السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. يا رب، حييكم وبياكم الإخوة والأخوات الكرام والكريمات في صبيحة يوم الجمعة. وأرجو في البداية أن يكون الصوت واضحاً جلياً، اللهم يسر وأعن. إذا الصوت واضح نبدأ إن شاء الله. اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم لا حول ولا قوة إلا بك.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا من أهل القرآن؛ أهلك وخاصتك. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، واشتغلنا به وبمعانيه وباتباع وتدبر ما فيه، ونعوذ بك أن ننصرف عنه إلى ملذات الدنيا.
حييكم الله أيها الأكارم في صبيحة الجمعة في رحلة الإنسان في القرآن. أدعو الله سبحانه وتعالى لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها أن يجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية. نسأله سبحانه وتعالى أن ينصر إخواننا المستضعفين في غزة، وأن يربط على قلوبهم، وأن يفرج الكربات، ونسأله أن يمكن مجاهدينا من رقاب الكافرين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابك، واجعلنا اللهم من جند الحق واستعملنا ولا تستبدلنا يا أرحم الراحمين.
ما زلنا نعيش في أفياء هذه الرحلة المباركة؛ في أفياء رحلة الإنسان في القرآن. هذه الرحلة التي نقلب فيها هذه الصفحات العظيمة بكل ما فيها من الكلمات والآيات والقواعد الإلهية التي لا تصلح ولا تستقيم حياة الإنسان إلا بها. القرآن العظيم الذي يؤسس الإنسان من الفرد إلى الدولة، ومن خطرات النفس حتى نؤسس النظام والحكم وإدارة المجتمعات. هذه القواعد الإلهية بها خير الدنيا والآخرة، فمن تدبرها واستخلصها وتمسك بها فاز، ومن أعرض عنها وانشغل بهواه وأراد أن يعيش وفق قواعده النفسية لا وفق القواعد الإلهية، خذله الله وتركه إلى نفسه.
وصلنا أيها الكرام في سورة النساء إلى الآية 127، وقد عرفنا أن سورة النساء بشكل عام هي من السور المدنية التي تتحدث عن العلاقات وتنظيمها وترتيبها في داخل المجتمع المسلم. وابتدأت بالحديث عن العلاقات الأسرية وما تتضمنه من علاقة الرجل بالمراه والعشرة بالمعروف ومن يجوز نكاحها ومن لا يجوز نكاحها والإصلاح الأسري. وتضمن ذلك الحديث عن أحكام المواريث: ماذا يرث الرجل من زوجته، وماذا ترث الزوجة من زوجها، وماذا يرث أبنائهم منهم.
ثم بعد ذلك انتقلنا للكلام عن بناء الدولة والعلاقات داخل الدولة والنظام، سواء علاقات الجوار والإحسان للوالدين والجار ذي القربى والجار الجنب. ثم تكلمت عن العناصر المجتمعية التي كانت موجودة في زمن بناء الدولة الأولى؛ الدولة المدنية -عفواً- دولة المدينة النبوية. ثم من هم العناصر الذين كان يبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه في هذه الدولة، كلام عن النفاق وهو ظاهرة ليس فقط في دولة المدينه بل هو ظاهرة في دولة المدينة وفي كل الدول والأنظمة الإسلامية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أيضاً العلاقة مع اليهود وعن طبيعة هذا الجنس وما شابه. ثم بعد ذلك تخلل ذلك الحديث عن قواعد ينبغي أن يراعيها الحاكم المسلم وتراعيها الجماعة المسلمه في قضية المحافظة على الصلوات، باعتبار ذلك ركناً أساسياً حتى في بناء الأنظمة الاجتماعية. كذلك تنبيه على واقعه وقعت، حادثة ابن الأبيرقي، وجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم للتأني فيها وتحذير أهل اصحاب المجتمع أو الأفراد الذين يعيشون في المجتمع من تكرار هذا التصرف، تكرار أن يفعل الإنسان جرماً ثم يلقيها على غيره، وأن كل انسان عليه أن يتحمل المسؤولية.
وتحدثت أيضاً عن طبيعة العلاقة والحديث الذي يجب أن يدور في المجتمع على خير: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وأن هذه الاحاديث هي التي ينبغي أن تسود في المجتمع، لا أحاديث النفاق والتفرقه بين المؤمنين ومساعدة الفاسدين على البقاء في فسادهم وضرورة اجتماع الكلمه على كتاب الله وعلى طريقه العلماء. ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، وغيرها من القواعد.
ثم في الآية 127 نعود إلى ما ابتدانا به، نعود إلى الحديث مرة أخرى. كأن السورة عادت هنا فالتفتت إلى ما ابتدات به للحديث عن الأسرة، ثم انتقلنا إلى المجتمع الكبير، ثم نعود الآن إلى الأسرة. وكأن الأمر يتعلق أن الأسرة يجب أن يلتفت إليها ابتداء وانتهاء باعتبارها المخرج الأساسي لأفراد المجتمع فصلاح الأسر. من الأسر، فإذا صلحت الأسر وأحسنا رباطها والعلاقة بين الرجل والمراه أخرجنا أفراداً متوازنين لمجتمعاتنا. وأما إذا فسد بناء الأسرة وفسدت العلاقة بين الزوجين، فبالتالي المخرجات المتوقعة للمجتمع ستكون مخرجات قاسية وكارثية وفاسدة. ولذلك السورة ابتدات بالكلام عن العلاقة بين الرجل والمراه، ثم هنا في هذه النقطة 127 عادت للحديث عن هذا الموضوع لاهميته.
فقال سبحانه وتعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ. وانظر هنا ما أعظم هذه الإجابة: يستفتونك يا محمد صلى الله عليه وسلم في أمور النساء وأحكامها، من الذي يتولى الفتيا؟ قل الله يفتيكم فيهن. الله سبحانه وتعالى تولى التوصية بامر النساء وضرورة الانتباه لشانهن وعدم استغلال ضعفهن، فقال سبحانه: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِكَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ.
وما يتلى عليكم في الكتاب هذه الجمله هي تشير إلى ما ورد في بدايه السورة وفي الآية الثانية بالتحديد، في قوله سبحانه وتعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً. أو الآية الثالثة والرابعة -عفواً-: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. إذا بتتذكر لما ابتدانا السورة وقلنا معنى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، أشرنا إلى أن المعنى أو أشهر المعاني المراده لهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يقول لأولياء اليتيمات، يقول لأولياء اليتيمات: إذا شعرتم أنكم ستظلمون هؤلاء اليتيمات في الزواج منهن، انت مثلاً ممكن تكون رجل كقاضي أو انسان عام وكفلت يتيمه ليست محرمه لك، لكن بكفالتها المالية وتوفير الرعاية لها، إذا كنت كافلا لامراه يتيمه فاحذر أن تستغل ضعفها.
استغلال الضعف لليتيمات كان يتم باحد امرين. استغلال الضعف لليتيمات كان يتم باحد امرين: إذا كانت اليتيمه جميله وذات مظهر حسن ورغب هذا الولي في أن يتزوج منها لأنه هو الذي رعاها وكفلها، يمكن أن يقصر في مهرها ولا يعطيها حقها في المهر كاملا تاما، استغلالاً لأنه كان ولي نعمتها كما يقولون، بالتالي يحرمها من المهر الذي تعطاه امثالها وهذا استغلال منعته الشريعه. أو كانت هناك صورة أخرى تحصل، وهو أن اليتيمه إذا كانت لا رغبة لوليها في الزواج منها -الولي الأجنبي عنها لا رغبة له في الزواج منها- لكن كانت هذه اليتيمه صاحبة مال مثلاً، ورثت من أبيها ومن اهلها اموالا كثيرة طائلة، وهذا الرجل أصبح مسؤولاً عن الإشراف على أمورها وإدارة أموالها فكان منتفعاً من هذه الولاية وكان ياكل من مال هذه اليتيمه مقابل أنه يشرف على شؤونها. فعندما جاء شاب يريد أن يخطبها، كان البعض ماذا يفعل؟ كان لا يزوج اليتيمات -يعني لا هو يريد أن يتزوج منها، لكن في نفس الوقت لا يريد لها أن تتزوج- لماذا؟ لأنه يرى أنها إذا تزوجت سينتقل مالها إلى زوجها ويذهب هذا الخير الذي كان هو ينتفع به.
