واحنا قلنا من يوم ما نسمع شخص من السابقين لازم نقف وقفة، وحتى من الناحية النفسية والشعورية يجب أن نتعامل تعاملاً استثنائياً مع من جعله الله من السابقين إلى الإسلام، فهؤلاء لهم شأن خاص في دين الله سبحانه وتعالى. تاريخ الأئمة والعلماء والصالحين والمصلحين ميزته أنه مليء بالتنوع، شخصيات مختلفة، شخصيات متنوعة، والإنسان سيجد إن أراد أن ينظر إلى الأغنياء ترى في أغنياء صالحين مصلحين، إن أراد أن ينظر إلى الفقراء ترى هناك فقراء من الصالحين المصلحين، إن أراد أن ينظر إلى الجهاد ترى هناك من المصلحين والصالحين والعلماء من هم من أهل الجهاد، إن أراد أن ينظر إلى العلم وبثه سيجد، فالسير فيها مجموع هائل جداً من التنوع.
يقول عنه الذهبي: هو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام. في ثمانية في البداية بادروا الإسلام، واحد منهم عبد الرحمن بن عوف، يعني هذا يدل كما قلت على أن الزهد في الدنيا ليس هو عدم امتلاك أشياء منها، وأن الزهد في الدنيا لا يتعارض مع وجود الغنى في المال، وإنما الزهد في الدنيا هو ألا تكون الدنيا هي المحركة للإنسان وهي التي تقوده، فتصنع له صنماً من هواه يتبعه. وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة منهم، يعني من الصحابة: عمر وعلي وأبي وزيد وأبي الدرداء وابن مسعود.
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله ربنا كما يحب ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس سلسلة خير القرون، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والبركة.
احنا طبعاً المجالس الماضية كانت كلها مع ابن مسعود وأصحاب ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، يمكن أخذنا خمسة مجالس كلها عن مدرسة ابن مسعود، وهذه أطول حلقات نتناول فيها شخصية واحدة، وطبعاً هذا كله متفرع عن عنوان كبير وهو زمن عثمان رضي الله تعالى عنه؛ لأن عبد الله بن مسعود توفي في زمن عثمان، فتكلمنا عن عبد الله بن مسعود، وتوسعنا في القضية وتجاوزنا نوعاً ما نمط السلسلة في الذهاب إلى طلابه، كذلك فقط لنبين أنه هي ترى كانت مدرسة أسسها عبد الله بن مسعود، وأنه المعلم المربي اليوم، إيه خلاص أغلقنا الملف، مدرسة ابن مسعود، قد نعود إليها بعدين الله أعلم، إذا يسر الله لنا حلقات بعد زمن طويل لما نوصل لزمن التابعين وتابعي التابعين قد نمر على بعض أصحاب ابن مسعود مرة أخرى بإشارات معينة، لكن الآن سنكمل ما انطلقنا منه وهو الذين توفوا في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه.
وقد توفي زمن عثمان عدد كبير من الصحابة ومن كبار الصحابة، ومنهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وهو الذي سناخذه اليوم، هو وأبو الدرداء رضي الله تعالى عنهما، كلاهما توفي في زمن عثمان، وكلاهما له سيرة مهمة، فنقف مع بعض الأمور التي يمكن أن نستفيدها بإذن الله من هذه السيرة.
طيب، عبد الرحمن بن عوف طبعاً معروف أنه من السابقين إلى الإسلام، واحنا قلنا من يوم ما نسمع شخص من السابقين لازم يعني نقف وقفة، وحتى من الناحية النفسية والشعورية يجب أن نتعامل تعاملاً استثنائياً مع من جعله الله من السابقين إلى الإسلام، فهؤلاء لهم شأن خاص في دين الله سبحانه وتعالى أو في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرة أئمة المسلمين.
عبد الرحمن بن عوف كان أحد هؤلاء، وأيضاً هو من العشرة المبشرين، وأيضاً هو من الذين شهدوا بدراً، وهو أيضاً من الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، فاستخلفهم عمر ليتشاوروا في من يكون الخليفة منهم، فهذه الآن لاحظ كلها فضائل في المقامات العليا. فاحنا طبعاً لما نتناول هذه السير ترى ليس القصد التتبع التفصيلي للسيرة لا، وإنما نقف عند بعض الأمور التي قد تكون فيها يعني بعض الفوائد المهمة والمعينة على الاقتداء والاقتفاء.
واحدة من البوابات التي أريد من خلالها تناول سيرة عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه هو ما ختم به الإمام الذهبي سيرته. الإمام الذهبي ختم سيرة الذهبي بقوله: إيش قال؟ أول شيء نقل كلام ابن عبد البر، يقول: كان مجدوداً في التجارة، خلف ألف ألف بعير و3000 شاة و100 فرس، وكان يزرع بالجرف على 20 ناضحاً، هذا كلام ابن عبد البر عن مين؟ عبد الرحمن بن عوف. الذهبي يعلق تعليقاً، ومن هذا التعليق نريد أن ندخل على سيرة عبد الرحمن بن عوف، يقول الذهبي: قلت هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف. عبد الرحمن بن عوف إيش؟ غني شاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر وأبو عبيدة زاهد عفيف.
هذا التعليق برأيي هو من أهم المداخل التي يمكن أن ننظر من خلالها إلى سير الأئمة، أنه يا جماعة الخير ترى تاريخ الأئمة والعلماء والصالحين والمصلحين ميزته أنه مليء بالتنوع، شخصيات مختلفة، شخصيات متنوعة، وأنه الإنسان سيجد إن أراد أن ينظر إلى الأغنياء ترى في أغنياء صالحين مصلحين، إن أراد أن ينظر إلى الفقراء ترى هناك فقراء من الصالحين المصلحين، إن أراد أن ينظر إلى الجهاد ترى هناك من المصلحين والصالحين والعلماء من أهل الجهاد، إن أراد أن ينظر إلى العلم وبثه سيجد. فالسير فيها مجموع هائل جداً من التنوع، وبناءً على ذلك ينبغي أن يلاحظ هذا ونستفيد منه فائدة، وهي أنه ترى يعني لا يطلب أن يكون الناس، لا يطلب أن يكون المصلحون على صورة واحدة، ليس صحيحاً في تربية إصلاحية معينة خلاص كل المصلحين هم زهاد، يعني عارف و يعني على قلة ذات اليد وعلى إلى آخره، لا، ترى قد يكون من المصلحين الذين تتغير بهم المعادلات أناس من الأغنياء جداً، وقد يكون هناك أناس ممن اشتغلوا بمجال دون آخر كما كان هذا التنوع موجوداً في الصحابة. واضح؟ فهذا فكرة التنوع في الشخصيات هي فكرة مهمة ومفيدة جداً بالنسبة للبناء الإصلاحي، وبالنسبة للمتربي في أن يدرك هذا التنوع، فلا يطلب أن يكون يعني ما يصير الواحد يتطلب أن هو يكون عبد الرحمن بن عوف، وأويس القرني، وأبو عبيدة بن الجراح في نفس الوقت! فهمت الفكرة؟ لا، يعني هذه أيضاً توجيه سلوكي يستفيد منه الإنسان حين يدرك هذا التفاوت في الرتب وفي المقامات، جيد.
يقول عنه الذهبي: هو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، في ثمانية في البداية بادروا إلى الإسلام واحد منهم عبد الرحمن بن عوف. مجموع ما له في مسند بقي 65 حديثاً، يعني كان من المكثرين ولا المقلين؟ المقلين جداً، 65 حديثاً بالنسبة لشخص شهد الإسلام من بدايته تعتبر أحاديث قليلة جداً، فهو لم يكن من المكثرين في رواية الحديث.
طيب، عبد الرحمن بن عوف وإن كان مقلاً من رواية الحديث لكنه كان في الدرجة العالية من العدالة، حتى عمر بن الخطاب الذي كان يشدد في الرواية فلا يقبل أي رواية كانت، إذا جاءته الرواية من عبد الرحمن بن عوف يقبلها مباشرة، وتعرفون القصة المشهورة لما جاء موضوع الطاعون وندخل أو ما ندخل، شاور الناس بعدين جاء عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، فأخذ بقوله، وكذلك في المجوس، هجر أنه النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر.
طيب يقول الذهبي معلقاً: يقول فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا عدولاً فبعضهم أعدل من بعض وأثبت، فهذا عمر قنع بخبر عبد الرحمن، وفي قصة الاستئذان يقول: ائت بمن يشهد معك لأبي موسى، وعلي بن أبي طالب كان يقول: إذا حدثني الرجل عن رسول الله استحلفته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر فلم يحتج علي أن يستحلف أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. طيب.
عبد الرحمن بن عوف لم يكن من الصغار سناً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، يعني أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنوات، ليس مثل الزبير وطلحة وإن كانوا كلهم ممن أسلم مبكراً، لكن عبد الرحمن كان أكبر منهم سناً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
من مناقب عبد الرحمن بن عوف، احنا قلنا شهد بدراً، سابق للإسلام، من العشرة المبشرين، من الثمانية المبادرين للإسلام، من الذين الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، ومن مناقبه كذلك أنه شهد بيعة الرضوان، يعني شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مناقبه الخاصة والتي لم تحدث لأحد من الصحابة غير عبد الرحمن بن عوف وأبي بكر الصديق إيش؟ أحسنت، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وراءه، فهو ممن أمّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من مناقبه، لم يأتِ ذلك لغيره ولغير أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
في قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، قيل إن المقصود بالمتطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، لأنه كان ممن تصدق بمال كثير، قيل تصدق بشطر ماله في ذلك المقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حصل موقف طريف أو خلينا نقول لطيف يستحق يعني الحكاية، ذكره الذهبي وهو ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: رأيت الجنة وأني دخلتها حبواً، ورأيت أنه لا يدخلها إلا الفقراء، رأى في المنام أنه يدخل الجنة حبواً، قال الذهبي إسناده حسن. طبعاً إسناده حسن في الجملة، هو أبو سلمة بن عبد الرحمن الذي روى هذا الحديث عن أبيه، ولم يسمع من أبيه أنه كان صغيراً يوم توفي عبد الرحمن بن عوف كان صغيراً، لكنه هذا مما يستسمح فيه، يعني قال الذهبي إسناده حسن، فهو وغيره منام، والمنام له تأويل، وقد انتفع ابن عوف بهذا المنام أو بما رأى وبما بلغه حتى تصدق بأموال عظيمة، أطلقت له ولله الحمد قدميه، وصار من ورثة الفردوس فلا ضير.
عبد الرحمن بن عوف هو الذي جاء فيه الحديث لا تسبوا أصحابي، حصل خلاف بينه وبين خالد بن وليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد بن وليد: لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وكان يقصد بأصحابه هؤلاء السابقين ممن لهم قدم صدق في الإسلام، ومنهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه.
من الأشياء التي كانت معروفة عن عبد الرحمن بن عوف بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أكثر واحد يعتني بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم ويتعاهدهن من ناحية الأموال، فكان رضي الله تعالى عنه أكثر من تعاهد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية الأموال، طبعاً غير عمر بن الخطاب باعتباره فرض لهن فرضاً من حيث المال العام للمسلمين، لكن عبد الرحمن بن عوف كان تطوعاً من جهته رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
طيب يقول الذهبي: ومن أفضل أعمال عبد الرحمن بن عوف عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض نهوضاً على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابياً فيها لأخذها لنفسه أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
يروى كما قال ابن وهب، حدثنا ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، عن أبيه عن جده: أن عثمان اشتكى رعافاً فدعا حمران -حمران ايش يصير؟ مولى عثمان- فقال: اكتب لعبد الرحمن العهد من بعدي. عثمان لما أصيب بالرعاف كان أراد أن يكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف الخلافة، فكتب له، وانطلق حمران إلى عبد الرحمن فقال: البشرى، قال: وماذا؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده. فقام بين القبر والمنبر عبد الرحمن بن عوف، فقام فدعا، فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر فامتني قبله. فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله، لم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله. يعني تنازل عنها قبل أن يتولى عثمان، وتنازل عنها بعد أن ولاه عثمان بدعائه الله سبحانه وتعالى أن يقبضه قبل أن يأخذ الخلافة. طبعاً هذه معايير غير مفهومة بالنسبة لكثير من الناس من يتتبع المناصب ويحبها، هذا أعلى منصب ممكن يكون.
طيب يا جماعة الخير، هؤلاء بشر يخطئون ويصيبون، وإن كان خيرهم هو السابق، وصوابهم هو الأعظم، وإن كانوا قدوات لنا، لكن نحن لا ننظر إلى الصحابة على أنهم معصومون، وميزة عدم عصمة الصحابة أنه يكون لنا فيهم أسوة، أنه إحنا عندنا أخطاء، فلما ننظر أخطاء الصحابة كيف تعاملوا فيها، كيف تعاملوا كذا، ايش هذه أشياء مهمة. إحنا لا نستفيد فقط من المواقف العالية، وإنما نستفيد كذلك من المواقف التي فيها يعني شيء من الخطأ، لذلك عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد، إسناد فيه...
ضعف يسير لكنه كما قلت يستسمح في كثير من الآثار. قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد، طلحة وابن عوف طبعاً كل واحد منهم من السابقين الكبار، تباعد يعني شيء من تباعد متعلق بالاختلاف أو شيء نفسي أو مواقف معينة أحدثت حالة شعورية معينة، فمرض طلحة، فجاءه عبد الرحمن يعوده، فقال طلحة: أنت والله خير مني يا أخي. قال: لا تفعل يا أخي. قال: بلى والله لأنك لو مرضت ما عدتك. طلحة يقول لعبد الرحمن: أنت أفضل مني لأنك لو مرضت ما عدتك، فعبد الرحمن بادر وعاد طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه. مثل هذه المواقف يستلهم منها أشياء كثيرة كما قلت في ضعف الإنسان في وجود الخطأ، ومن ثم في التعامل مع مثل هذه الأخطاء.
عبد الرحمن بن عوف كان متواضعاً لا يُعرف من بين عبيده، كما نقل ذلك الذهبي عن سعد بن الحسن عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن قال: غُشِي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده وجللوه، فأفاق يكبر، فكبر أهل البيت، ثم قال لهم: غُشي علي آنفاً؟ قالوا: نعم. قال: صدقتم، انطلق بي في غشيتي رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلق بي حتى لقي رجلاً قال: أين تذهبان بهذا؟ قال: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: ارجع، فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة وهم في بطون أمهاتهم، وإنه سيمتع به بنوه إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهراً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
لما توفي عبد الرحمن بن عوف وكان قد توفي عام 32، وقف عليه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال: عليّ اذهب يا ابن عوف، فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها. رنقها يعني كدرها، يعني يا عبد الرحمن بن عوف إيش؟ يعني كأنه يغبطه على موته في هذه السنة، كأنه يقول: لم تأتِ الفتن بعد، لم يأتِ ما يكدر صفو الحياة بعد، فعشت حميداً ومت حميداً ولم تأتك الفتن ولم تلابسها.
عبد الرحمن بن عوف كان من أبرز سماته أو خلينا نقول من أبرز المواقف في حياته أو ما اشتغل به في حياته التجارة، كان أنموذجاً للتاجر المسلم، حتى البعض ترى يكاد يختصر عبد الرحمن بن عوف أحياناً في عرض السير بالتاجر المسلم، وإن كان لا يختصر في مثل ذلك فهو المجاهد المسلم كذلك، شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو السابق للإسلام، لكنه لا شك أنه كان يتميز بقضية التجارة، ولاحظوا يا جماعة في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم فيه عن الزهد في الدنيا ويقول: ما لي وللدنيا، أو لا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة إلى آخره، كان صاحبه عبد الرحمن بن عوف يذهب ويتاجر ويجمع الأموال وينفق في سبيل الله، وهذا كله بمرأى من النبي صلى الله عليه وسلم، معنى ذلك أنه ليس المقصود من الخطاب النبوي في التزهيد في الدنيا هو عدم امتلاك المال، ليس هو المقصود بذلك وإلا لأنكر على عبد الرحمن بن عوف ولم ينكر عليه ولم يوصه حتى بوصية بأن لا يستمر في تجارته ولا يستمر في عمله، وإنما هذا يدل كما قلت على أن الزهد في الدنيا ليس هو عدم امتلاك أشياء منها، وأن الزهد في الدنيا لا يتعارض مع وجود الغنى في المال، وإنما الزهد في الدنيا هو ألا تكون الدنيا هي المحركة للإنسان وهي التي تقوده، فتصنع له صنماً من هواه يتبعه، فيكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أو كمن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ. بالمناسبة عبد الدينار وعبد الدرهم لا يلزم أن يكون غنياً، يعني في ناس يعبدون الدينار والدرهم وهم فقراء أصلاً، عارف بس أنه ما يصدق يشوف شيء من هذا فهو يعبد الدينار والدرهم، وياما ناس باعت دينها وباعت أمانتها لأجل الدينار والدرهم. أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي فيه مثل عبد الرحمن بن عوف، فيكون كما جاء وروي في الرواية تأتي مثل غزوة تبوك نصف ماله ينفقه في هذه الغزوة، وكما قلت قال من قال من المفسرين إنه المقصود بقوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ، هذه في غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
طيب، هذه إطلالة سريعة على هذا الصحابي العظيم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ننتقل إلى صحابي آخر توفي في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه كذلك، وهو أبو الدرداء الذي لقبه الذهبي بحكيم هذه الأمة. إحنا شوفوا يا جماعة شخصيات مثل ما ذكرنا في البداية؛ عبد الرحمن بن عوف الغني والشاكر، أويس القرني من التابعين الفقير والصابر وهكذا، هذا التنوع ترى إحنا ذكرنا في واحدة من ثلاث القرون، وتتذكروا كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير شخصيات أصحابه من كل الجهات، وإنما أكمل ما فيها من الخير وأزاح ما فيها من الإشكال والشر ووجههم إلى الغايات العظمى، فتجد بلال بن رباح، وتجد أبا عبيدة بن الجراح، وتجد خالد بن الوليد، وتجد عمر بن الخطاب وأبا بكر الصديق، كل واحد منهم شخصية وكل واحد منهم طريقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف هذا التنوع، ولذلك يقول: يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإنها أمانة لا تولين على اثنين، وأما في أبي عبيدة فيقول: لأبعثن عليكم رجلاً أميناً حق أمين، ويقول: أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. هذا التنوع مهم جداً، مهم يبقى في المصلحين، مهم يبقى في المتربين، مهم يبقى في الطلاب، أنت كمربي ما يصلح أنك تمسح شخصيات الطلاب وتخليهم كلهم على نمط واحد، أبداً، لازم يكون هذا التنوع، هذا شجاع ما تقول له أنت متهور ومدري إيش، نمِّ فيه هذه الشجاعة وجهها، اكسر بعض حدتها إذا كان فيها مبالغة، ولكن دعه في تصنيفه وتصنيفك أنه رجل جريء شجاع مقدام إلى آخره، والآخر هادئ النفس، لا تقول له أنت ما تفهم وأنت مادري إيش وزي المرأة وزي المدري تمام، لا يا أخي هو رجل والمرأة لها خصائصها وطبيعتها، هذا رجل لكن فيه حياء فيه كذا، فيكمل بعضه بعض، يكمل بعضه نقصه ويحافظ على حيائه، عثمان بن عفان كان حييّاً، والأحيى من رجل تستحي منه الملائكة وإلى آخره، فهذا التنوع مهم ومقصود.
أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه أيضاً من الشخصيات التي ننظر لها من جانب معين فيها، فيها شيء يميزها عن بعض الصحابة الآخرين. أبو الدرداء من مميزاته العقل، كان عاقلاً، ما نتكلم عن العقل مجرد تفكير مع أنه كان معتنياً بالتفكر، وهو الذي كان يقول: التفكر ساعة أحب إلي من قيام ليلة، هو صاحب تفكر لكن في نفس الوقت عاقل، عاقل من حيث فعله ومن حيث رزانته. طيب، أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه كان معلماً، إحنا قلنا ابن مسعود المعلم المربي، أبو الدرداء كان من المعلمين، وبعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الشام ليكون معلماً، وأبرز ما علمه أبو الدرداء القرآن الكريم، يعني أحد أهم معلمي القرآن في زمن الصحابة أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، وله فضل وخير على أهل الشام كبير رضي الله تعالى عنه، وخاصة على أهل دمشق؛ لأنه كان قاضي دمشق ومعلم الناس في دمشق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أنصاري خزرجي، قال عنه الذهبي: حكيم هذه الأمة وسيد القراء بدمشق. جميل هذا التنوع، صح حكيم هذه الأمة، وتروح هناك المجاهد الفذ كذا، هذا التنوع مهم جداً. طيب، هو معدود في من جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، تصدر للإقراء بدمشق في خلافة عثمان، وقبل ذلك يروى له 179 حديثاً، أكثر من عبد الرحمن بن عوف مع أنهما ماتا في نفس العام، ومع أن عبد الرحمن بن عوف أسبق، بالمناسبة أبو الدرداء تأخر إسلامه من بين الأنصار، يعني أبو الدرداء لم يشهد بدراً لأنه أسلم، قيل إنه أسلم يوم بدر، شوف تأخر إسلامه، بينما الأنصار ذهبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فتأخر إسلامه ومع ذلك كانت روايته الحديث أكثر من رواية عبد الرحمن بن عوف، ليش؟ ليش أكثر؟ الدور التعليمي، هو كان معلم، واضح كان معلماً، وبالتالي احتياجه كمعلم ترى يختلط مع الطلاب، احتياجه لبيان ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من ذلك. طيب ابن مسعود توفي في نفس السنة، كم يعني إيش المقارنة بين ما روى ابن مسعود وأبو الدرداء؟ ما في مقارنة، ابن مسعود أكثر بكثير، ليش؟ لأن اختصاصه التعليمي أكبر واختصاصه التربوي أكبر، بينما اختصاص أبو الدرداء في التعليم أكثر شيء من ناحية إيش؟ القرآنية. واضح الفكرة، شوف هذا التنوع والتفاوت الواضح مع أنهم توفوا في نفس السنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
طيب، روى الأعمش عن خيثمة قال: أبو الدرداء كنت تاجراً قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمع، فتركت التجارة ولزمت العبادة. الحين هذا يختلف عن مين؟ عبد الرحمن بن عوف اللي تو كنا نتكلم أنه هو تاجر كبير ومشتغل بالتجارة إلى بعد مدى، أبو الدرداء يقول لك ما استطعت أجمع بين التجارة والعبادة. طيب إحنا من أسباب يعني التي تجعل الإنسان يحب سير أعلام النبلاء تعليقات الذهبي، التعليقات هذه التربوية والسلوكية مهمة جداً، إيش يعلق على هذا النص؟ يقول: الأفضل جمع الأمرين، تجارة والعبادة، شوف الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، تجارة والعبادة والجهاد، وهذا الذي قاله إنه ما استطعت أجمع بينهما هو طريق جماعة من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصديق وعبد الرحمن بن عوف وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته ثم يعجز، وبالعكس، وكل سائغ، ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال. شايف كيف التعليق في قضية التنوع، وبالتالي على المربي على المعلم على المصلح في نفسه أن يحمل نفسه حملاً على أن يكون بالضرورة جامعاً لكل شيء واضح، فهذا لا يجتمع إلا للقليل يعني من الشخصيات التي نسأل الله أن يبلغنا أنا في خير القرون، ليه أنا ما أعرف يمكن تصير الحلقة 120 ولا ما أدري كم، لين ما نوصل لزمنهم اللي هو عبد الله بن المبارك، هذه من الشخصيات التي إذا تناولها إن شاء الله حنتناول عبد الله بن مبارك بتوسع كبير، عبد الله بن مبارك من الشخصيات النادرة التي جمعت بين الخصال، يعني إذا أنت مثلاً وتعرف هذا هذا راجع حتى أنت ترى في محبتك للعلماء وهذا تتفاوت، في جزء يكون في ميل شخصي لفكرة أنه تشعر أنك تميل إلى هذا النوع من الجمع، من عنده هذا النوع من الميل إلى الجمع يقرأ سيرة عبد الله بن مبارك، شخصية جامعة جمعت خصال الخير، ما يكاد يكون فاته سهم من سهام الخير، وبعدين حتى بشيء متصل، الجهاد في سبيل الله كان من أعظم المجاهدين، محدث كبير جداً جداً محدث كبير جداً من من أثبت الناس في شعبة بن الحجاج، وهو صاحب كتاب الجهاد، صاحب كتاب الزهد، كله أحاديث وأسانيد وحتى عنده نقد في الحديث، فقيه من الفقهاء الكبار، الجمع بين الحديث والفقه كمان صعب، وكان ممن هو معروف بالحج، ذهاب إلى الحج من بلاده بعيدة مرو، وكان من أصحاب الأموال المنفقين، وكان يكفل طلاب الحديث في بعض المناطق ويقول: إذا لم أكفلهم اشتغلوا بتحصيل المال فانشغلوا عن العلم، وكان وكان إلى معرفته باللغة وإلى كونه صاحب أخلاق عالية جداً، ولذلك أصحابه كانوا يتعلمون منه مختلف هذه القضايا. هذه من الشخصيات الجامعة القليلة، وتعرفوا هذا كان أيضاً عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الصحابة، وتعرفوا من تبع منكم اليوم جنازة، من شهد منكم، من عاد منكم اليوم مريضاً، من أصبح منكم اليوم صائماً، من كذا، كل أبو بكر يقول أنا، أنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، جامع أيضاً في أسهم الخير، وهكذا يتفاوت، ولذلك هذه أشياء سلوكية مهمة جداً، لأنه بعض الناس يا جماعة من المبتدئين لما يقرأ سير العلماء ويرى بعض المواقف العظيمة اللي فيه فيقول يبدأ عارف يجدد نفسه أنه هو مقصر جداً، فهو يبغى يسير في أفضل لحظات الفضيل بن عياض وأفضل لحظات عبد الله بن مبارك وأفضل أيام سفيان الثوري وأفضل أيام ومواقف حماد بن سلمة وأزكى أيام قتادة، ما يصير ما تقدر، ما يصير، هذه حياة كاملة كل واحد منهم له زاوية، كل واحد منهم له جانب، ما يصير لما تقرأ السير تحس أنك أنت يعني خلاص ما لك داعي لأنك ما أنت زي قتادة وسعيد. الناس مواقف وتختلف وقدرات، ولذلك رأيت كلام الذهبي هذا تربوي مهم جداً لما يقول: وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف، فبعضهم كذا إلى آخره. طيب.
قال سعيد بن عبد العزيز: أسلم أبو الدرداء يوم بدر، ثم شهد أحداً، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن يرد من على الجبل، فردهم وحده، وكان قد تأخر إسلامه قليلاً.
قال شريح بن عبيد الحمصي: لما هزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، كان أبو الدرداء يومئذ في من فاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ظلهم المشركون من فوقهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ليس لهم أن يعلونا، فثاب إليه أناس وانتدبوا وفيهم عويمر أبو الدرداء، حتى أدحضهم عن مكانهم، وكان أبو الدرداء يومئذ حسن البلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الفارس عويمر.
هذا من الأحاديث المروية في السيرة المرسلة في فضائل أبي الدرداء، وفي ثباته وقوته، مع أنه عارم؛ يعني قد يكون الانطباع عن أبي الدرداء أنه هو الشخصية البعيدة عن القوة والشجاعة والمتاع، طب هو هذا الكمال؛ إنه نعم قد يكون هو المائل إلى قضية العبادة، ولكن في نفس الوقت عند مواقف الجد والقتال يكون من الأبطال، فهذا الجمع هو من أعظم ما يكون.
في الآثار المشهورة: لم يجمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا الحديث صحيحة هي إلا أربعة، وذكر منهم أبو الدرداء، وطبعا وذكر في روايات أخرى اثنان آخران فيكون المجموع ستة الذين جمعوا القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه فضيلة عظيمة أن أبا الدرداء كان له عناية خاصة بالقرآن الكريم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء، أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء. طبعا شوفوا يا جماعة، الاتباع أو خلينا نقول أكثر الجمع بين العلم والعمل ترى هذا من تمام العقل، فإذا وصفنا أبا الدرداء بتمام العقل، فمن صور تمام عقله هو الجمع بين العلم والعمل.
القصة المشهورة -علقت عليها بنوع من التفصيل في رياض الصالحين أنوار السنة المحمدية- بين سلمان وأبي الدرداء، كان أبو الدرداء زاهداً في الدنيا، وهذه قصة رواها البخاري عن أبي جحيفة أن رسول الله آخى بين سلمان وأبي الدرداء، فجاء سلمان يزوره، فإذا أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنكِ؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، هذا أبو الدرداء. فجاء أبو الدرداء، فرحب به وقرب إليه طعاماً، فقال له سلمان: كُل، قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرن.
إحنا طبعاً نتكلم عن درجة الآن فيها أرسخ علماً من أبي الدرداء، وقد يكون هذا في بداية أيام أبي الدرداء، لأنه هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يميز أنه حتى مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم ترى في تفاوت بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في العلم، وفي أثر علمي لبعض الصحابة على بعض، فهنا أثر سلمان على أبي الدرداء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمان يقسم عليه أن يفطر، أفطر ثم بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، صم وأفطر، وصلي وأتِ أهلك، وأعطِ كل ذي حق حقها. فلما كان وجه الصبح قال: قُم الآن إن شئت، فقام فتوضأ ثم ركع ثم خرج إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أمره سلمان، فقال النبي عليه صلاة الله وسلامه: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقاً مثل ما قال لك سلمان، وفي رواية: صدق سلمان. هذه مواقف عظيمة جداً في التربية والعلم.
لما حضرت الوفاة معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، طبعاً معاذ إحنا تكلمنا عن معاذ في خير القرون صح؛ لأنه هو من توفى مبكراً في سنة ١٨. إحنا قلنا في هذه السلسلة من الأهداف مبكراً، قلناها من أول درس أو ثاني درس، من أهداف السلسلة التعرف على شخصيات الصحابة وأعلام القرون الأولى والوقوف عند سيرهم، وكذلك ذكرنا من الأهداف اللي هو الفائدة التربوية المستخلصة من السير. معاذ بن جبل له شأن خاص، إحنا تكلمنا عنه في حلقة واحدة مع أبي عبيدة صح، كان أظن سميناها الإمامان، الإمامان معاذ وأبو عبيدة، طبعاً كان لها شأن خاص تلك الحلقة وذلك المجلس، لخصوصية معاذ وأبي عبيدة؛ يعني لهما شأن في الإسلام، قل أن يكون لغيرهما، قل أن يكون لغيرهما. طيب، الشاهد معاذ بن جبل رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال له أصحابه: أوصنا، أوصنا. فقال: العلم والإيمان، لاحظ الجمع بين الأمرين العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، قالها ثلاثاً، فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم. أربعة يلتمس عندهم العلم بوصية معاذ بن جبل الذي توفي مبكراً في السنة الثامنة عشرة مع وجود عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شك تميز علمي كان ظاهراً عند علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث أنه أوصى بأبي الدرداء، حتى أنه كان أول من سمى رضي الله تعالى عنه، ومن هنا قال مسروق -أخذنا مسروق ولا ما أخذناه؟ تمام، إحنا لازم نوصل لنتيجة في سلسلة خير القرون أنه بعد كذا أي إسناد أو أي أسماء فيها شخصيات مشهورة خلاص نكون كلها درسناها، تمام، يعني الشخصيات المشهورة المحاور كلها لازم نكون درسناها بإذن الله تعالى.
إن شاء الله الآن مسروق تكلمنا عنه في مدرسة ابن مسعود، قلت قال: وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة، وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة منهم (يعني من الصحابة): عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبو الدرداء، وابن مسعود، ثم انتهى علمهم إلى علي وعبد الله. ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى علي وعبد الله، فلاحظ كيف أنه ترى من أقطاب الصحابة في قضية علم.
قال خالد بن معدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين. فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ وأبو الدرداء، وأنا أشهد أنهما كذلك رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.
روى سعد بن إسحاق عن محمد بن كعب قال: جمع القرآن خمسة: معاذ، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبي، وأبو أيوب. فلما كان زمن عمر، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان أن أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعني برجال يعلمونهم. فدعا عمر الخمسة فقال: إن إخوانكم قد استعانوا بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا. فقالوا: ما كنا لنتساهم (يعني نقترع)، أو هذا شيخ كبير أبو أيوب، وأما هذا فسقيم (اللي هو أبي بن كعب، تتذكروا في سيرة أبي أخذنا أنه كان مريض دائماً)، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء.
فقال عمر: ابدأوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. قال: فقدموا حمص، فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة بن الصامت، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين، فمات في طاعون عمواس، ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين ومات بها، ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
في مقولات كثيرة من المنقولة أو المقولات المتعددة منقولة عن أبي الدرداء مهمة، منها: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. ابن عجلان عن عمر بن عبد الله قال: قلت لأم الدرداء أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قال: التفكر والاعتبار.
من العبارات المشهورة جداً عن أبي الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا ساعة: ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.
من المواقف المشهورة العجيبة التي تدل على التفكر عند أبي الدرداء، وهي مشهورة جداً، مرت معي في الفتوحات ما أدري ذكرتها أو لا، في فتوحات البحر، أي في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، مشهورة جداً، رواه صفوان عن ابن جبير عن أبيه قال: لما فتحت قبرص، مر بالسبي على أبي الدرداء فبكى. هذا الموقف المشهور جداً عن أبي الدرداء فبكى، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: يا جبير، بين هذه الأمة (اللي هم أمة النصارى والروم) قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله فلقوا ما ترى، ثم قال: ما أهون العبادة على الله إذا هم عصوا أمره. شفتوا كيف نظر نظرة مختلفة عن الحدث؛ لأن هو صار في فتح ونصر للإسلام، فتح جزيرة قبرص وأخذ من الأسرى ومن السبي، فالناس فرحانة بهذا النصر كذا، وأبو الدرداء يقول: ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوا أمره، نظر إلى حالة الذلة التي هم فيها بعد العزة التي كانوا عليها بسبب المعصية التي كانوا عليها بمخالفتهم أو بعدم اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب الله عليهم هذا الذل، فالتقط هو هذا المعنى وقال: ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوا أمره.
موصوف بالعقل اليس كذلك؟ مراراً من الأمور اللطيفة المشهورة أخرجها البخاري أو نقلها البخاري تعليقاً في باب البخاري بوب: المداراة مع الناس. باب المداراة مع الناس، إحنا كان المفروض سوية المؤمن نأخذ حلقة عن المداراة من زمان يعني بس ما أخذناها لأن المداراة مهمة خاصة مع الناس اللي ما يعرفوا إلا يعطوا في الوجه، يعني عارف لا مسايسة الناس والكلام والدفع بالتي هي أحسن، والعقل هذا من تمام العقل، هذا من تمام العقل. طيب، فقال: باب المداراة مع الناس أو مداراة الناس. ماذا قال أبو الدرداء فيما أخرجه البخاري عنه أو علقه عنه؟ قال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام -مقصود التكشير هنا ترى عكس تكشير ابتسامة- عارف المقصود أننا نكشر في وجوه يعني نبتسم لهم، وإن قلوبنا لتلعنهم. وإن قلوبنا هذا في شوف في باب المداراة مع الناس يعني ليس كل من يستحق اللعن ممن هو ظالم أو ممن هو فاجر أو ممن هو فاسق أو يستحق المواجهة بالعداء قد يكون من تمام العقل هو أن يدارى، وغالباً المداراة هذه تكون لدفع شره ولدفع فساده. فهذا من أفعال أبي الدرداء المشهورة رضي الله تعالى عنه.
قلنا أنه كان مشهوراً بتعليم القرآن، قال الذهبي: وقيل الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملق، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائماً، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء (يعني يعرض عليهم) رضي الله تعالى عنه، رضي الله تعالى عن أبي الدرداء.
الذي توفي هذه السنة، كلها سنة واحدة ترى ابن مسعود وأبو الدرداء ومن عبد الرحمن بن عوف فكان سنة فقد فيها عدد من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب أظن أنه بقي لنا مجلس أو مجلسان، فقط يعني ليس أكثر من ذلك في ذكر من توفي في زمن ابن عثمان رضي الله تعالى عنه، قد يكون مجلس واحد نحاول ننهيه وإذا ما استطعنا فعلى مجلسين إن شاء الله، وبذلك يكون الحديث عن الوفيات في زمن عثمان يعني بحدود الثمانية دروس تقريباً، سبعة ثمانية دروس تقريباً مع قصة مسعود خمسة مجالس أو سبعة إلى تسعة مجالس بحسب ما تيسر إن شاء الله، وبعد ذلك نرجع إن شاء الله إلى تسلسل الأحداث وإلى ذكر، لأنه إحنا كنا سنتناول زمن عثمان، تتذكروا من ثمانية محاور أكيد، قلنا الفتوحات في زمن عثمان، تذكروها؟ مناقب عثمان رضي الله تعالى عنه، والوفيات في زمن عثمان وهي ذكرناها.
أي نعم قصة الخلاف وما إلى ذلك، عموماً إن شاء الله وقتها في الدرس لما نرجع إلى ننهي قصة الشخصيات ونرجع إلى تسلسل الأحداث في زمن عثمان بإذن الله تعالى، نرجع إلى ذكر الثمانية محاور اللي كنا سنتناول بها سيرة عثمان رضي الله تعالى عنه. نسأل الله سبحانه وتعالى القبول، ونسأله التوفيق والسداد والمغفرة، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك ذاكرين شاكرين راهبين طائعين مخبتين، ربنا تقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، لا حول ولا قوة إلا بك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وآته الوسيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، واجمعنا به عند حوضه، واجمعنا به في جنة الخلد يا رب العالمين.
الشيخ أحمد السيد