كيف ننظر إلى الفتنة التي وقعت بين الصحابة وكيف ننظر إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالاعتبار الكلي؟ كيف ننظر إليهم إلى مكانتهم إلى قدرهم إلى ما وقع بينهم؟ ما هي المعالم التي ينبغي النظر من خلالها إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من جوانب امتداح الصحابة ومعرفة مكانتهم؟ ولا بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو النظر في الجيل الذي خرجوه، جيل التابعين لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم. حسناً، كيف تخرج ذلك الجيل؟ الأسس أساسية فيه لمن؟ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لما ندرس سيرة التابعين لا بد أن نضع العين على فضل الصحابة، وإذا درسنا فضل الصحابة نضع العين على فضل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم حكموا بمنهاجه وساسوا الناس بسنته وبلغوا دين الله سبحانه وتعالى. الآن في تبليغ القرآن والسنة والدين لو أزلت حلقة الصحابة ما في ولا شيء، ما يبقى لك شيء، هي الحلقة التي كانت الحلقة الواصلة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمة. تمام الانتصار لمن تريد الانتصار له أو ممن ينبغي الانتصار له أن تبين المحكم من حاله، تمام الانتصار أن تفكك حتى المتشابه. طيب ماذا لو لم تستطع تفكيك المتشابه؟ ترده للمحكم.
الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. يا ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك يا ربنا على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: نستعين بالله ونستفتح المجلس الثاني من الحزمة الثانية من سلسلة خير القرون.
أما بمجموع سلسلة خير القرون، يعد هذا المجلس السابع من السلسلة. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والرشد والهداية. بالنسبة لهذه السلسلة وهذه الحزمة، احنا تكلمنا في المجلس السابق عن حدود هذه الحزمة الثانية، قلنا هي من عام 35 إلى عام 73؛ من مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مقتل ابن الزبير، وتكلمنا كذلك عن أهم الأحداث في تلك المرحلة وأهم الصحابة الذين توفوا في تلك المرحلة، وتكلمنا عن أهم الأحاديث النبوية التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن هذه المرحلة، وكان هذا هو المدخل الأول. اليوم عندنا المدخل الثاني وبقي مدخل ثالث إن شاء الله، فهي ثلاثة مداخل لهذه الحقبة ولهذه المرحلة.
فالمدخل الثاني المرتبط بهذه الحقبة هو: كيف ننظر إلى الفتنة التي وقعت بين الصحابة؟ وكيف ننظر إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالاعتبار الكلي؟ كيف ننظر إليهم إلى مكانتهم إلى قدرهم إلى ما وقع بينهم؟ ما هي المعالم التي ينبغي النظر من خلالها إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهو يعد مدخلاً منهجياً كذلك في التعامل مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستفاد منه في التعامل مع من بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد الصحابة عفواً، ممن يعني من عموم الأمة الذين قد يقعون في شيء من الخطأ أو الالتباس أو أياً كان، فهو منهج للتعامل مع المؤمنين الذين تحفظ عنهم مواقف قد تشتبه على بعض الناس أو قد يكون فيها خطأ أو ما إلى ذلك. واضح؟ فهذا المدخل هو كيف نتعامل مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما هو الميزان الذي ننظر من خلاله؟ وهذا حقيقة موضوع اختلفت فيه الطوائف المنتسبة إلى القبلة، وإن كان هذا الموضوع في أساسه محكماً في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قد وقع فيه لطوائف من الطوائف المنتسبة للقبلة إشكال، وقعت فيه وزلت فيه أقدام.
وهذا الحديث اليوم هو حديث موجه، يعني هو في الأساس موجه لطلبة العلم وللشباب ولـمن يتابع هذه السلاسل ومن يتابع هذه البرامج وما إلى ذلك بالاعتبار الأول، لكن أيضاً الحديث موجه لكل من يتحرى الحق ويطلب العدل في هذا الموضوع أياً كانت نسبته أياً كانت خلفيته؛ لأن ما سيطرح اليوم بإذن الله تعالى هو تأصيل لقضية النظر إلى الصحابة، تأصيل بالدليل والبرهان لكل من يؤمن بكتاب الله ويعلم أن هذا الكتاب هو الحق، ولمن يؤمن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان عنده بعض الزلل أو النقص أو الخطأ أو حتى الانحراف، فإن هذا الحديث موجه له كذلك.
القاعدة الكبرى التي ننطلق من خلالها في النظر إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وفيما وقع لهم أو في النظر إلى هذه الحقبة، حقبة الفتنة، وما فيها من أمور وإشكالات، القاعدة الكبرى -وهي قاعدة نقدية يستفاد منها في عموم النظر النقدي للأشخاص- هي أهمية النظر إلى مجموع حال الإنسان ومجموع مواقفه ومبتدأ أمره ومنتهاه، وعدم الوقوف عند موقف أو موقفين أو خطأ أو خطئين وبناء النظر عنه من خلال الأخطاء والإشكالات. الميزان العدل هو النظر إلى مجموع حال الإنسان، حتى يوم القيامة الإنسان توزن حسناته وسيئاته، قد تكفر عنه بعض السيئات، أليس كذلك؟ بسبب الحسنات وبسبب مكفرات أخرى. النظر إلى مجموع حال الإنسان هو الميزان العدل.
الميزان غير العادل هو الذي لا ينظر بهذه الشمولية وهو على درجات في الظلم: منها أن ينظر إلى بعض مواقفه لا إلى جميعها، والميزان الأشد ظلماً هو أن يقيم الإنسان من خلال مواقفه المشكلة. الميزان الظالم حقاً هو أن ينظر إلى الإنسان ويقيم من خلال المواقف المتشابهة أو المشكلة أو الملتبسة في حياته. يعني لو نظرت إلى بعض الطوائف المنتسبة إلى القبلة في النظر إلى الصحابة، تجد بعضهم يلخص نظره في الصحابة إلى مواقف ملتبسة أو متشابهة، وكان الصحابي هذا الذي تنظر إليه وتنظر إلى تقييمه بالنسبة لهذا الطرف، كان هذا صحابي ولد يوم صفين مثلاً، وكأنه ما شهد يوم بدر ولا يوم أحد ولا يوم الخندق ولا يوم الأحزاب، ولا كأنه دافع عن رسول الله، ولا كأنه بلغ دين الله، ولا كأنه فعل ولا كأنه فعل، وإنما ينظر إليه من خلال موقف الآن! بغض النظر عن الموقف الآن وتقييم الموقف وتفاصيل الموقف، هذا شيء آخر نأتي إليه، لكن ميزان النظر والعدل لا يكون بتقييم الإنسان بناءً على مواقفه المشتبهة. واضح؟ يعني أظلم ميزان هو اختصار الإنسان في أخطائه أو في المواقف الملتبسة أو المتشابهة، أظلم ميزان، وأعدل ميزان هو ماذا؟ النظر إلى مجموع الحال.
طيب، النظر إلى مجموع الحال بحد ذاته لا يكفي، النظر إلى مجموع الحال والتقييم بناءً على ذلك إذا كان المحكم من حاله والمستمر من حاله هو الاعتداء هو الصواب والصحة فيحمل ما أشكل على المحكم. هذا الميزان، يعني الميزان مركب من أي بندين؟ الأول هو النظر إلى المجموع، الثاني هو حمل المتشابه على المحكم. طيب هل يمكن أن يكون المتشابه على المحكم بالعكس يا عبد الرحمن، أن يكون المحكم من حاله الإشكال والمتشابه هو الصواب؟ نعم ممكن. واضح؟ يعني هي الفكرة في إيش؟ أن يحمل المتشابه على المحكم. فما هو المحكم من حاله؟ تمام. يعني مثلاً بالعكس إنسان طول عمره المعهود من سيرته هو حرب الدين والإسلام وحرب السنة والوقوف مع المنافقين وما إلى ذلك، ثم جاءت بعض التصرفات التي تخالف هذا الأصل، يعني غريب عليه يسوي شيء صح، تمام؟ هنا لا إشكال، يحفظ له، لكن النظر إلى مجموع حاله، الفعل الواحد لا يلغي الفعل الحسن، هذا لا يلغي مجموع سيئاته. على أية حال القاعدة المحكمة التي ينبغي النظر من خلالها إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هي النظر إلى مجموع أحوالهم ثم حمل المتشابه من مواقفهم على المحكم. هذا الميزان العادل ليس خاصاً بالصحابة، هذا الميزان العادل ينبغي أن يطبق على الجميع. واضح؟
طيب، الآن نريد أن نؤسس من خلال الأدلة الواضحة البينة على ما هو المحكم من حال الصحابة، قلنا هذا الميزان، صح ولا لا؟ النظر الشمولي ثم حمل المتشابه على المحكم. الآن نريد أن نخطو خطوتين، الخطوة الأولى: أن ننظر في الأمر الشمولي وفي الأمر المحكم من هذا الاستقراء الشمولي لأحوال الصحابة، والنقطة الثانية وهي زيادة إمعان في بيان مكانة الصحابة رضوان الله عليهم أن ننظر في حتى في المتشابه نفسه ونحاول أن نفهمه كذلك. واضح الفكرة؟ تمام. الانتصار لمن تريد الانتصار له أو ممن ينبغي الانتصار له أن تبين المحكم من حاله، تمام الانتصار أن تفكك حتى المتشابه، طيب ماذا لو لم تستطع تفكيك المتشابه؟ ترده للمحكم، كذا تمام ولا مو تمام؟ واضح؟ إذا استطعت تفكك المتشابه فهو أفضل، يعني يزيد المحكم إحكاماً، أليس كذلك؟ يزيد المحكم إحكاماً، أما إذا لم تستطع أن تفكك المتشابه فلا إشكال، تحمل المتشابه على محكم. واضح؟
طيب، إذا الخطوة الأولى ما هي؟ أن ننظر الآن في الصحابة، نريد أن ننظر في المحكم، نعم في الحال العام الذي يقود إلى المحكم من شأنه. طيب إحنا لو استقرأنا فضائل الصحابة ومكانة الصحابة رضوان الله عليهم لطال بنا المجلس، لكن أنا فقط أريد أن أشير إلى مفاصل معينة في الاستدلال؛ مفاصل معينة في الاستدلال اختصاراً للوقت من جهة، وأيضاً ملامسة لحقيقة البرهان من جهة أخرى، وإعذاراً أو إقامة للحجة على كذلك المخالف الذي قد يشاهد شيئاً من ذلك، فلعله يصل إلى شيء من الحق إن كان طالباً للحق. حقيقةً نريد أن ننطلق في البداية، أريد أن أقف عدة وقفات من كتاب الله سبحانه وتعالى في شأن الصحابة.
أول وقفة: هو أن الله اختار الصحابة لنبيه صلى الله عليه وسلم، اختار الصحابة لنبيه صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك هو قوله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. فالمؤمنون الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم هم تأييد الله لنبيه، فهم اختيار من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن الأدلة على ذلك كذلك قوله سبحانه وتعالى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ. هذه المؤازرة من الزرع للنبي صلى الله عليه وسلم، الزرع هذا أو الشطأ، شطأ الزرع هذا هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوقفة الثانية: هي أن امتداح أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الله جاء مفصلاً وليس مجملاً فقط، فامتداحهم جاء مفصلاً بخصال وخلال وأحوال معينة ومتواردة ومتكاثرة، وهذا التفصيل المجمل في الامتداح هو أدعى للتزكية أو أقوى في التزكية. واضح؟ يعني مثلاً: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، هذا امتداح مفصل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الامتداح المفصل كذلك لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في سورة الحشر. اقرأ علينا الآيات، بداية الآيات إيش؟ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. شوف المدح المفصل: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ إلى آخر الآية. إذاً هذا امتداح مفصل في كتاب الله في الوحي الذي أنزله الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الامتداح المفصل يقيم دعائم التزكية لهؤلاء الصحابة بأصول كما ذكرت مفصلة وكثيرة لا تنقض ببعض المواقف المجملة أو المشتبهة أو إلى آخره.
الوقفة الثالثة مع ما جاء في كتاب الله -أنا مثل ما ذكرت لكم هذا ليس استقراءً لفضائل الصحابة للنصوص التفصيلية- هذه وقفات مفصلية، استدلالات مفصلية في فضائل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم تقود إلى ما وراءها، يعني هي إقامة حجة على فضلهم من جهة أو على فضلهم من جهة، وإقامة الحجة على المخالف من جهة أخرى. النقطة الثالثة المفصلية في هذا المعنى هو أن امتداحهم، امتداح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في أواخر السور التي نزلت من القرآن كما جاء في أوائلها، بمعنى أن استمرار امتداح الله للصحابة جاء على طول وقت نزول القرآن إلى آخر شيء، وهذا الاستمرار في الامتداح إلى آخر ما نزل هو أدعى في التزكية والامتداح أن هذا الحال ثابت.
إن هذا الحال لم يتغير، إن هذا الحال لم يكن في مرحلة دونما، هو إلى آخر الأمر، وإنما هو إلى آخر الأمر. واضح، ومن أظهر الأدلة على ذلك، تفضل شيخ، خليه يقدم الشيخ، نعم، ومن أظهر الأدلة على ذلك ايش؟ في القرآن، ها، أحسنت، ايش الدليل؟ والسابقون الأولون، لماذا هذا الدليل دال على هذا المعنى؟ ها، لأنه في سورة التوبة التي هي من آخر ما نزل، فلا شك أن كون الامتداح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مستمر، كونه مستمراً في أوائل ما نزل، وأواسط ما نزل، وأواخر ما نزل، دليل على أن هذا هو حال الصحابة على طول الطريق مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم لا يستقيم بعد ذلك أن يكون امتداح الصحابة مستمر أوائل ما نزل من القرآن إلى أواخر ما نزل من القرآن في مختلف الأحوال وفي مختلف الظروف، ثم فجأة الكل يتغير دفعة واحدة منذ لحظة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الله لم يمتدحهم كل هذا الامتداح المفصل. يعني إذا كانوا يزعمون أن هذا التغير حصل بهذه الطريقة، هم لا يستطيعون أن يخادعوا الله سبحانه وتعالى، لا يستطيعون أن يخدعوا الله سبحانه وتعالى، الله هو الذي أنزل فيهم هذا الوحي على طول الطريق إلى آخر ما نزل.
إيش اللي من آخر ما نزل؟ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، بعدين جاءت مفصلة في أصناف الصحابة، من هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟ طيب، والذين اتبعوهم بإحسان ترى بالمناسبة، الذين اتبعوهم بإحسان من الصحابة ابتداءً ليسوا فقط التابعين الذين هم جاؤوا بعد ذلك، وإنما الذين اتبعوهم بإحسان ممن لم يكونوا من السابقين. واضح، إذا هذا الامتداح كذلك ايش يبين؟ قيمة وقدر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الاستدلال، أو الوقفة فرقهم كم؟ الوقفة الثالثة من الوقفات مع الوحي في الاستدلالات خلينا نقول المفصلية في مكانة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. الوقفة الرابعة مع الوحي في هذه الاستدلالات المفصلية هو أن امتداح الصحابة لم يأتِ في القرآن فقط، وإنما قد أنزله الله منذ أن أنزل التوراة والإنجيل، مما يدل على أن هذا الأمر ايش؟ يعني في صميم، وأو يعني ايش في عين الحق وقلبه، أن الله سبحانه وتعالى ذكر امتداحهم، ايش ذلك مثلهم في التوراة، ثم قال: ومثلهم في الإنجيل، وذكر، إذا امتدحوا في التوراة والإنجيل، امتدحوا في التوراة والإنجيل والقرآن.
هذه أيضاً وقفة مفصلية في الاستدلال على هذا المعنى. نحن يا جماعة هذه الفكرة حتى نؤسس لقضية المحكم في شأن الصحابة، ثم من خلال هذا المحكم ننزل إلى المتشابه الذي هو ما حصل في الخلاف أو في الفتنة بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ونبين الميزان العادل والميزان الظالم. الميزان الظالم ايش عمل؟ قلب القضية، راح بدأ من الفتنة التي حصلت بين الصحابة وبنى عليها كل شيء في فهمه لحالهم، الميزان العادل عكس ذلك، تفهم كل شيء في حالهم ثم من خلاله تنزل إلى النقاط الملتبسة. واضح؟ إذا هما ميزان، الفرق بينهما يا كرام فرق واضح لا يلتبس، بمعنى أنه ترى الطوائف المنتسبة للقبلة اليوم هي بدون مواربة أو التباس، بعضهم يسلك هذا المسلك وبعضهم يسلك هذا المسلك، لا تكاد تجد أحداً في المنتصف حتى، إما أن يسلك هذا المسلك الظالم الثاني هذا، أو المسلك الأول المسلك العادل.
طبعاً لا يخلو المسلك العادل من بعض، لا يخلو بعض من سلك المسلك العادل من بعض الخطأ، ولا يخلو بعض من سلك المسلك الظالم من أن يكون ظلمه أخف من ظلم غيره، يعني هم على درجات؛ منهم من وصل إلى أظلم الظلم تكفير الصحابة، ومنهم من وصل دون ذلك، ودون ذلك، ودون ذلك. وفي الميزان العادل، منهم الأصل الميزان العادل ميزان عادل هو صواب، لكن ليس كل من أصاب أصاب بإحكام، وليس كل من أصاب الحق في ذاته استطاع أن يحتج، وهكذا يعني فدرجات في الاستدلال الصحيح، ودرجات في الاستدلال الخاطئ، درجات في العدل، ودرجات في الظلم.
طيب، كم وقفة مع الوحي أخذنا؟ أربعة. الوقفة الخامسة وهي أيضاً من الوقفات المفصلية في الوحي في امتداح الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أن الوحي فيه امتداح آخر الصحابة كما فيه امتداح أولهم، بمعنى أن هناك من وقف وقفة في الجهة الأخرى فقال: نعم هذا الامتداح هو للأولين دون الآخرين. وعندنا دليلان في القرآن على امتداح الآخرين من الصحابة أو الأواخر من الصحابة الذين أسلموا متأخراً مع امتداح أوائلهم: الأول لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى. حتى الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتل، الذين تأخر إسلامهم. الدليل الثاني: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ، فهؤلاء الذين اتبعوهم هم ممن جاء متأخراً من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
إذاً هذه خمس وقفات من الوحي مفصلية في الاستدلال على مكانة الصحابة وفضلهم، أما النصوص التفصيلية فهذه مقامها آخر، لأن الدرس أو المجلس لا نستطيع من خلاله لأنه استقراء النصوص التفصيلية، يعني عندك مثلاً كتاب فضائل الصحابة للإمام أحمد مجلدين، جيد؟ هذه النصوص التفصيلية، يعني كتاب فضائل الصحابة في البخاري مع مناقب الأنصار، كتاب فضائل النصوص الواردة في امتداح أصحاب بأعيانهم، في امتداح هذا، يعني ما ننتهي منها في مجلس ولا اثنين ولا ثلاث، إحنا فضائل الصحابة في غيث الساري أخذنا يمكن عشرة مجالس وما وصلنا ربع الباب يمكن، فيعني المجالس تلك طويلة، لكن إحنا الآن نأخذ كذا استدلالات معينة مفصلية.
الطيب، من السنة أيضاً نريد أن نقف يعني في بعض الأمور في السنة، يعني الباب أو الحزمة الأولى من الاستدلال هي استدلال من القرآن، جيد؟ في استدلالات من السنة أيضاً، يعني أريد أن آخذها أيضاً كوقفات يعني عامة وليست نصوص مفصلة. من النقاط المفصلية في السنة تجاه الصحابة التبشير؛ التبشير لأعيانهم أو لمجموعات منهم بأفعال معينة بالجنة، وهذا التبشير بالجنة ليش نحن نعتبره مفصلي؟ لأنه هو مرتبط بالمال، فهم من استدلالات الطرف الآخر الذي ظل في هذا الباب أنه تمام والله في نصوص كذا ولكن الجماعة ايش غيروا وبدلوا، إحنا نقول لهم تمام، إحنا نأتي للنصوص التي تذكر النهاية الجنة.
وبالمناسبة النصوص التي ذكرت الجنة ترى ليست خاصة بالعشرة المبشرين، بعض يظن أنه بس العشرة المبشرين بالجنة لا، في الحديث الصحيح لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة 1400، جيد؟ وعندك مثلاً النصوص الواردة في أهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وعندك النصوص الواردة في الأعيان غير العشرة كمان، يا بلال إني سمعت دف نعليك في الجنة، وثابت بن قيس لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم، لما ثابت بن قيس نزلت نزل قول الله سبحانه وتعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، قال حبط عملي، ليش؟ لأنه صوته فيه علو كذا خلقة يعني فطرة يعني وطبعه كذا فيه، فكان أنه خشي أنه هو يكون لما يكون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم أنه يعني قد يكون صوته يعني، فجلس اعتزل في بيته. قال ولما افتقده النبي صلى الله عليه وسلم سأل عنه، قال قل له ثابت بن قيس أو سأل، قال للشخص إنه ثابت بن قيس من أهل النار؟ فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بل من أهل الجنة، فكان هذا بشرى. قالوا فكنا نرى أنه من أهل الجنة يمشي على الأرض اللي هو ثابت بن قيس. ثابت بن قيس هذا استشهد يوم اليمامة، عكاشة بن محصن شهد له أنه يدخل الجنة بلا حساب، عندك كذلك وهكذا يعني النصوص المعينة كثيرة جداً، إذاً هذا النوع الأول من النصوص.
النوع الثاني وهو وقفة أيضاً مفصلية، التبشير للأمة بالصحابة؛ تبشير النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأصحابه، وهذا ميزته أنه ايش أيضاً؟ راجع للمال، أحسنت، هذا ميزته أنه راجع للمال كذلك. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بشر أصحابه بأمته حين بشر شر أمته بأصحابه فهو يتحدث عن المال. ومن أهم ما ورد في ذلك ما جاء في صحيح مسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد. وأيضاً هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا نعم، فيفتح لهم، هذا أيضاً من التبشير.
طيب وغير ذلك، يعني هذه هاتان وقفتان سريعتان من السنة. طيب أيضاً مما يؤكد هذا الباب، إحنا لاحظوا إحنا الآن لازلنا في الخطوة الأولى التي هي ايش؟ التأسيس المحكم في النظر إلى الصحابة، ومن ثم الدخول إلى المتشابه أو النظر إلى المتشابه وحمله على المحكم. أخذنا من القرآن أربع أو خمس وقفات مفصلية، ثم من السنة أخذنا وقفتين وكثير هي لكن سريعاً يعني أخذنا وقفتين، ثم أيضاً زيادة على ذلك في تأسيس المحكم هو في النظر إلى مجموع أحوالهم، فهم من جهة، يعني هذا وقفات سريعة في مجموع أحوالهم، من جهة كانوا هم خلاصة الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنصاره، الذين قال فيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: اللهم إن تهلك هذه العصابة أو العصبة لا تعبد في الأرض، قال ذلك صلى الله عليه وسلم يوم بدر.
ومن الصحابة الذين سندخل في هذه الحزمة وفي هذه الحقبة في النظر في أحوالهم ممن أثير حولهم أثيرت حولهم الشبهات من الطوائف التي ضلت في هذا الباب، من كان من خلاصة الخلاصة في كونه ممثلاً للإسلام في دوائر صغيرة جداً، ومنهم علي رضي الله تعالى عنه وعثمان وطلحة والزبير، فهؤلاء رضوان الله تعالى عليهم كانوا في مرحلة من المراحل كان الإسلام كله يعني في الأرض فيه يمكن 10 أو 13 واحد، كل على كوكب الأرض كما يقال يعني، النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان وأبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأبو عبيدة بن الجراح، وكذلك الضعفاء اللي هم صهيب وبلال وعمار وياسر.
إذا نظرت إلى الأرض ما كان في مسلم، ما كان هناك على وجه الأرض مسلم إلا هذه الثلة، ومن لحق بهم من السابقين الأولين، اللي آل أمرهم بعد ذلك لما عدهم الذهبي في سير أعلام النبلاء عدى 51 اسماً، 51 اسماً من الصحابة كان الإسلام في الأرض هم هؤلاء، يعني هم الذين كانوا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم توسع شيئاً فشيئاً شيئاً فشيئاً.
طيب، إذا كانوا هم خلاصة الإسلام، هؤلاء من السابقين، هؤلاء هم من جملة من كان ايش؟ ممن كان في هذه الحقبة ممن كانت الأمور الملتبسة والفتنة وما إلى ذلك، إذاً أنت لازم تحترم نفسك لما تتكلم عن هؤلاء، احترم أنك تتكلم عن فئة كانت هي خلاصة الإسلام في زمن من الأزمان. من جهة أخرى، مجموع أحوالهم يتفق مع ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ينظر بالاستقراء التفصيلي: مواقف يوم بدر، مواقف يوم أحد، مواقف يوم الأحزاب، مواقف يوم الحديبية، مواقف يوم فتح مكة، مواقف يوم حنين، مواقف إلى آخره من المواقف. قال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه كما في البخاري: انكسرت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياخ، قف موقفاً مثله في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرة دين الله سبحانه وتعالى، وهكذا.
طيب، من جهة أخرى أيضاً النظر في أحوالهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم حكموا بمنهاجه، وساسوا الناس بسنته، وبلغوا دين الله سبحانه وتعالى. الآن في تبليغ القرآن والسنة والدين لو أزلت حلقة الصحابة ما في ولا شيء، ما يبقى لك شيء، هي الحلقة التي كانت الحلقة الواصلة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمة. هذا القرآن ينتهي إليهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث السند، فما تستطيع أن تقول إن القرآن يعني إذا أزلت حلقة الصحابة أنك يمكن أن تصل إلى القرآن، مستحيل. وكذلك السنة، وكذلك العبادات التشريعية المختلفة الصلاة إلى آخره الأذان إلى آخره، وبالتالي هذه خصلة أخرى تضاف إلى خصال الصحابة إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة. كما قلت المجلس ليس في الاستقراء التفصيلي لفضائل الصحابة، وإنما لتأسيس النظرة المحكمة، أما المواقف فكلها تؤيد هذه الإجمال، سواء من حيث المواقف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو من حيث المواقف بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، في ميزان الله سبحانه وتعالى، هل يمكن أن تؤسس بعض المواقف في نصرة الدين لتكون هي المحكم الذي يرد إليه المتشابه؟ نعم، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. اعملوا ما شئتم هذه يدخل فيها ايش؟ المتشابه، الإشكالات الفتن كذا إلى آخره، فقد غفرت لكم هذا بسبب ذلك الموقف طيب، كيف لو لم يكن الموقف واحداً، وإنما كانت مواقف أيضاً، الذي حمى النبي صلى الله عليه وسلم، الذي حرس الصحابة يوم حنين، من يتذكر اسمه؟
هو من يتذكر اسمه، هو حديث سهل بن الحنظلية. بشر بن البراء، ها، الذي حرس النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها.
أنس بن مرثد الغنوي، الحديث مشهور لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، كان الوادي مخوفاً والحال فيه توتر، يعني احتمالية. فكم يعني بات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليلة في الطريق، وقال: من يحرسنا الليلة؟ فقام أنس بن أبي مرثد واستقبل فم الشعب، استقبل الشعب يعني وفم الوادي أو جهة الوادي، استقبل الشعب دخل في الشعب يعني. ولما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الفجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: لا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر ثم لما انصرف قال يعني: ها هو فارسكم قد أقبل، بمعنى الحديث يعني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل غيرت مكانك أو كذا؟ قال: لا، إلا أن أكون مصلياً أو قاضياً حاجة. قال: فإنك قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعده.
حديث أتذكر أخرجه أبو داود أظن في السنن، أي نعم. فهذا مثلاً موقف من المواقف، وهكذا يعني مواقف النصرة لدين الله في المواطن المخوفة هي عند الله بمكان يعني. لما تقول فين المحكم الذي ينبغي أن يخرج من تاريخ الإنسان ليكون يشكل مظلات حاكمة في التصور عنه، إذاً فيها مواقف لنصرة الدين، نصرة دين الله في المواطن المخوفة، فهذه من أشرف المواطن، خاصة إذا كان الموقف يعني من أحكم المحكم، يعني رسول الله معك وأنت تقوم في نصرته. هذا الموقف إذا أردت أن تنسخه وتمحوه من سجل الصحابي الذي تتكلم عنه بسبب اشتباه موقفك عليه أو خطأ وقع منه بعد ذلك في صفين أو في الجمل أو في أي مكان، أنت الآن تتخذ الميزان الظالم.
بأي حق تمحو تلك الصفحة؟ بأي حق تمحو تلك الصفحة؟ لا حق لك في أن تمحو تلك الصفحة، هي إذا كان ذلك الخطأ أو الاشتباه أو الالتباس في صفحة معينة بعد ذلك، ففي الصفحة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وفي الصفحات التي بعدها مواقف أخرى لا يمكنك أن تمحوها. الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، حتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءت اليرموك راح شق الصفوف إلى آخر شيء، أحم ظهري وراح ورجع مرة ثانية، هذا اليوم يوم اليرموك يوم عظيم يدون في أشرف الصفحات. في فتح مصر الزبير بن العوام ارتقى على السور، سور البلد ورفع الراية، وهكذا يعني، فمجموع الأحوال كله يدل على مثل هذه المعاني.
طيب، من أيضاً؟ أختم آخر نقطة في هذا المبحث، هو أن من جوانب امتداح الصحابة ومعرفة مكانتهم وفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، هو النظر في الجيل الذي خرجوه. الجيل الذي خرجوه الآن عندنا جيل التابعين، جيل التابعين لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم. حسناً، كيف تخرج ذلك الجيل؟ الحسنة الأساسية فيه لمن؟ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم. وبالتالي لما ندرس سيرة التابعين لا بد أن نضع العين على فضل الصحابة، وإذا درسنا فضل الصحابة نضع العين على فضل النبي صلى الله عليه وسلم.
وبالتالي لما ندرس سيرة سعيد بن المسيب والحسن البصري ومحمد بن سيرين والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وعمرو بن دينار ومسروق وعلقمة بن قيس والأسود، وغير هؤلاء من التابعين من سادات التابعين الذين كانوا من خيار الناس في هذه الأمة عبادة وزهداً وصدقاً وصبراً وثباتاً وفهماً، لا بد أن ندرك أن هذه نتيجة وثمرة لاستقامة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتبليغهم دين الله سبحانه وتعالى وتعليمهم إياه لمن بعدهم، واضح؟
حسناً، إذا تأسس هذا الأمر، طيب خلينا نقول قبل ما يعني أنا أوصل لنتيجة، يعني نصل للتسلسل، لكن قبلها فاتتني نقطة أيضاً أرى أنها مهمة. مما يعين على تثبيت هذا الميزان هو النظر إلى تعامل الله سبحانه وتعالى وتعامل رسوله صلى الله عليه وسلم مع ما وقع من أخطاء للصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هو يدل على هذا الميزان، واضح؟ يعني هل وقعت أخطاء من بعض الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم تقع؟ وقعت. كيف تعامل الله سبحانه وتعالى في كتابه مع هذه الأخطاء؟ وكيف تعامل رسوله صلى الله عليه وسلم معها؟ في ميزان معين، هذا الميزان نحن ماذا نقول؟ نريد أن نأخذ مثل هذا الميزان ونجره إلى المرحلة التي بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
من الذي أسس لقضية النظر في المجموع والمتشابه والمحكم؟ لما وقع حاطب بن أبي بلتعة في ذلك الخطأ الكبير، فقال رسول الله: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر. الرسول صلى الله عليه وسلم من الذي قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ. ثم بعد ذلك الآية التي بعدها إيش؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ. وكان هذا فيما وقع من خطأ في قتل بعض الكفار في الشهر الحرام.
طيب إذا تقرر ذلك، فإننا إذا تكلمنا عن هذه الحقبة التي ندرسها في خير القرون، في الحزمة الثانية من سنة 35 للهجرة إلى سنة 73 للهجرة، فإننا ننظر إلى هذه المرحلة، طبعاً ليس كل المرحلة فيها أشياء كثيرة محكمة، لكن ننظر إلى المتشابه منها باستصحاب هذا الميزان الكلي، واضح؟
طيب، الآن فرغنا من الخطوة الأولى. الخطوة الثانية ما هي؟ ننظر إلى نفس هذا المتشابه، هل هذا المتشابه فيه في داخله ما يؤيد هذا المحكم ويزيده وضوحاً وجلاءً ولا لا؟ واضح؟ طيب، أول شيء مما يزيد من أهمية حمل هذا المتشابه على المحكم من خلال المتشابه نفسه هو إثبات أنه متشابه. إثبات أنه متشابه يعني إثبات أنه فتنة حقيقية. هذه فتنة حقيقية، لما تقول فتنة، في شيء اسمه فتنة تلتبس فيها الأحوال، هذه الفتنة التي تلتبس فيها الأحوال، وقوع الخطأ فيها أهون من وقوع الخطأ في إيش؟ في حالة عدم الالتباس. صح ولا لا؟ أن يقع الخطأ في حالة عدم الالتباس.
يعني أيهما أكبر يا جماعة؟ أيهما أكبر؟ الخطأ الذي وقع من بعض الصحابة يوم أحد وأنزل الله العفو عنهم، ولم يكن مقام أحد مقام التباس، أو الأخطاء التي وقعت بعد ذلك في مقامات الالتباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم في أزمنة الفتنة؟ يوم أحد صح ولا لا؟ ومع ذلك إيش؟ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ. فإذا كان الله عفا عنهم في مقامات خطأ ليس فيها التباس، ألا تريد أن يعفو الله عنهم في مقامات خطأ فيها التباس فتنة، باب أولى؟ واضح الفكرة. هذا ميزان مهم جداً.
طيب لا بد إذاً من الإثبات أن هذا مقام التباس ومقام فتنة حقيقية، أي ليس مقاماً يعني بين هكذا لا لبس فيه. مما يدل على ذلك أو مما يعين على الدلالة على ذلك هو فهم يعني إيش؟ الملابسات الكبرى في الموضوع، ولما نقول الملابسات الكبرى، المنهج الذي سنسير عليه يا جماعة الخير في هذا، في هذه الحزمة، في هذه السلسلة، هو الوقوف عند الملابسات الكبرى والأحوال الكبرى، وتجنب بعض التفاصيل الصغيرة. بمعنى أنه ليس صحيحاً في تناول هذه الحقبة التي جرت بين الصحابة الوقوف عند دقائق التفاصيل وتتبع دقائق الأحوال. هذه فتنة، هذه الفتنة التي جرت، المفترض الوقوف عند كلياتها ومعالمها، والتجاوز والعدول عن الوقوف في هذه التفاصيل الملتبسة، واضح؟
الطرف الآخر الذي ضل في هذا الباب يعكس القضية، يبدأ من وين؟ يبدأ من تفاصيل التفاصيل، وأحياناً كل التفاصيل هذه تكون أصلاً مكذوبة، يعني كيف قتل؟ كيف سال الدم منه؟ والدم لما سال إيش صار بالأرض التي سال عليها الدم؟ وإيش صار في لون التراب لما صار؟ وإيش صار في لون السحاب؟ وإيش صار في لون السماء؟ وإلى آخره. وهذه الضربة إيش عملت في الوجه؟ وهذا الصوت إيش عمل في كذا؟ وهذا السهم لما اخترق الصدر، وكأنه يصف لك صوت تمزق الأنسجة التي اخترقها هذا النصل الحديدي وكيف تمزق الجلد، وهكذا. تقف مع تفاصيل وتفاصيل لا تخرج منها بأكثر من استجاشة العاطفة. وغالباً ما تكون هذه الروايات أصلاً فيها إشكال من حيث الثبوت، ثم لا تصل إلى رؤية كلية صحيحة. هذه التفاصيل يعرض عنها، طبعاً هذا فضلاً عن قضية الأسانيد الآن التي سنأتي لها إن شاء الله في اللقاء القادم، الذي هو سيكون لقاء منهجي من حيث التثبت في الروايات، واضح؟
لكن النظر في المعالم الكبرى، المعالم الكبرى تبين لك أن هذا المقام مقام فتنة ومقام التباس، وليس مقام جلاء ووضوح وظهور. واضح؟ مما يؤيد ذلك أن أنه قد روي عن الزبير رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا نقرأ هذه الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، وما نظن أنها فينا. ولذلك رأى بعض المفسرين من التابعين وغيرهم أو من السلف يعني أن هذه الآية تفسيرها في أصحاب الجمل. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، وذكر هذه الروايات الإمام الطبري رحمه الله في التفسير. فهذا يدل على أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعتبرونها فتنة، وكذلك ما ورد عن علي رضي الله تعالى عنه من تمني أنه لم يكن قد حصل كل هذا الذي حصل.
والمعالم الكبرى التي ستأتي بإذن الله تعالى هذه المعالم، إذا وقفت على روايتها الأساسية ستجد أن الحال هو فعلاً حال التباس وحال فتنة، وليس حال وضوح وجلاء. ولا شك كما قلت إنه إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عفا عنهم في الخطأ الذي حصل في حال الجلاء يوم أحد، فمن باب أولى، وظننا بالله سبحانه وتعالى أن يعفو عمن أخطأ، لأنه ليس الكل أصلاً أخطأ، هي فيها صواب وفيها خطأ وفيها اجتهاد وفيها نظر وفيها إلى آخره، أن يعفو الله عمن أخطأ في حال الفتنة والالتباس.
إذاً هو حال فتنة والتباس. نريد الآن أن ندخل في شيء من النصوص التي جاءت في حال الاشتباه مما يدل على فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حتى في حال الالتباس هذا. نحن ذكرنا الآن مفاصل في فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في أساس الوحي، في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مجموع الأحوال. طيب هل يمكن أن نستخرج شيئاً من فضائل الصحابة من مواطن الاشتباه كذلك في هذه الحقبة التي ندرسها؟ هذا الذي سنقف معه الآن بعض الوقفات.
ابتداءً من الفتنة الأولى، التي هي مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه. يعني جزء من هذه الفضائل أو من هذه المواقف المشتبهة أن نزداد حباً لعثمان رضي الله تعالى عنه وإدراكاً لفضله حتى في موطن الفتنة. حسناً، قد يقول قائل: هل أصلاً فتنة مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه كانت ملتبسة على أحد؟ المقتل لا، ما كان ملتبس على أحد، ما كان ملتبساً على أحد، الكل كان يعلم أن هذا ظلم وفتنة عظيمة وجريمة كبرى، أنا أتكلم من أهل الإيمان والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، هذا كان معروفاً، أصحاب الفتنة بطبيعة الحال شيء آخر. لكن بعض الأفعال التي قبل ذلك، قبل مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، التبس حالها على بعض الصحابة، وهذا أصلاً من أسباب بعد ذلك مزيد من الالتباس في الفتنة، لأن بعض الصحابة مثلاً رأى أنه قصر في طبيعة موقفه من مواقف عثمان رضي الله تعالى عنه قبل القتل، فرأى أنه لا يكفر عنه إلا بالانتصار لدمه.
وعلى رأس هؤلاء طلحة بن عبيد الله، الذي كان يقول: إني لا أرى أن يكفر عني إلا بالقتل. وهو ما فعل يعني، هو طلحة رضي الله عنه ما خرج على عثمان رضي الله عنه ولا قاتل عثمان ولا شيء، ولكن كان يرى أنه قصر في حق عثمان رضي الله تعالى عنه تقصيراً لا يكفر عنه إلا بقتل طلحة رضي الله تعالى عنه نفسه، يعني أن يقتل في هذا السبيل، هذا مما زاد الأمر التباساً. نحن نقول في هذا الأمر الملتبس، الذي هو بعض المواقف التي حصلت قبل مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، نكتشف منها كذلك مزيداً من فضل عثمان رضي الله تعالى عنه وفضائل الصحابة. سأقرأ عليكم بعض النصوص الواردة في صحيح البخاري وغيره مما يدل على فضل عثمان رضي الله تعالى عنه وعلو ما كان عليه حتى في زمن هذا الاختلاف.
الآن الناس في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه وقت الفتنة قبل مقتله، على ثلاثة أقسام، منهم من كان مع عثمان رضي الله تعالى عنه بشكل واضح بين، نصرة تامة، وهذه مواقف كثيرة جداً، ومنها مواقف الأنصار لما جاءوا فقالوا لما حوصر: إن أردت أن نكون أنصار الله ورسوله مرتين، أن نصرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلينا وأردت أن ننصر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وغيرها من المواقف. هذا القسم الأول. القسم الثاني: أصحاب الفتنة.
أصحاب الفتنة وهؤلاء سنأتي إن شاء الله إليهم يعني اللقاء غالباً بعد القادم. اللقاء القادم نظرة منهجية في الأسانيد والروايات والكتب التي روت هذه، اللقاء الذي بعده نبدأ مباشرة إن شاء الله في سرد ما يتعلق بمقتل عثمان رضي الله تعالى عنه.
أصحاب الفتنة هم القسم الثاني. القسم الأول من من الذي كان مع عثمان؟ كثير من الصحابة من الأنصار ومن غيرهم ممن أراد أن يقاتل بنفسه وكان عثمان هو الذي يحرصهم على عدم القتال، منهم أسماء يعني بأعيانهم: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وبالمناسبة كذلك الحسن والحسين أو الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن الزبير، وبعضهم كان عثمان يحرص عليه بالرجوع هو يعني عبد الله بن الزبير كان يعني يأبى الرجوع إلى آخره. القسم الثالث هم أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن كان لهم بعض الرأي في قضية النصيحة لعثمان رضي الله تعالى عنه والنقاش معه في بعض القضايا، ممن لم يكونوا بطبيعة الحال من أصحاب الفتنة، بل كان كان أصحاب الفتنة محل إدراك من الجميع أنهم أصحاب فتنة وضلال، لكن بعض الصحابة كان يرى أنه ينصح عثمان في بعض القضايا، يرى أن عثمان رضي الله تعالى عنه يغير بعض الأمور مثل هذه القضايا التي كانت. وهذا القسم من الصحابة بعضهم رأى أنه قصر مع عثمان لما آل الأمر إلى إيش؟ إلى قتله وأنه ما كان الأمر مفترض يصل إلى هذه الدرجة، أنه يعني نعاتب على عثمان أشياء، أنه ننتقد، أو خلينا نقول يعني نرى بعض بعض الأمور التي يعني يمكن أن يستغلها بعض أصحاب الفتنة، وهذا الذي حصل، أنه بعض أصحاب الفتنة استغلوا بعض المواقف التي قد يكون فيها نصيحة أو تنبيه على خطأ معين أو شيء. فهذه ثلاثة أقسام، ويمكن لنا أن نعد القسم الثاني والقسم، احنا قلنا القسم الأول الذين نصروا عثمان نصرة صريحة، القسم الثاني نقول هم يعني كثير منهم هم يعتبروا ممن نصروا عثمان رضي الله تعالى عنه على الأقل بكونهم إيش؟ بكونهم لم يدخلوا مع أصحاب الفتنة، ويرون أن أصحاب الفتنة أصحاب فتنة ظاهرة وواضحة، لم يكن معهم أحد والمدينة كانت مليئة بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أصحاب الفتنة كانوا يحاولون استغلال بعض القضايا وتشبيه بعض الأمور وتلبيس بعض الأمور واستخراج بعض القضايا، وحاولوا أن يجروا إليهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الكبار، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يرفضون هذا الاستغلال لهم في مثل هذا الموقف.
طيب الآن هذا بس تبيين، الآن نريد أن ننظر كيف الفضل خاصة لعثمان رضي الله تعالى عنه في ظل هذا المشهد، في ظل هذا المشهد. طبعاً عثمان رضي الله تعالى عنه الآن هو الخليفة العام، يعني بلاده تحت حكمه وسلطانه إيش الممالك التي تحت سلطان عثمان أو البلدان؟ الحجاز واليمن ومصر والشام والعراق، وبتسميات اليوم إيران، جزء من باكستان أفغانستان أو جزء منها، شمال إيران وأذربيجان، ومن جنوب تركيا، بلاد اللي هي تعتبر من بلاد الجزيرة ومن بلاد الشام الشمالية، وبعض الجزر التي في البحر الأبيض المتوسط، وعندك مصر وشمال أفريقيا، جزء من شمال أفريقيا. هذا كله الآن تحت سلطان عثمان رضي الله تعالى عنه، كم تحت يده من الجنود في الثغور ما شاء الله أن يكون، كم يده في طاعته ما شاء الله أن يكون. انظروا يا جماعة هذا السلطان، هذا الخليفة الذي يحمل كل هذه القوة والسلطة، كيف هو تواضعه؟ وكيف هو استماعه للنصائح؟ وكيف هو استماعه لاعتراض المعترضين؟ ونتعلم منه التواضع ونتعلم منه التجرد للحق ونتعلم منه الصبر ونتعلم منه الحلم.
يا جماعة الخير بعدين في التاريخ صار عندنا الواحد لما يكون مسيطر على واحد في العشرة آلاف من ما كان تحت يد عثمان، يعني عنده قلعة وشوية مدينة، يروح يتعاون مع الصليبيين ويتعاون مع ما أدري مين ومع الإسماعيلية والحشاشين ويقاتل ابن عمه ويقتل إخوانه ويقتل أبوه ويقتل أبناءه ويقتل عشان يحافظ على هالقليعة وعلى هالحصين وعلى هالقرية اللي عنده. عثمان رضي الله تعالى عنه بيده كل ذلك، وبيده أن يدفع عن نفسه بالسيف شر هؤلاء الخمسمئة ولا ستمئة من أصحاب الفتنة الذين لا يختلف الصحابة، ليس معهم أحد، ليس معهم يعني تخيل الصحابة كلهم أحياء هذول ما معهم أحد، الفتنة أصحاب الفتنة ما معهم أحد يعني أصحاب الفتنة واضحين. ومع ذلك ما دفع عن نفسه بالسيف ولا بالقتال ليس عجزاً، وإنما لأنه لا يريد أن تراق الدماء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه بالصبر، وهو قادر على أن يدفع ويأتيه الصحابة ليدفع، واللي يعرف المنطق السياسي يعرف أنه ما يمكن إنسان عنده هذه القدرة السياسية وما يدفع عن نفسه بهذا، ولا وليس أمامه عجز أو شيء ولكنه لقي الله صابراً محتسباً، هذا بحد ذاته درس عظيم. فأنت تعرف كيف كانت نفوسهم من حيث التزكية ومن حيث كذا، هذا أمر مهم جداً.
لكن دعونا نقف مع بعض الروايات المرتبطة ببعض النقاشات التي حصلت، وكما قلت البعض يعني لا يعلم أنه ما حصل كان فيه فتنة بالنسبة للبعض من حيث زي ما قلت لكم انتقاد أو نصيحة أو وقوف عند فعل معين أو فعل ملتبس أو كذا. لا، كان الفعل قد كانت بعض الأمور ملتبسة على البعض جيد غير قضية أصحاب الفتنة، فنشوف الآن بعض المواقف. قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثني أحمد بن شبيب بن سعيد، قال حدثني أبي عن يونس، قال ابن شهاب: أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد؟ المسور وعبد الرحمن بن الأسود يكلمان عبيد الله بن عدي بن الخيار في إيش؟ أنه ليش ما تكلم عثمان في شأن أخيه الوليد؟ مين أخوه الوليد؟ الوليد بن عقبة، أخوه من أمه، الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان لأمه، ولاه عثمان على الكوفة، ففي كلام أنه الوليد إيش؟ شرب الخمر، فإنه الكلام أنه ليش ما تقيم عليه الحد؟ أقم عليه الحد، لا تقيم عليه الحد، كثر الكلام في الموضوع. جيد، فإحنا نشوف الحوار الذي دار بين عبيد الله بن عدي بن الخيار وبين عثمان رضي الله تعالى عنه، وكيف كان يعني كيف كانت القضية وكيف كان عثمان يعني يشعر بشيء من الألم أنه يا جماعة يعني كثرة الانتقادات هذه وكثرة الكلام والكلام الذي قد يستغله بعض السفهاء وبعض أصحاب الفتنة بهذه الطريقة. وأيضاً عثمان استخدم الميزان الذي أذكره، ميزان النظر الشمولي وحمل المحكم عن المتشابه، والنظر إلى مجموع حاليه، فاسمعوا هذه الرواية في صحيح البخاري: طيب ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة وهي نصيحة لك. يعني الآن هذه بحد ذاتها، عثمان اللي خامس واحد أسلم ولا سابع واحد أسلم، شهد المشاهد كلها، وهذا واحد من التابعين وصغير تو جاي يعني من حيث الميزان العمري وكذا يقول جاي أستقبلك وعندي نصيحة لك. طبعاً عبيد الله من الأفاضل يعني هو عبيد الله ليس من أصحاب الفتنة، بالعكس يعني من خيار الفقهاء والعلماء، لكن يعني أيضاً فيها ألم. فقال عثمان: يا أيها المرء أعوذ بالله منك. فانصرفت، فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان فأتيتُه، فقال: ما نصيحتك؟ يعني ما مررها هكذا، لا تعال يلا تعال تفضل ما هي نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب، هذا عبيد الله بن عدي يقول لعثمان، وكنت ممن استجاب لله ورسوله فهاجرت الهجرتين وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. فقال عثمان لعبيد الله: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. يعني أنا ما لحقته بس ترى كل أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأحوالي ترى وصلت إلي يعني. قال عثمان: أما بعد فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله عز وجل، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استُخلِفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ يعني لأبي بكر وعمر. قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا علياً فأمره أن يجلده فجلده ثمانين على شرب الخمر. هذا مثال على حوار من الحوارات التي جرت في هذه القضية.
طيب من أعجب، أعجب من ذلك في تاريخ المدينة لابن شبة، كان في أحد الناس ترصد لعثمان يريد اغتياله، فقبض عليه، استطاعوا الإمساك به، فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: أراد قتلي ولم يرد الله، فتركه ولم يقتله. في رواية أن عثمان سأله قال: ما هذا؟ قال: رجل أردت أن أقتله. قال عثمان: سبحان الله، ويحك على ما تقتلني؟ قال: ظلمني عاملوك باليمن. قال عثمان: أفلا رفعت إلي ظلامتك؟ فإن لم أنصفك أو أعدك على عاملي أردت ذلك مني؟ ثم قال عثمان: عبد هَمَّ بذنب فكفَّه الله عني. قال الراوي: فوالله ما ضربه سوطاً. محاولة اغتيال خليفة المسلمين، هذا يذكر حتى ترى علي رضي الله عنه لما ضربه الخارجي، قال لهم: إن أنا مت فاقتلوا، أنه تصير نفس بنفس، وإن أنا بقيت فأنا سأحكم فيه. يعني هذا نظر غريب، يعني طبعاً إحنا الآن لما نعيش في زمن المرحلة الجبرية هذه أنت يعني لا يعني إحنا أفضل يعني إيش ما تتكلم لأنه ما تقدر تصف الفرق بين الحالين، أنت الآن واحد يتكلم على واحد يمشي مع المسؤول الذي مشي مع المسؤول جنبه، يضيع من عمرك ثلاثة خمس سبع سنوات في السجن وغير ذلك.
طيب عثمان رضي الله تعالى عنه كان يعني من الأشياء أيضاً التي تكبّر النظرة لهذا الإمام العظيم رضي الله تعالى عنه، أنه كان يناقش هؤلاء أصحاب الفتنة، كان يناقشهم، كانوا يأتون في أثر، الله المستعان، ما ثبتته عندي هنا، لكن لعلي آتي به في أثر أظنه صحيحاً، يعني من الآثار المشهورة أنه لما جاؤوا يناقشوه، يا أخي مستفز زين أصحاب الفتنة هذول نفس سبحان الله المنطق الذي يسير عليه الغلاة المتشنجون إلى آخره، قالوا له يا عثمان، افتح معك المصحف، أي نعم افتح السورة رقم سبعة، ما أدري السورة رقم كم السابعة، قالوا له أظن وافتح، افتح كذا، أو أظن قالوا له اقرأ: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ۗ قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ، فلما وصل هذه الآية قالوا: هل الحمى الذي حميت مما أذن الله لك؟ تمام، وكانوا يناقشونه وهو يناقشهم. وهذا الحين أصحاب الفتنة الحين، أما عبيد الله بن عدي بن خيار هو من الصنف الثاني، يعني هو مو من أصحاب الفتنة، بس يعني من الناس اللي كان أنه يعني طب ليش سويت كذا، طب ليش هذا، طب إيش، طب إيش الذي يعني القضية هذه، وهكذا، هي من أجلاء التابعين، لكن أصحاب الفتنة كان لهم نقاشات مع عثمان رضي الله تعالى عنه، فكان يناقشهم وأحياناً ينزل على رأيهم في بعض القضايا، يسوي معهم اتفاق. مرة كان علي رضي الله عنه هو رسوله إليهم، كان كان علي رسوله إليهم، وهذه إن شاء الله تأتينا في الدرس بعد القادم إن شاء الله لما نتكلم عن قصة عثمان بالتفصيل إن شاء الله في المعالم الكبرى، فكان له بال واسع في النقاش معهم، أحياناً كان لا شك أن هو كان يعتب في نفسه رضي الله تعالى عنه، وأحياناً كان حتى يعني يتكلم على أصحاب الصنف الثاني: أنه لماذا فتحتم باباً لهؤلاء؟ أحياناً كذا، مرة كان يقول: أظهرتم القبيح وسترتم الجميل. مرة كان يقول كذا، مرة فكان لا شك أنها كانت حالة صعبة ولكنه كان يقابلها بالحلم وبالنقاش وبالتفاهم. لما رفض أصحاب الكوفة أن يستقبلوا سعيد بن العاص وهو أمير عثمان، قالوا: ما في إلا تجيب لنا أبو موسى، تأتي لنا بأبي موسى الأشعري أميراً، أتى لهم بأبي موسى الأشعري أميراً عليه، فكان يعني يتفاوض، يتنازل، إلى آخره.
طيب من الأمور أيضاً في قضية عثمان وهي يعني من الأمور الصحيحة الثابتة التي أخرجها الإمام البخاري في صحيحه، الإمام البخاري بوّب في صحيحه: باب إمامة المفتون والمبتدع، ثم علّق كلام الحسن، قال الحسن البصري: صَلِّ وعليه بدعته.
ثم أتى بأثر في هذه الفتنة أثر عجيب الذي رواه عبيد الله بن عدي بن خيار أيضًا عن عثمان أنه سأل عثمان، فقال له: يا عثمان إنك أمير عامة، وإنما يصلي لنا إمام فتنة فهل نصلي معه؟ من هؤلاء المفتونين من الخوارج هؤلاء الذين خرجوا على عثمان رضي الله تعالى عنه هم اللي كانوا أحيانًا يصلون في المسجد النبوي أمام أئمة، يعني كان لهم سيطرة أو سطوة.
فماذا قال عثمان؟ ماذا قال عثمان والأثر في صحيح البخاري؟ قال: الصلاة خير ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم. معناه إيش؟ أنه صلوا معهم، صلوا معه وهذا موقف عجيب وعظيم كذلك من عثمان رضي الله تعالى عنه. طيب، هذه كلها مواقف حتى في حال المتشابه تبين عظمة وفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتبين تأكيد المحكم من الأمور التي أيضًا حصلت في المتشابه.
أي ما أخرجه ابن أبي شيبة رحمه الله عن أبي أمامة قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون مولياً، ولا يسلبون قتيلاً، ولا يسلبون قتيلاً. وهذا كان من المعروف، وكان أصلاً هو من تأسيس أحكام قتال البغاة. وأيضًا ابن أبي شيبة كذلك أخرج عن عمار رضي الله تعالى عنه عن رياح بن الحارث قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتون، جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.
مثل هذه الآثار التي كانت تحفظ عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في مثل هذه المواقف التي هي مواقف صعبة وشديدة وفيها التباس، لا شك أنها من جملة الأمور العظيمة التي ينبغي أن تحفظ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه حتى في وقت الاشتباه أيضًا هناك بعض المواقف التي تدل على عدالتهم وصدقهم. وآخره طبعاً مما يروى يعني هو ليس له إسناد متصل، لكن يروى في بعض كتب السيرة ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وهو موقف جميل، وله إسناد لكن ليس إسناداً متصلاً، لكنه من جملة الأخبار التي تروى كما قلت ذكره كثير في البداية والنهاية، وهو من خير الأمثلة على هذا المعنى اللي هو أنه وقت الخلاف كتب ملك الروم إلى معاوية رضي الله تعالى عنه، كأنه يستميله بحكم الخلاف، فرد عليه معاوية رضي الله تعالى عنه ردًا شديدًا، وأنه ترى أصطلح أنا وابن عمي وأجعله في مقدمة جيشي في قتلك، وذكروا الخبر مفصلاً في هذا المعنى.
وفي رواية أنه بلغ معاوية رضي الله تعالى عنه أن ملك الروم يخطط لغزو العرب لاختلافهم، فكتب إليه معاوية كتابًا يحلف له فيه ويقول: لئن عزمت على ما أظهرته في مجلسك لأصالحن صاحبي ولأصيرن مقدمته إليك، فأنزل قسطنطينية الجرامقة، ولأردنك أرعيا كما كنت ترعى القنانيص. قنانيص هذه صغار الخنازير. فكتب إليه ملك الروم يحلف له فيه بالبراءة من المعمودية والدخول في الحنيفية ما هم بهذا ولا تكلم، وأهدى إليه هدايا كثيرة أكثرها اليبزون. تمام، هذا مما يروى من الأخبار في مثل هذا الحدث.
من يقف من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا الموقف ينزل من الأمر المحكم إلى الأمر المتشابه، وحتى يبصر في الأمر المتشابه بعض ما يعظم به ويكبر به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا شك أنه سيخرج بنتيجة مختلفة عن النتيجة التي سار عليها أهل الميزان الظالم في التعامل مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وشتان شتان بين الميزانين، وشتان شتان بين الطرفين، وشتان شتان بين الفريقين.
مما يعين على تحقيق هذا الميزان وسلامة الصدر تجاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو مثل ما ذكرت قبل قليل: عدم الخوض في التفاصيل الدقيقة فيما جرى، وهذا المسلك هو الذي سنسلكه في السلسلة بإذن الله تعالى؛ يعني الوقوف عند المعالم، عند أهم الروايات، عند أهم الأخبار، عند معرفة المعالم الكبرى لما جرى، ودون الوقوف والتتبع لتفاصيل التفاصيل الدقيقة، خاصة وأن هذا الأمر انتهى بصلح عام عظيم بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، والتقت فيه الفئتان التي دعواهما واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه كما في البخاري: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فمثل هذا الأمر كمثل من يقع بينه وبين شخص خلاف، ثم ينتهي هذا الخلاف إلى الصلح وإلى تمام الأمر واستقامة الحال، فيذهب إلى مرحلة الخلاف، يعني لو أخذنا بوقتنا الآن يروح يشوف محادثات الواتساب اللي كان فيها المشكلة، وكل يوم قبل ما ينام يرجع يفتح المحادثة وقت المشاكل ويقف عند سطر سطر، فكلما أراد قلبه أن يلتئم ويصلح يقول: لا ولكن في تلك الليلة قال هذه الكلمة اللي أنا ما يمكن أنساها! طب أنساها، لا يرجع يذكر نفسه فيها، يرجع المحادثة عشان يغذي نفسه وقلبه لهذا. طيب فما بالكم لو كانت هذه التفاصيل الجزء العام أو الكثير منها هو أصلاً مختلق مكذوب وليس صحيحًا؟ وفي واحد إلا يرجع لهذا الجزء المختلق المكذوب ويرجع يغذي نفسه وقلبه منه؟ طيب فما بالكم لو جعل هذا الجزء التفصيلي المختلق المكذوب هو الأصل الذي يبني من خلاله النظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف يمكن أن يستقيم له حال؟ كيف يمكن أن يصل إلى ميزان حقيقي وصالح في النظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا لا يمكن.
أما أن تظل في هذا الأصل المحكم، الذي هو محكم من أي مصدر؟ من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مجموع أحوالهم وسيرتهم، ثم بعد ذلك لا تقف عند هذه الفتنة وقفة تفصيلية، خلاص يجمل الأمر فيها؛ ما الذي آل إليه أمرها؟ آل صلح عظيم بين المسلمين، ما الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؟ احنا أمس ذكرنا نصوصًا كثيرة في هذه القضية عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذه هي الطريقة الصحيحة. أما أن تقف عند دقائق المرويات ودقائق الأخبار التي عامتها بلا إسناد، وعامتها وكثير منها مكذوب أو مبالغ فيه أو مختلق، وهذا الكلام ليس ادعاء، وإنما عبر البحث الإسنادي والتدقيق الحديثي ستجد أنك تصل إلى هذه النتيجة. الوصول والتدقيق عند هذه القضية ليس منهجًا صالحًا، لا من جهة العقل -مثل ما ذكرنا قبل قليل- اصطلح مع إنسان ثم ترجع تجر أنواع الكلمات التي قد تكون مغذية للإشكال، ولا من جهة الشرع، لا من جهة الكتاب ولا من جهة السنة.
طيب فما بالكم إذا كانت الطريقة التي يسير عليها بعض من ضل في هذا الباب هو تهيئة الأجواء النفسية والروحية للحزن والبكاء والحقد، وصبغ كل شيء بالسواد، واستعمال المقامات والألحان الحزينة التي تستجر المشاعر والأحزان وتعبئ وتجيش الناس للغضب والحقد، ثم بعد ذلك تريد أن ينظر نظرًا معتدلاً؟ كيف ينظر نظرًا معتدلاً؟ كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى نتيجة صحيحة وهو بهذا الشحن؟ لا هو الذي نظر في كتاب الله وتأمل فيه، ولا هو الذي نظر في سنة رسول الله وتأمل فيها، ولا هو الذي نظر إلى مجموع الحال، وإنما أخذ موقفه من مجموعة من المواسم الدينية التي فيها مجموعة ألحان وأناشيد حزينة تستجر العواطف وتستدر الدموع مع حركات جسدية لتأكيد مثل هذه العواطف، ثم بعد ذلك يخرج الإنسان وهو يرى كل أحد في الشارع وكأنه قتل أهل البيت ونكل بهم وذبحهم، واحنا اللي في الشارع تلقى اسمه حسين وعلي، وتقول له ما موقفك من علي بن أبي طالب والحسين؟ يقول لك: يا عمي هؤلاء ساداتنا. فعن أي عدل نتحدث؟ وعن أي منطق نتحدث؟ لا هو المنطق الصحيح ولا هو المنطق العقلي ولا هو المنطق الشرعي ولا هو المنطق العادل ولا هو الأمر الصحيح ولا هو الميزان الذي يمكن أن يكون ميزانًا، وإنما هي أمور متراكبة على بعضها؛ عواطف مبنية على روايات، روايات مبنية على أوهام، وأوهام تستجر العواطف، ومشهد مركب.
من كان يحب الله ورسوله حقًا ويعلم أن هذا الدين مبني على البرهان والحجة يعلم أن هذا المسلك خاطئ، وأن هذا المسلك مسلك ضلالة وليس مسلك حق، وأن هذا ليس مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مسلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مسلك أهل بيته، سادة أهل بيته رضوان الله تعالى عليهم ممن كانت له المواقف الرشيدة والخالدة والمعروفة في هذا الباب، وعلى رأسهم طبعاً كبار التابعين، من ابتداء من علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه -اللي هو زين العابدين- إلى ابنه محمد، إلى ابنه جعفر، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. هؤلاء من الأئمة الكبار الذين كان لهم، هم سادة أهل البيت طبعاً، الذين كان لهم في نفوسهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواياتهم الثابتة التعظيم والتبجيل والتقدير والاحترام.
إذاً، هذه خلاصة، هذا يعد مدخلاً ثانيًا للنظر إلى هذه الحقبة. نعيد خلاصات سريعة: المدخل الأول الذي كان في الدرس السابق كان مدخلاً في ذكر الحقبة من عام 35 إلى عام 73، أهم الأحداث وأهم الوفيات من الصحابة، وبعد ذلك أهم الأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف هذه الحقبة. والمقدمة الثانية اليوم كانت في كيف ننظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف ننظر إلى هذه الفتنة، وأن هناك ميزان، ميزان عدل ينبغي السير عليه، وهو النظر إلى مجموع حال الإنسان وإلى المحكمات من حياته ومن مواقفه، ورد المتشابه إليها، وأن هذا ليس خاصًا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو ميزان عام. ثم بعد ذلك دخلنا في كتاب الله وفي سنة رسول الله حتى نؤسس المحكم في الموقف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزلنا إلى شيء من المتشابه؛ أولاً لنقول هو متشابه حقاً، ثم لنقول بعد ذلك إنه حتى هذا المتشابه فيه ما يثبت أن من يسير بهذا السير ويسلك هذا المسلك سيجد النتيجة. إيش النتيجة؟ النتيجة ستجد أنك متسق مع كتاب الله أولاً، ومع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع مجموع المحفوظ من الأخبار التاريخية؛ ستجد أنك تسير بهذا الاتساق، ولا تحرم نفسك بعد ذلك من العلم العظيم والأثر الكبير المحفوظ عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
مصنف بن أبي شيبة يا جماعة فيه 38 ألف أثر تقريبًا عامتها عن الصحابة، فيها من العلم ما لا يحصى، ومن الخير الأمر الكبير، وما حفظ عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير وفي العلوم الأمر العجيب وما إلى آخره. من يسير بهذه النظرة يصل إلى علم هؤلاء الصحابة وإلى الاقتداء بهم ويتسق مع كل شيء، ومن يسير بالطريق الأخرى سيتناقض ابتداءً مع القرآن؛ يعني اللي يسير بالطريق الأخرى سيصل إلى نتيجة أنه ما الفائدة من كل هذا المدح الذي امتدح الله به الصحابة من أول ما نزل من القرآن إلى آخر ما نزل من القرآن إذا كانوا غيروا وبدلوا؟ وحاشاهم من أول يوم، يعني كل القضية تصبح متناقضة مع القرآن، متناقضة مع جهد النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته. يا أخي لو كان من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم ربى مثل أولئك الثلة وعرضهم لكل المواقف خلال 23 سنة، مستحيل يخرجون بالصورة التي أنتم تذكرونها. فهمت الفكرة؟ يعني أنتم تصورونهم بكل نقيصة وبكل نفاق وبكل شر وبكل ظلم وبكل زور وبكل تخطيط ومكر ودهاء ضد الحق، وهم تربية النبي صلى الله عليه وسلم الذين جاهدوا معه وخرجوا معه وسافروا معه ونزلوا معه، صلوا معه وسمعوا منه، ليس منطقيًا ولا معقولاً. فهذه النظرة الأخرى نظرة غير متسقة تمامًا.
إن شاء الله هذا المدخل الثاني يقودنا إلى المدخل الثالث، الذي سنقف فيه وقفة منهجية مرتبطة بالمصادر؛ مصادر والروايات والرواة وبعض الكتب والأسانيد والموقف من الروايات التاريخية ومن الروايات الإسنادية. ولا أدري هل يحتاج منا مجلسًا كاملاً أم نصف مجلس؟ لكن إن شاء الله سنأخذ في المقدمة الثالثة، انتهي من المقدمة الثالثة، النية إن شاء الله أنه ندخل مباشرة في عام 35 للهجرة بإذن الله تعالى. وكما قلت، لا تنتظروا خلال هذه الحقبة الوقوف عند كل حدث بشكل تفصيلي، ليس القصد ولا الغاية تتبع التفاصيل؛ بل برأيي هي طريقة خاطئة، وإنما الوقوف عند المعالم الأساسية، نفهم المرحلة، نفهم الحقبة، نفهم الحدث بشكل مجمل، ثم ندخل إلى ما بعده، ندخل إلى ما بعده باتساق مع هذه المقدمة التي أخذناها الثانية ونخرج منها بإذن الله برؤية إن شاء الله طيبة ومتسقة بإذن الله تعالى. ونستغفر الله ونتوب إليه، ونسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله أن يصلي على عبده ورسوله محمد، وأن يرضى عن أصحابه، وأن يحشرنا في زمرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونقول في مثل هذا المقام بالدعاء الذي امتدحه الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. سبحان الله، هذا الدعاء الذي امتدحه الله، يعني هذا الدعاء الذي امتدحه الله في سياق ذكر الصحابة تحديدا، يعني لأنه ذكر الله الآية التي قبلها، قبل قبلها المهاجرين، ثم التي بعدها الأنصار، ثم قال وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا. هذا هو المنهج، هذا هو اللي امتدحه الله في سورة الحشر، كل منهج يؤول إلى أن يجعل في قلوب الناس غلا للذين آمنوا فهو منهج مخالف لكتاب الله.
ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، هذه هي الطريقة، فنقول ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. اللهم ارحمنا وارحم عبادك المؤمنين المستضعفين في كل مكان، اللهم فرج عن أمة نبيك محمد، اللهم ارحم المستضعفين منهم، اللهم اكشف كربتهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تنتقم من أعدائك أعداء الدين، اللهم انتقم من الظالمين المجرمين الذين يحاربون دينك ويصدون عن سبيلك، اللهم إنا نسألك أن تنتقم ممن أصاب إخواننا في غزة، اللهم انتقم منهم أجمعين يا رب العالمين، واجبر أهل غزة يا ربنا وارحمهم برحمتك، اللهم يا ربنا وفرج عن أهل السودان وعن سائر المستضعفين من المؤمنين في كل مكان.
اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واغفر لنا وارحمنا، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، لا حول ولا قوة إلا بك، نستغفرك من ذنوبنا ونتوب إليك، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الشيخ أحمد السيد