تسجيل الدخول

خير القرون 39 | فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

في قدر من الله ينزل على الأرض اسمه فتنة، هذا القدر إذا نزل تلتبس الأمور، تختلط الأحوال، ما عاد تعرف الصح من الغلط. من أين نبدأ في تناول مثل هذا الحدث الكبير الذي انفتقت بعده الفتن؟ كل الفتن اللاحقة التي حصلت في تلك المرحلة كانت مبنية على حدث مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، ولو رفض أحد ممن صنعتم بعثمان لكان حريا به أن ينقض أو يرفض هذا الحدث، كان انفجاراً هائلاً، بسبب هذا الحدث صارت تلك الأحداث التي هي فعلاً فتنة حقيقية ملتبسة، ما نقدر نفهم لا الجمل ولا صفين إلا إذا فهمنا مقدار تأثير مقتل عثمان على نفوس الجميع.

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. يا ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس سلسلة خير القرون، وذلك في حزمتها الثانية، وهذا هو المجلس الرابع من هذه الحزمة، وفي مجموع السلسلة يعد المجلس التاسع والثلاثين، نسأل الله التمام على خير.

وهذا المجلس لا شك وكل هذه الحزمة هي متصلة بالمقدمات الثلاث لهذه السلسلة، وهذه المقدمات الثلاث سبق بيانها وسبق ذكرها، وهي مدخل مهم لكل حديث عن مرحلة الفتنة، والحقبة التي نتكلم عنها من السنة الخامسة والثلاثين إلى السنة الثالثة والسبعين للهجرة. طبعاً هذه المرحلة كلها لا توصف بأنها مرحلة الفتنة يعني بطبيعة الحال، ولكن هي مرحلة تتخللها فتن، الفتنة الأساسية المقصودة تبدأ من نهاية العام الخامس والثلاثين إلى عام الجماعة الذي هو العام الأربعين تقريباً، أو إلى نهاية معركة صفين باعتبار أنه حدث من أحداث الفتنة الكبير كأحداث واقعية على أرض الواقع يعني عامة وكبيرة، وإن كانت بقيت الأمور إلى أن حصل الاجتماع بعد ذلك بتنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه.

طيب اليوم الحديث إذا خلينا نقول نؤكد فقط أنه الحديث متصل بالمقدمات، في مقدمة عن فضل الصحابة ومكانتهم ومنزلتهم، في مقدمة عن كيف ننظر إلى مثل هذه الأحداث، وهكذا. اليوم الحديث عن مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه وما يتعلق بهذا الحدث من أمور وعبر ودروس، وقد ذكرت في المقدمات أن هذه المرحلة لن نقف على تفاصيلها الدقيقة وكثرة الأحداث التفصيلية، وإنما سنقف عند كلياتها ومعالمها وما يستخلص من الدروس والعبر فيها، وأن هذا من المنهج الصحيح في التعامل مع مثل هذه الأحداث. من أين نبدأ في حدث مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه؟ طبعاً بداية لا بد أن نعلم أن حدث مقتل عثمان ترتبت عليه كل الفتن اللاحقة، كل الفتن اللاحقة التي حصلت في تلك المرحلة كانت مبنية على حدث مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، فهي فتنة يمكن أن توصف بأنها فتنة كبيرة ويمكن أن توصف بأنها باب الفتن كذلك، يعني هي فتنة وهي باب إلى الفتن، فتنة موصلة إلى غيرها، وليست فتنة خاصة ولا فتنة قاصرة على ذاتها ولا منحصرة في زمانها، وإنما هي فتنة متعدية إلى أزمنة، هو الحدث عظيم وكبير، ولذلك أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، والحدث كما قال سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة كما تعلمون- قال كما في صحيح البخاري: ولو أرفض -وفي رواية: انقض- أحد مما صنعتم بعثمان لكان حرياً به أن ينقض أو يرفض. هذا الحدث عظيم وكبير وخطير جداً، وكما قلت ترتبت عليه الفتن الكثيرة.

من أين نبدأ في تناول مثل هذا الحدث الكبير الذي انفتقت بعده الفتن؟ هل نبدأ من بداية الإشكالات التي نمت إلى بعض القبائل؟ أم نبدأ مما قبل ذلك من بداية مرحلة عثمان رضي الله تعالى عنه؟ أم نبدأ مما قبل ذلك من مرحلة عمر رضي الله تعالى عنه؟ أم نبدأ مما قبل ذلك من إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفتن التي ستحصل؟ وأنا أستحسن هذا الأخير، النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير مرة كما في الحديث الصحيح في المدينة فقال لأصحابه: هل ترون ما أرى؟ هل ترون ما أرى؟ طبعاً ما في أحد من الصحابة كان يرى ما يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لأرى الفتن خلال بيوتكم مواقع القطر. يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن أن الفتن ستأتي وستتخلل بيوت المدينة، ستنزل كوقع المطر، وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الفتن، ولذلك كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتذاكرون شأن الفتن فيما بعد ذلك.

ومن هنا انتقل إلى المرحلة التالية التي يمكن أن تكون مقدمة يتأمل فيها، وهي مجلس جرى بين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وبين حذيفة ومجموعة من الصحابة، قال عمر رضي الله تعالى عنه: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا يا عمر. فقال عمر: إنك عليه لجريء، أخبرني. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال عمر: ليس عن هذه أسأل، وإنما عن الفتنة التي تموج كموج البحر. فقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، فإن بينك وبينها باباً. فقال عمر: هل يكسر الباب أم يفتح؟ فقال حذيفة: بل يكسر. فقال عمر: إنه إذا كسر لم يغلق أبداً. فسأل بعد ذلك أصحاب حذيفة حذيفة، قالوا له: من الباب؟ فقال حذيفة: عمر. فقالوا له: هل كان عمر يعلم أنه الباب؟ قال: نعم، كما أن دون غد ليلة.

إذاً برأيي أن هذا الحديث هو مفتاح مهم يمكن الدخول من خلاله، وهو الحديث الذي ذكر فيه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً هو الآن القسم الأول من الحديث عزاه حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم صراحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعاً في بعض الروايات جاءت فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات ما جاءت، لكن هي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة في الصحيح التي هي الشق الأول: فتنة الرجل في أهله وولده وجاره. الثانية: الفتنة التي تموج كموج البحر. وكلام حذيفة معه، أكيد أن حذيفة لم يأتِ بهذا الكلام من عنده وإنما أتى به من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان لم يذكر في الحديث أنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن بينك وبينها باباً، تمام، لكن هي من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وحذيفة معروف أنه كان قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يسمع منه أحاديث الفتن، وكان يسأله عن الشر، ومر معنا ذلك في بعض الأحاديث.

طيب، إذاً ليس من الأسباب المباشرة، ولكن عموماً دخولنا إلى زمن الفتن من أسبابه مقتل عمر رضي الله تعالى عنه، فإن عمر كان البوابة الواقية بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وبين الفتن التي انفتحت عليها. وهذا الأمر يحتاج إلى تأمل وتفكر، لماذا كان عمر هو البوابة الواقية من الفتن؟ وهل يمكن أن نستنبط ذلك أو لا؟ هنا نرجع أيضاً إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم لنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى على عمر ثناء خاصاً في مرحلة ولايته، فضلاً عن ثنائه العام عليه في عموم شأنه، سواء فيما ذكر عنه أنه رآه في الجنة أو فيما في العشر المبشرين أو في حديث الثناء على علمه، أو الثناء على إيمانه في حديث الرؤيا، وفي أحاديث متعددة، ولو رآك الشيطان في فج لسلك فجاً غير الذي سلكت. لكن هناك أحاديث امتدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم عمر في ولايته تحديداً، بل قال فيها صلى الله عليه وسلم في رؤيا المنام لما قال عليه صلاة الله وسلامه: أنه رأى أن أبا بكر نزع ذنوباً أو ذنوبين يعني دلواً أو دلوين من بئر، ثم رأى عمر رضي الله تعالى عنه أخذ بالدلو فاستحالت في يده غرباً، والغرب هي الدلو العظيمة، يعني مو الدلو العادي اللي تعرفوا شكله، هذا شكله معروف حق البئر، في هذا الدلو العادي وفي دلو يأتي طويل كذا كأنه جسم حيوان أو شيء يعني طويل جداً هكذا من الجلود، هذا الغرب، الدلو العظيمة هذه، لما توضع في البئر تخرج كمية من الماء كبيرة، قال: فلما أخذها عمر استحالت في يده غرباً، يعني تحولت وصارت ببدل الدلو العادية صارت غرباً. قال: فلم أر عبقرياً من الناس يفري فري عمر، حتى خرج أو ضرب الناس بعطن، فالناس سقوا ورووا وسقوا دوابهم وارتاحوا واطمأنوا من سقي عمر وولايته.

وأنا يعني إحنا أخذنا في سلسلة خير القرون في الحزمة الأولى، أخذنا يمكن عشر حلقات عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ولايته، وكانت حلقات مطولة وفيها رجوع إلى كثير من المصادر الأساسية بأسانيدها، وكان وقفنا وقفات كثيرة مع سياسة عمر رضي الله تعالى عنه، ولا تكفي حقيقة ولذلك لا يزال يراودني خاطر في إفراد سلسلة مستقلة عن عمر رضي الله تعالى عنه، والتركيز فيها ليس على مجمل فضائله، وإنما التركيز فيها على هذه الجملة: فلم أر عبقرياً من الناس يفري فري عمر، حتى إني فكرت أسميها: من يفري فري عمر، أنه ما هو هذا العمل الذي عمله عمر والجهد والبذل والجد والعطاء الذي قام به عمر رضي الله تعالى عنه؟ كانت له سياسة خاصة مع أمرائه ومع عامة الناس، في حفظ الدين، في حزمه، في شدته مع لينه، في قيامه على مختلف الشؤون. فَعُمر رضي الله تعالى عنه كان يشعر أنه مسؤول عن حماية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتغير حالهم عما كانوا عليه في زمن رسول الله، هذه نقطة جوهرية يا جماعة، حاولوا تتفكرون فيها، كان عمر حريصاً ومسؤولاً على أن يبقي أصحاب رسول الله على نفس المستوى من الاستقامة الذي كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم بلا شك لن يصلوا إلى نفس الدرجة لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يتنزل، لكن معالم الاستقامة العامة كان يريدها أن تبقى على ما كانت عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك كان يحزم عليهم أحياناً حتى لا يتغيروا، أو حتى لا يتغير شيء من معالم الاستقامة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى على أصحابه فتنة الدنيا، أليس كذلك؟ وأنه كيف أنتم إذا فتحت عليكم فارس والروم؟ طيب فارس والروم متى فتحت؟ في أي زمن؟ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه. طيب متى ظهرت الآثار السلبية للفتوحات من حيث الأموال أو يعني خلينا نقول الركون إلى الأموال وما إلى ذلك؟ لم يحدث هذا في زمن عمر، مع أن الفتح صار في زمنه وبريق النصر وبريق الغنائم كان في زمنه، لكن لم يحصل في زمن عمر فتنة. جيد، فبعدين في عموم الناس حصل كما ذكروا في الروايات كيف كان الرخاء في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، كانت نعمة، لكن في نفس الوقت هذه النعمة بالنسبة لكثير من الناس من عوام الناس ومن أطراف القبائل ومن مختلف الناس صار فيه تأثر، ولذلك بعضهم حمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: اعدد ستاً بين يدي الساعة، وذكر منها: استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً، حملها بعض العلماء وبعض الشراح على زمن عثمان رضي الله تعالى عنه.

إذاً عمر رضي الله تعالى عنه كان الباب بين الأمة وبين الفتن، ولذلك مهم جداً أن تدرس سيرة عمر رضي الله تعالى عنه بهذا الاعتبار، ومن هذه الزاوية، ويتأمل فيها هذا التأمل، وينظر فيها هذا النظر، ويتفكر في حال عمر وهديه ومنهجه وطريقته من هذه الجهة، فهذا في غاية الأهمية. عمر حامي بوابة الإسلام، عمر الباب الذي بين الأمة وبين الفتن، عمر سخره الله لهذه الأمة. ولذلك ثبت في البخاري أن عمر لما قُتل، طبعاً كما كان، الأمور استقرت، الأمان، الخير، العز، الرخاء، فجأة بدون مقدمات يطعن في صلاة الفجر، مو أنه مثلاً كبرت سنه ورقّت عظامه وهو دخل في أمراض، وهو في صلاة الفجر طعن غدراً. فقال كما في صحيح البخاري، راوي خبر مقتل عمر قال: فكان الناس لم يصابوا من مصيبة قبل ذلك. يعني مفاجأة مصيبة عظمى كبيرة جداً طبعاً بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد مصيبة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمر كان له شأن مختلف، كان له شأن عجيب، ولذلك ذلك.

فعلاً هو أتعب من جاء بعده، يعني لما تكون الخلافة في مستوى عمر، من يأتي بعد عمر ستتعبه سياسة عمر؛ كيف يصل؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلم أر عبقرياً من الناس يفري فري عمر. وإن كان الذي بعده هو من خيار أصحاب رسول الله ومن الخلفاء الراشدين ومن عظماء هذه الأمة، لكن مستوى عمر رضي الله تعالى عنه صعب إدراكه.

طيب بالنسبة للناس تعودوا على سياسة عمر، وتعودوا على قيادة عمر، وتعودوا على مستوى معين كان عليه عمر رضي الله تعالى عنه في شؤون الناس وفي شؤون الحكم وفي شؤون إلى آخره. لما جاءهم عثمان رضي الله تعالى عنه، نعم هم يعلمون مكانة عثمان رضي الله تعالى عنه، ولكن جاؤوا بخلفية عمر رضي الله تعالى عنه، فبدأوا يلمسون بعض التغير الذي هو بطبيعة الحال تغير راجع إلى طبيعة الشخصيات إلى اختلافها، كلهم خيار وكلهم أئمة وكلهم عظماء.

وهذا التغير هو يعني ليس هو تغير، يعني هو ذنوب ولا معاصي ولا شيء لا، ولكن هناك مستوى لعمر رضي الله تعالى عنه وهناك طبعاً هي الشخصيات تختلف، يعني لازم إدراك هذه القضية؛ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم اختلفت الشخصيات، عين هذا لشيء وعين هذا لشيء، فعثمان رضي الله تعالى عنه كان في طبعه لين، كان يغلبه اللين. أما عمر رضي الله تعالى عنه فكان قائماً على الباب بدرته، ينتبه لأدنى تغير يمكن أن يحصل، فمباشرة يعالجه بقوة وبحزم مع الرحمة. عثمان رضي الله تعالى عنه ترك للناس مساحة، عمر رضي الله عنه كان يتخذ بعض السياسات الحازمة جداً، يعني مثلاً عمر رضي الله عنه ما كان يسمح للصحابة أن يخرجوا من المدينة بسهولة، يعني له سياسات، له تقديرات معينة، يبقون هنا كذا إلى آخره. لما جاء عثمان فتح للناس وسهل عليهم، وهذا خرج وهذا راح وهذا جاء، فلم يأخذهم بالسياسة الشديدة والحازمة.

عمر رضي الله عنه أحياناً في قضية عادية يعني تعتبر يستعمل الدرة، فمثلاً كان عمر يعاقب بدرته يضرب الذين يصلون التطوع بعد العصر وبعد الفجر لأنه إيش؟ وقت نهي. وكان أحياناً بعض الصحابة مثلاً في قضية المملوك، أنه المكاتب تعرفوا العبد أو المملوك يستطيع أن يعتق نفسه بمكاتبة مالية، يعني يعطيها على مبلغ معين في أجل معين وأزمنة معينة، فهذا الله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا. فهنا عمر كأنه حمله على الوجوب، يعني فلما بعض الصحابة تأخر أو شيء أيضاً ضربه بالدرة. ولما جاء أبو موسى الأشعري رضي الله عنه بحديث قال: تأتي بشاهد معك، ولما كذا، فكان عمر يقيم الناس على إيش؟ على اليقظة والتنبه والحزم والانتباه، وفي نفس الوقت كان رحيماً بهم، وكما تعلمون في البخاري قال: والله لئن أبقاني الله إلى العام القادم لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن لأحد بعدي. وكان يوصي بأهل الذمة وبعامة الناس، ويوزع الأموال، وكان يقوم جهاد على أمره بجهاد شديد دقيق.

بين الشدة واللين، بين الحزم والرحمة، وعثمان رضي الله تعالى عنه سهل على الناس أو فتح لهم، كان في طبعه لين ورحمة ورقة، ولذلك تعرفون حتى أنه ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، كان شديد الحياء، كان رضي الله تعالى عنه يعني طبعه وشخصيته تختلف عن طبع وشخصية عمر. ولذلك عمر رضي الله تعالى عنه ما كان يسمح لبوادر تلك الفتن أن تظهر مهما كان أصحابها من المكر أو الكيد أو الكذا أو كذا، واضح؟ وحتى عثمان رضي الله تعالى عنه ترى حاول واجتهد لقطع دابر تلك الفتنة، كيف حاول واجتهد؟ عثمان برحمته ولينه استقبلهم، حاورهم، ناقشهم، بل يا جماعة الخير عثمان تعرفون ماذا قال؟ قال: لو وجدتم في كتاب الله أن تضعوا في قدمي القيد فضعوهما. هذا خليفة الأمة كله، لو وجدتم في كتاب الله أن تضعوا في يدي، في قدمي أو في يدي القيد فضعوهما. وكذلك في حديث آخر أيضاً مشهور، ستأتينا إن شاء الله قصص ال... نعم هذا اللي هو القيد أخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة وغيرهم، قال: إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوهما. لكن أيضاً يوجد أثر آخر لعثمان رضي الله تعالى عنه، إي نعم، كان يأخذهم بالرفق واللين، كان يقول لهم يا جماعة -يعني معنى الكلام، ما وجدت الأثر مباشرة لكن معنى الكلام- أنه يا جماعة ترى لو قتلتموني والله لا تصلون جميعاً أبداً ولا تقاتلون عدواً جميعاً أبداً، عارف كيف كان يأخذهم يعني أنه يا جماعة الخير حاولوا تفكروا، اعتبروا، اتقوا الله. ولذلك آخر شيء إيش سوى؟ أمر الصحابة أن يقاتلوا، فدخل عليه أصحاب الفتنة وقتلوه رضي الله تعالى عنهم.

فلذلك نحن نقول إن البداية يمكن أن نعتبرها من مقتل عمر رضي الله تعالى عنه، نعم لم تظهر الآثار مباشرة بعد مقتل عمر، بالعكس الناس في السنوات الأولى بعد ما قتل عمر رضي الله تعالى عنه وجدوا شيئاً من الرخاء والسعة، ولذلك ازداد حبهم لعثمان في بداية الأمر جداً، لأنه در عليهم، يعني أصلاً هي الفتوحات جاءت، الأموال جاءت بشكل كبير، وفي زمن عمر طبعاً كانت الأموال أيضاً مقسمة، ومثل ما مر علينا في بعض الدروس أنه كل واحد ترى كان له نصيب من المال، ما في فكرة موظف أو غير موظف، هي فكرة أنك أنت موجود في تلك المرحلة أنت لك نصيب من المال، لكن رأوا الرخاء وأنه ما شدد عليهم في بعض الأمور وكذا، فيعني الأمور توسعت وسعد الناس بهذه الناحية، لكن سرعان ما بدأت الآثار تظهر من جهة أخرى بعد سنوات يسيرة من تولي عثمان رضي الله تعالى عنه.

معلش أذكر، طيب، هناك بداية لطيفة يعني هي ليست بداية محكمة، ليست بداية محكمة لكنها بداية، ذكرها البخاري في صحيحه واستنبط منها بعض العلماء، شوف هناك بعض الأمور يمكن نسميها إيش؟ استدلال إشاري، يمكن نسميها استنباط اجتهادي يلامس بعض المعاني الباطنة أو بعض المعاني الدقيقة الخفية من بعض العلماء الكبار الذين يستنبطون مثل هذه الاستنباطات، ولكن لا يكون هذا من الأمر المحكم، لا يكون من الأمر المحكم أو من الأمر القطعي.

كانت الأمور في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه مستقيمة تمام الاستقامة، والناس في رخاء، والقلوب مجتمعة، والأرزاق دارة، مثل ما وصف الحسن البصري، وكل يوم كان يؤتى بالأموال فينادى على الناس في المسجد خذوا الأموال، تأتي من بقاع الأرض الذهب والأموال والمجوهرات والدراهم والدنانير، والأرزاق دارة والقلوب متآلفة والطرق آمنة، يعني الناس في أعلى رخاء.

في حدث ليس له علاقة مباشرة، وكما قلت الاستدلال فيه ظني ويعني إشاري أو خفي وقد ينازع فيه، ذكره ابن حجر رحمه الله في فتح الباري وذكره غيره، أخذاً من حديث في صحيح البخاري، قال الإمام البخاري: ذكر عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس -يعني كان في يد عثمان عدة سنوات- قال: فجلس على بئر أريس، قال: فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط في البئر، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فننزح البئر فلم نجده.

هنا بعض العلماء قال إن بداية اختلال الأمور كانت بعد سقوط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان في هذا البئر وغياب هذا الخاتم، لأنه بعد هذه السنة بدأت البوادر وبدأت المقدمات أو بعدها بقليل. طبعاً لا يمكن أن يقول أحد أن هذا استدلال قطعي ولا يقيني ولا مباشر، لكن هذه من اللطائف التي ذكرت. العجيب أنه في نفس الموقع هذا، موقع بئر أريس، حدث حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مرتبط بعثمان، وأيضاً كان في استدلال بنفس هذا المستوى من الاستدلال، اللي هو لما كان أبو موسى الأشعري بواباً للنبي صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بكر فاستأذن، ترى كان عند بئر أريس، شوف نفس البئر! لاحظ أيضاً المناسبة اللطيفة، جاء أبو بكر فاستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: ائذن له وبشره بالجنة، ثم عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم على البئر وبجواره أبو بكر وبجواره عمر، فجاء عثمان فلم يجد موضعاً فجلس مقابلهم، فقال سعيد بن المسيب أو محمد بن سيرين نسيت هذا كما في الصحيح قال: فأولت ذلك قبورهم، أولت هذا المشهد أنه النبي صلى الله عليه وسلم وجنب أبو بكر وجنبه عمر وأمامهم عثمان أولته قبورهم، لأنه بعدين دفن النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بجواره أبو بكر ودفن بجواره عمر، وعثمان لم يدفن بجوارهم إنما دفن مقابلهم في جهة البقيع. فهنا في شيء من الاستدلال كذلك، أنه الخاتم سقط من يد عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان هو مع النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم، وهو الذي يكتب به إلى الملوك والرؤساء، يختم به الرسائل، ثم بقي مع أبي بكر، ثم بقي مع عمر، ثم بقي مع عثمان عدة سنوات، ثم سقط وغاب في ذلك البئر. هذا بطبيعة الحال لا يعني كما قلت لا نقول إن له علاقة مباشرة بمثل هذه القضايا.

إذن هذه الآن كلها حتى ندخل في السياق، إحنا مستوعبين أنه زمن عمر رضي الله تعالى عنه بعد ذلك عثمان رضي الله تعالى عنه، يعني حكم مدة طويلة كما قلت، مضى نصفها أو أكثر من نصفها ولا يوجد أي مشاكل، وبالعكس كما قلت من ناحية المستوى المادي والرخاء والمعيشة والخير ونقل العلم والناس يعني الأمور في أحلى وأجمل ما يكون. ثم بدأت بعض الأمور، اختلافات اجتهادات، كان البعض يرى أنه مثلاً والله هذا الفعل من عثمان رضي الله تعالى عنه ليس هو الأصوب، ليس هو كذا، وكان الناس في ذلك على قسمين، قسم فقهاء الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذوي الشأن، هؤلاء كانوا إذا حصل خلاف كما يختلف المجتهدون قد ينصح، يقول كما يختلف الصحابة فيما بينهم في المسائل العلمية، يعني مثل تعرفون عثمان رضي الله تعالى عنه مثلاً أتم الصلاة في مكة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر، عثمان متأول رضي الله تعالى عنه أنه يتم الصلاة في مكة، فابن مسعود إيش سوى؟ شوف الخلاف الكبار، إيش سوى؟ صلى خلف عثمان، ما قال إنه نترك الصلاة ولا ما أدري إيش كذا، ثم قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر ركعتين ومع أبي بكر في السفر ركعتين، ومع عمر في السفر ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. وفي رواية: الخلاف شر، وصلى خلف عثمان.

إذاً هذا عثمان رضي الله تعالى عنه كان يتأول في مثل هذه القضية، هناك عدة مسائل مثل هذه المسائل ما نستطيع أن نربطها بالفتنة، ما نستطيع أن نربطها بالفتنة، لكن نقول إنه تأتي مواقف مثل هذه؛ اختلاف اجتهادات، اختلاف آراء، نصيحة، أمر بالمعروف، نهي عن منكر، يجتهد بعض الصحابة يقدر أن هذا منكر، يقدر أن هذا خطأ، يقدر أن هذه مسألة اجتهادية. هذا كان كانت فيه مواقف متعددة، كانت فيه مواقف متعددة، ولا يمكن كما قلت أن نقول إن هذه المواقف أنها مرتبطة بالفتنة ارتباطاً مباشراً. ولكن مثل هذه المواقف وغيرها دخلت فيها فئة أخرى غير فئة الكبار، غير فئة أهل الحكمة، غير فئة أهل الرشد، يثبتكم الله.

شوفوا يا جماعة، إحنا الآن هل الفئة الجديدة هذه هل كانت موجودة زمن عمر؟ هل كانت موجودة زمن عمر؟ كيف كانت موجودة زمن عمر؟ إيش كان يسوي معها عمر إذا كانت موجودة؟ طيب أعطوني واحد يخرج لي الحديث اللي كان عمر يريد أن يتكلم في الحج فقال له عبد الرحمن بن عوف: لا تتكلم، خلينا نرجع المدينة. ذكرتوا الحديث؟ الحديث مثال على أن هذه الفئة ترى كانت موجودة بزمن عمر وإن كانت قليلة. أعطونا الحديث إذا كان موجود. بس هنا لا، لا، حديث طويل قصة طويلة مع عبد الرحمن بن عوف.

أيوه هذا قصير عندك هنا، آه موجود في الفتح، طيب وفي البخاري في الأصل، إي نعم وين هذا اللي فوق؟ طيب ماشي يعني هذا موضع الشاهد، لكن هو أطول من ذلك، إيش فيه؟ قال ابن عباس: إن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى أهله وهو بمنى في آخر حجة حجها عمر، فوجدني فقال عبد الرحمن: قلت يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإني أرى أن تمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة والسلامة، وتخلص لأهل الفقه وأشراف الناس وذوي رأيهم. قال عمر: لأقومن في أول مقام أقومه بالمدينة. واضح، هات هات كمان المطول الرواية المطولة.

نعم عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، وأتذكر إحنا وقفنا مع هذه الرواية، ما تتذكروا؟ تتذكروا الرواية في خير القرون، وحتى فكرة أنه ابن عباس كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف...

من أول من أسلم؟ من كبار الصحابة ومن العشرة المبشرين وحتى في السن كبير، يعني ابن عباس صغير في السن، ومين اللي كان يقرأ عبد الرحمن بن عوف؟ عبد الله بن عباس هذا في البخاري قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر في آخر حجة حجها، إذ رجع إلى عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة تمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم.

قال عبد الرحمن بن عوف: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل، يعني صارت إشكال أنه في بعض الناس بدأوا يطعنوا في خلافة أبي بكر، ولا يتكلم كلام وكذا، وأنه فلتة تمت، وأنه يعني نبايع أحد ثاني وكذا، ها؟ فقال عمر: إني لقائم العشية، وين؟ في الحج في منى، يتكلم عن الناس في إيش؟ قال: محذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم.

قال عبد الرحمن، وهنا شوف الجمع يا جماعة، عبد الرحمن الكبير العالم صاحب الحكمة صاحب الرشد صاحب الرأي الذي كان قريباً من عمر رضي الله تعالى عنه برأيه، ها؟ قال: لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس. هذه كمان قصة ثانية، أنه إذا جئت يا عمر ستخطب ترى هذول الغوغاء هم اللي راح يقربوا منك، هم اللي راح يصيروا أول الصفوف أصلاً، وأحياناً يعني هذه ترى أيضاً فيها دلالة أنه ترى هم ممكن اللي ينقلوا الكلام، وينقل الكلام إيش يعني؟ قد ما يكون على وجهه، أيوه، فيغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم مقالة يطيرها عنك كل مطير، وألا يعوها، وألا يضعوها على مواضعها.

مع أن المتحدث مين؟ عمر، يعني عمر يتحدث وفي منى وأمام الناس وفيهم الصحابة ومع ذلك يخشى، ها؟ ويخشى عمر ويخشى عبد الرحمن بن عوف أنه قد لا يفهم الكلام على وجهه، وقد يوضع في غير موضعه، فما بالك في زمن يكون الغوغاء والرعاع هم الذباب الإلكتروني؟ يعني أنت، يعني عمر يقول مقالة ويخشى أنه بعض الغوغاء يضعونها في غير موضعها وينقل الكلام على غير وجهه، ما بالك في زمن شبكات التواصل ها؟ اللي لا المتحدث عمر ولا المستمعون فيهم الصحابة، والغوغاء هم الذباب الإلكتروني الذين يتعمدون تشويه الكلام، كيف حيكون حال الناس؟ وكيف تستقيم الأمور على وجهها، وكيف يستقيم البيان على وجهه، وكيف ترشد أحوال الناس وكيف طيب؟

فقال أيوه، قال عبد الرحمن: فأمهل يا عمر حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها. سلام، يعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك، ذلك أول مقام أقومه بالمدينة، إلى آخر القصة.

موقف حصل بين سعيد بن زيد وابن عباس قبل الخطبة، الحديث طويل ما أريد أن أذكره، كان موقفاً لطيفاً يعني. ثم قال عمر: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي ألا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي.

إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا كان الحبل أو إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.

هذا لسه ما جاء المسألة التي وصلها، وذكر كلاماً إلى أن وصل إلى المسألة، قال: ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما ما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا إنها كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغره أن يقتلا.

وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر قصة بيعة السقيفة، ثم قال: والله، وأنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغره أن يقتله. شاهد إيش هذا كله؟ شاهد أنه في فئة من الناس طبيعتها وفهمها ومستواها وعلمها وتجربتها في الحياة أنه هي مشعلة فتن، وغوغاء، وإذا اتصلت بالأحداث لا تفهمها على وجهها، وتتفاعل معها بطريقة غير صحيحة فتؤدي إلى إشكالات، جيد.

بالمناسبة إحنا الآن نتكلم بحسن النية، لأنه الفئات الذين كانوا في التعامل مع الأحداث العامة ثلاث فئات في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، فئة كبار الصحابة فقهاؤهم مثل هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن بن عوف لعمر رضي الله عنه، أنه إذا رجعت إلى المدينة تجد فهي دار السنة والهجرة وفيهم علماء الناس وكذا، هؤلاء استمروا في زمن عثمان وموجودون، هذه الفئة الأولى هذه الفئة تختلف، تجتهد، تتفق، تتحاور، تتناقش، تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، هؤلاء لهم مستوى في العلم والفقه إيش؟ لا يؤدي إلى الفتنة، يعني هم هؤلاء لا يمكن أن يبدأوا فتنة.

الفئة الثانية إيش؟ فئة الغوغاء أو من قل فقههم ولو كانوا صالحين، لأنه هذه الفئة الثانية ترى فئة موجودة ودخلت حتى في فتنة عثمان، لا تظن أنه دخل في فتنة عثمان هي بس الفئة الثالثة، مين الفئة الثالثة؟ فئة من يمكن أن يلقبوا بأصحاب المؤامرة أو إرادة الفتن، يعني قصد الفتنة، هذه الفئة موجودة، يعني هي يمكن أن نقول أنه حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان في فئة المنافقين، هؤلاء المنافقون إيش كانوا يسووا؟ يمكرون، هؤلاء المنافقون لم ينتهوا، والكائدون لأمر الإسلام لم ينتهوا، وبالتالي حتى في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه كان فئة، هذه الفئة يمثلها في الروايات التاريخية عبد الله بن سبأ اليهودي، جيد. وقصة يعني لعل خلينا نذكرها بعد قليل إن شاء الله.

إيه هي ثلاث فئات، الفئة الأولى إيش كانت طبيعة تعاملهم مع عثمان رضي الله تعالى عنه؟ أول شيء هم أصحابه وهم علماء البلد وهم أنصاره، وفي نفس الوقت قد ينصحونه بشيء، قد يرون شيئاً، قد يتكلمون في شيء، هذا موجود وفيه روايات لكنها ليست الشيء الذي إيش يقود إلى تلك الفتنة، واضح.

الأمر، الفئة الثانية هي التي قادت الفتنة، والفئة الثالثة كان لها دور في شفت الوزغ اللي ينفخ على النار، يعني كان لهم دور في إنشاء بعض أحداث الفتنة وكان لهم دور في تكبيرها، واختلطت الفئة الثانية بالثالثة، الفئة الثانية محركها ماذا؟ والله في مجموعة أخطاء في انتقادات على عثمان رضي الله تعالى عنه في إشكالات، ليش تسوي كذا؟ ليش تفعل كذا؟ هذه الفئة قليلة الفقه وحتى قليلة الحكمة وربما بعضهم قليل العقل، واضح. هذه الفئة تأتي قد تستثمر بعض مواقف الفئة الأولى التي هي أصلاً مواقف اجتهادية راشدة عالمة حاكمة، واضح الفكرة ولا لا؟ يعني قد يأتي يقول طب والله، طب مثلاً أنكروا عليه في كذا، فيستعملون الحدث بالطريقة التي استعملها عليه الكبار المجتهدون، واضح.

الفئة الثانية هذه الفئة الثانية هي اللي قادت الموضوع إيش انتقادات، والله عثمان يقول لك مثلاً حمى الحمى، أو وسع في الحمى، إيش الحمى يعني؟ زي المحميات الآن اللي تسويها الدولة، محمية تكون فيها الحيوانات ولا كذا وإلى آخره، طبعاً الآن محميات دورها يعني يعتبر تكميلي، للحفاظ على بعض أصناف الحيوانات النادرة ها، وتكثير الغزلان وتكثير النمور وتكثير مدري إيش، وأنه هذه فئة والتوازن البيئي، وما في حد يعتبرها مشكلة يعني فهمت الفكرة؟ زمان لا، يعني زمان الموضوع ضروري أصلاً جداً، يعني هو إيش كانت الفعل؟ أنه في أموال للصدقة، إيش الأموال؟ إيش معنى أموال الصدقة؟ يعني مو دراهم ودنانير، إبل وبقر، بس أكثر شيء الإبل تحديداً، فهذه إيش كانوا يسووا فيها؟ هذه الإبل، أموال الصدقة جمعت من القبائل ومن الناس كثيرة وتوسعت، الناس إيش تحتاج؟ مكان ترعى فيه فتحمى لها أرض معينة حتى ترعى إبل الصدقة اللي هي مال عام، جيد. طيب.

مين اللي كان حمى الحمى؟ عمر رضي الله تعالى عنه بس ما حد يقدر يتكلم تمام، وكان في يعني في بعض حديث فاتني مراجعته، مراجعة دلالاته جميل أيضاً، يعني في موقف في الحمى الذي كان في زمن عمر، واياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان إلى آخره، حديث يعني، لكن في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه جاءت هذه الفئة الثانية، قال لك أنت وسعت في الحمى وهذا مال عام، وليش تمنع الناس وليش كذا وإلى آخره، وأموالنا وأموالكم وأموال الدولة وسعتوها، زدتوا كبرتوا صغرتوا، هذه الفئة الثانية، الفئة الغوغاء.

طيب إيش المنطق بالنسبة لهم؟ هل هو منطق مادي ولا منطق شرعي؟ هذه الفئة الثانية شرعي، الفئة الثالثة هي الفئة الماكرة هذه التي هي أصلاً هدفها إسقاط الخلافة الراشدة، فهمتوا الفكرة؟ أما هذه الثانية لا، هي مجموعة يعني منطقهم الأساسي منطق غلو في الدين، ولذلك هذه الفئة لما جاءت إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، أقرأ عليكم الآن الأثر، إيش، هذا اللي في زمن عمر إي بس ما هو الأثر عشان تذكره يبغى له مراجعة الشروح وذكر الدلالات، يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، الله أكبر، الله أكبر، يا أخي عمر سبحان الله، استعمل أن عمر استعمل مولى يدعى، بس إحنا قلنا بنذكر الأثر حق شو اسمه عشان ما نلخبط، يعني حق عثمان، لكن ما في مشكلة نذكر حق عمر، أن عمر رضي الله عنه استعمل مولى يدعى له هنيئاً على الحمى، فقال: هذه الشاهد أنه استعمله على الحمى، يعني كان في حمى في زمن عمر، فقال: يا هنيئاً، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجع إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنية فيقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً.

هذا موضع الشاهد، يعني في حتى في زمن عمر، بداية كلام، نعم، فقال: والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ها هناك في الآية قلت لا أجد ما أحملكم عليه، المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، اللي هو عبر هذه الدواب التي يحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبراً، يعني أنتم تقول، يعني عمر بن الخطاب يقول: لها في سبيل الله والجهاد وعشان هذه الدواب تجاهدوا عليها وتفتح الفتوح، والله لولا ما في سبيل، لولا ما أحمل أي في سبيل الله ما حميت لهم من بلادهم إيش؟ شبراً.

طيب إحنا الآن هؤلاء إيش كانوا، قلنا إيش أنه منزعهم شرعي، نستمع هذا الأثر، وهو أثر جيد الإسناد رجعه خليفة بن خياط وغيره، خليفة بن خياط يعني من المصادر المسندة المتقدمة المهمة، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبي قال حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري، وأبو أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، وفد أهل مصر هذا من الفئة الثانية ممتزجاً بالفئة الثالثة، ممتاز. قالوا: ادعوا بالمصحف، كلموا عثمان، يقولوا: ادعوا بالمصحف، فدعا به، قالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس السابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ، فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، الله أذن لك أم على الله تفتري؟ هذا مثال على طبيعة حوار الفئة الثانية وتفكير الفئة الثانية وطبيعة الفئة الثانية. هناك ابن مسعود إيش يقول؟ الخلاف شر ويصلي خلفه وكذا، ومعه وهذول يقول: الله أذن لك أم على الله تفتري؟ واقرأ ومدري إيش وافتح المصحف يلا اقرأ وقف عند الآية. هذه نفس فئة اللي كان يحذر منها عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب، اللي يقول إيش الرعاع والغوغاء، وكان هذيك الفئة أخف يعني بكثير من هذه الفئة تمام.

إيش رد عثمان؟ قال: امضه، نزلت في كذا وكذا، شفتوا؟ نزلت في كذا وكذا، شفتوا هذه الكلمة نزلت في كذا وكذا.

هذه الكلمة فيصل بين أهل الفقه والحكمة في الدين وبين الغلاة فيه. نزلت في كذا وكذا، يعني عثمان يقول لهم هذه الآية نزلت في شأن كذا وكذا، وأنا أعلم أين نزلت وما سياقها وفيما نزلت ومتى نزلت، وأنتم أتيتم واقتطعتموها من دلالتها ومن سياقها ومن متعلقاتها، لا تعرفون سبب نزولها ولا وجه نزولها ولا علاقتها بما قبلها ولا في أي زمن نزلت ولا في أحوالها، وحملتموها بمنطق ظاهري مختزل في الاستدلال به وتنزيله على الواقع، واضح؟

هذه الآية نزلت في كذا وكذا، هذه فيصل. وهذه ترى وردت مراراً لأنهم قالوا في رواية أخرى قالوا: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. إيش قصدهم؟ أن عثمان أمر بإخراج مجموعة منهم بعد ما أثاروا تشغيبات معينة، أخرجهم من العراق إلى الشام. طبعاً الشام معاوية رضي الله تعالى عنه حازم وانتبه لهم، عرف أنهم ما يصلحوا في الشام وراحوا يخربوا عليه أهل الشام، خرجهم برا.

فهم جاؤوا عثمان، قالوا: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، فقال لهم عثمان: كذبتم، نزلت فيَّ وفي أصحابي، ولم تنزل فيكم وفي أصحابكم. هذه الفكرة، يعني نزلت في كذا ونزلت في كذا، هي عنوان خذ منه دلالة السياق، خذ منه دلالة المتعلقات، خذ منه دلالة النزول، إلى آخره. واضح؟ آية نزلت في كذا وكذا.

فأما الحمى، يقول عثمان: فإن عمر حمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة. أمضي، فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول: آية نزلت في كذا، فما يزيدون. فأخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين. شوف عثمان أخذهم بحلمه، بالحوار، التواضع؛ خليفة المسلمين عنده عسكر وجيش وأمة، وأخذهم بحلمهم حاورهم، واضح الغلظ فيهم تمام؟

هذه الفئة يا جماعة، مثل ما ذكرنا، هذه ليست فئة المؤامرة، وإن كان قد يكون فيهم منهم، وإن كان سيظهر الآن في تتمة الرواية أن فئة المؤامرة قد تكون إما بينهم وإما خارجة عنهم. هم إثارتهم مرة أخرى ستأتي الرواية، هذا الحديث، هذه الرواية تقريباً هي أهم رواية في ذكر الأحداث المفصلة في الانتقال من الإنكار اللفظي الذي كان يقوم به أصحاب الفئة الثانية، فئة الفتنة، إلى الحصار العملي العسكري، هذه أهم رواية على الإطلاق.

خرجوا راضين تمام، اسمعوا الفئة الثالثة. فبين هم بالطريق يعني راجعين إلى مصر، إذ راكب يتعرض لهم ويفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم، يعني إيش؟ يعني أمسكوني. يعني هم ماشيين في راكب بعيد كذا، تخيل هم فئة ماشية وتو جاؤوا من كلام مع الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنه راجعين الآن لمصر، ولا في راكب بعيد على فرس خيل يجي يقرب كذا ويرجع ويقرب ويرجع، إيش معناها؟ يعني ستثير الانتباه وتثير حذر هذا الركب، فسيمسكون به. أمسكوا به، قالوا: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.

تمام، ففتشوه فإذا هم بالكتاب، فإذا هم بالكتاب كتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم. طيب سؤال، عثمان لما حاصروه في المدينة إيش سوى؟ ما خلى أحداً يقاتل عنه، هل سيرسل إلى أمير مصر حتى يقتل هؤلاء؟ لن يفعل. هذا إيش معناه؟ تزوير، يعني في رسالة مزورة كتبت على لسان عثمان، وهذا التزوير تكررت الروايات بوجوده ليس فقط في هذا الموقف.

لأنه في هذا الموقف قال بعضهم لا، بعض القريبين من عثمان، اللي هم من الفئة الأولى الراشدة العالية الفقيهة، أنه والله ممكن حصل لا. هذا التزوير حصل في عدة مرات، مرة بلسان علي رضي الله تعالى عنه، ومرة بلسان عثمان، ومرة بلسان عائشة؛ لأنه كانوا يقولون عائشة، عائشة رضي الله عنها كانت من الفئة الأولى، تنصح عثمان أحياناً، قد ترى بعض الملاحظات، تتعامل تعامل الراشدين مع عثمان رضي الله تعالى عنه. تأتي الفئة الثانية تستغل هذه المواقف من عائشة رضي الله تعالى عنها ومن غيرها، فلما قتل عثمان بعدين قالوا: أنت يا عائشة أصلاً قلتِ وكذبتِ وسويتِ وكذا، فقالت: والذي لا إله إلا هو ما كتبت لهم شيئاً. إذاً زور على لسان عائشة، وزور على لسان علي رضي الله تعالى عنه، وزور على لسان عثمان رضي الله تعالى عنه. مين الفئة اللي عملت هذه الأعمال؟ الفئة الثالثة، وليست الفئة الثانية، الفئة الثانية ترى كان فيهم تقوى، كان فيهم صلاح، هم بس الفهم سلم لي عليه، أما هم لا ترى هم خارجون على الدين.

ترى خارجون على الدين، يعني على أساس حقيقة هم فيهم الفئة الثالثة، هي الفئة المتآمرة. هذه الفئة المتآمرة لما ترجع للمصادر التاريخية تجد إيش؟ أنه في خلافات ما حجم هذه الفئة وما طبيعة دورها وما حقيقة دورها؟ يأتي بعض الباحثين المثقفين المعاصرين يقول لك أصلاً ما كان في شخصية اسمها عبد الله بن سبأ، وهذا كله عبارة عن كلام فاضي، وأنه ما في فئة متآمرة ولا في شيء، وأنه هذه بالعكس أخطاء، وأنه هذول خرجوا، إلى آخره.

وهناك طرف آخر يبالغ أيضاً في هذه الفئة الثالثة، وهذه المبالغات مصدرها الأساسي روايات سيف بن عمر الضبي أو التميمي. سيف بن عمر مشهور طبعاً، هو مصدر أساسي من مصادر روايات زمن الفتنة، وسيف بن عمر رواياته تختلف عن الروايات الشيعية، روايات أبي مخنف لوط بن يحيى وأمثاله، لذلك عامة رواياته ليس فيها طعن في الصحابة. طيب كون رواياته أو عامة رواياته ليس فيها طعن في الصحابة، بل فيها ذكر السردية التي تتناسب مع مكانتهم وفضلهم وما إلى ذلك في الجملة، ما موقف نقاد أهل السنة من هذا الشخص سيف بن عمر لأنه جالس يقدم رواية فيها تبرئة للصحابة في مقابل الرواية المشهورة رواية أبي مخنف التي فيها طعن بالصحابة؟

هذا مع كل ما فيه من آثار في تبرئة الصحابة وما إلى ذلك، أهل السنة أنفسهم يقولون هذا راوٍ ضعيف، بل شديد الضعف. لكن في نفس الوقت كونه ضعيفاً وكونه شديد الضعف ليس معنى ذلك أن كل أخباره غير صحيحة، هو إخباري متخصص، وكونه إخبارياً متخصصاً فيجعل لأخباره إثارة، وبعض المعلومات التي يأتي بها قيمة من جهة تخصصه ومن جهة صدقه في الجملة عند من يرجح صدقه، وعامة النقاد لم يتهموه في صدقه من جهة أنه كذاب، جاءت بعض عند بعض النقاد قليل اتهامه في دينه وما إلى ذلك، لكن العامة ذكروا الضعف.

بالتالي ما الذي نستفيد؟ خلاصة الكلام من الناحية العملية، ما الذي نستفيده من روايات سيف بن عمر؟ خلاصة أن أهم ما نستفيده من روايات سيف بن عمر هو الروايات التي لها أصل، إذا في رواية من روايات سيف بن عمر لها أصل ثابت صحيح أو حسن أو مقبول، فإننا نستفيد من رواية سيف بن عمر في نفس هذا الحدث، قد يكون فيها زيادة تفاصيل وزيادة أخبار لم تذكر في الخبر العاضد، واضح الفكرة؟ ولا تتعارض معه وليس فيها منكر. بهذه القيود الثلاثة: أن يكون لها عاضد، وألا تتعارض معه، وألا يكون فيها ما هو منكر، فبهذا الاعتبار يمكن الاستفادة من روايات. واضح الفكرة ولا لا؟ سيف بن عمر هو أكثر واحد، وهذا سبب الكلام في سيف بن عمر، هو أكثر واحد تكلم عن دور عبد الله بن سبأ، هذه الخلاصة، واضح؟

طيب الأصول الأخرى القوية، هل تكلمت عن دور عبد الله بن سبأ؟ تجد إشارة من هنا، نصاً عاماً من هناك، كلمة من هنا، رأياً من هناك، رواية من هنا، لكن لا تجد شيئاً محكماً يفصل دور عبد الله بن سبأ في الفتنة على وجه الرواية التفصيلية. لكن هل مجموعة الروايات المقبولة تدل على أن لعبد الله بن سبأ وجوداً وأصلاً ودوراً سلبياً؟ نعم، واضح الفكرة؟ وبالتالي بقيت لنا موضوع التفاصيل، فموضوع التفاصيل هي أقرب شيء لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، يعني إذا انفرد سيف بن عمر بروايات تاريخية ما لها أصل، وفي نفس الوقت ما تتعارض مع أصل، فهي تبقى من الأخبار القابلة للتصديق أو القابلة للتكذيب التي لا يجزم بتصديقها ولا يجزم بتكذيبها، وتبقى من الأخبار العامة غير المقيدة بأوتاد البراهين المطمئنة، لكن يستفاد منها في الرواية التاريخية العامة.

خلاصة أننا إما أن نجد لها أصلاً فيكون يؤخذ بتفاصيلها ويستأنس بتفاصيلها، وإما أن لا نجد لها أصلاً مطلقاً فهنا مثل روايات بني إسرائيل، وإما أن يكون قد ورد في الأصول ما يعارضها هنا تكون باطلة. هذا بإجمال، من أفضل ما كتب في عبد الله بن سبأ رسالة أو كتاب للدكتور سليمان بن حمد العودة، له كتاب اسمه عبد الله بن سبأ، تتبع فيه المصادر والروايات والكتب التاريخية القديمة ومواقف المستشرقين والروايات العامة والخاصة وإلى آخره، يعني من أراد أن يتوسع يمكن يراجعها.

الأظهر في كتب التاريخ والروايات هو دور عبد الله بن سبأ العقدي لا الحركي، واضح؟ الأظهر في كتب الروايات الثابتة والمشهورة والمصادر المعتمدة هو دور عبد الله بن سبأ العقدي وليس الحركي، طبعاً لا أقول نفي الحركي، لكن هذه التي فيها العقدي، أنه هو ترى أتى بمقولات عقدية منحرفة فيها غلو في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهناك بقية الروايات تربط بين هذا الدور العقدي المنحرف الذي أدى إلى أنه ترى الأحق بالخلافة هو علي بن ابي طالب وليس عثمان رضي الله تعالى عنه وإلى آخره، ربط بين هذا الدور العقدي المنحرف وبين الدور الحركي الذي حصل، واضح ولا مو واضح؟ الكلام كله واضح.

أيوه، الآن إيش صار؟ هذاك الراكب يتعرض لهم يرجع لهم يتعرض لهم يرجع لهم، قال: فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً فقالوا: ألم ترَ إلى عدو الله كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحل دمه، فقم معنا إليه. قال: والله لا أقوم معكم. قالوا: فلما كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً، فنظر بعضهم إلى بعض وخرج علي من المدينة.

فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنهما اثنتان، أن تقيموا رجلين من المسلمين يشهدان لكم، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أملت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم، يعني يزور. قالوا: قد أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق، وحصروه في القصر رضي الله تعالى عنه، هذا أشهر وأهم أثر، وهو من الآثار المحسنة والمصححة في هذه الأحداث. واضح الفكرة؟

كيف كانت طيب البدايات لهذه الفئة الثانية؟ هنا ندخل في الروايات التاريخية الكثيرة أنه في سلسلة أحداث استمرت تقريباً -خلينا نقول- لمدة عام. سلسلة الأحداث يعني إيش؟ والله زي ما قلنا مجموعة من الأشياء التي هم اعترضوا عليها، والله مثلاً أنت يا عثمان أمرت أقاربك، والله يا عثمان الوليد بن عقبة اللي هو أمير الكوفة شرب الخمر، أقم عليه الحد.

طيب الفئة الأولى إيش موقفها من مثل هذه الأشياء التي تحدث؟ قد يشاركون، ليس يشاركون هذه الفئة، يشاركون في الموضوع ولكن برشدهم وعقلهم وفقههم، مثل الأثر الذي قرأناه حق عبيد الله بن عدي بن الخيار الذي في صحيح البخاري، لما قال له قد أكثر الناس في شأن الوليد، فقال له عثمان: أنا صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت الهجرتين، وصحبت أبا بكر وعمر، فوالله ما غششتهما ولا كذا، أفليس لي من الحق عليكم كذا؟ قم يا علي فاجلده، يعني أقام عليه الحد، وهذا الوليد يصير أخ عثمان لأمه، وأمير الكوفة، ومع ذلك أقام عليه الحد، يعني بالعكس، كل هذا يعني من يفعل ذلك إلا الراشد الخليفة الإمام الصالح المتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

مثلاً هذه من الأحداث، لما يأتي الطرف الثاني هذا ما يشارك فيها بالنصح أو بالكلام، النقاش، الآراء العلمية، الكذا، وإنما يأتي يشارك فيها بالطعن والتشكيك، أيوه عشان أنه أخوك، أيوه لأجل كذا، أيوه لأجل كذا إلى آخره. بالمناسبة ترى هذه الأحداث ترى كانت بدايتها مثل ما ذكرنا تاتي مثل هذه النماذج في زمن عمر، بس عمر يعرف يتعامل معها بطريقة مثل اللي جاء في نفس الحدث، الخمر لنفس القضية قريب وأمير، اللي هو مين؟ قدامة بن مظعون، كان من الصحابة ومن الأمراء، فجاء من اشتكى عليه أنه شرب الخمر، طبعاً قدامة رضي الله تعالى عنه كان متأولاً وأخطأ أنه لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا، لأنه جاءت بعد آية الخمر، وتأويل أغلق بابه، طبعاً خطأ هو من وقته، وعمر رضي الله عنه جلده، وبعد ذلك ذكر العلماء أنه من تأول مثل هذا يكفر لأنه استحلال، طيب المهم لما جاءوا لعمر قال له أقم الحد عليه.

قال له أعطني شاهداً أعطني كذا، إلى أن رجع ثاني. قال له: أقم الحد عليه، أقم الحد عليه. قال له: أنت خصم ولا شاهد؟ أنت خصم ولا شاهد؟ تمام، أنت إذا أنت شاهد خلاص قدمت شهادتك، يلا الباب، معنى الكلام يعني جزاك الله خير قدمت الشهادة يلا مع السلامة. هذا يعني أنت خصم ولا شاهد؟ ثم جاء الشاهد الآخر وقال: لا ما رأيته، إلى آخر الكلام. قصة وقفنا مع وقفتنا هي قصة ترى فيها لطائف جميلة جداً؛ أنه عمر رضي الله عنه بعدين تردد في ضربه؛ لأنه كان مريضاً مرضاً شديداً، وتردد وتردد وتردد، بعدين قدم الخوف من الله في ترك الحد على الخوف من الله في أنه لو حصل له شيء بسبب المرض فأقام عليه الحد، وقدامة رضي الله تعالى عنه زعل من عمر، وقصة طويلة وجميلة ولطيفة جداً. بعدين آخر شيء عمر رضي الله عنه رأى في المنام، هذه قصة صحيحة الإسناد، قال له: قم صالح قدامة فإنه أخوك، قم صالحه فإنه أخوك، وإذا وقفنا معه بذاك الوقت.

الشاهد أنه شوف كانت تجي مثل هذه الأحداث، أغلب بها أو عامتها هي من الفئة الجديدة التي دخلت في المجتمع الإسلامي حديثاً، وغالبها أو عامتها أو كلها من فئة الأعراب أو من فئة القبائل العربية التي هي صار لها امتداد في المدن، وكان لها يعني وجاهة أو قبلية أو تاريخ قبلي أو تكتل قبلي معين ولم يكن لها فقه في الدين، وهذه فئة جديدة في المجتمع يا جماعة الخير، هذه فئة جديدة في المجتمع. تعرفوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإنسان مأموراً بالهجرة إلى المدينة، كان مأموراً بالهجرة، والأعراب الذين كانوا خارج المدينة وكذا والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، فكانت درجتهم في الدين أقل، تكلمنا عنها في المنهج الإصلاحي في سورة الأنفال والتوبة.

وبعدين لا فُتحت الدنيا وصارت هذه القبائل هي جزء من المجتمع أساسي، وخاصة بعد توسع العراق وبنيت المدن أصلاً الجديدة، هذا تغير في المجتمع أدى إلى تغير في الأفكار، أدى إلى تغير في طبيعة النظر، في طبيعة التعامل مع المشكلات، في طبيعة التحديات، واضح الفكرة؟ وكان من جملة ما يفعلونه هو الاعتراض الدائم على الأمراء وإن كان هؤلاء الأمراء من كبار الصحابة. سعد بن أبي وقاص الذي من أول من أسلم ومن أعظم الصحابة وأجلهم وأزكاهم وأطهرهم وأشجعهم وممن ذب عن رسول الله وقاتل عنه وجاهد وضحى وصبر، في زمن عمر رضي الله عنه كان والي الكوفة، شكوه إلى عمر قالوا: لا يحسن يصلي! ولما أرسل عمر رضي الله عنه إلى الكوفة من يسمع منهم يسألهم عن سعد، قالوا: أما إذ سألت فإن سعداً لا يسير بالسرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية. فقال سعد: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياء وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن. قال الرجل الراوي: فرأيت هذا الرجل قد سقط حاجبا على عينيه بعد ذلك وإنه ليتعرض للجواري في الأزقة يغمزهن، هذه يعرضه أطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن. هذا ايش؟ هذه ضريبة ايش ضريبة توسع المدن الجديدة، الفتوحات، دخول أقوام جدد، هي ضريبة؛ نحن لما نقرأ الفتوحات الواحد يحسب أنه الفتوحات يعني ايش؟ فتح وغنائم وكسر الكفار وخلصت القصة، لا ما خلصت القصة، في مجتمع دخل عندك، هذا المجتمع كيف تديره؟ له مشاكله، له ثقافته السابقة، له تكوينه، له معاييره، له تاريخه، ومن هنا كان عمر ماذا يفعل؟ من أهم الأدوار التي فعلها عمر أنه كان يرسل الفقهاء إلى الأمصار، الفتح العسكري والفتح الدعوي، يجمع بين الفتحين، ولذلك مين اللي يرسلهم؟ يرسل الكبار، مثلاً من أهم من أرسلهم إلى الشام إلى فلسطين عبادة بن الصامت، تخيلوا واحد صافح النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة يذهب داعياً إلى الله معلماً، كبار فقهاء الصحابة كبار أئمة الإسلام روح هناك يعلم، وراحوا الصحابة يعلموا في الآفاق وراحوا كذا وإلى آخره. أصلاً القائد العسكري تخيل يكون القائد العسكري أبو عبيدة هو فقيه وإمام وعالم ومجاهد وقائد عسكري يعني.

فالشاهد أنه هذه فئة جديدة، هذه الفئة ايش تبغى؟ ما تعرف، يعني هي طريقة تفكيرها غريب كذا، وطبعاً هذه الفئة أيضاً خرج منها من العلماء والعباد والزهاد والصالحون والأئمة والفقهاء، ها احنا ما نقول هذه الفئة كلها رايحة لا، لكن هذه الفئة هي فئة جديدة سلط عليها العلم وسلط عليها الفقه، منهم من تفقه ومنهم من علم، وهنا جاء موضوع ايش؟ الغلاة والخوارج الذين هم أخذوا ظاهر العلم ولم يقفوا على حقيقته، وجو تعرف توفوا النبي صلى الله عليه وسلم، توفوا الصحابة والأمة والإسلام والجنة والنار وأخذوا الأمر بشدة ليست صحيحة، ومنهم لا، وهكذا تنوعت الفئات. إذاً يبغانا بعدين دراسة كذا اجتماعية كيف تعامل الصحابة مع هذه المجتمعات الجديدة، كيف تعاملوا مع هذه الفئات، تحدي كبير جداً جداً جداً يعني عظيم، ولذلك مثل ما مر معنا قبل قليل لما أراد عمر يتكلم بكلمة خطيرة سياسياً، قاله عبد الرحمن: اصبر لا تقوله هنا في الموسم في الحج في منى، يجمع رعاع الناس، وعام، ارجع إلى المدينة دار السنة والهجرة فيها علماء الناس وفقهاؤهم وأهل الحكمة، يأخذون الكلام يعونه يضعونه مواضعه. طبعاً أنت عندك بطبيعة الحال المعادلة ما هي كل ما تأخر الزمن عن النبي صلى الله عليه وسلم كثرت هذه الفئة، وبالتالي كثرت إمكانية المشكلات التي فيها، واضح الفكرة؟ تعرفوا يعني ايش يطول الزمن فتتغير، يعني مثلاً هذه الفئة مع الزمن تصير هي الأمراء، هم أصحاب سياسة، قادة جيوش، أحياناً هم مكون اجتماعي مهم، أنت لازم تدخلهم في الموازنات، فهمت الفكرة؟ قائد اجتماعي مهم يعني وراه، يعني مثلاً يروى ما تحققت يعني بدقة عن صحته، لكن من آثار مثلاً المشهورة أنه لما رضي الله عنه قال: من قتل عثمان؟ قام 4000 مقنع قالوا نحن قتلناه، مثلاً هو مو هم اللي قتلوه بس هو يعني أنه تعصبوا لمن قتل عثمان وكلهم على رأيه وكذا، أنت أمام كتل اجتماعية قبلية، أمام فئات، أمام ناس، وامتزج معها بعدين الناحية الفكرية التي هي فكر الخوارج وفكر الغلاة، واضح الفكرة؟ فالأمور معقدة. هؤلاء مع كثرة الكلام وكثرة الفتن وكثرة الملاحظات وكثرة الترداد وكثرة توسعت دائرة التأثر بهم حتى تأثر بكلامهم من ليس منهم، ولذلك وهنا أقول لكم وإن كنت لن أذكر هذه الآثار لكن أقول لكم ستجدونها في كتب السير في كتب التراجم ستجدون فئات من الخيار أو خيرة وليست من الفئة الثانية تأثرت بشيء من كلام هذه الفئة وإن كانت لم تتبنَّ موقفهم، واضح الفكرة؟

لكن أنا ذكرت لكم إياها الآن بالإطار العام وبالمعاني الكلية دون أن أذكر المواقف المشكلة، وأرى أن هذا هو المنهج الصحيح في التعامل مع مرحلة وحقبة تاريخية بالقواعد الكبرى التي تكلمنا عنها وبفضل الصحابة ومكانتهم وقدرهم وعظمتهم ومسيرتهم الشريفة، واضح، لكن إذا مر عليك بعض النصوص التي فيها مواقف مشكلة من بعض أهل الفضل أو الخير فهي نتيجة مثل هذه الفتنة التي حصلت وإن كان ليست بتبني مثل هذا الموقف، واضح؟ هذه الفئة الثانية التي تبنت الفتنة وقامت عليها، كثير منهم لم يغيروا مواقفهم حتى بعدما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، حتى بعدما رأوا الفتن التي حصلت في الأمة، حتى بعدما رأوا كل شيء، وهذا يعني مهم جداً لنا اليوم أنه نعرف أنه ترى في بعض الفئات ما راح تتعظ ولا راح تتغير لو إن شاء الله ايش يصير من فتن لأقوالهم ولا لمذاهبهم ولا لطريقتهم في الغلو أو الإشكال، ما يقدر يستوعب فكرة أنه ما شفت ايش ترتب على قولك؟ ما يقدر يستوعبها، ما يستطيع يستوعبها. وأعجب من ذلك أنه في أشياء جاء في القرآن نصاً الجواب عنها وهم إلى الآن معلقون على ما قبل نزول الآية القرآنية، اسمعوا في البخاري الإمام ماذا يقول: حدثنا عبدان قال أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قال: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فكبر، الله أكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ. وأما تغيبه عن بدر فكانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه. لذلك العلماء المؤرخون لما يذكروا من شهد بدراً يذكرون عثمان؛ لأن هو جلس يعالج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي زوجته بالمناسبة ترى، رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر وللتو عثمان نفض يده من دفنها ماتت رضي الله تعالى عنها، ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زوجة عثمان وقت معركة بدر، جيد، فأيش قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. ثم قال له ابن عمر: اذهب بهذا الآن معك يعني بجوابي هذا، يلا روح افرح فيه، روح كمل انتقاداتك. هذا نموذج على فكرة العقلية التي كانت موجودة، تتعامل مع كبار الصحابة بهذا المنطق، وبعضهم كان يعني يستعمل حتى يعني هذا المنطق أحياناً يستعمله في الطريقة الصحيحة فيهتدي، يعني مثلاً وفي قصة صحيح مسلم أنه واحد كان من الخوارج، فقرر أنه يروح هو وأحد يحجوا بعدين يخرجون على الناس، يعني قبل ما يخرج على الناس عسكرياً ويقاتل الناس يختمها بحج أول شيء، فهمت؟ هذا في صحيح مسلم أنه رايحين يحجوا بعدين يخرجوا حلو، يعني استهدوا بالله قبل ما يقاتلوا الناس، بعدين مر على المدينة فوجد شيخاً متكئاً على سارية يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوماً يخرجون من النار بالشفاعة، وهذا مصادم لمذهب الخوارج، ففكر الرجل فقال: أترى هذا الشيخ طبعاً مين هو؟ جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، فقال: أترى هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا ما يكذب، فترك رأي الخوارج. فهمت الفكرة؟ يعني أنه فكر بالطريقة أنه يعني لا والله شيخ كبير ومستند على ما ما يك فهمت؟ فترك رأي الخوارج وهداه الله، الشاهد أنه أنت أمام فئة جديدة مختلفة يعني، أمام فئة جديدة مختلفة، هذه الفئة تخيلوا موجودين الصحابة موجودون، يعني تخيل أنت تجي بزمن تخيل تجي بزمن فيه علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعائشة رضي الله تعالى عنها وإلى آخره، ثم تتخذ موقفاً مفاصل لهم ثم تقاتل، تقاتل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه معه يوم النهروان، ويجتمع مع علي رضي الله عنه حتى بعض من اعتزل من قتال الفتنة ها وينضم إلى علي رضي الله تعالى عنه في قتال القتال الواضح البين لهذه الفئة التي أحدثت هذه المشكلة، واضح؟ فهذا مثال يعني الله أكبر، قال اذهب بها معك الآن.

ولذلك اسمعوا يا جماعة الخير هذا مثال يبين يعني ما بين الفئة الثانية والأولى، وما بين أنه في فئة من الأولى قد تتأثر ولو ببعض الكلام، وما بين شوف موقف الراشدين، قال البخاري: حدثني بشر بن خالد قال أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان قال سمعت أبا وائل قال: قيل لأسامة بن زيد ألا تكلم هذا، أو ألا تكلم هذا الرجل، في رواية اللي هو مين عثمان؟ قال: قد كلمته دون أن أفتح باباً أكون أول من يفتحه، واضح؟ يعني خلاص أنا أكلم وأنا أعرف أكلم عثمان رضي الله عنه، إحنا نتفاهم فيما بيننا، نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبار نعرف أنا أكلمه يعني ايش؟ أنصحه في شيء، أكلمه في شيء دون أن أفتح باباً لا أكون أول من أفتحه. وأيضاً في البخاري جاء رجل ابن عمر فسأل عن عثمان فذكر محاسن عمله، ثم قال له ابن عمر: لعل ذلك يسوءك؟ قال: نعم، قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله، فقال ابن عمر عن علي رضي الله تعالى عنه: قال هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يا أنت اللي جايب من اللي ما جابه أحد، أنت جالس تنتقد واحد شوف بيته وين؟ هذا بيت علي رضي الله عنه وسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وسط، هذا مكانه، شوفوا هذا بيته، ثم قال: لعل ذلك يسوءك؟ قال: أجل، قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فأجهد على جهدك. إذاً هي يعني لا شك أنه حال صعب كان يواجهه.

الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في مثل هذه الحادثة التي آلت في آخر الأمر بعد القصة التي ذكرناها وبعد تدخل الطرف الثالث هذا الذي هو أصلاً كان يعني ينفخ في مثل هذه الأشياء، ومن هنا يعني هل وصلوا إلى حد تنظيم هذه الفئة الثالثة؟ هناك بعض الروايات تدل على وجود تنسيق معين، يعني مثلاً يتكاتب أصحاب الأمصار فيأتون إلى وقت واحد في المدينة، هذه شيء منظم؛ يعني هل هذا المنظم هو عبارة عن توافق بين هذه الفئة الثانية أو هو تدخل من الفئة الثالثة فئة عبد الله بن سبأ وأمثاله؟ كله جائز أن يكون ووارد أن يكون هناك بعض ما يدل على ذلك، واضح.

إذاً آلت الأمور بعد مجموعة من المواقف التي بدأت يمكن أن نقول من الكوفة، مجموعة من الاعتراضات، مجموعة من الإشكالات التي أُثيرت، مجموعة من ترديد الكلام بطريقة معينة، وبالمناسبة حتى موضوع الوليد بن عقبة ترى هو كان عبر ترصد، يعني صارت خلافات بينهم وبين الوليد بن عقبة، قالوا بدأوا يترصدون له، والله كذا، والله شرب الخمر، إلى أن بدأوا يتتبعون بعض الأخطاء ويثيرون عليها إشكالات، وكذلك في مصر، وكذلك في البصرة، وتتابعت هذه الإشكالات وصار فيها نقاشات. بعدين سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه رحمه الله لما ذهب إلى المدينة قصة يوم الجرعة التي تكلمنا عنها سابقاً، لما رجع من عند عثمان أبوا أن يدخلوه إلى الكوفة، أهل الكوفة -مو أهل الكوفة، أهل الفتنة في الكوفة- أبوا أن يدخلوا سعيد بن العاص، واجهوه عند الجرعة، منطقة الجرعة تعتبر يعني ليست بعيدة عن المنطقة التي صار فيها معركة القادسية، وهناك أرجعوه فرجع وعثمان تنازل لهم رضي الله تعالى عنه، يعني إيش تبغون أنتم؟ ليش ما تبغون سعيد بن العاص؟ بالمناسبة سعيد بن العاص هو في اللجنة التي كتبت المصحف في زمن عثمان، اللي هو زيد بن ثابت وسعيد بن العاص ومعهم اثنان تقريباً عبد الله بن الزبير وابن الحارث بن هشام أظن، وأنه إذا اختلفتم أنتم فمع زيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش. سعيد بن العاص هذا من أفصح الناس ومن أشهرهم ومن صاحب إمارة قوية وصاحب فتوحات، فردوه.

طيب ماذا نفعل الآن عثمان رضي الله عنه؟ ردوا أميره في الكوفة، ماذا تريدون؟ قالوا نبغى أبو موسى الأشعري، قال هذا أبو موسى الأشعري، يلا خذوا أبو موسى الأشعري، ولا أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. فهكذا عثمان كان يتعامل معهم رضي الله تعالى عنه، وأبو موسى الأشعري طبعاً كان والياً وأميراً وفاتحاً وعظيماً وعالماً إلى آخره، فهم يعني كانوا يتابعون مثل هذه الأمور ومثل هذه الأحداث في كثير من المواقف. توالت الأمور إلى أن أتوا وتوافقوا أن يصلوا إلى المدينة بعد ما كان كلام من بعيد وقصص كثيرة فيها، توافقوا أن يأتوا إلى المدينة، القصة التي ذكرت لما جاؤوا إلى المدينة تكلموا مع عثمان تشارط عليهم، قال لهم تمام إيش تبغوا؟ اتفقوا على أمور، أنه يعني في بعض الروايات أن المنفي يرجع وأن الأمور تقسم وأن الكذا وإلى آخره، وأن عليكم الطاعة، تشارطوا ورجعوا راضين مثل ما ذكرنا قبل قليل. لما صار الحدث حق الراكب الذي اعترض انقلبت الأمور، أخذوا الموضوع أنه هذا تحريض عليهم بالقتل، حلف لهم بالله أنه لم يفعل، علي رضي الله عنه حلف لهم أنه لم يكتب لهم شيئاً، لم يستجيبوا، هنا ركبهم الشيطان في قضية الفتنة فحاصروا عثمان رضي الله تعالى عنه في داره.

ما حصل الحصار أيضاً ما انتهى الحوار، يعني عثمان رضي الله تعالى عنه كان يقيم الحجة عليهم إلى آخر وقت. في الترمذي قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي وعبيد الله قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن زيد هو ابن أبي أنيس عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما حُصر عثمان أشرف عليهم فوق داره ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا نعم. قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة والناس مجهدون معسرون فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا نعم. ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا اللهم نعم، وأشياء عددها. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.

أيضاً لما خرج عثمان، دار عثمان كبيرة وهي بالمناسبة الدار وين صايرة؟ صايرة من الجهة الشرقية من المسجد النبوي الأمامية، يعني الجهة الشرقية الأمامية، الأمامية كيف يعني؟ يعني خلينا نقول فيما يوازي القبر النبوي أو نحو ذلك من الجهة الشرقية، يعني المخرج من الباب وأنت رايح جهة البقيع، في تلك المناطق القريبة من المسجد النبوي كان الدار واسعة فيها حوش يعني مثل ما نسميه حوش أو فناء، وفي بعدها منطقة اسمها البلاط كأنها كانت مبلطة بالحجارة إلى المسجد النبوي، هذه المنطقة واسعة فهي التي اجتمع فيها المحاصرون البلاط، فعثمان رضي الله تعالى عنه خرج مرة إلى الفناء فسمع الناس في البلاط يتوعدونه بالقتل، فأيضاً خرج وقال لهم: يعني إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وأنا والله ما زنيت لا في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت نفساً ولا ارتدت بعد الإسلام، فيم تقتلونني؟ إلى آخره من محاولة صدهم عن ذلك.

في هذه الأثناء حاول الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مجموعة من الصحابة خاصة من شبابهم أن يقاتلوا مع عثمان رضي الله تعالى عنه ويردوا عنه الناس، كان من أبرزهم ممن ذكرت تواترت الروايات أو خلينا نقول جاءت مجموعة من الروايات وبعضها أصلاً صحيح بذاته مستقلاً عن العاضد في أهميته أو في حرصهم الشديد على القتال في ذلك اليوم: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكذلك الحسين وعبد الله بن الزبير وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه وكذلك مروان بن الحكم، فهؤلاء من أشهر من ذُكرت لهم مواقف، حتى إنه ذكرت رواية -حسنها بعضهم وصححها- أنه أصيب أربعة اللي هم أظن الحسن وعبد الله بن الزبير ونسيت الاثنين يمكن مروان وأبو هريرة أو غيرهم، احتملوا جرحى. لما صارت الأمور في آخر الأمر عثمان رضي الله عنه كان يشدد على الصحابة أن لا يقاتلوا، انصرفوا، انصرفوا، جاء وفد من الأنصار أو ممثل الأنصار قالوا: إن شئت أردنا، إن شئت وأردت أن نكون أنصار الله ورسوله مرتين، يعني نكون أنصار الخليفة كما كنا أنصار رسول الله، فكان يشدد عليهم ويعزم عليهم ألا يقاتلوا، ويعني لعل من أهم الأسباب أنه هو عثمان رضي الله تعالى عنه لا يريد أن يكون أول من يفتح باب الدماء في الاقتتال الداخلي في الأمة، يعني ما يريد أن يكون هو من يفتح الباب؛ لأنه ترى هذا القتال راح ينشأ عليه لا تحسبوه سهل، نعم لو حصل القتال ترى سينتصر الصحابة، لكن ترى الأعداد كبيرة وآتية من مصر ومن العراق ومجتمعة، وأنتم شفتوا العقلية والكلام والتفاهم كيف، "وعدو الله" وما "عدو الله" وجايين يبغوا يقتلوا الناس.

وفي نفس الوقت بالمناسبة يعني كان لهم من قوة سيطرتهم أنهم دخلوا حتى على قضية الإمامة في المسجد، كما ثبت في البخاري، عبيد الله بن عدي بن خيار -قال طبعاً عبيد الله بن عدي بن خيار يصير عثمان خاله- فقال له: إنك إمام عامة ولا يصلي بنا الإمام فتنة فما ترى؟ فقال: إن الصلاة خير ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. وبوب عليه البخاري: باب الصلاة خلف المفتون والمبتدع، فمن هنا أخذ الفائدة أنه ذاك إمام فتنة. لاحظ عبيد الله بن عدي بن خيار هو الذي جاء في المرة الأولى وقال إنه أُحِد على الوليد وكذا وإلى آخره، هذه الفئة الأولى هي فئة صالحة وراشدة تعرف كيف تتعامل معه، ليس من الصحابة عبيد الله بن عدي بن خيار من كبار التابعين لكنه لم يكن مع هذه الفئة الفاتنة، هو الذي يقول إمام فتنة يصلي بنا إمام فتنة فماذا ترى؟ واضح.

فعثمان رضي الله تعالى عنه عزم على الصحابة ألا يشاركوا، وهؤلاء استمروا في غيهم حتى تجرأوا واقتحموا على عثمان رضي الله تعالى عنه بعد أن منعوه أصلاً من الخروج، يعني كان في البداية عثمان وهو محصور يخرج ما كان الحصار أنه ما تخرج حتى، لكن خلاص مسيطرين على الوضع حول الدار إلى أن صار الوضع أنهم حتى لا يسمحون له بالخروج لا إلى المسجد ولا إلى الشرب ولا إلى ذا، كان في بئر في دار عثمان ولكن بئر ليست صافية، كأن الماء فيه ملوحة، وبالمناسبة معروف ترى في المدينة أن كثير من آبارها فيها ملوحة، يعني الآبار العذبة في المدينة ترى ليست كثيرة، قليلة خاصة في المناطق الشمالية، معروف تحفر بئر أكثر ما تسوي فيه أنك تسقي فيه الشجر ما تقدر تشرب منه، ولذلك وردت في بعض الروايات أنه عثمان قال: إنه أشرب من البحر، وبعضاً فسرها بأنه الماء المالح يعني الذي في البئر.

فارتكبوا هذه الجرائم في حق عثمان رضي الله تعالى عنه إلى أن تجرأوا واقتحموا عليه الباب، وكان ناشراً مصحفه، ويروى في الأخبار وفي الروايات المشهورة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم أنه قال له: ستفطر معنا، وأصبح صائماً، ودخلوا عليه الباب حتى قتلوه رضي الله تعالى عنه، وكان قتله يعني حتى الطريقة والآلية والأسلوب واضح أنها في أناس لا مروءة لديهم ولا رادع يخوفهم من الله سبحانه وتعالى، طريقة فيها بشاعة، وضربوه رضي الله تعالى عنه حتى قتلوه. وقال سعيد بن زيد: لو رفض أحد أو انقض أحد هذا الجبل الذي مشرف من ذلك المكان، لو انقض لو انهدم أو لو زال مما صنعتم بعثمان لكان حقيقاً أو حرياً به أن يزول. سالت دماؤه الطاهرة رضي الله تعالى عنه كما سال دم عمر بن الخطاب قريباً منه على بعد أمتار من ذلك الموضع حين كان يصلي بالناس الفجر فاغتاله أبو لؤلؤة المجوسي، وكما سال دم علي بن أبي طالب الخليفة الرابع رضي الله تعالى عنه في العراق وهو خارج إلى صلاة الفجر قتله ذلك الخارجي عبد الرحمن بن ملجم.

وهكذا أنتم ترون أن أئمة الإسلام خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخلفاء الراشدون الأربعة قتل منهم ثلاثة، وهؤلاء الثلاثة عمر وعلي رضي الله عنهم قتلوا فجأة يعني غدرة، وعثمان رضي الله تعالى عنه قتل بعد هذا الحصار، وهذا أصلاً يبين لك شيئاً من أنه في ميزان الله سبحانه وتعالى ترى أولياؤه أولياء الله الصالحون الأئمة الكبار ترى الولاية لا تقتضي عدم القتل، أن هو ما يقتل أو ما يتعرض لفتنة أو يغدر به أو نحو ذلك، هذا عمر رضي الله تعالى عنه قتل وغدر به، هذا عثمان حوصر وقتل، هذا علي بن أبي طالب قتل كذلك رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

فكان هذا القتل جريمة من أخطر الجرائم التي حصلت في تاريخ المسلمين، وفتنة من أعظم الفتن التي ترتب عليها باب شر كبير فُتح ولم يُغلق إلى الآن، إلى الآن تداعيات هذا القتل موجودة ومستمرة، إلى الآن هناك فرق وطوائف ومذاهب وعقائد كلها من تداعيات هذه الفتنة العظيمة التي حصلت وهذه الجريمة الكبيرة التي ارتكبها من باء بإثمها، والله أعلم كم باء بآثام غير ذلك مما وراء ذلك من أمور. وكما قلت لكم لعل عثمان رضي الله تعالى عنه كان يرى أنه لا يكون هو الذي يفتح باب القتل، لا يفتح هذا باب القتل، خلاص يعني هو هذا حصار وهذا كذا إذا صار في قتل ترى حتصير تسيل دماء، وهذه الدماء الله أعلم كم تسيل، وإذا تقاتلوا ترى قد يقتل من خيار الصحابة ومن أفاضلهم ومن إلى آخره، فهو لم يرد أن يفتح هذا الباب، أنتم فتحتموه أنتم تتحملوا نتيجته، ونصحهم، ولذلك يعني هو كمان أراد أن يتثبت في موقفه رضي الله تعالى عنه لما كان يحاور بعض الصحابة ابن عمر: ما رأيك في كذا ما رأيك؟ فكان ابن عمر يقول له: إذا خلعتها -يعني إذا خلعت الخلافة- أنت مخلد فيها؟ قال لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال لا، قال: فهل يملكون لك جنة أو ناراً؟ قال لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصك الله فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه.

ابن سعد أخرج في الطبقات عن أبي ليلى الكندي قال: شهدت عثمان وهو محصور فأطلع من كوة وهو يقول: يا أيها الناس لا تقتلوني واستتيبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تصلون جميعاً أبداً ولا تجاهدون عدواً جميعاً أبداً ولا تختلفون حتى تصيروا هكذا، وشبك بين أصابعه، ثم قال يا.

قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد. وأرسل إلى عبد الله بن سلام: ما ترى؟ قال: الكف الكف؛ فإنه أبلغ لك في الحجة، فإنه أبلغ لك في الحجة أي عند الله سبحانه وتعالى أنك أنت ما ابتدأت قتالا أو قتلا أو كذا.

لما كان هذا الحديث في مسند الإمام أحمد يعني في أمور يعني هو قصير ولكنه في معنى جميل جدا يبين لك مفارقة الحال. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت عبادة بن زاهر أبا رواع قال: سمعت عثمان يخطب فقال: أنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا ويتبع جنائزنا ويغزو معنا ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناسا يعلمونني به عسى أن يكون أحدهم رآه قط. هذا كان من الحال الذي يتكلم به عثمان ويخطب به عثمان ويذكر به عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه ورحمه.

هذا ملخص لتلك الأحداث التي حدثت في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه؛ ذكرنا بداياتها ومقدماتها، وأثر غياب عمر رضي الله تعالى عنه، ما الذي حصل بعد ذلك، وتقسيم الفئات إلى ثلاث: فئة راشدة التي كانت تتعامل مع كل قضية بما يناسبها، والفئة الثانية اللي هي فئة أصحاب الفتنة الذين خرجوا ليس باعتبارات مادية مجردة وإن كان قد يكون لهم تأثير وإنما باعتبارات شرعية على أساس بالنسبة لهم، وهو كانوا هم أصحاب الفتنة ولكنهم لم يرزقوا العلم، لم يرزقوا الفقه في الدين، وكانوا أصحاب الفتنة والشر، وهم الذين جرت معهم الحوارات الكثيرة، وقلنا دائرة تأثيرهم اتسعت حتى ربما تأثر بهم بعض ممن هو من غيرهم وإن لم يتبنَّ موقفهم.

ثم بعد ذلك الفئة الثالثة اللي هي الفئة التي أصلا هي فئة كيد ومكر وتخطيط، ولم يكن دافعها الدافع الشرعي أو دافع النصح، ليس النصح وإنما دافع حتى أنه لغير الله؛ يعني كمنطق الخوارج الذين ضلوا، وإنما كان دافعهم هو الكيد بالإسلام وبالمسلمين وبقضية الخلافة، وعلى رأس هذه الفئة كما قلنا عبد الله بن سبأ. بالمناسبة هذه الفئة ترى يعني كما قلنا صارت طائفة عقدية وصار كذا، وفي البخاري أصل لهذا المذهب العقدي، أصل لذكر هذا المذهب العقدي لا اللي هو أن عليا حرق أناسا من الزنادقة، هذه الروايات الأخرى تدل على أنه هم هذه الفئة، فئة يعني هذه جذورها اللي هم كان عندهم الأقوال التي اخترعها عبد الله بن سبأ أنه يعني عيسى عليه السلام هو الذي يرجع، لا ليس هو الذي يرجع فقط حتى النبي صلى الله عليه وسلم يرجع، بعدين علي بن أبي طالب هو اللي يرجع، ورجعة علي بعد في آخر الزمان وكذا، وبعدين أنه علي هو الوصي، وأنه النبي صلى الله عليه وسلم أوصى له، بعدين هؤلاء لم يراعوا هذه الوصية، هؤلاء خانوا كذا، وإلى آخره إلى أن وصلوا إلى التأليه.

وعلي رضي الله عنه كان يستتيبهم: ارجعوا عن قولكم، ارجعوا عن قولكم، ارجعوا عن قولكم، أنه هو الإله؛ يعني هو يقولون هو خلق السماوات والأرض وإلى آخره، فلم يرجعوا عن قولهم، فحفر لهم الأخاديد وأحرقهم بالنار. في البخاري قال أن عليا أحرق قوما من الزنادقة فقال ابن عباس: لو كنت أنا لم أحرقهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يعذب بالنار إلا رب النار، ولا قتلتهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بدل دينه فاقتلوه. فهذا أصل للسياق العقدي الغالي الذي يمكن أن نجد جذوره في الفئة الثالثة هذه، وقلنا هذه هي الأحداث وهذه طبيعتها، وهذه كذا، وقلنا إن هي باب شر وفتنة عظيمة قد افتتح.

وأكدت على أنني لم أذكر كثيرا من الأمور أو الروايات المشكلة التي هي موجودة، وإن كنت نبهت عليها حتى إذا جاء القارئ يفهمها في إطارها ويفهمها في سياقها، وكما قلت هذه ترى ليست موجودة في الكتب الخاصة بكتب الفتنة، هذه موجودة ترى الروايات تجدونها في كتب التراجم وكتب التاريخ والكتب الكثيرة يعني سواء البداية والنهاية أو غيرها، تجدون كثير من الروايات التي قد تشكل؛ فلذلك الإنسان يفهمها بهذا الإطار الواسع الكلي ثم يدخل إلى كتب عموم التاريخ وكتب الروايات بقدم إن شاء الله راسخة وراشدة. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يحشرنا في زمرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

اللي أختم به أنه يا جماعة الخير هذا الحدث كان انفجارا هائلا، وبسبب هذا الحدث صارت تلك الأحداث اللي هي فعلا فتنة حقيقية ملتبسة، يعني ما نقدر نفهم لا الجمل ولا صفين إلا إذا فهمنا مقدار تأثير مقتل عثمان على نفوس الجميع، على نفوس الجميع يعني حتى اللي كان عندهم بعض الملاحظات كذا غير فئة الفتنة، الجميع تأثر، الجميع وجد أنه هذا شيء مزلزل، وحدث غير المعادلة تماما تماما. والقصة طويلة جدا، لكن كل ما حصل بعد ذلك هو بسبب ضخامة وبشاعة وخطورة ذلك الحدث، هو الباب الذي ترتبت عنه النتائج بشكل مباشر.

ولذلك ترى بعده لما حصلت الجمل وصفين ترى كلها حصلت خلال مدة يسيرة جدا؛ يعني عثمان رضي الله تعالى عنه قتل في 12 ذي الحجة 35، قيل 12 وقيل 18 يعني ذي الحجة، بأواخر الحج 35، صار بعدها الجمل وصار بعدها صفين، صفين بصفر 37، يعني بين مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه وبين صفين سنة وشهرين تقريبا، وما بينهم الجمل، عشان تعرفوا كيف الأحداث تسارعت تسارعا رهيبا بعد انفجار مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فحصلت الفتنة وغشت المنطقة في تلك المرحلة غمامة سوداء، التبست فيها الأمور والتبست فيها الأحوال، ولم يكن نزاعا لا على الملك ولا على الخلافة، ولا ادعى معاوية رضي الله تعالى عنه أنه هو الخليفة الأحق بعلي رضي الله تعالى عنه ولا شيء، القضية كلها كانت تداعيات مقتل عثمان؛ القصاص من القتلة، تسليم القتلة، عدم تسليمهم، البيعة أولا كذا، صارت هذه الفتنة بهذه الطريقة كلها تداعيات لهذه القضية، نتيجة أصلا أنه ما سيأتينا إن شاء الله من تفاصيل وملابسات أنه معاوية رضي الله عنه هو ابن عم عثمان الذي أصلا حمل قضية الانتصار لدمه ومحاسبة القصاص.

فحصلت الملابسات بعد ذلك والتي بطبيعة الحال اعتزلها كثير من الصحابة حين رأوا أن هذه الأمور مختلطة؛ هذا منطق بعدين إن شاء الله نتكلم عن قضية الفتن، أنه ترى الفتن في قدر اسمه الفتن من الله ينزل على الأرض اسمه فتنة، هذا القدر إذا نزل تلتبس الأمور، تختلط الأحوال، ما عاد تعرف الصح من الغلط، أو مو ما عاد يعني يصعب التمييز، هذا قدر من الفتن، لذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر، فو... يعني كمان هذه كلمة يعني غبطة وثناء.

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما هو مشهور في الحديث الفتنة فعظمها فقالوا: يا رسول الله لأن أدركتنا لنهلك؟ قال: كلا، إن بحسبكم القتل، إن بحسبكم القتل. فهذه هي القضية بهذه الطريقة، ثم نعلم كيف كان كيف كانت التربية النبوية التي جعلت صحابيا يمتلك هذه الجيوش ويمتلك هذه الأرض الواسعة أو خلينا نقول يحكم هذه الأرض الواسعة، ثم بعد ذلك يتعامل بكل هذا الرفق واللين والحوار والنقاش ويذكرهم الله بعيدا عن فكرة كل المنطق السياسي أو خلينا نقول منطق الملوك الذي سارت عليه البشرية، منطق مختلف، منطق وبعد آخر يختلف تماما عن تلك الأبعاد، فرحمهم الله ورضي عنهم.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يدخل في قوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. فنحن نختم إن شاء الله في كل مجلس من هذه المجالس بقولنا: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.