تسجيل الدخول

خير القرون 32 | النقيب الأنصاري: عبادة بن الصامت

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

إذا نحن اليوم ندلف من هذا العنوان العظيم الذي هو خير الناس قرني، ومن ذلك العنوان العظيم الذي هو آية الإيمان حب الأنصار، إلى رجل أنصاري من خير الأنصار ومن خير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأرضاه. يعني إحنا نتكلم عن واحد من أعظم رجالات الإسلام، ومن خيار الأنصار، ومن أسبقهم في الإيمان والإسلام والنصرة، فهذا التحمل للمسؤولية هو من أعظم ما ميز خير القرون. من هنا ومن تلك الليلة تأسست نصرة الإسلام وتأسس عز المسلمين، أسس الانتقال من مكة إلى المدينة لترفع راية الدين.

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، أستعين بالله ونستهدي به ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس سلسلة خير القرون، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال مخصصا فئة من خير القرون: آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار، فإن سيرتنا اليوم أو مجلسنا اليوم مع رجل تنطبق عليه هذه الأحاديث بصورة بالغة التمام؛ لأن هذا الرجل الذي سنتحدث عنه اليوم رضي الله تعالى عنه وأرضاه هو من خير القرون، من خير الناس في مرحلة خير القرون، ومن خير الأنصار على الإطلاق. وأنتم تعلمون أن المعنى الذي فضل لأجله الأنصار هو ماذا؟ نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا الرجل من أعظم من نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كانت النصرة التي قبل الهجرة في العقبة، أو النصرة التي بعد الهجرة في المعارك والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو حتى الاستمرار في نصرة الدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولأجل ذلك نعيد ونقول: إنه لا يصلح أن تتناول حقبة خير القرون من جهة الأحداث العامة فقط، وإنما يجب أن تتناول حتى من جهة أبنائها ورجالاتها ونسائها وخيارها وأفاضلها، فإن الخيرية التي كانت في ذلك القرن إنما كانت بأبناء وحملة هذا الدين.

إذا نحن اليوم ندلف من هذا العنوان العظيم الذي هو خير الناس قرني، ومن ذلك العنوان العظيم الذي هو آية الإيمان حب الأنصار، إلى رجل أنصاري من خير الأنصار ومن خير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خير من تحققت فيه الخيرية، ومن خير من نصر وآوى وبذل وضحى. وقد توفي رحمه الله ورضي عنه في خلافة عثمان بن عفان، وإحنا قلنا إنه إحنا لا زلنا في خلافة عثمان ولكننا أبحرنا طويلا في فرع من فروع الحديث عن خلافة عثمان، وهو من توفي من الصحابة في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، هذا الصحابي توفي سنة 34 قبل وفاة عثمان بعام، وهو عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والحديث عن عبادة وعن سيرته وعن أحواله لابد أن يكون له شأن خاص، لابد أن يكون له شأن خاص.

عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه عهده بالإسلام قديم، كان أحد من بايعوا بيعة العقبة الأولى، تعرفون عندنا بيعتا عقبة، صح؟ عندنا البيعة الأولى كان فيها 12 رجلا، وعندنا البيعة الثانية بيعة العقبة الثانية بعد سنة من الأولى كان فيها بضع وسبعون من الرجال ومعهم امرأتان. على أن هاتين العقبتين أو البيعتين قد سبقتا بلقاء مع الأنصار، صح ولا لا؟ هي ثلاث مرات التقى فيهم النبي صلى الله عليه وسلم اللي هي اللقاءات المتتالية، ويروى أنه في لقاء قبل ذلك اللي هو ما استجاب فيه بعض من جاء من يثرب، لكن في ثلاث لقاءات متتالية: اللقاء الأول ما صارت فيه بيعة، اللي هو كان في ستة، جيد؟ واللي انتبه فيه الأنصار إلى أنه ترى اليهود كلمونا عن النبي، لا يكون هذا.. لا يسبقون إليه، النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليهم الإسلام، لا يكون هذا، لا يكون كذا، أي والله صح وكذا، فهذه كانت الاستجابة الأولى. بعدين السنة اللي بعدها صار في 12، أتوا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة واضحة على الإسلام وقيل على النصرة، اختلف العلماء على ماذا كان مضمون البيعة الأولى اللي كان فيها 12 رجل. ثم البيعة الثانية اللي كان فيها بضع وسبعون رجلا، هذه كانت بيعة على النصرة، على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيوائه.

الشاهد أنه لا خلاف بين العلماء على أن عبادة بن الصامت كان في البيعة الأولى وفي البيعة الثانية، واختلفوا هل حضر المرة الأولى التي قبل البيعتين ولا لا؟ بعض العلماء قال إنه أصلا كان من الستة، يعني في رواية من روايات موسى بن عقبة أنه كان حتى حاضرا الستة اللي قبلها. يعني إحنا نتكلم عن واحد من أعظم رجالات الإسلام ومن خيار خيار الأنصار ومن أسبقهم في الإيمان والإسلام والنصرة. عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، عبادة بن الصامت ترى ما كان من الشباب الصغار في السن في تلك المرحلة، يعني ما كان، تعرفوا بعدين إحنا جت عندنا طبقة صغيرة من شباب الأنصار، حتى بعضهم اللي هم أصلا ما شاركوا في المعارك الأولى في بدر واستصغروا، ها؟ وتعرفوا عندنا مثلا أنس بن مالك وعندنا البراء بن عازب وعندنا زيد بن أرقم، هؤلاء كلهم شباب صغار، حتى معاذ بن جبل، معاذ بن جبل لما شهد العقبة كان عمره 18 سنة تقريبا، أما عبادة بن الصامت لا كان فوق الـ30 لما شهد العقبة، شهد البيعة كان رجلا.

عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه حضر بيعة العقبة الأولى، وكانت أول بارقة أمل عملية لانتقال الإسلام إلى بيئة يؤوى فيها وينصر، فبداية تحول الإسلام من مرحلة المطاردة الحثيثة والمحاربة الشمولية داخل النظام السياسي المكي القرشي إلى الانتقال إلى منطقة أخرى يكون فيها الدين منصورا وله منعة، كانت الأساسات الأولى قد بنيت بأعداد يسيرة جدا عبر 12 رجلا أحدهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. يعني لما نقول الأنصار فهذا من صميم الأنصار، من صميم من فعل وظيفة النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يجب أننا ما نتعامل مع هؤلاء الصحابة تعاملا سطحيا، ولا أن نتعامل معهم حتى تعاملا شعوريا عاديا، يجب أن نتعامل معهم تعاملا شعوريا عميقا ووثيقا. يجب أن ننظر إلى القضية يعني أنها قضية كان لهم دور في نصرة الإسلام وحفظ الإسلام، دور مصيري ودور هائل ودور مركزي، فهذا الذي يجب أن ننظر إليهم من خلاله رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

طيب إحنا يا جماعة عادة تعرف الواحد لما يمر في السيرة يقول صارت بيعة العقبة الأولى، ها؟ وبعدين بيعة العقبة الثانية، وخلال البيعتين ايش صار؟ أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة يعلم الناس الإسلام صح؟ طيب، إحنا الآن ما نبغى نأخذها كذا، نبغى نرجع كذا شوي، إحنا الآن من نافذة عبادة بن الصامت أحد سادات خير القرون نبغى نتصور ايش اللي عملوه خلال السنة؟ يعني ايش كان دورهم أصلا؟ تحمل المسؤولية، يعني هو فكرة إنه أنتم يا أيها الأنصار تراكم كم واحد، ايش اللي فكرته تجي تتحملوا مسؤولية أن تبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام على النصرة؟ طبعا يا جماعة زي ما قلت لكم ترى مضمون بيعة العقبة الأولى اختلف العلماء فيه، هل كان على مجرد الإسلام وعلى ما يعرف ببيعة النساء؟ بيعة النساء هي التي في سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ إلى آخر الآية. هذه البنود، ألا يسرقن ولا يزنين، فإنه بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يشرك بالله شيئا ولا يسرق ولا يزنوا ولا ولا إلى آخره، هل هذه كانت البيعة؟ فهم بعض العلماء ذلك من رواية لعبادة بن الصامت، وبعضهم قال لا، حتى البيعة الأولى العقبة الأولى كان فيها تواثق على النصرة، وهذا الذي رجحه ابن حجر رحمه الله تعالى ورضي عنه في الفتح الباري.

أناقش القضية نقاشا طويلا قد لا يسع المقام أنه أنا أذكر النقاش فيها، لكن من توهم بأنه حديث عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا، أنه هذا كان في بيعة العقبة الأولى، فقال لا، هذه بيعة ثانية ما لها دخل بوقت ما قبل الهجرة، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الصحابة المؤمنين، يبايعهم على ايش؟ ألا يسألوا الناس شيئا وكذا، إنه لا ترى بايع الصحابة حتى بعد نزول الممتحنة يعني بعدين في آخر الإسلام، بايع عبادة ومجموعة من الصحابة على ألا يشرك بالله شيئا ولا يسرق ولا يزني وإلى آخره، هذا ترجيح ابن حجر. طيب ايش يا ابن حجر بايعهم في العقبة الأولى يوم كانوا 12 فقط؟ قال بايع، تمت البيعة على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم. طيب إحنا نجي هنا نتكلم عن تحمل المسؤولية، كيف الاثنا عشر رجلا أن يتحملوا مسؤولية نصرة دين كامل عبر الشخص اللي هو الرسول صلى الله عليه وسلم وتحمل أعباء مواجهة أمة العرب نتيجة لذلك؟ طبعا الناس كانت واعية خاصة في البيعة الثانية أنه ترى هذه البيعة سيترتب عليها مواجهة العرب، سيترتب عليها أنه الناس ستعضكم بالسيوف، فهل أنتم على قدر هذه المسؤولية ولا لا؟ فإحنا أول ما نبدأ بأنه يا جماعة الخير ترى الصحابة لما دخلوا في الإسلام دخلوا بتحمل مسؤولية، ترى بالمناسبة حتى غير بيعة العقبة، الصحابي اللي يسلم في مكة قبل الهجرة قبل الأنصار، الصحابي اللي يسلم في مكة ترى هو عارف أنه الإسلام فيه طبيعة تلك الظروف، أنه فيه محاربة أمنية قوية وواضحة وفي ناس جالسة تتعذب، ها؟ وفي مخالفة للآباء والأجداد وفي مخالفة للسلطة وفي مخالفة للجهاز الإعلامي، في مخالفة للأشراف وفي مخالفة للملأ وفي مخالفة لكل شيء، لتتبع هذا الدين الجديد الذي تؤمن أنه دين الله عز وجل، ففي تحمل مسؤولية كبيرة جدا من البداية من أول يوم، في تحمل مسؤولية. فما بالكم في تحمل مسؤولية أخص من ذلك، لقاء على وجه السرية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة هؤلاء على خفية من الناس، حتى ترى اللقاء اللي في بضع وسبعين رجلا، بيعة العقبة الثانية كان لقاء في خفية من الناس، صح ولا لا؟ لأنه هو كان وفد من يثرب أغلبهم مشركون أو كثير منهم مشركون، فتسلل المؤمنون منهم في الليل وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم.

فـهذا التحمل للمسؤولية هو من أعظم ما ميز خير القرون، من أعظم ما ميز خير القرون، من أعظم ما ميز سادة الصحابة تحمل المسؤولية، أنه ترى لما نقول دين، لما نقول إسلام، لما نقول تمكين لهذا الدين، ترى أنت تتحمل الضريبة. أما فكرة أنه الناس ما تبغى تدفع فواتير، ولا تبغى تتحمل مسؤولية ولا تبغى ولا عندها استعداد لا نفسي ولا وقتي ولا مالي ولا فكري ولا أي شيء لدفع تضحيات، فكيف نتكلم إذا إحنا كنا نتكلم عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي إقامة الدين والتمكين له، فكيف إحنا نتكلم عن إمكان لرفع راية الإسلام من جديد دون تضحية ودون بذل حقيقي ودون تحمل للمسؤولية؟ كيف هذا؟ لا يمكن أن يكون.

فالدين إنما قام على أيدي وعلى أكتاف أولئك المضحين، ولن يعود الدين عاليا مرة أخرى إلا على أكتاف أناس مضحين يستنون بسنة خير القرون، أبدا، وهذا الكلام ذكرناه في سلسلة خير القرون في البدايات لما تكلمنا عن الفتوحات وقلنا كيف أنه الناس راحت وكيف ضحت بكل شيء وكذا وبناء على ذلك انتشر الدين وإلا ما كان ينتشر. إحنا نجي نقول اليوم نفس الشيء، من كان يرى أن الأمة فيها من الضعف ما فيها، ومن العجز ما فيها، ومن الذل ما فيها، ومن الهوان ما فيها، ثم ظن أو توهم أن حالها سيصلح ببذل شيء من الأوقات، طرف من الأوقات وطرف من الأموال وطرف من الأنفس، فهو واهم، لا يمكن أن يكون، لا يمكن أن يكون.

طيب، أنا لو تتذكرون في السيرة النبوية للمصلحين يعني كان من أهم المجالس التي جلسناها في تلك السلسلة، اللي هي مجلس الأنصار بيعة العقبة تحديدا، وأنه يعني هذا الموقف من أيام الإسلام حقيقة موقف من الصعب أن يتجاوز بالنسبة لي أن يتجاوز بسهولة، وأنه لابد أن الإنسان يقف عنده وقفة مطولة، لذلك إحنا الآن لما نأخذ الروايتين الأساسيتين ربما ذكرتها في سلسلة حين، لكن لا بأس من إعادتها، فهذان الحديثان وهاتان الروايتان بالنسبة لي من أجمل وألطف وأزكى الروايات الواردة في السيرة النبوية، خاصة في المراحل الأولى لأنه هي تصف حال انتقال الإسلام من حالة الذل والمحاربة والتسلط عليه من أعدائه إلى حالة العزة وحالة المنعة وحالة النصرة مع وجود الأعداء بطبيعة الحال، هما روايتان: رواية لجابر رضي الله تعالى عنه ورواية لكعب بن مالك رضي الله تعالى عنه.

بالنسبة لنا طبعا هاتان الروايتان في بيعة العقبة الثانية، طبعا إيش دور عبادة بن الصامت في بيعة العقبة الثانية؟ وإحنا قلنا بيعة العقبة الثانية كان فيها قرابة السبعين أو بضع وسبعين رجلاً مع امرأتين، هل عبادة بن الصامت كان له دور؟ طبعا شوفوا كل واحد من السبعين كان له دور، ما يحتاج دور استثنائي؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم بايعهم واحداً واحداً، رجلاً رجلاً، كل واحد بويع، بايع النبي صلى الله عليه وسلم على نصرته.

لكن عبادة بن الصامت بعد ما تمت هذه البيعة، طلب النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء السبعين أن يستخرجوا منهم اثني عشر نقيباً يمثلون هؤلاء السبعين ويمثلون أمة الأنصار من ورائهم، فكان أحد من اختير لهذه المهمة ورشح من داخل أهل يثرب ليكون من النقباء بالإجماع كان عبادة بن الصامت، كان أحد الاثني عشر، والبيعة هم فقط اثنا عشر، والثانية بعد ما بايعوا جميعاً رشح النقباء الاثنا عشر، وكان عبادة بن الصامت أحد هؤلاء النقباء رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إذا نحن نتكلم عن شخص من صميم الأنصار ومن صميم من قام بهذه النصرة.

طيب دعونا نقرأ رواية جابر بن عبد الله أولاً، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، طبعا أخرج الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى قال حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير أنه حدثه عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم، وبمجنة، وبعكاظ، هذه أسواق العرب ومن منازلهم، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ويؤويه، حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو من اليمن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، احذر غلام قريش، قريش اللي هو النبي صلى الله عليه وسلم، لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل، يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب، فيأتيه الرجل فيؤمن به فيقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لا يبقى دار من دور يثرب إلا فيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام.

طيب إحنا واحدة من أهم الأدوار التي تحقق بها دخول الإسلام في بيوت الأنصار ما بين البيعة الأولى والبيعة الثانية كان عبر مصعب بن عمير، وفي رواية أيضاً عبد الله بن أم مكتوم، وهنا تأتي أهمية ها بتعبيرنا المعاصر صناعة النخب والكوادر القادرة على حمل الرسالة وعلى إيصال الفكرة وعلى الدعوة إليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما توفرت له بداية أسباب النصرة كان من جملة ما وثق هذه الأسباب أنه كان عنده رجال سابقون حملوا هذه الرسالة وقرأوا القرآن وفقهوا في الدين، فلما جاءت الحاجة إلى السفارة كما يقال، أن يكون هناك سفراء، أن يكون هناك حملة ينقلون الرسالة والفكرة، أو لا نسمي الفكرة الرسالة والقضية، نقل كان هناك من يستطيع أن يتحمل مسؤولية نقل الرسالة والدعوة، فذهب مصعب بن عمير إلى المدينة داعياً إلى الله سبحانه وتعالى.

طيب دخل الإسلام في بيوتات أهل المدينة، ثم بعثنا الله عز وجل فائتمرنا واجتمعنا سبعون رجلاً منا، الآن بعد بيعة العقبة الأولى خلال ما دخل الإسلام خلال سنة، اجتمع هؤلاء الذين أسلموا، فائتمروا فيما بينهم، تشاوروا، تكلموا فقالوا: حتى متى نذَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف أو يُخاف؟ فدخلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، يعني هذه الرواية تدل على أنه بيعة العقبة الثانية في أساسها كانت مبادرة من الأنصار، أنه دخلوا في الإسلام تحملوا مسؤولية، انتشر الإسلام، طيب إلى متى الرسول صلى الله عليه وسلم يبقى هناك؟ يلا نروح نتحمل مسؤولية أعظم، أنه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أردت أن تأتي فنحن الآن معك، نستطيع أن نؤويك، جيد.

فوعدناه شعب العقبة، فقال عمه العباس: يا ابن أخي، إني لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، يعني العباس كان خايف على الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان ليس على دينه، وكان تاجراً وكان يعرف الناس، هذا الوفد الذي جاء من يثرب شباب صغار، ما هم الناس الكبار اللي كان يعرفهم العباس، خاصة وأن السادات والكبار قد فَنوا قبل قليل في معركة يوم بعاث، يوم بعاث اللي هو كان فيه قتال بين الأوس والخزرج، طيب.

فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله على من أبايعك؟ قال: تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، هنا تأتي أهمية المال في نصرة الإسلام، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.

من البداية ترى ما في مكاسب دنيوية، ما في، حتتحملوا، تؤووني، تنصروني، ترى فيها قتال وفيها وفيها وفيها، وترى لا أبشركم بالرخاء الاقتصادي والتطور الحضاري والتقدم البني والعمراني، لكم الجنة، هي هذه، هذا مشروع لنصرة الإسلام، المقابل فيه الجنة، مقابل فيه أخروي، المقابل فيه ليس الوعود الدنيوية، الوعود الدنيوية هي أرخص وعود يمكن أن يعد بها أحد أحداً في سياق المشاريع العظمى والكبرى، لذلك المشاريع الإسلامية الإصلاحية التي تراهن على مجرد الجذب الشعبي ببعض يعني حالة الإصلاح الاقتصادي والتقدم، هذه مشاريع لا يمكن المراهن عليها أو وعود لا يمكن المراهن عليها؛ لأن النفوس المتعلقة بالدنيا تتغير في أقرب طمع دنيوي آخر أو في أقرب تأخر عن قضية تحقق الثمرات الدنيوية.

فقُمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال: رويداً يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم، شوف الوعي، الوعي الواضح، طبعاً هذا وعي يدخل فيه وعي سياسي ويدخل فيه وعي استراتيجي، كيف أن الناس فاهمة وواعية أنه هذا فيه تبعات كبيرة جداً، فقال أسعد بن زرارة: إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلاً رجلاً يأخذ علينا بشرط العباس ويعطينا على ذلك الجنة، ويعطينا على ذلك الجنة.

ترى هذا اليوم، هذا اليوم هو الذي به نوصل الإسلام، هذا اليوم هو الذي به ننقل الدين، هذا اليوم هو اليوم الذي قاد إلى يوم بدر، هذا اليوم هو الذي قاد إلى فتح مكة بعد ذلك، هذا اليوم هو الذي والذي والذي إلى آخره، هذه رواية جابر رضي الله تعالى عنه.

نأخذ رواية كعب بن مالك وهو أيضاً ممن حضر في ذلك اليوم، وتعرفوا عاد كعب بن مالك هو اللي كان يفتخر بذلك اليوم في مقابل إيش؟ في مقابل أنه هو ما حصل له يوم تبوك وفي مقابل غيابه عن يوم بدر.

قال كعب بن مالك: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلقينا رجل من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه؟ قال قلنا: لا، قال: هل تعرفان العباس عمه؟ قلنا: نعم، قال: وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجراً، قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس، فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه جالس، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر، قال: نعم، قال كعب: فواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، أبو جابر عبد الله معروف سيد من ساداتنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ثم دعوته إلى الإسلام وأخبرته بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيباً.

قال: فنمنا تلك الليلة في قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً، شوف يا جماعة يستخفون، نتسلل مستخفين، تمام، والرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً كان يلقاهم خفية عن قومه، يعني هذه الرسالة الخاتمة، وهذا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وهؤلاء الأنصار الذين سيحملون هذا الدين ويقومون به، ولكن لأن المرحلة كانت مرحلة استضعاف ولأن الأسباب تقول أنه لا يمكن المواجهة، فإن السنة النبوية التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم استجابة لأمر الله واتخاذاً للأسباب هي الكتمان وعدم الاستعجال وعدم المصادمة والمحافظة على رجال الدعوة، جيد.

وإنه هذا ترى أمر متكرر، حتى موسى عليه السلام قال لفرعون لما بعث إليه، قال: فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ، فَر، إيه موسى عليه السلام، وهنا أيضاً كذلك، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخفي عن قومه، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن من النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع، عجيب، يعني المرأة يمكن أن تحضر مشهداً كهذا، مو ممكن تتكلم كثير، وما شو اسمه، ما تخفي القضية، مو الموضوع مصيري، مو الموضوع في مصادمة لقريش ولسادة العرب، كيف ممكن تحافظ على هذا السر؟ ها كيف ممكن تتحمل هذه المسؤولية؟ نعم ممكن، وإن كان الأغلب في هذا المشهد هم الرجال وهم الأساس الذين قام عليهم وهم المطالبون بالجهاد في سبيل الله، لكن أيضاً المرأة يمكن أن تشارك في شيء كهذا إذا توفر فيها من الصفات ها إذا توفر فيها من الصفات الاستثنائية ما يتوفر من العقل والرشد والحكمة والقدرة على ضبط النفس وما إلى ذلك، طيب.

قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه يومئذ عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أول متكلم، فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب مما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج، أوسها وخزرجها، هو أصلاً أكثر اللي حضر هم من الخزرج جيد، الأوس كانت أقل، يقول العباس الآن: إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، لاحظوا يا جماعة الآن هذا كذلك في قضية اتخاذ الأسباب في حماية الدعوة وحماية الدين، حتى لو كان الحامي كافراً أو مشركاً، حتى لو كان الحامي كافراً أو مشركاً، وأنتم تعلمون أن الذي حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته هو أبو طالب ثم بعد ذلك العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يستوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان العباس على دين قومه وليس على دين النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، فقال: يا معشر الخزرج، إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني، على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، هذه بيعة على النصرة، هذه بيعة على النصرة، لاحظوا يا جماعة هذه ليست بيعة على الدعوة، يعني مو أنه البيعة أنه تذهبون وتدعون إلى الله سبحانه وتعالى، أو ترسلون منكم سفراء يعينوني على الدعوة في مكة، الآن المقام مقام نصرة، ماذا تريد يا رسول الله؟ ما هي بيعتك التي تطلبها منا؟ قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر، طيب، قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسلم أبو الهيثم بن التيهان، أبو الهيثم بن التيهان مر معنا ولا ما مر معنا ولا ما مر يا جماعة؟ مركزين ولا لا؟ توفي سنة كم؟ مر معنا في سلسلة خير القرون. أبو الهيثم بن التيهان ذكرناه باعتباره أحد السادة الكبار، وإن كان اسمه غير مشهور كثيرًا بالتراجم، خاصة عند طلاب العلم أو عند الشباب وكذا، وهو من الرجال المتقدمين، الأنصار العظماء.

طيب، فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنّا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ ها؟ فقال، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، أحد التسعة من الخزرج هو صاحبنا عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه.

حقيقة تتمة القصة والرواية فيها أيضًا عبر وأشياء ممكن أختار منها سريعًا. طيب، وفيه أن أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنيئًا له في تلك البيعة، البراء بن معرور، ثم تتابع القوم، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الفائدة المهمة اللي تذكرها، صرخ الشيطان، صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب، ها؟ قال والجباجب المنازل، هل لكم في مذمم والصبات معه؟ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم، مذمم يقصد محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد أجمعوا على حربكم، ها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب، اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا إلى رحالكم، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا، والآن بايعوه، ها إن شئت يا رسول الله غدًا نميل على أهل منى بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أومر بذلك، لم أومر بذلك، وطبعًا أنا ذكرت في سلسلة التجارب الإصلاحية في الحلقة الحادية عشر ذكرت كيف أنه الله سبحانه وتعالى تولى بنفسه توقيت بعض المراحل الإصلاحية، ومثل الانتقال من مرحلة الدعوة إلى مرحلة القتال إلى كذا، وكانت القضية مرتبطة بإذن الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على حساسية هذه القضية تمامًا.

طيب، ثم بعد ذلك طبعًا قريش سمعت نداء إبليس الشيطان، سمعت النداء وبعد ذلك جاؤوا، قال: فرجعنا حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم، قال: فانبعث من هنالك من المشركين، المشركون ما هم دارين أصلًا، كانوا نايمين بالليل الصحابة هؤلاء الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم تسللوا من معسكر المشركين، قال: فانبعث من هنالك من مشرك قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه، وقد صدقوا، لم يعلموا ما كان منا، قال: فبعضنا ينظر إلى بعض، إلى آخر الرواية والحديث.

إذا يا جماعة الخير، من هنا ومن تلك الليلة تأسست نصرة الإسلام وتأسس عز المسلمين، وأسس الانتقال من مكة إلى المدينة لترفع راية الدين وترفع راية الإسلام. ونرجع مرة أخرى نقول: إذا كنا نتكلم عن خير القرون فها نحن نتحدث عن أحد سادة خير القرون، وإذا كنا نتكلم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نتحدث عن أحد سادة الأنصار، وإذا كنا نتحدث عن بيعة العقبة ونحن نتحدث عن أحد أركان بيعة العقبة الأولى، وإذا كنا نتحدث عن نقباء بيعة العقبة فنتحدث عن أحد النقباء عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث هو عبارة عن مقدمة لنتحدث عن عبادة بن الصامت، وإن كان المقدمة قد تكون أطول مما بقي من الحديث، لكنها هي المدخل للحديث. وإحنا يا جماعة ترى المفروض ترى خير القرون لازم نتعامل معه بهذه الطريقة، أنه ترى كل ما نجي واحد من خير القرون من الأساسيين من الكبار لازم نفهم، عارف يعني ما نتكلم عن أي أشخاص، ما نتكلم عن أي أحد، نتكلم عن شيء عظيم، نتكلم عن رجال عظماء، نتكلم عن سادة كبار، هذه قضية مهمة جدًا.

طيب، عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إذا هذه مقدمة ترجمة عبادة، وهي بداية بالنسبة لعبادة بن الصامت، عارف بداية من الأعلى، يعني تخيل أنه بدايتك في الإسلام البيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصرة وعلى أن ينتقل من مكة إلى المدينة، فلم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم ويحفظ، ولو أدى هذا إلى حرب العرب قاطبة، تخيل هذه البداية الآن، ونحن نشهد أنهم قد وفوا ببيعتهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

طيب، عودة إلى ما قبل ذلك، يذكر العلماء عادة شكل عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، يعني يصفون شكله فيقولون إنه كان طوالًا جسيمًا جميلًا، ها، ويزيد بعضهم أنه كان أسمر أو فيه سمرة، وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار، كان طوله عشرة أشبار. وبدون تفاصيل كثيرة، لكن قبل سنوات طويلة جدًا رأيت عبادة بن الصامت في المنام رضي الله تعالى عنه وقبل أن أقرأ هذه الصفات، فوجدته على نفس هذه الصفات بالضبط، حتى أنا بعد ما رأيته ذهبت إلى كتب السير أنظر في صفته التي ذكروها، فسبحان الله طوالًا جسيمًا أسمر، عجيب، كانت يعني موافقة ما رأيت للصفات التي قرأتها بعد ذلك في كتب السير، طبعًا هذه قديمة يعني بضع عشر سنة أو تقارب العشرين سنة، الشاهد أنه هذه حليته أو شكله أو صفته يذكرها العلماء، وأنا أشهد أنها من حيث ما رأيت في المنام كما ذكر العلماء في كتب السير والتراجم.

طيب، بداية عبادة بن الصامت كانت مع بيعة الرضوان والعقبة، وإحنا ذكرناها، هذه ذكرنا الروايات اللي فيها وذكرنا التفاصيل اللي فيها. بعد ذلك بدأت المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبادة أحد أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس هو فقط، هو وزوجته، يعني زوجة عبادة من هي؟ مين زوجة عبادة بن الصامت؟ أخذناها يا جماعة تو في خير القرون، حي الله المراجعين، يلا الشباب، أم حرام بنت ملحان، اللي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها رأى لما استيقظ مسرورًا يضحك وقال: عُرض عليّ أناس من أمتي يركبون ثبج هذا البحر كالملوك على أسرة أو ملوكًا على أسرة، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم نام النبي صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ يضحك وقال: عُرض عليّ أناس من أمتي يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على سرر أو كالملوك على الأسرة، فقالت: تدع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين. وكان الركوب الأول في البحر هذا في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه بأمرة معاوية رضي الله تعالى عنه في فتح جزيرة قبرص، وكان ممن ذهب معه في هذه المعركة عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام، فلما أرادوا أن يرجعوا سقطت رضي الله تعالى عنها من الدابة فدقت عنقها فماتت رضي الله تعالى عنها وقبرها في قبرص.

زوجة عبادة بن الصامت أم حرام بنت ملحان، إذا نحن نتكلم عن بيت قريب من النبي صلى الله عليه وسلم، بيت قريب من النبي صلى الله عليه وسلم، أم حرام أخت أم سليم، وأم سليم أيضًا كانت قريبة جدًا من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يضم الحديث هنا إلى الحديث الذي قبل قليل في بيعة العقبة عن أنه ترى المرأة كان لها مشاركة ودور في مثل هذه المقامات العظيمة.

طيب، يعني إحنا لما أم حرام قالت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن المستقبل الآن، أنه في ناس من أمته سيركبون ثبج هذا البحر، ها يعني غزاة في سبيل الله كالملوك على أسرة أو ملوك على أسرة، فقالت ادع الله أن يجعلني منهم، ما قال لها ها مالك دخل، اجلسي، ما علاقتك بهذا الشأن؟ اتق الله يا امرأة، ها ابتعدي عن هذه المقامات، لا دخل لك في هذه الأشياء، ألا تقرئين قول الله وقرن في بيوتكن، ألم تسمعي؟ هل عندك؟ ما قال لها، قال أنت منهم، وخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت مع جيش معاوية رضي الله تعالى عنه في زمن عثمان وتوفيت هناك.

طيب، كان عبادة بطبيعة الحال، هو تو بايع بيعة العقبة، فأكيد راح يكون من أهل بدر، كان من أهل بدر، شوفوا تذكروا لما قلنا ابن مسعود شهد المشاهد، عبادة إيش سمعتوا من حدث في السيرة؟ إيش في غزوة؟ إيش في معركة؟ إيش في بيعة؟ إيش في قتال؟ إيش في نصرة؟ لم يتخلف، لم يحفظ في كتب السيرة والتاريخ أن عبادة تخلف عن مشهد من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مشهد بدر، بدر، أحد، الخندق، ها كل المشاهد، بيعة الرضوان، كلها، هو جنبًا إلى جنب مع محمد صلى الله عليه وسلم. إذا هذه كمان قضية من القضايا التي تؤكد وفاءهم ببيعته، وأنه من خيار الأنصار رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

الآن في ارتباط بين عبادة بن الصامت وبين البيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في عدة مرات قلنا إحنا البيعة الأولى، بعدين البيعة الثانية، بعدين البيعة المتأخرة، اللي هي ابن حجر رجح أنه كان في بيعة اللي هي على ألا تشرك، وفيها وعلى في أكثر من بيعة، فيها واحدة منها اللي هي فيها وعلى أن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، وفيها البيعة على السمع والطاعة، وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان، وهذا في البخاري. ففأشهر وأصح حديث في البيعة رواه عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، هذه الجملة اللي هي وأن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، هذه الجملة كونه أخذها بيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هل هي خاصة بعبادة؟ يعني هل هي خاصة ببيعتهم ولا هي أمر شرعي عام أن يقال بالحق حيثما كان الإنسان لا يخاف في الله لومة لائم؟ أمر شرعي عام، لكن لما كانت صورته صورة بيعة مع عبادة كان لها في شأن عبادة، كان لها في نفس عبادة شأن خاص، فكان لها شأن خاص واضح.

وهكذا من بايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أشياء، وإن كان مأمورًا بها في الأمر الشرعي العام، إلا أنه لما يأتي بها النبي صلى الله عليه وسلم على صيغة بيعة، فإنه يكون لها شأن خاص في نفس من بايع على هذا الأمر، ولذلك بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نسأل الناس شيئًا، هذا عوف بن مالك قال، فكان، قال: رأيت القوم هؤلاء الذين بايعوا، يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدًا أن يعيد إليه السوط، تمام. لأجل ذلك، لأجل هذه البيعة، هذه الجملة في البيعة، وجدنا عبادة بن الصامت، وجدنا عبادة بن الصامت أحد أشهر الأقوياء في كل قول كلمة الحق وفي إنكار المنكر، ولا يبالي من الذي أمامه في هذه القضية، ومن هنا حصلت لهم بعض المواقف مع الأمراء، طبعًا إحنا بنقول الأمراء في ذلك الوقت، إحنا نتكلم عن صحابة يعني القمة، ها، ومع ذلك كان عبادة بن الصامت ينكر بعض ما يراه من ما يخالف الأمر النبوي أو الهدي النبوي.

جيد، طيب، من الذي روى بيعة النبي صلى الله عليه وسلم؟ نأتي إلى فائدة مهمة وخطيرة جدًا، من الذي روى بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على أن ننازع الأمر أهله، وعلى السمع والطاعة؟ هنا السمع والطاعة المقصود بها للأمراء، من الذي روى هذه البيعة؟ عبادة بن الصامت جيد، ومن الذي روى البيعة على أن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم؟ طيب، الآن عبادة بن الصامت كيف طبق هذا الأمر؟ هل مقتضى بيعة السمع والطاعة هو عدم إنكار المنكر على الأمراء والحكام؟ لأن هو اللي رواها، هو بايع النبي صلى الله عليه وسلم عليها، أو هو لم يفهم من السمع والطاعة السكوت على المنكر، ها، بل الإنكار، بل حتى الإنكار العلني، ها، إحنا نقول يا جماعة التطبيق العملي لعبادة بن الصامت يقول إنه مع كونه روى أحاديث السمع والطاعة والبيعة عليها، إلا أنه قام بالإنكار العلني، ها، على بعض الأمراء الكبار في ذلك الزمن، وهو لا يرى أن هذا يتناقض مع السمع والطاعة، واضح الفكرة، إحنا نتكلم مع كونهم صحابة مع كون الأمراء صحابة، ومن وين هذا الموقف صار؟ هذا الموقف مع معاوية رضي الله تعالى عنه، معاوية كان أمير بلاد الشام جيد.

المكلف من الخليفة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. فصار أنه في واحدة من الغزوات، خليني أذكر لكم الرواية كما هي، أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير، كانه صار من الغنايم في بعض القطع الذهبية فكانوا الناس يبيعوها بالدنانير الذهبية أيضاً، دنانير ذهب وكسر الفضة بالدراهم، والدراهم فضية، آه الدراهم من فضة، فكانوا يبيعون بعض الأشياء التي في الغنائم أو مما صار في نصيبهم أو قسمتهم يبيعونها القطع الذهبية بدنانير ذهب والقطع الفضية بدراهم فضة.

فقال يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا، هذا عبادة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة. تمام، يعني الآن كون هذه قطعة ترى ما يصير تبيعها كذا بدنانير ولا خمسة دنانير، سبع دنانير لا ما دام ذهب وذهب لازم تكون وزناً بوزن مثلاً بمثل. وهذا طبعاً حكم شرعي مستقر ومحكم ويمكن يتهاون في بعض الناس أو يجهلونه اليوم، ممكن يبيع مثلاً قطع ذهبية معينة بـ أفكار، طبعاً اليوم لأجل العملات الورقية المشكلة تكون في التقابض وليست في التماثل، لأنه هي إذا كانت عملات ورقية في مقابل ذهب فلازم يصير في تقابض، في التعاون اليوم يصير عندنا الناس من ناحية التقابض، ما ندخل في المسألة كثير، لكن هنا بما أن ذهب بذهب فالإشكال في التماثل في التماثل وليس في التقابض، في التماثل اللي هو التساوي.

طيب، أنكر عبادة الآن هذه القضية، تمام، فقال له معاوية -الآن معاوية هو الأمير العام-: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة. يعني ما أرى الربا أنه إذا في تفاضل، وإنما الربا إذا في ايش؟ إذا في تأجيل، النظرة اللي هي النسيئة. فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك! لأن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لي علي فيها إمرة.

تمام، فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ عبادة أبو الوليد، فقص عليه القصة وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك. هذا مين اللي يقوله؟ عمر، عشان تعرفوا قيمة عبادة: قبح الله أرضاً لست فيها مثلاً، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه الأمر، يعني هو الأمر الشرعي الصحيح.

شاهد أنه هذه واحدة من المواقف التي كان عبادة بن الصامت ينكر فيها على الأمير، هو أمير على بلاد الشام كلها، ينكر فيها إنكاراً واضحاً، وحتى بشيء فيه غلظة من القول ومن الكلام، ولا يرى أن هذا يتعارض مع شيء مما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم عليه في بيعة بالسمع والطاعة، وألا ينازع الأمر أهله، وألا ينازع الأمر أهله. هذا وأعيد التأكيد على أن الإمرة في ذلك الوقت كانت إمرة تابعة للخلافة الراشدة، خلافة النبوة المزكاة بالنص الشرعي الذي فيه النص الشرعي الواضح على أن هذه خلافة النبوة، وهؤلاء صحابة، ومع ذلك أنكر عليهم هذا الإنكار، أو أنكر على معاوية هذا الإنكار وبصوت عالٍ وبأسلوب قوي، ولم يرَ أحد من الناس ولا أحد من الصحابة ولا عمر بن الخطاب عفواً هذا الآن في زمن عمر نقول في زمن عمر لأنه حصل له موقف قريب في زمن عثمان لأنه هذا الآن رجع في زمن عمر فعمر قال لا إمرة لك عليه، حصل موقف ثاني أيضاً مع معاوية لأنه هو رجع إلى الشام أيضاً، حصل موقف ثاني مع معاوية رضي الله تعالى عنه من جهة عبادة، وأيضاً بعد ذلك اشتكى إلى عثمان وأرسل عثمان.

الشاهد أنه كان يرى أن كلمة الحق يجب أن تقال مع الجميع، أمراء، حكام، محكومين، وهذا من كبار الصحابة وفقهائهم، بل ممن بعثه عمر بن الخطاب ليعلم الناس الدين في بلاد الشام. جيد، لما تفهم هذا الفقه، هذا الآن ايش اسمه؟ هذا اسمه فقه السلف، هذا ايش اسمه الآن؟ هذا اسمه فقه السلف، لأنه مين هم السلف؟ ها السلف، ما تجيب لي واحد في القرن الرابع الهجري ولا الثالث الهجري، وتقول لي ولا السابع الهجري -ثالث أقصد من حيث السنوات يعني- تقول لي هؤلاء هم المعيار الأول والأوحد، لا، قبل ما تروح لأي معيار متأخر ترجع للصحابة، هم سادة السلف.

جيد، الآن بعض من يقرر الفقه السلفي بين قوسين يرى أن من أركان الفقه السلفي الكبرى التي تميز الفقه السلفي عن غيره، هي أنه ما يصير في إنكار منكر على المسؤولين والأمراء والحكام، وأنه ترى هذا يتعارض مع هدي السلف، وأنه يعني يجب الكذا، وبعضهم يتوسع فيها. وبعضهم قبل فترة واحد طلع أنكر على واحد ينشر الفسق والفجور وعنده مسؤولية يعني في بلد من البلدان، فبعدين تراجع عن هذا الإنكار وقال: لا حتى من ولاه كذا لا يجوز الإنكار عليه، وتستمر السلسلة، وهذا الفقه الأعوج هو فقه غير معهود في الأمة، غير معهود في الأمة، وحتى بعض العبارات التي يمكن أن يتعلق بها -وليس هذا وقت النقاش التفصيلي- حتى بعض العبارات التي يمكن أن يتعلق بها هي لا تدل على هذا المعنى وعلى هذا الفقه الأعوج الذي وصل إليه هذا السلف، بيننا وبينكم عاد اللي ما يبغى يعتبر السلف، كيف؟

طيب هذه واحد من المواقف، إحنا في سلسلة خير القرون ذكرنا مواقف، مواقف في قصة مسعود، ذكرنا مسعود تعرفوا جاء الأمر من الخليفة، عاد مو واحد من الأمراء، من الخليفة عثمان بأنه تحرق بقية أو يعني لا يبقى في المصاحف إلا المصاحف التي كتبها عثمان، ابن مسعود اعترض، ابن مسعود اعترض وقال لأصحابه ولطلابه: غلوا مصاحفكم، ها خبئوها وخذوها خلوها عندكم لا تسلموها، فإنه من يغلل يأتِ بما غل يوم القيامة، يعني أنه يوم القيامة بمصاحفكم، طب مين اللي أصدر الأمر بهذا؟ عثمان بن عفان الخليفة. ابن مسعود باجتهاده يرى أنه هذا الأمر خطأ، جيد، وأمام الناس وكذا وبشكل علني يقول: غلوا مصاحفكم، واضحة الفكرة، فهي القضية ليست بالتصور الذي يطرحه البعض في مثل هذا الزمن، فالقضية تحتاج إلى فقه وتحتاج إلى ضبط حتى ما يحرف الدين ويشوه فقه السلف.

طيب لم يكن عبادة بن الصامت فقط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مناصراً للدين، مجاهداً في سبيل الله، حافظاً لدين الله، أحد حملة هذا الدين، وإنما استمر على ذلك حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ممن شهد اليرموك، وممن كما مر معنا قبل قليل غزا الروم مع معاوية رضي الله تعالى عنه، وممن شهد فتوحات في فتوحات الشام، وممن شهد فتح مصر سنة عشرين، وممن شهد بطبيعة الحال اللي ذكرناه الرواية اللي قبل شوي ايش فتح ايش قبرص. جيد، فاستمر عبادة بن الصامت مجاهداً في سبيل الله مع أنه ترى في هذا الوقت ترى كان كبيراً، يعني لم يكن من الشباب الصغار، هو لما توفي أربعة وثلاثين كان عمره اثنين وسبعين، كان عمره اثنين وسبعين عاماً.

طيب من أهم أدوار ووظائف عبادة بن الصامت غير الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين وكذا، التعليم، كان معلماً، وكان قاضياً، وكان أول من قاضي في بيت المقدس عبادة بن الصامت، يروى أنه أول القضاة في بيت المقدس رضي الله تعالى عنه، وبعثه عمر إلى بلاد الشام معلماً، طيب هو الرواية جاءت فلسطين بشكل عام قال: أول من تولى قضاء فلسطين عبادة بن الصامت.

طيب رحمك الله.

اسمعوا ايش يقول خالد بن معدان، خالد بن معدان أحد الشخصيات المحورية في السياق الشامي، سياق التراث الإسلامي الشامي، في سياق التابعين الشاميين، خالد بن معدان أحد الكبار، أحد المدارات الكبرى، يقول: لم يبقَ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه ولا أرضى من عبادة بن الصامت وشداد بن أوس رضي الله تعالى عنهم. عبادة له أخ اسمه أوس بن الصامت، شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أوس بن الصامت هو الذي ظاهر من امرأته، وكان عنده أخت اسمها خولة بنت الصامت، وإمامة كذلك أخت عبادة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

توفي عبادة بن الصامت سنة أربعة وثلاثين زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، فمات حميداً بعد سيرة عطرة عظيمة عجيبة ذكية، عنوانها نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحمل مسؤولية الإسلام والرسالة من أول يوم في بيعة العقبة، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه وحشرنا معه، ورزقنا أن نكون معه ومع في رفقة وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.