد كل معركة دامية، ياتي هناك التفات لكل المؤمنين المستضعفين أيضا في كل زمان ومكان، التفات حتى الينا في واقعنا المعاصر حيث يستبد الظالمون ويكثر الفاجرون، حيث تجد الفجار والكفار وأعوان الكفار يطلبون العلو في الأرض ويضعون أهل الإيمان، ويرقب أهل الإيمان يرقبون عتوهم وفجورهم وينتظرون من الله الفرج.
يقول سبحانه: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، لا تنخدع، لا تظن أن هؤلاء الكفار ممكن لهم، لا تظن أن أمريكا والصهيونية العالمية وبنو إسرائيل وأذناب بني إسرائيل، لا تظن أن هؤلاء الفجار لأنك تراهم يتقلبون في البلاد ويحكمون العباد يعبثون بأرزاق الأمم ويخوضون معارك وسجالات ويصنعون الطائرات والبارجات، إياك أن تضعف، إياك أن تفقد ثقتك بربك مع رؤية التمكين الجزئي لهؤلاء الفاجرين الكافرين، لَا يَغُرَّنَّكَ لا تنخدع، لا تظن أن الأمر سيبقى هكذا، لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ.
ما هذا يا رب؟ قال: مَتَاعٌ قَلِيلٌ. هي الدنيا، هي الدنيا التي نداولها بين الناس فيعلو الكفار قليلا ليمتحن أهل الإيمان بالثبات والجهاد، ثم تأتي الأيام ليعلو أهل الإيمان، ثم تأتي جوله أخرى فيتقلب الذين كفروا في البلاد ليمتحن أهل الإيمان ليكون هناك جهاد ودماء وأشلاء ورباط في سبيل الله، فإن الله يحب هذه المشاهد، الله يحب مشاهد المرابطين والمجاهدين والثابتين والداعين والصابرين من أجله، فلذلك يحصل تغلب للكفار في كثير من الأزمنة؛ لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يتخذ منكم شهداء، لأنه سبحانه يريد أن يميز الخبيث من الطيب، يريد أن يمحص الذين آمنوا لأن هناك معاني لا تحصل إلا بوجود هؤلاء، فكان لابد من التحمل لوجودهم قليلا وللثبات في مقارعته حتى نري الله ما يحبه، فهو سبحانه يحب أن يرى منا ثباتا وجهادا ورباطا مقارعا في هذا الطريق، فلله أن يأخذ منا ما يرضيه، وإنما هو متاع قليل لهؤلاء الفجار.
ثم ما ينتظرهم في الدنيا من العذاب الأدنى وفي الآخرة من العذاب الأعلى شيء عظيم، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، ويكفي بها عذابا وعقوبة. عندما ترى ترى بني إسرائيل وأمريكا وقاداتها الفجار والصهيونية والمنافقين، عندما ترى الذين استحكموا بالعباد والبلاد وقتلوا وعذبوا وسجنوا، عندما ترى كل هؤلاء في نار جهنم عندئذ تقر عيون المؤمنين ويعرفون أن الله سبحانه وتعالى عدل صادق عز وجل فيما وعد به أهل الإيمان وفيما توعد به أهل الكفر والطغيان، ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، بئس الفراش الذي يفترش جهنم.
لكن الذين اتقوا ربهم، وفي المقابل هؤلاء الذين اتقوا مساخة الله، اتقوا عذاب الله وثبتوا رغم سيطرة الكافرين المستبدين، بقوا مصرين على أن يكونوا مع ثلة الإيمان ولم تتغير بوصلتهم؛ لأن بعض الناس هو منافق الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ لا، هناك الذين اتقوا عذاب الله فبقوا مع الثلة المؤمنة مصابرين معها مرابطين معها رغم الآلام والاتعاب، لكن الذين اتقوا ربهم هؤلاء سيستوون راحة ما بعدها راحة وهدوء ما بعده هدوء وجمال وجنات وروضات وحياة مستقرة عند ربهم سبحانه وتعالى.
هذا ما نحتاج أن هذه العقيدة إخواني هذه العقيدة التي يربينا عليها القرآن أننا ننتظر ثواب عند الله في جنات النعيم، الدنيا جبلت على كدر وجبلت.
على الألم، وجبلت على أتعاب. والله إن الإنسان عندما يرقب حال الدنيا يعرف أن هذه الدنيا ليست لأهل الإيمان، بمعنى أن الإنسان لا ينتظر فيها راحة. سئل الإمام أحمد بن حنبل: يا إمام، متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم تضعها في الجنة. لا تنتظر الراحة في الدنيا.
نعم، اليوم انتصرنا في معركة وغداً قد يكون هناك جرح وألم. اليوم ارتفع أهل الإيمان، بعد ذلك تحصل خلافات ونزاعات، ويظهر الكفار قليلاً، وتعود المعركة من جديد، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. هي هكذا الدنيا، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، فلا يكن همك متى ننتصر، فليكن همك أن تثبت على دين الله، وأن تبقى مقدماً، وأن تتوفى مع الأبرار.
حقيقة، هذه قضية مهمة جداً أن الإنسان لا يتعلق بها كثيراً. كلنا يحب الانتصار، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ، لكن الله عز وجل يعلمنا أن هذه الدنيا جبلت على كدر وعلى كبد، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ. فبالتالي لا تنتظر حالة من الاستقرار العام والراحة العامة وعام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. لا تتوقع من الدنيا حالة السعادة التامة، عليك أن تترقب من الدنيا المكاره، وتترقب منها الأهوال والشدائد، وتترقب منها ساعات راحة وساعات شدة، ولا حزن يدوم ولا سرور ولا بؤس عليك ولا رخاء، هكذا هي الدنيا إلى أن تلقى الله.
إذا خلصت من مشكلة تأتي مرض، إذا انتهيت من مرض يأتي اختبار آخر، إذا انتهيت من اختبار آخر ضعف في الرزق، إذا كذا الابن حصل مشكلة، إذا كذا يأتي فراق. وفي هناك لحظات سعيدة، هناك زواج، هناك رزق، هي الحقيقه تتقلب بنا جميعاً. فعلى الإنسان أن يشتغل للوصول إلى دار السعادة الأبدية، وإلى دار السكون الأبدي، وإلى دار الراحة التي لا هم فيها ولا حزن ولا ضجر ولا ألم ولا تعب.
حري بالإنسان العاقل أن يبحث عن تلك الدار وأن يجد وأن يكد في الوصول إليها. فما شاني بهذه الدار وأهلها؟ وإنما هي دار الأحزان، دار الهموم، دار التقلبات، إنما هي متاع قليل سماها ربي سبحانه وتعالى، فحري بي ألا أحرص على المتاع القليل، وإنما أحرص على العطاء الجزيل، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا. النزل هو الضيافة، كأنك تنزل في فندق هكذا خمس نجوم، يسمى هذا نزل، ضيافة، ونزل من عند الله. هذا النزل لم يعده رجل من اهل الدنيا، وإنما أعده الله سبحانه وتعالى لعباده الأبرار.
قال: وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ. هذه عبارة تطمين وتضميد للجراح، لأن الأبرار وهم يسيرون في الدنيا كثيراً ما يصابون بفقر، كثيراً ما يصابون بآلام، كثيراً ما يصابون بأشكال وصعوبات. مشايخنا ودعاتنا في السجون، الذين أغلقت عليهم الأبواب وصفدت في وجوههم ووضعت الأغلال في أيديهم، وربما يشاهدون عبر شاشات التلفاز في السجون الفاجرين الكافرين وأهل الدنيا يتمتعون بها.
فالانسان عندما يشعر بالاضطهاد والالم وأن هؤلاء الفجار الكفار يعبثون بالدنيا ويلهون بمطاعمها ومشاربها، وأنا السائر إلى الله صفدت في أغلال وقيود وخلف قضبان، الله عز وجل يسلي هؤلاء المؤمنين ويقول لهم: وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ. معلش، هي لابد وأن يكون هناك آلام للسائرين إلى الله، لابد أن تكون هناك جراحات، لابد وأن يكون لك أتعاب وشهداء. معلش، يتحمل الإنسان، وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ، ترقباً للعطاء الجزيل، هذا العطاء الذي لابد وأن ندفع ثمنه. لا يمكن أن تطلب جنة عرضها السماوات والأرض وتطلب دار السعادة الأبدية والسكون الأبدي والجمال الأبدي والراحة الأبدية، تريد أن تدخلها بدون ثمن بدون تضحية؟ هذا لا يمكن، حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.
ثم تختم السورة بما ابتدأت به. ابتدأت هذه السورة بالكلام عن أهل الكتاب وحوارهم وبيان طبائعهم من اليهود والنصارى، وختمت بالإنصاف لثلة من أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصبحوا من المرابطين المجاهدين في سبيله، كعبد الله بن سلام وغيرهم من الصحابة الأبرار الذين كانوا يهوداً وأسلموا أو كانوا نصارى وأسلموا وأصبحوا مجاهدين معنا الصف بالصف والمنكب بالمنكب والقدم بالقدم. هؤلاء ينصفهم الله عز وجل، لأن الله عز وجل يحب العدل. يقول: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ.
هناك سيبقى، حتى في اليهود وفي النصارى نعم، من هو صادق محب للإسلام مقبل عليه، وهذا مؤذن أن هناك من سيؤمن بهذا الدين ويصبح من جنوده حتى من اليهود والنصارى. فبالتالي إياك أن تقنط وإياك أن تياس من إيمان بعضهم. هؤلاء الذين آمَنُوا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ، يعني هم عنوانهم في الحياة الخضوع لله، هم ليسوا يعني أقوام جبلوا على حسد اليهود والنصارى وعلى بغضهم للعرب وعلى بغضهم لرسول الاسلام العظيم. هم هدفهم الخضوع لله، فخضعوا على دين موسى، ثم خضعوا على دين عيسى، ثم لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خضعوا له لأنهم ايقنوا أنه هو مكمل لهذا العقد الجميل، خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. مش مستعدين يبيعوا دينهم ويبيعوا ما كانوا عليه من الخير طلبا للدنيا ثمناً قليلاً، كحال كثير من زعامات اليهود والنصارى الذين باعوا دينهم وباعوا التوراة وباعوا الإنجيل التي كانت تخبرهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، باعوها من أجل ثمن قليل.
فالله عز وجل يريد من الصحابة الكرام ومن كل مسلم أن يعرف أن هناك من أهل الكتاب من سيلتحق بركب هذا الدين، فعليكم أن ترحموهم وأن تأخذوا بأيديهم، فهم إخوانكم مادام جمعكم لا إله إلا محمد رسول الله، أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
ثم تختم السورة بنداء عظيم للمرابطين السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، لكل مسلم اختار الطريق إلى الله. يقول الله عز وجل مبيناً له طبيعة هذا الطريق وما هو المطلوب منه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا، بداية صبر، السير إلى الله يحتاج إلى صبر، وليس فقط صبر، وَصَابِرُوا، إلى ما هو أعلى، المصابرة والثبات والتحمل، بدكم تثبتوا، ما عندكم خيار آخر، وَرَابِطُوا، رابطوا على ثغور الأمة في الجهاد بالسيف، الجهاد باللسان، الجهاد بالمال. رابطوا على ثغور الأمة، رابطوا على ثغور هذا الدين.
إذاً، هناك صبر ومثابرة، ولاحظ وَصَابِرُوا، طبعا صابر على وزن فاعل وهذا يدل على أننا نشترك، وفاعل تدل على المشاركة وتدل على وجود أكثر من طرف، صابر، يصبر بعضنا بعضاً ويثبت بعضنا بعضاً على الصبر. اصبروا، وصابروا، ورابطوا، رباط ووقوف شامخين ثابتين على دين الله سبحانه وتعالى، على ثغور هذه الأمة، على تلبيه نداء الإيمان، وَاتَّقُوا اللَّهَ.
آه، لأنه دائماً الله عز وجل يعلمنا لابد حتى في لحظات الصبر والمصابرة والرباط من تقوى، وأن يكون صبرنا شرعياً وأن يكون رباطنا شرعياً، فإن بعض الشباب لاندفاعه ولتحمسه في أثناء صبره فيغلو في دين الله أو يتنطع في دين الله أو يسفك دماء إخوانه أو يسارع في التكفير والتبديع ويقع في أخطاء لا لا لا. القضية تحتاج إلى فهم ووعي وحكمة، كل شيء له حكمه وكل شيء له فهمه، وليس المطلوب من الصبر والمصابرة والرباط أن يؤول إلى حالة اندفاع مهوج أو إلى حالة تحمس غير منضبط أو إلى حالة تقفز فيها عن الأحكام الشرعية. لابد وأن يكون صبر مع تقوى، صبر مع انضباط بأحكام الشريعه، وأن تكون وقافاً عند كتاب الله، تابعاً للعلماء الراسخين الربانيين الذين رزقهم الله سبحانه سعة الاطلاع وحسن الفهم ورؤية الطريق والتروي فيه.
لا بد إذاً وأن تصبروا وتتقوا، ما قال وأن تصبروا لا يضرك، لا قال: تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا، فهو صبر يفعل فيه المامور ويترك فيه المحظور ويوقف فيه الإنسان عند أحكام الشريعة. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ، وليكن كل هذا الصبر والمصابرة والمرابطة ممزوجة بتقوى الله والالتزام بأحكام، والنتيجة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وهذه لعل لما تكون من الله قال العلماء فهي يقين وليس رجاء، هي يقين، إذا أنت صبرت وصبرت ورابطت وكنت منضبطاً بتقوى الله وأحكام الشريعة ستفلح، ستفلح وتصل إلى النجاح والفوز. وهذا هو معيار الفوز في ختام سورة آل عمران.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الثبات على الأمر والعزيمة في الرشد، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الثابتين المرابطين، نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا مفاتيح الإيمان ومفاتيح الصبر والرضا، ونسأله عز وجل أن يصرف عنا قواطع الطريق، ونسأله عز وجل أن يجعل هممنا عليه، أن يثبتنا أن يلهمنا الصبر وأن يشرح صدورنا لهذا الطريق، أن يشرح صدورنا لطريق الخير لطريق الإسلام لطريق الثبات، لأننا نعلم أن الطريق هذا صعب وأن المثبت فيه هو الله سبحانه وتعالى. ونسأله عز وجل أن يرزقنا طمأنينة به وراحة فيه حتى نصل إلى الراحة العظمى والهدوء الكبير في جنات النعيم.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
جزاكم الله خيراً أيها الكرام على حضور هذه المجالس الطيبة، وها نحن نختم سورة آل عمران وبقي علينا من تفسير كلام ربنا في رحلة الإنسان في القرآن بقيت سورة البقرة. سورة البقرة أيها الكرام لي معها جلسة خاصة ستكون بإذن الله في شهر رمضان. في شهر رمضان القادم إذا أعطاني الله عمراً وفسحة وقوة سنجلس مع سورة البقرة لنختم بها هذه الرحلة الطويلة بإذن الله.
فإن سورة البقرة لها ميزة ما بعدها ميزة، وبها كان النداء، يا أصحاب سورة البقرة. سورة عظيمة كبيرة فخمة في معانيها وفي تأصيلها هي ذروة سنام القرآن في رحلة الإنسان في القرآن. جلسنا من سورة الناس منذ بداية رمضان الماضي وبدات الخطى تسير بنا، كنت أتوهم لعلي في اللحظة الأولى لأنه يمكن أن نمر على رحلة الإنسان في القرآن مروراً كلياً خلال رمضان الماضي، لكنني ازددت يقيناً أن هذا الكتاب عظيم عظيم في معانيه، لا يمكن حتى استعراض المعاني الكلية في ساعات محدودة.
حتى المعاني الكلية لاحظوا أننا لا ندخل هنا كما ندخل في تفسير النساء في أدق التفاصيل، وإنما همنا استعراض المعاني الكلية، ومع ذلك تجد أن هذا القرآن عظيم وأنه لا يمكن أن تمر على المعاني الكلية مرور الكرام. فسنة كاملة ونحن نجول ونصول من سورة إلى سورة ومن آية إلى آية ومن معنى إلى معنى شريف من معاني هذا الكتاب العظيم. وأنهينا بحمد لله من الناس إلى آل عمران.
بقي علينا سورة البقرة بإذن الله، سنستانف التعليق عليها ويكون لنا فيها مجالس خاصة في شهر رمضان القادم كما قلت، إذا أعطاني الله عز وجل من فسحة العمر ومن منحة القوة ما يعينني على التعليق عليها والعيش معها حياة خاصة، ليكون هي ختام تعليقنا على في هذه الرحلة وفي التعليق العام المجمل على كلام الله سبحانه وتعالى، طبعا مع الختام بعد ذلك بسورة الفاتحه التي هي مجمل هذا الكتاب العظيم، لأننا مررنا على المعاني العامة الكلية ثم ناتي إلى خلاصة ما في الكتاب العظيم في سورة الفاتحة.
الله عز وجل يوفقنا ويسدد ويلهمنا ويثبتنا ويجعلنا من الصابرين الصادقين، ويرزقنا العمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. آمين آمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل