باب النهي عن العينة.
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».
قال ابن القيم رحمه الله: وفي الباب حديث أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقدا. فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما شريت، أخبري زيدا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب. هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني، وذكره الشافعي وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وقال: لو لبثت فإنما عابت عليها بيعا إلا العطاء لأنه أجل غير معلوم. ثم قالت: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالا.
قال البيهقي: رواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت إيفعة أنها دخلت على عائشة مع أم محبة. وقال غيره: هذا الحديث حسن، يحتج بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يعلم فيها جرح، والجهالة قد ترتفع عن الراوي بمثل ذلك. ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة، ومن دخل معها على عائشة وقدها زوجها وابنها وهما منهما، فالحديث محفوظ.
وقوله في الحديث المتقدم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا». هو منزل على العينة بعينها قاله شيخنا؛ لأنه بيعان في مبيع واحد، فأوكسهما الثمن الحال، وإن أخذ بأكثره وهو المؤجل أخذ بالربا، فالمعنيان لا تنفكان من أحد الامرين: إما بالأخذ بأوكس الثمنين، أو الربا، وهذا لا يتنزل إلا على العينة.
فصل: قال المحرمون للعينه الدليل على تحريمها من وجوه، أحدها: أن الله تعالى حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، فهنا مقامان: أحدهما بيان كونها وسيلة، والثاني أن الوسيلة إلى الحرام حرام.
فأما الأول فيشهد به النقل والعرف والنية والقصد وحال المتعاقدين. فأما النقل فما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين، فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة. وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين عن ابن عباس أنه قال: اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بينهما حريرة. وفي كتاب محمد النخشبي الحافظ عن ابن عباس أنه سئل عن العينة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله.
وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس أنه سئل عن العينة، يعني بيع الحريرة، فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله. وقول الصحابي: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا في حكم المرفوع اتفاقا بين أهل العلم، إلا خلافا شاذا لا يعتد به ولا يؤبه له.
وشبهة المخالف أنه لعله روى بالمعنى فظن ما ليس بأمر ولا تحريما كذلك، وهذا فاسد جدا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقوها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يظن بأحد منهم أنه يقدم على قوله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرم أو رفض إلا بعد جزمه بذلك ودلالة اللفظ عليه، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية بل دونه، فإن رد قول أمر ونحوه بهذا الاحتمال وجب رد رواياته لاحتمال السهو والغلط، وإن قبلت روايته وجب قبول الآخر.
وأما شهاده العرف بذلك فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعباده من ذلك من قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصد به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال، وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه بل جيء به لمعنى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد؛ لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا.
وأما النية والقصد فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة، وأن القصد الأول مائة بمائة وثلاثين، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله.
ومن المقام الثاني وهي أن الوسيلة عن الحرام حرام فثابت من الكتاب والسنة بالفطرة والمعقول؛ فإن الله سبحانه وتعالى مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة كما تقدم، وقال أيوب السختياني: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل، والرجوع إلى الصحابه في معاني ألفاظ متعين سواء كانت لغوية أو شرعية والخداع حرام.
وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحة باخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا، وإنما قصد حقيقة الربا.
وأيضا فإن الطريقة متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي باباحتها أصلا، وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يتصور أن تباح وتحرم ويحرم ما تفضي إليه، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعا فيتععين الأول.
وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا وجعله من الكبائر وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله بما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يتصور مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بايسر شيء يكون من الحيل، فيا لله العجب، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة؟
وأيضا فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمها مسبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من المتساقط وقت الجذاذ، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمار جملة. ويقال: فالعقوبه إنما كانت على ترك الاستثناء وحده لوجهين، أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب.
الثاني: ما يعرف غالبا أن العقوبة من جنس العمل وترك الاستثناء عقوبته أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان فإنها حرمان كالذنب.
الثاني: أن الله تعالى أخبر عنه أنهم قالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، ورتب العقوبه على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة، وعلى التقديرين يحصل المقصود.
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنيات»، والمتوسل بالبصيرة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله.
وأيضا فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله». عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود».
ارتكبت اليهود فتستحل محارم الله بأدنى الحيل، وأسسناده مما يستحسنه الترمذي، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها». جملوها؛ يعني: أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر وهو الودك، وذلك لا يفيد الحل؛ فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم، وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع، كما لم يزل بتحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجم والإذابة، وهذا واضح بحمد الله.
وأيضاً فإن القوم لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما ينتفعوا بثمنه، فيلزم من وقَفَ مع صور العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها ألا يحرم ذلك؛ لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن، وإنما حرم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلال الثمن وإن لم ينص على تحريمه، دل على أن الواجب النظر إلى المقصود وإن اختلفت المسائل إليه، وأن ذلك يوجب ألا يقصد الانتفاع بالعين ولا ببدلها.
ونظير هذا أن يقال: لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال: لا تزني بهذه المرأة فتعقد عليها عقد إجارة وتقول: إنما أستوفي منافعها، وأمثال ذلك. قالوا: هذا الأصل، قالوا: ولهذا الأصل وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجب الله عليه، أكثر من مائة دليل.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له، مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح، لما كان مقصوده التحليل لا حقيقة النكاح، وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانياً ولم ينظروا إلى صورة العقد.
الدليل الثاني على تحريم العينة: ما رواه أحمد في مسنده قال: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رواح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».
ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعاً حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره، وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر.
فأما الرجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف ألا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر، فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلاً محفوظاً عن ابن عمر؛ فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم.
وله طريق ثالث رواه السري بن سهل قال: حدثنا عبد الله بن رشيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذلاً لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم». وهذا يبين أن للحديث أصلاً محفوظاً.
الثالت: ما يتقدم من حديث أنس أنه سئل عن عجلته فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله، وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع.
الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: هذا مما حرم الله ورسوله.
الخامس: ما رواه الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية، ورواه حرب من حديث إسرائيل قال: حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية -يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق- قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول ما سألتها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وأنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً.
فأقبلت عليها وهي غضبان فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت! أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب.
وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين، رأيت إن لم أخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275]. فلولا أن عند أم المؤمنين علماً لا تستريب فيه أن هذا محرم، لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وأن استحلال الربا كفر، وهذا منه، ولكن زيداً معذور لم يعرف أن هذا محرم، ولهذا قالت: أبلغيه.
ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، فيصور من زرع من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكانه لم يعمل شيئاً، وعلى التقديرين فجزم أم المؤمنين بهذا دل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع من الصحابة لم تطلق عائشة على زيد ذلك؛ فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد، ولو يقال فزيد من الصحابه قد خالفها؛ لأن زيداً لم يقل هذا حلال بل فعله، وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهو أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيراً ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم فساده فإذا نبه له انتبه، ولا سيما أم ولده فإنها دخلت عائشة تستفتيها وطلبت الرجوع إلى رأس المال، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك.
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولد زيد مجهولة؟ قلنا: أم ولده لم ترو الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة. وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصه وتضعها، بل يغلب على الظن غلبة قويه صدقها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها ولم يتهمها، لا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشياً في التابعين ففشو فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرن به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتج به.
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وابن عباس أنهما مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة هذا، والمرسل منهما له ما يوافقه، وقد عمل به من الصحابة والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء.
السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكاسهما أو الربا». وللعلماء في تفسير قوله وجهان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن صفقتين في صفقة؛ قال سماك: الرجل يبيع البيعة فيقول هو على نساء بكذا وبنقد كذا وبنقد بكذا، وهذا التفسير ضعيف؛ لأنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، فإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين.
والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: فله أوكسهما أو الربا؛ فانه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون أوكسهما، ومطابق صفقتين في صفقة؛ فانه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أكس الصدقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد اخذ الربا. فتدبر مطابقه هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم وانطباقه عليها.
ومما يشهد لهذا التفسير ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيعة، فجمعه بين هذين العقدين في النهي؛ لأن كلا منهما يؤول إلى الربا؛ لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العينة حديث ابن مسعود يرفعه: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحل والمحلل له». ومعلوم أن الشهيدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة، الكتابة والشهادة لا يشهد بمجرد الربا ولا يكتبه، ولهذا قارنهم بالمحل والمحلل له؛ حيث أظهرا صورة النكاح ولا نكاح، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع ولا بيع.
وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل، فلعن المعقود له والمعين له على ذلك العقد، ولعن المحل والمحلل له؛ فالمحلل له هو الذي يعقد التحرير لأجله، والمحل هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به في الصلوات. والله وسلانة على من أوتي جوامع الكلم.
السابع: ما صح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا باس، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فالأخير فيه ربا، وتلك ورق بوارق، رواه سعيد وغيره. ومن كلامه: أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنساء كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة، وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا باس؛ فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا.
الثامن: ما رواه ابن وط عن العزع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي علىناس زمان يستحلون الربا بالبيع»، وهذا وإن كان مسن فهو صالح للاعتراض به، ولا سيما وقد تقدم المرفوع مما يؤكده، ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «يشربن الناس من أمة الخمر يسمونها بغير اسمها»، وقوله أيضا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير». والحر بكسر الحاء وتخفيف الراء هو الفرج، فهذا إخبار عن استحلال المحارم ولكنه بتغيير أسمائها وإظهار صور تجعل وسيلة لاستحلالها وهي الربا والخمر والزنا، فيسمى كل منها بغير اسمها ويشبه الاسم الذي سمي به وقد وقعت الثلاثة.
وفي قول عائشة: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت دليل على بطلان العقدين معا، وهذا هو الصحيح من المذهب؛ لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب: إن العقد الأول صحيح لأنه تم بأركانه وشروطه، فيطريان الثاني عليه لا يبطله، وهذا ضعيف؛ لأنه لم يكن مقصودا لذاته إنما جعلوه وسيلة للربا، فهو طريق إلى محرم فكيف يحكم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.
فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها أكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة للربا فهو كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في الذمة دراهم، وفي الصورتين قد ترتب في الذمة دراهم مؤجله بأقل منها نقدا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما.
قال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة بل وقع اتفاقا، وفرق بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز، والثاني أن التوسل للربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان؛ فأما الأول فليس في النص ما يدل على اختصاص العينه بالصورة الأولى حتى تتقيد به، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة، والعينة فعلة من العين وهو النقد. قال الشاعر: ألنا دان أم نعتان أم ينبري لنا فتى.
هو الآن يتكلم عن دلالتها اللفظية العينة لماذا سميت عينة. نعم: ألنا دان أم نعتان أم ينبري لنا فتى مثل نصل السيف ميزه مضاربة؟ قال الجزاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي يحتاج إليه وليست به إلى السلعة حاجة. الفرق الثاني فكذلك؛ لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو أعتبر فيه الفرق بين الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه.
فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عينة؟ قيل: هذه مسألة التورق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العين وأطلق عليها اسمها، واختلف السلف في كراهيتها؛ فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها وكان يقول: التورق أخي الربا، ورخص فيها إياس بن معاويه، وإن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهه في إحداهما بأنه بيع مضطر. وقد روى أبو داود عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر، وفي المسند عن علي: يأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضطر، وذكر الحديث.
فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر بالقرض، فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهو التورق، مقصوده في الموضعين الثمن فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل ثمن حال أنقص منه، ولا معنى لربا إلا هذا، ولكنه ربا بسلم لم يحصل له صعوده إلا بمشقة، ولو لم يصعده كان ربا بسهوله.
وللعينة صورة رابعة وهي أخف صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، ونص أحمد على كراهة ذلك فقال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بتنسيئة، وإن باع بنسيئة فقط فلا باس. وقال أيضا: أكره للرجل لأن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا؛ فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبا، وعلله شيخنا رضي الله عنه بأنه يدخل في بيع المضطر؛ لأن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون تعذر النقد، فاذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة.
والحاجة وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجراً من التجار وللعينة صورة خامسة ويقع صوارها وأشدها تحريماً، وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع فيشتريه منه المحتاج ثم يبيعه للمربي بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن مؤجل وهو ما اتفقا عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئاً، وهذه تسمى الثلاثية لأنها بين الثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثنائية، وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محللاً يزعمَان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا وهو كمحلل النكاح، فهذا محلل الربا وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية، فليعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
باب وضع الجائحة. عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار متاعها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا عليه»، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك». وخرجه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بعت من أخيك ثمراً فاصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟». وخرجه مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: حديث مسلم في الجائحة من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر وهذا صحيح، والشافعي، و حديث سفيان عن حميد بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين وأمر بوضع الجوائح، قال: سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيراً في طول مجالستي له لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته، لا يذكر فيه أمر بوضع الجوائح لا يزيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين، ثم زاد بعد ذلك وأمر بوضع الجوائح. قال سفيان: وكان حميد بن قيس يذكر بعد بيع السنين كلاماً قبل وضع الجوائح إلا أني لا أدري كيف كان الكلام. وفي الحديث أمر بوضع الجوائح.
وفي الباب حديث عمرة عن عائشة: ابتع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام عليه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه فحلف ألا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تألى ألا يفعل خيراً»، فسمع بذلك رب المال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هو له. وعلله الشافعي بإرسال، وقد وصله يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة، وسنده حارثة عن أبي الرجال عن أبيه، وليس بصريح في وضع الجائحة، وقد تأوله من لا يرى وضع الجائحة بتأويلات باطلة: أحدها أنه جياح ما يجتاح الناس في الأراضي الخارجية التي خرجها المسلمون فيوضع ذلك الخراج عنهم، فأما في الأشياء المبيعات فلا، وهذا كلام في غاية البطلان لفظ الحديث لا يحتمل.
ووجه قال بهقي: ولا يصح حمل الحديث عليه لأنه لم يكن يومئذ على أراضي المسلمين خراج. ومنها أنهم حملوه على أصابة الجائحة قبل القبض، وهو تأويل باطل لأنه خص بهذا الحكم الثمار وعم به الأحوال ولم يقيده بقبض ولا عدمه. ومنها أنهم حملوه على معنى حديث انس: أرأيت إن منع الله الثمرة فبما يأخذ أحدكم مال أخيه؟ وهذا في بيعها قبل بدو صلاحها، وهذا أيضاً تأويل باطل وسياق الحديث يبطله فانه حلل باصابة الجائحة لا بغير ذلك.
باب السلف في شيء ثم يحول إلى غيره. عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره». واخرجه ابن ماجه، وعطية بن سعد لا يحتج بحديثه. قال ابن قيم: اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث هو جواز اخذ غير المسلم فيه عوضاً، ولمسألة صورتان: إحداهما أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه. الصورة الثانية أن فسخ العقد بإقالة أو غيرها فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟
فمسألة الأولى: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في مشهور عنه أنه لا يجوز قبل قبضه لا لمن هو في ذمته ولا لغيره، وحكى بعض أصحاب أن ذلك إجماع وليس بإجماع. فمذهب مالك من جوازه، وقد نص عليه أحمد في غير موضع، وجوز أن يأخذ عوضه عرضاً بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض ولا يربح فيه، طحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط كما قال مستوعب. ومن أسلم في شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين، والأخرى أن يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب كالشعير ونحوه بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها، نص عليه في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كر حنطة فأخذت شعيراً فلا باس، وهو دون حقك فلا تأخذ مكان الشعير حنطة.
وطائفة ثالثة من أصحابنا جعلت المسألة رواية واحدة وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنه منسحط صاحب المغني. وطائفة رابعة من أصحابنا حكوا رواية مطلقة بالوكيل والموزون وغيرك وصو أحمد تدل على صحة هذه الطريقة، وهي طريقة أبي حفص العكبري وغيره. قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في مجموعة: فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مما هو دونه في الجودة جاز، وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يزن كيف شاء.
ونقل ابن القاسم عن أحمد: قلت لأبي عبد الله إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم، إذا كان دون الشيء الذي له كانما أسلم في قفيز حنطة موصلي فقال: ياخذ مكانه ثلثي أو قفيز شعير بكليله. وحديث يزداد، وإن كان فوقه فلا يأخذ. وذكر حديث ابن عباس رواه طاوس عنه: إذا أسلمت في شيء فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت إليه فخذ عوضاً بأنقص منه ولا تربح مرتين.
وإن قال أحمد بن أصرم: سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل فإذا حل الأجل يشتري منه عقاراً أو داراً؟ فقال: نعم يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن. وقال حرب: سالت أحمد فقلت: رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر فلما حل الأجل لم يكن عنده بر؟ فقال: قوم الشعير بالدراهم فخذ من الشعير، فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص. قلت: إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال: نعم.
إذا عرف هذا فاحتج المانعون بوجوه: أحدها الحديث، والثاني نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، والثالث نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن وهذا غير مضمون عليه لأنه في ذمة المسلم إليه، والرابع أن هذا المبيع مضموناً له على المسلم اليه ولو جوزنا بيعه صار مضمونا عليه المشتري فيتوالى في المبيع ضمانان، والخامس أن هذا إجماع كما يتقدم هذا جملة نحتاج به. قال المجوزون: الصواب جواز هذا العقد، والكلام معكم في مقامين: أحدهما في الاستدلال على جوازه، والثاني في الجواب عما استدللتم به. فأاما الأول فنقول: قال ابن منذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال إذا أسلفت في شيء إلى أجل فإن
أخذت ما أسلفْت فيه وإلا فخذ عرضاً أنقص منه، ولا تربح مرتين، رواه سعيد. فهذا قول صحابي وهو حجة ما لم يخالف.
قالوا وأيضاً فلو امتنعت المعارضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعاً لم يتصل به القبض. وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع الدراهم وآخذ الدنانير. فقال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومه ما لم تتفرقا وبينكما شيء». فهذا من الثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه بجنس آخر، فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم وغيره؟
قالوا: قد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره، وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية عنه. والذين منعوا بيعه لمن هو في ذمته قاسوها على السلم، وقالوا: لأنه دين فلا يجوز بيعه كدين السلم.
وهذا ضعيف من وجهين؛ أحدهما أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه، والثاني أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه، فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يجوز بيعه من غير المستسلف. والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بمفرق مؤثر وقياس التسوية بينهما.
المقام الثاني فقالوا: أما الحديث فالجواب عنه من وجهين؛ أحدهما ضعفه كما تقدم، والثاني المراد به ألا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر، أو يبيعه بمعين مؤجل؛ لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين وهو منهي عنه. ثم بيعه بعرض حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر، فالذي نهى عنه من ذلك هو من جنس ما نهى عنه من بيع الكالئ بالكالئ، والذي يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته من غير ربح.
وما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في الطعام المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن، فانه لا يجوز بيعه قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له.
هل يقاس بالبيع الذي يضمن شغل الذمة؟ فإنه إذا أخذ عن دين السلم عرضاً أو غيره أسقط ما في ذمته فكان كالمستوفي دينه؛ لأن بدله يقوم مقامه ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بحال. والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهنا لم يملك شيئاً بل سقط الدين من ذمته، ولهذا لوفاء ما في ذمته ولم يقل إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه بخلاف ما لو باعه بدراهم معينه بمثلها فإنه بيع.
ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعاً، وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعاً، فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعاً بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة، ولو حلف ليقضينه حقه غداً فأعطاه عنه عرضاً بر في صحة الوجهين.
وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير بائعه، وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان. وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اضطرد المنع في البائع وغيره، وإن كانت عدم تمام الاستهلاء وأن البائع لم تنقطع علقته من المبيع بحيث ينقطع طمعه في الفسخ ولا يتمكن من الامتناع بالقبض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، لم يضطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العله في حقه، وهذه التي تظهر، وتوالي الضمانين ليست بعلة مؤثرة، ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمومة له من وجه وعليه من وجه آخر.
فهي مضمونة له وعليه باعتبارين، ونظير ذلك كمنافع الإجار فان المستأجر له أن يؤجر ما استأجره فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر وإن أصابتها جائحة راجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة.
وأيضاً فإن بيعه من بائعه شبيه بالإقالة وهي جائزة قبل القبض على الصحيح. وأيضاً فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين، فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان. فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقاً بخلاف الإقالة في الأعيان.
وما يوضح ذلك أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه واحتج عليه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه وقال: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام. ومع هذا فثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه، ولم يفرق بين الطعام وغيره ولا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته، فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض بل يسقط عنه ما في ذمته فتبرا ذمته وبراءة الذمم مطلوب في نظر الشرع لما في شغلها من المفسدة، فكيف يصح قياس هذا على بيع شيء طيب مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعده ولم تنقطع علقة بائعه عنه؟
وأيضاً فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز، فأي فائدة في اخذه منه ثم إعادته؟ وهل ذلك إلا لمجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة؟ ومن هنا يعرف فضل علم الصحابه وفقهم على كل من بعدهم.
قال استدلالكم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن فنحن نقول بموجبه وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس: خذ عرضاً بأنقص منه ولا تربح مرتين. فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: «لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها».
فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل القرض وغيره من الديون أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيه فيما لم يضمن، وكذلك قال مالك: يعتاض بسعر يومه كما قال ابن عباس، لكن مالك يستثني الطعام خاصة لأنه من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز بخلاف غيره.
وأما أحمد فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه، وبين أن يعتاض بمكيل أو موزون، فإن كان بعرض أو نحوه جوزه بسعر يومه كما قال ابن عباس ومالك، وإن اعتاض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون فانه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بمكيل وغير تقابض، إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين، ولكنه جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه كالشعير مكان الحنطة نظراً منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما يستوفى الجيد عن الرديء، ففي الرديء جوز المعاوضة إذ لا يشترط هناك تقابض، وفي المكيل والموزون منع المعاوضة لأجل التقابض، وجوز اخذ قدر حقه دونه استيفاء، وهذا من دقيق فقهه رضي الله عنه.
قالوا وأما قولكم إن هذا الدين مضمون له.
فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين، فهو دين بطل على وجهين؛ أحدهما: لا توالي ضمانين هنا. أصلاً؛ فإن الدين كان مضموناً له في ذمة المسلم إليه، فإذا باعه إياه لم يصر مضموناً عليه بحال، لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه، فمن أي وجه يصير مضموناً على البائع؟ فلو باعه لغيره لكان مضموناً له على المسلم إليه، مبذولاً عليه للمشتري، وحينئذ فيتوالى ضمانان. الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين وليس بوصف مستلزم لمفسدتين يحرم العقد لأجلها، وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟ وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من أوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له، وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جوز معاوضة عن ثمن المبيع في الذمة، ولا فرق بينه وبين دين السلم.
قالوا: وأيضاً فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري، فاذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر، فلا محذور في ذلك، وشاهده المنافع والإجارة والثمار قبل القطف؛ فانه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة، ومع هذا فيجوز التصرف فيها، ولو تلفت لصارت مضمونة عليه هي بالثمن الذي أخذه كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.
قالوا: وأما قولكم إن المنع منه إجماع، فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس؟ فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم، الواجب عند التنازع الرد إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما المسألة الثانية: وهي إذا انفسخ العقد بإقالة وغيرها، فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضاً من غير جنسه؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء، وهذا اختيار الشريف أبي جعفر وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: يجوز أخذ العوض عنه، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره، وأيضاً فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد فجاز أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع، وأيضاً في حديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز.
احتج المانعون بقوله: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، وقالوا: إنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم، فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمسلم فيه.
قال المجوزون: أما استدلالكم بالحديث فقد تقدم ضعفه، ولو صح لم يتناول محل النزاع؛ لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟ وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه فالكلام فيه أيضاً، وقد تقدم أنه لا نص يقتضي المنع منه ولا إجماع ولا قياس، ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحاً، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد، فكيف يلحق أحدهما بالآخر؟ فثبت أنه لا نص للمنع ولا إجماع ولا قياس.
فإذا عرف هذا، فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون؛ لا يجوز أن تجعل سلما في شيء آخر من وجهين؛ أحدهما: أنه بيع دين بدين. والثاني: أنه من ضمان المسلم إليه، فإذا جعله سلماً في شيء آخر ربح فيه ذلك، ربح ما لم يضمن، ويجوز فيه ما لا يجوز في دين القرض وأثمان المبيعات إذا فسخ. فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر، وجب قبض العوض في المجلس لأنه صرف بسعر يومه؛ لأنه غير مضمون عليه، وإن عوض عن المكيل بمكيل أو عن الموزون بموزون من غير جنسه كقطن بحرير أو كتان، وجب قبض عوضه في مجلس التعويض، وإن بيع بغير مكيل أو موزون كالعقار والحيوان فهل يشترط قبضه في مجلس التعويض؟ وجهان؛ أصحّهما: لا يشترط، ونصوص أحمد، والثاني: يشترط، والقولان أن تأخير قبض العوض شيء يشبه بيع الدين بالدين فيمنع منه.
وماخذ الجواز وهو الصحيح أن النساء بين ما لا يجمعهما علة الربا كالحديد والحيوان جائز، لاتفام على جواز سلم النقدين في ذلك والله أعلم.
وتُنظر هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلاً بثمن مؤجل فحل الأجل، فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلاً آخر من غير الجنس مما يمتنع الربا النساء بينهما، فللعلماء في ذلك قولان؛ أحدهما: المنع، وهو مأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق. والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر، وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا، والأول اختيار عامة الأصحاب، والصحيح الجواز لما تقدم.
قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين فقلت له: إنى أجذ نخلي وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيقدمون بالحنطة وقد تحلل الأجل، فيقفون بالسوق فأبتاع منهم أقاصهم. قال: ذلك إذا لم يكن منك على رأي، يعني لم يكن حيلة مقصوده، فهذا شراء الطعام والدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول فصح؛ لأنه لا يتضمن ربا نسيئة ولا تفاضلاً، والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم ويسلمها إليه ثم يأخذها منه وفاء، أو يشتريه منه بدراهم في ذمته ثم يقاصه بها، ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة والله أعلم.
باب في بيع الطعام قبل أن يستوفى؛ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وعنه أنه قال: كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه جزافاً، وأخرجه مسلم والنسائي.
وعنه قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يبيعوه حتى ينقلوه وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه وأخرجه النسائي.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله». وفي رواية: قلت لابن عباس لما قال: ألا ترى أنهم يبتاعون بالذهب والطعام يتبايعون؟ ألا جزاكم خير، ألا ترى أنهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجاً؟ وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشترى أحدكم طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه». وفي رواية: يستوفيه. وفي رواية وقال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثل الطعام. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
وعن ابن عمر قال: رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جزافاً أن يبيعوه حتى يبلغه إلى رحله. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
وعنه قال: ابتعت زيتاً في السوق فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن آخذ بيديه، فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفتت فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى البيهقي في سننه من حديث شيبان وهمام وأبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله، إنّي أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: «يا ابن أخي، لا تبع شيئاً حتى تقبضه». وفي لفظ حديث أبان: «إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه». وهذا إناد على شرطهما ما سوى عبد الله بن عصمة وقد وثقه ابن حبان واحتج به النسائي.
وروى النسائي من حديث عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم قال: قال حكيم بن حزام: ابتعت طعاماً من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «لا تبعه حتى تقبضه». وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يبيع الرجل طعاماً حتى يستوفيه. وفيه من حديث أبي هريرة يرفعه: «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله».
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعاماً فليس له بيعه حتى يقبضه، وحكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعاً. وأما ما حكي عن عثمان البتي من جوازه فإن صح فلم يعتد به.
فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة: أحدها أنه يجوز بيعه قبل قبضه مكيلًا كان أو موزوناً، وهذا مشهور مذهب مالك واختاره أبو ثور وابن المنذر. والثاني أنه يجوز بيع الدور الأرض قبل قبضها وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف. والثالث ما كان مكيلًا أو موزوناً فلا يصح بيعه قبل القبض سواء أكان مطعوماً أم لم يكن، وهذا يروى عن عثمان رضي الله عنه، وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإحساَق، وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل. والرابع أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه، وهذا مذهب ابن عباس والشافعي ومحمد بن الحسن وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره.
وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق: أحدها أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن كرطل من زبرة أو قفيز من صبرة، وهذه طريقة القاضي وصاحب المحرر وغيرهما، وعلى هذا فمنعوا بيع ما تعلق به حق توفية وإن لم يكن مكيلًا ولا موزوناً كمن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع أو قطيعاً كل شاة بدرهم.
والطريقة الثانية أن المراد ما كان مكيل الجنس وموزونه وإن اشتراه جزافاً كالصبرة وزبرة الحديد ونحوهما.
والطريقة الثالثة أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب، نص عليه في رواية مهنى فقال: كل شيء يباع قبل قبضه إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب، فصار في مذهبه أربع روايات: أحداها أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية. الثانية أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم. الثالثة أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوماً كان أو غيره. الرابعة أنه عام في كل مبيع.
والصحيح هو هذه الرواية لوجوه: أحدها حديث حكيم بن حزام: قلت يا رسول الله، إنّي أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: «يا ابن أخي، لا تبع شيئاً حتى تقبضه»، وقد ذكرنا الكلام عليه. الثاني ما ذكره أبو داود في الباب من حديث زيد بن ثابت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع، وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة الصدوق وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب.
فإن قيل: الاحاديث كلها مقيده بالطعام سوى هذين الحديثين فانهما مطلقان أو عامان، وعلى التقدير فنقيدهما بأحاديث الطعام أو نخصهما بمفهومهما جمعاً بين الأدلة وإلا لزم إلغاء وصف الحكم وقد علق به الحكم.
قيل عن هذا جوابان: أحدهما أن ثبوت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس نظير كما صح عن ابن عباس أنه قال: ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام. أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها فغير الطعام بطريق أولى، وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه.
الجواب الثاني أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجة، فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقاً والقياس المذكور؟ حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلاً على المنع، والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين: أحدهما قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمين طريقان أحدهما أنه قياس تسويه والثاني أنه قياس أولوية.
بالغاء الفارق فانه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجوداً ولا عدماً، فافتراق المجلس فيها عدم التأثير. يوضحه أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودة بعينها في غيره كما سيأتي بيانه.
قال المخصصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو العلة، لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير، فكيف يكون المنع عاماً فيعلقه الشارع بالخاص؟
قال المعممون: لا تنافي بين الأمرين، فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فيثبت التعارض، ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به، إما لحاجة المخاطب، وأما لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فخرج ذكر الطعام مخرج الغالب فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجارتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به. ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملاً، فقد تعارض الاحتمالان والأحاديث العامة لا معارض لها، فتعين القول بموجبها.
قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فانه قد ثبت بالسنة جواز التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه.
قال المعممون: الجواب من وجهين؛ أحدهما الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتععيّن من وجوه ثلاثة؛ أحدها أن الثمن ثمن مستقر في الذمه لا يتصور تلفه والمبيع ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معيناً لكان بمنزلة المبيع المتععيّن. الثاني أن بيع الثمن ها هنا إنما هو ممن هو في ذمته ليس بيعا لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يجز في أحد قولي الشافعي وهو الذي رجحه الرافعي وغيره من الأصحاب. والثالث أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ الثلاثة إما عدم استقرار المبيع وكونه عرضة للتلف وانفساخ العقد وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة، وإما أن عهدة البائع لم تنقطع عن المبيع وهذه العلة أيضاً منتفية ها هنا، وإما أنه عرضة للربح وهو مضمون على البائع فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن وهذه العلة أيضاً منتفية في الثمن، فانه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه كما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يربح فيما لم يضمن، ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السلع، لأنه إنما اشتراه للربح فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة، بخلاف الأثمان فإنها لم توضع للربح وإنما وضعت رؤوسا للأموال لا مورداً للكسب والتجارة.
قال المخصصون: قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض وهو تصرف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟
قال المعممون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره، حتى أدخل الشقص الذي للشريك في ملك المعتق قهراً وأعتقه عليه قهراً، وحتى أعتق عليه ما لم يعتقه لقوته ونفوذه، فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به.
قال المخصصون: قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه في صور إحداها بيع الميراث قبل قبض الوارث له. الثانية إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه. الثالثة إذا عزل سهمه من الغنيمة فباعه قبل أن يقبضه. الرابعة ما ملكه بالوصية فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض. الخامسة غلة ما وقف عليه له أن يبيعها قبل أن يقبضها. السادسة الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد فله أن يبيعه قبل القبض. السابعة إذا أثبت صيداً ثم باعه قبل القبض جاز. الثامنة الاستبدال بالدين من غير جنسه هو بيع قبل القبض، نص الشافعي على الميراث والرزق يخرجه السلطان وخرج الباقي على نصه. التاسعة بيع المهر قبل قبضه جائز، وقد نص أحمد على جواز هبة المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه. العاشرة إذا خالعها على عوض جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب وغيره وقال أبو البركات في المحرر: هو كالبيع -يعني في عدم جواز التصرف فيه قبل القبض-. الحادية عشرة إذا أهلكه على مال جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب. الثانية عشرة إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه، وكذلك إذا أتلف له مالاً وأخرج عوضه، ومنع صاحب المحرر من ذلك كله وألحقه بالمبيع.
قال المعممون: الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل قبضه أن الملك فيه غير مستقر فلم يسلط على التصرف في ملك مزلزل، بخلاف هذه الصور فإن الملك فيها مستقر غير معرض للزوال. على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها بل مختلف فيها كما ذكرناه، وفيها طريقان لأصحاب أحمد؛ أحدهما طريقة صاحب المستوعب، وهي أن كل عقد ملك به العوض، فإن كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه كالاجارة والصلح عن المبيع، فحكمه في جواز التصرف فيه حكم العوض المتععيّن بعقد البيع، وإن كان العقد لا ينتقض بهلاك العوض المتععيّن كالمهر وعوض الخلع والعتق والصلح عن دم العمد، فحكمه حكم المملوك بعقد المبيع. وما ملك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة فالتصرف فيه جائز قبل قبضه.
قال المخصصون: قد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنت على بكر أصعب لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره ويقول لي امسكه لا يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعنيه يا عمر». فقال: هو لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «بعنيه يا عمر». فقال: هو لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «بعنيه». فباعه منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبد الله فاصنع به ما شئت». فهذا تصرف في المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه.
قال المعممون: لا ريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالمعاوضة، ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف، فمن أصحابنا من يجوزه ويفرق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة، ويلحق الهبة بالعتق ويقول: هي إخراج عن ملكه لا يتوالى فيه ضمانان، ولا يكون التصرف بها عرضة لربح ما لم يضمن، بخلاف البيع. ومن أصحابنا من منعها وقال: العلة المانعة من بيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين
تصرف، فتصرف، فإن صح، فإن صح الفرق بطل النقد، وإن بطل الفرق سوينا بين التصرفات.
وعلى هذا، فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض؛ إذ قبض ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه، مع تميزه وتعيينه، وهذا كاف في القبض.
وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان: إحداهما: ضعف الملك؛ لأنه لو تلف انفسخ البيع. والثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين؛ فإنا لو صححناه لكان مضمونا للمشتري الأول على البائع الأول، وللمشتري الثاني على البائع الثاني، فكيف يكون الشيء الواحد مضمونا لشخص، مضمونا عليه؟
وهذان التعليلان غير مرضيين. أما الأول: فيقال: ما تعنون بضعف الملك؟ إن عنيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمرا آخر، فإن عنيتم الأول فلم قلتم إنه مانع من صحة البيع؟ ولا ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ وبين عدم الصحة شرعا أو عقلا. وإن عنيتم ضعف الملك أمرا آخر، فعليكم بيانه لننظر فيه.
وأما التعليل الثاني فكذلك أيضا، فلا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم؛ فإن كون الشيء مضمونا على الشخص بجهه، ومضمونا له بجهه أخرى، غير ممتنع شرعا ولا عقلا. ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وانتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونه له على المؤجر، وهي مضمونه عليه للمستأجر الثاني؟
وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها، فهي مضمونه على البائع إذا احتجبت إلى سقي اتفاقا، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونه عليه عند أحمد ومالك، ومع ذلك فله أن يبيعها على رؤوس الشجر وتصير مضمونه عليه.
ولهذا لما رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال: لا حاجة إلى ذلك، والمعتمد في بطلان البيع إنما هو الأخبار. فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه ويجعله من ضمان البائع مطلقا، وهي رواية عن أحمد. وأبو حنيفة كذلك إلا في العقار. وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه، فيقولان: ما تمكن المشتري من قبضه، وهو المتعين بالعقد، فهو من ضمان المشتري، ومالك يجوز التصرف فيه، وأحمد يقولان: الممكن من القبض جار مجرى القبض على تفصيل في ذلك.
وظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكن من القبض لا نفسه، وكذلك ظاهر مذهبه أن جواز التصرف فيه ليس ملازما للضمان ولا مبنيا عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم، فانه يجوز التصرف حيث يكون من ضمان البائع كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضا كما في الصبرة المعينة.
وقد نص الخرقي على هذا فقال في المختصر: وإذا وقع البيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه فهو من مال البائع. ثم قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه. ثم قال: ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها. فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقا، ومع هذا لا يبيعها حتى ينقلها، وهذا منصوص أحمد.
فالمأخذ الصحيح في المسألة أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه؛ فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، فيغره الربح، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا. فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وتنقطع علاقة البائع، وينفطم عنه، فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض، وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى أن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك ويقصده لما في ظنه من المصلحة وسد باب المفسدة. وهذه العلة أقوى من تينك العلتين.
وعلى هذا، فإذا باعه من بائعه قبل قبضه جاز على الصحيح لانتفاء هذه العلة. ومن علل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العله؛ فبيعه من بائعه يشبه الإقالة، والصحيح من القولين جواز الإقالة قبل القبض وإن قلنا هي بيع. وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع والمصارفة عليه قبل قبضه؛ فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد لا مع غيره.
باب في الرجل يبيع ما ليس عنده.
عن عمرو بن شعيب قال حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك». واخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح، ويشبه أن يكون صححه لتصريحه فيه بذكر عبد الله بن عمرو، ويكون مذهب ثبته فيه الامتناع من الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب إنما هو الشك في إسناده لجواز أن يكون الضمير عائدا على محمد بن عبد الله بن عمر، فإذا صرح بذكر عبد الله بن عمر انتفى ذلك، هذا كلام المنذر.
قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام. الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث أن الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام، فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يحرما؟ فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق في من اشترى ثوبا واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاما واشترط طحنه وحمله، إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط الشرطين فالبيع بيع باطل، وبهذا فسره القاضي أبو يعلى وغيره.
وعن أحمد في تفسيره رواية ثانيه حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها على ألا يبيعها من أحد ولا يطأها، ففسره بالشرطين الفاسدين. وعنه رواية ثالثة حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجي عنه، وهو أن يقول: إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن، وإن تخدمني سنة، ومضمون هذه الرواية أن الشرطين يتعلقان بالبائع، فيبقى له فيها علقتان، علقة قبل التسليم وهي الخدمة، وعلقه بعد البيع وهو كونه أحق بها.
فأما اشتراط الخدمة فيصح، وهو استثناء منفعة المبيع مدة كاستثناء ركوب الدابة ونحوه. وأما شرط كونه أحق بها بالثمن فقال في رواية المروذي: هو في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شرطان في بيع»، يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه وأن يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع. وروى عنه إسماعيل بن سعيد جواز هذا البيع، وتأوله بعض أصحابنا على جوازه مع فساد الشرط، وحمل رواية المروذي على فساد الشرط وحده، وهو تأويل بعيد.
ونص أحمد يأباه؛ قال إسماعيل بن سعيد: ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنه قال: ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطت لها أي
وشرطت لها إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعته به. فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تقربها، لا تقربها ولا حد فيها شرط. فقال أحمد: البيع جائز ولا تقربها، لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة. ولم يقل عمر في ذلك: البيع فاسد. فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه قال لا تقربها، ولو كان الشرط فاسداً لم يمنع من قربانها.
الثاني: أنه علل ذلك الشرط، فدل على أن المانع من القربان هو الشرط، وأن وطئها يتضمن إبطال ذلك الشرط، لأنها قد تحمل فيمتنع عودها إليه.
الثالث: أنه قال: كان فيها شرط واحد للمرأة. فذكره وحده الشرط يدل على أنه صحيح عنده، لأن النهي إنما هو عن الشرطين.
وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة أن البيع جائز والشرط صحيح. ولهذا حمل القاضي منعه من الوطء على الكراهة، لأنه لا معنى لتحريمه عنده مع فساد الشرط. وحمله ابن عقيل على الشبهة للاختلاف في صحة هذا العقد. وقال القاضي في المجرد: ظاهر كلام أحمد أنه متى شُرط في العقد شرطان بطل، سواء كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته؛ أخذاً بظاهر الحديث وعملاً بعمومه. وأما أصحاب الشافعي وأبي حنيفة فلم يفرقوا بين الشرط والشرطين، وقالوا: يبطل البيع بالشرط الواحد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط. وأما الشروط الصحيحة فلا تؤثر في العقد وإن كثرت. وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين ورأوا أنه لا أثر له أصلاً.
وكل هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الحديث وغير مراده منه. فأما القول الأول، وهو أن يشترط حمل الحطب وتكسيره وخياطة الثوب وقصارته ونحو ذلك، فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع في المبيع إن كان فاسداً فسد الشرط والشرطان، وإن كان صحيحاً فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع؟ لاسيما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد جمع بيعاً وإجارة، وهما معلمان -وهما معلومان- لم يتضمنا غرراً فكانا صحيحين. وإذا كان كذلك فما الموجب لفساد الإجارة على منفعتين وصحتها على منفعة؟ وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حمله، أو حمله ونقله وتكسيره؟
وأما التفسير الثاني، وهو الشرطان الفاسدان، فأضعف وأضعف، لأن الشرط الواحد الفاسد منهي عنه، فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمن زيادة في اللفظ وإيهاماً بجواز الواحد، وهذا ممتنع على الشارع مثله، لأنه زيادة مخلة بالمعنى.
وأما التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وأن ذلك يتضمن شرطين: أن لا يبييعها لغيره، وأن يبيعه إياها بالثمن، فكذلك أيضاً، فإن كل واحد منهما إن كان فاسداً فلا أثر للشرطين، وإن كان صحيحاً فلم يفسد بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين واشتراط التأجيل والرهن ونحو ذلك.
وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات: أحداهن: صحة البيع والشرط، والثانية: فسادهما، والثالثة: صحة البيع وفساد الشرط. وهو رضي الله عنه إنما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وابن مسعود على ذلك. ولو كان هذا هو الشرطين في البيع لم يخالفه لقول أحد على قاعدة مذهبه، فانه إذا كان عنده في المساله حديث صحيح لم يتركه لقول أحد. ويعجب ممن يخالفه من صاحب أو غيره.
وقوله في رواية المروذي هو في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شرطان في بيع»، ليس تفسيراً منه صريحاً، بل تشبيه وقياس على معنى الحديث. ولو قدر أنه تفسير فليس بمطابق لمقصود الحديث كما تقدم. وأما تفسير القاضي في المجرد فمن أبعد ما قيل في الحديث وأفسده، فإن شرط ما يقتضيه العقد أو ما هو من مصلحته كالرهن والتاجيل والضمين ونقد كذا جائز بلا خلاف تعدت الشروط أو اتحدت.
فإذا تبين ضعف هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه بعضه ببعض، فنفسر كلامه بكلامه، فنقول: نظير هذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن دي... فروا سماكن عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقه. وفي السنن عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا».
وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشره نقداً أو بعشرين نسيئة. وهذا بعيد من معنى الحديث من وجهين:
أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد.
الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين وقد رَدَّدَهُ. ومعلوم أنه إذا اخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن رباً، فليس هذا معنى الحديث.
وُفسر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشره نقداً، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها، وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فانه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين، فإن أخذ أوكسهما، أو أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى.
وهذا هو بيع الشرطان في بيع، فإن الشرط يطلق على العقد نفسه، لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيراً، كالضرب على المضروب، والحلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ. فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة.
وإذا اردت ان يتضح لك هذا المعنى فتامل نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة وقد سلف، وعن سلف وبيع رواه أحمد. ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع وعن سلف وبيع، فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع ومع البيعتين في البيعة. وسر ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا وهو ذريعة إليه، أما البيعتان في بيعة فظاهر، فانه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرط له، كان قد باع ما بما شرط له بعشرة نسيئة، ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة. وأما السلف والبيع، فلانه إذا أقرضه مئة إلى سنة ثم باعه ما يساوي خمسين، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك، فظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، وقول ابن عمر: نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع، واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كان سلما إلى الربا.
ومن نظر في الواقع وأحاط به علمًا فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه ونزله عليه، وعلم أنه كلام من جمعت له الحكمة وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبياً عن أمته.
ولما كان موجب عقد القرض رد المثل من غير زيادة، كانت الزيادة ربا. قال ابن المنذر: أجمع على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنهم نهوا عن قرض جر منفعة.
وكذلك إن شرط أن يؤجره داره أو يبيعه شيئاً لم يجز؛ لأنه سلم إلى الربا. ولهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا منع السلف رضي الله عنهم من قبول هدية المقترض إلا أن يحتسبها المقترض من الدين. فروى الأثرم أن رجلاً كان له على سماك عشرون درهماً فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهماً، فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم.
وروي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أُبيَّ بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أُبيُّ بن كعب من ثمرة أرضه، فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أُبيّ فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا، فبما منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل. فرده عمر لما توهم أن يكون بسبب القرض، فلما تيقن أنه ليس بسبب القرض قبله، وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض.
وقال زر بن حبيش: قلت لأبي بن كعب إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق، فقال: إنك تأتي أرضاً فاش بها الربا، فإن أقرضت رجلاً قرضا فاتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد عليه هديته، ذكره ابن أبي شيبة. وفي صحيح البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فذكر الحديث، وفيه: ثم قال لي: إنك بأرض فيها الربا فعش، فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل قت أو حمل شعير فلا تأخذه فإنه ربا.
قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملا لم يكن يستعمله مثله قبل القرض، كان قرضاً جر منفعة. قال: ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك، حسب له ما أكل. كثير من الناس إذا كان يريد أن يستقرض منك، فإنه يقعد يكرمك بأشياء لكي توافق، فكل هذه تدخل في الربا؛ لأنه ما فعلها لولا أنه سيقترض منه. واحتج له صاحب المغني بما روى ابن ماجه في سننه عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على دابته فلا يركبها ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك».
واختلفت الرواية عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم وشرط عليه أن يوفيه اياها ببلد آخر ولا مؤونة لحملها: فروي عنه أنه لا يجوز، وكرهه الحسن وجماعة، ومالك والأوزاعي والشافعي. وروي عنه الجواز، نقله ابن المنذر؛ لأنه مصلحة لهما فلم ينفرد المقرض بالمنفعة. وحكاه عن علي وابن عباس والحسن بن علي وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب والثوري وإسحاق، واختاره القاضي.
ونظير هذا لو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئاً معلوماً من ربحها، لجاز؛ لأن المقرض لم ينفرد بالمنفعة. ونظيره لو كان له عليه حنطة فأقرضه دراهم يشتري له بها حنطة يوفيه إياها. ونظير ذلك أيضاً إذا أقرض فلاحاً ما يشتري به بقراً يعمل بها في أرضه أو بذراً يبذره فيها، ومنعه ابن أبي موسى، والصحيح جوازه وهو اختيار صاحب المغني؛ وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه ويحصل انتفاع المقرض ضمناً، فأشبه أخذ السفاتج وإيفاءه إياه في بلد آخر، ومن حيث أن المصلحة لهما جميعاً.
والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته، فانه لا مصلحة للمستقرض في ذلك، بخلاف هذه المسائل فإن المنفعة مشتركة بينهما وهما متعاونان عليها فهي من جنس التعاون والمشاركة.
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن فهو كما ثبت عنه في حديث عبد الله بن عمر حيث قال له: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وأبيع الدنانير وآخذ الدراهم. فقال: «لا باس إذا أخذتها بسعر يومها وتفرقتما وليس بينكما شيء». فجوز ذلك بشرطين: أحدهما أن يأخذها بسعر يوم الصرف لئلا يربح فيها وليستقر ضمانه، والثاني ألا يتفرقا إلا عن تقابض؛ لأنه شرط في صحة الصرف لئلا يدخله ربا النسيئة.
والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أكل على بعض الفقهاء علته، وهو من محاسن الشريعة؛ فانه لم يتم عليه استيلاء ولم تنقطع علقة البائع عنه، فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على إغماض وتأسف على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه، وهذا معلوم بالمشاهده.
فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستولي عليه ويكون في ضمانه، فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقته عنه. وقد نص أحمد على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسالتين، إحداهما بيع الثمار بعد بدو صلاحها؛ فإنكم تجوزون لمشتريها أن يبيعها على رؤوس الأشجار ويربح فيها، ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمان البائع، فيلزمكم أحد أمرينا إما أن تمنعوا بيعها، وأما ألا تقولوا بوضع الجوائح كما يقول الشافعي وأبو حنيفة بل تكون من ضمانه، فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟
المسألة الثانية: أنكم تجوزون للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر. فقيل: النقد الوارد إما أن يكون بمسألة منصوص عليها أو مجمع على حكمها، وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما فلا يردان نقضاً.
فإن في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد. فإن منعنا البيع بطل النقد، وإن جوزنا البيع وهو الصحيح فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضاً، فجوزنا له بيعها؛ لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها وجعلناها من ضمان البائع.
بالجائحة؛ لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه، فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه، رتبنا على الوجهين مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه.
وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات: إحداهن المنع مطلقاً لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هذا فالنقض مندفع. والثانية أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا؛ لأن الزيادة لا تكون ربحاً بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة، وعلى هذه الرواية أيضاً فالنقض مندفع.
والثالثة أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقاً، وهذه مذهب الشافعي وهذه الرواية أصح؛ فإن المستأجر لو عطل المكان واتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من ضمانه؛ لأنه قبضه القبض التام، ولكن لو انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجر لزوال محل المنفعة، فالمنافع مقبوضة له، وله استيفاؤها بنفسه وبنظيره وإجارتها والتبرع بها.
ولكن كونها مقبوضة مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء فكانت من ضمان المؤجر، وسر المسألة أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما ربح فيما هو مضمون عليه بالأجرة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تبِع ما ليس عندك»، فمطابق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر؛ لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له وقد لا يحصل فيكون غرراً، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء وما تحمل ناقته ونحوه. قال حكيم بن حزام: يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه ثم أمضي إلى السوق فأشتريه وأسلمه إياه؟ فقال: «لا تبِع ما ليس عندك».
وقد ظن طائفة أن السلم مخصوص من عموم هذا الحديث؛ لأنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنوه؛ فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السلم فعقد على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمه، فلو أسلم في معين عنده كان فاسداً، وما في الذمة مضمون مستقر فيها، وبيع ما نهي عنه لكونه غير مضمون عليه ولا ثابت في ذمته ولا في يده، فالمبيع لابد أن يكون ثابتاً في ذمة المشتري أو في يده، وبيع ليس بواحد منهما فالحديث باق على عمومه.
فإن قيل: فانتم تجوزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبه، وهو بيع ما ليس عنده؟ قيل: لما كان البائع قادرا على تسليمه بالبيع والمشتري قادراً على تسلمه من الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالاً وهو عند المشتري وتحت يده وليس عند البائع، والعندية هنا ليست عندي الحس والمشاهده؛ فانه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته، وإنما هي عنديّة الحكم والتمكين، وهذا واضح ولله الحمد.
باب من اشترى عبدا فاستغله ثم راى عيبا. عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان». وخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن.
وعن مخلد قال: كان بيني وبين أناس شركة في عبد فاقتويته وبعضنا غائب، فأغل علي غلة، فخصمني في نصبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أرد الغلة، فاتيت عروة بن الزبير فحدثته، فاتاه عروة فحدثه عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخراج بالضمان».
قال البخاري: هذا حديث منكر ولا أعرف مخلد بن خفاف غير هذا الحديث. وقال الترمذي: فقلت له قد روي هذا الحديث عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشة، فقال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي وهو ذاهب الحديث.
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه -يعني مخلد بن خفاف- فقال: لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد لقوم مثله الحجة -يعني الحديث الذي يرويه مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الخراج بالضمان-. وقال الزي: مخلد بن خفاف ضعيف.
وعن مسلم بن خالد الزنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً ابتاع غلاماً فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيباً فحاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان». قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك، يشير إليه البخاري تضعيف مسلم بن خالد الزنجي.
وقد أخرج هذا الحديث الترمذي في جمعه من حديث عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة مختصراً: النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام بن عروة. وقال أيضاً استغرب محمد بن إسماعيل البخاري هذا الحديث من حديث عمر بن علي. قلت: تراه تدليساً؟ قال: لا. وحكى البيهقي عن الترمذي أنه ذكره محمد بن إسماعيل البخاري فكانه أعجب، وهذا آخر كلامه.
ومحمد بن علي هو أبو حفص عمر بن علي المقدمي البصري، وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، ورواه عن عمر بن علي أبو سلمة يحيى بن خلف الجوباري وهو ممن روى عنه مسلم في صحيحه، وهذا إسناد جيد ولهذا صححه الترمذي وهو غريب كما أشار إليه البخاري والترمذي والله عز وجل أعلم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد قال قتيبه فيما رواه أبو داود: هذا الحديث في كتابه بخط عن جرير بن هشام بن عروة ذكره القي عن جرير عن هشام بن عروة ذكره. فهؤلاء الثلاثة: عمر بن علي ومسلم بن خالد وجرير.
وقال الشافعي: أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن ذئب عن مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاماً فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخصمته إلى عمر بن عبد العزيز فقضى له برده وقضى علي برد غلته، فاتيت عروة بن الزبير فاخبرته، فأخبرني عروه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر بن عبد العزيز: فما أيسر... عفوا، فاخبرته فقال: أروح إلى العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فعجلت إلى عمر فأخبرني ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر بن عبد العزيز: فما أسرع علي من قضاء قضيته، والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغني فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فراح إليه عروه فقضى إليه أن أخذ الخراج من الذي قضى به علي له رواه أبو داود.
الذي استفدته منه صح ولا لا؟ فأقول لك: لا، الخراج بالضمان. أنا الذي كنت ضامنه، لو هو مات في الفترة التي هو قاعد معي فيها، كنت أنا الذي سأتحمله، بما دام أنا الذي متحمل، يبقى أنا الذي آخذ غلته.
يبقى من يضمن يأخذ الخراج؛ يعني المنافع. المنافع تكون لمن يضمن، المنافع نتجت عن العبد، نتجت عن الضمان الذي أنت ضمنه، إذا كان هو في ضمانك، يبقى المنافع لك، إذا كان في ضمان أنا، يبقى نافع لي، فما دام هو قعد عندك مدة الشهر دي وانتفعت منه، يبقى ليك أنت المنافع التي نتجت عن العبد الذي هو اشتغلها، أيوه، عشان أنت الذي ضمنت لو تُلِفَ.
ماشي، بس عمر بن عبد العزيز أفتى بخلاف ذلك على الرواية دي، أنه قالوا: لا، رجعة، وأدِّ له حق الحاجات التي أنت استفدتها منه. فهمت كده؟
فلما بلغيت السُنَّةُ... رجع... رواه أبو داود الطيالسي وفي مسنده عن ابن أبي ذئب، باب إذا اختلف البيعان والمبيع قائم، عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جدّه قال: اشترى الأشعث رقيقاً رقيق الخمسي من عبد الله بعشرين ألفاً، فأرسل عبد الله إليهم في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاختر رجلاً يكون بيني وبينك، فقال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا اختلف البيعان، ليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان». وأخرجه النسائي.
وعن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه أن ابن مسعود باع من الأشعث بن قيس رقيقاً، فذكر معناه، والكلام يزيد وينقص، أخرجه ابن ماجه. وأخرج الترمذي من حديث عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود فقال: هذا مرسل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ولا أحتج به، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع عن أبيه فهو منقطع.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن مسعود يشد بعضها بعضاً، وليس فيهم مجروح ولا متهم، وإنما يخاف من سوء حفظ محمد بن عبد الرحمن، ولم ينفرد به، فقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن عبد الله عن ابن مسعود، ثم قال: هذا حديث منقطع لا أعلم أحدا يصله عن ابن مسعود، وقد جاء من غير وجه.
وقد رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن جريج أن إسماعيل بن أمية أخبره عن عبد الملك بن عمير قال: حضرت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود واتاه رجلان يتبايعان سلعة، فقال أحدهما: أخذت بكذا وكذا، وقال: أخذت بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أُتِيَ عبد الله بن مسعود في مثل هذا، فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا، فأمر البيع أن يحلف، ثم خير المبتع، إن شاء أخذ وإن شاء ترك. ورواه الإمام أحمد عن الشafعي وحدثنا قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح قال: حدثني جريج فذكره، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أخبرت عن هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيد. قال أحمد: وقال الحجاج الأعور: عبد الملك بن عبيدة، البيهقي قال: هذا هو الصواب. وقد رواه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير كما قال سعيد بن سالم، ورواية هشام بن يوسف وحجاج بن جريج صحيحة.
الله يقال البخاري في تاريخه: عبد الملك بن عبيد عن بعض ولد عبد الله بن مسعود، روى عنه إسماعيل بن أمية مرسل، وذكر بعده عبد الملك بن عمير قال: هو كوفي، هو الكوفي أبو عمر القرشي، مات سنة ست وثلاثين ومائة، وكان أفصح الناس، سمع جندباً ورأى المغيرة، وروى عنه الثوري وشعبه. قال البيهقي: ورواه أبو عميس ومعن بن عبد الرحمن وعبد الرحمن المسعودي وأبان بن تغلب كلهم عن القاسم بن عبد الله منقطعة، وليس فيه والمبيع قائم بعينه، وابن أبي ليلى كان كثير الوهم في الإسناد والمتن، وأهل العلم والحديث لا يقبلون منه ما ينفرد به لكثرة أوهامه، وصح إسناد النووي في هذا الباب رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده فذكر الحديث الذي في أول الباب.
باب الشفعة: عن أبي الزبير عن جابر -وهو ابن عبد الله- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشفعة في كل شرك، ربعة أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فان باع فهو أحق به حتى يؤذنه...» لحظة: الشفعة في كل شرك ربعة أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فان باع فهو أحق به حتى يؤذنه. وخرجه مسلم.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه قال: إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم، فاذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وخرجه البخاري. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها».
وعن أبي رافع -هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الجار أحق بسقبه». وأخرجه البخاري. وعن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض». وخرجه الترمذي وصححه.
وعن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا». وخرج الترمذي وقال: حسن غريب، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر. وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث، وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث.
وقال الشافعي: سمعت بعض أهل العلم بالحديث يقولون: نخاف ألا يكون هذا الحديث محفوظاً. وقال ابن القيم رحمه الله: قيل له، قيل له مين؟ قيل له أي الشافعي، نعم، من أين قلت؟ قال: إنما رواه عن جابر بن عبد الله، وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مفسراً، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة». وأبو سلمة من الحفاظ، وروى أبو الزبير -وهو من أحد الحفاظ- عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة ويخالف ما روى عبد الملك بن أبي سليمان، وفيه من الفرق بين الشريك والمقاسم فكان الشريك والمقاسم، فكان أولى الاحاديث أن يؤخذ به عندنا والله أعلم، لأنه أثبتها إسنادا وأبيتها لفظا من النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرقها في الفرق بين المقاسم وغير المقاسم -أخر كلامه-.
وسئل الإمام أحمد عن حديثه فقال: هذا حديث منكر. ذكر البيهقي وغيره عنه. وقال يحيى بن معين: لم يحدث به إلا عبد الملك، وقد أنكره الناس عليه. قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به، وروي عن جابر خلاف ذلك خلاف هذا. ثم قال الترمذي: وإنما ترك شعبة حديث عبد الملك لحاله.
روى الحاكم من طريق أمية بن خالد قال: قلت لشعبه: ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه. قلت: تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وتدعو عبد الملك وقد كان أحسن حسن الحديث؟ قال: من حسنها فررت! قال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت مسدداً وغيره من أصحابنا عن يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لو أن عبد الملك جاء بمثله آخر أو اثنين تركت حديثه؛ يعني حديث الشفعة. وقال أبو قدامة عن يحيى القطان قوله: لو روى عبد الملك بن أبي سليمان حديثاً آخر مثل هذا، مثل حديث الشفعة، لتركت حديثه. وقال بعض الناس: هذا رأي عطاء أدرجه عبد الملك في حديث إدراجاً، فهذا ما رمي به عبد الملك وحديثه.
قال آخرون: عبد الملك أجل وأوثق من أن تكلم، وكان يسمى الميزان لإتقانه وضبطه وحفظه، ولم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل؛ فإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث كان ذلك دوراً باطلاً، فإنه لا يثبت ضعف هذا الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك، فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يعلم ضعفه إلا من جهة عبد الملك.
يعني لا أراه أصلاً فيها أبداً، هو يقول لك: ده اسمه دور أصل هو كررها قبل كده، أنت ما كنتش معانا، أم بيقول: لو أنت ضعفته بسبب الحديث، ولا أنت ضعفت الحديث بسببه؟ طبعا هو أنا ضعفته بسبب الحديث ليه؟ لان هو انفرد بأصل من الأصول اللي خالف فيه، فهو ليس أهلاً للتفرد فيه، وهذا التفرد حقق عندي هذا الظن. يعني هو عايز يقول لك: يا أما ده الأول يا أما ده الأول، لا، الاثنين شاهدوا مع بعض فهم. لا هو يعني هو كأنهم مخلي لولا هذا الحديث، يعني أنت شيل هذا الحديث على جنب بتطلع رواياته بتقول هذا محافظ متقن، هو عايز يقول له بقى ما دام هو عندك كويس، طب ليه ما قابلتش الحديث ده؟ فاهم هو ده عايز يمشي.
فلا يجوز أن يسوى ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يعلم ضعفه إلا من جهة عبد الملك، ولم يعلم ضعف عبد الملك إلا بالحديث، وهذا محال من الكلام؛ فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمع في الطعن فيهم. طب شلون يعني الدرجة دي أصلاً يكون روى أكثر مثلاً، ولا هو طريقين بصراحه؟ لا، صحيح، هو طريق، هو شايف أن إيه هو كأن فهم أن لولا الحديث ده لوثقته، قال له طيب ما دام هو عندك ثقه، طب ليه ما قابلتش الانفرد بيه؟ لأنهم شايفين ده منكر، منكر فدل على ضعفه.
وقد احتج به مسلم في صحيحه وخرج له عدة أحاديث، ولم ينكر عليه تصحيح حديثه ولا الاحتجاج به أحد من أهل العلم، واستشهد به البخاري، ولم يروِ ما يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث أبي رافع الذي أخرجه البخاري ولحديث ميمونه الذي صححه الترمذي، فجابر ثالث ثلاثة في هذا الحديث: أبي رافع وميمونة وجابر. فأي مطعن على عبد الملك في رواية حديث رواه النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة؟
والذين ردوا حديثه ظنوا أنه عارض حديث جابر الذي رواه أبو سلمة عن الشفعة فيما لم يقسم، إذا وقعت الحدود صرفت الطرق فلا شفعة. وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود وتصريف الطرق باختصاص كل ذي ملك بطريق، ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق أحاديث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غير معارض له، وهذا بين وهو أعدل الأقوال في المسألة.
فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط؛ فأهل المدينة أهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقاً، وأهل الكوفه يثبتونها مطلقاً، وأهل البصره يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك كالطريق والماء ونحوه وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه حيث لا يكون بين الملاك اشتراك. وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقها ومفهومها، ويزول عنها التضاد والاختلاف، ويعلم أن عبد الملك لم يروِ ما يخالف رواية غيره، والأقوال الثلاثة هي مذهب أحمد، وأعدلها وأحسنها هذا القول الثالث، والله الموفق للصواب.
يعني مثلاً في حديث زي هذا، الصح ولا لا؟ أنه صح. الكلام في شعبة، أم شعبة مش شعبة بس، فأقصد أن ذكر لكم خير، يعني هو يرى أن الحديث هذا غريب، لم يروَ إلا هذا الشخص فيستغرب الحديث. أيوه يستغرب، فلما يشوف أنه أصل في الباب وكذا ومنكر فيعرف أيضاً أن هذا الرجل ضعيف. عن أبي هريرة، المشكله أن ابن القيم مش بينكر على شعبة بس، على كل هؤلاء؛ سئل أحمد عن هذا الحديث وقال: حديث منكر. ذكر خلاص، وبعدين البيهقي ذكر عنه ده يحيى بن معين: لم يحدث به إلا عبد الملك المنكر، فهمت؟ الترمذي قال: سالت محمد بن إسماعيل قال: لا أعلم أحداً رواه عن عطاء غير عبد الملك، تفرد به، وروي عن جابر خلاف هذا، فاهم؟ كل دول يبقى أنت ليه بتخص الخلاف في شعبة مش شعبة بس؟ فهمت كده؟
العلماء عندهم علامات، القصة مش قصة أن يكون معنى الكلام اللي هو قاله صح، لا، القصة أنك أنت رويته عن عطاء، أنت لوحدك رويته عن عطاء، فاهم؟ والحديث ده فصل في الحكم، فأنت منين جبت الكلام ده؟ ماشي، ده بصراحة أكبر مأخذ بصراحة أشوفه في الحديث على ابن القيم رحمه الله أن هو بيتعامل مع الرواية الضعيفة كالرواية المنکرة، لا، الرواية المنكرة كالرواية الضعيفة.
باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه. عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَيْمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ، فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». أخرجه الباقون.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل باع متاعاً فافلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء، وفي رواية: وإن كان قضى من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء. وهذا مرسل.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه قال: فإذا كان قضى من ثمنها شيئاً فما بقي فهو أسوة الغرماء، وأي امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضي منه شيء أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء. قال أبو داود: وحديث مالك أصح؛ يريد المرسل الذي تقدمه فيه إسماعيل بن عياش. وقال الدارقطني: ولا ييثبت هذا عن الزهري مسنداً، وإنما هو كلام، وإنما هو مرسل.
آخر كلامه؛ قال ابن القيم رحمه الله: وقد عله الشافعي، وأنه كالمدرج في حديث أبي هريرة؛ يعني قوله: «فإن كان قضى من ثمنها شيئاً» إلى آخره. قال الشافعي في جواب من سأله: لما لا تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا؟ (يعني المرسل) فقال: الذي أخذت به أولى من قبل أن ما أخذت به موصول يجمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين الموت والإفلاس، وحديث ابن شهاب منقطع، ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يثبته أهل الحديث، ولو لم يكن في تركه حجة إلا هذا انبغى لمن عرف الحديث تركه من وجهين مع أن.
أبو بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه فيما ليس فيما روى ابن شهاب عنه مرسلاً، وإن كان رواه كله، ولا أدري عمن رواه، ولعلّه روى أول الحديث وقال برأيه آخره، وموجود في حديث أبي بكر بن أبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه انتهى فيه إلى قوله: «فهو أحق به»، أشبه أن يكون ما زاد على هذا قولاً من أبي بكر لا من أبي بكر لا رواية، ثم كلامه.
وقد روى الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة يرفعه: «أيما رجل أفلست سلعتها عنده بعينها فهو أولى بها من غيره»، قال الليث: بلغنا أن ابن شهاب قال: أما من مات ممن أفلست ثم وجد رجل سلعته بعينها فإنه أسوة الغرماء، يحدث بذلك عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
فهم معنى يا عمر؟ واحد راجل كان في ناس كتير لهم ديون عنده، ماشي، من ضمنها إن هو كان استلف من واحد تليفون مثلاً، فهو أفلس، لم يبق معه إلا التليفون، فنقسم التليفون على كل الغرماء، كل واحد ياخد حصة بحسب المال، ولا مادام ده تليفونه هو ياخده؟ فهمت الفكرة؟
قال البيهقي: هكذا وجدته غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في آخره، وفي ذلك كالدلالة على صحة ما قاله الشافعي رحمه الله. وقال غيره: هذا الحديث قد رواه عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عبد البر. وقد رواه إسماعيل بن عياش عن الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة من هذه الطريق خرجه أبو داود، والزويدي وهو محمد بن وليد وهو محمد بن الوليد شامي حمصي.
وقد قال الإامم أحمد ويحيى بن معين وغيرهما: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح، فهذا الحديث على هذا صحيح. وقد رواه موسى بن عقبة -أنا قلت هذا يقول شامين قول منكر الحديث- وقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن عبد البر. فهؤلاء ثلاثة وصلوه عن الزهري: مالك في رواية عبد الرزاق، وموسى بن عقبة، ومحمد بن وليد، وكونه مدرجاً لا يثبت إلا بحجة، فإن الراوي لم يقل: قال فلان بعد ذكره مرفوع، وإنما هو ظن.
وأما قول الليث: بلغنا أن ابن شهاب قال: أما من مات إلى آخره، فهو مع انقطاعه ليس بصريح في الإدراج، فإنه فسر قوله بأنه رواية عن أبي بكر لا رأي منه، ولم يقل إن أبا بكر قاله من عنده، وإنما قال: يحدث بذلك عن أبي بكر، والحديث صالح للرأي والرواية، ولعله في الرواية أظهر. وبجملة فالإدراج مثل هذا لا يثبت ولا يعلل به الحديث، والله تعالى أعلم.
باب في الرجل يفضل بعض ولده على بعض في النحل. عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال -ليش صغروا الخط؟ عن نعمان بن بشير قال-: انحلني أبي نحلة، قال إسماعيل بن سالم من بين القوم: نحلة غلاماً له. فقال، قالت له أمي عمرة بنت رواحة: ائتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشهده. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: «إنِّي نحلت ابني النعمان نحلة، وإنّ عمرة سالتني أن أشهدك على ذلك». قال: فقال: «ألك ولد سواه؟» قال: قلت: نعم. قال: «فكلهم أعطيت مثل ما أعطيت النعمان؟» قال: لا. قال: فقال بعضهم -بعض هؤلاء المحدثين- هذا جور، وقال بعضهم: هذا تلجئة، «فأشهد على هذا غيري».
قال المغيرة: قال المغيرة في حديثه: «أليس يسرك أن يكون لك في البر واللطف سواء؟» قال: سواء أو سواء نفس الشيء قال: نعم. قال: «فاشهد على هذا غيري». وذكر مجالد في حديثه: «أن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك».
قال أبو داود: في حديث الزهري قال بعضهم: أكل بنك؟ قال بعضهم: ولدك ولدك. وقال ابن أبي خالد عن الشعبي فيه: ألك بنون سواه؟ وقال أبو الضحى عن النعمان بن بشير: ألك ولد غيره؟ وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه. وخرج البخاري ومسلم وابن ماجه من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن النعمان بن بشير عن نعمان بن بشير.
قال ابن القيم رحمه الله: وفي لفظ وفي لفظ وفي لفظ في الصحيح: «أكل ولدك نحلت مثل هذا؟» قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارجعه». وفي لفظ: فرده. وفي لفظ آخر: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، فرجع أبي في تلك الصدقة. وفي لفظ لهما: «فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهَد على جور». وفي لفظ آخر وفي آخر: «فلا تشهدني على جور». وفي آخر: «فأشهد على هذا غيري». وفي آخر: «أيسرك أن يكون إليك في البر سواء؟» قال: بلى. قال: «فلا إذاً». وفي لفظ آخر: «أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟» قال: لا. قال: «فليس يصلح هذا، وإنِّي لا أشهد إلا على حق». وكل هذه الألفاظ في الصحيح وغيرها في صحيح مسلم، وعند البخاري منها: «لا تشهدني على جور» وقوله: «ولا أشهد على جور»، والامر برده وفي لفظ وفي لفظ: «سوي بينهم»، وفي لفظ: «هذا جور أشهد على هذا غيري»، وهذا صحيح. «أشهد على هذا غيري» وهذا صريح في أن قوله: «أشهد على هذا غيري» ليس إذناً، بل هو تهديد لتسميته إياه جوراً. وهذه كل ألفاظ صحيحة في الصحيح في تحريم البطلان من عشرة أوجه تؤخذ من الحديث، منها قوله: «أشهد على هذا غيري»، فإن هذا ليس بإذن قطعا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في الجور وفيما لا يصلحه وفي الباطل، فانه قال: «إنِّي لا أشهد إلا على حق»، فدل ذلك على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقاً، فهو باطل قطعاً. فقوله إذاً: «أشهد على هذا غيره» حجة على التحريم، قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، أي الشهادة على أي الشهادة على هذا ليست من شاني، ولا تنبغي لي، إنما هي من شأن من يشهد على الجور والباطل وما لا يصلح، وهذا في غاية الوضوح.
وقد كتبت في هذه المسألة مصنفا مفردا، وقد كتبت في هذه المسألة مصنفا مفردا استوفيت فيه أدلتها وشبه من خالف هذا الحديث ونقضها عليهم، والله وبالله التوفيق. يمكن هذا رابع خامس مصنف بالله.
الحاشي، مصنف اللي صنف في هذه المساله، آه آه كتير، يا ريتنا كنا نسينا نقيدها، نسينا نقيد الحاجات اللي هو قال فيها إن أنا صنفت مصنف فيها نسيناها، دي كانت هتبقى جميلة. ماشي، أقف هنا، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق