السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله أيها الكرام، مرحبا بكم في صبيحة هذا اليوم الطيب المبارك. أرجو أن يكون الصوت جيداً بإذن الله. اعتذر عن التأخير، لكن وقت صلاة الفجر يتقدم، يعني قبل قليل عدنا من صلاة الفجر بحمد الله الساعة السادسة وعشر دقائق، إلى أن تم تجهيز الموضوع، فالظاهر أن الدرس يعني قليلاً قليلاً سيزحف إلى السادسة والربع، ثم هكذا على حسب توقيت صلاة الفجر في الأردن، معذرة.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، ونسأله سبحانه وتعالى كما جمعنا على موائد القرآن في الدنيا أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته. اللهم أصبح بي من نعمة بأحد من خلقك، منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر يا ربي، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
اللهم نجل المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها. اللهم كن لأهل الرباط في غزة ناصراً ومعيناً ومؤيداً ونصيراً. اللهم ارحم القادات، وارحم الشهداء، وارحم المرابطين وثبت أقدامهم. اللهم عليك بيوهود ومن أعانهم على قتل المسلمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا على موائد القرآن، وما زالت رحلتنا مستمرة، رحلة الإنسان في القرآن منذ أكثر من ستة أشهر بحمد الله ونحن في هذه الرحلة التي ابتدأناها من شهر رمضان، نتلمس المعاني والقواعد والكليات في ثنايا كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونسأله أن يجعل هذا القرآن نوراً ينير لنا طريقنا ويعرفنا بدروب أنه ول ذلك والقادر عليه.
نعيش في أفيَاء سورة النساء، هذه السورة التي تتكلم عن العلاقات الاجتماعية عموماً، كما بينا مراراً وتكراراً، وبدءاً طبعا ابتدات بالحديث عن العلاقة الاجتماعية الأصغر في المجتمع وهي الأسرة ونظمت أمورها وأحكامها فيما يتعلق بجانب الرجل وفيما يتعلق بجانب المرأة، الأحكام الأسرية. ثم اتسعت دائرة الحديث في سورة النساء لتتحدث عن أحكام الجار وتوصي به سواء كان من ذوي القربى أو من غير ذوي القربى والاحسان إلى المجتمع عموماً.
ثم بدأت تتناول الحديث عن العناصر المجتمعية الأخرى التي هي قد تكون موجودة في المجتمعات في مختلف الأزمنة والأماكن، ولكنها قدمت المعالجة الأساسية للمجتمع المدني لدولة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث نبهت النبي صلى الله عليه وسلم على طائفتين خطيرتين كانتا تشاركان داخل المجتمع المدني، ألا وهي طائفة اليهود فكان لابد من معالجة أمرها وتبيين الموقف منها ومعرفة الصحابه بفساد هذا الصنف من البشر، خصوصاً الأنصار الذين كانوا على علاقات سابقة مع اليهود قبل بعثة النبي، ثم التحذير من هو أخطر من اليهود على المجتمعات المسلمة، ألا وهم المنافقون، وتحذر سورة النساء من خطر النفاق داخل المجتمع وتهديدهم المتعلق الأمني والفكري.
ثم بعده أطوار، بدأ الحديث عن المنافقين الذين يرضون تحكيم الشريعة ويريدون أن يهربوا من أحكام الله سبحانه وتعالى إلى أهوائهم، ثم الحديث عن المنافقين الذين حكم الإسلام عليهم بالنفاق لأنهم لم يهاجروا من ديار الكفر إلى ديار الإسلام مع قدرتهم على الهجرة، ركنوا إلى الدنيا، وعالجناهم من هذا النفاق في المجلس الماضي معالجة مستفيضة. وبينا أن سورة النساء تبين قيمة أن ينضم المسلم إلى بلاد الإسلام والمسلمين ليكثر سوادهم وخطورة بقاء المسلم في بلاد الكفر، وأن الله سبحانه وتعالى سمى ذلك نفاقاً لمن لم يكن معذوراً، وابتلى أصحاب ذلك بالنفاق والعياذ بالله، وكانت معالجة مستفيضة.
اليوم سنكمل المسير بإذن الله في هذه المعالجة، وسبحان الله عندما هكذا أتى في ذهني في بداية الدرس وأنا قادم إلى السكن كيف ابتدأنا من سورة الناس وعدنا وعدنا حتى وصلنا إلى سورة النساء. سورة الناس تبدأ من أضعف نقطة في بناء الإنسان وهي نقطة الوسواس الخناس، أضعف نقطة في المجتمع في كل واحد منا، نقطة الوسواس الخناس الذي يحاول أن يفسد قلوبنا، وكيف أن السور القصيرة اهتمت ببناء الإنسان كوحدة أو لبنة أولى في المجتمع، ثم كبرنا كبرنا مع كتاب الله سبحانه وتعالى حتى وصلنا إلى سورة النساء وأصبحنا هنا نتكلم عن بناء المجتمع كامل.
هكذا هو القران الذي تلقاه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ أول سورة درسناها مع بعضنا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، وتكلمنا هنا عن الإنسان باعتباره فرداً وما يلج عليه من خواطر رديئة وسوء. ثم بدأت سور القرآن تنتقل في بنائها الإيماني والعقدي حتى وصلنا إلى سورة النساء الحديث عن بناء المجتمعات والدول وأسس الدفاع عنها والرباط عنها، ثم ستاتي بعد ذلك سورة آل عمران لتكمل هذا البناء ونختم بسوره البقرة التي تكلمت عن المجتمع عموماً بكل ما يحتاجه من أحكام وفقهية.
القراءة التي تنبني على طريقة النزول، يعني كيف نزل القرآن ابتداء وكأنك أنت من ينزل عليك أو تعالج هذه السور وكأنك أنت من تتلقاها وتعيش دور الصحابة الكرام الذين كانوا في مكة، وماذا نزل عليهم رويداً رويداً، حتى تنتقل إلى المدينة وماذا نزل من الآيات والسور. هنا تشعر سبحان الله بمرونة القرآن في بناء الإنسان وبناء الشخصية وبناء الفكرة، وكيف الإسلام يبدا بك وأنت صغير ثم وأنت تكبر وأنت تكبر هكذا حتى تصل إلى نهاية الهرم. فنسأله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بهذه المعاني ولا نكن بها من الجاهلين.
طيب، أظن أننا وصلنا إلى الآية مئة وواحد من سورة النساء. آية مئة وواحد ومئة واثنان من سورة النساء تتلقى القارئ بعنصر مفاجئ دعوني أقول، أو ربما لا يكون قارئ يتوقع ضمن هذا السياق، وهو الحديث عن عبادة من العبادات يجب أن تصحب الإنسان المسلم منذ بداية تدينه وتعبده لله كفرد إلى أن يصبح نظاماً ومؤسسة ودولة. هذه العبادة لا ينفك عنها المسلمون أبداً، فهي غذاء القلوب وهي صلة العبد بالله سبحانه وتعالى، فلا يصلح الإسلام إلا بها.
في تضم حديثنا في سورة النساء عن المجتمع المدني وعن أسس السلم والحرب وعن علاقة المسلمين بالمنافقين والعلاقة باليهود، في خضم هذا الحديث الكبير، فجأة في السياق يخرج لك موضوع الصلاة يتلالأ أمامك هكذا وكانه يقول لك: يا أيها الإنسان، حتى ونحن نتكلم في خضم القواعد المجتمعية وبناء الكليات للانظمه والدول، لابد من صلاة، فهي عمود الإسلام وهي القاعدة الكليه الكبرى التي يقوم عليها هذا الدين، لا يصلح هذا الدين بدون صلاة حتى في أدق اللحظات وأصعبها وأكثرها كما نقول صعوبة وتعباً.
الذي يريح الإنسان، والذي يسدد الإنسان، والذي يوفق الإنسان الصلاة، فتأتي هنا هكذا جولة سريعة خاطفة. الله سبحانه وتعالى يخبر الصحابة في المجتمع المدني أنه أهدى لهم هديتين في موضوع الصلاة ويشرع لهم تشريعين تخفيفيين في موضوع الصلاة، خاصة هؤلاء الصحابة الذين هم يؤسسون هذا النظام ويدافعون ويرابطون. وبالتأكيد في أثناء تأسيس الدولة المسلمه في المدينة كان هناك رباط وجهاد، والصحابة سرايا وجيوش تغادر المدينة وتعود إليها، فكان في سفر متكرر، هناك متربصون كثر بأهل المدينة، وبالتالي في هناك خوف متكرر، فجاءت هدية قصر الصلاة وهدية صلاة الخوف.
هدية قصر الصلاة وهدية صلاة الخوف. الآية مئة وواحد، أول رخصة رخصها الله سبحانه وتعالى وتخفيف في موضوع الصلاة، قال سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. الله سبحانه وتعالى، دقيقة فقط حتى أفتح التسجيل إذا تسمحوا لي بالنسبة لمجلس اليوم الظاهر نسيت أفتح التسجيل.
الله سبحانه وتعالى يقول للصحابة الكرام: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، يعني إذا خرجتم مسافرين في الارض. والضرب في الأرض يعبر به في العادة عن السفر. السفر كان في زمن الصحابة هنا أو في هذه المرحلة كان أغلبه أغلبه كان للجهاد في سبيل الله. قال: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
ظاهر هذه الآية أن موضوع قصر الصلاة، طبعا تعرفون قصر الصلاة اللي هي قصر الصلاة الرباعية، أن صلاة الظهر والعصر والعشاء بدلا أن تصلى أربع ركعات يصليها المسافر على ركعتين، لكن هنا ظاهر الآية أن هذا القصر مرتبط بموضوع المسافر الخائف من الكفار: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. لكن هذا القيد إنما كان في وقت نزول هذه الآية، أن الصحابة الذين كانوا يسافرون ويخرجون من المدينة إما أن يخرجوا سرايا أو بعوث أو جيوش أو حتى تجار.
نعم، كان هناك ترقب وخوف من القبائل العربية المناوئة للإسلام، من كفار قريش ومن أعينهم وجواسيسهم. ففي اللحظة التي شرع فيها هذا الحكم ابتداء، كان الكلام عن موضوع الخوف، لأن الصحابة كانوا يخافون عند مغادرة المدينة لكثرة المتربصين. لكن هل حكم قصر الصلاة إلى يومنا هذا هو حكم فقط للمسافر الخائف أم هو عام حتى للمسافر الآمن؟
الصحابي يعلى بن أمية بعد أن قشوي شوكة الإسلام في نهاية يعني في العام العاشر من الهجرة والحادي عشر من الهجرة، الصحابي يعلى بن أمية جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا عمر، أنا نقرا قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقد أمن الناس. يعني يعلى بن أمية عم بفكر بالنص، بقول: يا عمر هذه آية الله يقول: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني إذا كان الكفار يتربصون بكم في السفر وتخافون منهم وأنتم مسافرون فاقصروا من الصلاة.
طبعاً ليش القصر؟ لأنه القصر معناه أنه الصلاة رح تكون خفيفة، بدلاً من أن أصلي أربعة أصلي ركعتين سريعتين وأغادر المكان حتى لا تراني الجواسيس والعيون وما شابه ذلك. فيعلى بن أمية بيقول يا عمر: أمن الناس وأصبحنا دولة وأصبحنا قوة لا يستهان بها، وحتى القبائل العربية كلها الآن دانت بالإسلام عموماً، فهل هذا الحكم ما زال قائماً؟
فعمر بن الخطاب يقول ليعلى بن أمية: يا يعلى، تعجبت مما تعجبت منه، يعني فعلاً الآية لفتتني أن هذا الحكم إذا خاص فقط للمسافر الخائف، أما الذي يسافر في حالة أمان إذا الظاهر أنه لا يقصر الصلاة. قال: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فالنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ قال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
آه يعني النبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر: لا، هذه الآية عامة في حال الأمن وفي حال الخوف، يعني إذا كنت مسافراً سواء كنت أيها المسافر آمناً أو خائفاً فمشروعية قصر الصلاة قائمة، هدية من الله لأمة الإسلام.
فإذا هذا القيد نستطيع نقول إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا هو قيد أغلبي باعتبار وقت نزول الآية الغالب كان على الصحابة أنهم يسافرون وهم يعني يخشون ويخافون ممن يحيط بهم من الجواسيس والعيون، وليس هو قيد اشتراط لقصر الصلاة بحيث لا يجوز أن تقصر الصلاة إلا في حال الخوف من الذين كفروا، هذا ما يسمى قيد أغلبي وليس قيد اشتراط.
فهذه أول هدية وتسهيل من الله سبحانه وتعالى للصحابة الذين كانوا يخوضون المعارك والسرايا والبعوث والغزوات، أنني خففت عنكم في موضوع الصلاة، لا بد أن تصلوا، ولا يصلح وأنتم تقاتلون وتصون وتجولون بهذا الدين وتحملون هذا النظام أن نتناسى موضوع علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى. فهذه العلاقة هي التي تقوي الإنسان في اللحظات الصعبة، في أحلك الساعات، وهي التي تقوي القيادة المسلمة والمجاهدين والمرابطين. لا بد من صلاة، لكن سأخفف عنكم، أشرع لكم قصر الصلاة.
التخفيف الثاني أتى في الآية التي تليها في قوله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عليكم مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.
هذه الآية أيضاً أعطت تخفيفاً آخر للصحابة في موضوع الصلاة، ألا وهو صلاة الخوف. طبعاً صلاة الخوف هي ليست صلاة تقل فيها عدد الركعات، لكنها الصلاة، أو نعم، أو الخوف يؤثر كما يقولون ليس على قله عدد الركعات بل يؤثر على طريقه وهيئة أداء الصلاة. دائماً في الفقه الإسلامي في هناك باب اسمه باب صلاة الخوف، وينص فقهاؤنا جمهورهم على الأقل أن الخوف لا يؤثر على في الأصل الخوف لا يؤثر على عدد الركعات، وإنما يؤثر على ماذا؟ يؤثر على طريقه وشكل أداء الصلاة.
فإذا أنت كنت خائفاً داخل بلدك وداخل المجتمع المسلم كونه في حصار مفروض عليك والعدو مثلاً أحاط بك، كما صار مع الصحابة في غزوة الأحزاب هنا، إذاً أنا مش مسافر وإنما محاصر ومحاط بي، أيضاً مثلاً كحال إخواننا في غزة أسال الله أن يفرج عنهم، هم في وطنهم وفي بلادهم ومحاصرون والعدو. في هذه الحالة الخوف يبيح تغيير هيئة الصلاة لكنه لا يبيح تقليل عدد الركعات، أنه عدد الركعات عدد الركعات إنما يختلف وتقصر الصلاة إذا كان الإنسان مسافراً، سواء مسافراً في حرب ولا في غير حرب.
لكن إذا لم يكن مسافراً وكان مقيماً في وطنه وتعرض لحالة خوف وهجوم وحصار، في هذه الحالة الخوف لا يبيح تقليل عدد الركعات، لكنه يبيح ماذا أيها الكرام؟ تغيير هيئة الصلاة. طيب، كيف يبيح تغيير هيئة الصلاة؟ هناك ستة صور أو ست صور لصلاة الخوف. النبي
عليه الصلاة والسلام، صلى صلاة الخوف على هيئات متعددة في أوقات مختلفة؛ فيكون مثلاً هكذا، يقول القائد المسلم، يقسم الجيش إلى قسمين، قسم يصطف مع القائد المسلم وقسم يذهب يرابط على الثغر وعلى الحدود. فإذا القائد المسلم أنهى ركعتين مثلاً من صلاة الظهر مع الطائفة التي خلفه، فإن الطائفة التي خلفه لها أحوال متعددة؛ أما أنها تفارق الإمام وتكمل الركعتين الأخرين من صلاة الظهر وحدها ثم تغادر سريعا، وتأتي الطائفة الأخرى فتجد الإمام ما زال في الركعة الثالثة، فتدخل مع الإمام في الركعة الثالثة فتصلي مع الإمام ركعتين ثم الإمام سيسلم؛ لأنه خلص، بيكون الإمام صلى أربع ركعات الظهر وهذه الطائفة الثانية تقوم بعد تسليم الإمام فتأتي بالركعتين الباقيتين.
هذه إحدى الأوجه وهناك أوجه أخرى ليس هذا موطن التفصيل فيها، لكن ما أريد أن تفهموه عموماً أن الإسلام سهل في هيئة الصلاة في حال الخوف مراعاة للناس ومراعاة لخوفهم، حتى أذن لهم أن يحملوا معهم في أثناء الصلاة مع أنه هذا سيسبب حركة كثيرة، لكن أيضاً من باب الأخذ بالاحتياطات والحذر والأخذ بالأسباب، أذن للصحابة في أثناء صلاة الخوف أن يحملوا أسلحتهم معهم وأخبرهم أن الكفار يتربصون بكم فخذوا حذركم. لذلك قال سبحانه وتعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ. وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً. دائماً الكفار لهم جواسيس استخبارات يحاولون أن ينظروا إلى المجتمع المسلم متى كان في لحظة إغفاءة.
كانت هذه الأسلحة قد تكون مشغلة نوعاً ما في الصلاة، لكن الحذر مطلوب؛ إذاً ختمت الآية: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ. فالمؤمن والنظام الإسلامي مطلوب منه أن يأخذ حذره وأن ينتبه، ولكن أخذ الحذر والانتباه لا يعني التفريط في الصلاة. آه، هذا بدنا ننتبه له؛ أنه باختصار لا يوجد حالة لا يوجد فيها صلاة، كنت في حالة سلم، كنت في حالة حرب، في اشد لحظات خوفك، مهما كان الأمر الصلاه تبقى قائمة في أحلك اللحظات، وهذا يدل على مركزية الصلاة في الإسلام. إذاً، حتى في حال الخوف وحال الارتباك وفي حال التحام الصفوف لا تسقط الصلاة، فما بالك بالاحوال التي هي أهون من ذلك؟ ولذلك الله عز وجل أراد في الآية مئة وثلاثة أن يبين قيمة الصلاة ومركزيتها في ثنايا كل هذا الكلام عن بناء المجتمع المسلم.
قال: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ. فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. شوف ختام الآية: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. الصلوات الخمس هي عبارة عن حكم مؤقت، كتاباً موقوتاً يعني مؤقتاً؛ فالظهر لها توقيت، العصر لها توقيت، المغرب لها توقيت، العشاء لها توقيت، الفجر لها توقيت، فلا يجوز الخرم بهذه المواقيت مهما كان الأمر، مهما كان الأمر. إذاً فإذا قضيتم الصلاة، طبعا أمرهم الله عز وجل عند الانتهاء من الصلاة أن ينشغلوا أيضاً بذكر الله، قال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ. وإذا وجد الانسان فسحة ليعود ليقبل على الله بالصلاة، يتطوع قيام ليل، نوافل. قال: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. الانسان يبقى مع الصلاة وبصلاته في أحلك اللحظات وأصعبها.
طيب إذاً هذه القضية، قضية موضوع الصلاة، جاءت في ثنايا هذه السورة كان يريد أن يخرج لك من خضم هذه الإشكالات المجتمعية التي كان يمر بها المجتمع النبوي ليخبر لهم أن الصلاة علاج، وأن وأن وإن كنا نحن الآن نعالج قضايا الأمور الاجتماعية لكن لا يعني هذا أن الصلاة عادت موجودة الآن بل هي ستبقى موجودة في البداية وفي الوسط وفي الختام. طيب، إذاً الآن سنعود إلى المجتمع، هذا المجتمع الذي يرابط ويجاهد ويقاتل، وفي أثناء الدفاع عن هذا المجتمع المسلم، وفي أثناء هذا الرباط وهذا والحمل أو السعي إلى حمل اللواء ورفع لواء هذا الدين، الله عز وجل يخبرنا أنه سيكون هناك جراح، سيكون هناك آلام، سيكون هناك فقد، نعم قد تفقد القيادات، قد تفقد الرجال، قد يفقد المرابطون، قد نخسر كثيراً من المجاهدين والاحباب والاعزاء على قلوبنا من علماء ومشايخ ودعاة وقادة ومرابطين في خضم هذا الطريق.
هكذا هي بناء المجتمعات المسلمة وهكذا هو بناء الدول في الإسلام يمر عبر أشلاء وجماجم وقادة وعلماء وأئمة يستشهدون على هذا الطريق الطويل إلى أن نصل إلى ذروة المجد وبناء المجتمع المسلم. وأثناء هذا الفقد سيكون هناك ألم، ستكون هناك جراح، لكن الله سبحانه وتعالى يعطينا هنا بشارتين أيضاً، يقول سبحانه: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ. لا تضعفوا في مجالدة الكافرين، لا تضعفوا في الرباط والجهاد والإقبال على دفع صائدة الكفار والمشركين وعلى غزوهم حتى في عقر دارهم. وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ. إذا كان كنتم تصاب بالآلام لفقد القادات والعلماء والمجاهدين والمرابطين والأحبة في أثناء هذا الجهاد المقدس وفي أثناء هذا الرباط العظيم، التأكيد هناك ألم الفراق وألم الفقد، لكن كونوا على ثقة أن عدوكم يألم أكثر مما تألمون؛ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ. هم أيضاً عندهم آلام، يفقدون، يفقدون أحباءهم، يفقدون قادة، يفقدون الضباط والرتب العسكرية، أيضاً هم يفقدون، وبالتالي في ألم، فالألم بحمد الله ليس خاصاً بنا، بل هم أيضاً آلامهم وبإذن الله ستكثر آلامهم أكثر وأكثر.
لكن الأمر الثاني أو البشارة الثانية قال: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ. في النهاية هناك فرق كبير بيننا وبينهم، أننا نحن وإن كنا نتالم على فقد الأعزة والقادة والمجاهدين والمرابطين، لكننا نرجو لهم الجنة ونرجو عرض السماوات والأرض ونرجو الراحة بعد ذلك، لكن هم يعرفون أنهم كفر وفجر، يعرفون ماذا فعلوا بهذه الأمم، يعرفون غطرستهم وجبروتهم، فهالك فيهم لا يرجون له كما نرجو نحن للهالك فينا أو للشهيد فينا، فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، وهذا الذي يخفف ألم المصاب وألم الفقد، انك تكون واثقاً أنك إذا مت وأنت تدافع وترابط على ثغور هذه الامه، على ثغور عزها وجهادها، انك ترجو من الله سبحانه وتعالى عوضاً جميلا رفيعا كبيراً وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ. حقيقة الآية عظيمة في إيحاءاتها للمرابطين وللمجاهدين للصبر والثبات وعدم القاء السلاح وتحمل الصعاب وأن الإنسان مهما أصيب في هذا الطريق فهذه ضريبة ستدفع، هذه ضريبة ستدفع بلا شك في ثنايا بناء المجتمعات المسلمة والتحرر من ربقة الكفار والمجتمعات الكفرية.
وَلَا تَهِنُوا هذا أمر الله سبحانه وتعالى لنا لا تضعف. طبعا لا تهنوا لا يعني عدم الأخذ بقواعد السياسة الشرعية وعدم النظر في الواقع ومتى يتقدم المجتمع المسلم ومتى يتاخر ومتى يصالح ومتى يهادن، يعني حتى البعض لا يفهم الكلام أن الأمر مطلوب منه القتال بدون النظر في القواعد والمصالح، أيضاً هذا غير دقيق. الإنسان عندما يقرا القران ياخذه بجملته ورمته، لكنه عموماً عموماً يامرنا ألا نكون الحلقة الأضعف، ألا نشعر بالوهن، بالذل، بالعجز. أحيانا يصل الإنسان عندما يرى حال المسلمين اليوم أن البعض قد ينتابه شعور العجز، أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً. إخواننا في غزة يقتلون، إبادة كاملة، حرق للخيام على يد هؤلاء الأنجاس ومن عاونهم على قتل المسلمين. أحيانا يشعر الإنسان أو يتسرب إليه الشعور بالعجز؛ مش قادر أقدم شيء؟ إلى هذه الدرجة وصلنا، انتهى بنا الحال أن نرى إخواننا يذبحون وتحرق خيامهم ويقتل رجالهم ونساؤهم وأطفالهم ونكون نحن في مطاعمنا ومشارب وفرشنا ونسائنا وأهلنا وكأنه لا شيء يحصل؟ يعني أحيانا شعور العجز قد يتسرب إلى بعض النفوس المؤمنة.
الله سبحانه وتعالى يطالبنا ألا نلقي اللواء، قال: وَلَا تَهِنُوا، لا تضعفوا. هي جولة من الجولات بكل ما فيها من الألم وبكل ما فيها من الفقد، هي جولة من الجولات وضريبة اختار الله سبحانه وتعالى لها صنفا نحسبهم من خيره العباد ليكونوا طليعة هذه الأمة، لكن اعلموا أن أمر الله نافذ وأن حكمة الله قائمة وأن هذه الأمة سيبقى الجهاد فيها وسيبقى الرباط فيها قائماً إلى يوم القيامة، يعني فخسارة قائد لا تعني نهاية المعركة، فخسارة عالم لا تعني نهاية المعركة. المعركة قائمة مستمره ما دام هناك اسلام، وما دام هناك شباب، وما دام هناك من يحمل هم هذا الدين، ستبقى هذه المعركة وستكبر المعركة، وسيأتي الله سبحانه وتعالى بالفرج من عنده حيث شاء ووقت ما شاء، لكن المهم أن يستعملنا الله سبحانه وتعالى في خدمة هذا الدين، وفي نصرة هذه الفكرة، وفي الدفاع عنها وفي الرباط عنها، هذا أقل القليل ما يسمى الآن تبقى مؤمناً بفكره الإسلام العظيم، بفكره المجتمع المسلم، بفكره دفع مدافعة الظالمين وإزالة كيد الكائدين ودحر اليهود الغاصبين، أن تبقى هذه الفكرة قائمة وتعيش في نفوسنا وأفكارنا وننقلها لأبنائنا وطلابنا والأجيال القادمة، هذا سيجعل هذه الفكرة تنمو أكثر وأكثر وتكون لعنة على هؤلاء الظالمين المجرمين الفاسدين باذن الله.
طيب الآن الآية مئة وخمسة إلى الآية مئة وثلاثة عشر جاءت هذا المقطع من سورة النساء أيضاً ليعالج موقف حدث في المجتمع المدني مع القيادة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قد يتعرض لها أي قائد وأي حاكم يتولى قيادة المجتمعات المسلمة. هذا الموقف وهو أن رجل وقد جاء في بعض الآثار أنه كان فيه نفاق من بني الأبيرق، الأبيرق هذا الرجل اسمه بشير وكان فيه نفاق فيما تنقل الكتب، كان رجلا من أهل المدينة وكان أيضاً فقيرا معدما. ففي يوم من الأيام قام بالدخول إلى بيت أحد الصحابه الكرام في حالة عدم انتباه وقام بسرقة طعام منه واخذ هذا الطعام إلى أسرته وقاموا بطبخه. فصحابي عاد إلى منزله فوجد أن هناك المخزن الذي فيه الأطعمة مسروق، في أحد داخل على البيت وكاسر كأنه باب المخزن وسارق الأطعمة وغادر.
فحول هذا الصحابي الذي سرق بيته أن يتحسس الأخبار ويراقب واخذ يسأل الناس، فبعض الناس قالوا له أننا نشك في بني الأبيرق فإننا رايناهم يحومون حول بيتك. فبنو الأبيرق المعلومة يعني هذا الرجل المنافق وصلته المعلومة أن الناس بدأت تشير باصابع الاتهام تجاهه أنه هو الذي سرق بيت هذا الصحابي، فبنو الأبيرق، شوف هذا الرجل المنافق اراد أن يحتاط لنفسه من البداية قبل قال قبل ما يكبر الموضوع ويصل الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى القيادة العليا حاول أن يفعل حيلة. الآن اختلفت الرواية، اختلفت الروايات ما هي الحيلة التي فعلها الأبيرق أو ابن الأبيرق، بشير بن الأبيرق حتى يبرئ نفسه من هذه المسؤولية؟ البعض قال أنه قام باخذ المال المسروق وإلقائه في بيت يهودي ثم عاد إلى منزله وكأن شيء لم يكن ثم اخذ يخبر الناس يعني اخبر أحد أقاربه أن سالوك عن طعام فلان المسروق فاخبرهم أنني رايته في بيت يهودي.
وفعلاً قالوا إن بعض الصحابة ذهبوا إلى بيت ذلك اليهودي المتهم، طبعا اليهودي هذا فعليا بريء كان، فذهبوا إلى بيت اليهودي المتهم فوجدوا فيه الطعام، فوصلت الانباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كاشا غير دقيقة، أوصلوا له أن هذا اليهودي سرق طعام ذاك الصحابي وكاد النبي صلى الله عليه وسلم، كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعجل بمحاسبة اليهود ومطالبته بالاعتراف. فجäءت هذه الآيات تطالب النبي صلى الله عليه وسلم بالتروي وأراد الله سبحانه وتعالى ألا يقع خطأ من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع. وفي بعض السياقات الأخرى أنه لا، ابن البيرق لم يتهم يهودياً أو لم يفعل هذه المكيدة بيهودي، بل اتهم رجلا صالحا اسمه لبيد بن سهل. ابن الأبيرقي اتهم رجلا صالحا أنه هو السارق وقال: رايت لبيد بن سهل يحوم حول بيت ذلك الرجل فأظن هو، وحاول أن يلقي التهمه ويلصقها برجل صالح من خيار المسلمين.
طبعا لبيد بن سهل قال أنا ليس لي علاقة ولا أدنى شيء في هذا الموضوع ولا ناقة ولا جمل، وطبعا ابن الأبيرقي قيل إنه استعان أيضاً ببعض أقاربه، ذهب ابن الأبيرقي بعض أقارب ابن الأبيرقي، مثل هذا الموضوع أكيد سيسبب في إشاعة، سيكثر الخلط داخل المدينة، الكلام من الذي سرق، من كذا، كأي موضوع يكون في نقاش، فابن الأبيرق واضح أنه داهية ومصيبة، فجعل بعض أقاربه يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهدوا له بالخير والصلاح. فذهب بعض أقارب ابن الأبيرقي النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، ترى الناس تخرج إشاعة مغرضة عن بشير بن الأبيرقي وهو رجل من أهل الخير والصلاة. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام قد لا يكون يعرف أو وصلت الأنباء في تلك اللحظة عن نفاق هذا الرجل، قد يكون أخبر بعد ذلك كما تقول بعض الروايات. فالمهم اتهموا قالوا بداوا يدافعون عن صاحبهم.
فالمهم إذا سياق القصة أظن واضح الآن، أن هناك رجل من بني الأبيرقي سرق طعاماً وشراباً وقيل دروعاً وأسلحة من بيت صحابي، ولما تم الإشارة إليه حاول أن يتهرب ويلقي تبعات هذه السرقة على غيره، ويلقي تبعات هذه السرقة على غيره. فالنبي عليه الصلاة والسلام كقائد لهذا النظام المسلم للوهلة الأولى، دعونا نقول للوهلة الأولى، وللقراءات صنعت وفي النهاية النبي عليه الصلاة والسلام بشر، لما يمارس دور القضاء وكان صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فالنبي عليه الصلاة والسلام اعتمد ابتداء على القرائن الظاهرة خاصة على السيناريو الأول إذا حكينا اللي هو أنه تم إلقاء الطعام أو السلاح في بيت اليهودي، فكانت القرائن الظاهرة أو أصابع الاتهام أصبحت تتجه باتجاه اليهودي، فكان النبي عليه الصلاة والسلام مع ورود التزكيه لابن الأبيرقي أصابع الاتهام لليهودي أراد أن يحذر أو ينبه الصحابة ألا تتهموا، ابن الأبيرقي بريء ولم تثبت التهمة في حقه. فانزل الله قرانا
يتلى إلى يوم القيامة، ينبه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتروى في هذه الواقعة بالتحديد، وينبه أن هؤلاء صنعوا مكيدة. أبناء الأبيرق صنعوا مكيدة لحماية أنفسهم، وأرادوا أن يلقوا تبعة هذه الجريمة على غيرهم، فقال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، أنزلنا عليك القرآن لتحكم بين الناس بما أراك الله، حتى تحكم بين الناس بشريعة الله وبما تقتضيه القواعد الشرعية الإلهية في نظام القضاء.
ولكن احذر يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون للخائنين خصيما. خصيما يعني مدافعا، تخاصم عنهم، أي تدافع عنهم وتجادل عنهم، وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. يعني استغفر الله على ذاك الخاطر الذي سنح في ذهنك، سنح في ذهنه صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ساحة ابن الأبيرقي بناءً على المعطيات الموجودة الأولية، دعنا نقول. الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: استغفر الله حتى من ذلك الخاطر الذي خطر في ذهنك، وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ، يعني لا تدافع ولا تحامي عن الذين يختانون أنفسهم، أي يخونون ويكذبون ويفسدون ويلقون التبعات على غيرهم.
هؤلاء الذين يخونون هم مش بيخونوا المجتمع فقط، هم بيخونوا أنفسهم وبيضحكوا على أنفسهم عندما يسرقون ويجرمون، ثم يلقون التبعة على غيرهم. إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، الله لا يحب الخونة الكذبة أصحاب الفجور والمعاصي الذين يفسدون، وخصوصا إذا يعني هو أثيم وعاص، ومش بس أثيم وعاص بل كذاب وخائن، يعني مش اكتفى بفعل المعصية بل ألقاها أيضا على غيره وصنع كأنه بريء منها.
هذه الآية وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ حقيقة خطيرة للذين يمارسون مهنة المحاماة. إن الله سبحانه وتعالى يحذر ذاك الشخص الذي يمارس مهنة المحاماة: احذر أن تحمل قضية ويكون موكلك هو الظالم، وظهر لك أن موكلك هو الظالم! للأسف كثير من المحامين اليوم هو أهم شيء أنه يربح قضية ويكسب مال منها، ولو كان يعرف أن موكلك هو الظالم. الآن إذا كنت تدافع عن شخص مظلوم وتوكلت قضية لشخص مظلوم ما في مشكلة تمام، لكن أنك تتوكل قضية لشخص أنت تعرف أنه ظالم، وانه لا يجي دورك انك تخلصه من هذه الورطة وتكون ذكي في الجوانب القانونية حتى تخرج سليماً بريئاً ليس له علاقة في هذا الموضوع، هذا من أكبر الخيانات لله ورسوله.
وهذا المال الذي يأتيك يا أيها المحامي بهذه الطريقة مال سحت، مال حرام؛ لأنك تجادل وتدافع عن الذين يختانون أنفسهم، الخونة الفجار الذين يريدون يفعل المعصية والفجور ثم يخرجون منها كما تخرج الشعرة من العجين. انتبه، حرام حرام حرام أن تتولى مثل هذه القضايا بنص الله سبحانه وتعالى.
طيب، ثم قال سبحانه عن هؤلاء المنافقين أبناء الأبيرق قال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُم مَّعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ. يعني هؤلاء أبناء الأبيرق لما تحاوروا كيف يلقون التبعة على غيرهم، ماشي، أنتم قد تكون أخفيت الأمر عن النبي عليه الصلاة والسلام، أخفيت الأمر عن المجتمع، لكنكم لن تستطيعوا اخفاء ما فعلتموه عن الله! وهذا أكبر بُعد يجب أن يحرص عليه المسلم، اللي هو الوازع الديني، أنه إذا استطعت أن تتملص من القضية في الدنيا فاعلم أنك لن تتملص منها أمام الله سبحانه وتعالى.
ولذلك منهج القرآن يقوم ليس على منهج فقط منهج قضائي دنيوي، بل يقوم على تعزيز البعد الديني في نفس الإنسان، أنه افرض انك تملصت في الدنيا، افرض انك تملصت خرجت من القضية في الدنيا، لكن والله لن تخرج منها يوم العرض الأكبر. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ في اثناء كيدهم ومكرهم جالسين في بيتهم، إيش نفعل؟ كيف نتصرف؟ كيف نلقي اللوم على صحابي آخر أو اليهودي؟ كيف نخرج؟ يعني عم تامروا في مكان خاص سري. قال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ، طيب أنتم بتعرفون أن الله فوقكم يراكم ومطلع على أسراركم؟ وَهُم مَّعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ، وهو معهم وهو يسمعهم وهم يتحدثون بالليل في هذه المكيدة التي يريدون أن يصنعوها، يبيتون، البيات يكون بالليل، وعادة اللي بيعملوا مكر وخديعة بيجتمعوا بالليل وفي مكان سري خاص أو في غرف مغلقة، ويحاول ينظر كيف يخرجون أنفسهم. قال: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا، لا تظنوا أن الله غافلاً عما يعمل الظالمون.
ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم. الله عز وجل هنا يعاتب، كما قلنا، بعض أقارب أيضا بني الأبيرق، يعاتب بعض أقارب الأبيرقي راحوا على النبي عليه الصلاه والسلام وصاروا يزكّون ابن الأبيرق، أنه يا رسول الله ترى الناس بتتهم قريبنا أنه سارق وهو أهل بيت، وصلاح، أهل بيت صلاح وخير وإحسان. فالله عز وجل يعاتب هؤلاء الصحابة الذين دافعوا عن ابن الأبيرقي، وقد -طبعا- هو قد يكون في نوع من العجلة، دعونا نقول، قد يكون في نوع من العجلة، فكان لابد من المعاتبة: هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ، دافعتم عنهم وأثنيتم أيضا أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟!
شوف دائما الربط بالبعد الأخروي، افرضوا في الدنيا مشى الموضوع يا جماعه ترى الدنيا ساعة قصيرة جدا، والحساب فيها قصير مقابلة بالحساب العسير يوم القيامة، افرضوا أنكم زكيتموهم وأخرجتموهم من القضية أمام الله سبحانه وتعالى يوم العرض الأكبر، من ينجيهم من سخط الله وعقاب الله وعذاب الله؟ فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا؟ أو مين راح يكون وكيل محامي عنهم أمام الله عز وجل؟ لن يستطيع أحد أن يجادل عنهم أمام الله، ولا يكون محامي عنهم أمام الله في يوم لا يغادر فيه سبحانه وتعالى صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا.
وهنا جاءت -يعني- الآن الدروس المستفادة من القصة، دعونا نقول. الله عز وجل يريد أن يضع قواعد للصصحابة في المدينة، يقول سبحانه: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا.
في هذه الآيات الثلاث يعلم الله سبحانه وتعالى هذا المجتمع وجميع المجتمعات إلى يوم القيامة، هذه قواعد عامة للمسلمين. يقول سبحانه وتعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، إيش الفرق بين من يعمل سوءا أو يظلم نفسه؟ في خلاف بين المفسرين، البعض قال -وهذا يعني من أسهل الأقوال-: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أي يسيء إلى الناس في المجتمع بسرقة، بسب، بشجار تام، بأي تصرف غير صحيح، أو يظلم نفسه يعني أو يعمل معصية بينه وبين نفسه، معصية هو لم يسئ فيها إلى الآخرين، لا، معصية بينه وبين نفسه، نظر إلى حرام، فعل فعل شخصي بعلاقات محرمة، المهم.
فهنا تقول الآية: هذه قاعدة عامة، أي إنسان يعمل سوء مع الآخرين أو بيعمل معصية بينه وبين نفسه، الله عز وجل يطالب هذا الإنسان بالتوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى. يعني لا تفكر تلقي اللوم على غيرك، لا تفكر تهرب، تحمل مسئولية خطاك، كن رجلاً وتحمل مسئولية خطاك واستغفر الله والله عز وجل يغفر الذنوب جميعا. إذاً، وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا يسيء إلى الآخرين أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ يعصي في داخل نفسه، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا.
الخطأ متوقع في أي مجتمع مسلم من أي مواطن يعيش في ثرى هذا البلد، الخطأ متوقع سواء خطاك مع الآخرين أو مع نفسك، والله سبحانه وتعالى يفتح لك بوابة الأمل أن الخطأ لا يعني نهاية الطريق، بل يمكنك أن تصلح وتعود والله عز وجل يقبلك إذا عدت، الله عز وجل يقبلك إذا عدت، لذلك شوف تعبير الآية الجميل: ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا، الله عز وجل يساعدك إذا أنابت واستغفرت من الخطأ الذي ارتكبته.
طيب، القاعدة الثانية: وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ. أي إنسان يرتكب خطأ في داخل المجتمع، سواء خطأ متعلق بمعصية شخصية أو معصية مجتمعية، أنت من يتحمل مسؤوليتها أمام الله سبحانه وتعالى، أنت من يتحمل مسؤوليتها يوم القيامة وفي الدنيا ينبغي أنه أنت تتحمل مسؤوليتها ولا تورط فيها الآخرين، لذلك قال سبحانه: وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ، أنت المسؤول عن خطاك ولا تزر وازرة وزر أخرى، ما حدا بيتحمل عنك خطاك، أنت من ستتحمل وزر هذا الشيء الذي فعلته.
ثم يحذر الله عز وجل المجتمعات المسلمة والمواطنين في المجتمعات المسلمة من أن يفعلوا كما فعل ابن الأبيرقي، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا. آه، هنا هذه بدك تحذر من هذه الممارسة، قال: وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا -طبعا بعض المفسرين هنا يقول: ما الفرق بين الخطيئة والإثم؟ أن الخطيئة الشيء الكبير اللي عامل مصيبة كبيرة، أو إثما هي المقابلة يعني معصية صغيرة- عملت معصية كبيرة وخطيئة كبيرة في المجتمع أو خطيئة صغيرة ثم رميت بها الأبرياء كما فعل ابن البيرق واتهمت بها أناس لم يفعلوها.
فعل ماذا قال؟ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا، والبهتان هو الكذب، فقد حمل فوق ظهره وحمل نفسه فوق وزر الخطيئة أو الإثم حملت حالك ماذا؟ كذباً وإثماً مبيناً واضحاً ستلقى به ربك سبحانه وتعالى. إذاً، لاحظوا، جاءت هذه الآيات الثلاث تخبر الصحابة: يا جماعة، الذي يخطئ في المجتمع سواء في حق نفسه أو في حق غيره، استغفر الله أولاً. اثنين: وَمَن يَكْسِبْ أَي خطيئة وأثم، لا تزر وازرة وزر أخرى، أنت مسؤول عن خطاك، تحمل مسئولية خطئك. ثلاثة: التحذير من فعل ابن الأبيرقي، إنسان يفعل خطيئة كبيرة أو إثم صغير ثم يتهم به الآخرين الأبرياء ليبرئ ساحته، هذا أمام الله سبحانه وتعالى جمع فوق إثم المعصية والكبيرة أو الصغيرة من البهتان واتهام الأبرياء.
ثم ختم المشهد: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ. الله عز وجل يظهر المنّة على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه عز وجل يؤيده في كل موقف من المواقف وفي كل مشهد من المشاهد: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ. الطائفة التي أرادت أن تضل النبي عليه الصلاه والسلام هي التي جاءت لتدافع عن ابن الأبيرقي وأنه من أهل خير وصلاح وما عهدنا عليه شرا، فالله عز وجل يمنّ على نبيه عليه الصلاة والسلام: لولا مني، لولا فضلي عليك وتأييد لك بالوحي، لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ.
ولكن هم عليهم أن يعرفوا أنهم وَمَا يُضِلُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، يعني أنتم بتخدعوا على أنفسكم لما تدافعوا عن واحد فاسد عن واحد ظالم؛ لأنه يوم القيامة لن تجدي كل هذه المحاولات أبدا. ثم قال سبحانه: وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَيْءٍ، يعني ما دام الله معك وما دام الله يكلؤك ويرعاك يا محمد صلى الله عليه وسلم فاعلم أنهم لن يضروك شيئا. وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وهذا أيضا من سياق المن، الله يمن علينا وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بانزال الكتاب وهو القرآن، والحكمة وهي السنة، كما قال الإام الشافعي رحمه الله تعالى عليه أن الحكمة ورد عن أهل العلم في تفسير أنها السنة.
ثُمَّ قَالَ: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا. من أعظم المنن التي يمنّ الله على عباده، أعظم منّ من الله على عباده أنه يعلمنا ما جهلنا، هذه نعمه العلم، شوف: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا. يتذكر الإنسان بعد كل معلومة يحصلها أن هذه المعلومة من منّ الله سبحانه وتعالى أن فتح له باباً لفهمها وإدراكها.
والعلم حقيقة من أجمل ما يعيش الإنسان له في هذه الحياة الدنيا، اكتساب المعرفة والعلم الصحيح، العلم النافع الذي يقود الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى ويجعله مبصراً بأمر دينه ودنياه، يتحسس خطاه ويعرف أين يسير في خضم هذه الشهوات والشبهات. فنعم العلم وزيراً وصاحباً، ونعم الصُّحبة صحبة العلم والإنشغال به والإقبال عليه. قال سبحانه وتعالى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
ثم دعنا نقول هنا انتقلنا إلى صفحة أخرى لتعالج الموضوع معالجة أوسع من ذلك، فيقول سبحانه: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. لما أبناء البيرق كان اجتماعهم من أجل أن يعرفوا كيف يتخلصوا من وزر ما فعلوا ويلقوا بهذه التهمة على غيرهم، الله عز وجل يريد أن يخبر الصحابة في هذا المجتمع أن هذا الحديث الذي يكون بينكم في البيوت المغلقة وفي المجالس المغلقة، أغلب هذه الاجتماعات المغلقة والحديث المتبادل لا خير فيه، لا خير في كثير من نجواهم. كثير من كلام الناس كما نقول في مقاهيهم في مجالسهم خلف الأسوار المغلقة والمكاتب المغلقة، لا خير في كثير من نجواهم إلا اللي بتكون تناجيه وتحاوره وكلامه في ماذا؟ في الأمر بالصدقة، فيأمر بالمعروف -المعروف طبعا هنا بيشمل المشاريع الدعوية والأفكار العلمية والبرامج والاشياء التي تخدم الناس في حياتهم ودنياهم- اللي تحاوروا وبشاوروا ويجلسون مع بعضهم، وموضوع النقاش والحوار والنجوى يقوم على الحث على الصدقة ومساعدة الملهوفين والضعفاء والمساكين، أو موضوع الاجتماع والحوار حول القيام بأمر معروف يرضي الله، من عمل نافع أو صالح وخدمة دين الله سبحانه وتعالى، أو إصلاح بين الناس. الناس بتتناقش كيف نحصل بين عشيرة وعشيرة، نصلح بين فلان وفلان، نصلح بين هذه العائلة وهذه العائلة، نصلح بينهم. هذه الحوارات هي الحوارات التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تسود في المجتمع.
المجتمع للحوارات الفارغة التافهة الحائرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولاحظ كيف عبر عنها القرآن، أنه كثير من نقاشات الناس في داخل المجتمعات لا خير فيها، كلام لا يسمن ولا تغني من جوع، فضلاً إذا ما كانش فيه آثام وأشكالات ووو. فالله عز وجل يعلم أهل المجتمع كيف ينبغي أن تكون حواراتهم ومجالسهم منتجة ومثمرة.
لا خير في كثير من نجواهم من مجالسهم الخاصة، إلا المجالس الخاصة التي يكون هدفها الحديث عن الصدقة أو الأمر بالمعروف، والمعروف هنا بمعناه العام طبعا الواسع جدا، أو التي يكون هدفها الإصلاح بين المجتمعات والأفراد والمواطنين والقبائل والعشائر والأرحام، ثم قال سبحانه: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. شوفوا هس بعض الناس بتكون في مجالسهم الخاصة بتتكلم في إصلاح بين الناس، بتتكلم في موضوع فعل معروف، لكن لما تتكلم في هذه الأمور ما بتتكلم طلبا للثواب من الله سبحانه وتعالى، بل بتتكلم بعض الناس في إصلاح ذات البين من باب الوجاهة، صحيح قد يتكلموا عن إقامة مشروع علمي أو إصلاحي، لكن من باب يعني أيضا وجاهة أو طلب دنيا.
فالله سبحانه وتعالى يقول في المجالس الخاصة: إذا تحدثتم عن الصدقات، عن إصلاح ذات البين، عن إقامة المعروف، هذا بشكل عام كلام خير، حتى ولو لم تكن النية خالصة لوجه الله، بس على الأقل له نفع وفي فائدة تعود بالصلاح للمجتمع عموما، وإن كان الشخص قد لا يثاب على كلامه في إصلاح ذات البين لأنه لم يخلص فيه لله، لكن عموما إصلاح ذات البين مقبول يعني مطلوب ومقبول أن يتحدث به، حتى ولو كان أحيانا بعض الناس يطلبه وجاهة وحرم نفسه من الثواب، لكن في النهاية النتيجة اللي خلصنا التي خلصنا منها هي إصلاح ذات البين، أو واحد أمر بالصدقة أو بمعروف، ممكن هو مش يعني لا يبتغي وجه الله في هذا الأمر بالمعروف، أو لا يبتغي وجه الله في هذه الصدقة، لكنه في النهاية كأثر مجتمعي جيد.
فالله عز وجل ماذا يقول في ختام الآية؟ يحث الناس اللي بيتكلموا في إصلاح ذات البين، ويحث الناس اللي بيتكلموا في موضوع الأمر بالمعروف أو الصدقة، يحثهم على أخلصوا نيتكم لله، حتى تكون هذه المجالس التي تحدثتم فيها عن إصلاح ذات البين والأمر بالمعروف ليست فقط فائدتها دنيوية، بل تكون أيضا لها فائدة أخروية لكم عند الله سبحانه وتعالى فتحصل الثواب الكبير والجزير. إنه هسه إذا أنت عملت معروف مجتمعي بس أنت مش مخلص لله، هسه هذا المعروف خدم المجتمع شكرا، لكن أنت كإنسان ما حصلت الثواب، ليه؟ لأنك لم تخلص فيه لله.
أنت إذا اصلحت بين عشيرتين شكرا عملت خدمة مجتمعية، هل ستثاب من الله عز وجل؟ لا، إذا لم تكن ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فلذلك ختمت الآية: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. إذا الله عز وجل يحب يخبر المجتمعات المسلمة عن طبيعة الحوارات والمجالس الخاصة ماذا ينبغي أن يكون اتجاهها، ويخبر أن الحديث عن الصدقة والمعروف والإصلاح حديث جيد مطلوب، وينبه أنه حتى تحصلوا ثواب هذا الحديث عليكم أن تبتغوا به وجه الله سبحانه وتعالى وإلا فقد أضاعتم على نفسكم فرصة الثواب.
جيد، إذا لاحظ التوجيه المجتمعي ثم توجيه مجتمعي آخر، سورة النساء سبحان الله تتكلم عن المجتمعات وقواعد المجتمعات بدء من الأسر زي ما حكينا، للعلاقات الاجتماعية، للتحذير من ظاهرة النفاق، للتحذير من ظاهرة اليهود، قضايا مجتمعية وإصلاحية كبيرة جدا وفخمة جدا في سورة النساء لقيادة المجتمعات الآمنة، أيضا تأتي قاعدة أخرى يقول سبحانه: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِه جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.
هذه الآية العلماء يستدلون بها على أمر مهم من أمور الشريعة، من يعرف ما هو هذا الأمر؟ هذه الآية: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِه جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. هذه الآية دائما يستدل بها على مسألة مهمة من مسائل الدين، ما هي؟ يلا ننتظر من الجمهور إجابة سريعة. العقيده. لا. ممتاز، حجية الإجماع.
حجية الإجماع بتعرف أحد مصادر التشريع الكبرى، أحد مصادر التشريع الكبرى عندنا الكتاب، ثم السنة، ثم إاجماع علماء الأمة، ثم القياس، مش هذه تسمى مصادر التشريع المتفق عليها؟ فهنا الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن أهمية هذا المصدر الذي يجب التمسك به، فالله عز وجل يقول: ومن يشاقق الرسول، الذي ينازع الرسول، طبعا الرسول صلى الله عليه وسلم هو المصدر الذي يأتينا بالقرآن والسنة، فنحن من خلاله بابي هو وامي صلوات ربي وسلامه عليه من خلاله وصل إلينا القرآن الكريم والسنة المطهرة.
فالله عز وجل يقول: من يشاقق الرسول يعني يهجر الكتاب والسنة، ثم قال: ويتبع غير سبيل المؤمنين، يعني يخالف إجماع أهل الإيمان. ويتبع غير سبيل المؤمنين يعني يخالف سبيل المؤمنين، طبعا المراد بسبيل المؤمنين أساسا هو سبيل علماء الأمة، سبيل علماء الأمة. فإذا اتفق علماء الأمة الأبرار الأتقياء اتفقوا على مسألة وعلى قضية، أصبح هذا الذي اتفقوا عليه سبيلا للمؤمنين، فلا يجوز لأي فرد من الأفراد أن يخالف هذا السبيل، وإذا خالفت سبيل المؤمنين إجماع علماء الأمة فهنا الله عز وجل يتوعد ويقول: ومن يشاقق الرسول يخالف الكتاب والسنة من بعد ما تبين له الهدى.
لأنه أحيانا قد يخالف الإنسان، ركز، قد يخالف الإنسان آية أو حديث لجهله وليس قصدا للمخالفة، لا، الكلام هون عن شخص عرف الكتاب والسنة تبين له الهدى وعاند وأصر على المخالفة، لذلك قال: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ، لأنه كما قلنا بعض الناس قد يكون جاهل فيعلم، وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ بخالف الكتاب والسنة ويخالف، قال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، ويخالف إجماع الأمة، سبيل المؤمنين هو إجماع العلماء، فهذا والعياذ بالله نوله ما تولى.
أنت لماذا خالفت الكتاب والسنة وخالفت إجماع العلماء؟ أردت أن تتولى هواك، أردت أن تتولى زعيما أو قائدا أو فاجرا أو ظالما، أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَفَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. خلص نوله ما تولى، خلك مع من أحببتهم، يحشر المرء مع من أحب، ندعك مع من توليتهم أنت، هجرت الكتاب والسنة، ولاحظ هذه الآية واربطها باية المائدة التي مرت معنا: إِنَّمَا وَلِيُكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ.
فهنا نفس الشيء، على المؤمن أن يتولى الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، فمن يخرج عن هذه القواعد الكلية أي مواطن وأي فرد يخرج عنها نوله ما تولى، نكله إلى ما تول من هواه وسادات وقادة ولكن وَنُصْلِه جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وعيد رهيب لأفراد المجتمع الذين يخرجون عن قواعد الشريعة وكلياتها من بعد ما تبين لهم الهدى عنادا واستكبارا، الله عز وجل يتوعدهم بجهنم وساءَت مصيرا ونهاية والعياذ بالله.
ثم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا. تاتي هذه الآية في سياق الكلام في بناء المجتمعات وقواعد المجتمعات لتنبه على قضية يجب أن نفهمها جميعا، أنه الخطا والمعاصي والذنوب متصوره من افراد المجتمع، وعلينا أن لا نستعجل في الحكم على أفراد المجتمع بأن الله لن يغفر لهم، وأن هؤلاء الذين عندهم ذنوب معاصي وأخطاء هؤلاء في جهنم وهؤلاء لا خير فيهم وهؤلاء لا يقبلهم الله أو لا يتجاوز الله عنهم.
هنا تاتي كأن هذه الآية هكذا أتذوق دعوني على الأقل في خضم هذا السياق، أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبر أن الإنسان والمواطن الذي يعيش في المجتمع المسلم حتى لو مات على معصية ولم يتب منها، مات يفعل بعض أشكال الظلم، مات وهو يمارس بعض الممارسات الخاطئة، مات وهو مصر على معصية من المعاصي، الله يخبرنا أننا لا نحكم على الناس كيف سيتعامل الله معهم إذا ماتوا على معصية أو على ذنب أو على خطيئة ونكلهم إليه سبحانه وتعالى، فالله قد يغفر لهم يوم القيامة ولو ماتوا دون أن يتوبوا.
الله قد يغفر لهم يوم القيامة بشرط واحد، بشرط واحد وهو أن يموتوا على التوحيد، يعني من حقق حسنة التوحيد وأقر بالله ربا ومعبودا ثم بعد ذلك فعل معاصي مجتمعية وأخطاء وذنوب ووو وفي النهاية نحن نحاول نصلح معه في الدنيا نأمر بالمعروف ننهى عن المنكر، لكن نفرض أنه مات على معصيته مات على خطاه مات على ذنبه، هل لنا أن نحكم عليه أنه هذا في جهنم وأكيد الله عز وجل سخط عليه وسيوقع في أم هناك احتمال أن يغفر الله سبحانه وتعالى له بحسنة التوحيد التي مات عليها؟
أه هنا يعلمنا الله ألا نتدخل في مصير الناس يوم القيامة ما داموا ماتوا على التوحيد، لا نتدخل في مصير الناس يوم القيامة ما داموا ماتوا على التوحيد، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. طبعا هذه الآية تتكلم عن من مات ولم يتب، هس الذي مات وتاب الله يغفر بالتوبة جميع الذنوب حتى الشرك، فبالتأكيد الآية تتكلم عن من مات على ذنب، لكن هذا الذنب هو دون الشرك، فالله يقول من مات مشرك بالله لا هذا لا يمكن أن أغفر له، هكذا يقول الله لنا.
هذا حتى تعرفوا إخواني أن أعظم حسنة في الوجود هي حسنة التوحيد لله سبحانه وتعالى، لأنه احنا للاسف مع الفلسفات المعاصرة ومع غلبه النظام العالمي العلماني أصبحنا نرى الأديان والتوحيد والعقائد على الهامش، ونرى أن الأخلاق الاجتماعية والتعاملات الحياتية أهم من التوحيد. لا، التوحيد هو أعظم حسنة في الوجود، الأخلاق الاجتماعية مطلوبة، حسن التعامل مطلوب، وَاتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.
نعم، الإسلام تكلم عن الأخلاق باستفاضة كبيرة في القرآن والسنة، لكن هذا لا يمنعنا أن نشاهد الحقيقة كما هي وهي أن حسنة التوحيد، وأن يموت الإنسان موحدا عارفا بإله هذا الكون متوجها إليه ليس مشركا به، هذا أعظم ما يحققه الإنسان في حياته، فاذا مات هذا الإنسان وعنده حسنة التوحيد فإن ما سوى ذلك من أشكال الذنوب والظلم والفجور والمعاصي يقبل عند الله سبحانه وتعالى التجاوز، وإذا عاقب الله صاحب هذه المعاصي والذنوب في نار جهنم وهذا سيحصل طبعا لبعض أهل الكبائر فإنهم سيعاقبون لفتره معينة ثم سيغفر لهم ويخرجون من جهنم إلى الجنة، فلا يوجد خلود أبدي في جهنم لمن مات موحدا.
فبالتالي لابد أن نعرف في بناء المجتمعات أن أصل الوجود وأهم حسنة وأعظم أولوية هي أولوية التوحيد، عندما نتعامل مع أفراد المجتمع حتى لا يغلب على ذهننا أن الإنسان الذي ضيع التوحيد وفرط به لكنه وكان جيد اجتماعيا وأخلاقيا وسلوكيا ويقف مع قضايا المسلمين أن هذا يمكن أن يغفر الله له. هنا تختل الأولويات في عقول كثير من الناس، وللاسف يشارك بعض من ينسب نفسه إلى المشيخة الدينية أو ينسب نفسه إلى الدعوة يشاركون في هذا التمييع للأولويات العقدية ومسخ عقائد الناس عندما يعظمون الأخلاق الاجتماعية على حساب مسائل التوحيد.
لا، نحن نعطي الأخلاق منزلتها الحقيقية العظيمة في الإسلام، لكن علينا أن نعرف أن الأخلاق والامور ووو تاتي بعد توحيد الله سبحانه وتعالى، ولذلك القرآن جعل أفضع شيء وأكبر شيء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا، وأكبر شيء: وَإِن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، فهذا الرجل اللي عنده أخلاق سيئة وتصرفات رديئة لكن عنده شيء في نظر الشريعة عالي جدا فعله وهو أنه وحد الله عرف إله هذا الكون وحده لم يقصد سواه نعم حدث منه تفرط وتقصير يحاسب عليه يوم القيامة يعاقب عليه قد يتجاوز عنه بحسنات فعلها، لكن عنده حسنة التوحيد لاياك أن تستهين بهذا.
لأنه اليوم أحيانا بتسمع بعض العبارات بتعرف أن عبارات هي غير متزنه، لأننا نرى بعض المسلمين مفرطين في نصرة قضايا الأمة ومهملين لها، وهذا ذنب وخطأ بطيئة وجريمة، لكن تجد بعض الناس يقول: والله هؤلاء النصارى في أمريكا الذين يدافعون عن قضايا المسلمين أحسن من كثير من المسلمين! شوف هذه العبارات بدك تكون أنت هادئ لما تتكلم فيها لأنها مش دقيقة، يعني أنا فاهم سطوة المشهد، وأنه بعض الناس يرى أن بعض النصارى والصليبيين قد يخدمون قضايا المسلمين أكثر من بعض حتى من ينسب نفسه إلى الدعوة، لكن في النهاية أنا ما بكون رهن للعاطفة وما بخلي كلماتي تولدها العواطف والسوشيال ميديا لا أنا متزن الآن.
هذا مسلم مفرط في قضايا المسلمين، هذا مسلم مقصر في وقوفه مع قضايا المسلمين، فأحاسبه وألومه، لكن لا يجعلني تقصيرة أقول أن النصارى والصليبيين الذين يشركون بالله ويسيئون إلى الله سبحانه وتعالى لأنهم وقفوا معنا في بعض القضايا أحسن منهم وأحسن من المسلم. بعض الناس بقول لك يا اخي والله جاري النصراني أحسن من ألف واحد مسلم! هذه العبارات حقيقة تروج في المجتمع وهي عبارات خطيرة وغير دقيقة، الإسلام لا يقارن بالكفر، أحذر الآن.
لو حكيت أخلاق هذا النصراني أفضل من أخلاق هذا المسلم، ممكن يعني هذه تتقبل في سياقها أن تحدد وتدقق، لكن تقول هكذا بالجمله، بالجمله: والله جاري النصراني أحسن من ألف مسلم، لا ما هو هي الأحسن مش صحيحة، لأن هذا المسلم بجوز مسيء ومخطئ ويحاسب ويؤلم، لكن حسنة التوحيد لهذا المواطن المسلم تفوق كل شيء عند ذاك النصراني في النهاية.
فلذلك هذه إخواني مهم جدا في بناء الأولويات حتى لا تضيع بوصلة القuran هو الذي يرتب أولوياتنا ونظرتنا للقضايا، مش الإعلام ولا السوشيال ميديا ولا مشايخ السوء ولا المميّعة، لا القرآن هو اللي لازم يرتب لك أولوياتك.
ونظرتك للأخطاء ونظرتك لتراتب المسائل، أن إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، هذا الشيء الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات ولم تتب منه. وما سوى ذلك من أشكال الظلم والمعاصي والذنوب، ما دام لم يمس جناب التوحيد، فهو قابل لأن يغفر، قابل لأن يغفر ويتجاوز عنه. وإذا عذب صاحبه يعذب فترة ثم يخرج، فلا يجوز أن نساوي الظلم والمعاصي التي لم تصل للشرك بجريمة الشرك؛ لأن تلك الجريمة ما بعدها جريمة. هذا مهم في بناء الأولويات والنظرة المجتمعية. طيب.
نكمل، قال سبحانه وتعالى: أَيَدْعُونَ مَن لَّا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ؟ لعنة الله. وقال هذا الشيطان لله: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. الآن يعني كأن السورة الآن استطردت هنا قليلاً، فقال سبحانه وتعالى: إن هؤلاء الذين يشركون الله، وكانت ظاهرة الشرك موجودة عند العرب ما زالت عندئذ، يقول سبحانه: هؤلاء أيدعون من دونه إلا إناثا. الشيخ المعلمي في كتابه رفع الإشتباه عن معنى العبادة والإله يصل من خلال استقراء تاريخي أن أصل شرك العرب كان في عبادة الملائكة. كان العرب يعتقدون أن الملائكة هم بنات الله، أظنكم تعرفون هذا، ومر معنا في سياقات كثيرة، أن والعياذ بالله والعياذ بالله العرب كانت تدعي أو كثير من العرب على الأقل كانت تدعي أن الملائكة بنات الله، وكانوا يعظمون الملائكة، لذلك جاءت في سورة سبأ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِندُونِهِم. فأصل شرك العرب أنهم كانوا يعتقدون في الملائكة أنهم بنات الله، وبالتالي يتعبدون للملائكة بواسطة أصنامهم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. فهذه الأصنام اللي كانوا يضعونها في الدنيا اللات ومناة والعزى وما شابهها كانت وسائط إلى الملائكة، والملائكة هي وسائط تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى. هذه طبيعة شرك كثير من العرب، وهي المسألة قد تخفى على البعض. كلام المعلمي جيد لمن يحب الرجوع إليه.
فهنا الله سبحانه وتعالى يخبر، وقد تكون هذه الآية تشير إلى ذلك، يقول سبحانه عن الذين يشركون به، خاصة العرب في تلك الفترة: أيدعون من دونه إلا إناثا. الآن اللات والعزى ومناة هي أصلاً كانوا يعتقدون أنها إناث، هذه الأصنام كانوا يتعاملون معها على أنها إناث وهي توصلهم بالملائكة اللي هم خلقوهم إناثاً -طبعاً- والملائكة تشفع لهم عند الله. فالله عز وجل يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون هذه الأصنام ويقرون أن أصنامهم إناث: يقول أيدعون من دونه إلا إناثا؟ أنتم ايش بتعبدوا يا كفار قريش؟ ماذا تعبدون يا أيها العرب؟ تعبدون أصنام إناث، يعني أصنام وادعيت أنهم إناث وتربط بالملائكة والملائكة تربطكم بالله؟ ما هذا العقل المتدني الذي يصنع صنماً ويجعل هذا الصنم أنثى، ويعبد هذه الأنثى ويظن أنها ستوصله بالله سبحانه وتعالى؟ فكانه يستهزئ بعقولهم، كيف استخف الشيطان إلى هذا الاسفاف: أيدعون من دونه إلا إناثا يعني أنتم بتعبدوا نساء، نساء اخترعتموهم، طبعاً.
قال: وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا. يعني في الواقع هم يعبدون الشيطان، صح في الصورة يعبدون هذه اللات والعزى ومناة، هذه الإناث أو هؤلاء الإناث، لكنهم في الواقع المرير يعبدون الشيطان الذي أمرهم بكل هذه الترهات وغرهم في ذلك، لذلك قال سبحانه: لَعَنَهُ اللَّهُ. هذا الشيطان لعنه الله، كم أفسد من عقول، وكم أضل من شباب، وكم أخرج أناساً عن الاستقامة، وكم أفسد من أديان الشعوب والأمم عبر تاريخ الإنسانية. ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن شيء من دور الشيطان في إفساد الأمم والشعوب والمجتمعات حتى نحذر من هذا الدور الإفسادي الذي يمارسه الشيطان داخل المجتمعات المسلمة، فقال سبحانه يخبر ماذا يقول الشيطان، يقول الشيطان: وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا.
الشيطان كما مر معنا مراراً وتكراراً في المشهد الأول لما أمر بالسجود لآدم فرفض فلعنه الله، قال لعنه الله يعني طرده من رحمته، هذا معنى اللعن، الله لعن الشيطان طرده من رحمته وحكم عليه بالعذاب المقيم يوم القيامه. فالشيطان قال لله سبحانه وتعالى قال لله: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. وطلب من الله قال: يا رب، شوف هذا الشيطان الشخصية الخبيثة، ما دمت يا رب ستعذبني في نار جهنم يوم القيامة، اريدك تعطيني فرصة في الدنيا لأغوي البشر. قال: رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فالله عز وجل بحكمته الواسعة قال: إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ. أعطى الشيطان القدرة على الوسوسة. ممكن البعض يقول: طب ليش الله سبحانه وتعالى أعطى الشيطان قدرة على الوسوسة وإفساد البشر؟ يعني ما دام الله سبحانه وتعالى حكم على الشيطان أنه إبليس سيخلد في نار جهنم، الشيطان إبليس طلب من الله قال: انظرني بس اعطيني مهلة إلى يوم القيامة، وصرح بنية الخبيث قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. شوف الخبيث ماذا يقول، يقول: اعطيني فرصة حتى أغوي ويقسم بالله، يققسم بالله يقول: بعزتك يا رب لأغوين عبادك وأصرفنهم عنك.
فللوهلة الأولى ممكن البعض يفكر: طب لماذا الله سبحانه وتعالى أعطى الشيطان هذه المساحة ليوسوس ويفسد عقائد الشباب والنساء والشعوب ويحدث كل ما نراه اليوم في الأرض من أوجه الفساد؟ لماذا؟ هل أحد منكم عنده جواب؟ ما دام الشيطان صرح بنيته ابتداء والله مطلع على باطنه وظاهره، لماذا أعطاه الله هذه المساحة؟ قال: إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ رح أعطيك مساحة وأنظر إلى يوم القيامة ثم أعذبك في جهنم. يا رب انتظر إجابة سريعة منكم. يا رب حازم يقول: أعطاه الله هذه المساحة ليقع الابتلاء في الأرض، إحتمال عنصر الابتلاء للإنسان حتى يعلم صدق الإنسان بالإيمان. تمام، يعني أحسنتم، أظنكم تفهمون القضية في الجملة، وهو أن المراد أن الله سبحانه وتعالى جعل الشيطان هو آلة الاختبار في الحياة الدنيا. سبحانه يعرف طبيعة الشيطان وهو الذي أذن له، هل تظنون أن الشيطان يتصرف بدون إذن الله؟ حشاه سبحانه وتعالى عشاه. لكن الله عز وجل جعل الشيطان هو آلة الإفساد في الأرض ليكون هو عنصر البلاء للجنس البشري. والله عز وجل حذر آدم أن هذا عدو لك ولزوجك من البداية. الله قال لادم بعد أن أنزله على الأرض إن هذا -طبعا هذا الكلام كان في الجنة- لكنه حذرهم أيضاً لما نزلوا على الأرض أن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى.
فكان هذا تحذيراً ابتدائياً لادم في الجنة، وسبحان الله آدم عليه السلام وقع في الزلل، وفعلاً كان سبب الشيطان سبباً لأول نزول للبشر من الجنة إلى الأرض، وبدأت قصة الإنسان على هذا الكوكب. فبالتالي الله سبحانه وتعالى نعم أعطى الشيطان هذه المساحة حتى يحصل الاختبار والبلاء وتبدأ معركة الإنسان مع هذا الشيطان اللي احنا أصلاً بدأناها في سورة الناس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَٰهِ النَّاسِ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ. فالله عز وجل يخبرنا هذا الشيطان كيف سيسعى لإفساد المجتمعات المسلمة ويحذرنا، فيقول هذا الشيطان، ماذا قال لله سبحانه؟ هذا الشيطان من البداية قال لله: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا. يعني ساقطع من عبادي من عبادك نصيباً مقدراً، نصيباً مفروضاً، نصيباً مقدراً ساقطع من عبادك نصيباً مقدراً، أبعدهم عن الاستقامة وأشغلهم بشهوات وأهوائهم. وهذا النصيب المقدر هم أكثر أهل الأرض، كما قال سبحانه: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضُوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.
فالشيطان أعلنها ابتداء، أعلنها ابتداء: يا رب سأقطع من عبادك نصيباً مقدراً لي أصرفهم عن الاستقامة وأدعوهم إلى الشرك وأمرهم بتغيير الفطر وأمرهم بالفساد والخنا والزنا والعلاقات المحرمة، سأفسد الفطر والمجتمعات والشعوب. هنا أعلن الشيطان أنه سيقود راية الشر على هذا الكوكب. فقال سبحانه وتعالى أيضاً يخبر ماذا يقول الشيطان، الشيطان توعد يا إخوه، الشيطان توعد قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا أجعلهم أوليائي يعبدونني بأهوائهم، قال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ أي أحرفهم عن الجادة، وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أي أجعلهم يشعر التمني الأمنيات أننا سندخل الجنة بدون عمل وأننا أهل لكل خير في الدنيا والآخرة ولو لم نعمل ولو مارسنا من الشهوات ما مارسنا وفعلنا ما فعلنا، فنحن أبناء الله وأحبائه، كاليهود، وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ خليهم يتمنوا أشياء غير واقعية، قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ.
شوف سبحان الله، ما توعد به الشيطان يحصل الآن: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. أي لأمرن البشر أن يغيروا الفطر، الفطر الداخلية والأجساد الخارجية. ولاحظوا ماذا يحصل الآن: الدعوة إلى المثلية، الرجل مع الرجل والمرأة إلى المرأة، الدعوة إلى الانتكاسات الأخلاقية والسلوكية، الدعوة إلى تغيير معالم الجسد الظاهر فتجد الرجال يتشبهون بالنساء والنساء يتشبهن بالرجال، عمليات التجميل لتغيير الاشكال والصور والمظاهر، اليوم ما توعد به الشيطان عم يحصل إخواننا حتى في المجتمعات المسلمة: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، الجنس، المثلية، أي تغيير الأشكال، الرجل يتحول لمراة والمرأة تتحول لرجل، التخنث، تغيير قواعد الفطر والسلوك، الداروينية، القول بأشياء ليس لها أصل في الخلقة ولا في البشرية، هذا هو وعيد الشيطان.
والشيطان اشتغل، الشيطان وضع مشروع واشتغل عليه: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. لكن الله عز وجل ما زال ينبه، وهذه قيمة القرآن، القرآن اللي بضله يذكرك كل ما ابتعدت: يا أيها الإنسان هناك شيطان يترصد لك، هناك شيطان توعد، هناك شيطان له مشروع، أحذر! وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. طبعا وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ هذه طبعا إحدى مظاهر التلاعب بخلق الله عند الكفار العرب، يعني كانوا يعني إذا الناقة حملت عدد معين من البطون يشقون أذنها ويقطعونها ويسيبونها معينة، هذه من مظاهر التلاعب بخلق الله سبحانه وتعالى، يعني تقطيع يعني كما أن التشويه قد يكون لجسد الإنسان كذلك التشوه قد يكون لجسد الحيوانات بدون مبرر وبدون أي مغزى وإنما رداً على الشيطان. فكان الشيطان يامر العرب أن مثلاً الناقة أو الإبل إذا فعلت فعلا معيناً وانجبت عدداً معيناً خلاص تشق أذنها وتقطع وتعلن أنها سائبة أو بحيرة أو وصيلة أو حام، وهذا كله من التشريع بغير ما أنزل الله وتغيير لخلقه الحيوانات وأذى لها بدون أن يأمر الله بذلك وبدون أي ضابط. هذا كله من وساوس الشيطان وخطته، كما أن تغيير خلق الله قد يكون في الإنسان قد يكون أيضاً في الحيوان وقد يكون في المجتمعات، يعني أي تشويه في المجتمع، يعني لاحظ هنا الآية كانت تتكلم عن تشويه يتعلق بالانعام اليوم في حياتنا ممكن يكون التشويه له صورة أخرى، قد يكون التشويه في الشوارع، في الطرقات، تشويه في الكتب، في المناهج، تشويه في السوشيال ميديا، في الإعلام، أي تشويه وتغيير حتى ولو لم يكن على البدن مباشرة هو من التلاعب والتغيير لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون. فإن كان كفار قريش يبقون آذان الأنعام فهناك من يشوه ويقطع ويعيد ملامح المجتمعات ويسوقها بطريقة لا ترضي الله سبحانه وتعالى، فأنت دائماً بدك تسقط التغيير على مجتمعك، تبك آذان الأنعام ربما كان في لحظة ما، لكن اليوم عندك تغيير آخر في الفطر والمجتمعات.
طيب فالله عز وجل يحذر: وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ، إذا انت بدك ترد على الشيطان، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، هذه فلسفة الشيطان، هذه أكبر فلسفة للشيطان يغر بها الشعوب والبشر، ويجعل حتى كثير من المؤمنين يقعون في شراكه وحبائل، يعدهم ويمنيهم، أن الشيطان لما يخليك تذهب إلى معصية من المعاصي هو يعدك بلذة ستجدها في المعصية ويمنيك بالتوبة وأن الله سيغفر لك ويتجاوز عنك. كثير من المؤمنين يتكلم الإنسان عن حاله وحال إخوانه: إيش اللي يجعل الإنسان يقع في المعصية؟ أي معصية أنت تفعلها، إيش اللي بيخليك تقع فيها مع أنه أنت عارف أن الزنا حرام، النظر بهذه الطريقه حرام، هذه العلاقات محرمة، تعاطي هذا الأمر حرام؟ إيش اللي بيخلي أي انسان يرتكب جريمة؟ اللي بيخلي أي انسان يرتكب جريمة بطريقة ممنهجة يتبعه الشيطان، الله عز وجل حذرنا منه، أنه يعدك بلذة في المعصية ويمنيك بالتوبة في المستقبل، يعدك بلذة ويمنيك بالتوبة، فتبقى أنت دائر في ماذا؟ أنه خليني اعمل هي المعصية هي الشهوة حتى أجد اللذة التي أريدها وسأتوب والله عز وجل سيغفر لي، وأن هذا لن يكون وبالا ولا وخيماً علي عند الله سبحانه وتعالى، فإن الله غفور رحيم، ولسه معايا مجال أنا لساتني شاب أو هي ما زالت شابة في العشرينات في الثلاثينات، معانا فسحة للتوبة، وإن شاء الله بإذن الله بس أكبر راح أصير أحسن، و... و...
إذا هو يعدهم ويمنيهم، يعدك باللذة ويمنيك بالتوبة، فتبقى أنت في عجلة المعاضي والذنوب، هذه أكبر فلسفة الله سبحانه للشيطان، الله جمعها لك في كلمتين، أحذر يا أيها الإنسان هكذا يتعامل معك الشيطان، أحذر انتبه، سبحان الله هذا التوجيه الرباني والارشاد حتى يتفطن الإنسان للخطبة الابليسية: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. الشيطان لا يعدك إلا الخداع، هذه اللذة التي يمنيك بها هذه اللذة التي يعيدك يعيدك بها، لذة خادعة؛ لأنها ممزوجة بالقبح عند تناولها، مورثة للألم والضيق بعد الانتهاء منها، أي لذة تنال بغير طاعة الله فإن الإنسان وهو يمارس هذه اللذة ويعلم أنه على معصية يرى القبح في نفسه والدناءة في فعله، فإذا انتهى منها رأى الألم والحسرة، هذا هو الخداع. عن أي لذة تتكلم يا إبليس؟ وعن أي لذة تتكلم وعن أي وعد تعد وأنت تراني إذا أخذت هذه المعاصي والشهوات مستقبحاً لنفسي مستحقراً لها، تراني بعد الفراغ.
منها متألم مقهور يلوم ذاته وأجلد، عن أي لذة تتكلم؟ عن أي أمنية تتحدث؟ وَيَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. أولئك الذين يتبنون مشروع الشيطان مأواهم جهنم، اللي خلص يتولى الشيطان توليه تامة وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا، لن تجد مهرباً منها، المحيص هو المهرب.
والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأما الذين كافحوا الشهوات، كافحوا الوعد والأمنيات، وكان إيمانهم بوعد الله أعلى، وتمسكهم بنهج الله أقوى؛ هؤلاء الذين ثبتوا على مرارة الحياة، كانوا يرون الشهوات تبرز أمامهم فكفوا النفس عن الهوى. الله عز وجل يخبرهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، لن يتخلف هذا الوعد، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا.
إياك أن تشك أيها الموحد، إياك أن تشك يا من تعض على جمر الحياة، يا من تركت الشهوات والملذات ابتغاء مرضاة الله، إياك أن تشك أنك ستجد الثواب الجزيل والاجر الكبير عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. ثم يخبر سبحانه وتعالى بقاعدة، أو موضوع يتعلق بموضوع الأماني، هسه الشيطان يعدهم ويمنيهم، فالله عز وجل ينبه البشر، قال: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، موضوع الجنة والمغفره والسعادة الأبدية هذا ليس بالأمنيات، ليس لأنك تتمنى أن تكون في الجنة ستكون فيها، تتمنى أن تحصل شهوات الدنيا وملذات الآخرة، أمنياتك وحدها لن توصلك إذا لم يكن هناك عمل.
شوف ما أعظم القرآن وهو يخبرك، الأمنيات وحدها لا توصل إلى الجنة إذا لم تتبع بعمل صالح، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ لا أنتم ولا اليهود ولا النصارى، ما حدا يظن أن الوصول للجنة بالأمنيات. كيف يا رب؟ القواعد واضحة: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا. القضية بالعمل، القضية تقوم على فلسفة العمل وليس بالأمنيات.
والنقير هو هكذا، هي ثقب صغير تكون في ظهر نواة التمر، روح امسك نواة تمر، أي نواة تمر تمسكها انظر إلى ظهرها، في منتصف الظهر ستجد فتحة صغيرة، هذه الفتحة الصغيرة جداً جداً هي مثال في ذهن العربي لأصغر شيء مستحقر يعني في ذهن الإنسان العربي؛ لأنه العرب كانت تتعامل مع التمر بشكل دوري، فكانوا يعرفون هذه الفتحة الصغيرة التي في ظهر نواة التمر وأنت ممكن تشوفها أيضاً، هذا دلالة الشيء الحقير. يقول الله عز وجل: لن يظلم المؤمن مقدار النقير من الأعمال الجيدة والصالحة التي فعلها.
ثم قال سبحانه وتعالى كقاعدة عامة: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، هذا هي أفضل حالة تعبد للإنسان، حالة التعبد الحسنى والمثلى أن تستسلم وتخضع أيها الإنسان لله بكليتك وَهُوَ مُحْسِنٌ، وأن تحسن في عملك، إذن إعلان الخضوع لله وَهُوَ مُحْسِنٌ مع إحسان العمل وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، ملة إبراهيم ملة التوحيد، ملة إبراهيم عبادة الله وحده لا شريك له، حَنِيفًا، والحنيف هو المائل باتجاه الحق وتتبع طريقة التوحيد طريقة سيدنا إبراهيم والأنبياء، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. يعني كأنها هكذا استطراد: إياك أن تستقل بإبراهيم عليه السلام لما يقal إبراهيم ومله إبراهيم، عليك أن تعرف أن الله اتخذ خليلين من البشر: إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.
وفي النهاية: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا. يعني كل هذا الكون بعد كل هذه الجولة عليك أن تعرف أنه كل ما في هذا الكون حتى الشيطان بوساوسه، كل ما يصول ويجول وكل حركة هي في النهاية ملك لله سبحانه وتعالى. فإذا عرفت أن كل ما في هذا الكون لهذا الإاله العظيم فاخضع له، اصبر من أجله، تحمل عناء الحياة لتصل إليه وسله الوصول.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. في الدرس القادم إن شاء الله نعود إلى بعض القضايا التي كأننا الآن سنعود لمعالجة القضايا الأسریة الضيقة، سنترك المجتمع الواسع ونعود بعد ذلك إلى قضايا أيضاً تتعلق بالأسرة، وكأن القرآن يصول ويجول بك ما بين الأسرة ثم المجتمع ثم نرجع للأسرة ثم نعود للمجتمع، وهكذا سورة النساء بجماليتها وروعتها في هذا البناء المتكامل المتراس. نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم وحسن التدبر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل