تسجيل الدخول

رحلة الإنسان في القرآن | برنامج وتزوّدوا | المجلس السادس والثلاثون:سورة النساء من الآية 60 إلى الآية87

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا رب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا حياكم الله وبياكم، إن شاء الله الصوت جيد في البداية، يا رب اللهم يسر. هل الصوت جيد، الإخوة والأخوات عبر البث المباشر؟

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم ثبتنا على الإيمان حتى نلقاك.

حياكم الله أيها الأكارم في صبيحة الجمعة، وفي مجلسنا المستمر بححمد الله في رحلة الإنسان في القرآن؛ نستكشف قصة هذا الإنسان في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، ونحاول أن نلتقط المعاني والكليات والرسائل الإلهية من ثنايا هذا الكتاب العظيم؛ هذا الكتاب الذي يمثل منهجاً وطريقاً ونوراً وروحاً لهذا الإنسان وهو يسير في ظلمات الحياة الدنيا، وهو يسير في المتاهات والمحار، يجد هذا القرآن أنيساً وموجهاً للبوصلة إلى أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى بأمان.

ولا راحة للإنسان ولا هداية له في هذه الدنيا إلا إذا تمسك بكتاب ربه سبحانه وتعالى؛ هذا التمسك الذي يكون بالتدبر والتأمل والنظر في المعاني، وتقليب النظر في هذه الآيات العظيمة التي هي كلام ربنا سبحانه وتعالى، وأنعم به من كلام! فنسأله سبحانه وتعالى ألا يصرف قلوبنا عن كلامه، ونعوذ به سبحانه وتعالى أن تقفل معاني التدبر عن هذا الكلام العظيم، فإن المحروم كل المحروم هو الذي تقفل أمامه مساحات التدبر، ولا يرى هذا الكتاب إلا كتاب تبرك، ولا يتعامل معه إلا بقراءة سطحية عامة لا تؤثر في قلبه، وفي صلاح نفسه، وفي تقويم سلوكه في سيره إلى الله سبحانه وتعالى.

ما زلنا نعيش في رحلة الإنسان في القرآن أيها الكرام، وانتهى بنا الحديث في سورة النساء عند الآية رقم 60. وقلنا ابتداءً -وهذا مهم جداً في ربط مواضيع هذه السورة مع بعضها البعض- أن سورة النساء جاءت لتنظم العلاقات داخل المجتمع، فهي سورة مدنية بامتياز، ونزلت في الظرف الذي بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم يبني دولته في المدينة النبوية، فهي تؤسس لطريقه بناء العلاقات عموماً؛ بدءاً من العلاقات الأسرية الصغيرة إلى العلاقات المجتمعية الكبيرة، بل حتى علاقة النظام الإسلامي بغيره من الأنظمة التي تطوف حوله.

ولذلك أنت إذا قلبت سورة النساء من بدايتها إلى منتصفها إلى نهايتها هي تتكلم عن أحكام علاقات. بدأت بذكر العلاقات الأسرية الصغيرة، فبدأت بذكر كيف تنشأ العلاقة بين الرجل والمرأة، وبعد ذلك بينت أهمية المحافظة على الميراث وتوزيعه بطرق حددها الله سبحانه وتعالى بشكل واضح وتولى بيانها بنفسه في مطلع السورة، وبين من الذي يتزوجها الإنسان ومن التي لا يتزوجها، وحرمة العلاقة الأسرية، وقاعدة: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وانتقلت بنا متى يتزوج الإنسان الأم ومتى لا يتزوجها، التحذير من اتباع أصحاب الشهوات الذين يريدون أن ينشروا السفاح لا النكاح: وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا، وبيان أن الرجل له نصيب مما ترك الوالدان، والمراه لها نصيب، وللررجال أيضاً نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبوا، الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ.

بقيت هنا سورة النساء تتحدث وتنظم وتبين العلاقة الأسرية إلى الرجال ويقومون على النساء. ثم إذا حصل خلاف بين الزوجين بعد ذلك انتقلت إلى ما هو أوسع من العلاقة الزوجية، وهي العلاقات الأخرى، علاقات الجوار وعلاقة الأرحام، فقال سبحانه وتعالى بعد ذلك: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ. فبدأت أيضاً تحث على تنظيم هذه العلاقات والمحافظة عليها الاحتفاء بها.

ثم بعد ذلك ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤسس دولته ونظامه الجديد في المدينة النبوية، كان لابد من الحديث عن مكونين خطيرين في داخل المجتمع المدني، بل حتى في داخل جميع المجتمعات الإسلامية إلى يوم القيامة، وتبين كيفية التعامل مع هذين المكونين وخطورتهم في نفس الوقت. المكون الأول: اليهود. واليهود كانوا حاضرين في المدينة في أكثر من تجمع، وكانوا يخونون الله ورسوله، وكانوا في النهاية هم يعيشون داخل نظام المجتمع المدني، لكنهم يكيدون له.

الله سبحانه وتعالى دعا هؤلاء اليهود إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإلى التزام الآداب والأخلاق معهم، وإلى عدم الخيانة وعدم الالتفاف حول هذا النظام الجديد، وحذر الصحابه رضوان الله تعالى عليهم من هؤلاء الصنف، حذرهم من هؤلاء الصنف ليععلموا أن هؤلاء -خاصة أن الأوس والخزرج كانوا على علاقة وثيقة بهم من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- ليحذر الصحابه الكرام من هؤلاء ومن نواياهم ومن خيانتهم ومن غدرهم، وأنهم قوم يحسدون العرب على ما آتاهم الله من فضله ببعثه النبي صلى الله عليه وسلم منهم. فكان لابد كما قلت من تنظيم هذه العلاقة وبيان طبيعتها.

وبعد ذلك بعد أن أنهى الله سبحانه وتعالى الحديث عن اليهود بين أنه حتى وإن كان هؤلاء يهود وحذرنا، ما دام لم يظهر منهم غدر إلى هذه اللحظة، فان العلاقة التي تحكم المسلم مع سائر الأفراد الذين يقيمون معه في نفس البلد ما لم تظهر الخيانة والغدر الصريح: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعْمَ يَعِظُكُم بِهِ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا.

ثم جاءت الآية الـ 59 من هذه السورة بدأت تؤسس للمرجعية داخل هذا المجتمع الإسلامي، فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ. هذا المجتمع، هذا النظام الإسلامي المرجعية فيه والدستور الذي يحكمه هو الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية تتمثل بالقران وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك يعاد إلى أولي الأمر، وأولي الأمر كما قال المفسرون: العلماء والامراء، يعاد إليهم في فهم القرآن والسنة، وطاعة أولي الأمر مرهونة باتباعهم للكتاب والسنة.

فمتى كان أولوا الأمر متبعين لله سبحانه وتعالى في كتابه ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويستنبطون منهما، فان طاعتهم واجبة. واما إذا غادروا الكتاب والسنة واستبدلوه فلا طاعه لمخلوق في معصية الخالق. لذلك قال سبحانه: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولم يقل وأطيعوا أولي الأمر، قال: وأولي الأمر، ليبين أن طاعة أولي الأمر إنما هي تبع وليست مستقله وحده، هي تبع لطاعة أولي الأمر لله ورسوله. وبين: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ، وحصل أي شكل من أشكال الخلاف، فان الذي يحكم العلاقة بين افراد المجتمع ويرفع الخلاف أن يرد النزاع إلى الله ورسوله، إلى الشريعة الإلهية، فقال سبحانه: ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.

هذا هو الخير للجميع وهذا هو أحسن آيالة، أحسن سياسة وأحسن مرجعية يمكن أن يرجع إليها عند النزاع هي الشريعة الإلهية، والا فكل القوانين الوضعية والأنظمة الأرضية هي من حكم الجاهليه، فحكم الجاهلية يبغون. هذه الآية هي المدخل إلى الفئة الثانية في المجتمع المدني وفي كل المجتمعات المسلمة؛ هذه الفئة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن ينبهنا على خطورتها: فئة المنافقين.

فئة المنافقين الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام عن وجود هذه الفئة، وأبرز صفة وأبرز واخطر صفة لهذه الفئة داخل هذا النظام الاجتماعي الإسلامي أن هذه الفئة في الحقيقة هي ترفض التحاكم والمرجعيه إلى الله ورسوله، وإنما تريد أن تتحاكم إلى أهوائها، ومتى وجدت فرصة للانقلاب على مرجعية الشريعة، ومتى وجدت فرصة لعدم الرد في تنازع إلى الله ورسوله وإنما إلى القوانين الوضعية والأهواء الأرضية، ركضوا إلى هذا ركضاً وتركوا كتاب الله وسنه النبي صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم.

فقال سبحانه وتعالى في الآية 60: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ، ولاحظوا أنها ابتدأت بـ ألم تر إلى الذين يزعمون، هذه إشارة أن سورة النساء بدأت تتحدث عن كيان مجتمعي آخر خطير داخل الدولة المسلمة الجديدة في المدينة. وعندما ابتدا الحديث عن اليهود في صفحة 85 آية 44 قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا. فالله عز وجل يريد منا أن نبصر؛ ألم تر، الرؤية والابصار والانتباه إلى هذه المكونات الخطيرة، أولا المكون اليهودي ثم بعد ذلك المكون المنافق.

فقال سبحانه: ألم تر، وهذا فيه إشارة إلى ضرورة الانتباه والتبصر، وأن يكون المسلم يقظاً فطناً لهذه المكونات المجتمعية الخطيرة التي قد تفرض وجودها عليك في فترة من الفترات وأنت مضطر أن تتعامل معها وما عندك الآن قدرة على استئصالها، لأنه لم يظهر الغدر الواضح والخيانة البينة بحيث تستاصل، لكنك يجب أن تكون متبصراً مستيقظاً بطباعهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا.

الآية واضحة، الله عز وجل يقول: انظروا وتبصروا بهذا المكون المجتمعي الذي يجب عليكم أن تحذروا منه. هذا المكون الذين يزعمون زعماً أنهم مسلمون، ويحملون الهوية الإسلامية، ويسجل عليهم أنهم مسلمون، ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من القرآن وما أنزل من قبلك، آمنوا بالتوراة والإنجيل غير المحرفين. لكن للأسف، هذا الإيمان لا إيمان ظاهر شكلي، وإذا الأصل إنسان يؤمن بالقرآن إذن عليه أن يؤمن بمرجع القرآن ومديرية القرآن وانه هو على راس الهرم في النظام الإسلامي، لكن للأسف هؤلاء آمنوا بالقرآن ظاهراً شكلياً فقط حتى يحموا أنفسهم من القتل وتسفك دمائهم، ولكنهم في الباطن يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، أهواؤهم وإرادتهم الداخلية أن يتحاكموا، وعند النزاع أن تكون مرجعيتهم الطاغوت.

والطاغوت كل تشريع لم يشرعه الله سبحانه وتعالى يصدق عليه أنه طاغوت في هذا السياق، كل تشريع. إذاً الطاغوت مر معنا في السورة الماضية في الصفحات الماضية: يؤمنون بالجبت والطاغوت، وقلنا الطاغوت كل ما يعبد من دون الله، والتشريع بغير ما أنزل الله هو نوع من أنواع عبادة غير الله سبحانه وتعالى. التشريع بغير ما أنزل الله هو نوع من أنواع الشرك، نوع من أنواع الخروج عن منهج التوحيد لله سبحانه وتعالى، فإن توحيد الله منه أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الحكم الذي يرجع إليه عند التنازع. فإذا وضعت مرجعيه أخرى يرجع إليها عند التنازع إذاً هذا شكل من أشكال الشرك وشكل من أشكال الطاغوتية كما بين القرآن: يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ، مع أن الله ورسوله أمرهم أن يكفروا بهذه الشرائع الأرضية وأن يؤمنوا بالشريعة الإلهية! عجيب حال هؤلاء: وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا عندما يتحاكمون إلى هذا الطاغوت وإلى هذه الشرائع الأرضية، والشيطان عم يسحبهم ويجرهم بعيدا عن أسوار الشريعة ضلالا بعيدا.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ، ايش رايكم نرجع إلى الوصلة الصحيحة ونعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم في تشريعاتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحياتية، سيخرج لك هؤلاء المنافقين -لا تدري أين يمكن، على وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، يمكن في الجامعات والمعاهد، في أماكن كثيرة- سيخرجون ويقولون لك يعني تريد منا أن نعود إلى الرجعية ونعود إلى زمن الماضي والأمة اليوم تقدمت وتحضرت وأصبحت هناك الدولة المدنية، وأصبحت هناك تشريعات مختلفة ومشرعون، وأصبحت هناك الأمور الديمقراطية والحياة، وأننا يجب أن نفصل النظام السياسي عن النظام الديني العلمانية، فالأمور السياسية الاجتماعية يجب أن لا تربط بالدين، يجب أن تربط بقضايا السياسة والفكر، وانظروا إلى أوروبا والدول الحديثة المعاصرة كيف تقدمت في وضع القوانين والأنظمة؟ ويبدأ يعطيك محاضره طويله لها أول وليس لها آخر.

لكن خلاصتها ما قاله الله في كتابه: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا. رأيت الذين لم يؤمنوا حقاً في قلوبهم بالله ورسوله وإنما شكليا فقط، رأيتهم يصدون عنك، لا يريدون التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يزهدون بذلك ويصفون بقول لك يا اخي هؤلاء مشايخ هؤلاء يعني مساكين دراويش هؤلاء يريدون أن يعيدونا إلى التخلف والرجعية، واليوم الدنيا تقدمت، ايش قضية والله أن تلزم المرأة بحجاب الرأس، ايش قضية عدم وجود أنظمة ربوية في المجتمعات، وهذه قضية منع الاختلاط، وكل هذه هذه أمور عفا عليها الزمن أفكار رجعية متخلفه اليوم نحن تقدمنا وما شابه ذلك! تمام؟ إذاً: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا.

فالله عز وجل يخبر بالعقوبه التي تنتظر هؤلاء المنافقين، يقول سبحانه: فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. هؤلاء المنافقون الذين يدعون إلى ترك الشرائع الإلهية والرجوع إلى الشرائع الأرضية هؤلاء ستصيبهم مصيبة بسبب صنيعهم وهم أول من يبتلى بصنيعه؛ مش أنتم ما بدكم الشرائع الإلهية وبدكم الشرائع الأرضية وتصدون عن الله ورسوله؟ أنتم أول من يتجرع مرارة التحاكم إلى الشرائع الأرضية وتفضيلها على شريع الله، وستجدون ذلك مصيبة في أنفسكم وفي أبنائكم وذراريكم.

ولذلك هؤلاء الذين يرفضون الشريعة ويتحاكمون إلى الأهواء والآراء والعقول، تجد الله سبحانه وتعالى يبتليهم في ذراريهم وفي أموالهم وأهليهم، فتجد ابن أحدهم يخرج مثلاً شاذ جنسياً، أو تجد ابن أحدهم يركض ويلهث نحو الإلحاد، أو تجد ابن أحدهم ضائعاً في علاقات ويجلب الويلات إلى أبيه، أو تجد ابن أحدهم أصبح زعيماً في المخدرات وعصابات المافيا، يصيبه الله في

ولده ويصيبه الله في أهل بيته، وكل هذا بما قدمت أيديكم. مش إنتم ما بدكم تحكيم شريعة الإله سبحانه وتعالى وتريدون دولة مدنية علمانية حداثية كما تزعمون؟ سترون آثار هذه العلمانية والحداثة في مصائب في أسركم وفي أهاليكم وفي ذراريكم، وهذا الذي يحذر الله سبحانه وتعالى منه هؤلاء؛ لأن الاستقامة والأمان والضمان لحياة سعيدة إنما تكون بالتحاكم إلى الله ورسوله. فما دمتم تريدونها عوجاء فانتظروا مصيبة في أعز الناس عليكم، وهذه المصيبة هي ناتجة عن رفضكم للرجوع إلى الله ورسوله ورغبتكم بأن تجعلوها ماذا سبهللة كما يقولون بأذواق البشر وأهوائه.

فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم يأتون يلهثون إلى أهل العلم والصلاح وإلى النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان على قيد الحياة بأبي وأمي؟ ثم جاءوك يحلفون بالله إن أرادنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني نحن إذا لما تحكمنا إلى الشرائع الأرضية وإلى أهوائنا والله لم نقصد الشر ولم نقصد الإساءة ولم نرد إلا يعني الاحسان والتوفيق والخير جمع الآراء، يعني فقط كنا نبحث عن شيء أفضل للمجتمعات المعاصرة وأن نواكب ركب الدول الحديثة، ترى والله ما أرادنا إلا إحسانا وتوفيقا ومع ذلك ابتلينا وأصلينا وأسلينا بهذه النار واكتووا بها.

فالله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ولاهل الخير والصلاح من بعده: يقول انتبهوا لهؤلاء المنافقين الذين دائما سيحاولون الدفاع عن وجهة نظرهم في ترك الشرائع الإلهية، سيحاولون دوما الدفاع عن وجهة نظرهم في ترك الشرائع الإلهية ويبررون ذلك، ولاحظ كيف القضية أو القصة تعيد نفسها في كل زمان ومكان. جاءوك يحلفون بالله، المنافق يتمسح بالشريعة، والله ثم والله لم نرد بمثل بهذه الأمور وبهذه الأنظمة الأرضية إلا الخير والصلاح والبلادنا والازدهار وأن نكون في أفضل الدول وأعلاها.

طيب الله عز وجل يقول لنا لننتبه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، هؤلاء إياكم أن يخدعوك بمعسول كلامهم؛ فإن الله يعلم ما في قلوبهم من النفاق وبغض الشريعة وحب الأهواء. فأعرض عنهم؛ لأن النبي عليه الصلاه والسلام لم يؤمر بقتال هؤلاء؛ لأن نفاقهم لم يظهر منه إلى الآن شيء يوجب استئصالهم، وإنما وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. يعني هو بقول لك يا اخي والله يحب الله ورسوله ويحب الدين وحب المشايخ والله بحب اهل الخير والصلاح لكن كذا وكذا، فهو بمعسول الكلام يضيع الناس.

فهؤلاء ليس الحل الآن المواجهة أو القتال أو شيء؛ لأن الناس والدعاية التي ستخرج البروباجندا كما يقولون أن كيف قتلتم هؤلاء ولم يظهر منهم شيء ليسوا مسلمين معكم وما شابه ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان منتبه أن هؤلاء الحل معهم وهذا الذي أمر الله به فاعرض عنهم وعظهم. أعرض عنهم، انصحهم، بين لهم أهمية الرجوع إلى الله ورسوله، أهمية التحاكم إلى الشرائع الإلهية، أهمية رفض الشرائع الأرضية، أهمية أن يكون الله ورسوله هو المرجع دائما عند النزاع والخلاف وبركة ذلك في المجتمعات. عظهم، وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا، قل لهم قولا في غاية البلاغة وفي غاية التأثير والنهاية في الكمال والتمام، ثم بعد ذلك اتركهم إلى الله سبحانه وتعالى، لكن كونوا منتبهين من تصرفاتهم داخل المجتمع.

لذلك عادت سورة النساء لتبيّن قضية واضحة منهجية في بناء المجتمعات المسلمة وفي قيادتها أن الشريعة الكتاب والسنة إنما نزلت لتتبع لا لتترك. قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. الله يقول: أنا لم أرسل الرسل من أجل فقط التبرك بهم، وإنما أرسلتهم ليؤسسوا الشرائع داخل المجتمعات، وما أرسلناها من رسول إلا ليطاع ليكون مرجعية وحكم بإذن الله وإرادة الله. فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي مربوطة بإذن الله أن يطاع.

قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡاْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا. هؤلاء الذين ابتلوا بالنفاق وابتلوا بترك الشريعة الإلهية والتحاكم إلى الشرائع الأرض، لو أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، خاصة عندما يرون آثار التحاكم إلى الشرائع الأرضية في ذراريهم وأبنائهم وحياتهم وكيف جلبت لهم النكد والمصائب، لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بترك التحاكم إليك جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما، بدلا من أن يستمروا في دوامة الكذب ويقولوا إن أرادنا إلا إحسانا وتوفيقا، لو أنهم اعترفوا بخطاهم وقالوا أي والله فعلا نحن ندمنا على تركنا الشريعة الإلهية واستيقظنا إلى أهمية الاعتزاز بهذه الشريعة وأنظمتها وقواعدها، فاستغفروا لأنفسهم واستغفر لهم أهل الخير والصلاح لوجدوا الله توابا رحيما.

لكن للأسف هم يستمرون كلما وقعت مصيبة داخل المجتمعات المسلمة بسبب ترك التحاكم إلى الكتاب والسنة بدأوا يلفقون ويستمرون في دوامتهم واقناع الناس أن طريقتهم في القوانين الأرضية هي لا تصادم الشرائع الإلهية ويمكن نجمع بين إنه الشريعة الإلهية خليها مثلا في أحكام الأسرة لكن في أحكام الجنايات والعقوبات والأنظمة المالية ممكن نستفيد من القانون الإنجليزي والبريطاني وما شابه ذلك بحيث يعني يكون في هناك نوع من التوليفه يعني التناسقية والتكاملية، الله المستعان.

فالله عز وجل هنا يحسمها في وجوههم فيقول لهم: فَلَا وَرَبِّكَ. الله سبحانه وتعالى يقسم بعلياء من فوق سبع سماوات: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، هي أول خطوة، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، هي ثاني خطوة، ويسلموا تسليma. والله لن يتم إيمانكم إلا بأن تعودوا إلى هذه المرجعية وتحكموا الشريعة الإلهية حتى يحكموك فيما شجر بينهم، مش بس كده، مش مجرد تحاكم ظاهري بل حتى تحاكم قلبي باطني، ثم لا يجد في نفسه حرجا، وفي داخلهم بدهم يكونوا راضيين سعيدين بهذا التحاكم وبهذه النتيجة التي يصل إليها القضاء الإسلامي، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما، ويخضعوا خضوعا تاما لهذه المرجعية، غير كده ما في إيمان.

ثم سيأتي التركيز على هذه القضية؛ لأنه أهم شيء في المجتمع المسلم هو تحديد المرجعية عند النزاع عند الخلاف في وضع القوانين التي تحكم الحياة الأسرية الحياة الاقتصادية الحياة الاجتماعية، علاقة الدولة الإسلامية بغيرها لا بد من قانون، فلذلك كان لا بد أن تضبط سورة النساء هذه المرجعية كما ضبطتها سورة المائدة، ولاحظوا السور الطوال كيف تعالج المواضيع المهمة التي كان يحتاجها المجتمع المسلم في ثنايا بناء الدولة.

طيب الله عز وجل يقول عن هؤلاء المنافقين أيضا من صفاتهم حتى ينتبه لهم أهل الإيمان، قال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّفَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.

يخبر الله سبحانه وتعالى عن نفسية ذاك المنافق الذي هو دائما على وجل من الشريعة الإلهية على تخوف منها ولا يريدها، فيقول سبحانه: لو كتبنا عليهم وطلبنا منهم أن يقتلوا أنفسهم أو أن يقتل بعضهم بعضا أو كلفنا أن يخرجوا من ديارهم ما فعلوه إلا قليل منهم، قليل قليل هم الذين يعودون إلى الله ورسوله سبحانه وتعالى ويتحاكمون. الأمور ما هو شوف، أن تتحاكم إلى الشريعة الإلهية فيما يكون موافقا لهواك هذا سهل، لكن هي الفكرة التي تنبه عليها سورة النساء أن كثير من الناس إنما يأخذ الشريعة يقول لك أنا بدي الكتاب والسنة إذا كان الحكم ياتي مع هواه، واذا جاء الشيء على خلاف هواه فانك تجده يهرب من الشريعة ويزهد فيها ويقلل منها ويطلب الرجوع إلى قوانين أخرى جاءت فيقول سبحانه: لو أنا ألزمنا هؤلاء بما يخالف هواهم، لو ألزمنا بقتل أنفسهم كما كلف بنو إسرائيل في ذلك عندما وقعوا في المعاصي أو طلبنا منهم الخروج من ديارهم والهجرة، قال: ما فعلوه إلا قليل منهم، ما فعلوه إلا قليل قليل، وهؤلاء القلة هم ليسوا من المنافقين، هؤلاء القلة هم من الصالحين الأنقياء الذين لا يحسبون على حالة النفاق وإنما يحسبون على حالة الصلاح.

طيب، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يؤمرون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. لو أن هؤلاء كلما أمرهم الله بشيء سواء وافق هواك ولا ما وافق هواك، إذا كان منهجك العوده إلى الله ورسوله دوما والتحاكم إلى الشريعة الإلهية والطاعة التامة والطاعة التامة لله ورسوله في السراء والضراء، لكان هذا المنهج خير لكم وكان أشد تثبيتا، يعني أكثر معين على الثبات في دين الله سبحانه، أن تكون منصاع للشريعة الإلهية في السراء والضراء وأشد تثبيتا. ما الذي يثبت الانسان على دين الله سبحانه وتعالى؟ الثبات إنما هو بالاعتصام بالكتاب والسنة.

وقال: وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. ثم ما زالت سورة النساء تؤكد على معنى الطاعة لله والرسول: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا. شوفنا ربط الدنيا بالاخرة، طاعتك لله ورسوله ورضاك بالشريعة الإلهية ورفضك للشرائع الأرضية هذا باذن الله يجعلك في يوم القيامة يوم العرض الأكبر يجعلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في رفقتهم ومع زمرتهم وحسن أولئك رفيقا. فالتحاكم والطاعة لله ورسوله هي سعادة في الدنيا وراحة في الدنيا وسعادة في الآخرة وراحة في الآخرة، ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا.

في آية واحد وسبعين سورة النساء تحذر الصحابه الكرام في داخل هذا الكيان الجديد، تحذرهم وتنبه على أهمية أن يكونوا مجتمعين في أي تحركات وتنقلات تحصل منهم. الآن، النبي عليه الصلاه والسلام تعرفون أنه بنى دولته في المدينة وكانت العرب كقبائل على الكفر وكانوا يتربصون بهذه الدولة الجديدة الدوائر ويترقبون ويقتنصون الفرص لقتل مواطنيها ورجالها، ومن هنا الله سبحانه وتعالى يحذر أهل الإسلام في هذه الدولة الجديدة، يحذرهم عند الخروج من المدينة النبوية للتجارة أو لأي غرض من الأغراض يحذرهم أن يخرجوا فرادى؛ لأن هناك من يتربص بهم ويريد قتلهم واقتناصهم.

فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ، يا أيها الصحابه داخل المجتمع وفي أي زمن من أزمنة الاستضعاف، عندما تخرج من المدينة، عندما تخرج من دولتك وتريد أن تخرج لتجارة أو دراسة أو شيء، خذوا حذركم فلا تخرج وحدك؛ لأن إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والعدو سيفترسك ويقتنصك وقد يضع لك كمين أو شيء إذا راك وحدك ويجهز عليك.

فما هو الحل؟ قال: فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا. إذا اردتم النفير أو الخروج فليكن خروجكم على شكل ثبات، جمع ثبة وهي السرايا والجماعات، تمام، فانفروا ثبات، يعني سرايا مجموعة مجموعة هنا، مجموعة هنا، مجموعة هنا، أو انفروا جميعا، أو اخرجوا جميعا كلكم يعني كطائفة واحدة. وهذا إذا كان مثلا هناك جهاد ومعركة ضد الكفر فان النفير يكون نفيرا جماعيا. فالمهم عند الخروج من المدينة اخرجوا إما جماعات هنا أو هنا، أو انفروا جميعا ما بعضكم كلكم كمجتمع في حال طبعا حصل اقتتال.

ثم هنا بدأت سورة النساء تنبه أفراد هذه الدولة الجديدة على أهمية الدفاع عنها والوقوف في وجه من يريد أذية هذا النظام الإسلامي وهذا البناء الجديد وأهمية المقاتلة والمدافعة عنه إلى آخر لحظة. فالله سبحانه وتعالى يقول: وَإِنَّ مِنكُم لَمَن لَّيُبْطِئَنَّ، إذا دعاكم رأس الهرم رأس الدولة في النظام الإسلامي إلى المدافعة والمقاتلة وحماية هذا النظام الإسلامي، هناك من يسارع في الدفاع عن هذه البلد المسلمه وهناك من يبطئ وخاف ويهرب.

فالله عز وجل يحذر هؤلاء الذين يتباطؤون عن حماية بلادهم وأنظمتهم الإسلامية، فيقول: وَإِنَّ مِنكُم لَمَن لَّيُبْطِئَنَّ خورا وجبنا وخوف من القتال والمدافعة، قال: فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا. فإذا جاء مثلا عدو غاشم إلى هذه الدولة المسلمة، تجده يحجز تيكت بطاقة معينة ويخرج يهرب لا يريد أن يدافع عن بلده وعن بلاد الإسلام والمسلمين، يحجز أقرب حجز ويغادر إلى مكان يرى فيه أنه آمن، وبعد ذلك يصبح يتابع أخبار المسلمين وأخبار أهل بلده عن طريق مثلا شاشات التلفاز أو عن طريق المعلومات التي تصل إليه.

فإذا بلغه أن إخوانه من المسلمين في بلده تعرضوا لمقتلة وإلى استئصال أو نزل بهم ما نزل، قال: الحمد لله أنني لم أحضر معهم القتال والنزال وأنني استطعت أن أؤمن نفسي بالهروب من البلد والذهاب إلى مأمن. هؤلاء الذين لديهم قدرة أن يقاتلوا ويدافعوا عن بلاد المسلمين فتتهاجم بلادهم، فبدلا من أن يدافعوا عنها بارواحهم ودمائهم وأنفسهم، يختارون خيار الهروب والبحث عن بطاقات ليعيشوا في دول الغرب ويذهب إلى أي مكان، المهم أنه لا يريد أن يدفع ثمن الجهاد والثبات والرباط في سبيل الله.

فيقول سبحانه: وَإِنَّ مِنكُم لَمَن لَّيُبْطِئَنَّ عندما يدعى إلى النفير العام، يهرب ويبطئ لا يريد أن يقاتل: فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ إذا حلت بهذا المجتمع المسلم كارثه وتسلط العدو عليه، قال: هذا الذي هرب قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، إذ لم أحضر معهم القتال، أمنت نفسي وعائلتي. ولئن أصابكم فضل من الله، وفي الحالة المقابلة لو أن أهل الإسلام انتصروا على الأعداء الغاشمين، قال: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا. يا ريتني شاركت في هذا القتال، يا ريتني كنت معهم حتى أذوق لذة الانتصار ولذة ظهور الحق على الباطل ودحر الظالمين والبغاة المعتدين. أنت تريد فقط أن تكون في لحظات النصر ولا تريد أن تدفع الثمن في لحظات المصيبة، هذا لا يصلح، عليك أن تكون مع إخوانك في السراء والضراء.

لذلك جاء هنا الأمر الإلهي واضحاً لهذا الكيان الإسلامي الجديد: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.

يا أيها الإسلاميون، يا من تعيشون في داخل المجتمعات المسلمة، قاتلوا ودافعوا عن الشريعة الإلهية، قاتلوا ودافعوا عن بلاد الإسلام والمسلمين، وأنتم بين إحدى الحسنيين: إما النصر والظفر والغلب، وإما الشهادة. وفي كلا الحالين سيعطيكم الله أجراً عظيماً. ثم يستنكر سبحانه وتعالى على هؤلاء الجبناء الذين لا يريدون الدفاع عن بلاد المسلمين، ويريدون الهروب والخروج ولا يريدون المقاتلة والمدافعة عن العقيدة، قال سبحانه: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ما الذي يمنعك من أن تقاتل وتدافع عن الشريعة الإلهية وعن بلاد المسلمين؟ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا.

لاحظوا، ما الذي يمنعكم أن تقاتلوا في سبيل الله؟ يعني في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر شريعته ونشر الضياء الإسلامي في هذا العالم. وما لكم لا تقاتلون أيضاً في سبيل استنقاذ المستضعفين من الرجال المسلمين والنساء المسلمات والولدان الذين يعيشون تحت أنظمة تقهرهم، تعذبهم، تقتلهم؛ كما يحصل مع إخواننا في الروهينجا في بورما، وما يحصل مع إخواننا المسلمين في تركستان الشرقية، وما كان يحصل قريباً أيضاً في دول أفريقية، وكما يحصل مع إخواننا في الهند في كثير من المناطق.

لماذا لا تقاتلون استنقاذً لهؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من أهل الإيمان الذين يعذبون ويسامون سوء العذاب على أيدي هذه الأنظمة الدكتاتورية الفاجرة؟ وحالهم ودعاء هؤلاء المستضعفين ما هو؟ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، أنقذنا من هذه الأنظمة التي تعذبنا وتسوقنا، واجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا. يا رب، سخر لنا من ينصرنا، من ينهي هذه الإبادات الجماعية وهذا العذاب المستدام، تنتهك أعراضهم، يذبح أطفالهم، المجازر، المذابح، القبور الجماعية، النار يصلون بها.

طيب، من سيحمي هؤلاء؟ من سيدافع عنهم؟ من سينقذهم من جبروت هذه الأنظمة الدكتاتورية، إلا أهل الإيمان الذين حملوا على عاتقهم القتال في سبيل الله وفي سبيل استنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا؟

الَّذِينَ آمَنُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الله عز وجل يخبر عن الفرق بين فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، بين نظام الإسلام والنظام الكفري العالمي. الذين آمنوا قتالهم وجهادهم ورباطهم إنما هو لإعلاء كلمة الله، ليس للتوسع والمجتمعات، ليس لنهب الخيرات واستغلال الضعفاء. بخلاف الفاجرين الكافرين، قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. والطاغوت كما قلنا: كل ما سوى الله فهو طاغوت.

يقاتلون في سبيل أهوائهم، في سبيل أموالهم، في سبيل الرأسمالية، في سبيل الاستحواذ على خيرات الشعوب والأمم، في سبيل توسيع رقعة البلاد واستعباد العباد. هذه هي الرسالة الاستعمارية، هكذا استعمروا بلاد المسلمين وعمروا كل البلاد، هكذا كانت المستعمرات البريطانية والفرنسية وغيرها كانت تحكم العالم وتحاول أن تبيد الشعوب والأمم في سبيل الطاغوت.

فالرسالة لكم يا أهل الإيمان قال: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، ما دمتم تقاتلون دفاعاً عن دين الله، والطرف الآخر يقاتل دفاعاً عن الطاغوت، فلا ينبغي لمن يكون في جنب الله أن يكون ضعيفاً خواراً جباناً، لأن الذين يقفون في سبيل الطاغوت هم يقاتلون مع الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا. أنت تقاتل في سبيل الله وتقف في جنب هذا التيار: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. فأنت تتصل بأقوى قوة في الوجود، أنت متصل بأقوى قوة في الوجود.

ولاحظ هنا المقابلة بين الله سبحانه وتعالى وسبيل الشيطان، أو بين سبيل الله وسبيل الشيطان. الله أقوى قوة في الوجود، أنت تقف في مصَفّه، أفتكون جباناً ضعيفاً خواراً، ويكون عدوك الفاجر، ويكون عدوك الفاجر الذي يقاتل في سبيل الطاغوت وفي سبيل الشيطان أقوى منك؟ ولذلك كان عمر يقول: اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الفاجر وعجز الثِّقة.

تستغرب أحياناً وعندما أنظر في الأحداث المعاصرة وماذا يحصل الآن -نسأل الله عز وجل أن يفرج عن المسلمين- تجد كثير من الصهاينة واليهود يصرون على البقاء في فلسطين وفي بلاد الإسلام مع أنهم يعرفون أنهم في أي لحظة هم عرضة لعملية استشهادية أو عملية انغماس أو عرضة لأن يقصفوا وعرضة لأن يقتلوا، ومع ذلك تجدهم مصرين على التكتل في بلاد فلسطين مع أنهم يعرفون أن هناك قصف وهناك كما قلت عرضة لأن يقتلوا ويغمس فيهم ويحصل أي عمل يتم به إنهاؤهم. وهم يرون بني جلدتهم كيف يقتلون في كل يوم في عمليات وقصف وما شابه ذلك، لكن تجد عندهم إصرار نوعاً ما على البقاء واستمرار الاحتلال.

بينما تجد كثير من المسلمين في بلاد الإسلام والمسلمين عندهم من الخور والضعف والجبن عن مواجهة الصهاينة واليهود، ويسارعون إلى الهرب والخروج بمجرد أن يسمعوا أن الحرب دقت طبولها وأن الأمور تقترب من مساحات صعبة، تجده يسارع إلى الهرب والمغادرة لأنه لا يريد أن يصابر في بلده مدافعاً مرابطاً ثابتاً فيها، فتستغرب أحياناً.

طيب، هؤلاء الصهاينة اليهود محتلون غاصبون، ويرون أن القصف عليهم وأن هناك احتمالية لأي عملية يتم فيها اغتيالهم، ومع ذلك متشبثون بأن يستمروا في استمرار الاحتلال وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت ويقفون في طريق الشيطان، فلماذا أنت أيها المسلم الذي في الأصل تقاتل في سبيل الله وتقف في صف الإله، لماذا أنت خوار ضعيف جبان ولماذا تفر من ملاقاه اليهود ولماذا تحسب لهم ألف حساب؟

فلذلك جاءت الآية التي بعدها واضحة تحذر المسلمين أصحاب القلوب الضعيفة، ليس فقط الكلام هنا عن النفاق، الكلام عن كل حالة الضعف التي تصيب كثير من المسلمين ضعاف الإيمان، تحذرهم من هذا الوهن ومن هذا الضعف في مواجهه أعدائهم والدفاع عن بلادهم وحرماتهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.

كفوا أيديكم يعني لا تقاتلوا الآن، تعرفوا في المرحلة المكية وفي بداية المرحلة المدنية لم يؤمر الصحابه بالقتال، وإنما أمروا بالمحافظة على فرائض الإسلام العامة بالصلاه والزكاة والأمور العامة ولم يؤمروا بالقتال بعد. فيقول سبحانه: ألم تر إلى هؤلاء الذين قيل لهم كفوا أيديكم يعني نحن الآن لا نطالبكم بالقتال واشتغلوا بالصلاة والزكاة.

فلما كتب عليهم القتال وأمرهم الله بالجهاد والرباط والثبات، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. نجت طائفة من هؤلاء بسبب ضعف إيمانهم يخافون من الكفار ويخافون من الأعداء أكثر من خوفهم من الله. الله عز وجل يذم هذا الخوف والرعب الذي يجعل المسلم ضعيفاً أمام عدوه، ويكون عدوك الذي يقاتل في سبيل الشيطان الذي ينبغي أن يكون هو الخائف، الذي ينبغي أن يكون هو الجبان لأنه لا يقف في صف الله، يكون عدوك أجرأ منك.

فيقول سبحانه: إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي الكفار يخشون الكفار والأعداء كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ. يا رب، ليش في جهاد في الإسلام؟ لماذا علينا ندافع ونخسر أرواحنا حياتنا؟ لما كتب علينا القتال؟ لولا آخرتنا إلى أجل قريب، يا ريت يا رب آخرت حكم الجهاد والقتال بعدين بنعمله، بعدين يا رب خلينا نتمتع في الحياة. يعني هينا بنصلي وبنصوم والحياة ماشية، والأمور التجارية ماشية، والحالة الاقتصادية ماشية، ليش ندافع ونقاتل ونجاهد؟

ويا رب يا ريت ما صار هذا، يا ريت آخرته إلى بعدين حتى هينا بنصلي أمورنا طيبة، يعني الحياة يعني هكذا يقول، وهذا حال لسان الكثيرين منا. فيقول سبحانه وتعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، الدنيا لا تستحق كثيراً، الدنيا عند الله سبحانه وتعالى لا تستحق كثيراً فلا تتشبث بها ولا تتعلقوا بها، لا تقل يا رب لا أريد القتال والمدافعة والمصابرة، أريد أن أحيا حياة دنيوية رغيدة ورفاه اقتصادي و و و. الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى. أعدوا أنفسكم للخلود الأبدي، إيش بدك في هذه الدنيا؟

إذا وجدت فسحة عمرها وفق شرع الله سبحانه وتعالى هذا مطلوب، ولكن لا يكن تركك للقتال والرباط معلقاً على حجية يا رب نريد الفسحة في الدنيا والمتعة. لا، إذا أصبح عمارة الأرض وعماره الدنيا سبباً للركون إلى الدنيا فنحن أصبحنا في خطر. عمارة الأرض وعمارة الدنيا إنما هدفها الوصول إلى الآخرة، فإذا أصبحت مانعة مثبطة تجعل الإنسان يتثاقل إلى الأرض، إذاً هنا اختل مفهوم عمارة الأرض وأصبح المقصود الدنيا من أجل أنها دنيا.

فلذلك حذرهم الله سبحانه وتعالى يحذر الصحابه الكرام من حالة ضعف الإيمان التي كانت تنتاب بعضهم، فيقول: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. يوم القيامة لن تظلموا أي معروف تفعلونه لن تظلموه وسيجازيكم الله عليه خير الجزاء.

والفتيل، هل تعرفون نواة التمر؟ نواة التمر هناك خيط يكون في داخل هذه النواة، إذا أخذت بذرة بذرة التمر ستجد خيط يكون هكذا بين الشقين خفيف جدا جداً، هذا الفتيل لن تظلمه يوم القيامة. كل عمل خير ودفاع ورباط، كل ثانية كأنك تقول هيك تشعر الآية وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، كل ثانية كل نقطة عرق تبذلها للدفاع عن المجتمعات المسلمة الله سبحانه وتعالى سيجازيك عليها، كل ثانية سهرت مرابطاً على ثغر من ثغور المسلمين أو تفكر في استنقاذ المشروع الإسلامي أو تفكر في إيقاظ أهل الإيمان ودفع الهمم في قلوبهم، كل ثانية عطاء كل فتيل عطاء ستجده عند الله سبحانه وتعالى عظيماً مضاعفاً يوم القيامة. فاشتغل في العطاء لبلاد الإسلام والمسلمين وللفكرة الإسلامية.

ثم بعد ذلك، هل تطمحون الهروب من الموت؟ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ، يعني إذا لم تقتل في ساحات القتال والدفاع والرباط عن بلاد الإسلام والمسلمين فإنك ستقتل بحادث سير، ستقتل غرقاً في البحر، تقتل بمرض سرطان، تموت بأي طريق من الطرق، يقع عليك طوب أو يهدم عليك بيتك، تموت بزلزل من الزلازل أو كارثة من الكوارث، تكون في طائرة تسقط، طرق الموت كثيرة: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.

والله لو حميت نفسك ووضعت نفسك في قصر عالي جداً جداً لا يصل إليك أحد ووضعت السكيورتي والأمان كما يقولون وأنظمة بلاك ووتر وغيره، ووضعت ما وضعت لحماية حراستك ودفع العدو عنك و و و، والله سياتيك الموت مجرد زلزلة للأرض خفيفة كفيل بأن ينهدم عرشك وبيتك فوق رأسك وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.

لكن أصحاب القلوب الضعيفة وأصحاب النفاق -وهنا سورة النساء لا تعالج فقط حالة النفاق، هي تعالج أيضاً حالة ضعف الإيمان عند بعض المؤمنين في المجتمعات المسلمه، هناك ليس كل من يجبن هو منافق، لأن هناك من هو ليس منافقاً، لكن حالة ضعف إيمان ورثاثة إيمانية تجعله يخاف من المواجهة والمصادمة بين الحق والباطل- فالله سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء الذين يعانون من ضعف في الإيمان شديد أو يعانون من النفاق، ماذا كانوا يقولون؟

قالوا: وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ. ربما هذه المقولة يعني لا تصدر إلا من منافق في العادة، كانوا إذا جاء الخير والسعة للمجتمع المسلم في المدينة قالوا: والله هذا من عند الله، هذا خير ربنا الحمد لله جيد. وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ، سيئة من حرب، قتال، قلة موارد، حصار اقتصادي، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ مصيبة من مصائب الدنيا يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ، يعني هذه أنت اللي جيبتها، أنت اللي عملت لنا ياها يا رسول الله، أنتم اللي جبتوا لنا ياها يا أهل الخير والصلاح والمشايخ، أنتم اللي ورطتونا!

إذا شافوا خير وسعة قالوا هذا من ربنا، واذا شافوا بلاء شديد حصار اقتصادي هجوم عدو صائل قالوا هذه من عندك يا رسول الله، يعني أنتم اللي جبتوا لنا الويل والمشاكل. فالله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ، لا، كل ما يحصل في القضاء والقدر من خير أو شر فهو من الله، الله هو الذي قدره وهو الذي قضاه ليمتحن عباده. قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ، فَمَا لِهَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا.

لماذا هؤلاء الصنف من المنافقين ومن ضعاف الإيمان مش قادرين يستوعبوا ويفهموا أن الحياة الدنيا قائمة على بلاء ورخاء، قائمة على سراء وضراء؟ أنتم إلى الآن غير مستوعبين طبيعة الحياة أن الحياة بلاء ومعارك ولا بد فيها من المواجهة؟ متى ستفقهون هذا الحديث؟ متى ستستوعبون معاني القرآن؟ متى ستفهمون مقاصد الوجود والحياة؟

أتظنون أنني خلقتكم من أجل أن تلعبوا في الدنيا لهواً ولعباً وأموالاً وسمراً وجلسات ونزهات وسياحة وفروجات؟ لا، لا، قد أنا أوجدتك في الدنيا، تواجدتكم في الدنيا ليكون هناك سوق الجهاد وسوق الرباط وسوق الدماء وسوق الأشلاء، ولتكون المدافعة ولتكون المرابطة وليتخذ منكم شهداء ويمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، من أجل هذا وجدت الدنيا. فما لكم لم تستوعبوا بعد طبيعة هذه الحياة؟

لاحظوا الرسائل الإلهية الواضحة القوية لأهل الإيمان: عليكم أن تفهموا طبيعة الصراع بين الحق والباطل. طيب، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. حقيقة، ممكن البعض يقول هذه الآية آية تسعة وسبعين هكذا، البعض أنا أفكر كيف سيفكر الناس: ألا تتعارض مع الآية السابقة؟ وأريد منكم أن تجدوا لي حلاًّ، نفكر هكذا معاً في الآية في الآية السابقة. الله عز وجل يقول أن المنافقين وضعاف الإيمان كان إذا جاءهم خير وسعة قالوا هذا من عند الله، وإذا جاءتهم سيئة ومصيبة وحصار وحروب قالوا هذه.

من من عندك يا رسول الله، انت جبتنا شر، انت كذا كذا والعياذ بالله! فالله يقول: قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ. طيب، في الآية اللي بعديها: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ. طيب، كيف: ومَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ، مع أنه في الآية السابقة ربنا بيقول: قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ؟ هل أحد منكم عنده جواب أو يعرف الإجابة عن هذا؟ لأنه بعض الناس قد يشعر أنه فيه مشكلة أو تعارض في الظاهر بين الآية.

فكيف نفهم ذلك؟ أحسنت يا حازم. آية 79 هي تتكلم عن الأسباب، عن السبب؛ والآية السابقة 78 تتكلم عن المصدر. ففي آية 78 لما قال سبحانه: قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ، يعني كل قضاء وقدر من خير أو شر، كل قضاء وقدر من خير أو شر الذي يقدره الله سبحانه وتعالى، لكن ما سبب هذا الخير لفلان؟ وما سبب أن الله سبحانه وتعالى قدر الشر لفلان؟ فيقول سبحانه: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ؛ إذا اصابك خير في هذه الحياة الدنيا، فهذا سببه من الله سبحانه وتفضل عليك. وإذا اصابتك سيئة ومصيبة في نفسك، في مالك، في اهلك، فاعلم أن هذا القدر الذي قدره الله ومصدره الله، هذا القدر الذي قدره الله سببه معصيتك وذنب أنت ارتكبته.

فإذن الخير والشر كله قضاء من الله وقدر، لكنه يأتي بأسباب. فإذا اصابك خير وسعة فهذا سببه أن الله يريد أن يمن عليك ويتفضل عليك. وإذا جاءك قضاء من الله فيه مصيبة عليك، فاعلم أن هذا بشيء ارتكبته: ومَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ، من ضعف، من تقصيرك، من أخطائك، لذلك قال سبحانه: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا. أنت في النهاية يا رسول الله، أنت توصل هذه الرسائل للناس، والله كيف سيتصرف الناس مع هذه الرسائل؟

طيب، عادت سورة النساء لتركز على موضوع خطير ومهم. وكما قلت، لأنه أبرز صفات المنافقين التي عالجتها سورة النساء هي صفة عدم الطاعة لراس الهرم وزعيم الدولة المسلمة، وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة. فالله عز وجل ينبه فيقول: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، يحذر جميع فئات المجتمع من عدم طاعة الرسول؛ طاعة الرسول طاعة الشريعة الإلهية، التحاكم إلى الشريعة الإلهية، إلى الكتاب والسنة هي من طاعة الله. ومن تولى، والذي يرفض الشريعة الإلهية ويتولى عن طاعة الله والرسول، فما أرسلناك عليهم حفيظا؛ إنه يا محمد صلى الله عليه وسلم لا تهلك نفسك حزنا عليهم، فأنت لست مسؤول عن حفظ أعمالهم وتصرفاتهم. الله يسجل ويحفظ كل ما يفعلونه من التولي والتهكم والإعراض والتشريعات الأرضية، وهو سيحفظ ذلك، ويوم القيامة سيحاسبهم. خلاص، ارسل اوصل لهم الرساله وعضهم امورهم بالتحاكم إلى الله ورسوله في هذه. من تولى، من لا يريد طاعة الله ورسوله، كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: كلهم لي، أنا سآتي أمرهم وحسابهم.

طيب، ما زالت سورة النساء تتكلم عن حالة النفاق التي كانت موجودة في المجتمع المدني وفي كل المجتمعات. ويقولون: طاعة، إمامك يا محمد صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المنافقون يقولون: خلاص نحن نطيع، يقولون طاعة يعني طاعة ملزمة لا نخرج عن قولك. طيب، فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول؛ بمجرد أن يغادروا مجلسك ويذهبوا، بينهم غيروا ما أمرتهم به، وغيروا الحكم الذي أصدرته والشريعة التي أمرتهم أن يتبعوها. قال: فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ، تلاعبوا بأحكام الله سبحانه وتعالى، وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ. ولاحظ، البيات يكون بالليل، وكأنهم يجتمعون في ظلمة، يجتمعون بعيد عن راس الهرم الإسلامي من أجل أن يمكروا ويكيدوا. بيتو، والبيات بالليل: طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ. وهم يظنون أنهم يستطيعون الهروب، ويستطيعون التلاعب، ما أحد شايفهم؟ لا، الله شايفهم، قال سبحانه: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. إلى الآن، كما قلت، النبي عليه الصلاة والسلام لم يؤمر بمواجهه المنافقين قتالا واستئصالاً حتى لا يقال أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل اصحابه، حتى لا تخرج إذاعة أن هؤلاء المسلمين أو هؤلاء المسلمون يقتل بعضهم بعضا، فلذلك أمرنا بالسكوت عن المنافقين الذين نحن عرفنا نفاقهم بلحن القول ومن تصرفاتهم المريبة، واضح أنه منافق، لكننا لا نقاتلهم داخل المجتمعات المسلمة، لا يتم سفك الدم، بل المطلوب منا الهدوء والراية والوعظ والنصح إلى أن يجعل الله للمؤمنين فرجا ومخرجا. قال: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، خلاص خليهم سياتيهم يومهم، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا.

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ هؤلاء الذين يعانون من حالة النفاق والتلاعب بالكتاب والسنة والإعراض عن الشريعة، أفلا يتدبرون القرآن بما فيه من الوعظ والترغيب والترهيب والقوارع والزواجر وذكر الأمم الماضية وماذا حصل مع المنافقين السابقين؟ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. ربما تشعر أن الآية تريد أن تقول ما الذي يمنعكم أيضا أن تحكموا القرآن في حياتكم يا أيها المنافقون الذين تصرون على التلاعب بشرع الله وعدم التحاكم إلى القرآن؟ يا ترى هل تدبرتم القرآن؟ والله لو تدبرتم القرآن حق التدبر لو وجدتم أن هذا الكتاب يقودكم إلى السعادة وإلى السيادة وإلى الخير في الدنيا والآخرة. يعني لماذا هذا الفرار من القرآن؟ لماذا هذا الفرار من تحكيم القرآن ومن منهج القرآن؟ هل تظنون أن القرآن سيجور عليكم؟ هل تظنون أن هذا القرآن غير... والله من تدبر القرآن عرف أنه ما من خير إلا وجه إليه، وما من شر أو سبيل من سبل الشر إلا صرفنا عنه. قال: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ لو كان هذا القرآن غير صحيح، لو لم يكن وحيا من الله، لكان فيه اضطراب في أحكامه في تشريعاته في قواعده. إن اعظم ما يدل على مصداقية القرآن هو الانسجام التام بين جميع السور وجميع الآيات وجميع المواضيع وجميع الكليات. لا يوجد صفحة واحدة في القرآن فيها خطأ، لا يوجد أي قاعدة في القرآن مريبة أو غير دقيقة: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.

ثم جاءت آية 83 لتؤسس لقاعدة مهمة جدا جدا للمجتمعات المسلمة. لاحظ سورة النساء سورة بامتياز تتكلم في قواعد بناء المجتمعات، على مستوى الأسرة، على مستوى المجتمع الكامل، على مستوى العلاقات، على مستوى مكونات المجتمع، كيف يتعامل المجتمع مع حالة الحرب مع حالة السلم، كيف يتعامل المجتمع مع الإشاعات التي يتم إثارتها والأخبار التي يتم تناقلها؟ فجاءت هذه الآية 83 تعلم المجتمع المسلم كيف يتعامل مع الإشاعات والأخبار التي يتم تناقلها داخل المجتمع. يقول سبحانه: وَإِذَا جَاءَهُمْ... الآن من صفات المنافقين والذين في قلوبهم مرض، من صفات المنافقين والذين في قلوبهم مرض: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ. بمجرد أن ينتشر خبر أو إشارة أو إرهاصات، أي خبر يتكلم عن موضوع في الأمن والرفاهية أو الاقتصاد، أو يأتي أمر وخبر فيه خوف: والله في هناك حروب ستبدا، في هناك صراعات ستكبر، في هناك إشكاليات كبيرة عم تحصل، إذا جاءهم وبلغ آذانهم خبر ومعلومة عن شيء فيه خير ورفاهية أو شيء فيه خوف وإشكال: أَذَاعُوا بِهِ، بدأوا يتكلموا ويخوضوا في السوشيال ميديا، في وسائل التواصل الاجتماعي، ويتناقلون هذه الأخبار داخل المجتمع مع أن هذه ما زالت إشاعة أو ما زال خبر ويحتاج إلى معالجة ويحتاج إلى دهاء ومعرفه كيف يتم التعامل معه وفق قواعد السياسة الشرعية.

فالله عز وجل يحذر من حالة المنافقين وضعاف الإيمان. وانظروا هذه الصفة، ما أكثرها اليوم! بمجرد ما ينتشر خبر على وسائل التواصل الاجتماعي، تجد كثير من الناس الذين ابتلوا بضعف الإيمان أو النفاق يسارعون ويتتابعون في التحليل والتنظير والخوض ونشر الخبر. الخبر يكون على وسيلة إعلامية، خلال ثواني ودقائق تجد الخبر عم البلد شمالا، جنوبا، شرقا، غربا: أَذَاعُوا بِهِ. لاحظ، أَذَاعُوا، لاحظ احنا بنسميه المذياع، اليس كذلك؟ أَذَاعُوا، هذه ليست من صفات العقلاء، ولا من صفات أهل الإيمان، ولا من صفات من يريد حماية مجتمعه وبلده ووطنه.

الله عز وجل ينبهنا على أهم قاعدة من أهم قواعد أمن المجتمعات: لا تتكلم كثيرا إذا جاءت شائعة، إذا جاء خبر، إذا جاءت معلومة لا تستعجل في نشرها؛ سواء معلومة خير: والله في رفع للموظفين، والله في تقليل لأسعار البنزين، في رفع لأشياء؛ حتى لو معلومة من الأمن، يعني لا تكن إنسانا هثارا في الكلام، لا تكن فقط ناقلا ناقلا مستعجلا تريد أن تتكلم. بعض الناس هو يريد أن يحصل قصب السبق في أي خبر، يكون هو أول من إذاعه: والله أنا أول من عرفت ونشرته بين الناس! ترى هذه ليست ممدحة أن يكون أنت أول من تكلم، هذه تكون مذمة، لأنه الأصل في الإنسان التروي والتاكد من الخبر ومصداقيته؛ خاصة تلك الأخبار اللي فيها تخويف، ويخاف منها الرجال والنساء والمجتمعات، كما يحصل الآن من تنبؤات عن حرب قادمة، وصراعات ستاتي، واشكالات، ومشروع الرافض الإيراني، والمشروع الصهيوني الماسوني العالمي، وكيف سيقتسمون بلاد الشام، وما هي أتونا الحرب بينهم، والتفاقات والمصالح والمفاسد، أين يلتقون أين يختلفون؟ تجد الناس يلتم ويعج وأكثرهم غائب تماما، وليس من أهل السياسة ولا درايه له بهذه الأمور، وإنما فقط حب الكلام وشهوة الحديث. فالله يقول: هذا خطا، ترى هذه بلبله للمجتمعات المسلمة.

طب ما هو المنهج الإلهي في التعامل مع الشائعات والإشكالات؟ يقول سبحانه وتعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ. يعني الأصل هكذا ينبغي أن يكون موقف عموم المسلمين عند حصول معلومة أو شائعة أو خبر، سواء خبر سرور أو خبر مخيف، أن يردوا هذا الخبر إلى الرسول -والرسول صلى الله عليه وسلم في ذاك الوقت هو راس الدولة- ويردوه إلى أولي الأمر منهم. يردوه إلى أولي الأمر منهم، يعني الأصل أن ترجعوا هذا الخبر هذه المعلومة إلى أولي الأمر، والمراد بالأمر هنا أصحاب الخبرة والدراية بهذه المواضيع، أصحاب الخبرة بالسياسة مثلا إذا أمر سياسي، أصحاب الخبرة والدراية الحقيقية بالسياسة؛ مش هؤلاء الذين يخرجونهم على القنوات الإخبارية 24 ساعة كلام وتنظير وهرج ومذر وسواليف، وكلامهم يعني كله تجده مجرد تعبئة فراغ على هذه القنوات الإخبارية. لا، في هناك اناس متخصصون مسلمون من أهل الدراية والمعرفة الحقيقية والمتتبعين لطبيعة الصراع والدارسين بعمق لطبيعة المشاريع القائمة ضد الإسلام والمسلمين وضد أهل السنة والجماعة، هؤلاء يرجع إليهم، ويستفتون.

لا يرجع إلى مجرد طالب علم يحفظ متونا ليتكلم في أمور سياسية كبرى، لا يرجع إلى داعية ومثقف إسلامي أو كاتب. هذه الأمور لها أهلها، لها متخصصون. وكيف أنت إذا اصابك مرض تذهب لطبيب مختص؟ يعني انسان عنده مشكلة في العظام بيروح إلى طبيب القلب؟ لا، بيروح لطبيب العظام. انسان عنده مشكلة في الأعصاب يذهب إلى طبيب الأنف والحنجرة ولا إلى طبيب الأعصاب؟ كل مكان له رجاله واختصاصه، وكذلك السياسة الشرعية والخبرة والدراية بدهاليز السياسة، هناك ينبغي أن يكون من أهل الخير والصلاح من لديه الدراية والخبرة بدهاليز هذه الأمور وتفاصيلها، وهم الذين يرجع إليهم وتستشرف منهم المعلومات الصائبة، طبعا باجتهادهم في النهاية ممكن يخطئوا أيضا، لكن على الأقل يا إخواني أن الذي يتكلم وينظر ويعطي بكلام مختصر واضح هم أهل الدراية وأصحاب الاختصاص، وأما أن يصبح كل الناس ما شاء الله منظرة، كل الناس محللة، كل الناس لها راي، والكل يريد يتحدث، والكل يريد يضع بصمته، والكل يظن أنه هو الذي يدري وهو صاحب الحقيقة المطلقة والمعرفة والدراية بما طبر وتفاصيل ما سيحصل الآن، وكيف هؤلاء قصفوا هؤلاء، وهؤلاء ردوا، اه وهذا اكيد! نحن تعرف للاسف شعوب تحب الحديث كثيرا ويقل منها العمل، شعوب تحب التحرير والخوض وتجد في ذلك لذه ومتعه، ولكن عند رجالها وحقيقه الامر تجد الكل لا يعرف شيئا إلا القله القليلة التي يرزقها الله العلم النافع والبصيره لتفهم ما الذي يحصل وتجعل أهل الإيمان يصطفوا بالمكان الصحيح.

فلذلك قال سبحانه: المطلوب قال: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ، يعني لعرف كيف يتعامل مع هذه القضية: الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ. إذا القضية، لاحظ التعبير بالاستنباط، القضية تحتاج عند الإشاعات والأخبار ودهاليز السياسة هذه لا تؤخذ ببداهة الرأي، ليس مجرد خبر تقراه مباشرة بناء عليه تتخذ موقف، بل الموضوع يحتاج إلى تروي وتوقف وانتباه واستنباط. الاستنباط والدخول إلى الداخل والنظر إلى ما وراء الأكمة وفهم تفاصيل ما الذي يحصل الآن. وهذا يحتاج إلى أصحاب الدهاء والذكاء والنباهة، عد إلى أهل العلم والدرايه بهذه الأمور واتبعهم، فهذا والله هو الخير أن يحصر الحديث في طبقه معينة من اصحاب النظر والقرار في السياسة الشرعية، والناس تكون تبع لهم، الناس تكون تبع لهم حتى لا تنتشر الإشاعات والرجاف والخوف، وهذا يخطئ هذا، وهذا يقول انت لا من تفهم طبيعه الصراع، وهذا يرى نفسه الذكي، وهذا يرى آخرين سفهاء: والله انت انت عارف خطوره المشروع الصهيوني؟ لا، انت مش عارف مشروع خطوره المشروع الرافضي؟ وكلها مشارع خطيره ومرعبه، لكن تفاصيل التعامل معها واين يقف اهل السنه والجماعه ضمن هذه الظروف، هذه من المسائل التي تحتاج إلى نظر وفهم ويعرف الإنسان أين يضع قدمه، لأن كل هذه المشاريع خطيرة، كلها تريد اجتياث اهل السنة والجماعة. فالآن نحتاج إلى البصيره، اللهم ارزقنا إياها.

لذلك قال: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا، يعني لولا أن الله سبحانه وتعالى يتلطف بنا ويتعاهدنا بهكذا بأمور تجدد الإيمان في قلوبنا وإلا لأكثر الآن اتبع الشيطان إلا قليلا، لولا.

إن الله يتفضل ويرحم، فعلا أكثر الناس هو في مامن من البلاء ولو ابتلي لفضِح. أكثر الناس هو في مامن يعني أكثر الناس من المسلمين هو في مامن عن البلاء ولو ابتلي لفضِح، فالإنسان -والله- يسأل الله السلامة والعافية من البلاء، لا يعرف إذا جاءت الأمور الصعبة والعسيرة أين يكون موقفه وكيف يكون تصرفه.

فالله عز وجل يقول: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، إنه يتجاوز عن تفاعلاتكم الـ... يتجاوز عن مواقفكم اللي فيها تهور وعجلة، يتجاوز عن كثير من الهذر والمذل الذي يصدر منكم، يتجاوز سبحانه وتعالى بواسع فضله وكرمه، وإلا لو حاسبنا الله على كثرة كلامنا الباطل وتحليلاتنا الفاسدة وتألينا في الأمور بدون دراية وأننا نقول على الله بما لا نعلم، لو حاسبنا بذلك لانتهينا ولكنا الآن مع صف الشياطين، لكن الله يتفضل ويحاسبنا بكرمه ورحمته.

قال: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهِ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا. طيب، أنا الآن كمواطن مسلم أعيش في الدولة المسلمة ضمن هذه الفتن، وضمن هذه الآراء المتشابكة وتقاذف السياسة، وبين اختلاف المشايخ والتيارات الدعوية والآراء و و و، في كل خضم هذه الحياة المتعبه أنا كإنسان مسلم ما موقفي؟

الله عز وجل أراد أن يبين موقفك، قال: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ. الله عز وجل يعطي هنا رسالة لكل مواطن مسلم داخل الدولة المسلمة: تعلم الحق من الكتاب والسنة ومن العلماء الربانيين، ثم قف على ثغر الحق ولا تبرح، يا شيخ حتى لو الناس تركوا هذا الثغر! حتى لو الناس تركوا ثغر الحق! حتى لو صار فتان، هات واختلفت الآراء واضطربت، مهما حصل بعد أن تتعلم الحق على أيدي أهله الزم ثغرك ولا تغادر موطنك.

فقاتل في سبيل الله، قاتل بالتعليم والفكرة وزراعة المبادئ، قاتل ببذل المال والمهج والأرواح، قاتل في أي مكان وقفت. طيب، أشعر بقله الناصرين، لا أشعر أن المسلمين يشاركونني نفس المبدأ بالدفاع عن دين الله؟ الله عز وجل يقول: أنت مسؤول عن نفسك، دعك من الناس. إذا الناس قصرت في الدفاع عن دين الله سبحانه بنشره وتعليمه وبنائه ودفع شبهاته وبذل المال في سبيل الله والمهج والأرواح، إذا ما دافعوا ليس لك علاقة بالناس، أنت أمام الله المسؤولية فردية، فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، مسؤول عن قرارك أنت، مش لن يحاسبك الله ولن يسألك الله عن خذلان المسلمين للإسلام، أنت مسؤول عن خذلانك أنت للإسلام.

وهذا سبحان الله من اعظم المبادئ اللي بترفع الهمة للإنسان في خضم هذه الفتن وهذه الشبهات وهذه القضايا، إنه الإنسان لما يرى حال أكثر المسلمين ما زالوا في لهوهم وعبثهم ومشاهدة المباريات والأفلام والمسلسلات وبعض الناس ما زال يعيش في قصص غرامية في الجامعات وهؤلاء يعيشون في... مع أن المسلمين مقبلون على أمر جلل، بعض الناس يصيب إحباط قال لك: يا شيخ ايش نسوي ما فيها، ايش نسوي؟ ربنا قال لك ايش تسوي: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ. أها، أنت مسؤول عن قرارك، أنت مسؤول عن ثغرك، لا تترك ثغرك ولا تضع سلاحك، مسؤول عن نفسك وحرض إخوانك، ذكرهم، نبههم، أيقظهم، يا جماعة الخير استيقظوا، انتبهوا، استيقظوا من السبات، اتركوا الغفلات، أعدوا أموركم فإن الأمر جلل وإن الخطب كبير.

وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهَ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا بهؤلاء الذين بهذه القلة التي لم تترك ثغرها وبقيت رافعه لسلاحها، سلاح العلم والمعرفة، سلاح التعليم، سلاح المال، سلاح بذل المهج والأرواح، هذه الثلة القليلة المرابطة التي رفضت أن تسلم ورفضت أن تترك مكان المواجهة مع أنها رأت أكثر المسلمين في سباتهم نائمون، هؤلاء الثلة القليلة ينصر الله بهم ويرد بهم صولة الأعداء.

قال: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا، لا تقول كيف رح ننتصر وأكثر المسلمين في سبات؟ ترى لعلمك حتى في عبر التاريخ، حتى في أيام صلاح الدين الأيوبي كان كثير من أهل الإسلام في سبات، صلاح الدين الأيوبي فاتح بيت المقدس ومحاصر عكا و و... ترى الصورة الخاطئة عندك إذا كنت تظن أن صلاح الدين الأيوبي كانت المجتمعات المسلمة كلها مستيقظة معه والكل حمل سلاحه ليقاتل مع صلاح الدين لفتح بيت المقدس! إذا أنت لم تقرا التاريخ جيدا، عد إلى برنامج المدارسة في غراس وانظر في قراءتنا لكتاب المحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد لتعرف أنه حتى في لحظات الانتصار إنما لحظات الانتصار بهؤلاء الأفراد الذين رفضوا أن يلقوا السلاح وقاتلوا إلى اللحظات الأخيرة واللي هم سادة أهل الإيمان والقادة العظام، هؤلاء بهم يكف الله باس الذين كفروا ولو كان باقي المسلمين في سبات وفي ضعف.

ما دام هناك ثلة على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين فإن الله سبحانه في هذه الثلة الصابرة التي حملت هم الإسلام والمشروع الاسلامي في قلبها، بهم يرد الله سبحانه وتعالى صولة الأعداء، وهؤلاء الذين في لحظات القتال والصراع كانوا ما زالوا يفكرون في شهواتهم وفي مسلسلاتهم وقصص غرامهم والنظر إلى النساء والإباحية و و... هؤلاء في خزي وعار، دعوكم منهم، فإنما الإسلام ينصر برجاله وبأبطاله وبقادته وبالذين حملوا هم هذا الدين وبذلوا أرواحهم ومنهجهم وأوقاتهم في سبيل الله، بهم يدافع الله سبحانه وتعالى عن بيضة الإسلام والمسلمين.

وهذه آية حقيقة عظيمة جدا، كلما قرأها الإنسان تصنع لديه حافزا لأن يقدم ويخدم دين الله سبحانه وتعالى على الرغم مما يراه من ضعف ووهن المسلمين فكريا وحياتيا ودينيا، لا تقل هلك الناس، لا تقل يا اخي الأمة هذه ما فيها خير، لا تقل ذلك يا أخي أنت قاتل ليس لك علاقة بك وبأمتك، فيالك من المقاتلين المرابطين على ثغور العز، ينصر الله سبحانه وتعالى الإسلام ويرد باس الذين كفروا.

طيب، الآية 85 أيضا من القواعد التي يجب أن تحكم افراد المجتمع المسلم مع بعضهم البعض، يقول سبحانه وتعالى عن أهمية أن يتعاون أفراد المجتمع الواحد بينهم أي في التناصر وتكشيف الكروبات والفروج: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا. الله يقول: من يساعد أخاه في المجتمع، من يساعد أخاه المسلم فيشفع له شفاعة حسنة يعني يقدم... طبعا هنا إذا بدنا نحمل الآية على عمومها: أي عمل معروف تقدمه لأخيك فتساعده به، والله عنده مشكلة مالية، عنده مشكلة في معاملة، عنده مشكلة في قضية أمنية، ديون تراكمت عليه، أي مشكلة يقع فيها أخوك المسلم فانت تشفع شفاعة حسنة إذا أنت عندك قدرة ساعته، ما عنده قدرة على الأقل بحثت وأعنت عنها، فالله سبحانه وتعالى يجعل لك نصيبا كبيرا من الثواب.

يقول سبحانه النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والاخره. فالإسلام يعلمنا الأخلاق الاجتماعية، سورة النساء دائما أقول هي سورة بناء المجتمعات، قواعد عامة قاعدة بعد قاعدة، والله شوف: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ... يا أخي قاعدة عظيمة، فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، قاعدة في المجتمعات، من يشفع شفاعة حسنة قاعدة في المجتمعات.

إذا أخوك المسلم في المجتمع عنده مشكلة، مصيبة، ورقة، وثيقة، اشفع له، ساعده، اسنده، ممكن عندك انت مثلا وجاهة معينة تستطيع أن تساعده على حل مشكلته، ربما تستطيع أن تشفع له عند أناس يرفعون عنه الدين أو يساعده في قضاء الدين، ساعد أخاك المسلم المكروب في أي حل من الحلول الشرعية.

قال: وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا. وأما إذا ساعدت أخاك على الخطا وعلى الظلم وعلى الرشوة وعلى الواسطات والقفز عن حقوق الآخرين فكان لك شفاعة سيئة ومساندة بالباطل فلك أيضا كفل منها، ستحاسب عليها يوم القيامة، هذا عدل الله الذي يساعد أخوه بطريقه صحيحة ويرفع عنه النكب والكربات بشكل صحيح فهذا له نصيب من هذا عند الله، والذي يساعد ويساند الناس بالباطل وبخطأ والواسطات والرشاوي والظلم هذا يكن له كفل مما فعل، وكان الله على كل شيء مقيتا ومقيتا بمعنى مقتدرا.

طيب، قاعدة من قواعد نشر الأمن المجتمعي، الآن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دخل المدينة، أول يوم دخل في المدينة وهو ما زال على ناقته لم تضع رحالها بعد، دخل على اهل المدينة فقال لهم: يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.

أول ما واجه به هذه المدينة وأول عبارة ايش هي؟ أفشوا السلام. النبي عليه الصلاة والسلام أول ما وصل المدينة لاحظ ركز على بناء المجتمع المسلم والعلاقات الاجتماعية، لانه المجتمع المسلم يحتاج إلى تالف، يحتاج إلى تواد، فبين لهم كيف يصنع التالف والتواد، أولا: أفشاء السلام، تحية أهل الاسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه كلمة بعض الناس يقلل من شانها أو يراها يعني من مجرد الفضائل الحياتية، والحقيقة أن الأمر أوسع من ذلك بل هي شعار للأمن المجتمعي.

هذه الكلمه لما أنت تدخل على شركة أو محكمة أو شارع أو سوق أو جامعة وتجد الناس كل يقول لأخيه: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، يا أخي تشعر بالراحة، تشعر في روح مودة وألفة وتراحم بين هؤلاء المسلمين، فسبحان الذي وضع هذه الشعيرة شعيرة السلام التي تنبئ عن قلوب صافية وعن حالة نقاء مجتمعي وعن تالف حياتي، بخلاف تمشي في الطرقات ما أحد يرد عليك السلام ولا أنت تسلم على أحد تشعر كأننا أجانب عن بعضنا البعض.

يا أخي حتى لو ما أعرفك ليس شرطا أن أعرفك حتى أطيك شعار السلام والمودة والمحبة، ألق السلام على من تعرف ومن لا تعرف، هذه قاعدة الإسلام لأن هذه الكلمه هي تنشر روح المحبة والألفة، لذلك هذه أول كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: يا أيها الناس أفشوا السلام، هذه شعارنا، هذه هويتنا، هوية الأمان وهوية التقارب والتالف. أنت ابن العشيرة الفلانية وأنا ابن العشيرة الفلانية وأنت ابن فلان وهذا ابن فلان قد نعرف بعضنا قد لا نعرف، لكننا جميعا من أهل الإسلام فيجب أن تكون بيننا رابطة، وهذه الرابطة أسهل شيء وأخف شيء يؤسسها ويؤكدها السلام عليكم ورحمة الله.

لذلك جاءت هذه الآية، يقول سبحانه: وَإِذَا حُيِّتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا. شوف ربنا كيف بيعلمنا التالف، إذا أخوك المسلم أعطاك تحية السلام فحيه بأحسن منها أن تكون أحسن في رد السلام أو مثله، فإذا قال: السلام عليكم، ما هو الأحسن في الرد؟ يلا هذا سؤال لكم خلاص ختمنا احنا اليوم، بس هذا سؤال لكم إذا شخص قال لك السلام عليكم كيف يكون ردي أحسن؟ ماذا أفعل؟ هيا انتظر الجواب.

أحسنتم عبر التليغرام وعبر... أن تضيف وعليكم السلام ورحمة الله، زيد، إذا هو قال لك السلام عليكم أنت ما تقول له وعليكم السلام بس زد قل: وعليكم السلام ورحمة الله، إذا هو قال لك السلام عليكم ورحمة الله أنت زد وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعض السلف كان يزيد ومغفرته أيضا. باختصار أنت أعطِ انطباع إذا هو قال لك السلام عليكم أنت أعطه انطباع أجمل وأكد له أن هذه التحية أنا راح أعطيك زيادة عليها وأنه ما في قلبك تجاهي أنا أيضا موجود عندي تجاهك وزيادة، هذه مش مجرد كلمة تقال هذا تأسيس لمجتمع نقي، فَحَيُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا، على الأقل يعني هذا أقل الأحوال إذا قال لك السلام عليكم قل له وعليكم السلام، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا.

ثم دائما شوف أثناء هذا جمالية القرآن وأنت في خضم بناء القواعد المجتمعية والسياسة الشرعية يأتي الربط بالتوحيد وبدار الآخرة لتفهم أن كل هذه الدنيا بمجتمعات وقواعدها وأحكامها إنما هي جسر يعبر عليه إلى الله سبحانه: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. بالدقة شوف وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا، بدك قواعد اجتماعية وأمنية وسلوكيه أصدق من هذه القواعد؟ في حدا يفهم أكثر من رب العالمين سبحانه وتعالى؟ في أحد قادر أن يؤطر ويقعد ويؤسس لصلاح المجتمعات وبناء الأنظمه والدول أعلى من رب العالمين الذي خلقنا ويعرف نفوسنا وطبائعنا وما الذي يصلح حالنا؟ كأن الآية تقول لك: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا، يا أخي خذ هذه القواعد لن تجد أصدق منها وأعقل منها وأحكم منها وأكثر صلاحا منها تمسك، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا.

في الدرس القادم إن شاء الله سنعود أيضا لمعالجة بعض مواقف المنافقين في النظام الإسلامي وكيف أنه يجب على المواطن المسلم أن يتخذ موقفا من المنافق وكيف يتم التعامل مع حالة هذا النفاق أو حالة هؤلاء المنافقين في المجتمعات المسلمة، ثم بعد ذلك كيفية علاقة المسلم بأخيه المسلم، حقيقة سورة النساء سورة ثرية من القواعد الكلية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يبصرنا وأن يعلمنا ما جهلنا وأن يرزقنا العمل بما علمنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.