بسم الله، الصوت على اليوتيوب جيد. يا رب يعمل الآن. طيب، فقط أريد أظن الشاحن اللاب توب لأعمل. دقيقة، بسم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في رحلة الإنسان في القرآن، هذه الرحلة التي ابتدأناها في شهر رمضان بحمد الله سبحانه وتعالى. وما زال حديثنا قائماً فيها، فإن القرآن لا تنتهي معانيه، وأن القرآن حتى استعراض القرآن والاستعراض للمعاني الجملية يحتاج إلى وقت وجهد وبذل، وأن دائماً يمر الإنسان على هذه المعاني ويجدد النظر فيها، لعل الله سبحانه وتعالى يرزقنا هذا الاستبصار وهذا الاستهداء بكتابه ويكشف لنا معانيه، والرسائل التي يريد الله عز وجل أن تصل الينا، أن تصل لهذا الإنسان الذي أوجده الله عز وجل على هذه الأرض، وأنزل عليه هذا الكتاب ليكون هذا الكتاب نوراً له وبصيرة له في سيره إلى الله عز وجل.
نحن وصلنا أيها الكرام في مسيرتنا، يا رب، وصلنا في مسيرتنا في رحلة الإنسان إلى سورة الأنفال، ابتدأنا من سورة الناس وانتهينا الآن إلى سورة الأنفال، يعني قطعنا عشرين جزءاً بحمد الله سبحانه وتعالى، نسأل الله التمام. دعونا نتحدث اليوم عن سورة الأنفال. سورة الأنفال أيها الكرام، السبب الرئيس في نزولها أن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بعد أن انتهت غزوة بدر، حصل خلاف بينهم في كيفية توزيع الغنيمة التي نالوها، فإما الشباب الذين انغمسوا في العدو وأبلوا بلاء حسناً رأوا أنهم هم الأحق بالغنيمة من الشيوخ الذين كانوا في مؤخرة القوم. والشيوخ كبار السن الذين كانوا في مؤخرة الجيش وكانوا يحرسون الأمتعة والثقل وكانوا ردءاً ينتظرون الفرصة المناسبة لمساعدة الشباب في الغزوة، قالوا: أيضاً لنا نحن نصيب من هذه الغنائم ولا ينبغي أن تستأثر بها أيها الشباب. فهذه كانت أول غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم يحصل فيها غنيمة دسمة، وبالتالي وقع الخلاف ووقع شيء من النزاع.
فجاء القرآن ليعلم ويؤدب الإنسان عموماً، الإنسان المسلم في أي زمان وفي أي مكان وفي أي جيل وفي أي حقبة، يحذره من أن تؤثر عليه الدنيا وتميله عن مقصده وهدفه في الوجود، وعن مقصده وهدفه في حمل هذه الدعوة المباركة. أحذر أيها الانسان الذي كنت تسير بهذا الدين، تصول وتجول به، أن تغلب عليك المادية في مرحلة من المراحل، وأن تصبح الغنائم الدنيوية والحصيلة الدنيوية والمتاع الدنيوي أهم وأعظم لديك من السير إلى الله سبحانه وتعالى، فتستقر الدنيا بقلبك، وتحوز بعد أن قطعت شوطاً في السير إلى الله سبحانه وتعالى، شوطاً من التضحية والجهاد والبذل والعطاء، بعد أن قطعت شوطاً في هذا المسير، تأتي لعاعة من الدنيا فتستقر بها وتتمسك بها، وتنسى الهدف الرئيس من هذا الجهاد والبذل والعطاء، تنسى الهدف الرئيس في هذا السير إلى الله سبحانه وتعالى.
لذلك جاءت السورة مطلعها واضح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. جاء الصحابة بعد أن حصل الخلاف بينهم يسالون النبي صلى الله عليه وسلم من الأحق بهذه الغنائم؟ الشباب يقولون: نحن أحق، والشيوخ يقولون: لنا نصيب. فالله عز وجل أعطاهم درساً قاسياً رسخ في أذهانهم وعقولهم، فقال: قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. هذه الغنائم ليست لكم، هذه الغنائم لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يقضي بها، لكن المهم: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. المهم هو تحصيل التقوى، المهم صلاح المجتمع، المهم بقاء روح أخوة سائدة، أن نجعل الدنيا تمزقنا وتفرقنا وتشتتنا ونقتل عليها في داخلنا والعدو يتربص بنا! هذا والله من الوهن العظيم الذي يدخل على المجتمعات المسلمة.
لذلك الله سبحانه وتعالى أعطى الصحابة في خمس صفحات متواصلة درساً قاسياً ينبههم فيه على معاني الإيمان، ثم بعد ذلك في الصفحة السادسة أعطاهم توزيع الغنائم كيف يكون، فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ. شوف، يسالونك عن الأنفال كيف توزع، جاء الحكم بتفاصيل توزيعها بعد خمس صفحات، لأن الأمر الأهم هو أن يعطى الصحابة وأن تعطى الأمة المسلمة درساً إيمانياً عالياً في قضية كيف ينظر المسلم إلى الدنيا في سيره إلى الله. الصحابة الكرام صبروا في مكة وتحملوا من العناء الكثير الكثير، الصحابة الكرام خاضوا سرايا وغزوات قبل غزوة بدر، ثم جاءت غزوة بدر كأول اختبار وامتحان للصحابة الكرام حقيقي على أرض الميدان، وانتصر الصحابة في الجهاد والثبات فيها، لكن حصل خطأ في الدنيا، حصل خطا في طريقة التعامل معها.
وللاحظوا إخواني أن الغنائم هي سببت أكثر من مشكلة، يعني هي سببت مشكلة في غزوة بدر بسبب الخلاف بين الشباب والشيوخ في كيفية التوزيع، ثم جاءت مرة أخرى حتى تعرفوا أن الدنيا كم هي كم صعبة والصبر أمام شهواتها إذا برزت تحدي كبير، جاءت الغنائم مرة أخرى في غزوة أحد لتكون سبب من أسباب الهزيمة، حيث إن الرماة الذين كانوا على ظهر الجبل إنما تركوا النبي صلى الله عليه وسلم ونزلوا عن الجبل من أجل أن يدركوا نصيبهم في جمع الغنائم، فاتت الهزيمة! إذاً، الغنائم هي نموذج الدنيا، تستطيع تقول ذلك، لأنه أحياناً وأنت تسير إلى الله سبحانه وتعالى، الغنيمة قد تكون منزلة معينة، قد تكون وظيفه، قد تكون شهوة من شهوات الحياة الدنيا، قد تكون علاقة بامراه، قد تكون مال، بغض النظر، الغنيمة هي تمثل الدنيا، ويكون الإنسان قد بذل وقدم وجاهد نفسه وله المواقف الجميلة والسعي الحميد، لكن في لحظة معينة يضعف أمام الدنيا، في لحظة معينة الدنيا تتشبث وتتعرض له، فهل سيثبت أمام هذا الإغراء الدنيوي بغض النظر ما هو حجمه، مرتب معين، وظيفة معينة، علاقة محرمة، شهوة من الشهوات وما هكذا، أم سيسقط ويدع مع كل سنوات البذل والجهاد والصبر والعطاء والتحمل الذي بذله لهذا الدين يجعل لعاعة من لعاعات الحياة الدنيا تؤثر على قلبه وسيره إلى الله سبحانه وتعالى؟
نعم، جاءت سورة الأنفال لتعلم الصحابة درساً، لكنه كان درساً مهمأً، درساً عظيماً أثر على نفوس الصحابه الكرام إلى سنوات وسنوات، هؤلاء الصحابة الذين تلقوا هذا الدرس في بداية سير أو في بدايه المعارك بقي هذا الدرس حاضراً معهم إلى نهاية حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وانتقل معهم حتى في حياة الخلفاء الراشدين عندما كانوا يخوضون المعارك ويفتحون الأمصار مصراً تلو مصر. دعونا سريعا نخوض في تفاصيل هذا الدرس وكيف نبه الله سبحانه وتعالى الصحابه الكرام على ضرورة التألف وعدم التخالف وضرورة الثبات على دين الله سبحانه وتعالى والحرص على صلاح ذات البين، وأن هذه كلها أعظم من لعاعة الدنيا التي تزول سريعاً ولا تستحق ذاك التشبث وذاك الالتفات.
يقول سبحانه وتعالى في بداية السورة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فهنا بدأت سورة الأنفال تعطي من هو المؤمن بحق؟ ما هو الإيمان الحقيقي؟ فقال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. فجاءت مطلع هذه السورة ليبين ما هو معاني الإيمان الحقيقي، الإيمان الحقيقي معانيه لا تظهر بالامور الدنيوية ولا تقاس بالامور المادية، هل كلما ازددت من الدنيا قرباً ازداد إيمانك؟ هل كلما ازداد نصيبك من الغنائم ازداد إيمانك؟ هل كلما ازداد مرتبك وظيفتك منصبك ازداد إيمانك؟ كم من عبد أشعث أغبر لا يعرفه الناس لكن يعرفه الله سبحانه وتعالى يكون مؤمناً حقاً أكثر من هؤلاء الذين يتهرجون بالإيمان أمام الناس ويتصيدون ويتزخرفون به لكن لم يقر من الإيمان في قلوبهم كما وقر في ذلك العبد الأسود الأشعث الأغبر.
فالله عز وجل يبين ما هي معايير الإيمان الحقيقي الذي يريده الله عز وجل فيقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. قلب وجل! هذه أول صفة من صفات المؤمن الصادق، القلب الوجل، القلب المرهف الحساس عند ذكر الله سبحانه وتعالى، قلب إذا سمع اسم مولاه اقشعر خشع ذل وخضع، قلب إذا سمع آية قرآنية أو حديث نبوي يأمره بشيء أو يوجهه نحو شيء خضع وسمع وأطاع، هذا هو القلب الذي يريده الله سبحانه وتعالى أن يكون عندك إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.
ثانياً: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. وكلما مر على آيات ربه، كلما قرا القرآن وتصفح السور العظام، ازداد إيماناً بعد إيمان، وازداد تصديقاً بالله بعد تصديق، وازداد قرباً من ربه سبحانه وتعالى، فلا يزيده القرآن إلا قرباً. قال: وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، توكلوا على الله سبحانه وتعالى في كل خطوة من خطوات الحياة وفي كل نفس من الأنفاس وفي كل مشاريعهم، كانوا متوكلين على ربهم سبحانه وتعالى.
ثم لابد من ذكر الصلاة، قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، لأنه لا يوجد إيمان ولا رقي إيماني بدون المحافظة على الصلاة. قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، ثم: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، التخلي عن الدنيا بإنفاق المال الذي بين أيديهم نصرة لدين الله عز وجل، إعانة لملهوف، مواساة لفقراء، إعداداً للجهاد في سبيل العلم في أي جهة من الجهات يطيعون التخلي عن الدنيا وإنفاق الأموال التي بين أيديهم لربهم. هذه الصفات هي التي تعني أنك مؤمن حقاً: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
إذاً، هذه الآيات الأول أعطتهم مفهوم الإيمان الذي يريد الله أن يتحقق، ثم بعد ذلك بدأت السورة تنبه الصحابة الكرام الذين اختلفوا في توزيع الغنائم تنبههم، أنه من الذي أخرجكم أصلاً إلى غزوة بدر؟ من الذي أوصلكم إلى هذه النهاية السعيدة بالانتصار المهيب لولا تقديرات الله سبحانه وتعالى؟ قال: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ.
الصحابة الكرام خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وما كان في الحسبان ولا في البال ولا في الخاطر أنه ستكون هناك معركة. الصحابة الكرام خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم متetجهين باتجاه قافلة لأبي سفيان رضي الله عنه، كان كافراً عندئذ، محملة بالطعام والشراب والأقمشة، كانت قادمة من الشام، فخرج الصحابة الكرام مع النبي صلى الله عليه وسلم يعترضون هذه القافلة ليغنموا ما فيها ويعودوا إلى المدينة، كانوا يريدون غنيمة باردة، غنيمة بدون قتال، غنيمة ما فيها يعني تضحية وحرب، هذا كان توقع الصحابة، ثلاثمِائة وأربعة عشر الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يتوقعون حصول قتال.
طيب، كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. هنا لما ضاعت قافلة أبي سفيان وذهبت من أيدي الصحابة والله عز وجل قدر أن تسير الظروف باتجاه أن يلتقي الصحابة بجيش الكافرين الذي جاء جيشاً عرمرماً مليء بصناديد كفار قريش، هنا بعض الصحابة، بعض المؤمنين الصادقين، حدث عنده وجل في القلب وخوف من هذا اللقاء! كفار قريش يأتون بألف فارس وراجل مدججين بالسلاح ومعهم ناديهم ونحن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمِائة وأربعة عشر رجل، هل سنستطيع المواجهة؟ شيء طبيعي أن يحصل خوف في بعض القلوب، نعم، شيء طبيعي، هذا مجتمع وهذه نفوس بشرية مع إيمانهم بالله سبحانه وتعالى، لكن كان هناك شيء من الخوف، كان هناك شيء من القلق بدأ يدخل في نفوس بعض الصحابة، وإن فريقاً من المؤمنين، ما قال الله من المنافقين أو من الذين في قلوبهم مرض، هذا خوف طبيعي بسبب اختلاف موازين القوى المادية، لكن الله عز وجل يريد أن يري الناس إلى يوم القيامة آية من آياته، انتصار تلك الثلة الصابرة من أهل الإيمان.
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا، جادل النبي صلى الله عليه وسلم في الحق بعدما بين في ملاقاة كفار قريش، الآن أصبح الجهاد ومقابلة الجيش الكفار هذا هو الحق الذي يجب أن يحصل الآن، لكن كما قلت بعض الصحابة كان يناقش: يا رسول الله هل نستطيع المواجهة؟ هل نستطيع أن نخوض هذا الصراع؟ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. الله عز وجل يريد أن يري الصحابة الذين اختلفوا في الغنيمة بعد نهاية المعركة، يريد أن يريهم كيف كانت المشاعر قبل بداية المعركة! يعني أنتم يا من تختلفون الآن في كيفية توزيع الدنيا، وكل شخص يقول: لا لا، أنا، أنا الذي بذلت أكثر! فالشباب قالوا: نحن من انغمس في الكفار، والشيوخ قالوا: نحن كنا ردءاً. الآن بعد نهاية المعركة اختلفتم وكل شخص يدعي أن له الفضل، دعوني أرجعكم إلى مشاعركم في بداية المعركة أو قبل أن تبدأ المعركة! من الذي ثبت القلوب على مقارعة الكافرين؟ انظروا كيف كانت كثير من نفوسكم كأنما تساقوا إلى الموت، يعني أنتم في قمة الخوف والوجل من لقاء المشركين، كان أحدكم إذا قيل له الآن ستبدا المعركه كأنه يساق إلى الموت، خلص كأنه رايح للذبح من شدة خوفه ورعبه.
طيب، الله عز وجل وعدكم إحدى الطائفتين كما جاء عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه وعد الصحابة إحدى الطائفتين إما أبو سفيان أو الغنيمة.
إحدى الطائفتين: إما أن تنالوا أبا سفيان وما فيها من الغنائم أو تنالوا غنيمة بدر. لكن وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، لما وعد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنكم، ستُحصي الصحابة الكرام كانوا يريدون أن يحصروا المال والغنيمة التي ليست ذات شوكة يعني التي لا يوجد فيها قتال، كانوا يريدون الغنيمة الباردة كما قلنا قافلة أبي سفيان. لكن الله عز وجل شاء أن يكون عطاؤه للصحابة والغنيمة التي يحصلونها بعد ذات الشوكة يعني بعد القتال ومقابله الكافرين ومقارعة.
ماذا كنتم تريدون؟ كنتم تريدون الغنيمة الباردة اللي هي أبو سفيان التي لا يوجد فيها سلاح ولا معارك، لكن الله يريد شيئاً آخر، الله يريد أن يحصل القتال وأن يحصل الالتحام وأن تحصل معركة فاصلة في التاريخ الإسلامي. نعم، لم تكن نفوسكم يا أيها الصحابة ترغب بحصول هذه المعركة ضمن هذه التفاصيل، لكن الله أراد أن تقع وأراد أن يقع الانتصار المهيب لأهل الإيمان ليحصل مراد الله عز وجل في إذلال الكافرين وإرغام وإظهار قدرة الله سبحانه وتعالى على نصر المؤمن المستضعف على الكافر المتجبر.
قال سبحانه: وَيُرِيدُ اللَّهُ أ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ. نعم، ظهور الإسلام وظهور معاني الإسلام وانتصار الأفكار الشرعية هذا أهم من حصول غنيمة دنيوية، أهم من أن تنالوا أبا سفيان، أهم من أن تطور اقتصادياً و و و. الأهم من ذلك أن الذي يرتفع ويسمو هو معاني لا إله إلا الله، أن تسمو معاني العقيدة وترتفع ويرى الناس قدرة الله سبحانه وتعالى ونصره لأوليائه واذلاله لأعدائه، فقال: وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
ثم بدأت الأمور تدخل في صلب المعركة، إذ تستغيثون ربكم لما اصبح المواجهة حتمية بين الصحابة الكرام وبين كفار قريش. الصحابة الكرام والنبي صلى الله عليه وسلم على رأسهم بدأ يستغيث الله استغاثة شديدة عظيمة حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان يسقط رداءه، كان يسقط رداؤه عن ظهره فياتي أبو بكر فيقول له: يا رسول الله، يكفيك مناشدة لربك، فإن الله عز وجل منجز لك ما وعدك. يعني سيدنا أبو بكر من كثرة إشفاقه على النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة ما استغاث ربه قال: يا رسول الله، لا تقلق، ريح نفسك يا رسول الله، والله إن الله عز وجل منجز لك ما وعدك، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ.
لأن المشاعر الأولى قبل المواجهة كان فيها شيء من الخوف، من الترقب، أبو جهل حاضر، أمية بن خلف حاضر، عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، الأسماء الكبرى، عقبة بن أبي معيط، صناديد كفار قريش. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جيش الكفار قال: يعني هذه مكة رمتكم بفلذات أكبادها أو كما قال عليه الصلاة والسلام. يعني رموز الكفر اجتمعوا في غزوة بدر، فكان بالتأكيد إذاً مشاعر الصحابة الكرام فيها نوع من القلق، في نوع من التوجس، في نوع من الترقب. مفهوم؟ طيب.
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمَدِّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. ساعطيكم ألفاً من الملائكة، ألف ملك على أحصنة يتتابعون في النزول لنصرتكم في هذه الغزوة، وهذا كان نوع من التطمين لهؤلاء المؤمنين والصحابة الكرام حتى تقوى نفوسهم لخوض هذه المعركة. فقال الله عز وجل هنا شوف التربية الإيمانية: نعم ساعطيكم الألف ملك، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ.
إخبار الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة ستقاتل معكم هذا كان من باب التثبيت لقلوب المؤمنين وإن زاد الطمأنينة عليهم، لكن النصر في النهاية ليس لا من عند الملائكة ولا من عندكم يا أيها الصحابة، النصر الذي يسطره ويكتبه لكم هو الله سبحانه وتعالى. فكان إنزال الملائكة من باب التثبيت فقط وليس لأنهم سبب النصر، هذه عقيدة يتربى عليها المسلم، لذا قال سبحانه: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ. هكذا يتربى الإنسان أنه مهما أخذت من الإجراءات المادية وأعددت العدة المحسوسة في النهاية الذي سيكتب النصر أو الهزيمة هو الله عز وجل، فينبغي أن يبقى قلبك متعلقاً بمولاك وسيدك.
ثم جاء التطمين الثاني بعد موضوع الملائكة، التطمين الثاني: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ. الصحابة الكرام ما كان معهم إلا يعني ما كان معهم إلا فرسان وكل الصحابة كانوا في جلهم راجلين يعني على أقدامهم، بخلاف جيش الكفار كان فيهم أحصنة كثيرة. فالله سبحانه وتعالى من تثبيته للمؤمنين أيضاً ومن رعايته لهم أنه أنزل المطر من السماء، هذا المطر من السماء زلقت به أحصنة الكفار وثبتت به أقدام المؤمنين الأطهار.
فقال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ. فكان هذا الماء الذي نزل من السماء أيها الكرام قال ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، والرجز يطلق على ماذا؟ الرجز يطلق على المعصية، ويطلق الرجز أيضاً على العذاب. وكان هذا الماء الذي نزل من السماء كان تطهيراً للباطن وللظهور، للباطن والظهور، السيئة ولكل الخطرات الشيطانية التي كان يحاول الشيطان أن يقذفها في قلوب بعض الصحابة: أنه ينسحب، لا تكمل هذه المعركة، إياك أن تخوض موازين القوة مختلفة.
كان نزول هذا المطر فيه شعور برحمه الله سبحانه، وهذا دائماً ما يستحضره الإنسان المؤمن عندما ينزل الله عز وجل عليه الغيث من السماء، يستحضر الرحمة، يستحضر النعمة، يستحضر العطاء الإلهي. لأنه هذا المطر من الله عز وجل نحن البشر لا علاقة لنا به، هنا يستحضر الإنسان العطاء الكرم الثواب الإلهي من الله سبحانه وتعالى مع ما حصل كما قيل في السيرة من تثبيت لأقدام المؤمنين وكانت تزل أحصنة الكافرين، فكان نزول المطر سبب من أسباب التثبيت أيضاً.
النعاس: الصحابة الكرام نزل عليهم نعاس شديد حتى قيل في أثناء المعركة إن أحدهم ليكون السيف بيده فمن شدة النعاس يسقط السيف، يسقط السيف، وكان هذا النعاس سبباً من أسباب الطمانينة والهدوء. يعني يعني حتى لا يبقى الإنسان دائماً يفكر يفكر، وجود حالة من الراحة والتطمين خاصة في بداية المعركة بحيث يأخذ جولة من النوم الهادئ المطمئن، هذا فيه تثبيت ترييح للأعصاب. لأنه الإنسان المتوتر الخائف الذي لا ياتيه النوم يكون متعب، وحالة التعب والاضطراب النفسي تؤثر حتى على أجواء المعركة بالنسبة له. الصحابة الكرام نزل عليهم نوم مفاجئ، هذا النوم المفاجئ كان هدفه ترييح الأعصاب، الهدوء، الطمانينة، حتى خلاص يستعدوا للمعركة بكامل قواهم العقلية والبدنية والجسدية، وكان هذا أيضاً من تثبيت الله عز وجل لعباده.
إذاً إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ. أمنة منه أي لأنزال الأمان على قلوبكم، لأنه القلب الذي هو خاو وجل يصعب عليه أن يخوض المعركة، فكان النعاس سبباً من أسباب الأمان، وكذلك نزول المطر. ثم قال: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. أيضاً من آيات الله في غزوة بدر أنه القى الرعب في قلوب الكافرين، حتى أنهم راوا المسلمين كثرة كاثرة. كما قيل في يعني الله عز وجل ابتلاهم أنهم راوا في البدايه نعم راوا المؤمنين قلة فتجاسروا على المعركة، لكن لما بدأت المعركة وفي تفاصيلها أصبح الكفار يرون المؤمنين كثرة وهذا أدخل الرعب في قلوبهم.
قال: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. ثم أخبر الله سبحانه وتعالى لماذا هؤلاء الكفار أنزل الله عز وجل بهم هذا القتل الشديد والبلاء الرهيب؟ قال: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. الكفار استحقوا هذا القتل الشديد لأنهم لم يقفوا في صف الله ورسوله، بل كانوا شاقين له واقفين في مواجهه الله، والذي يقف في مواجهة الله الله عز وجل يبيده، الله عز وجل يهلكه، الله عز وجل يسلط عليه جنود السماوات والأرض، ملائكة ينزلها الله عز وجل تبيد هؤلاء الكفار، تضرب الأعناق وتضرب البنان وتضرب كل شيء في أبدانهم. وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. إياك أن لا تكون مع صف الله، فإن من يقف في محاربة الله فانه مسكين مسكين، هو ظالم لنفسه ومسكين يظن أنه يستطيع أن يتحدى ربه عز وجل.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا. هنا ستبدأ توجيهات كثيرة مطلعها: يا أيها الذين آمنوا يا أيها الذين آمنوا، فهذا أول نداء في هذه السورة: يا أيها المؤمنين لا يحق لكم الانسحاب إذا رايتم جيش الكفار. إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. إذا رايتم الكفار وقفوا في الصفوف وزحفوا باتجاههم فلا يجوز التولي عند التقاء الصفين، وهذه إحدى الحالات التي لا يجوز فيها للانسان التخلف عن الميدان والمعركة ويعتبر انسحابه كبيرة من الكبائر. لكن سياتي معنا ضابط الثبات في المعركة الذي يعد الانسحاب بعده كبيرة من الكبائر في آخر السورة، فهنا من الكبائر كما تعلمون التولي يوم الزحف. إذا التقى جيش المسلمين مع جيش الكفار هنا لا يجوز للمسلم الانسحاب، بل عليه أن يقاتل وفق المعادلة التي ذكرت في آخر السورة.
لماذا يجب الثبات؟ لانه لا يجوز أن يري المؤمن الكافرين ضعفا، بل على المؤمن أن يري الكافرين قوة وصلابة. قال: وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. الذي يغادر الجيش الإسلامي بعد أن يلتقي مع الكفار وينسحب من المعركة، فهذا عليه غضب من الله وماواه جهنم لأنه ارتكب كبيرة من الكبائر. هل معنى هذا لما نقول ماواه جهنم أنه سيخلد فيها أبداً؟ لا، هذه كبيرة من الكبائر توعد الله عليها بالنار، لكن المراد أنه سيعذب في نار جهنم عذَاباً يليق بهذه الكبيرة إلا أن يتوب الله عليه.
الله عز وجل استثنى بعض الحالات قال: وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ. أحياناً الإنسان في المعركة قد يعود إلى الخلف من باب إعادة ترتيب الصفوف أو قد يترك جهة معينة من الغزوة الميمنة مثلاً وينتقل إلى فئة أخرى إلى الميسرة أو إلى جماعة أخرى في مكان آخر يرى أن الأفضل أن يقاتل باتجاههم. فإذا انسحبت من أمام العدو تريد أن تتحرف لقتالهم في مكان آخر أو تتحيز إلى فئة أخرى فلا إشكال في هذا الانسحاب، لأنه ليس انسحاب حقيقي يسمى هذا انسحاب تكتيكي يعني انسحاب تكتيكي لتصنع إما خديعة أو تتجه نحو القتال من زاوية أخرى أو تنظر أن هناك فئة أخرى في المعركة تحتاجك من القلب أو الميمنة أو الميسرة. هذه التغييرات التكتيكية لا إشكال فيها ولا يعتبر التراجع فيها تراجعاً حقيقياً.
أما الانسحاب التام الحقيقي وترك ميدان المعركة والعودة، هذا هو الذي أوعد الله عز وجل عليه عباده. ثم الله عز وجل ما زال يطمئن الصحابة ويذكرهم في نهاية المعركة بما أنعم الله عز وجل به عليهم فقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ. ايش يعني فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم؟ يعني أنتم حقيقة يا أيها الصحابة إنما بذلتم السبب، لكن النتيجة النهائية وهي قتل صناديد الكفار في هذه الغزوة، هذه النتيجة من الله سبحانه. فانت كإنسان مؤمن أنت تبدل الاسباب وأما النتائج فأنت ترتقب من الله سبحانه، وهذا الشيء أراد الله أن يغرسه في نفوس الصحابة الذين اختلفوا في الغنائم: أن هؤلاء الذين قتلتموهم حقيقة الله سبحانه وتعالى هو الذي قتلهم وهو الذي قدر عليهم الموت، وأنتم كنتم السبب في ذلك ولستم أنتم أصحاب النصر.
يعني أنت لست صاحب القرار، أنت صاحب السبب والبذل، ولكن قرار أن يموت أبو جهل وقرار أن يموت أمية وعقبة وصناديد الكفار هذه النتيجة من الله، فاحمد الله أن قدرها. وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ. النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الغزوة كما يذكر علماء السير أخذ حفنة من تراب من بعيد ورماها في الهواء باتجاه جيش الكفار وقال: سيهزم الجمع ويولون الدبر. فأدخل الله عز وجل هذا التراب من هذه الحفنة أدخلها في أعين الكفار، وهذا طبعاً من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمى حفنة من تراب فوصلت هذه الحفنة بذراتها إلى أعين الكفار وأصابت عيونهم جميعاً.
من الذي أوصل حفنة من تراب إلى أعين الكفار ودخلت في هكذا ذرات الرمل في أعينهم جميعاً؟ قال سبحانه: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ. يعني أنت فقط صاحب السبب، لكن حصول النتيجة وهي وصول المرمي إلى أعين الكفار هذا كان من الله سبحانه وتعالى. وهنا تعليم إيماني أنك أيها الإنسان إذا بذلت السبب لا تظن أنك صاحب القرار، إذا بذلت السبب لا تمنن على الله عز وجل عند حصول النتائج، فإن حصول النتائج رهن بأمر الله سبحانه وتعالى. وهذا درس عظيم لأي إنسان يقدم في دين الله عز وجل ويبذل ثم تحصل نتيجة بسبب سعيه أن يتذكر أن صاحب الفضل أولاً وآخراً هو الله عز وجل.
طيب ذلكم وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ. إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئُتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. هذا كان فيه توجيه الكلام للكافرين الذين كانوا يستفتحون على الصحابة الكرام ويستهزئون بهم ويقولون: متى ستنتصرون علينا؟ متى ياتيكم الفتح من ربكم؟ فالله عز وجل يقول لهم: إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ. إذا تستهزئون وتقولون متى سيفتح الله عليكم؟ يلا هي جاءكم الفتح يا كفار قريش، تلقوا هزيمة قاسية لصناديد ورجالكم، جاءكم هذا الفتح بالانتصار المهيب في بدر. وإن تنتهوا
وإذا تعقلوا وتعودوا إلى رشدكم وتنصاعوا للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو الخير لكم. يعني دعوكم من عقليّة: متى سيأتيكم النصر؟ إذا جاء النصر وكتب الله الفتح، سترون شيئاً مرعباً مذهلاً، فانظروا وتعلموا من درس بدر. هذه رسالة لكفار قريش الذين ما زالوا في مكة ولم يذوقوا ما ذاقه إخوانهم في بدر، اتعظوا بحال إخوانكم، وانظروا الذين كانوا يستهزئون في مكة في أيام المرحلة المكية، ها هم الآن صرعى في غزوة بدر. سبحان الله! وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ، يعني إذا عدتم إلى مواجهة الصف الإسلامي والجيش الإسلامي، سيعود الله إلى نصر عباده. وهذا ما حصل إلى أن جاء فتح مكة، وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئُتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ. لا تظنوا يا أيها الكفار أن الأمور والموازين تكون بالامور المادية ولو كثرت فئتكم وعددكم، واعلموا أيضاً أن الله مع المؤمنين.
ثم النداء الثاني لأهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. والآن هنا في درس؛ لأنه الصحابة اختلفوا في توزيع الغنائم وبدأ بعضهم يستأثر على الآخرين، فالله عز وجل أخبرهم: تسمعوا وتطيعوا، اتركو الغنائم على جنب وتعلموا منهجية الطاعة المطلقة. هنا سورة الأنفال تربي الصحابة على الجندية، الجندية لله ولرسوله، والطاعة المطلقة لقال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإياكم ثم إياكم أن تخرموا هذا الميثاق مع الله عز وجل، أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ.
ثم النداء الآخر، ونفس النمط ونفس التوجيه؛ لأنه المطلوب الآن أن تتربى نفسية المؤمن المرابط الذي يحمل هم هذا الدين على الطاعة المطلقة للوحي الإلهي وعدم تقديم الهوى على مراد الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحييكُمْ. ما في لك خيار إلا الطاعة المطلقة لله ولرسول، ما في مجال لهواك، ما في مجال لشهواتك ورغباتك: أنني اريد تلك الدنيا ولو خالف أمر الله، أريد تلك الشهوة ولو خالفت أمر الله. لا يوجد لك قول مع قول الله ورسوله، هذا تعليم اخواني رهيب لنا أصلاً نحن، وهو أن يتعرف أو يتعلم الإنسان أهمية الجندية وأهمية الانصياع للوحي الإلهي. اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحييكُمْ، واعلموا أن كل أوامر الله وكل تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي حياة. قال، شوف ما أجمل الآية: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحييكُمْ، إذا دعاكم للإيمان، للطاعة، لترك المعاصي؛ لأن كل ما يأمر الله عز وجل به هو حياة للإنسان، هو لصالح الإنسان، هو من أجلك أنت، فلا يصلح بك إذا دعاك الله لما هو من أجلك أن تعرض عنه. طيب، إذا أعرضت؟ قال: إذا تعودت إعراض عن الله ورسوله، إذا تعودت الأعراض عن الوحي الإلهي، عن الجندية، قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ. مخيفة جداً هذه الآية مقلقة، يعني اععلموا أن الله سبحانه وتعالى قادر أن يحول بينكم وبين التوبة، فالذي يعصي الله ورسوله ويخالف بهواه مراد الله، عليه أن يخشى أن يحول الله بينه وبين التوبة، أن يحول الله بينه وبين التوفيق، أن يحول الله عز وجل بينه وبين حسن الختام.
فبعض الناس والعياذ بالله لشدة عصيانه وانغماسه بالمعاصي والشهوات، الله عز وجل يبتليه بموت القلب، فحتى لو فكر في التوبة لا يوفق إليها، لا يوفق إليها، والله عز وجل حرم قلبه من الوصول إلى التوبة، ما هو قادر أن يصل إلى الرجوع إلى الله عز وجل مرة أخرى؛ لأن الله مقته وخذله، لا يريده، الله عز وجل لا يريده، فحال بينه وبين الطاعة، حال بينه وبين التوبة، حال بينه وبين الرجوع إلى الله عز وجل. وهذا تنبيه للإنسان أن ينتبه إخواننا الكرام، ينتبه؛ نعم الإنسان يخطئ ويعصي، لكن الانغماس والغرق في المعاصي والذنوب وعدم الاكتراث وعدم الانتباه لشرع الله عز وجل هذا يرثك الوصول إلى هذا الختام الصعب والعياذ بالله، قال: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، يعني اتقوا أن يصيبكم الله عز وجل ببلاء شديد، هذا البلاء إذا نزل على مجتمعكم لن ينزل فقط على الظالمين، بل سينزل على الصالحين الذين لم يصلحوا ولم يغيروا الواقع. لذلك الصحابة الكرام كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث. إذا كثر الخبث والفساد وعم في المجتمع ولم يقم الصالحون بالإصلاح المطلوب منهم، لا يكفي في المجتمعات المسلمة أن تكون صالحاً، بل ينبغي أن تكون مصلحاً. مجرد أنك صالح، بعض الناس فلسفته في الحياة أنه أنا مالي وبيقيري، أنا بصلي وبصوم وبعبد ربي وكذا، غيري فسق، زنى، سب الذات الإلهية، فعل ما فعل، أنا ما لي علاقة فيه، أنا لي بنفسي؛ هذا سيجعلك تهلك مع الهالكين، ولن ينفعك انك رجل صالح، لن ينفعك عند الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل يريد الرجل المصلح الذي يغير الواقع ويأامر بالمعروف وينهى عن المنكر. فالله عز وجل يحذر الصحابة يقول: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، عند العصيان لأمر الله عز وجل يهلك الجميع، الظالم يهلك بظلمه، والصالح يهلك لعدم إصلاحه. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
ثم ذكرهم الله، هؤلاء الصحابة الذين اختلفوا في الغنائم، ذكرهم الله أيضاً كيف أن يسر لهم المدينة النبوية بعد أن كانوا مستضعفين يقتلون ويعذبون في مكة، كيف أنعم الله عليهم بنعمة الاجتماع والالتئام وأنهم وجدوا قوة ووجدوا رد أن يعودون إليه، فقال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مَّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يتخطفكم الناس فآوى في المدينة وأيدكم بنصره في هذه الغزوة ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون. ثم قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. قيل في أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت في أبي لبابه وهو أحد الصحابه الكرام، لكن قيل أنها لم تنزل في غزوة بدر وإنما كان نزولها في غزوة بني قريظة بعد أن انتهت غزوة الأحزاب وانتصر أهل الإسلام وذهبوا ليحيطوا بكفار اليهود، كفار بني قريظة. فبنو قريظة كانوا يعرفون أبا لبابه الله يرضى عنه، فكانوا متوجسين كيف يتصرفون مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بعد أن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا على حكمه، فهم اليهود كانوا على معرفة بأبي لبابه فاستشاروه، أبو لبابه صحابي كريم الله يرضى عنه لكن كانوا على معرفة به في أيام الجاهلية فاستشاره، فقالوا: يا أبا لبابة، هل ننزل على حكم النبي صلى الله عليه وسلم؟ إيش رأيك؟ فأبو لبابه أشار إلى حلقه، قال بمعنى أن حكمه فيكم سيكون الذبح، عاد أنتم تنظرون في أمركم. فهنا اليهود طبعا توجسوا وخافوا، يعني ما دام عرفوا أن الحكم سيكون الذبح فبالنسبة لهم كان قرار مر، لكن دعوني من اليهود، أبو لبابه شعر بتأنيب الضمير لما أخبر اليهود بماذا سيكون الحكم، فذهب فربط نفسه بسارية من سوار المسجد النبوي، ربط نفسه لأنه شعر أنه خان النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر اليهود بماذا سيكون الحكم فيهم، وقال: لا يفكني إلا النبي عليه الصلاة والسلام.
وفعلا النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أنزل الله توبة على أبي لبابه -لأن أبا لبابه أخطأ، نحن نتفق أخطأ الله يرضى عنه لكن الله أنزل عذره والتوبة عليه- فالنبي صلى الله عليه وسلم طبعا في النهاية ذهب بعد أن انتهت غزوة بني قريظة، ذهب إلى المسجد النبوي وفك أبا لبابه. لذلك اليوم إذا انتم نزلتم إلى المسجد النبوي وجلستم في داخل الروضة، هناك سارية، أسطوانة من الأسطوانات، مكتوب عليها أسطوانة أبي لبابه. هذه الأسطوانة لماذا سميت أسطوانة أبي لبابه؟ لأن هذا الصحابي الجليل ربط نفسه عليها عندما شعر أنه خان النبي صلى الله عليه وسلم وسرب معلومة لليهود. وهنا قد نزلت هذه الآيات فيه تعليماً له ولغيره أنه لا يجوز تسريب أي معلومة لأعداء الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. كثير من الناس بيكون أصلا سبب ضعفه، سبب خيانته للصف المسلم هو ماذا؟ الحرص إما على المال أو الحرص على الأولاد، فالله عز وجل يقول: مالك وأولادك فتنة وبلاء، إياك أن يكون خيانتك لله ورسوله بسبب مال تريد أن تحصل أو خوف على أولاد تخشى عليهم، توكل على الله سبحانه وتعالى والله عز وجل يكفيك ويعطيك، لكن أن تخون الله ورسوله من أجل دنيا فهذا مرفوض بتاتاً.
ثم جاء أمر آخر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. يخبرهم الله عز وجل عن قيمة التقوى: أن تتقوا الله يجعل لك فرقاناً تميز به بين الحق والباطل، ويكفر عنكم السيئات ويغفر الذنوب، والله ذو الفضل العظيم.
ثم يخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه، قال: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ (يعني يأسروك أو يقتلوك أو يخرجوك) وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. الله عز وجل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن نجاته، وهذا من تدبير الله عز وجل. تذكروا يا أيها الصحابة، من الذي دبر لنبيه صلى الله عليه وسلم الخروج من مكة إلى المدينة بعد أن كان كفار قريش تشاوروا فيما بينهم هل يأسرونه في منزله أو يقتلوه أو يخرجوه؟ الله عز وجل نجاه وأخرجه من بين أظهرهم.
ثم قال: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا. وَإِذْ قَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ. هذه نزلت في النضر بن الحارث، وهو في مكة كان يستهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رب، إذا كان كلام محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فأنزل علينا مطراً من السماء، أو ع... عفواً، فأمطر علينا حجارة من السماء. أمطر علينا حجارة من السماء! وهذا لخذلانه وانه رجل مخذول، تخيل الإنسان يقول: يا رب، إذا كان كلام محمد صلى الله عليه وسلم حق، بدل ما يقول: اهدنا إليه، وفقنا إليه، يقول: إذا كان كلام حق فأمطر علينا حجارة من السماء وأتنا بعذاب أليم! شوف النفسية المغرقة في العناد والاستكبار، بدل من أن تطلب الهداية تطلب نزول حجارة من السماء إذا كان كلامه حق.
فالله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إنني لم أستعجل بإنزال العذاب على المشركين في مكة؛ لأنك كنت فيهم ومقيماً بين أظهرهم، ووجود النبي بين قومه ولو كانوا كفاراً هو أمن لهم من العذاب؛ لأن الله إذا أراد أن يهلك قوماً أخرج نبيه من بين أظهرهم، لما الله عز وجل أراد أن يهلك قوم نوح أخرج نوح من بين أظهرهم، لما أراد الله أن يهلك قوم لوط أخرج لوط من بين أظهرهم. فالله عز وجل يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم لماذا مع وجود كمية الاستهزاء الكبيرة والاستهتار الكبير الذي أبداه كفار قريش في المرحلة المكية ومع ذلك لم يعاجلهم الله بالعقوبة، وكان من أسباب ذلك وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، هذا كان أمنة لهم من العذاب، وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون.
وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. هنا وقع خلاف بين المفسرين في معنى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون: من الذي كان يستغفر؟ هل كفار قريش كانوا يستغفرون فهذا كان سبب في تأخير عذاب الله قليلاً عنهم؟ أم المراد وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي وجود المؤمنين المستضعفين بين كفار قريش الذين كانوا يستغفرون؟ هنا بعض المفسرين يعني ابن جرير الطبري رحمه الله عليه ذكر أكثر من تفسير: التفسير الأول أن معنى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ليس المراد أن كفار قريش كانوا يستغفرون لا، بل المراد وجود مؤمنين مستضعفين كانوا يكتمون إيمانهم ويستغفرون الله سبحانه وتعالى في السر. فهؤلاء الآن بتعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى المدينة وبقي مجموعة من المستضعفين من الصحابة في مكة لم يستطيعوا الهجرة، فوجود هؤلاء الصحابة المستضعفون من الرجال والنساء الذين لم يستطيعوا الهجرة وكانوا من أهل الإيمان وأهل الاستغفار كان أيضاً سبب في تأخير الله عز وجل العقوبة الماحقة لأهل مكة، أن الله لم يعاجلهم بالعقوبة. إذاً، وجود النبي في أمته سبب في تأخير العذاب، أيضاً وجود الاستغفار في المجتمع، وجود الاستغفار داخل المجتمع المسلم حتى وإن كان هناك معاصي ومفاسد وفتن محيطة بهم، وجود المؤمنين المستغفرين هذا سبب في تأخير العقوبة عن المجتمعات. لذلك الصحابة أو عفواً اهل العلم الكبار بينوا أن أسباب تأخير العذاب قالوا: إذا فقد النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فلم يفقد الاستغفار. فإذا رايت الفساد في مجتمع قد عم فأكثروا من الاستغفار؛ فإن كثرة الاستغفار تؤجل العذاب: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. بعض المفسرين وهنا هذا قول آخر أيضاً ذكره ابن جرير الطبري، بعض المفسرين قال: إن كفار قريش لا، هم أنفسهم كانوا يستغفرون في بعض الساعات، صح كانوا يعبدون اللات والعزى والأصنام، لكن كانوا مثلاً في مواسم الحج في أيام الطاعات يقولون: يا رب اغفر لنا، وإن كانت هذه المغفرة لا تقبل ما
داموا مقيمين على الشرك. لكن هذا جاء قال البعض هو فضيلة الاستغفار، حتى ولو كانوا مشركين؛ إنه وإن كانوا مقيمين على الشرك، مجرد أنهم كانوا يقولون يا رب اغفر لنا، هذا كان سبب في تأخير العقوبة عنهم. وإن كان استغفارهم هذا طبعا غير مقبول؛ لأنهم مققيمون على الشرك بعد. طيب، لكن عموما أنا أميل مع القول الأول، أن المراد وهم يستغفارون أي ومع وجود الاستغفار بين أظهرهم، هذا كان سببا في تأخير العذاب عنهم.
لذلك لما خرج جميع الصحابه الكرام من مكة بعد نهاية صلح الحديبية، خرج جميع الصحابة المستضعفون من الرجال والنساء من مكة، ولم يبقَ فيها إلا أهل الشرك مباشرة بعد سنة جاء فتح مكة وسلط الله نبيه عليهم. أليس كذلك؟ لأنه خلص ما بقي حتى مؤمنون مستضعفون يستغفرون في مكة، وإنما بقي فقط ثلة الكفر، فكان هناك التسليط عليهم.
ثم قال: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ. يعني لماذا؟ هل تظنون أن كفار قريش لا يستحقون العذاب؟ بل هم يستحقون العذاب، وإنما كان تأخير العذاب عنهم فقط لوجود النبي صلى الله عليه وسلم، أو لوجود المستضعفين المؤمنين الذين يستغفرون، والا فهم يستحقون العذاب. لماذا يستحقون العذاب؟ لأنهم يصدون عن المسجد الحرام. يصدون ويمنعون أهل الإيمان من الوصول إلى بيت الله الحرام وما كانوا أوليائه، أي ليسوا هم أولياء لهذا المسجد، ليسوا أولى الناس به، إنما الأولى بالمسجد الحرام وببيت الله إن أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية، هم أصلا صلاتهم عند البيت تصفير وتصفيق وعبث ولهو، وهذا يدل على أنهم ليسوا هم الأولى بهذا البيت العتيق. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ. الله عز وجل يقول يا محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكفار، أبو جهل جعل كل قافلة أبي سفيان وكل ما جاءت به من الميرة يذهب لتجهيز الجيش. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. شوف اليوم أمريكا الصهيونية العالمية، الدول الكبرى كيف يدفعون الأموال على المؤسسات الإعلامية والمؤسسات العسكرية، ووو، وهدفهم إضعاف أهل الإيمان. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ. وبعد كل ذلك سيغلبون، سيغلبون في الدنيا قبل الآخرة. وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ.
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. الله عز وجل يمهل الكافرين حتى يمتاز الصف المؤمن، ليظهر المؤمن من المنافق ويجتمع الكفر والنفاق والخبث ويظهر كاملا، ثم بعد ذلك يهلكهم الله عز وجل. قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ. مضت سنة الأولين، أن الله عز وجل إذا أذن بإهلاك الكافرين أهلكهم، وهذه سنة الله في قوم نوح وعاد وثمود وما شابه ذلك.
ثم يؤمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والصحابه الكرام فقال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. فنحن مأمورون بقتال الكافرين حتى لا يبقى الشرك. الفتنة هنا في هذه الآية بمعنى الشرك، حتى لا يبقى شرك على وجه الأرض ويكون الدين كله لله. فنحن اهل الإيمان مأمورون بقتال الكافرين حتى تحكم الأرض كلها بشرع الله. نحن مأمورون بقتال الكافرين حتى تحكم الأرض كلها بشرع الله. وإذا بقي يهودي أو نصراني فيبقى تحت حكم الإسلام يدفع الجزية، كما مر معنا في سورة التوبة.
طيب، هنا بعد خمس صفحات من التوجيه والارشاد واظهار منة الله على عباده المؤمنين بالنصر والتأييد، أخبرهم كيف توزع الغنائم وأنها تقسم، هناك سهم يكون لله ولرسوله. طبعا لله ولرسوله المراد الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما ذكر الله تعظيما له. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. فدائما الغنيمة تقسم إلى خمسة أقسام، أربعة منها توزع على الجيش، والسهم الخامس هذا يكون سهم لله ولرسوله. وهذا السهم الذي لله ولرسوله السهم الخامس يوزع أيضا في داخله إلى خمسة أقسام، قسم ياخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، وقسم لبني هاشم وبني المطلب أقارب النبي عليه الصلاة والسلام مقابل أنهم لا يأخذون من الزكاة يأخذون من غنيمة الحرب، وقسم لليتامى، وقسم للمساكين، وقسم لابن السبيل.
إذا علمهم الله عز وجل كيف تقسم الغنيمة خمسة أقسام، أربعة منها يذهب للجيش، والخامس هذا أيضا سيقسم إلى خمسة فروع؛ النبي صلى الله عليه وسلم له حصة باعتباره القائد المسلم وهذا مصدره من الرزق ومصدر عياله، سهم لبني هاشم وبني المطلب، سهم لليتامى، سهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. هكذا تقسم الغنائم، انتهى الأمر بآية واحدة، يعني أمور التقسيمات هذه سهلة، لكن التربية الإيمانية هي التي تحتاج إلى جهد ووقت.
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا. الله عز وجل ما زال يذكر منته على الصحابة الكرام في الانتصار؛ لأن الله يريد أن يقول لهم من الذي نصركم؟ من الذي أعطاكم هذه النتيجه؟ من الذي رزقكم هذه الغنائم؟ فاحفظوا منة الله عليكم، وإياكم أن تختلفوا فيما أنعم الله عز وجل به عليكم، بل عودوا إلى الله ورسوله في كيفية تقسيمه. فما زالت سورة الأنفال تتكلم عن التفاصيل.
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
كل هذه الصفحة في هذه الآيات تريد أن تقرر الصحابة من الذي دبر الالتقاء بينكم وبين الكفار؟ من الذي دبره وهيأ الأسباب له النفسية والمعنوية؟ بل حتى أعينكم أنتم اصبحتم ترون الكفار في أعينكم قليلة وهم يرونكم أيضا في أعينهم قلة. يعني الكفار في البداية رأوا المسلمين قلة فاستهينوا بهم فدخلوا في المعركة، والمؤمنون أيضا الله عز وجل أراهم الكفار قلة فشجع قلوبهم للالتقاء؛ لأن الصحابه لو راوا المشركين كثره كاثرة لخافوا ولربما تراجعوا.
لكن الله عز وجل يريد أن يخبر يا أيها الصحابة من الذي قدر هذا اللقاء لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا؟ ترى انتبهوا، الله هو الذي يسر هذا اللقاء ودبر له، حتى في الأمور النفسية والامور المعنوية في قلوبكم الله هو الذي وجهها بهذا الاتجاه، سواء في نفوسكم أنتم يا أهل الإيمان أو حتى في نفوس أهل الكفر والطغيان. هيا الله الأسباب ليلتقي المسلمون مع الكفار ولتكون هذه النتيجة العظيمة.
ثم يعلمنا الله عز وجل كيف نكون في ميادين المعارك وفي ساحات الوغى؛ يعني سورة الأنفال سورة مدنية تتكلم عن الجهاد والغزو والكثير من التفاصيل والتربية المتعلقة بها. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. أهمية ذكر الله في الثبات في ميدان المعارك، أهمية الطاعة والجنديه لله ولرسوله، وبعد وفاه النبي صلى الله عليه وسلم للقائد المسلم الذي يقود الجيش. وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. إذا كنتم مع بعضكم تكونون ريحا واعصارا، لكن إذا اختلفتم وتنازعتم استغل العدو هذه الفجوة فاستطاع أن ينزل الهزيمه بكم.
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. لا تكونوا كحال الطرف الآخر الذي خرج بطرا كبرا مراقاة وتفاخرا وإظهارا للعضلات أمام الناس وصدا عن سبيل الله، إنما يخرج المؤمن نصرة لله ورسوله، لا تكبرا ولا تبجحا ولا افتخارا ولا ريَاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
فنحن طلْقاتنا في الجهاد والبذل في سبيل الله ليست كطلقَات الكافرين الحمية والتعصب والدفاع عن القومية العربية أو الوطنية هذا كله كلام فارغ، وإنما نقاتل لله ولرسوله، فنيه الجهاد واستحضار أيضا النية الصالحة هذا مطلوب في المعارك.
ثم الله عز وجل يخبر كيف كان الشيطان وكيف ضعف الشيطان. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ. الشيطان جاء إلى كفار قريش على هيئة سراقة بن مالك وقال لهم ترانا معكم وسننتصر اليوم بعضنا على المسلمين على محمد وصحبه صلى الله عليه وسلم. فلما اصطف الصفان راى الشيطان الملائكة، راى الشيطان الملائكة فهرب الشيطان من المعركة تماما. فالله عز وجل أخبر قال: فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ. ترى يا جماعة القوم معهم ملائكة هؤلاء ليسوا وحدهم. إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وهذا حال الشيطان نعم يوسوس ويطغى ثم يعترف بعد ذلك بخوفه من الله سبحان الله.
إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض -أي بعض الناس المقيمين في المدينة سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يلتقي بكفار قريش بعضهم كان منافق وبعضهم كان مؤمن لكنه ضعيف الإيمان في قلبه مرض- غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ. يعني محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه والله يظنون أن دينهم هو كفيل أن ينصرهم على صناديد كفار قريش. وهذا حال المنافق الذي يلقي الدسائس. غر هؤلاء دينهم يعني هذول الصحابة متحمسون يظنون أن دينهم سيكون سببا في نصرتهم على أبي جهل وعلى أمية بن خلف، ظنوا أن الأمور هكذا تحسب بالعدد المادي.
فالله عز وجل يريد أن يخبر أن الأمور ليست من الناحية المادية، وإنما بالإيمان. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. طيب الله عز وجل يخبر أن إهلاكه لهذه الطائفة من المشركين هي سنة متكررة. فقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.
يعني هذا الذي حل بكفار قريش بعد أن كانوا في نعمة وأمن، هذا العذاب الرهيب، حتى وهو انتصار في غزوة بدر للمسلمين عليهم، هذا كان وتسليط المؤمنين على الكافرين هذا كان بسبب أنهم بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. ثم عاد الله فأكد أن ما يحل بالكافرين اليوم على أيديكم يا أيها الصحابة هي سنة متكررة -شوف مرتين كررها- كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ. فهناك سنة متكررة أن الله عز وجل يملي للكافر ثم إذا أخذه لم يفلتْه. هذه الآيات كداب آل فرعون والذين من قبلهم تجعلنا أيضا نحن نطمئن في هذا الوقت المعاصر الذي نرى فيه عن جهة أمريكا وعن جهة الصليبية العالمية والماسونية والصهيونية واليهود، أن في النهاية الله عز وجل يمهل لكنه لا يهمل، وأن الله عز وجل يمدهم في طغيانهم يعمهون لكنه إذا أخذ أخذ أخذ عزيز مقتدر.
قال: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ. سيهلكون بإذن الله، سيهزم الجمع يا إخواني بإذن الله، لكن القضية أن الله عز وجل يميز الخبيث من الطيب، يميز نفوسنا ويظهر معادننا ويظهر تضحيتنا وبذلنا وجهادنا في سبيل الله. وإلا فإهلاك الكافرين لحظة إهلاك الكافرين إنما هي لحظة، لكن الله عز وجل يؤخرها ويمهل؛ لأن هناك مقاصد إلهية من الصراع بين الحق والباطل.
طيب، يعني سانتقل إلى بعض الأمور حتى لا أطل عليكم أكثر من ذلك. قال سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ -آية رقم ستين- وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِه عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ. الله عز وجل يأمر المؤمنين هنا بالاعداد العسكري. ليه؟ لأنه في بداية السورة وفي منتصف السورة يخبرهم أن الانتصار كان من عند الله، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، قضية التوكل على الله.
فحتى لا يفهم بعض المؤمنين أنه خلص الانتصار هو من عند الله سبحانه وتعالى إذا نحن نتوكل على الله فلا داعي لأخذ العدة وصناعة الأسلحة ووضع الخيول وأخذ الأسباب المادية خلص ما هو النصر من عند الله، لا أنتم هنا فهمتم الدروس الأولى بشكل خاطئ فجاءت هذه الآية كأنها تنبه: نعم نحن قلنا لكم في بداية السورة وما النصر إلا من عند الله، قلنا لكم فلم تقتلوا ولكن الله قتلهم، قلنا لكم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم.
لكن لا ينبغي أن يفهم أن تفهم كل هذه الآيات أنه ما في داعي ناخذ بالأسباب؛ لأن النتيجة بيد الله خلاص إذا ما في داعي، هذا قد يفهمه بعض يعني من لم يوفق الله عز وجل أقول للفهم الصحيح، يظن أن القضية أن التوكل الحقيقي هو ترك الأخذ بالأسباب. هذا الفهم انتشر عند كثير من غلاة التصوف الذين كانوا يقولون ما في داعي أن تأخذ الأسباب ما دامت النتائج بيد الله.
فجاءت هذه الآية واضحة: لا، نحن صح قلنا وما النصر إلا من عند الله، لكن بدك تعد العدة أنت، ابذل الجهد وانتظر النتيجة من الله. ابذل الجهد، أما تقول لا أبذل الجهد هذا ليس من مفهوم الإيمان. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِه عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، وهم الكفار الظاهرون، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، وهم المنافقون الذين بين أظهرنا، عندما يرون أهل الإيمان يعني يشحذون سيوفهم ويعدون عدتهم المنافقون الذين بين أظهرنا يزدادون رعبا وقلقا لما يرون من اعداد المؤمن لآلات الجهاد والغزو. فالله يقول لهم إعداد العدة.
للجهاد هذا يدخل الرعب في قلوب الكافرين، ويدخل الرعب في قلوب أناس بين أظهركم من المنافقين لا تعلمونهم، لكن الله يعلمهم. طيب، وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، آه يعني لا تحزنوا ولا تبخلوا بأموالكم التي تبذلونها في سبيل الله في سبيل الإعداد، لأنه الإعداد بده بذل مال، بده المسلمين يدفعوا الأموال الطائلة لإعداد الأسلحة والماكينات والفكر وأدوات الإعلام وما شابه ذلك. فالله يقول لهم حتى لا يبخلوا إيش يقول لهم؟ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله، ربنا بعوضك، ربنا يعطيك أضعاف مضاعفة في الدنيا وفي الآخرة، ولن، وأنتم لا تظلمون. لا تظن أنه المال الذي تستبدله في المشروع الإسلامي وفي نهضة الحضارة الإسلامية وفي نصرتك لإخوانك، هذا المال يذهب سُدى، حاشى سبحانه وتعالى أن يظلم أحدا.
ثم قال: وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. وإذا قرر الكفار أن يطلبوا السلم والصلح، فاجنح لها وصالحهم وهادن فيها المصلحة للصف المسلم، وليست الهدنة الدائمة، وليست الهدنة الدائمة هذا ننتبه له. طيب، طيب نعود لذلك، مهم جدا هذه الآية رقم أخواني 61: وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. أنه بعض الناس اليوم للأسف يعني أصحاب العمائم واللحى يستدل بهذه الآية على أنه يجوز السلم الدائم مع الكافرين، هذا خطأ. هذه وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ هذه نزلت في ظرف غزوة بدر، أن الله عز وجل يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه متى ما وجدت مصلحة في وجود هدنة بينك وبينهم فاجنح لها، وليس المراد أن الأصل في علاقتنا مع الكافرين هي حالة السلم، بل كما ذكرنا في سورة التوبه، طبعا سورة الأنفال نزلت في بداية الهجرة، سورة التوبة هي التي أعطت الختام لأحكام الجهاد والقتال وأخبرت أن الأصل هو بقاء الحرب وحالة السجال بيننا وبين الكفار حتى يحكم الدين الإسلامي الأرض جميعا. لكن أحيانا قد يضطر القائد المسلم لصنع بعض المهادنة بينه وبين أهل الشرك من باب تقوية الصف المسلم، من باب إعداد العدة أكثر، من باب ترتيب الصف الداخلي، فهذه هدنة لها مصالحها.
طيب، وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ، يعني إذا صنعت سلما وهدنة مؤقته معهم من أجل لملمة الصف، وهم أضمروا في أنفسهم الخداع والخيانة لك في هذه المعاهدة، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، لا تقلق الله عز وجل معك، فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين. هو الذي أيدك بنصره في هذه الغزوة وأيدك بالمؤمنين يقاتلون معك وينصرون هذا الدين، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فالأوس والخزرج كانوا أمما يقتتلون مع بعضهم البعض، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم تألفوا وأصبحوا شعبا واحدا وأمة مسلمة ومجتمعا متماسكا. فلا تقلق يا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ألف قلوب الأوس والخزرج يؤلف قلوب غيرهم ويجمع الناس عليك، فكن واثقا في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ.
الآن نزلت آيات المصابرة، نحن قلنا في بداية سورة الأنفال إنه إذا التقى الصفان فلا يجوز للمسلم أن ينسحب من الميدان، وأن التولي من الزحف إذا التقى الصفان كبيرا من الكبائر. لكن هل هذا مطلق أم يجوز للجيش المسلم أن ينسحب في ظرف معين؟ في بدايه الأمر كان الله عز وجل أمر الصحابه أن كل عشرين عليهم أن يصابروا مئتين من الكفار، يعني كان في بداية الأمر الصحابي الواحد مأمور أن يثبت أمام عشرة من الكفار ولا ينسحب مهما كانت الظروف، أما إذا كان الكفار أكثر من عشرة، مئة، مئتين، عشرين، لك أن تنسحب من المعركة. ثم لما شق هذا الأمر على الصحابة ووجدوا أن ثبات الواحد أمام عشرة من الكفار شاق ومتعب نفسيا، الله عز وجل خفف على نفوسهم فقال: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، الضعف الانساني والبشري، فقال: فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ. جاء هذا ناسخ، هي الآية تنسخ الآية السابقة، فجاء الله عز وجل في هذه الآية يخبرهم أنه خففت عنكم بسبب الضعف البشري، فالواحد منكم مطلوب منه أن يثبت أمام رجلين من الكفار، أما إذا كان جيش الكفار ثلاثة أضعاف جيش المسلمين، بالتالي بيكون المسلم الواحد أمامه ثلاثة من الكفار فصاعدا، هنا لا يلزم المؤمنين الاستمرار في المعركة، بل يجوز للقائد المسلم أن ينسحب. يعني متى يجوز لقائد الجيش أن ينسحب من المعركة ولا يقاتل الكفار؟ يجوز الانسحاب إذا كان عدونا ثلاثة أضعاف، بحيث المسلم يقابل ثلاثة فصاعدا، أما إذا كان عدونا ضعفا واحدا فقط، يعني احنا مئة وهو مئتين، احنا ألف وهو ألفين، فهنا لا يجوز الانسحاب مهما كان الأمر ويجب المصابرة إلى نهاية المعركة.
الأمور الختامية في سورة الأنفال، وقع خلاف، أو النبي صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر: ما الذي يصنعه في أسرى بدر؟ وهذه من أيضا المشاكل التي وقعت، عندنا عدد كبير من الأسرى، عندنا سبعون أسيرا، ماذا نصنع بهم؟ أبو بكر رضي الله عنه كان وجهة نظره أنه: يا رسول الله، هؤلاء الأسرى في النهاية ولاد عمنا، أقاربنا، دعنا نطلب الفداء والعوض المالي حتى نقوي الدولة المسلمة والجيش المسلم وأهل المدينة، وأيضا بعضهم كان متعلما، فبعض الكفار الأسرى كان متعلما فطلب منه أن يعلم أطفال المسلمين الكتاب والقراءة. عمر رضي الله عنه كان وجهة نظره مختلفة، قال: يا رسول الله، هؤلاء صناديد الكفار، هؤلاء السبعون من رؤوس الكفار، اضرب الأعناق، اضرب الأعناق حتى يخشى كل أهل الجزيرة العربية من قوتنا ويسمعوا ما الذي فعلنا بقبيلة قريش اللي هي أعلى القبائل العربية، فيزداد الناس هيبة لنا ولدولتنا المسلمة الناشئة.
الان النبي عليه الصلاة والسلام لأنه القلب الرؤوف الرحيم مال إلى قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، لكن القرآن جاء مصوبا لرأي عمر بن الخطاب، فقال الله عز وجل لنبيه: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. شوف كلمة وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ما أجمل في هذا السياق، أنه يا محمد صلى الله عليه وسلم ما كان ينبغي لك أن تحتفظ بهؤلاء الأسارى حتى تاخذ الفداء منهم، بل كان ينبغي أن يقتلوا جميعا في هذه المرحلة حتى يتم الإثخان بالكافرين وتصل رسالة الرعب لكل من حولك أننا أمة قادرة أن ننتصر. فهذه الرأفة في هذا الموطن لم تكن في موضعها، لم تكن في موضعها. طبعا ليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا من أجل الدنيا، لذلك الله عز وجل لم يقل تريد الدنيا، لا تريدون عرض الدنيا، يعني أبو بكر قال: نريد مالا نتقوى به، هذا مش وقته الان، والله يريد الآخرة، يريد أن يقوى الإسلام كفكره في قلوب الجميع وتصنع له الهيبة، وهذا يكون لمصلحه الإسلام وهيمنه الإسلام وهي مصلحة أخروية، تعبر عنها بأنها مصلحة أخروية ولا يعبر عنها بأنها مصلحة دنيوية أنه عرض الدنيا اللي هو الشيء المحسوس المادي. واما الاسلام فهو فكرة لله فلذلك علق بالآخرة، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ.
طيب، قال: لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا. هنا عادت الآية تقول للصحابه الكرام، طبعا تعرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم من خصائصه أن الله أحل له أن يأكل الغنيمة هو وأصحابه، الأنبياء السابقون لو غنموا من المعارك الغنائم لا تحل لهم، بل كانوا يوعون غنائم الكفار ويشعرون بها النار، أو تاتي قال نار من السماء عفوا تاخذها، تاتي نار من السماء تأخذها. هذا كان الحال في أنبياء بني إسرائيل، كانوا إذا قاتلوا مع بني إسرائيل الكافرين يجمعون غنائم الكفار ويضعونها على تلة وتاتي نار من السماء تأكلها، ما كانت تحل لهم الغنائم. أما النبي صلى الله عليه وسلم، أحل الله له الغنائم فقال للصحابة الكرام: لولا كتاب من الله سبق، يعني لولا حكم من الله سبق باحلال الغنيمة لكم، والا مسكم باخذ الغنائم والشارب منها عذاب عظيما. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ، خلاص يعني أباحت لكم أن تاخذوا من هذه الغنائم ترخيصا وتخفيفا لكم.
ثم الله عز وجل يقول لنبيه في الصفحة الأخيرة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَنْ فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّممَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ. يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم قل للأسرى الذين خلاص سيدفع لهم الفداء، طبعا هو النبي صلى الله عليه وسلم قرر أخذ الفداء وانتهى الأمر وأخبر كفار قريش بذلك، لذلك خلص أخذ الفداء، لكن الله عاتبه وأخبره أن رأي عمر بن الخطاب في هذه المسألة كان أصوب، تمام. لكن ما دام أخبر كفار قريش بأخذ الفداء، فالنبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن ينصح هؤلاء الأسرى الذين دفع مال كثير في فداهم، أو دفعوا هم أموال كثيرة في فداء أنفسهم: قل لهم يا أيها الكفار إذا تؤمنوا بالله ورسوله وتعودوا إلى الإسلام، ترى الله عز وجل يعوضكم عن كل هذه الأموال التي دفعتم. إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ. يعني أنتم الان نعم دفعتم أموالا طائلة لفداء أنفسكم، لكن إذا أسلمتم وانضممت إلينا ترى ستعوض عن كل هذه الأموال أموالا كثيرة، وينعم الله عز وجل به عليكم، وهذا نوع من استجرار قلوب الأسرى للدخول في الصف المسلم. وَيَغْفِرْ لَكُمْ أيضا ذنوبكم في مقاتلة المسلمين، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
لكن وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ، يعني إذا نحن الان أطلقنا بعد أن اخذنا منكم الفداء وعدتم إلى قومكم، وختمنا مره أخرى وقاتلتمونا، فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ من قوله فامكن منهم. يعني أنتم ها أنتم الان رح ترجعوا لقوم، رح ترجعوا إلى مكة بعد أن اخذنا منكم الفداء، بس احنا بدي نعطيكم رسائل: والله أسلموا خير لكم، يعوضكم الله مقابل هذا المال الذي دفعتم، أما إذا عدتم إلى قتالنا مرة أخرى فتذكروا أن الله أمكننا منكم في هذه الغزوة، والذي أمكننا منكم في هذه الغزوة وأمكن من رقابكم وأسركم، قادر على أن يمكننا منكم في غزوات أخرى، لكن في غزوات أخرى لن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وسيتم قتلكم وتصفيتكم. إذا وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ بالآن يقاتلو مرة أخرى فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ، يعني لما شاركوا في غزوة بدر، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ، هو الله جعلهم يؤثرون فما المانع أن الله عز وجل يجعلكم تقعون في الأسر مرة أخرى؟
ثم بدات السورة تختم بضرورة الاصطفاف في الصف المسلم والتكاتف بين المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا، الذين هاجروا المهاجرون، والذين آووا ونصروا هم الأنصار، أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. يعني يا مهاجر، أيها المهاجرون، يا أيها الأنصار، لا بد وأن تلتئم كلمتكم في مواجهة مشروع الكفر، انتم الآن تبنون صرح الإسلام، فلا بد من التكاتف والتعاون والتألف، هذا أهم من الغنائم، أهم من كل الأمور المادية، إياكم أن تاتيكم نعرات يا ذا المهاجرين ويا ذا الأنصار، الان كلنا مسلمون. وهذه رسالة الله للمجتمعات المسلمة في كل زمن وحين، نحن بعضنا أولياء بعض. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُم مِّنْ وَلَايَتِهِم مِّنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهاجِرُوا. أما من بقي في بين أظهر الكافرين وبين أظهر المشركين، اليوم الكفر المسلمون المقيمون في بلاد الكفر ما لهم ولاية لنا، لأنكم مقيمون في أظهر الكفار ما لهم ولاية لنا، الولاية لمن يقيم معنا في بلادنا المسلمة.
لكن وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ. هنا يخبر الله أن المسلم الذي يعيش في بلاد الكفار، هذا ليس من أوليائه، إنما الولاية بين المسلمين الذين يعيشون في بلاد المسلمين. فأنت مسلم تعيش بلاد الكفار لست مضطرا إلى ذلك اضطرارا حقيقيا، وإنما بدك تفتح لك شغل ومصلحة وكذا، أو عشت هناك وما عندك اهتمام أن تعود لبلاد المسلمين، ليس لك ولاية علينا، ما نحن لسنا من أوليائك وأنت لست من أوليائه. لكن إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ إذا المسلم المقيم في بلاد الكفار تعرض لظلم من الكفار واستطعت أن تنصروه فانصروه، لأنه في النهاية بضلوا أخونا المسلم، صح ما فيش الولاية الولاية الكاملة بيننا وبينه لكن يبقى أخونا المسلم، فإذا تعرض لظلم في بلاد الكفار فإننا ننصره إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ. إلا إذا كان هذا المسلم المقيم في المجتمع الكافر، وظلم مقيم في مجتمع كافر، بين هذا المجتمع الكافر وبين الدولة المسلمة مصالحات وهدن، يعني نحن دولة مسلمة بيننا وبين تلك الدولة الكافرة هدنة ومصالحة وفي هناك مسلم يعيش في تلك الدولة الكافرة تعرض لظلم، هسا احنا ابتداء بنقول أنت أصلا كمسلم إيش بتعمل في الدولة الكافرة؟ شو اللي مخليك بين أظهرهم؟ أنت اللي عم بتعرض حالك للفتن. فنحن كدولة مسلمة نستطيع نصحك ونعينك في حال أنه فش بيننا وبينهم مواثيق وحالة حرب هي التي بيننا وبينهم، أما إذا بيننا وبينهم حالة مواثيق فنحن لا نستطيع أن نقدم لك شيئا، والمطلوب منك أن تهاجر إلى البلد المسلم، وهذه قضية الهجرة قضية عظيمة.
طيب الله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. الله عز وجل يقول لنا: لماذا أمر، أمركم يا أهل الإيمان أن تتكاتفوا؟ لأن المشاريع الكفرية تتكاتف فيما بينها في مواجهتكم، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، الكفار على ما بينهم من النزاعات والخلافات الكبيرة، يتكاتفون على محاربتكم ومقاتلتكم. اليوم انظروا إلى أمريكا صليبية واليهود صهيونية، الصليبيون نصارى واليهود يهود على دين اليهود والصهيونية يهود، هذا دين وهذا دين، ومع ذلك يوالي بعضهم بعضا.
بعضهم بعضا لمحاربة المسلمين اليوم. الكاثوليك والارثوذكس والبروتستانت كلهم أصلاً قلوبهم نار على بعضهم البعض تاريخياً إلى يومنا هذا، لكنهم يتكاتفون عند محاربة المسلمين. فالله يخبرنا لماذا يجب نحن كمسلمين أن نتكاتف وإلا يعني نؤذي بعضنا بعضاً ويهلك بعضنا بعضاً وينبذ بعضنا ببعض. فقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ، إلا التوالي، إلا تفعلوه يعني الموالاة بينكم يا أهل الإيمان، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. سيحصل الفساد بظهور الكفار عليكم. ألا تفعلوا الموالاة بينكم يا أهل الإيمان، ستكون الفتنة والفساد العريض والكبير بماذا؟ بظهور الكفر على الإيمان في جولة من الجولات.
ثم يكرر سبحانه وتعالى الأمر مرة أخرى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. هنا الآيات عم تمدح الصحابة الكرام يعني بعد الدرس القاسي الذي تلقوه بسبب الخطأ في موضوع الغنائم. الله يمدحهم في النهاية ليرفع معنوياتهم، أنه أنتم مؤمنون حقاً يا من هاجرت وقاتلت، ويا أهل المدينة الذين اويتمونا بإذن الله لكم مغفرة على أخطائكم وسهو ورزق كريم ورغد في العيش في الدنيا وفي الآخرة.
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ، والذين أيضاً سيلحق بكم ويؤمنون من بعد بعد فتح مكة أو بعد صلح الحديبية ودخلوا معكم في ميدان الجهاد والدعوة، فأولئك منكم. ما بصير نقول والله أنتم أسلمتم متأخر ليس لكم من النصيب ما لنا، لا، حتى لو جاء مسلم متأخراً، أن تصل متأخراً خير من ألا تصل مش هيك بقول المثل. فهؤلاء أيضاً منكم لهم حقوق الإسلام ما داموا في المجتمع المسلم وانتقلوا إلى بلاد المسلمين، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا. فالإسلام نعم يقبل المؤمن ولو جاء متأخراً.
وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ. لكن هنا أراد الله أن يعلمهم أنه هذه الولاية التي بينكم يا أهل الإسلام والأخوة والمصافحة، ولاية النصرة والعقيدة والأخوة، لكن ليست في قضية الميراث. لأنه كان البعض أي يجعل بينه وبين أخيه المؤمن ولاية ورحمة وتتعدى إلى الميراث، فهو يرث أخاه المسلم إذا مات وذاك يرثه إذا مات. فأخبر الله لا، أن الميراث هذا فقط يكون للأرحام والأقارب، وليست بالأخوة الإسلامية يحصل التوارث. لذلك قال: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، يعني في حكم الله في حكم الله في الميراث. فهذا إنما تكون فيه للأرحام والأقارب وليست للأخوة الإيمانية، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
هكذا انتهى هذا الدرس، الدرس الذي يحتاج إلى تعمق أكثر وأكثر في التأمل في آياته، لكنني هنا وقفت على إطلالة درس عظيم جداً في بيان كيف أن الإنسان أيها الكرام لا يبطل أعماله الصالحة بلعاعة الدنيا. إياك أن تبذل تبذل تبذل لدين الله ثم تضيع جهدك بسبب لحاق شهوة من شهوات الدنيا. فكر دائماً بدين الله واجعل الله عز وجل هو الأعلى والأولى والأرف في قلبك أكبر من كل شيء. اللهم علمنا وبصرنا، اللهم فقهنا وبين لنا مرادك منا ولا تجعلنا من المخذولين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل