تسجيل الدخول

الدرس 21 - المجلد الثاني من ص 352 إلى ص 397

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث فيه عدة أقوال؛ أحدها: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه. الثاني: سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة رضي الله عنه. الثالث: عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه. الرابع: عن يحيى بن أبي إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه. الخامس: عن يحيى عن رجل من بني ليث عن أبي إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه. السادس: عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة رضي الله عنه. السابع: عن أبي صالح عن أبي سعيد. الثامن: عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً. قال البيهقي رحمه الله: والموقوف هو الصح. التاسع: زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. العاشر: عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعاً. الحادي عشر: صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. ذكرها البيهقي وقال: إنما يصح هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفاً.

وهذه طرق تدل على أن الحديث محفوظ، وقد روى أبو داود عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه اغتسل من تجهيز أبيه ومواراته. قال البيهقي: وروينا ترك الغسل منه عن ابن عباس رضي الله عنه في أصح روايتين عنه، وعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، ورويناه أيضاً عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك رضي الله عنهم. آخر كلامه.

قال: هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب؛ أحدها: أن الغسل لا يجب على غاسله، وهذا قول الأكثرين. الثاني: أنه يجب، وهذا اختيار الجوزجاني، ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري، وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه، ويروى عن علي. الثالث: وجوبه من غسل الميت الكافر دون المسلم، وهي رواية عن الإمام أحمد لحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالغسل وليس فيها أنه غسل أبا طالب، مع أنه من رواية ناجية بن كعب عنه، وناجية لا يعرف أحد روى عنه غير أبي إسحاق، قاله ابن المديني وغيره.

قال: باب في تقبيل الميت. عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسير. وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وفي حديث ابن ماجه على خديه. وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال ابن القيم رحمه الله: وابن حبان يصحح له، ومن طريقه صحح حديث سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل وجعل بينها محللاً، وذكره في الضعفاء.

قال: باب الدفن بالليل. عن جابر بن عبد الله قال: ناس ناراً في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم. وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. قال ابن القيم رحمه الله: هذه النار كانت للرضا، ولهذا ترجم عليه أبو داود: الدفن بالليل. وقال الإمام أحمد: لا باس بذلك. وقال أبو بكر: دفن ليلاً وعلي دفن فاطمة ليلاً. وحديث عائشة رضي الله عنها: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. وممن دفن ليلاً عثمان وعائشة وابن مسعود رضي الله عنهم. ورخص فيه عقبة بن عامر وابن المسيب وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق، وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين.

وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلاً، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر. وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة وقال: رحمك الله إن كنت لأواهاً تلاءً للقرآن. وكبر عليه أربعة. قال: وفي الباب عن جابر ويزيد بن ثابت وهو أخو زيد أكبر منه. قال: وحديث ابن عباس حديث حسن.

قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل، وقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبر ذي البجادين ليلاً. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن رجل فقال: من هذا؟ قالوا: فلان دفن البارحة فصلى عليه. وهذه الآثار أكثر وأشهر من حديث مسلم. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلاً فلما أصبح أخبروه فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ فقالوا: كان الليل وكرهنا وكانت ظلمة أن نشق عليك. فأتى قبره فصلى عليه. قيل: وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب. والذي ينبغي أن يقال في ذلك والله أعلم: إنه متى كان الدفن ليلاً لا يفوت به شيء من حقوق الميت والصلاة عليه فلا بأس به، وعليه تدل أحاديث الجواز، وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام عليه نهي عن ذلك، وعليه يدل الزجر، وبالله التوفيق.

قال: باب القيام للجنازة. عن عامر بن ربيعة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم أو تووضع. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهو عبد الرحمن عن أبيه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى تووضع. وقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد بنحوه، وأخرجه مسلم من حديث أبي صالح السمان عن أبي سعيد. قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال فيه: حتى تووضع بالارض. ورواه أبو معاويه عن سهيل قال: حتى تووضع في اللحد. وسفيان أحفظ من أبي معاوية.

قال ابن القيم رحمه الله: وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد، أو تدفن» -أو حتى توضع في اللحد أو تدفن، شك أبو معاوية-. ويدل على أن المراد بالوضع الوضع بالأرض عن الأعناق؛ حديث البراء بن عازب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا معه، وهو حديث صحيح وسيأتيك إن شاء الله تعالى.

وعن جابر -وهو ابن عبد الله- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا جنازة فقام لها، فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازة يهودي، فقلنا: يا رسول الله إنما هي جنازة يهودي، فقال: «إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا». وأخرجه النسائي وأخرجاه والنسائي، وليس في حديثهم فلما ذهبنا لنحمل.

وعن علي -وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الجنائز ثم قعد بعده، وأخرجه مسلم والثلاثة. قال: وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد.

شيخنا، مين الثلاثة؟ وأخرجه مسلم والثلاثة. مين الثلاثة؟ قصد فيهم الثلاثة هو يعني دائما يبدأ، لازم يبدأ من ابن ماجه وأبو داود والترمذي، يعني هو يبقى قال ثلاثة ما عدا النسائي، اللي هو أبو داود وابن ماجه والترمذي، أبو.. جزاكم الله خيرا.

قال في حاجة؟ لا بس بكتب.

قال: وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حب من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اجلسوا خالفوهم». وأخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب، وبشر بن رافع ليس بالقوي في الحديث، وقال أبو بكر الهمذاني: ولو صح لكان صريحا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الحديث، وقال غيره: النسخ ثابت بحديث علي.

قال ابن القيم رحمه الله: وهذا هو الذي نحاه الشافعي. قال: وقد روى حديث عامر بن ربيعة، وهذا لا يعد أن يكون منسوخا، أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم قام لها لعلها قد رواها بعض المحدثين من أن جنازة يهودي مر بها على النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها كراهية أن تطوله. وأيهما كان، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ، وإن كان استحبابا فالآخر هو الاستحباب، وإن كان مباحا فلا باس في القيام، والقعود أحب إليه لأنه الآخر من فعله، ثم ذكر حديث علي.

اختلف أهل العلم في قيام الجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك كله منسوخ، قيام تابعها وقيام من مرت عليه وقيام المشيع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود نسخ لهذا كله. وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة وجوه:

أحدها: أن شرط النسخ المعارضة والتاخر، وكلاهما منتف في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه.

الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها، فمنها حديث عامر بن ربيعة وهو في الصحيحين وفي بعض طرقه: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حتى تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه»، وفي لفظ: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه».

ومنها حديث أبي سعيد وهو المتفق عليه، ولفظهما: «إذا تابعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع»، وفي لفظ لهما: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبع فلا يجلس حتى توضع»، وهو دليل على القيام في المسألتين.

ومنها حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي وهو في الصحيحين، وتعليله بأن ذلك كراهية أن تطوله تعليل باطل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم علل بخلافه. وعنه في ذلك ثلاثة علل:

أحداها: قوله: «إن الموت فزع»، ذكره مسلم في حديث جابر وقال: «إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا».

الثانية: أنه قام للملائكة، كما روى النسائي عن أنس أن جنازة مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فقيل: إنها جنازة يهودية، فقال: «إنا قمنا للملائكة».

الثالثة: التعليل بكونها نفسا، وهذا في الصحيحين من حديث قيس بن سعد وسهل بن حنيف قالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل: إنه يهودي، فقال: «أليست نفسا».

فهذه هي العلل الثابتة عنه، وأما التعليل بأنها كراهية أن تطوله فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيح، ولو قدر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره بلفظه أولى.

فهدذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدم عليها حديث عبادة مع ضعفه؟ وحديث علي وإن كان في صحيح مسلم فهو حكاية فعل لا عموم له، وليس فيه لفظ عام يحتج به على النسخ، وإنما فيه أنه قام وقعد، وهذا يدل على أمر إما أن يكون كل منهما جائزا والامر بالقيام ليس للوجوب وهذا أولى من النسخ، قال الإمام أحمد: إن قام لم أعبه وإن قعد فلا باس. وقال القاضي وابن أبي موسى: القيام مستحب ولم يراه منسوخا، وقال بالتخيير إسحاق وعبد الملك بن حبيب وابن الماجشون، وبه تاتلف الأدلة.

أو يدل على نسخ قيام القاعد الذي يمر عليه بالجنازة دون استمرار قيام مشيعها، كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.

قال الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح، وأحاديث الترك إنما هي فعل محتمل لما ذكرنا من الأمرين، فدعوة النسخ غير بينة والله أعلم.

وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد علي وأبو هريرة ومروان وقام أبو سعيد.

وجدت أن العلماء -الذين هم الطبقة التي اعتنت بالفقه من طريق كتب السنة- كلهم يختارون أبو داود بالذات أكثر من البخاري، والسبب هو أن البخاري ضيق شرطه، فأحاديث كثيرة جدا في الأحكام لم يذكرها، فهم عندهم إيه هو أمثل كتاب بعد البخاري؟ هو أبو داود. يعني أبو داود من جهة التبويبات ومن جهة الأحاديث المشهورة المتداوله بين الفقهاء هو رقم واحد، ولذلك ابن تيمية بيجعله هو والبخاري أهم كتابين، يعني لو أنت عاوز خلاصه كل الكتب السته أو الكتب التسعة عموما هي في الكتابين دول، فعشان كده سبحان الله المنذري اهتم بيه وبعد كده ابن القيم، وليه؟ لان هو لو اهتم بيه طبيعي جدا هيجد فيه أحاديث البخاري فهمت كده؟ يعني أحاديث البخاري اللي هي أصل في كل باب هيجدها وزياده عليها الأحاديث المشهورة اللي تداولها الفقهاء، فيكون يعتبر هو كده اجمع كتاب.

قال: باب المشي أمام الجنازة. عن سالم -وهو ابن عبد الله بن عمر- عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما يمشون أمام الجنازة، وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: واهل الحديث كانهم يرون الحديث المرسل في ذلك أصح، وحكى أن البخاري قال: والحديث هو هذا، يعني مرسل.

قال الترمذي: رواه معمر ويونس ومالك وغير واحد من الحفاظ عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي أمام الجنازة. قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة، وسمعت يحيى بن موسى يقول: قال عبد الرزاق: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسلا أصح من حديث ابن عيينة، وقال

هذا خطأ، والصواب مرسل. وقال طائفة من متأخري المحدثين: هذا غير مؤثر، ووصله صحيح. قال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه فيه هو سفيان بن عيينة، حجة ثقة. قال: وقال غيره: سفيان بن عيينة من الأثبات الحفاظ، وقد أتى بزيادة على من أرسل، فوجب تقديمه. قال ابن القيم رحمه الله: ومثل هذا لا يعبر به أئمة الحديث شيئاً، ولم يخف عليهم أن سفيان حجة ثقة وأنه قد وصل، فلم يستدرك عليهم متأخرون شيئاً لم يعرفوه.

وقال آخرون: قد تابع ابن عيينة على روايته إياه عن الزهري عن سالم عن أبيه: يحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وزياد بن سعد وبكر ومنصور وابن جريج وغيرهم. ورواه عن الزهري مرسلاً: مالك ويونس ومعمر، وليس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه. فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث وهي استدراك وفائدة تستفاد. قال المصححون: إرسال الحديث هو لسفيان، وابن جريج أخذه عن سفيان. قال الترمذي: وقال ابن مبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن سفيان. قالوا: وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر فإنها من رواية همام. وقد قال الترمذي في الجامع: وروى همام بن يحيى هذا الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام. يعني أن الحديث لسفيان وحده روى عنه همام كذلك.

وفي هذا نظر لا يخفى؛ فإن هماماً قد رواه عن هؤلاء عن الزهري، ويبعد أن يكون كل هؤلاء دلسوه عن سفيان ولم يسمعوه من الزهري، وهذا يحيى بن سعيد مع تثبته واتقانه يرويه كذلك عن الزهري، وكذلك موسى بن عقبة. فلأي شيء يحكم للمرسلين على الواصلين؟ فقد كان ابن عيينة مصراً على وصله ونوه فيه، فقال: حدثنيه الزهري مراراً فسمعته من فيه يعيده ويبديه عن سالم عن أبيه.

وقد روى الترمذي في جامعه من حديث يونس عن ابن شهاب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. قال الترمذي: هذا غير محفوظ. وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هذا حديث خطأ أخطأ فيه محمد بن أبي بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: أخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: والحديث صحيح هو هذا، وهو آخر كلام البخاري.

وسيأتي بعد هذا حديث ابن مسعود: الجنازة متبوعة ليس معها من تقدمها، وأنه ضعيف. وذكر ابن عبد البر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: «امشوا خلف الجنازة» وفيه كنانة مولى صفية لا يحتج به. وذكر أبو أحمد عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي خلف الجنازة، وهو من حديث يحيى بن سعيد الحمصي العطار منكر الحديث.

باب الصلاة على الجنازة في المسجد: عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد. واخرجه مسلم. قال عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد، سهيل وأخيه. وأخرجه مسلم، وفيه ذكر القسم.

وعن صالح مولى التوّامة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه». قال الخطيب: كذا في الأصل. وأخرجه ابن ماجه ولفظه: فليس له شيء. قال ابن القيم رحمه الله: وهو المحفوظ في كتاب السنن لأبي داود. ورواه الإمام أحمد في المسند ولفظه: فلا شيء له. هذا الحديث فيه أربعة ألفاظ: أحدها: فلا شيء فقط، وهي في بعض نسخ السنن. اللفظ الثاني: فلا شيء عليه، وهي رواية الخطيب. اللفظ الثالث: فلا شيء له، وهي رواية ابن ماجه. اللفظ الرابع: فليس له أجر، ذكره أبو عمر في التمهيد وقال: هو خطأ لا أشكال فيه، قال: والصحيح فلا شيء له. وهذا الذي قاله أبو عمر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه والصواب؛ لأن فيه: قال صالح: فرأيت الجنازة توضع في المسجد، فرأيت أبا هريرة رضي الله عنه إذا لم يجد موضعاً إلا في المسجد انصرف ولم يصل عليها. ذكره البيهقي في حديث صالح.

وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث وقال: هو مما تفرد به صالح مولى التوّامة، وقال مالك: ليس بثقة، وقال غيره: كان صالح ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره فضعف حديثه لأجل الاختلاط. وقد قال بعض أهل الحديث: ما رواه ابن أبي ذئب عن صالح فهو لا باس به؛ لأنه روى عنه قبل الاختلاط، وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه. وقال ابن عدي: وممن سمع من صالح قديماً ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم، ولحقه مالك والثوري وغيرهما بعد الاختلاط.

وقد ذهب الطحاوي إلى أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وأن ترك ذلك آخر الفعلين منه؛ بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة رضي الله عنها، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما فعلت.

وقال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة رضي الله عنه نسخ ما روته عائشة لذكره يوم صلي على أبي بكر في المسجد، ويوم صلي على عمر في المسجد، ولذكره لمن أنكر على عائشة رضي الله عنها أمرها بادخاله المسجد، ولذكره أبو هريرة رضي الله عنه يوم روت فيه الخبر المنسوخ، وإنما أنكره من لم يكن عنده علم بجوازه، فلما روت لهم عائشة رضي الله عنها الحديث سكتوا وصدروا عنه ولم ينكروه ولا عارضوه. قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه وعمر صلي عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكاره الدليل على جوازه. وقد يحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه إن ثبت نقصان أجر من صلى عليه في المسجد.

الأجر؛ لأن من صلى عليها في المسجد الغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، ومن سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنها وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضاً على كثرة خطاه، فصار الذي يصلي عليها في المسجد منقوص الأجر.

بالإضافة إلى هذا، قال بعضهم: لا شيء له، أي لا شيء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]، وهذا والذي قبله ضعيفان؛ لأنه لو قال: من صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء عليه، طيب هو احنا زادنا إيه؟ هو ده محتاج بيان، ما هو الأصل على الأصل، الصلاة بتكون في المسجد، صح؟ الحكم الثاني هو اللي محتاج بيان، ولا إيه رأيك فضيلة الشيخ حمزة؟

الحمد لله، شيخنا بس كأنه فهمت أنه من عادتهم عادة الصحابة كانت عدم الصلاة عليه في المسجد في البداية؟ لا عادي، يعني بغض النظر الحين عن التقديم، إنهم هم كانوا يصلوا عادة، يعني كان في مكان جنب المقابر كده بيصلوا فيه، صح؟ جزاكم الله خيراً.

قال: باب الصلاة على القبر.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء -أو رجلاً- كان يقُمُّ المسجد -ده- فقده النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه، فقيل: مات، قال: ألا آذنتموني به؟ قال: دلوني على قبره، فدلوه فصلى عليه. وأخرجه.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه. قال الترمذي: وفي الباب عن أنس، وبريدة، ويزيد بن ثابت، وأبي هريرة رضي الله عنه، وعامر بن ربيعة، وأبي قتادة، وسهل بن حنيف. قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.

وقال بعض أهل العلم: لا يصلى على القبر، وهو قول مالك بن انس. وقال عبد الله بن المبارك: إذا دفن الميت ولم يصلى عليه صلي على القبر. وقال الإمام أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر.. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه كلها حسان.

وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده -فذكر الحديث- فأتى قبره فصلى عليه. ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول ابن مبارك فإن وقائع أعيان، والله تعالى أعلم.

باب في اللحد.

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللحد لنا والشق لغيرنا». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: غريب هذا آخر كلامه، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ولا يحتج بحديثه. وأخرجه ابن ماجه أيضاً من حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي إسناده أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي ولا يحتج بحديثه، وذكر ابن عدي أنه لا يتابعه عليه أحد.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: الحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم.

باب الجلوس عند القبر.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فتينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلاً القبلة وجلسنا معه. وأخرجه النسائي وابن ماجه.

قال ابن القيم رحمه الله: وأخرجه الإمام أحمد والحاكم في صحيح، وقد عله أبو حاتم البستي بأن قال: زاذان لم يسمعه من البراء. قال: ولذلك لم أخرج، وهذه العله فاسدة، فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب يقول -فذكره- ذكره أبو عوانة الإسفراييني في صحيحه، وله ابن حزم أيضاً بضعف المنهال بن عمرو وهي علة فاسدة، فإن المنهال ثقة صدوق، وقد صححه ابن أبي نعيم وغيره.

قال: باب في تسوية القبر.

عن أبي هياج الأسدي قال: بعثني عليّ، قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته. وأخرجه مسلم.

وعن أبي علي الهمداني -وهو ثمامة بن شفي من تابع أهل مصر- قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فامر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها. وأخرجه مسلم.

وعن القاسم -وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق- قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما. فكشفت لي عن ثلاثة قبور: لا مشرفه ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.

قال أبو علي: يقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه ورأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم رحمه الله: وفي صحيح البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً، وهذه الآثار لا تضاد بينها، والأمر بتسوية القبور إنما هو تسويتها بالأرض وأن لا ترفع مشرفه عليه، وهذا لا يناقض تسنيمها شيئاً يسيراً عن الأرض. ولو قدر تعارضها فحديث سفيان التمار أصح من حديث القاسم. وقال البيهقي: وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح وأولى أن يكون محفوظاً. وليس الأمر كذلك، فحديث سفيان رواه البخاري وفي الصحيح، وحديث القاسم لم يروه به أحد من أصحاب الصحيح. قال شيخ أبو محمد المقدسي: حديث سفيان التمار أثبت وأصح، فكان العمل به أولى. قال البيهقي: وفي حديث سفيان صحت رؤية سفيان له مسنماً، فكأنه غير القبر عما كان عليه في القديم فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبد الملك ثم أصلح.

باب الميت يصلى على قبره بعد حين.

عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء. واخرجاه وأخرجه النسائي.

قال ابن القيم رحمه الله: وتبويب أبي داوود وذكره هذا الحديث يدل على أن ذلك لا يتقيد عنده بوقت، لا شهر ولا غيره. وقد روى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بعد موتها بشهر، وهذا مرسل صحيح. وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، وصلى على غير واحد في القبر لدون الشهر، ولم يأتي في التحديد نص، صلاته على أم سعد بعد شهر لا ينفي الصلاة بعد أزيد منه، وكون الميت في الغالب لا يبقى أكثر من شهر لا معنى له؛ فإن هذا يختلف باختلاف الأرض، والعظام تبقى مدة طويلة ولا تأثير لتمزق اللحوم.

باب كراهية اتخاذ القبور مساجد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وأخرجه النسائي.

قال ابن القيم رحمه الله: وفي صحيح أبي حاتم بن حبان من حديث عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد».

وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله عز وجل قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لأخذت أبا بكر خليلاً، وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وزاد البخاري: أن هذه الكنيسة ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، وفي رواية: قبره ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذرون مثل ما صنعوا.

وفي صحيح أبي حاتم عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذات عليها المساجد والسرج. قال أبو حاتم: أبو صالح هذا اسمه ميزان ثقة، اسمه ميزان ثقة وليس بصاحب الكلبي ذاك اسمه باذام، وقال الأشبيلي: هو باذا صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جداً، وكان شيخنا أبو الحجاج المزي يرجح هذا أيضاً.

وقال: باب المشي في الحذاء بين القبور. عن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد فهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما اسمك؟» فقال: زحم. قال: «بل أنت بشير». قال: بينما أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبور المشركين فقال: «لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً» ثلاثاً، ثم مر بقبور المسلمين فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً». وحانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: «يا صاحب السبتيتين! ويحك، ألق سبتيتك». فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرمى بهما. وأخرجه النسائي وابن ماجه، وبشير هذا هو ابن الخصاصية وهي أمه.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. قال ابن القيم رحمه الله: وقلّف الناس في هذين الحديثين، فضعفت طائفة حديث بشير، وقال البيهقي: رواه جماعة عن الأسود بن شيبان ولا يعرف إلا بهذا الإسناد. وقد ثبت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذا الحديث، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: حديث بشير إسناده جيد أذهب إليه إلا من علة، قال المجوزون: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه قذراً فأمره أن يخلعهما، ويحتمل أن يكون كره له المشي فيهما لما فيه من الخيلاء، فإن النعال السبتية من زي أهل التنعم والرفاهية، كما قال عمر أبطال كان ثيابه في سرحة يحذى نعال السبت ليس بتوامه. وهذا ليس بشيء ولا ذكر في الحديث لشيء من ذلك.

ومن تدبر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه، علم أن النهي إنما كان احتراماً لسكانها أن يوطئ بالنعال فوق رؤوسهم، ولهذا ينهى عن التغوط بين القبور. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الجلوس على الجمر حتى تحرق الثياب خير من الجلوس إلى القبر، ومعلوم أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال. وبالجملة فاحترام الميت في قبره بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيا، فإن القبر قد صار داره. وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسره حياً»؛ فدل على احترام في قبره كاحترامه في داره.

والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاورهم، وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم، فهي منازل المرحومين ومهبط الرحمة، ويلقى بعضهم على أفنية قبورهم يتجالسون ويتزاورون كما تضافرت به الآثار. ومن تأمل كتاب القبور لابن أبي الدنيا رأى فيه آثاراً كثيرة في ذلك، فكيف يستبعد أن يكون من محاسن الشريعة إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها؟ بل هذا من تمام محاسنها وشاهده ما ذكرناه من وطئها والجلوس عليها والاتكاء عليها.

وأما تضعيف حديث بشير فمما لم نعلم أحداً طعن فيه، بل قد قال الإمام أحمد: إسناده جيد. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان عبد الله بن عثمان يقول فيه: حديث جيد ورجل ثقة. وأما معارضته بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليسمع قرع نعالهم»، فمعارضة فاسدة، فإن هذا إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالواقع وهو سماع الميت قرع نعال الحي، وهذا لا يدل على جواز وطء القبور والمشي بينها بالنعال؛ إذ الإخبار عن وقوع الشيء لا يدل على جوازه ولا تعليمه ولا حكمه فكيف يعارض النهي الصريح به؟ قال الخطابي مشهوراً: إن الأخبار لا يؤخذ منها حكم.

قال الخطابي: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ القبور. وقد روى ابن ماجه في سننه عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لان أمشى على جمره أو سيف أو أخصف نعلي برجل أحب إلي من أن أمشى على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبر كذا قال قضيت حاجتي أو وسط الطريق». وعلى هذا فلا فرق بين النعل والخف والمدا والزربول. وقال القاضي أبو يعلى: ذلك مختص بالنعال لا يتعداها إلى غيرها، قال: لأن الحكم تعبد غير معلل فلا يتعدى مورد النص، وفيما تقدم كفاية في رد هذا وبالله التوفيق.

قال: باب في زيارة النساء القبور. عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن. وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا هو باذان ويقال باذان مكي مولى أم هانئ بنت أبي طالب وهو صاحب الكلبي، وقد قيل إنه لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال ابن عدي: ولم أعلم أحداً من المتقدمين رضيه، وقد نقل عن يحيى بن سعيد القطان وغيره تحسين أمره فلعله يريد رضيه حجة أو قال هو ثقة.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد تقدم أبو حاتم خالفه في ذلك، وقال: أبو صالح هذا هو ميزان ثقة وليس بصاحب الكلبي، ذاك اسمه باذام. وقد أخرج الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور، قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وهو في الباب عن ابن عباس زو

ولا زوارات؟ مش زوارات، زوارات، زوارات جزاكم الله خيراً. قال: «لعن زوارات القبور»، قال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وفي الباب عن ابن عباس، وحسان. وحديث حسان بن ثابت قد أخرجه الإمام أحمد في مسنده. قال: وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ربيعة بن سيف المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي.

شيخنا حسان، ماهي ممنوع من الصرف لأنه ألف نون؟ جزاكم الله خيراً. قال: عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر قال: قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا فاطمة يا فاطمة بيتك؟ قالت: يا رسول الله أتيت أهل هذا الميت فعزينا ميتهم. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك.

فسألت ربيعة فيها مكتوب أن حسان مختلف فيها، بعضهم قال: جائزة الصرف، وبعضهم قال: جائزة المنع. فلماذا؟ قال: إذا كان أصلها حسن يبقى مصروفة، حيث النون هنا أصلية، وهو إذا كان أصلها حس فهي ممنوعة من الصرف لأن الألف والنون هنا زائدتان. فجزاك الله خيراً، يعني قرأت كتير عن حسان بن ثابت، حسان ثابت، فهمت، الله أعلم، الله يكتب أجرَك.

قال: فسألت ربيعة عن الكدى، فقال: القبور. قال أبو حاتم: يريد الجنة العالية التي يدخلها من لم يرتكب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن فاطمة علمت النهي فيه قبل ذلك، والجنة هي جنان كثيرة لا جنة واحدة، والمشرك لا يدخل الجنة أصلاً، لا عالية ولا سافلة ولا ما بينهما. وقد طعن غيره في هذا الحديث، وقالوا: هو غير صحيح؛ لأن ربيعة بن سيف هذا ضعيف الحديث، عنده مناكير.

وقد اختلف في زيارة القبور للنساء على ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم لهذه الأحاديث. والثاني: يكره من غير تحريم، وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه، وحجة هذا القول حديث أم عطية المتفق عليه: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا»، وهذا يدل على أن النهي عنه للكراهة لا للتحريم. والثالث: أنه مباح لهن غير مكروه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، واحتج لهذا القول بوجوه:

أحدها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن...». واحتج -يعني أنه مش بيتكلم عن أحمد بس جزاكم الله خيراً- قال: واحتج حجة لهذا القول بوجوه: أحدها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وفيه أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت».

قالوا: وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه، بل هن المراد به؛ فانه إنما علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال، وهذا صريح في النسخ؛ لأنه قد صرح فيه بتقديم النهي، ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نهي عنهن فيتناولهن الإذن. قالوا: وايضاً فقد قال عبد الله بن أبي مليكة لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زياره القبور. قالت: نعم، قد نهى ثم أمر بزيارتها. رواه البيهقي من حديث يزيد بن زريع، عن بسطام بن مسلم، عن أبي التياح، عن ابن أبي مليكة. وروى الترمذي عن ابن أبي مليكة قالت: وفي عبد الرحمن بن أبي بكر بحبشي فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة رضي الله عنها أتت قبر عبد الرحمن فقالت: وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأنّي ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً

ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك.

قالوا: وأيضاً فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها فقال لها: «اتقي الله واصبري». فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذها مثل الموت -ما أنت يعني هي الست مش هتتكلم بالطريقة بتاعتك دي، يعني أنت حط الشيء في موضعه، مش ممكن ترفع كده صوتها، يعني أنت كويس إن أنت بتحاول توصل، لكن خليك انتبه، يعني هي بتكلم النبي عليه الصلاة والسلام أو حتى لو بتكلم أي راجل مش، ما ظنش إن هي قالت كده، وإن كانت إن هي ما تعرفش إن هو النبي عليه الصلاة والسلام، بس يعني إيه ما نحملهاش ما لا تحتمل، كفاية اللي قالته جزاك الله خيراً-.

قال: فقال لها: «اتقي الله واصبري». فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذها مثل الموت، فاتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وترجم عليه البخاري: باب زيارة القبور. وقالوا: ولأن البخاري بيشير لضعف الآي... أيوه فهمت دي من طرق البخاري، إن هو يشير لضعف الرواية بتخريج ما ثبت فيما يخالفه. قالوا: ولأن تعليله زيارتها بتذكير الآخرة أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن.

قال الأولون: أحاديث التحريم صريحة في معناها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن نساء على الزيارة، واللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرن اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرد، وهذا غير منسوخ، بل لعن في مرض موته من فعله كما تقدم. وقال صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم»، إنما هو صيغة خطاب الذكور والإناث، وإن دخلنا فيه تغليباً فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور.

قالوا: أما قولكم إن النهي إنما كان للنساء خاصة فغير صحيح؛ لأن قوله كنت نهيتكم خطاب للذكور أصلاً، قلت: نهيتكن... لو كان للنساء، فاهم؟ أجمل حاجة في ابن القيم إنه بيجيب لك أدلة كل قول باستقصاء لدرجة أنك بتفكر إنه بينصر القول ده، بعد كده تفاجئ إنه لسه هيرد عليه، بيوديك وبيجيبك.

أجمل حاجة إيه في الدروس دي كلها إن ما فيش واحد فيكم يوماً ما هيقول أنا متخصص على نفسه، يعني ولا عليا، خلاص كده، بس دي كفاية عندي، تتأادب كده وتبقى ماشي إيه جنب الحيط. طب شيخ، ما فهمتليش أخرج النساء من صيغة الجمع؟ لا، هو بيقول أنتوا بتقولوا إن النساء بس هن المرادات بهذا لأنه هن اللي نهين، فقالوا: لو كان النساء بس كان نهيتكن، فهم قال فلا بد وأن يتناولهم، ولو كان النهي إنما كان للنساء خاصة لقال: كنت نهيتكن، ولم يقل: نهيتكم، بل كان في أوله.

الاسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعاً للتعلق بالأموات وسداً لذريعة الشرك التي أصلها من عبادة القبور، كما قال ابن عباس رضي الله عنه. فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين، أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء، فأذن حينئذ فيها. فكان نهيه عنها للمصلحة وأذنه فيها للمصلحة.

وأما النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به. فمنعهن من الزيارة من محاسن الشرع.

وقد روى البيهقي وغيره من حديث محمد بن الحنفية عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة فرأى نسوة جلوساً فقال: «ما يجلسكن؟» فقلنا: الجنازة. فقال: «أتحملن في من يحمل؟» قلنا: لا. قال: «فتدلين في من يدلي؟» قلنا: لا. قال: «فتغسلن في من يغسل؟» قلنا: لا. قال: «فارجعن مأجورات غير مأجورات». وفي رواية: «فتحثين في من يحثو؟» ولم يذكر الغسل.

فهذا يدل على أن اتباعهن الجنازة وزر لا أجر لهن فيه، إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعها بل مفسدة للحي والميت. قالوا: وأما حديث عائشة رضي الله عنها فالمحفوظ فيه حديث الترمذي، وعائشة رضي الله عنها إنما قدمت مكة للحج فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه، وهذا لا باس به وإنما الكلام في قصد الخروج لزيارتهن. ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته فهي قد قالت: لو شهدتك لما زرتك، وهذا يدل على أنه من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور وإلا لم يكن في قولها ذلك معناه.

وأما رواية البيهقي وقولها: نهى عنها ثم أمر بزيارتها، فهي من رواية بسطام بن مسلم، ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي، وتأويله إنما يكون مقبولاً حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا قد عارضه أحاديث المنع.

قالوا: وأما حديث أنس فهو حجة لنا، فانه لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ومن جملتها النهي عن الزيارة، وقال لها: «اصبري». ومعلوم أن مجيئها إلى القبر وبكائها مناف للصبر. فلما ابت أن تقبل منه ولم تعرفه انصرف عنها، فلما علمت أنه صلى الله عليه وسلم هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره، فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء؟

وبعد فلا يعلم أن هذه القضية بعد لعن زائرات القبور. ونحن نقول: إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع، أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز، فعلى التقديرين لا تعارض أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم.

وأما قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، فهو حجة للمنع، وقولها: ولم يعزم علينا، إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة، وليس ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم بل مجرد النهي كاف. ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن لله ولرسوله فاستغنينا عن العزيمة، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي، وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها وبالله التوفيق.

باب المحرم يموت كيف يصنع به. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وقصته راحلته فمات وهو محرم، فقال: «كفنوه في ثوبيه واغسلوه بماء وسدر ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي». وأخرجه الباقون. وفي رواية: في ثوبين. وفي رواية: ولا تحنطوه.

قال ابن القيم رحمه الله: وفي رواية لمسلم: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه». وفي رواية: «ولا تغطوا وجهه». وفي رواية: «فانه يبعث وهو يهل». قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول في هذا الحديث خمس سنن: كفنوه في ثوبيه أي أن يكفن الميت في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر أي في الغسلات كلها، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً، والكفن من جميع المال.

قال ابن القيم رحمه الله: وفتح الإامام أحمد لمن بعده خمس سنن أخرى: إحداها أن المحرم لا يمنع من الغسل بالسدر. الثانية أن الإحرام لا ينقطع بالموت خلافا لمن قال يبطل أحرمه، فاستغنى الإامام أحمد عن ذكر هذه بقوله: «ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً» فان هذا يدل على أمر ين؛ أحدهما منع المحرم من ذلك، والثاني أن المحرم الميت يجنب ما يجنبه المحرم الحي.

الثالثة أن المحرم ممنوع من تغطية وجهه وهو إحدى الروايتين عن الإامام أحمد. الرابعة أن الماء المتغير بالطاهرات لا تزول طهوريته، لأنه أمر بغسله بماء وسدر ولم يخص غسله. الخامسة كما يدل على أن الكفن من جميع المال لا من الثلث لعدم استفصاله، فهو دال على أنه مقدم على الدين أيضاً لعدم الاستفصال، وهذا كما يقدم ما يستره في حياته على حق الغرماء كذلك ما يستره في مماته والله أعلم. والحمد لله رب العالمين.