الله سبحانه وتعالى حذرهم من هذا النوع من التصرف في حال كونك ولياً ليتيم وتشرف على أحوالها، إياك أن تستغل الضعف. طبعا هنا ركز على هذا النوع لأنه الحلقة الأضعف، الأضعف من النساء، يعني المراه التي عشيرتها موجودة وأعمامها وأخوالها وكذا يمكن أن هناك من يحميها، لكن الحلقة الأضعف أن تكون امراه، والمراه أصلاً بذاتها فيها شيء من الضعف، وتكون يتيمة وأنت مشرف على أموالها وأجنبي عنها. هنا خشية الإسلام من هؤلاء الذين يستغلون هذه الحالات الضعيفة وبالتالي تؤكل حقوقهم. شوف في الإسلام ينظر حتى في هذه الزوايا الدقيقة، والله سبحانه وتعالى يخلد في القرآن هذه الآية التي تتكلم عن هذا النوع، أضعف أنواع النساء في المجتمع؛ النساء اليتيمات اللواتي لا يوجد لهن عائل من محارمهن.
فيقول سبحانه: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ، أين تلي علينا في الكتاب في أحكام اليتامى من النساء؟ تقول هو يعيدني، يعيدني إلى الصفحة الأولى من سورة النساء: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ. هذه الآية 127 هي تشير في قوله: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ، يعني سابقاً في مطلع هذه السورة في الآية رقم ثلاث حيث أمركم الله ألا تستغلوا النساء اليتيمات: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا أي ألا تعدلوا معهن فلا تتزوج بها. إذا كانت هذه اليتيمة التي انت تريد الزواج منها لن تعدل معها اتركها ياتي هناك من يعدل معها: وَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ من غيرها مثنى وثلاث ورباع، لكن اترك هذه اليتيمه بشانها ياتيها الرجل الصالح الصادق الذي ينصفها ويعطيها المهر الذي تستحقه.
فهنا كأن الآية كررت هذه الفكره 127 قال: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ من المهر وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ. هسه وترغبون أن تنكحوهن يجوز أن يكون تقدير حرف الجر: وترغبون في أن تنكحوهن، يعني لا تعطوهم المهر -عفواً لا تعطوهم المهر الذي يستحقونه- وانتم ترغبون في نكاحهم. إذا وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن أي ما يستحقونه من المهر وانتم ترغبون في الزواج منهم. طيب أنت ترغب في نكاحها، إذا أعطها ما كتب لها من المهر ولا تظلمها.
طيب ويجوز أن تفسر أيضاً، وهذا من جمالية النص القراني، أن يكون وترغبون عن أن تنكحوهن. فيكون المراد في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن لا يكون المراد بما كتب لهن هنا المهر، لا، يكون معنى مختلف هو المعنى المقابل الذي ذكرته قبل قليل: اللاتي لا تعطوهن أموالهن الخاصة بهن مع أنكم لا تريدون نكاحهن. طيب إذا هي كانت، انت ترغب عن أن تنكح، العرب تفرق بين رغب في الشيء ورغب عن الشيء؛ رغب في الشيء يعني أحبه وأراده، ورغب عن الشيء يعني كرهه وأبغضه. وهنا حرف الجر محذوف، يعني وترغبون هل المقدر: وترغبون في أن تنكحوهن، أم الضمير: وترغبون عن أن تنكحوهن؟
إذا كان التفسير وترغبون في أن تنكحوهن يعني أنتم ترغبون في نكاحهن. إذا كان حرف الجر المقدر وترغبون عن أن تنكحوهن يعني أنتم تبغضونهن. وكلا المعنيين محتمل، وكان الله يقول: إذا كنت ترغب في نكاحها فأعطها ما كتب لها من المهر، وإذا ترغب عن نكاحها فأعطها ميراثها الذي ورثته من أهلها وإياك أن تحبسه عندك وتعطل هذه الفتاة ومالها عندك رغبة في عدم ذهابها. فكلا الأمرين شنيع، فكلا الأمرين شنيع وكلاهما محتمل تفسيره في الآية.
ثم قال: إذا وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، وأيضاً: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ. هذه القضايا الثلاث أي أو نعم هذه القضايا الثلاث كلها الله سبحانه وتعالى أشار إليها في الكتاب في مواضع أخر مفصلة. أشار إليها في القرآن في مواضع أخرى مفصلة: في يتامى النساء أشار إليها في بداية سورة النساء، والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط أيضاً أشار إليها في سورة النساء في بدايتها: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا، والى غير ذلك من الآيات التي أوصت باليتيم والمستضعفين من الصغار. كل هذه الآيات الله عز وجل يقول قد فصلتها لكم في القرآن في أماكن كثيرة، فعودوا إلى ما فصلته لكم وذكرته لكم في الكتاب في المواطن الأكثر تفصيلا من هذا.
ثم قال سبحانه وتعالى يبين قاعدة كلية، قال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا، يعني أي إحسان تقدمه خاصة للفئات المستضعفة، الفئات التي لا تجد معيلاً كالنساء الضعيفات، كاليتامى والأطفال، أي خير تقدمه الله سبحانه وتعالى سيجزيك عليه ولن ينساه: أنا وكافل اليتين في الجنة كهاتين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. كل دينار، كل التفاتة، كل نظر، كل قضاء لشؤون للمستضعفين من النساء والأطفال، بل حتى الرجال المستضعفين إذا أعنته، يقول سبحانه: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ أي خير تقدم لهذه الفئات ولغيرها فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا.
ثم الله سبحانه وتعالى يبين لنا خطوات أيضاً من خطوات الإصلاح الأسري، كما أن بداية السورة أو مطلعها كان في حديث عن الإصلاح الأسري وكيف يتعامل الرجل مع زوجته عند وقوع الخلاف، ثم إذا نشزت وخرجت عن طاعته كيف يتم التعامل، ثم إذا كبرت الأمور بينهما: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا. أيضاً تاتي هنا نهاية سورة النساء لتبيّن طرق أو طريقة من طرق الإصلاح الأسري بين الزوجين في حال وقوع الخلاف الشديد وشعرت المراه أن زوجها ما عاد يحب البقاء معها، فالله سبحانه وتعالى يرشد إلى حل يمكن أن تستديم به الأسرة لأن الإسلام لا يريد الطلاق، وأبغض الحلال إلى الله الطلاق.
ونريد أن نجعل الطلاق هو الحل الأخير، الأخير عند انسداد أي أفق لمعالجة الخلاف الأسري؛ لأن الأسرة دائما إذا انهارت الآثار تكون وخيمة، أو عادة الأسر إذا انهارت تكون الآثار وخيمة، بالتالي لا نريد أن نلجأ إلى خيار هدم الأسرة والتفريق إلا إذا أصبحت مصلحة هذا الخيار أعلى من مفسدته. دائما انتهاء العلاقات الأسرية مفسدة، ولذلك الإسلام يبتعد عن هذا الخيار، لكن متى يصبح هو الخيار المطلوب؟ إذا أصبحت انتهاء هذه الأسرة المصلحة فيه أعلى من المفسدة المتوقعة؛ لأنه دائما انتهاء الأسرة أيها الكرام فيه ضياع للأبناء إذا كان هناك أبناء، ذهاب الود والتراحم بين الزوجين، خاصة يكون بينهما من الأسرار والمواقف والحياة. انتهاء علاقة ليس فقط بين زوج وزوجه بل حتى بين الأصهب والانساب، انتهاء العلاقة بينهما ودخول شيء من البغض والتحامل من هذا الطرف على هذا الطرف.
وكعامة فنحن لا نريد هذا في المجتمع أن يكون، ولذلك لا ينبغي أن نصل إلى الطلاق إلا كما قلت إذا أصبحت مصلحته أعلى من المفسدة المتوقعة منه، ولذلك هنا جاء الإسلام يقدم حلا للأزواج المختلفين، حل يتنازل أو قد تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها مقابل استدامة الحياة الأسرية. هذا طبيعة هذا الحل الذي سنتكلم عنه الآن: حل تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها مقابل استدامة الحياة الأسرية، طبعا هذا متى؟ إذا شعرت المرأة أن الزوج يتجه نحو طلاقها، وكان الطلاق خاصة دائما أنتم بتعرفوا اخواننا واخواتنا الكرام والكريمات أنه في العادة في الطلاق خاصة في مجتمعاتنا المعاصرة الأثر السيء أكثر، أو دعونا نقول النتائج السلبية في الأكثر تكون على المرأة أم على الرجل؟ إيش رايكم؟ النتائج السلبية في الطلاق في الأكثر تكون على المرأة أم على الرجل؟ يعني اريد أن أسمع آرائكم.
يا رب أبو عثمان يقول: على المرأة. وهنا أيضا من يتابع على التليغرام يقول: على المرأة. جيد، إذا أظن أن نتفق أنه في حال حصول الطلاق فالاثنان الرجل عادة سهل أن يتزوج أي امرأة أخرى، سهل أن يتزوج أي امرأة أخرى يأتي بمهر جديد ويذهب إلى بيت ناس لا يعرفون مشاكل الأسرية الأولى ويزوجون ويمشي الحال. لكن المشكلة أن المرأة إذا طلقت، لما عملية إعادة زواجها مرة أخرى، خاصة للاسف بعقلية مجتمعاتنا الرديئة، أنه دائما المرأة المطلقة النظرة إليها تكون مختلفة، أو عادة ترمى يعني الكرا عندها أن هي المشكلة هي التي يعني بعض النظرات الخاطئة التي تسود أحيانا. فالمرأة يصبح عملية زواجها بعد ذلك مرة أخرى قرار مش سهل.
ولذلك شوف الله سبحانه وتعالى يرشد المرأة إلى أن تكون عقلانية نوعا ما في معالجة هذا الموقف إذا شعرت أن الزوج أن الزوج يريد أن يفارقك وأن يتخلى عنك؛ ستكونين الحلقة الأضعف في المجتمع للأسف، وعملية الزواج مرة أخرى ستكون، خاصة في ثقافة المجتمعات المعاصرة، ليست عملية بتلك السهولة، بالتالي حاولي حاولي أن تستديمي علاقتك بهذا الزوج ولو كان هذا بالتنازل عن بعض حقوقك الشخصية، ولو كان بالتنازل عن بعض حقوقك. فقال سبحانه: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا.
إذا المرأة خشيت أن زوجها سيعرض عنها وسيترك ويهجرها ويطلقها ويذهب إلى خيار آخر، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا. هي الصلحة تقول أن المرأة مثلا تقول لزوجها وهذا وقع في السيرة النبوية: أنني مثلا أعطيك خيار أن تتزوج بثانية وثالثة ورابعه، لكن خلي العلاقة الأسرية بيني وبينك قائمة، وانا أسامحك مثلا في يومي. هي تقول له: أنا أسامحك في يومي، تزوج ثانيه وثالثة، لكن ما بدي أهدم الأسرة بيني وبينك مقابل أحافظ على الابناء. هذه امرأة إذا كانت نبيها وبدها تحافظ على أبنائها ورات زوجها خلص يعني بسبب كثره المشاكل وعدم الوفاق ويتجه نحو خيار الطلاق، ممكن نقول للمرأة: لا أنت حاولي ما تختاري هذا الخيار، حاولي تستديمي؛ لأنه الطلاق قد يكون آثاره وخيمة عليك، حاولي تستديمي هذا من خلال التنازل عن بعض الحقوق التي يمكن التنازل عنها.
موضوع مثلا تتنازل عن العِشرة الخاصة بها، ممكن هي تتنازل عن المبيت الخاص بها وتقول لزوجها: تزوج ثانية وثالثة، فعلك لكن حافظ لي على أسرتي حتى لا تنهدم. هذا شكل من أشكال الصلح، هذا شكل من أشكال الصلح، وورد هذا في مواقف السيرة النبوية أن حتى بعض أمهات المؤمنين وهبت للنبي صلى الله عليه وسلم يومها كما ذكرت عائشة، ثم ذكرت عائشة الآية بناء عليها. فهذا يحدث يحدث، حتى يعني نحن نفوس بشرية، نحن نفوس بشرية قد يحصل ما يحصل بسبب تعكر صفو العلاقات الزوجية، فللأسف بعض الرجال يكون قراره مباشرة: طلاق، خلص ما عدت أحب هذه الزوجه وأريد أطلق. لا، حاول أن توجد حلول مع هذه الزوجة، وإن كان فيها تنازل عن بعض الحقوق، لكن في النهاية هي أفضل أفضل من أن يحصل الطلاق التام والانفصال، وبالتالي ضياع الأبناء ومحاكم وطلب نفقات وأشكالات وتدخل الخلافات. ممكن الزوجه تتنازل كما قلنا عن بعض الأمور مقابل أن الزوج يحافظ عليها عنده يعطيها الحاجات الأساسية لاستدامة الحياة الزوجية، لذلك قال سبحانه: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
شوف التعبير القراني: أي صلح يحافظ على استدامة الأسرة فهو خير جميل. قال: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ. شوف هذا التعبير القراني: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ. ما الذي يجعل كثير من الأطراف في العلاقة الأسرية لا يريد الوصول إلى الصلح؟ هو طبيعة النفس الإنسانية الشحيحة الحريصة المتمسكة بحقوقها التي لا تريد إعطاء تنازلات. شوف جميل هذا التعبير القراني بعد قوله كقاعدة كلية، شوف: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ. هذه من القواعد القرآنية البليغة جدا، الله عز وجل يعطي قاعدة أنه أي شيء يؤدي إلى مصالحة فهو خير، لكن لماذا تفشل كثير من المصالحات؟ تاتي الآية لتنبه: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ؛ أن الأنفس البشرية شحيحة بحقوقها لا تريد أن تتنازل، وهذا هو الذي يمنع حصول الصلح في كثير من القضايا والخلافات.
أحيانا الإنسان فينا، طبعا بحكم موقعه الشرعي، يتدخل في كثير من المشاكل الأسرية ويسمع وياتيه بعض الناس يرجون عنده حلا، فلما تحاول تقدم حلول تكتشف أن عدم نجاح هذه الحلول ناشئة أنه الأطراف لا تريد أن تتنازل. فسبحان الله ياتي في خاطرك هذه الآية: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ؛ يعني الأنفس متمسكة بحقوقها لا تريد أن تتنازل عنها، وطبيعة الصلح طبيعة الصلح هو قائم على ماذا؟ انك تتنازل شوي عن حق حتى تستطيع أن تستديم الحياة، أليس كذلك؟ بل حتى ليس فقط في الخلافات الأسرية، حتى في الخلافات بين العشائر، حتى في الخلافات المختلفة دائما إذا بدك تعمل صلحة الأصل أنه يكون هناك في تنازل، ويكون هناك في تطرية من الأطراف: أنا أتراجع شوي عن الحق مقابل تحصيل مصلحة عليا. ليس المراد أن تتنازل عن حق بدون تحصيل مصلحة، لكن إذا كان التنازل عن بعض الحقوق يؤدي إلى تحقيق مصلحة عليا يمكن للإنسان أن يتنازل.
وهذا الفكر يجب أن يعلمه الرجال وأن يعلمه النساء، وأن سبب كثير من الخلافات التي توصل إلى المحاكم وإلى انتهاء العلاقات هو شح النفوس التي لا تريد أن تتنازل. الحياة الأسرية أيها الكرام والكريمات لابد فيها شيء من التنازل أحيانا أو التغافل عن بعض الحقوق، وأما استمرار النفس البشرية على طبيعة الشح والبخل وعدم التنازل هذا الذي يورث الشقاق والنزاع. ثم قال سبحانه: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. وَإِنْ تُحْسِنُوا في باب الإيجابيات الطاعات وَتَتَّقُوا المحرمات وما يغضي بالله سبحانه وتعالى فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
وهذه كأنه يقول الله سبحانه وتعالى يأمر بالإحسان من قبل الطرفين وترك المحرمات من قبل الطرفين: أن يحسن الزوج إلى زوجته وتحسن الزوجه إلى زوجها فيما يرضي الله، وَتَتَّقُوا يتقي الرجل الله سبحانه وتعالى في زوجته وتتقي الزوجة الله عز وجل في زوجها. إذا كان هناك إحسان وتقوى، فإن الله سبحانه وتعالى كان بما تعملون خبيرا. طيب ما دلالة جواب شرطنا؟ يعني وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. ممكن شخص يقول: أنا ما فهمت إيش علاقة جواب الشرط بجمله الشرط؟ يعني أين الثواب؟ ربما كان الإنسان يتوقع يعني: وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله يحل مشاكلكم العائلية، إن تحسنوا وتتقوا فإن الله يرفع درجاتكم. لكن أن ياتي جواب الشرط بهذه الطريقة: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، ما ارتباط جواب الشرط بجملة الشرط هنا؟
يعني فائدة لطيفه يشير إليه الشيخ السعدي في أكثر من موطن، عندما يأي جواب الشرط بهذه الطريقة، كأن الله سبحانه وتعالى يقول لك: عليك أن تتدبر معنى أسماء الله الحسنى في جواب الشرط، فإذا تدبرت معنى الاسم من أسماء الله الحسنى الوارد في جواب الشرط ستفهم جواب الشرط. يعني كأن الله يحيلنا على تدبر أسمائه الحسنى لنعرف لوازمها ولنعرف مقتضياتها. فلما قال: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا؛ إذا المطلوب مني أن أتدبر: ما معنى اسم الله الخبير؟ وماذا يستلزم هذا الاسم في واقع الإنسان وفي حياة الإنسان؟ ستفهم جواب الشرط عندئذ فهمنا. فالله عز وجل يحيلك على تدبر اسم الله الخبير.
طيب، إذا كان الله خبير، خبير بالمحسنين، خبير بالمتقين، خبير بطبائع النفوس، خبير بضعفنا؛ وهذا الخبير بنا سبحانه وتعالى لن يتركنا بل سيسددنا في قراراتنا وإصلاحاتنا ومواقفنا الأسرية والاجتماعية. كأنه هكذا: إذا تحسنوا وتتقوا في إدارة العلاقات، فإن الله كان بما تعملون خبيرا؛ الله خبير بتصرفاتك، خبير بما ظهر منكم. وخبرة الله سبحانه وتعالى والخبير الذي يعرف اللطائف والدقائق، خبرته سبحانه وتعالى بدقائق نفوسكم وما يضمره كل شخص تجاه الطرف الآخر، دعنا نقول بسببها الله سبحانه وتعالى سيوجهنا إلى ما هو الخير والصلاح لنا، سيوجهنا إلى ما هو الخير والصلاح لنا تمام. فاسم الله الخبير كأنه هو جواب وإن تحسنوا وتتقوا؛ الله عز وجل يشاهد الإحسان بينكما، الله عز وجل يشاهد التقوى بينكما وهو خبير بها يعرفها بالتفاصيل، كل ما صدر منك وكل ما صدر منها. هذه الخبرة دعونا نقول أن الله خبير، يوفق الله سبحانه وتعالى بسببها الزوجين إلى كل ما هو خير وسداد وصلاح فيما بينهما.
ثم قال سبحانه وتعالى لهؤلاء الرجال، خاصة الرجال الذين يعددون مع يعني في موضوع الزواج وفكرة التعدد في الزواج هي فكرة أصلا كانت سائدة في المجتمعات العربية والنفوس متوطنة عليها ولا يوجد أي نظره سلبية تجاهها. نعم، غيرة المرأة حاضره وقائمة، لكن لم تكن تواجه قضية التعدد في الزوجات بنفس المستوى والطريقة التي تواجه بها اليوم للأسف. طبعا اليوم قضية الاعتراض على تعدد الزوجات وتهويل هذا الموضوع ناشئ من الثقافة الغربية الاستعمارية التي انتشرت في بلادنا، التي تقوم على أن الرجل له أن يقيم من العلاقات المحرمة ما يشاء في الجامعة وفي بيئة العمل والاختلاط في أي مكان يقيمهم، لا عيب في ذلك، لكن أهم شيء أنه زوجك لا يتزوج عليك ولا يعدد عليك.
فتستغرب من طبيعة المجتمعات المعاصرة اليوم أن المرأة ترى زوجها عنده علاقات محرمة وعنده استئناس بكثير من النساء الأجنبيات ويدخل معهم في أمور غير، وبالنسبة لها إلى هذا الحد تتقبله، لكن إذا قيل لها أن زوجك عدد عليك، وكان هذه جريمة الجرائم وكبيرة الكبائر: ما عنده مشكلة يكون زوجة يتحدث مع نساء أجنبيات وفي علاقات محرمة، يخرج معهن إلى المقاهي والمشارب وترى زوجها يرتكب ما يرتكب، أهم شيء أنك ما تعدد عليه. أما أن يكون زوجها صادق عفيف طاهر ما يدخل في علاقة محرمة أبدا خارج إطار الزوجية ولكنه أراد أن يتزوج ثانيه أو ثالثة أو رابعة، تصبح هذه كارثة الكوارث وطامة الطوام، وأن زوجك لا يحترمك، وأن زوجك يعني للأسف حتى تسمع البعض: هذا شغل شهوات، هذا فقط بدو الزواج لشهوة.
طيب ما هو ذاك الرجل اللي ما عدد، ترى هل تعرفوا أنه هو يعني له علاقات أخدان مع نساء أجنبيات؟ طب هذا مش هو شغل الشهوات والحرام؟ هذا الرجل الذي يجلس مع نساء أجنبيات من الصباح إلى المساء في العمل المختلط وفي الأماكن المختلطة يمزح معهن ويتحرك معهن ويحصل ما يحصل، هذا ما هو يعني شهوات؟ لكن الذي أتى الأمور من أبوابها بثانية وثالثة هذا اللي أصبح مشكلة ويمثل حالة شاذة يجب محاربتها؟ حتى تفهموا كيف يتم إدارة الملف، خاصة مع أن يعني في واقعنا المعاصر كثرت عدد النساء مقابل عدد الرجال. أنتم تعرفون أنه في المجتمعات المعاصرة خاصة مع الحروب والكوارث والقتال وما شابه ذلك دائما هذا يؤدي إلى اختلال التوازن، أن عدد الرجال يكون أقل من عدد النساء. طب هؤلاء النساء كثر عددهن ويحتاجن إلى أزواج، طب المرأة إذا لم تتزوج وكبرت كثير منهم يفسد دينهن وتتغير طباعهن، ويصبح عدم الزواج مشكلة، بل هي نفسها تصبح قد تعرض للرجال وتغني الرجال لتقع في شباكها، فتصبح الفساد المجتمعي كبير حقيقة في عدم مراعاة هذا الأمر والتوازن في قضية التعدد.
فاحترام الجميع لأحكام الله سبحانه وتعالى وتعظيم الجميع لأحكام الله سبحانه وتعالى هذا مهم إخواني، يعني الآن مش موضوع أن الشيخ يدعو إلى التعدد ولا ما بدعو، ولا أنت شيخ تعدد ولا لا، لكن الموضوع هو أن على الأقل على الأقل أنه لا نسمع في مجتمعاتنا استهجان للتعدد أو ازدراء له، أولا لأن هذا حكم من أحكام الله، والاعتراض عليه، والاعتراض عليه أخشى أن يلقي بصاحبه خاصة أخواتنا النساء -اسمعوا- أخشى أن يكون الاعتراض عليه يلغي خارج أسوار الشريعة، لكن هذا في المقابل يدعو إلى أن التعدد المعقول والمطلوب والذي يرضي الله.
سبحانه، هو التعدد الذي يقوم على العدل، وليس التعدد الذي يقوم على هضم حقوق الزوجة الأولى على حساب الزوجة الثانية. إنه هذا الذي يحصل أحيانا ويسيء لهذا الحكم، وهو أنه بعض من يعدد لا يتقي الله سبحانه وتعالى فيظلم الزوجة الأولى من أجل إرضاء الزوجة الثانية، فيقلل من نفقتها ولا يبيت عندها ويحرمها حقوقها، فتجد بالكلية ذهب إلى الشق الثاني وإلى الزوجة الثانية.
وجاءت الأحاديث تحذر من هذا: من كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل والعياذ بالله. والمراد طبعا مال إلى إحداهما، يعني قصر في حقوق الزوجة الأولى الشرعية من أجل أنه مال إلى الثانية. أما الميل القلبي، أنه الآن أنت تزوج ثانيه وثالثة وتعدل مع الجميع في الأمور الظاهرة من حيث النفقة، من حيث الكسوة، من حيث الطعام والشراب، من حيث المبيت، أنت عادل بين الجميع، لكن هناك ميول قلبي كحب لإحدى الزوجات على حساب الأخرى، هذا لا يحاسبك الله عز وجل عليه.
وفي الحديث، وإن كان البعض تكلم في سنده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. يعني يا رب أنا أعدل بين زوجاتي في الأمور الظاهرة التي أملكها، يعني تحت القدرة البشرية، لكن لا تلمني يا رب فيما أنت تملك، وهو القلب الذي يصعب على الإنسان أن يعدل حتى فيه. أن يطالب الرجل أن يعدل في القسمة القلبية، هذا من التكليف بالمحال وتحميل الإنسان فوق طاقته، لأن هذه مشاعر والمشاعر لا يستطيع الإنسان أن يحكمها، وإنما يستطيع الإنسان أن يضبط الأمور الظاهرة.
فهنا جاءت هذه الآية 129 لتضبط للرجال المعددين علاقتهم بزوجاتهم، فيقول سبحانه: وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلِّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ. الله عز وجل يخبر الرجال عن طبيعة إنسانية، وهو أنك يا أيها الزوج المعدد قضية أنك ستعدل بين النساء بين زوجاتك عدلا تاما، هذا شبه مستحيل، لذا قال: ولو حرصتم، يعني حتى لو بعض الناس الرجال عندهم تقوى الله سبحانه وتعالى وحريص جدا جدا أن يظهر العدل حتى في الابتسامة، يبتسم لهذه إذا ابتسم لهذه، ويضحك في وجه هذه إذا ضحك في وجه هذه، في النهاية في النهاية هذه مشاعر والقلب سيميل، فالله عز وجل يخبر عن طبيعة الإنسان أنك مهما حاولت وسعيت سيبقى في جانب من الميول خارج عن قدرتك، فقال سبحانه: فَلَا تَمِيلُوا كُلِّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ.
يعني لا تمل كل الميل في مشاعرك تجاه إحدى الزوجات، فتصبح الزوجه الأخرى كالمعلقه. كالمعلقه طبعا المعلقه، يعني لا هي عفوا منتفعه من الزواج من حيث العشرة الزوجية والعلاقة بينها وبين زوجها، ولا هي تم طلاقها وأعطاها فرصة عند زوج آخر. الآن شوف الشريعة الإسلامية حتى تفهموا هذا الموضوع أعمق، الشريعة الإسلامية كما قلنا تامر بالعدل في الأمور الظاهرة، تامر بالعدل في ماذا؟ في الأمور الظاهرة. الآن الأمور الظاهرة إلى أين يقف حدها؟ كما قلنا العدل في النفقة، العدل في الكسوة، العدل في المبيت، العدل في المبيت يعني ببيت عند هذه يوم، بيت عند هذه اليوم، بدك تبيت عند هذه اليومين، بتيت عند هذه يومين، تمام.
لكن في بعض الأمور الشريعة لم تلزم فيها بالعدل من جهة أنها تتعلق بالطبائع النفسية الداخلية، وهي قضية العلاقة العشرة بين الزوجين، تمام، يعني ما يسمى شفقا الجماع. الآن هل إذا بات عند هذه فجامع، إذا بات عند الزوجه الأخرى يجب أن يجامعها، أم العدل يكون في المبيت فقط؟ حقيقة العدل يكون في المبيت، وليس العدل يكون في الجماع. فالان الجماع هو طبيعة يعني إقبال نفسي، فقد يكون الزوج يقبل على العشرة والجماع مع زوجة، لكن مع الأخرى لا يتحمس له، وقد تكون كبرت أو ما شابه ذلك. طب يعني خلاص يعني يحق له أن لا يجامع الأولى أبدا؟ أبدا، لا، هناك حد أدنى، سقف أدنى أو سقف أعلى، لا يجوز أن يتجاوز في ترك الجماع في حق المرأة الأولى، وهذا يختلف فيه الفقهاء ما هو الحد.
فبعض الفقهاء يقول أربعة أشهر، كل أربعة أشهر لابد أن يكون هناك وطء ولو مرة واحدة، فإذا تجاوز الأربعة أشهر وهو لم يطأ ولو مرة واحدة، اه تجاوز الحد الشرعي، فالمبدع جماع ووطء، فالحد الأعلى هو أن يحصل ماذا؟ الوطء كل أربعة أشهر مرة. طبعا هذا اللي بيسموه الحد الأعلى، لكن الأصل في العشرة بالمعروف أن الزوج لا يقتصر على هذا، فإن المرأة ربما تحتاج في كل أسبوع وفي كل أسبوعين إلى نوع من أنواع هذه العلاقات، لكن أنا أتكلم الآن عن الحد يعني الحد الأساسي الأساسيات القضائية خلينا نسميها.
فالان كما قلت هذا الزوج قد يكون مقبل على الثانية في قضية العشرة أكثر من إقباله على الأولى، فقد تجد كلما بات عند الثانية عاشرها، وإذا بات عند الأولى لا يحصل منه العشرة إلا بالحد المطلوب أساسا، فتبدأ الأولى هي شيء طبيعي أن تبدأ تشعر أنه هو هذا الرجل يقبل على الثانية وواضح أنه نهم هناك أكثر وأكثر، مقابلة مع الأولى، مقابلة مع الأولى، فتصبح الأولى كالمعلقة.
فالله سبحانه وتعالى يرشد الرجل المعدد أنه حافظ على مشاعر الأولى، حتى لو لم يكن هناك إقبال في موضوع العشرة، لكن يا اخي على الأقل يعني ولو انك تمثل يعني ولو انك تاتي على نفسك، حافظ على مشاعر الأولى فلا تترك الأولى كالمعلقة، اللي هي تشعر كأنها فقط أصبحت من أثاث البيت، يعني أصبح وظيفتك فقط انت بات عندها من أجل أنا والله بس بدي أقوم بالحق الشرعي أنه كما بت عند هذه بدي أبيت عندك، لكن قلبي لا يطاوعني في موضوع العشرة معك، وبالتالي تصبح هي تشعر نفسها ثقيلة، ولا هي طلقت لتمارس لتدتزوج شخص قد يكون هو راغب فيها، ولا هي حصلت من الزواج بغيتها من العشرة التي تحبها وتميل إليها، فأنت جعلت المسكينه هذه معلقة، علقتها في مقابل إقبالك على الأخرى.
فالله سبحانه وتعالى يرشد الرجال المعددين إلى هذه القضية: فَلَا تَمِيلُوا كُلِّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ، لا تمل ميلا تاما في العشرة إلى الثانية وتصبح الأولى على الرف في هذا الموضوع. طبعا موضوع العدل الظاهر في الأمور الظاهرة، أي أقول هذا موضوع منتهي محسوب في الإسلام لا يجوز، لأنه حتى ورد في أول سوره النساء: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً. فالله أمر الرجال الذين لا يعدلون في الأمور الظاهرة أنه اقتصر على واحدة، لأنه العدل في الأمور الظاهرة هذا واجب أبدا، ما في فيه أي علاقة بالمشاعر الداخلية، جبرا عنك أيها المعدد بدك تعدل في الأمور الظاهرة. لكن هنا الآية بتتكلم عن البعد النفسي، الأمور التي هو غير ملزم الرجل أن يعدل فيها كالعشره، لكن المطلوب أن يتوازن في إدارتها حفاظا على مشاعر الزوجة الأولى.
شوف الإسلام كيف براعي حتى هذه الأحكام التفصيلية. ياتيك شخص يتفلسف على الأحكام الإسلامية والشرعية ولماذا الإسلام أباح تعدد الزوجات، وشوف الإسلام كيف يتكلم بكل العمق وبكل تحليل في هذه الأمور. ثم قال سبحانه: وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. سبحان الله، لاحظ نفس الشيء هنا كأن الآية تحيلك على اسم الله الغفور الرحيم، فيقول: وإذا أصلحت فيما بينكم خاصة الرجل إذا عدد بتتبلش مشاكله تكثر، بيقولوا لك ولا لا الرجل إذا عدد تبدا مشاكله تكثر، تبدا الأخطاء تكثر بينه وبين زوجاته، طيب فيقول سبحانه: وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا من باب التفكر، ما دلالة الغفور الرحيم هنا كجواب شرط؟ لماذا تم اختيار اسم الغفور الرحيم: وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا؟ بدنا نتدبر معنى هذين الاسمين حتى نعرف مناسبتهم لجواب الشرط، ما علاقة إذا أصلح الزوجان وإذا اتقى الزوجان الله عز وجل فإن من أسماء الله الحسنى أنه الغفور الرحيم، ما سياقه هنا؟ دعونا نقول جيد يا أبا عثمان، غفور رحيم لما يحصل من أخطاء، لما يحصل من أخطاء يغفر ما صدر من الذنوب والتقصير من الحقوق الواجبة من الزوج تجاه زوجته أو من الزوجة تجاه زوجها.
إذا أظن القضية مفهومة، أن خاصة في باب التعدد في باب التعدد تصبح هناك عادة مشاكل بين الرجل والزوجة الأولى، تتضمن أحيانا مثلا أن الزوجة الأولى قد تسيء العشرة قليلا، قد تخطئ في حق زوجها، قد تشتمه، قد تقصر في بعض العقوق، قد تتكلم عنه في مجلس مع أهلها، والرجل بالتالي قد يتعامل بشيء من العصبية والغضب وتحدث مناوشات، ثم بعد ذلك الله عز وجل يهدي قلب الزوجين ويصلحوا بينهم ويتقوا الله، فيقول يعني إذا أصلحت واتقيتم فإن الله كان غفورا رحيما عما صدر من الزوج من أخطاء تجاه زوجته الأولى، ومن الزوجة الأولى ما صدر منها من أخطاء تجاه زوجها وإساءة في عشرته، لأنه هذه كلها أصلا معاصي، ولا يجوز للرجل أن يسيء العشرة أو المرأة تسيء العشرة، هذه ذنوب، لكن لنفس تضعف، لأننا بشر، لأن الخطأ متوقع منا، فالله سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أصلحوا بينكم واتقوا الله في قادم الأيام وأنا الغفور الرحيم، يقول سبحانه عن نفسه: أنا غفور رحيم بمعنى أتجاوز عما حصل من هنات، ما حصل من تجاوزات، لكن المهم أن يحصل الإصلاح بينكما وتقوى الله سبحانه وتعالى تعود تحكم هذه الحياة الأسرية.
طيب، إذا وصل الزوجان إلى مفترق طرق، حاولنا نصلح، حاولنا نطالبهم بتقوى الله، ولكن وأحضرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ، ما حدا راضي يتنازل وكل طرف متزمت متمسك برأيه، بحيث أصبحت العلاقة بينهما مفاسدها أكثر من مصالحها، هنا الله سبحانه وتعالى يرشد ويقول: وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ. إذا وصلنا إلى مفترق طرق وما عاد هناك مصالح كثيرة من استمرار هذه الحياة الزوجية، عندئذ يكون الطلاق حلا، وإن كان هو الحل الأخير، وإن كان هو ينبغي أن يكون الحل الأخير، لكنه أحد الحلول المطروحة، لكن لا نطرحه إلا إذا خلاص ما عدنا نرجو استدامة لهذه الحياة وأصبحت العلاقة متتوتر ومقلقة حتى للابناء أكثر وأكثر، فقال: وإن يتفرقا، يعني الطلاق ليس نهاية الأمور، أن بعض الناس يرى أن خاصة النساء أن الطلاق هو نهاية الأمور، الوصول إلى طريق مسدود في الحياة، وأنه كآبة وبؤسا على المرأة، لا، الله عز وجل يعطينا أنه هو سبحانه صاحب الأمر وصاحب الفضل فيقول: وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ. يجد الرجل منوحا في امرأة أخرى، وتجد المرأة فسحة في رجل آخر، والله هو الغني وأنتم الفقراء. وهذه آية فيها فسحة شحة أمل لكل امرأة مطلقة: يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا. واسع الفضل واسع العطاء، لا يعجزه أن يرضي الرجل بزوجه أخرى ويرضي المرأة بزوج آخر وتستمر الحياة المجتمعية.
وهذا كثير ما كان يحصل في زمن الصحابة الأفاضل، كثير من الصحابة طلقوا صحابيات وكلهم على الراس والعين، وكان الصحابي يتزوج امرأة أخرى والصحابية تتزوج رجل آخر وتستمر الحياة، ولم يكن هناك فحشاء ولا بغضاء، وما أحد قال إن هذا عيب، ولا لا، كان يحصل هذا في المجتمعات المسلمة في خير القرون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الصحابة. فالطلاق ليس عيبا وليس منقصة لا في الرجل ولا في المرأة، لكن متى يصبح منقوصا؟ إذا كان أصبح هو الخيار الأول، اه عيب أن يكون هو الخيار الأول دائما طلق طلق، أخ نحاول نصلح، نحاول نرتب الملفات، أما أن يكون دائما هو الخيار الأول عند الرجل وأنا خلاص أريد أطلق، أو الخيار الأول عند المرأة طلقني ورجعني على دار أهلي، هذا عيب. أما إذا كان بعد محاولة الإصلاح تلو الإصلاح تلو الإصلاح ثم حاولنا وقد فوجدنا أن الأمور لا تسير بالاتجاه الأفضل، ياعم، يصبح هذا خيارا شرعيا، الله سبحانه وتعالى يخبر أهله بأن الله سبحانه قادر على أن يعوضكم بزواج آخر يكون أجمل وأفضل.
هنا انتهى الحديث عن الأحكام الأسرية في سورة النساء، ثم الله سبحانه وتعالى يخبر البشر جميعا: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ. بعد كل هذه الجولة في سورة النساء، في الحديث عن الأسرة والعلاقات الأسرية والاجتماعية، والحديث عن الفئات المجتمعية عن المنافقين وعن اليهود، وإن كانت السورة رح ترجع تتكلم عن المنافقين واليهود، الله سبحانه وتعالى يخبرنا بقضية جامعة، إذا حافظ عليها إذا حافظنا عليها صلحت المجتمعات، ما دام الحديث في سورة النساء عن المجتمعات، فعلينا أن نعرف القضية الجامعة التي متى تربى عليها افراد المجتمع صلح حالهم وارتقوا بأنفسهم، ومتى غابت عن أفراد المجتمع دخل الفساد وأدغال على القلوب. ما هي هذه الوصية الجامعة؟ تقوى الله.
إخواني وأخواتي تقوى الله، متى تربت عليها النفوس عرف كل مواطن وكل انسان يعيش في داخل هذا المجتمع ما له وما عليه، وما الحدود التي يجب أن يتوقف عندها، وما النقاط التي يجوز له أن يدخل فيها. إذا غابت تقوى الله سبحانه وتعالى عن أفراد المجتمع، أصبحنا في شريعة الغاب، تنتهك الحقوق، تنهب الأموال، لا ترد الأمور إلى أهلها، أي سوء في العشرة، سوء في العلاقات، غيبة نميمة، اتهامات متبادله، خروج عن شرع عز وجل في الكثير من التفاصيل، إهمال وتقصير في الأعمال المجتمعية والوظائف العامة، توقع كل شيء إذا غابت تقوى الله عن المجتمع. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصيته الجامعه لما كان الصحابه ياتون له فيقولون: أوصنا. اتق الله حيث ما
كنت اتق الله حيث ما كنت، الشعوب التي تتربى على تقوى الله يصلح حالها؛ لأنه كل مواطن يعرف ماله وما عليه، لكن الشعوب والمجتمعات التي ضاع فيها تقوى الله عز وجل، وهي وصية الله للأولين والآخرين، يعني كان الله عز وجل يقول لنا: وصيتي لكل المجتمعات الإنسانية على ألسنة رسلهم، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ، كل الذين أوتوا الكتاب من قبلنا لما كانت الرسل تأتيهم، وأنتم أيضاً أوصيكم بما أوصيتكم به أن اتقوا الله.
إذا اتقيتم الله في حياتكم، في تفاصيلها، في أفعالكم، والله السعادة تنتظركم والهناء والراحة، وإذا غابت انتظر الشقاء والدمار، لذلك قال سبحانه: وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. الكفر قد يكون كفراً أكبر وقد يكون كفراً أصغر؛ كفر النعم، كفر النعم الله سبحانه وتعالى لما ينعم عليكم بنعم ويعطيكم ويغدق على هذه المجتمعات فكفرت بأنعم الله، كفر النعم هو الإعراض عن شريعة رب العالمين، فهون الكفر بكل صوره الأكبر والأصغر الإعراض عن شريعة رب العالمين، والإعراض عن أحكام القرآن واستبدالها بالآراء والأهواء والذوق والأحكام العشائرية والأحكام الوضعية ووو، وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، المالك الحقيقي لهذا الكون هو الله، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا.
فالله سبحانه وتعالى غني عنكم وحميد فيما سيفعله بكم، يحمد على كل شيء، يحمد على كل أقداره وأقضيته. طيب، ثم قال مرة أخرى تذكير لهي المجتمعات إنه يا أيها المجتمعات مالك الأمر من قبل ومن بعد هو الله، وبالتالي هو صاحب القضاء والحكم، ولا يجوز لكم أن تذهبوا إلى أحكامكم الشخصية آرائكم الوضعية، فقال مرة أخرى في هذه الآيات: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، يعني تكرار هذا المفهموم هنا وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، بعدين يرجع يكرر مرة أخرى في الآية 132: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، هو تأكيد أن صاحب الأمر وصاحب الملك هو الله، الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض، وأنت أيها الإنسان ليس لك ملك حتى تخرج عن شريعة الله، ليس لك ملك حتى تعترض على أحكام الله وتستبدلها بأحكام الفرنسيين والبريطانيين والصليبيين، وإنما قصارى ما عندك هو أن تقف عند شرع الله متبعا له، لأن الله هو الذي يملك، مش بملكك أنت بل فقط، بل يملك كل ما في السماوات وما في الأرض، هو ملك له سبحانه وتعالى.
ثم حتى تعرف نتيجة الإعراض عن شرع الله وعن أحكام الله يقول سبحانه: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ قَدِيرًا. أيها المجتمعات حتى أعرضتم عن شريعة الله سبحانه وعن أحكامه، فالله قادر على أن يذهبكم وأن يستبدلكم بمجتمعات أخرى تحمل شرع الله سبحانه وتعالى بين جنباتها وتطبق هذا الدين؛ لأن المجتمع الذي يطبق أحكام سورة النساء هو مجتمع عادل، مجتمع يستحق أن ينتصر، مجتمع يستحق أن يسود الأمم، لكن مجتمع لا يطبق أحكام الله التي وردت في سورة النساء وفي سورة البقرة وفي سور القرآن هذا مجتمع يستحق الهزيمة.
ولا، لماذا نحن اليوم سلط علينا أعداؤنا؟ لماذا وصلنا إلى هذا الانهيار، إلى هذا العار، إلى هذا العجز، إلى أذل الأمم؟ لما القينا كتاب الله وراء ظهورنا وسعينا خلف ثقافة الصليبيين والغرب والصهيونية والماسونية العالمية، لما القينا أحكام الشريعة وراء ظهورنا وأصبحنا نلهث خلف الغرب وخلف ثقافته وخلف مخرجاته الرديئة، نعم اصبحنا في ذيل الأمم وأصبحنا نستحق الاستبدال؛ لأننا لم ناخذ بشرع الله، فالله عز وجل هنا تشعر في تهديد واضح: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، يأتي بأقوام يتمسكون بشريعه الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء الاقوام هم الذين يحملون الحضارة المسلمة ويصعدون بها مرة أخرى، ويعيدون إلى سلم الحضارات لتكون متبوعة لا تابعه، وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ قَدِيرًا.
مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. الذي يبحث فقط عن امور الدنيا، يبحث عن الجاه في الدنيا، الذي يبحث عن لذاته الدنيوية، يبحث عن مصالحه الشخصية، من يبحث عن دنيا في قراراته، فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. إذا كنت تبحث عن لذات وعن دنيا وعن شهوات وأهواء تحققها ولا تفكر بأمتك كأمة، ولا تفكر أن تقدم شيء لله سبحانه وتعالى ولدينه، فكن على دراية أن الله سبحانه هو من يملك ثواب الدنيا، فإن شاء أعطاك منها وإن شاء لم يعطك منها، يعني حتى الذين يقصدون الدنيا ليس كلهم سيحصلون، فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، هو الذي يملك الثواب في الدنيا يعطيه لمن شاء ويحرمه ممن شاء، وعنده أيضاً ثواب الآخرة.
فبالتالي كان هذا فيه تفضيل للإنسان، اسم بنفسك، اسم بروحك، اسم بقراراتك، ولا تكن حبيساً لدنيا، حتى في علاقاتك المجتمعية، حتى في علاقاتك الأسرية، في أي علاقة فكر دائماً بالبعد الأخروي، فكر بأمتك، فكر بدينك، ولا تكن دنيويا ماديا.
ثم تنتقل الصورة إلى قضية أيضاً مجتمعية تتعلق بالعدل، وسورة النساء سورة تتكلم عن العدل في العلاقات كثيراً، لذلك في منتصفها قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، أيضاً هنا آية أخرى تتكلم عن العدل في المجتمع فيقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.
الله عز وجل يامر المجتمعات المسلمة في قضية اجتماعية، يا أيها المجتمعات المسلمة، يا أفراد المجتمع المسلم، دائماً اجعلوا مواقفكم لله سبحانه وتعالى، وتجردوا عن العصبيات الأسرية، وأن تنصر أخاك على ظلمه وأنت تعرف أنه ظالم، لكن تنصره لأنه ابن عمك، أو تنصره لأنه أخوك، أو تنصره لأنه والدك، أو لأنها والدتك، لا، كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، قوموا بالقسط، مش قائم، قوامين، قم دائماً بالعدل.
وإذا أدليت بشهادة في موقف معين أمام القضاء أو أمام أي تحكيم تشهد شهادة لله، مش تشهد شهادة مصلحة وشهادة فزعة وشهادة زور تحمل بها إثم الدنيا والآخرة، لا، اجعل شهادتك لله وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ، تشهد شهادة صادقة في المواقف والمشاهد التي شاهدتها ولو كانت هذه الشهادة على حساب نفسك، ولو كانت على حساب والديك، ولو كانت على حساب عشيرتك وقومك. هذا هو المجتمع النظيف الصالح، هذا هو المجتمع النظيف الصالح، وكان هذه أيضاً فيها إشارة لقصة ابن الأبيرقي، جماعة من أقاربه للنبي صلى الله عليه وسلم يشهدون له أنه رجل صالح ورجل خير، ويا رسول الله ترى يخرج منه شيء وهم ما كانوا صادقين في هذا الرجل، كان منافق أصلا وكان عليه علامة استفهام كثير في تصرفاته.
فالله عز وجل يحذر من تكرار هذه الأخطاء، أن الإنسان يشهد لشخص وهو يعرف أنه غير صادق فقط لأنه ابن عمي وابن عشيرتي أو والدي. للاسف اليوم لاحظوا مجتمعاتنا كيف تحصل كثيراً، أن الإنسان يحابي على حساب زوجته أو أولاده أو أبيه، يقول لك: والله أبوي معقول أشهد ضده؟ لا، نعم، إذا أبوك ظلم الناس بدك تشهد ضده، إذا كنت تعرف طبعا أنه ظلم، إذا أخوك ظلم الناس بدك تشهد ضده إذا تعرف أنه ظالم، انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا كيف ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: أن تمنعه من الباطل، أو تمنعه مما هو عليه، أو كما قال صلى الله عليه وسلم: تمنعه من الظلم، هيك أنت نصرته، وليس بالمفهوم الذي يسود عند كثير للاسف من المجتمعات الجاهلية.
قال سبحانه: إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِما، يعني لا تتحجج موضوع الغنى والفقر وأنه لا أنا بشهد كذا لأنه خايف إنه ينظلم هو فقير مش قادر، يا أخي إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِما، الله يتولى الأغنياء والله يتولى الفقراء، أنت ليس لك علاقة، يعني ما تحاول تبرر شهادة الزور أنه: يا شيخ والله هذا انسان مرمط، والله لو انمسك في هذه القضية بجوز يروح فيها وكذا وما يعرف يسد. طيب حتى لو انمسك مادام هو الظالم خليه يتبهدل، حتى لو كان فقير لكن هذا الفقير ظلم هو الذي اعتنى على حقوق الناس، خليه يتبهدل، اليس كذلك؟ لأنه ما حد قال له أن يظلم، فلا تبرر شهادة الزور.
قال: إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِما، الله هو ولي الأغنياء وهو ولي الفقراء، وهو الذي لن تكون أرحم بالخلق من الخالق، لن تكون أرحم بالخلق من الخالق، فلا تظن أو تبرر أن أي شهادة تقدمها هي لمصلحة يمكن أن تكون معتبرة، شهادة الزور لا مصلحة فيها، شهادة الزور والكذب لا مصلحة فيها.
لذلك قال سبحانه: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا، فلا تتبع الهوى، أحذر أن تتبع هواك ويضحك عليك الشيطان ويقول لك تقوم بادلاء شهادة فاسدة، لا، هذا اتباع الهوى، فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا، التقدير: لئلا تعدلوا. فلا تتبع هواك؛ لأنك إذا اتبعت هواك ماذا سينتج؟ ستعدل عن جانب الحق، فالتقدير: فلا تتبع الهوى حتى لا تعدلوا عن الصواب والحق.
وَإِن تَلُوَوْا أَوْ تُعْرِضُوا شوف الوعيد: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. أحال على اسم من أسماء الحسنى، يقول: وإن تلووا، تلو أي تتلاعب بالفاظ الشهادة. البعض بخاف من شهادة الزور صح، لكنه ايش بروح بدلي شهادة ملغوصة عند القاضي، احنا في الاردن ملغوصة يعني مش واضحة كثير، الهدف منها عدم وضوح الحق، مثلا القاضي يستدعي شخص للشهاده هو ما بده يشهد، لكن القاضي يجبره، فبص حتى ما يشهد على صاحبه أو انسان بعز عليه، يشهد أمام القاضي شهادة احنا بنسميها ملغوصة غير واضحة، وَإِن تَلُوَوْا يعني تلوي الألفاظ، لا تعبر عن الشهادة بشكل واضح: والله القاضي اجبرني، والله بس انا ما بدي أشهد على أخوي أو ابن عمي.
احكي الشهادة بوضوح، لا تتلاعب بألفاظ الشهادة، تكلم بالتفاصيل كما هي بدون ملغوصة وتغيير للأحداث؛ يعني بعض الناس يهاب من شهادة الزور خاصة أنه عليها يمين، فبقول لك: أنا ما شهد زور، بس أنا ما أعطيت الوقائع بالتفصيل الدقيق أو استعملت عبارات مجملة أو عبارات فضفاضة، وبالتالي القاضي ما فهم علي وهذا اللي بدي إياه، لا، أيضاً هذا الله عز وجل يقول: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، ربنا مطلع عليك ويعرف أنك عم تتلاعب بنص الشهادة وما بدك تبوح بها كما وقعت.
فقال سبحانه: وَإِن تَلُوَوْا يعني أن تتلاعب بألفاظ الشهادات أَوْ تُعْرِضُوا أو تعرض عنها بالكلية، وتتهرب من أدائها، فاعلموا أن الله خبير مطلع على كل ما حصل في محكمة الدنيا، وهناك محكمة الآخرة لن تستطيع أن تهرب منها.
طيب، الآن انتهى الكلام في هذه المسالة التي تتعلق بالعدل وتوجيه المجتمع إلى ضرورة الوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى، يعود الكلام موجه إلى المؤمنين والتحذير من النفاق مرة أخرى، هذا النفاق اللي كان موجود في المدينة وموجود في أي مجتمع مسلم يكون فيه الإسلام قوياً، دائماً النفاق متى يعشعش؟ لما تكون قوة المسلمين قوية داخل المجتمع، لكن لما يصبح يعني قوة المسلمين ضعيفة، فإن النفاق يبدأ يظهر أكثر وأكثر، يعني لا حاجة للنفاق إذا كان المسلمون ضعاف؛ لأن المنافق لا يخشى العقاب، لكن لما يكون المجتمع قوي يصبح النفاق حاضراً بقوة.
طيب، ساترك الحديث إن شاء الله عن هذا الموضوع إلى الدرس القادم، يعني شعرت بشيء من التعب حقيقه في اللحظات الأخيرة، أترك الحديث عن هذا في الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل