الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس الثالث من قراءتنا لكتاب تهذيب السنن لابن القيم رحمه الله، صفحة تسع وعشرون.
ما يزال الحديث عن الحديث: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، وهو الآن يتكلم عن: «وتحليلها التسليم».
أحسن الله إليكم، غفر الله لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمنا الله وإياه: الحكم الثالث قوله: «وتحليلها التسليم». والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله، والكلام في هذا اللفظ ودلالته على شيئين: أحدهما أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم، وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعين التسليم بل يخرج منها بالمنافي لها من حدث أو عمل مبطل ونحوه. رواه أحمد وأبو داود.
رواه أحمد وأبو داود، نعم، ممنوع من الصرف. رواه أحمد وأبو داود، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء في صلاته، ولو كان فرضا لعلمه إياه، وأنه ليس من الصلاة، فإنه ينافيها ويخرج به منها، ولهذا لو أتى بها في اثنائها أبطلها، وإذا لم يكن منها علم أنه شرع منافيا لها، والمنافي لا يتعين. هذا غاية ما يحتج به.
والجمهور أجابوا عن هذه الحجج، أما حديث ابن مسعود فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: «إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك» من كلام ابن مسعود. وفصله شعبة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه.
وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء في صلاته فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة، ولا تدل؛ لأن المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة. يعني القيم هنا يخطئ من يستدل بهذا الحديث على ترك عدد من الواجبات، فهم حجتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم المسيء لصلاته هذا الأمر، فبالتالي هو ليس من واجبات الصلاة فليس حجة.
فلعله لم يسيء في السلام، بل هذا هو الظاهر، فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام. وأيضا فلو قدر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدل عليه ترك التعليم استصحاب بقاء الذمة من الوجوب، فكيف يقدم على الأدلة الناقلة لحكم الاستصحاب؟
وأيضا فإنكم لم توجبوا في الصلاة كل ما أمر به المسيء، فكيف تحتجون بترك أمره على عدم الوجوب؟ وهو يلزمهم هنا.
ولا يصح أن تحتج بدليل على أمر وأنت نفسك لا تلتزم هذا الاحتجاج في مواضع أخرى، مثلاً ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] فانت تقول الله سبحانه وتعالى أمر بإتمام الحج، والحج واجب، يبقى إذا العمرة كذلك واجبة، وانت نفسك لا تعمل بهذه الدلالة، هي دلالة الاقتران في مواضع أخرى، فإذا كنت لا تعمل بدلالة الاقتران يبقى لا يصح أن تعتمد عليها وحدها في إيجاب العمرة.
ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب، فانه قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» ولم توجب التكبير، وقال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً»، وقلتم: لو ترك طمأننيته لم تبطل صلاته. هذا يدل على أن علمك بمذهب المخالف يعينك في الرد على قوله، وكثير من الناس لا يلتفت إلى هذا الأمر، ينظر إلى الحجة بغض النظر عن المحتج، وهذا خطأ كبير جدا في النقد. أصلاً مبنى النقد هو على علمك بالمخالف، وأنتم رايتم مثلاً محمد بن الحسن الشيباني لما كان يرد على مالك رحمه الله كان يحج من هذا الوجه، يقول له أنت مثلاً، أو حتى الشافعي لما قال له أنت تركت هذا الحديث لاجل قول ابن عمر وأنت أصلاً تركت قول ابن عمر في مسائل كثيرة، وهو عدها كان مجهزها له.
وأما قولكم إنه ليس من الصلاة، فإنه ينافيها ويخرج منها به، فجوابه أن السلام من تمامها وهو نهايتها، ونهاية الشيء منه ليس خارجاً عن حقيقته، ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء، بخلاف مفتاحها فإن أضافته إضافة مغاير، بخلاف تحليلها فانه يقتضي أنه لا يتحلل منها إلا به.
وأما بطلان الصلاة إذا فعله في اثنائها فلانه قطع لها قبل اتمامها، وإتيان نهايتها قبل فراغها فلذلك أبطلها. فالتسليم آخرها وخاتمها، كما في حديث أبي حميد: «ويختم صلاته بالتسليم». فنسبة التسليم إلى آخرها كنسبة تكبير الإحرام إلى أولها، فقول الله أكبر أول أجزائها، وقول السلام عليكم آخر أجزائها.
ثم لو سلم أنه ليس جزءا منها فإنه تحليل لها، لا يخرج منها إلا به، وذلك لا ينفي وجوبه، فكونه تحليلا يمنع الإيجاب. فإن قيل: ولا يقتضيه؟ قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في التسليم تعين الاتيان به، وقد تقدم بيان الحصر من وجهين.
وهذا كله يرد على الحنفية الذين يقولون يخرج بأي ناقض من النواقض، حتى كانت مشهورة المناظرة التي هي بين واحد حنفي وواحد شافعي، فالسافعي يعني قال، بيحكوها يعني يحكونها عن أن في أمير أراد أن يرى الصلاتين، فالشافعي كان يعني ذكي فبدل ما يخرج من الصلاة راح جه أخرج ريح بصوت عالي، قال له: كدة أنا خرجت من الصلاة. فاهم؟ يعني عايز يقولوا دي عند الأحناف يحكونها عن القفال ابن القفال حاجات زي كده.
فصل: وقد دل هذا الحديث على أن كل ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا الوتر بركعة، خلافا لبعضهم واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». وجوابه أن كثيرا من الحفاظ طعن في هذه الزيادة وراوها غير محفوظة.
وأيضا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فينبغي أن يفتحه الطهور. وأيضا فالمغرب وتر مثنى والطهارة شرط فيها. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم سمى الوتر صلاة بقوله: «فإذا خفت الصبح فصلي ركعة واحدة توتر لك ما قد صليت». وأيضا فإجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر. فهذا القول في غاية الفساد.
ويدخل في الحديث أيضا صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، وهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف عنهم فيه خلاف، وقول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة، خلافا لبعض التابعين. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها صلاة، وكذلك الصحابة وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها طردا وعكسا، فكل ما كان تحريمه التكبير وتحليله التسليم فلا بد من افتتاحه بالطهاره.
فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت، فانه يفتتح بالطهارة ولا تحريم فيه ولا تحليل؟ قيل: شرط النقد أن يكون ثابتا بنص أو إجماع، وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين: أحدهما أنها شرط، كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد. والثاني ليس بشرط، نص عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره، بل نصه في رواية عبد الله تدل على أنها ليست بواجبة، فانه قال: أحب إلي أن يتوضأ. وهذا مثل أبي حنيفة. قال شيخ الاسلام: وهذا قول أكثر السلف. قال: وهو الصحيح، فانه لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرة ولا في...
حجته، لا في عمره ولا في حجته مع كثرة من حج معه واعتمر. ويمتنع أن يكون ذلك واجباً ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع. فإن قيل: فقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم متوضئاً وقال: «خذوا عني مناسِكَكُم». قيل: الفعل لا يدل على الوجوب، والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل. فإذا كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب فأوجبناه، لم نكن قد اخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه صلى الله عليه وسلم فعل في حجته أشياء كثيرة جداً لم يوجبها أحد من الفقهاء.
فإن قيل: فما تقولون في حديث ابن عباس: الطواف بالبيت صلاة؟ قيل: هذا قد اختلف في رفعه ووقفه، فقال النسائي والدارقطني وغيرهما: والصواب أنه موقوف. وعلى تقدير رفعه فالمراد تشبيهه للصلاة؛ كما يشبه انتظار الصلاة بالصلاة، وكما قاله أبو الدرداء: ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم في صلاة ما دام يعمد إلى الصلاة». فالطواف وإن سمي صلاةً فهو صلاة بالاسم العام، ليس بصلاة خاصة والوضوء إنه يشترط للصلاة الخاصة ذات التحريم، وهنا يرد على من اشترط للطواف الوضوء.
فإن قيل: فما تقولون في سجود التلاوة والشكر؟ قيل: فيه قولان مشهوران: أحدهما يشترط له الطهارة، وهذا هو المشهور عند الفقهاء ولا يعرف كثير منهم فيه خلافاً، وربما ظنه بعضهم إجماعاً. والثاني: لا يشترط له الطهارة، وهذا قول كثير من السلف حكاه عنه ابن بطال في شرح البخاري، وهو قول عبد الله بن عمر ذكره البخاري عنه في صحيحه فقال: وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء. وترجمة البخاري واستدلاله يدل على اختياره، فانه قال: باب من قال يسجد على غير وضوء، هذا لفظه.
واحتج الموجبون الوضوء له بأنه صلاة، قالوا: فإنه له تحريم وتحليل، كما قال بعض أصحاب محمد، بعض أصحاب أحمد والشافعي، وفيه وجه أنه يتشهد له، وهذه حقيقة الصلاة، والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلم له، وقال عطاء بن سيرين: إذا رفع رأسه يسلم، وبه قال إسحاق بن راهويه، واحتج بقوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم». قالوا: ولانه يفعل تبعاً للإمام، ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إماماً للمستمع، وهذه حقيقة الصلاة.
قال الآخرون: ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس. وأما استدلالكم بقوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، فهو أقوى ما يحتج به عليكم، فإن أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحد قط نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه سلم منه. وقد أنكر أحمد السلام منه، وقال الخطابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا. وقال الحسن البصري: ليس في السجود تسليم. ويذكر نحوه عن إبراهيم النخعي، وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلم فيه.
والذي يدل على ذلك أن الذين قالوا يسلم منه إنما احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وتحليلها السلام»، وبذلك احتج لهم إسحاق، وهذا استدلال ضعيف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوها ولم ينقل عنهم سلام منها، ولهذا أنكره أحمد وغيره. وتجويز كونه سلم منه ولم ينقل كَتَجْوِيزِ كونه سلم من الطواف. قالوا: والسجود هو من جنس ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء، ولهذا يشرع في الصلاة وخارجها، فكما لا يشترط الوضوء لهذه الأمور -وإن كانت من أجزاء الصلاة- فكذلك لا يشترط للسجود، وكونه جزءاً من أجزائها لا يوجب أن لا يفعل إلا بوضوء.
واحتج البخاري بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، ومعلوم أن الكافر لا وضوء له. قالوا: وأيضاً فالمسلمون الذين سجدوا معه صلى الله عليه وسلم لم يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالطهارة ولا سألهم هل كنتم متطهرين أم لا، ولو كانت الطهارة شرطاً فيه لزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمرهم بالطهارة، وإما أن يسألهم بعد السجود ليبين لهم الاشتراط، ولم ينقل مسلم واحداً منهما.
فإن قيل: فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك، وهذا جواب بعض الموجبين. قيل: الطهارة شرعت للصلاة من حين مبدأ البعث، وما صلى قط إلا بطهارة، أتاه جبريل فعلمه الطهارة والصلاة، وفي حديث إسلام عمر أنه لم يمكن من مس القرآن إلا بعد تطهره. فكيف نظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء؟ قالوا: وأيضاً فيبعد جداً أن يكون المسلمون كلهم إذن على وضوء. قالوا: وأيضاً ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرا القرآن فيقرا السورة فيها السجده فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته. قالوا: وقد كان يقرا القرآن عليهم في المجامع كلها، ومن البعيد جداً أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضهم مكاناً لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضئ وغيره.
قالوا: وأيضاً فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السحرة سجدوا لله سجَدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها، ولم يكونوا متطهرين قطعاً. والمنازعون يقولون: مثل هذا السجود حرام، فكيف يمدحهم ويثني عليهم بما لا يجوز؟ فإن قيل: شرع من قبلنا ليس بشرع لنا. قيل: قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا، وذلك منصوص عنهم أنفسهم في غير موضع. قالوا: سلمنا، لكن لم يرد شرعنا بخلافه. قالوا المجوزون: فأين ورد في شرعنا خلافه؟
قالوا: وأيضاً فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة وتفعل بلا وضوء، فالسجود أولى. قالوا: وأيضاً فالله سبحانه وتعالى أثنى على كل من سجد عند التلاوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِم يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107]، وهذا يدل على أنهم سجدوا عقب تلاوته بلا فصل، وسواء كانوا بوضوء أو بغيره، لأنه أثنى عليهم بمجرد السجود عقب التلاوة ولم يشترط وضوءاً، وكذالك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58].
قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم المنتظرة، وقد تظاهرت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعله في مواضع متعددة، وكذلك أصحابه مع ورود الخبر السار عليهم بغتة، وكانوا يسجدون عاقبة ولم يؤمروا بوضوء ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء. ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها. قالوا: ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك وتكون الطهارة شرطاً فيه، ولا سنّها ولا يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا روي عنهم في ذلك حرف واحد!
وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين: أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع؛ إذ لا قراءة فيه، ولا ركوع، ولا فرضا، ولا سنة ثابتة بتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإامم فيه ولا مصافة فيه، وليس إلحاق محل النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق. الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع -لو كان صحيحاً- إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر ابن خلكان في ترجمته عن إمام الحرمين عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله الجويني أن السلطان المذكور كان حنفي المذهب، وكان مولعاً بعلم الحديث، وكان يسمع عنده الحديث، وكان يسأل عن معناه فيجد أكثره موافقة لمذهب الشافعي. فجمع فقهاء المذهبين والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين، فوقع الاتفاق على أن يصلي بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، ثم على مذهب أبي حنيفة ركعتين -يعني تمام- قال: فينظر السلطان إلى ذلك ويختار الأحسن. فصلى القفال المروزي بطهارة سابغة وشرائط معتبرة.
على مذهب الشافعي وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة وأتى بالأركان والهيئات والسنن والبعض والآداب على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها.
ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه؛ فلبس جلد كلب كان مدبوغاً ولطخ بعضه بالنجاسة، لأنهم يعني عندهم يجوز لو كانت يعني جزء من الملابس فيه نجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر وكان ذلك في صميم الصيف فاجتمع عليه الذباب والبعوض وكان وضوءه منكساً منعكساً -يعني حاول يجيب كل حاجة جائزة فاهم- ثم استقبل القبلة وأحرام بالصلاة من غير نية، خلينا نكملها، ها من غير نية الوضوء وكبر بالفارسية، ما هو الثاني قال لك أي تعظيم، ثم قرأ بها يعني قرأ بلغة فارس، ثم نقر كنقرات الديك لأن الاطمئنان مش واجب تمام، من غير فصل بينهما من غير طمانينة وتشهد ودرط في آخره، وخرج من غير نية السلام وقال أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة.
فقال السلطان لو لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة لقتلتك، يعني معقول دي صلاة أبو حنيفة؟ فإن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه الصلاة جائزة عند أبي حنيفة، فطلب القفال كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان بإحضارها وامر نصرانياً أن يقرأ كتب المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة التي صلاها القفال جائزة عند أبي حنيفة، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة وتمسك بمذهب الشافعي.
وذكر بقى يعني إيه دي قصة مشهورة يعني في الطرائف يعني أن هو يعني جاب أسوأ يعني جمع كل الحالات اللي ما تختارش أبداً ما تخرش الميه يعني، يعني حتى لو واحد عمل مخالفة منها مش معقول هيجيب كل المخالفات دي فاهم، اتفضل أكمل احسن الله إليكم.
ثانياً: هذا القياس إنما ينفع لو كان صحيحاً إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تقع الحادثة فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده صلى الله عليه وسلم من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوئه فيمتنع التقييد به فينتقل، فقد روى البيهقي من حديث الليثي عن نافع عن ابن عمر أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر. وهذا يخalid ما رويتموه عن ابن عمر، مع أن في بعض الروايات: وكان ابن عمر يسجد على وضوءه. وهذا هو اللائق به لأجل رواية الليث.
قيل أما أثر الليث وأما رواية من روى، واما رواية من روى يسجد على وضوء فغلط؛ لأن تبويب البخاري واستدلاله وقوله والمشرك ليس على وضوءه ليس على وضوء يدل على أن الرواية بلفظ غير وعليها أكثر رواة، ولعل الناس استشكل ذلك فظن أن لفظة غير غلط فاسقطها، ولا سيما إن كان اغتر بالأثر الضعيف المرجع عن الليث وهذا هو الظاهر، فإن إسقاط الكلمه للاستشكال كثير جداً، وأما زيادة غيره في مثل هذا الموضع فلا يظن زيادتها غلطاً ثم تتفق عليها النسخ المختلفة أو أكثرها.
باب ما ينجس الماء: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوب من الدواب والسباع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان ماء قلتين لم يحمل الخبث». وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلات؟ فذكر معناه. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان الماء قلتين فانه لا ينجس». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
وسئل يحيى بن معين عن حديث حماد بن سلمة حديث عاصم بن المنذر؟ فقال: هذا جيد الإسناد. فقيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث حديث جيد الإسناد. وقال أبو بكر البيهقي: وهذا إسناد صحيح موصول. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وروى الحاكم استدرك وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه الطحاوي.
رواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبي أسامة عن الوليد، ورواه الحميدي عن أبي أسامة حدثنا الوليد عن محمد بن عباد عن ابن جعفر عن عبد الله بن عبد الله عن أبيه، فهذان وجهان.
قال الدارقطني في هاتين الروايتين: فلما اختلف على أبي أسامة اخترنا أن نعلم من من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن وليد بن كثير على الوجهين جميعاً عن محمد بن يحفر بن الزبير، ثم اتبعه عن محمد بن عباد بن يحفر، فصح القولان جميعاً عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعاً، وكان أبو أسامة أنت مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ومره يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر.
ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، رواه جماعة عن ابن إسحاق. وكذلك رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن منذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عن أبيه، وفيه تقوية لحديث إسحاق، فهذه أربعة أوجه.
ووجة خامس: محمد بن كثير المصيصي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجه سادس: معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قوله، قال البيهقي وهو والصواب.
ولكن ال يعني لفظ يحيى بن معين اللي هو صفحة 44 هذا المحقق علق كذا، ساقه المنذري ومصدره معرفة السنن والاثار للبيهقي فقد ساقه بسنده إلى عباس الدوري بنحوه، أقول: وهو في تاريخه ولفظه وهو أتم وأوضح، سمعت يحيى يقول وسئل عن حماد بن سلمة حديث عاصم ابن المنذر بن الزبير عن أبي بكر عبيد الله بن عبد الله بن عمر، هذا أخير الإسناد، أو قال يحيى: هذا جيد الإسناد. قيل له: فإن ابن علية لم يرفع؟ قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير، يعني يحيى في قصة الماء لا ينجسه شيء ماشي.
أكمل احسن الله إليكم قال البيهقي: وهو الصواب، يعني حديث مجاهد وجه سابع بالشك في قلتين أو ثلاث، ذكرها يزيد بن هارون وكامل بن طلحه وابراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن عاصم بن منذر بن الزبير قال: دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستاناً فيه مقراة ماء فيه جلد بعير ميت فتوضأ منه، فقلت: أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟ فحدثنا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء».
ورواه أبو بكر النيسابوري: حدثني أبو حميد المصيصي حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرنا لوط عن أبي إسحاق عن مجاهد أن ابن عباس قال: إذا كان الماء قلتين فصاعداً لم ينجس شيء. ورواها أبو بكر بن عياش عن أبان عن أبي يحيى عن ابن عباس كذلك موقوفاً.
وروى أبو أحمد بن عدي من حديث القاسم العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الأربعين قلة لا يحمل الخبث». تفرد به القاسم العمري هكذا، وهو ضعيف طبعا؛ لأن هو أصلاً محمد بن المنكدر عن جابر هذا من أصح الأسانيد عن جابر بن عبد الله، فلما ينفرد القاسم العمري هذا لابد أن يعد من منكراته، لذلك الكامل في ابن عدي ابن عدي في الكامل ماذا قال؟ وهذا بهذا.
الإسناد بهذا المتن لا أعلم يرويه غير القاسم عن ابن المنكder، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير.
لأن لما بيكون، كما قلت لكم قبل ذلك يا شباب، لما تجد إسناداً معروفاً من أصح الأسانيد التي يوصل بها إلى صحابي، فلابد أن تنظر إلى أول راوي أليس مشهوراً، وتنظر في ترجمة هذا الراوي من الكتب الأربعة المعروفة: الكامل لابن عدي، المجروحين لابن حبان، الضعفاء للعقيلي، ميزان الاعتدال. فغالباً يذكرون الراوي ويذكرون هذا الحديث ليسترشدوا به على نكرته.
مثلاً أنت وجدت علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون». علي بن مسعدة عن قتادة؟ علي بن مسعدة ليس معروفاً من أصحاب قتادة، هو أصلاً ضعيف. فإذا رجعت لترجمة علي بن مسعدة هذا من الكتب، ستجد إنكاراً يعني تضعيف هذا الراوي، ووجود هذا الحديث كشاهد على منكراته.
فهمت كده؟ يبقى دي طريقة مهمة جداً في اختصار البحث. أنت أحياناً تفكر أن كل الأحاديث لازم تبحث من أول المصنف لحد الصحابي! صح؟ تفتكر أنك لابد أن ترجع إلى كتب الرجال من أول، مثلاً لو أنت كنت عند البزار أو عند الطبراني، تأتي من أول ترجمة؟ لا، خطأ. أنت مع الدربة إن شاء الله بتكتسب ملكة أنك بتعرف مين هم الرواة اللي بتدور عليهم الأسانيد، وبتعرف مين أشهر أصحابهم.
فلما تأتي، بس ده طبعا بعد خبرة. مش فكرتني بواحد كان بيقول: هذا الراوي غير معروف مجهول! فقلت له: ده مجهول إزاي يا ابني؟ حجاج الصيص! إزاي مجهول؟ قال لي: يعني أنا مش عارفه! قلت له: هو أنت، هو أنت محمد الرازي ولا حاجة يعني أبو زرعة الرازي مثلاً؟ فهمت؟
فلا يعني، أنت لما يكون عندك دربة كبيرة هنا، بتقدر تكتشف ده، وبيختصر لك كثير جداً من البحث. يبقى أنت تنظر للإسانيد المعروفة، وده هيجعلك أنك تكون أصلاً عارف الصحابة، وعارف مين أشهر التابعين عنهم، ومين أشهر أتباع التابعين، ومين أشهر أصحابهم. في الوقت ده لما بتجد اسم غريب، خصوصاً طبعا إذا كان في كتاب بعيد زي الطبراني، زي البزار، زي الدارقطني السنن وغيرها، هنا تبدأ تنتبه بقى أن ترجمة الراوي ده هي المفتاح.
بس من أنهي كتب بقى؟ الكتب اللي أنا قلت لك عليها. عندك كتب متقدمة ثلاثة، وفي كتاب جمع حاول يجمعه الكتب الثلاثة: الكامل لابن عدي، ده الأصل، ده يعتبر أجمع كتاب في الرواة الذين تكلم فيهم. وبعد كده عندك العقيلي في الضعفاء، والمجروحين لابن حبان. في بقى كتاب ميزان الاعتدال للذهبي، هو حاول بقى يجمع كل الرواة بكل ما فيهم بشيء، فأيضاً بيذكر الرواة والأحاديث المنكرة عليهم.
فلذلك طبيعي جداً الراوي ده، أول ما تقرا اسمه: القاسم العمري عن محمد بن المنكدر، هذا يستغرب، فتعرف على طول أنهم لابد أن يذكروه ويذكروا هذا الحديث كشاهد على نكرتهم.
أحسن الله إليكم، تفرّد به القاسم العمري هكذا، وهو ضعيف وقد نسب إلى الغلط فيه، وقد ضعف القاسم أحمد والبخاري ويحيى بن معين وغيرهم.
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ.
قال: لا، ما قالش هو أخبرنا، قال أخبرنا... أنت بتزود واوات من عندك صلى الله!
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول: حديث محمد بن عبد الحافظ اللي هو مين؟ اللي هو الحاكم. إن الحاكم هو شيخ البيهقي. الحاكم صاحب المستدرك اسمه محمد بن عبد الله بن البيع، هو نفسه هو هذا.
أحسن الله إليكم، سمعت أبا علي الحافظ يقول: حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الأربعين قلّه» خطا. والصحيح عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله، قوله ها! قوله.
قلت: كذلك رواها عبد الرزاق. شوف شوف، هو غلط في أول شيء، أن هو، ودي مهمة جداً يا شباب أنك تفهمها: أن في طريق يسمى طريق الجدة، طريق الجدة هو الطريق المعروف الأغلب في الرواية؛ مثلاً مالك عن نافع عن ابن عمر، تمام. محمد بن المنكدر عن جابر، الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. فهمت كده؟ ده اسمه طريق الجدة اللي هو المعروف. فبتلاقي عدد من الرواة لما بيخطئ ويبقى الحديث محمد بن المنكدر، فينسى عن مين، فيقول لك: أكيد محمد بن المنكدر عن جابر! فتعرف أن ده خطا منه، لأنه سلك الجدة. فهو الصواب أن هو رواية محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو بس، لأن الراوي متعود أن محمد بن المنكدر دايمآ بيقول عن جابر، فقال لك: يبقى أكيد إيه؟ عن جابر. فهمت كده؟
أحسن الله إليكم. قلت: كذلك رواها عبد الرزاق، أنبأنا الثوري ومعمر، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله. يبقى الثقات الحفاظ رووا الحديث عن مين؟ عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو من قوله.
إنما الثاني غلط، خلاها إيه؟ خلاها عن جابر ومرفوعاً! يبقى غلط غلطتين: الأولى أن خلاها عن جابر، والثانية أن هو رفعه. فهمت كده؟
وأنت أصلاً يعني في المرحلة اللي أنتم فيها يا شباب، اللي هي مرحلة طلب علم الحديث، أنت في المرحلة دي محتاج تجتهد جهد مضاعف على اللي أنت بتعمله. ليه؟ لأنك إذا كنت تنوي أنك تهتم بعلوم الحديث، فلازم، يعني لازم توسع دائرة قراءتك في كتب علم الرجال والعلل، علشان تكتسب بها خبرة لما تقرا كتب السنة.
أنت أحياناً بتتصور أنك يجب في كل حديث أنك تبحث من أول الإسناد لآخره، تأتي مثلاً من أول الصحابي ثم التابعي ثم... لا، مش صح. أنت في أشياء بتتعّب فيها، بتختصر لك أشياء. من ضمن هذه الأمور أن الخريطة التي ذكرتها لك، اللي فيها أهم الرواة في كل طبقة، أهم الرواة دول معناها أنهم دول أكثر رواة هيقابلوك، فانت لما بتتعب في ترجمة هؤلاء، يكفيك كثير جداً من البحث.
من ضمن كده بقى، أنت أحياناً بتتصور أن هذا سينفعك فقط في معرفة أن هؤلاء رواة ثقات عن الثوري أو عن الأعمش أو عن أبي إسحاق أو عن الزهري فقط. لا، أنت لما تعرف هؤلاء، ستستغرب غيرهم! أنت إذا عرفت مثلاً أن الثوري أشهر الرواة عنه يحيى القطان ووكيع وأبو نعيم الفضل بن دكين وعبد الله بن المبارك، تمام كده، وعبد الرحمن بن مهدي؛ فلما ياتيك واحد غريب عليك، أقل شيء أنه هيلفت انتباهك مين الراوي ده! فهمت كده؟
فأنت ممكن تجد واحد زي ده في البخاري مثلاً: أبو أحمد الزبيري عن الثوري، ده مش اللي أنت اعتدت عليه، صح؟ فده هيستدعي لك فائدة جديدة، إيه هي؟ أن البخاري انتقى لأبي أحمد الزبيري عن الثوري بعض الأحاديث. يبقى دي بقت فائدة جديدة.
فأقصد أقول لك أن في مرحلة أنت الآن في مرحلة الاستقراء. طول الاستقراء، طول... كتاب زي الكامل ابن عدي من أهم الكتب التي تقرأ، لأن الكتاب هذا جمع كل الرواة المتكلم فيهم؛ إما أن هو يقرر الكلام عليهم، أو يفصل فيه، أو يدافع عنهم. يعني ممكن يكون الراوي تكلم فيه، هو يدافع عنه، تمام كده؟ يعني يقول: لا، هو تكلم فيه آه، بس احنا لا نقبل فيه هذا الطعن، ويبدا يدافع عنه.
فهي اللي أنت فيها دي مرحلة ليه أنا بأكد عليه كده؟ لأن الأمر هذا لا تستطيع أن تفعله لما يتاخر بك الأمر، كل ما يتاخر يصعب عليك، لأن مرحلة الشباب هي قله المسؤوليات.
والله، الأذان ده... الله أكبر. أكثر شيء يعني بخاف عليه من الشباب اللي هم دخلوا في البرامج العلمية هي عدم شعوره بأن البرنامج ده مجرد ربع خطوة، فأحياناً يستغرق عمره كله فيه، وبيتصور هو أن كده هو أعلم.
فعلاً هو مش المشكلة إنه مكسل، بس هو مش فاهم، هو فاكر إن كده هو فعلاً بيطلب العلم، فممكن يقعد أربع سنوات من عمره، يكون الأربع سنوات دول يقدر يستفيدهم بأشياء كثيرة بينما هو لا تلاقي عمل جزء بسيط.
سبحان الله، تنوع القراءة للعلماء يكسب الإنسان مهارات كبيرة جداً، يعني لو أنت حصرت نفسك في عالم مهما كان العالم ده كبير، تجد نفسك أسير لطريقته، لكن لما بتنوع القراءة حتى في الفن الواحد لأكثر من عالم، تختلف اختلاف كبير.
يعني مثلاً حتى في شرح الأحاديث، لو أنت شفت كتاب زي الموطأ، لو أنت جمعت شروح الكتاب المهمة، مثلاً ابن عبد البر ليه شرحين الاستذكار والتمهيد، وابن العربي كمان ليه القبس وليه الكتاب اللي هو أوضح المسالك ابن العربي المالكي، وعندك المنتقى للباجي عنده ثلاث كتب المشهور اللي هو إيه المنتقى، الباجي عنده الاستفاء وعنده كتاب ثاني، وعندك شرح الزرقاني، شروح كثيرة، وعندك أوجز المسالك.
سبحان الله، كل كتاب من الكتب دي كل واحد منه، طبعاً زي ما قلت لك إن شرح الكتاب أو تفسير القرآن شرح الأحاديث أو تفسير القرآن هو العلم الوحيد اللي بيستخرج كل ملكات المعلق أو الشارح، ليه؟ لأن هو مثلاً أحياناً تأتي مسألة في الإيمان، مسألة في أسماء الله، في القدر، مسألة في الحكم الفقهي، فهو طبيعي جداً هيمر على كل الأبواب.
فنفس الشيء في أبواب العلم، أنت مثلاً لما تقرا لعالم مثل ابن تيمية، تكتسب منه مهارات كبيرة جداً في طريقته، لما تقرا لابن القيم نفس الشيء، لما تقرا لابن حجر العسقلاني، لما تقرا للنووي، تقرا لابن كثير، ابن رجب الحنبلي، فعلشان كده شعور الطالب علم الطالب بالعلماء في كل طبقة من طبقات الإسلام مهم جداً.
أنت أحياناً بتحصر نفسك في عالم هو فعلاً كبير فاهم زي ابن تيمية، كتير جداً أعرفهم من الشباب لما بدأنا في استقراء كتب ابن تيمية انبهر به جداً، كان مجموعة شباب أذكياء جداً كانوا حوالي 10، في طبعاً أنا دايماً بدرس كتب ابن تيمية، ولكن الشباب دول بالذات يعني كان مستواهم عالي جداً في الذكاء، فلما درسنا كتب ابن تيمية انبهروا به بشكل غير عادي، إن هم كأنها نافذة أول مرة تفتح عليهم، فعدد منهم بقى حصر نفسه فيه.
لا، هو العلماء هم مراحل في حياة الإنسان، لا ينبغي أن تحصر نفسك في أي عالم مهما رايت علمه، يعني حتى البخاري رحمه الله كتابه يعتبر أجل كتاب، ولكن مع ذلك الاقتصار على البخاري لطالب العلم خطأ، لأن البخاري سبقه علماء ولحقه علماء، فهمت كده؟
فمثلاً الإام مسلم ينفعك جداً في أبواب لم ينفعك فيها البخاري، فهمت؟ وهكذا، فالمهم خلينا نرجع تاني للفكرة بتاعتنا اللي هي فكرة علوم الحديث.
علوم الحديث يا شباب أكبر عائق في علوم الحديث إن علوم الحديث لا تظهر ثمرته إلا لما تدخل فيه كافه، شوف ادخلوا في السلم كافة، هو كده، فانت لازم تمشي بالتوازي في المواد، أنت أحياناً بتدرس مثلاً متن في المصطلح مثلاً مثل نخبة الفكر وتدرس له 10 شروح، أنت لا تدري أنك أنت في نقطة واحدة الآن، يعني أنت في نقطة واحدة تدور فيها، إيه هي؟ مجرد معرفة المصطلحات عند المتأخرين أصلاً، فاهم؟
فلعلشان كده هي أكبر شيء أنا بحاول أبثه في الشباب، ولكن بعضهم لا يحب أن يستمع إلى هذا، ليه؟ لأن ده يكلفه كثيراً، إيه هو؟ إن الفترة اللي أنت فيها من 20 لـ 30 ومن 30 لـ 40، الفترة دي هي الفترة الوحيدة المتاحة أمامك لدراسة العلم بهذه الصورة، الفترات الأخيرة بقى هي الفترات اللي بعد كده مش ممكن يكون فيها نفس الاجتهاد.
فلذلك أنت من الآن لازم تعرف الخطه اللي هي تستنفد يومك كله بالفعل، مش انك أنت تكون درست مثلاً في أكاديمية أو في برنامج علمي وتكون خدت فيه الأول أو خدت فيه الدرجة النهائية، فاهم؟ هي دي المشكلة اللي هي بتسترضي كتير من الشباب، إن هو يحب يرضي نفسه، يحب يحس أن هو عمل إنجاز، فاهم؟
فلأن البرامج أصلاً اتعملت للثقافة العامة توهم بعض الشباب أن البرامج دي بما أن هو طلع الأول فيها إنه هو فعلاً كده طالب علم، لا، العلم أوسع من كده بكثير، يعني حتى علوم الحديث زي ما أنت شايف كده دخلك في شعب، عندك شعبه علم الرجال دي لوحدها، العلل لوحده، تخريج الحديث لوحده، شروح الحديث لوحده، نقد الأحاديث، الخلاف اللي ترتب على فهم الأحاديث، فهمت كده؟
أحسن الله إليكم.
روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان عن عبد الرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال: إذا كان الماء فيه أربعون قلة لم يحمل خبثاً، وخالفه غير واحد فرووه عن أبي هريرة فقالوا أربعون غرباً، ومنهم من قال دلو، قاله الدارقطني.
والاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات: الأول: صحة سنده. الثاني: ثبوت وصله وأن إرساله غير قادح فيه. الثالث: ثبوت رفعه وأن وقف من وقفه ليس بعلة. الرابع: أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه. الخامس: أن القلتين مقدرتان بقلال الحجر. السادس: أن قلال الحجر متساوية من المقدار ليس فيها كبار وصغار. السابع: أن القلة مقدرة بقربتين حجازيتين وأن قرب الحجاز لا تتفاوت. الثامن: أن المفهوم حجة أم لا؟ لأن في حاجة اسمها المفهوم؛ مفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة، فاهم مثلاً: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]، طب افرض كان ضعفاً واحداً ما هو حرام برده، يبقى في حاجة اسمها المفهوم، المفهوم اللي هو فحوى الخطاب تمام كده، فهل المفهوم ده حجة؟
مثلاً: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، يبقى هل معناها إذا كان أقل يحمل الخبث؟ فهمت كده؟ هو ده معناه المفهوم، فهمت؟
أحسن الله إليكم، التاسع: أنه مقدم على... يعني المفهوم هو الذي يفهم ولم يقل، يعني لم يتلفظ به، لكنه مفهوم، فهمت كده، من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، صح؟ هيتفهم منه إيه بقى؟ من مات يشرك بالله شيئاً لم يدخل الجنة، صح ولا لا؟ فهو ده اسمه المفهوم، فهو يريد هل المفهوم حجة؟
لاحظ شوف الحديث الواحد بيستعمل فيه إيه؟ بيستعمل فيه اللغة، بيستعمل فيه دلالة أصولية صح، بيستعمل فيه الأصول، بيستعمل فيه قواعد فقهية، بيستعمل فيه علم علل الحديث.
عشان كده قلت لك إن كتب تفسير القرآن وشروح الحديث من أكثر الكتب التي تستخرج فيها كل العلوم اللي أنت درستها، يعني أنت مثلاً لو أنت بتدرس عقيدة فقط، أنت بتدرس عقيدة أو سيرة أو تاريخ أو أصول فقه، تمام، فانت بتلاقي نفسك داخل في دايرة، تدرس مثلاً هل الأصل في الأمر الوجوب أم لا؟ خلاص مسألة، لكن لما تكون بتتعرض لتفسير القرآن أو شرح الأحاديث، هتلاقي نفسك تلقائياً عمال تدخل في مسألة لغوية، مسألة أصولية، قاعدة فقهية، فهمت كده؟
اتفضل.
أقصد أقول إن الكتب دي بتنمي فيك مهارات زي مثلاً كتاب المغني لابن قدامة، المجموع للنووي، شرح ابن حجر لفتح الباري، فهمت؟ المنتقى للباجي، شرح الزرقاني من أجمل الشروح بالمناسبة، الكتاب متأخر ويعني هو بذل فيه جهداً كبيراً، وإن كان المنتقى للباجي مهم، والتمهيد والاستذكار وغيره كله مهم.
فالمهم الشاهد اللي أنا عايز أقوله لك إن لازم يكون عندك نافذة في قراءة فهم العلماء للقرآن وللحديث، ليه بقى يا شباب؟ لأن أصلاً احنا كل اللي بنتعلمه كل اللي بنتعلمه أشبه بإيه؟ أشبه بأن واحد عملوا له فترة إعداد في اللياقة البدنية، في الجري، السرعة، والقوة، والمرونة، والرشاقة، ليه؟ علشان لما يدخل المباراة ينفذ صح، هو ده بقى المباراة، فانت المفروض بتتعلم كل العلوم ليه؟ علشان تحسن التعامل مع الآيات والأحاديث صح.
التعامل مع الآيات من جهة النص، والأحاديث بيزيد عليها شيء، اللي هو مسألة القبول والرد صح، فأنت لما بتشوف جهد
العلماء في التعامل مع الآيات والأحاديث، خصوصاً العلماء المحققين -أقصد بالمحقق الذي أنا ذكرت لكم صفته؛ وهو أولاً بيهتم بثبوت النص، وينظر فيما قيل قبله، وينظر للأقوال وينقدها ويأتي بالحجج تمام- هم العلماء. والله الطالب الذي يترَبَّى على كتب هؤلاء يفرق جداً عن طالب لا يكون عنده هذا المعين، لأنك تتدرب على هؤلاء: كيف فهموا القرآن؟ كيف فهموا السنة؟
أنا مثلاً أحياناً آتي لآية مشكلة من الآيات التي هي فعلاً تحتاج إلى نظر، مثلاً: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. آية مشكلة حقاً؛ يعني ما معنى: اتبعتم الشيطان إلا قليلاً؟ طب القليل هؤلاء لا يتبعون الشيطان بغير فضل الله؟ يعني هم أصلاً لم يتبعوا الشيطان، ولكن لا يحتاجون إلى فضل الله؟! ما هذا المعنى؟
المهم، فأنت بقى لما تقرا أفهم العلماء لهذه الآية مثلاً، أنت عندك قول خمسين تفسير، شوف كل واحد يتناول الآية من شيء، كل دي ملكات تربى فيك وأنت لا تشعر. تمام كده، لما تأتي مثلاً لحديث: «فَرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ»، مع حديث: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ»، وتشوف العلماء إزاي حاولوا يجمعوا بينهم، كل هذه ملكة. والذي عايز أقوله يا شباب، أن أنت فقير إلى كل صنف من أصناف العلم.
أحياناً إيه بقى المشكلة؟ أنك أنت ما تكونش عارف أن الصنف ده موجود، فتلاقي نفسك ماشي في خط كده، زي ما كتير من الشباب كان مدمن لقراءة كتب المصطلح؛ يعني يحب قراءة المصطلح نفسه، يقرا بقى لابن حجر، للذهبي، يقرا لابن كثير تمام، للعراقي، للسخاوي وأنت طالع بقى، يقعد يقرأ، بعد كده يقرا اللي هي كتب المصطلح: ابن الصلاح والشروح التي عليه.
بينما هو عنده نوافذ كثيرة ثانية لم يأتِ عندها أبداً، لم يقرأ في كتب الرجال، ولا كتب العلل، ولا تخريج الحديث، لم يقرأ حتى كتب السنة التي هي أصلاً ميدان العمل! تصور واحد ميكانيكي عمره ما اشتغل في عربية، فهمنا الفكرة؟ أو طبيب عمره ما اشتغل في بدن إنسان، فهمت؟
علشان كده كان المشروع الكبير الذي كان في راسي هو أن أنا أحط قدام الطالب: أنت المفروض تتعلم إيه؟ قبل ما أكلمه ما أحطلوش منهج، ما أقولوش مثلاً أنت بتدرس الكتاب الفلاني في السيرة وكتاب... لا، أنا عايز أحطه قدامه، أقول له: دي خريطه العلم. تمام كده، الفكرة دي مهمة في أكثر من شيء: أول شيء أن هو يعرف حجمه ويعرف هو فين بالضبط، ثاني شيء يعرف أن البرنامج الذي هو يأخذه مجرد أنه شيء دفعة بسيطة.
الأمر الثالث، وده الأهم بقى، أنه يستغل شبابه. يعني أنت الآن لما بيكون عندك برنامج بسيط جداً وأنت انجزت البرنامج تفكر أن أنت خلصت، ما عادش وراك حاجة؟! كيف ما عادش وراك أي شيء؟! ده أنت عندك بحر من العلوم. ولذلك السبع فروع اللي أنا ذكرتهم ليكم في معهد السنن -كلكم معنا في المعهد، معهد السنن؟ لا، لا، في سبع فروع مهمة جداً- السبع فروع دول فكرتهم كلها، قرأتهم يا آدم؟ سبع فروع في معهد السنن اللي هم المنهج المتوازي مع المعهد.
سبع فروع؟ آه. الورد؟ الورد لا ده أساسي، ده أنت حتى لو مش في المعهد لازم تهتم بالأوراد، دي فكرة الأوراد دي هي اللي أنا بقول لك عليها؛ هو أنه اقرا في كذا، واقرا كذا، وكل واحد منهم عشر دقائق، لربع ساعة، لنص ساعة. فكرتها يا شباب دي خلاصة عمرك، مش لعب. الفكرة دي فكرة مهمة جداً، هي أنك تنهض في هذه العلوم مع بعض، تلاقي نفسك قرأت قرأت شيئاً في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام مهم جداً، قرأت شيئاً في شرح الأحاديث، شيء ورد في الحديث، شيء في الرجال، شيء في كتب العلل، تمام؟
أنت بتقرا ده كله مع بعضه، أشياء أشياء خفيفة بس بتخليك تفهم أن كل الأمور دي أنت محتاجها. فهمت كده؟ والفكرة دي جت لي من أيام الرياضة، أن أنا كنت مثلاً لما كنت ألعاب كنت عندي مهارات عالية، بس لياقتي البدنية ضعيفة؛ يعني إذا أنا ما خلصتش المباراة في أول ثلاثين ثانية بخسر، يعني دايماً بعتمد على أن مهارتي عالية قوي. فكان اللاعب الذي يفهم مني الجزئية دي بيعمل إيه؟ بيبدا يهرب مني ويبتعد، فيأخذ وقتاً كبيراً، فساعتها أنا بقى نفسي يتعب، نفسي مش قادر، عندي مهاره بس ما عنديش القوة.
فهمت الفكرة دي؟ فبعد كده بدأت أتنبه أن أنا محتاج لياقة بدنية عشان أقدر أكمل المباراة لو بقت ثلاث دقائق. هو ده اللي أنا عايزك تنتبه ليه من شبابك، من الآن، أنك عندك مجموعة من العلوم، بقدر ما تطلع تطلع بالمهارات دي مع بعض هتفرق معاك جداً، فلذلك الأوراد دي يا شباب مهمة مهمة جداً.
أفضل، الدرس بتاع تحليل الحديث مثلاً... واسمع الكلمة دي في بداية الدرس: فمستحيل يكون قصد الشيخ حسين عشر دقائق، يعني هو قصد الكتاب؟
لا، لا، لا، عشر دقائق حقاً؟
لا، بالعكس، أنا قاصد هذا، أنا قاصد الأوراد التي هي اللي هي مش التفرغ. أنا نفسي كده؛ يعني أنا نفسي في أشياء مثلاً حتى الأولاد معي مثلاً أجيب عمر أقول له: يا عمر تعال هنقرا مثلاً كتاب التوبة من صحيح البخاري، أو خمس أحاديث بس عشر دقائق، فهمت كده؟ يعني في حاجات أنا بحب تكون جزئيات في اليوم، غير بقى أن أنا أقعد على الكتاب أقعد عشر ساعات ده موضوع تاني، فهمت كده؟
لكن الأوراد دي لها أثر كبير جداً، لأن بمجموعها مجموعها هو ده اللي بيفرق، فاهم كده؟ أفضل، كمل.
أحسن الله عليكم شيخنا، جزاك الله خيراً.
التاسع: أنه مقدم على العموم. العاشر: أنه مقدم على القياس الجلي. الحادي عشر: أن المفهوم عام في سائر صور المسكوت. الثاني عشر: أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد.
المسألة دي جميلة جداً، يا ريت ناخد المسألة دي كمثال صراحة، لأن هو شرحها جداً، بيقول لهم: أنتم عايزين تستدلوا بحديث: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ»، تعالوا شوفوا أنتم المفروض ما هي المقدمات التي تكون متحققة وننتهي منها علشان يصح لكم الاستدلال؟
صحة الاسناد، وثبوت الوصل، وأن الإرسال غير قادح، ده الجزء اللي هو في الثبوت. تعال لي بقى في... لسه بعد كده ثبوت الرفع، والاضطراب اللي وقع في سنة دي، وبعد كده يدخل بقى على المتن: ما معنى القلتين هنا؟ ما مقدار القلتين؟ وبعدين، أن قلال هجر متساوية، هل قلال هجر متساوية؟ وهل القلة مقدرة بقربتين حجازيتين؟ وهل المفهوم حجة -المفهوم اللي هو غير منطوق- وبعد كده هل هو مقدم على العموم؟ وبعد كده أنه مقدم على القياس الجلي؟
اتفضل.
آه، وأن المفهوم عام في سائر صور المسكوت. المفهوم عام في سائر صور المسكوت، يعني إيه؟ يعني لما أنا آجي أقول: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، ده معناه إيه؟ أنا كده واضح أنه لو وصل لقلتين لم يحمل الخبث، فلو أنت قلت أن المفهوم حجة، معناها إيه؟ معناها أن أقل أن كل ما هو أقل يحمل الخبث. هذا هو، كل المسكوت عنه.
بصوا يا جماعه، المسكوت... لما أنا آجي أقول لك إيه: أنا لا أُعطِي درساً إلا لما يكون الطلاب عشرين طالباً، تمام كده؟ يبقى ده، لو أنا قلت عشرين طالباً، يبقى أنا حددت، يبقى كل الصور كل الصور التي لم تذكر المفروض أن أنا لا أعطي الدرس إذا وجدت هذه الصور، يبقى ده الايه؟ ده المنطوق وده الايه؟ وده المفهوم. ماشي، أفضل.
أحسن الله عليكم، الثاني عشر: أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد. الثالث عشر: الجواب عن المعارض ومَن جعلهما خمسمائة رطل أحتاج إلى مقام... الرابع عشر: إيهاب وهو أنه يجعل الشيء نصفاً احتياطاً. ومقام الخامس عشر: أن ما وجد... مثال يا...
شباب لما يمكن أن يحتاجه الطالب في تحرير مسألة واحدة، شوف كم شيء سيدخل فيه؟ شوف كم شيء يحتاجه علشان يناقش مسألة واحدة؟ أمر لغوي، أمر حديثي، أمر في العلل، أمر في الرجال، أمر أصولي. فهمت ده مثال جميل.
المثال ده احسن الله عليكم ومقام ومقام إن ما وجب به الاحتياط صار فرضا، قال المحددون: الجواب عما ذكرتم: أما صحة سنده فقد وجدت، لأن رواته ثقات ليس فيه مجروح ولا متهم، وقد سمع بعضهم من بعض، ولهذا صححه ابن خزيمة والحاكم والطحاوي وغيرهم.
وأما وصله فالذين وصلوه ثقات وهم أكثر من الذين أرسلوه، فهي زيادة من ثقة ومعها الترجيح. وأما رفعه فكذلك، وإنما وقفه مجاهد على ابن عمر، فإذا كان مجاهد قد سمعه منهم وقوفا لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد الله من ابن عمر مرفوعا، فإن قلنا الرفع زيادة وقد أتى بها ثقة فلا كلام، وإن قلنا هي اختلاف وتعارض فعبيد الله أولى في أبيه من مجاهد لملازمته له وعلمه بحديثه ومتابعة عبد الله له.
وأما قولكم إنه مضطرب فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه، إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له عن محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، كما قال الدارقطني: قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا فحدث به أبو أسامة. الطريقة دي طريقة إيه؟ الفقهاء اللي هي الدنيا عندهم كلها إيه ماشية كل الاحتمالات موجودة في إرسال وفي وصل طب ما عادي ممكن يكون مرسل. فهمت كده؟
أفضل الله عليكم كما قال الدارقطني: قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين. وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله جميعا عن أبيهما، فرواه محمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة.
وأما تقدير قلتين بقلال هجر، فقد قال الشافعي: انبأنا مسلم بن خالد عن جريج بإسناد لا يحضري ذكره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا»، وقال في الحديث بقلال الحجر. وقال ابن جريج: أخبرني محمد عن يحيى بن عقيل، أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان معه قلتين لم يحمل نجسا ولا باس». قال فقلت يحيى بن عقيل: خلال هجر؟ قال: خلال هجر قال: فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين.
اه لاحظ هنا ده تعليق جميل جدا سبحان الله يعني بذلوا في هذا الكتاب هو بيقول ابن القيم إيه؟ قال ابن عدي، هو ابن القيم لما قرا في الكتاب عند البيهقي، البيهقي نقل هذا عن أبي أحمد الحافظ، في واحد اسمه أبو أحمد الحافظ معروف جدا ناقد. فالابن القيم ظن أن أبو احمد هذا هو ابن عدي فبدل ما يأي باللفظ وضع الآية حط من عنده كلمة ابن عدي. فهمت الفكرة؟
ماشي السلام عليكم. قال ابن عدي: محمد هذا هو محمد بن يحيى يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل، قالوا: وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها لهم في حديث المعراج وقال في سدرة المنتهى: «فإذا نبقها» مثل قلال هجر. فدل على أنها معلومة عندهم، وقد قال يحيى بن آدم ووكيع وابن إسحاق: القلة الجرة. وكذلك قال مجاهد: القلتان الجرتان.
وأما كونها متساوية المقدار فقد قال الخطابي في معالمه: خلال الحجر مشهورة الصنعه معلومة المقدار لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان، وهو حجة في اللغة. وأما تقديرها بقرب الحجاز فقال ابن جرير: رأيت القلة تسع قربتين، وابن جريج حجازي، وإنما أخبر عن قرب الحجاز لا للعراق ولا الشام ولا غيرهما.
وأما كونها لا تتفاوت فقال الخطابي: القرب المنسوبة بالبلدان المحذوة على مثال واحد، يريد أن قرب كل بلد على قدر واحد لا تختلف. قال: والحد لا يقع بالمجهول.
وأما كون المفهوم حجة فله طريقان: أحدهما التخصيص، والثاني التعليل. أما التخصيص فهو أن يقال: تخصيص الحكم بهذا الوصف والعدد لابد له من فائدة وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق. وأما التعليل فيختص بمفهوم الصفة، وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له فينتفي الحكم باندفائها. فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوي، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطا له.
وأما تقديمه على العموم فلأن دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما. كيف وقد تايد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقاته، وبحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل. وأما تقديمه على القياس الجلي فواضح، لأن القياس عموم معنوي، فاذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي بطريق أولى، ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس كخروجها من مقتضى لفظ العموم.
وأما كون المفهوم عاما فلانه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة السكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم ولا إثبات حكم المنطوق لها لأبطال فائدة التخصيص، فتعين نفيه عن جميعها. وأما قولكم إن العدد خارج مخرج التحديد فلانه عدد صدر من الشارع فكان تحديدا وتقييدا كالخمس الأوسق والأربعين من الغنم والخمس من الإبل والثلاث من البقر وغير ذلك، إذ لابد للعدد من فائدة ولا فائدة له إلا التحديد.
وأما الجواب على المعارض فليس معكم إلا عموم لفظي أو عموم معنوي وهو القياس، وقد بينا تقديم المفهوم عليهما. وأما جعل الشيء نصفا فلانه قد شك فيه فجعلناه نصفا احتياطا والظاهر أنه لا يكون أكثر منه ويحتمل النصف فما دون، فتقديره بالنصف أولى. وأما كون ما وجب به الاحتياط يصير فرضا لأن هذا حقيقة الاحتياط، كإمساك جزء من الليل مع النهار وغسل جزء من الراس مع الوجه، فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندا ومتنا وجه الاحتجاج به.
قال المانعون من التحديد بالقلتين: أما قولكم إنه قد صح سنده فلا يفيد الحكم بصحته، لأن صحة السند شرط أو جزء سبب للعلم بالصحه لا موجب تام، فلا يلزم مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحديث. أما الشذوذ فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة والنصيب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورا شائعا بين الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه، أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة؟
لأن كل الناس محتاجينه اللي هو طهارة الماء، فأين أكثر الناس الذين عليهم زكاة؟ والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول وجوب غسله ونقل عدد الركعات ونظائر ذلك. شوف بقى النقد بقى، طريقة النقد هنا واضحة جدا أهي: كيف يكون هذا الحديث أصلا في بابه يحتاج إليه هذا الاحتياج، ثم لا يرويه أشهر أصحاب عبد الله بن عمر؟ وهذا الحديث يحتاجه كل مسلم. فهمت كده؟ خصوصا أن البيئة التي كانوا فيها ترد فيها السباع على الماء ويمكن أن يسقط فيها جيف أو نحو ذلك. فهمت فدي طريقة جميلة جدا في النقد أننا لا تنظر فقط إلى الشروط العامة في القبول ولكن تنظر.
أما المتن، هل هذا المتن يمكن أن يغفل عنه؟ هذا المتن المهم الذي يترتب عليه حكم، فهمت؟ تفضل.
ومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا ابن عمر ولا ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع وسالم وجوب وسعيد بن جبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق، لعزة الماء عندهم؟ ومن البعيد جداً أن تكون هذه السنة عند ابن عمر وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم ولا يروونها ويديرونها بينهم، ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا. فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقوى الناس بها وأرواهم لها، فأي شذوذ أبلغ من هذا؟ رائع جداً، والله عجبني المثال ده، يعني احنا لو عايزين نلخص كتاب، هذا الكتاب ممكن نجعل هذا الباب هو أصل فيه؛ ليه؟ لأن هو نقده من جهة السند والمتن، يعني الباب اللي هو باب ما ينجس الماء ده جميل قوي من صفحة 44 لحد ما ينتهي معنا هذا الفصل لحد 80، من 44 لـ...
حسن الله إليكم، وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن عنده سنة من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه شذوذه، وأما علته فمن ثلاثة أوجه؛ أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر واختلف فيه عليه، واختلف فيه على عبيد الله أيضاً رفْعاً ووقْفاً، ورجح شيخ الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس بن تيمية وقفه، ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد وجعله هو الصواب. قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ابنه ذلك عنه. قلت: ويدل على وقفه أيضاً أن مجاهداً وهو العلم المشهور الثبت إنما رواه عنه موقوفاً، واختلف على عبيد الله وقْفاً ورفْعاً. العله الثانية: اضطراب سنده كما تقدم. العلة الثالثة: اضطراب متنه، فإنه في بعض ألفاظه إذا كان الماء قلتين وفي بعضها إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث، والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما يتقدم.
قالوا: وأما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه، وممن ضعفه حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر وغيره، ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة. وقالوا: وأما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء أصلاً. وأما ما ذكره الشافعي فمنقطع، وليس قوله بقلال هجر فيه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرح في الحديث أن تفسير بها من كلام يحيى بن عقيل، فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم والحد الفاصل بين حلال الحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإناد منقطع، وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رائع جداً، قالوا طريقة نقد بديعة.
ماشي، الله عليهم، قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم نبق السدرة بها، وما الرابط بين الحكمين وأي ملازمة بينهما؟ فلكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها، وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد، والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه؟ وكونها معلومة لهم لا يجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت القلة، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها، والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أععرف عندهم وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره، هذا هو الظاهر.
وإنما مثل النبي صلى الله عليه وسلم بقلال هجر لأنه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنة بشجيرة بالشام تدعى الجوزة دون النخل وغيره من أشجارهم لأنه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم، وهكذا التمثيل بقلال الهجر لأنه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم، هذا بحمد الله واضح.
وأما قولكم إنها متساوية المقدار فهذا إنما قاله الخطابي بناءً على أن ذكرهما تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية، وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة وهو الثقة في نقله ولا أخبر به عن عيان، ثم إن الواقع بخلافه، فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد، ولهذا قال أكثر السلف القلة الجرة، وقال عاصم بن المنذر أحد رواه الحديث القلال الخوابي العظام.
وأما تقديرها بقرب الحجاز فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب فراها تسعهما، فهل يلزم من هذا أن كل قلة من قلال الهجر تأخذ كل قربتين من قرب الحجاز؟ وأن قرب الحجاز كلها على قدر واحد ليس فيها صغار وكبار؟ ومن جعلها مستنداً فإنما مستنده أن قال التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! هذا إنما يتم لو كان التحديد مستنداً إلى صاحب الشرع، فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج فكان ماذا؟
وأما تقرير كون المفهوم حجة فلا تنفعكم مساعدتنا عليه، إذ المساعده على مقدمات دليل لا تستلزم المساعده على الدليل. وأما تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء وفيها قولان معروفان، ومنشأ النزاع تعارض خصوص المفهوم وعموم النطق، فالخصوص يقتضي التقديم والنطق يقتضي الترجيح، فإن رجحتم المفهوم بخصوصه رجح منازعوكم العموم بمنطوقه، ثم الترجيح معهم ها هنا للعموم من وجوه؛ أحدها: أن حديثه أصح، الثاني: أنه موافق للقياس الصحيح، الثالث: أنه موافق لعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً، فانه لا يعرف عن أحد منهم أنه حد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفاً عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأحباس وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريق دون ما اجتهاد والاستدلال، فإنهم وغيرهم فيه سواء، وربما ترجح غيرهم عليهم وترجحوا على غيرهم، فتأمل هذا الموضع.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنى من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد، والامر براغ ما ولغ فيه الكلب، والامر بغسل اليد من النوم من نوم الليل، فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير، ولا سبيل لتاثر كل ماء بها، بل لابد من تقديره، فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما؛ لأن التقدير بالحركة والادرع المعينة وما يمكن نزحه وما لا يمكن تحكمات باطلة لا أصل لها وهي غير منضبطة في نفسها، فرب حركة تحرك غديرا عظيما من ماء، وأخرى تحرك مقدارا يسيرا منه بحسب المحرك والمتحرك، وكذا التقدير بالادرع تحكم محض لا سنة ولا قياس، وكذا التقدير بالنسخ الممكن مع عدم انضباطه؛ فإن ألفاً مثلاً يمكنهم نزح ما لا ينزحه عشرة، فلا ضابط له، وإذا بطلت هذه التقديرات ولا بد من تقدير فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته إما عن النبي صلى الله عليه وسلم وإما عن الصحابة.
قيل: هذا السؤال مبني على مقامات؛ أحدها: أن النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء بالمنهي عنه، والثاني: أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء بل يختص ببعض المقادير دون بعض، والثالث: أنه إذا تعين التقدير كان تقديره بالقلتين هو المتعين. فأما المقام الأول فنقول: ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول والولوغ وغمس الذباب فيه.
أما النهي عن البول فليس فيه دلالة على أن الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه، بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه؛ فإن الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها ولو كانت قلالاً عظيماً. فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين، فيجوز للناس أن يبولوا فيما فوق القلتين صاعداً، وحاشى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون نهيه خرج على ما دون قلتين، ويكون قد جوز هو زي الناس البول في كل ما بلغ قلتين وزاد عليهما! وهل هذا إلا الغاز في الخطاب؟
يعني يقول: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، ومُراده من هذا اللفظ العام أربعمائة رطل بالعراقي أو خمسمائة، مع ما يتضمنه التجهيز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم. كذلك حمله على ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر؛ وكل هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه أئمة أهل العلم قاطبة، فإنهم ينهون عن البول في هذه المياه -وإن كان مجرد البول لا ينجسها- سداً للذريعة؛ فانه إذا مكن الناس من الأبوال في هذه المياه -وإن كانت كبيرة عظيمة- لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال.
وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها وإفساد طرقاتهم بذلك. فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده وحكمته بنهيه ومراعاته مصالح العباد وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم وعلف دوابهم. فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر، ويدل عليها التصرف الشرعي في موارده ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة.
وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرك أو لا يتحرك، أو بعشرين ذراعاً مكسرة، أو بما لا يمكن نزحه؛ فأقوال كل منها معارض لكل، وكل منها مناقض، لا يشم منها رائحة الحكمة، ولا يُشام منها بوارق المصلحة، ولا ينعقد بها المفسد المخوف؛ فإن الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول في ما هو أكثر منه، وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالابطال. وكل شرط أو علة أو ضابط رجع على مقصود الشارع بالابطال كان هو الباطل المحال.
كل شرط أو علة أو ضابط رجع على مقصود الشارع بالابطال كان هو الباطل المحال.
ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في النهي وصفاً يدل على أنه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء دائماً لا يجري. ولم يقتصر على قوله الدائم حتى نبه على العلة بقوله لا يجري، فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها. ومعلوم أن هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما، والعجب من ناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى؛ حيث اعتبار القلتين حتى في الجاري، وقالوا: إن كانت الجرية قلتين فصاعداً لن تأتاثر بالنجاسة، وإن كانت دون قلتين تأثرت! وألغوا كون الماء جارياً أو واقفاً، وهو الوصف الذي اعتبره الشارع، واعتبروا في الجاري والواقي القلتين، والشارع لم يعتبره بل اعتبر الوقوف والجريان.
فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديث ولم تقيدوه بما دون ماء لزمكم المحال، وهو أن ينهى عن البول في البحر لأنه دائم لا يجري! قيل: ذكره صلى الله عليه وسلم الماء الدائم الذي لا يجري تنبيهاً على أن حكم النهي إنما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأن النهي إنما يتعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن يفسدها الأبوال. فأما الأنهار العظام والبحار فلم يدل كل نهي عليها بوجه، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل والفرات، فجواز البول في البحار أولى وأحرى. ولو قدر أن هذا تخصيص لعموم كلامه، فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقلتين، أو ما لا يمكن نزحه، أو ما لا تبلغ الحركة طرفيه؛ لأن المفسدة المنهي لأجلها لا تزول في هذه المياه، بخلاف ماء البحر فإنه لا مفسدة في البول فيه.
وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل، وبوله صلى الله عليه وسلم في ظل الشجرتين واستتاره بجذع الحائط؛ فإنه نهي عن التخلي في الظل النافع، وتخلى مستتراً بالشجرتين والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما فلم يفسد ذلك الظل على أحد. وبهذا الطريق يُعلم أنه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنه قد لا يحتاج إليه، فلأن ينهى عن البول في إنائه ثم صبه فيه بطريق أولى! ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم. ودع الظاهريّة البحتة فإنها تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها وما أودعته من الحكم والمصالح. وينقض القول المشهور -الذي هو منسوب لأبي حنيفة وابن حزم- أن لو أن إنساناً تبول في قارورة ثم وضعها في الماء فهذا لم يكن مخالفا للحديث.
وهذه الطريق التي جاءتك -عفو الخاطر تنظر إليها نظر متكئ على أريكته- قد تقطعت في مفاوزها نياق المطي، لا يسلكها في العالم إلا الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها إلا من أقرحت قلبه الأقوال المختلفة والاحتمالات المتعددة والتقديرات المستبعدة. فانتهمتَ جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية وخدمتها بها، وجعله أصلاً محكماً يرد إليه مشابهها؛ فما وافقه منها قبله، وما خالفه تكلف له وجوهاً لرد الجميل. فما تعب من شقاء وما قل فائدته صح!
ومما يفسد قول المحددين بقلتين: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول، هكذا لفظ الصحيحين: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه! وهذا خلاف صريح للحديث. فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم، وإن جوزتم خالفتم الحديث! فإن جوزتم البول والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعاً.
ولا يقال فهذا بعينه وارد عليكم؛ لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغير جوزتم له الغسل فيه، لأنا لم نعلل النهي بالتنجس، وإنما عللناه بافضائه إلى التنجيس كما تقدم، فلا يرد علينا هذا. وأما إذا كان ماء كثيراً فبال في ناحية ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يصل إليها البول، لم يدخل في الحديث لأنه لم يغتسل في الماء الذي فيه البول، وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبداً وهو فاسد!
وايضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغسل فيه بعد البول لما يفضي إليه من إصابة البول له. ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه، وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول فيقع في الوسواس، كما في الحديث: «فإن عامة الوسواس منه». حتى لو كان المكان مبلطاً لا تستقر فيه البولة بل تذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء. ونظير هذا منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله لما يفضي إليه من التلوث بالبول.
ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينهَ عنه. والذي يدل على ذلك أنه قيل له في بئر بضاعة: أَنَتَوضّأ منها وهي بئر يُلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب وعِذَر الناس؟ فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء». فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة مع كونه واقفاً؛ فإن بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهد المدينة ماء جار أصلاً. فلا يجوز تحريم ما أباه وفعله قياساً على ما نهى عنه، ويعارض أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا وهذا في موضعه، ولا تضرب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض. فوضوءه من بئر بضاعة وحالها ما ذكروه.
وحالها ما ذكروه دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير، وهذا الذي عايز يصل إليه؛ يريد أن يصل إلى أن الاعتبار ليس بعدد القلتين وإنما بالتغير.
أحسن الله إليكم. ونهيه عن الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه، لما ذكرنا من إفضائه إلى التلوث بالبول، كما ذكرنا عنه التعليل بنظره، فاستعملنا السنن على وجوهها، وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنه كان أكثر من قلتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه، ولا دل كلامه عليه بوجه، وإنما علل الذين أرادوا الجمع بين الحديثين الذين صححوا الحديث الأول، قالوا: أكيد يقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن بئر بضاعة كان أكثر من قلتين، فهو قال لهم: أين هذا؟ الحديث ليس فيه أي أدنى إشارة.
نعم، أحسن الله إليكم. وإنما علل بطهورية الماء، وهذه علة مطردة في كل ماء قل أو كثر، ولا يرد المتغير؛ لأن ظهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها، فلا يدخل في الحديث على أنه محل وفاق فلا يناقض به. وأيضاً فلو أراد صلى الله عليه وسلم النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أي نجاسة كانت، لأتى بلفظ يدل عليه، ونهي عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على المقدار ولا تنجس، فلا يحمل ما لا يحتمله. ثم إن كل من قدر بئر بضاعة -مش فاكر مين اللي كان قال التقدير ده- أن البئر مش أن هم الناس بنفسهم كانوا بيروحوا يرموا فيها النجاسات، بس في السيول كانت بتيجي تجرف معها، نعم إنه الحال مختلف يعني؛ فلو كان مثلاً في بيت أو في مكان الناس اتخذته ملقى للزبالة.
أحسن الله إليك. ثم إن كل من قدر ماء متنجساً بقدر، خالف ظاهر الحديث، فأصحاب الحركة خالفوه بما لا يتحرك طرفان، وأصحاب النسخ خصوه بما لا يمكن نسخه، وأصحاب القلتين خصوه بمقدار قل. عايز يقول إن هم أنفسهم مضطربون في الحد، وأسعد الناس في الحديث من حمله على ظاهره ولم يخصه ولم يقيده، بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازهما، وإلا منع من اغتساله في موضع بوله كالبحر، ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره. وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه، قد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به، وقال بشيء لا يدل عليه لفظ الحديث؛ لأنه إن عمم النهي في كل ماء بطل استدلاله بالحديث، وإن خصه بقدر، خالف ظاهره وقال ما لا دليل عليه. ولزمه أن يجوز البول في ما عدا ذلك القدر وهذا لا يقوله أحد، فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقات على كل تقدير.
وأما من قدره بالحركة، فيدل على بطلان قوله أن الحركة مختلفة اختلافاً لا ينضبط، والبول قد يكون قليل وكثيراً، ووصول نجاسة الماء أمر حسي وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركة، فيا لله العجب! حركة الطهارة ميزان وعيار على وصول النجاسة وسريانها مع شدة اختلافها؟! ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه قطرة من البول، ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة -يعني هل يقصد المغتسل نفسه اللي بيغتسل فيه ولا المغتسل؟ اظن المغتسل، الماء... آه، إن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه قطرة من البول، ممكن المغتسل اه، المغتسل اه، نعم-.
نعم، نعم، أحسن الله إليك. ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه قطرة من البول، ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة، وما كان هكذا لم يجز أن يجعل حداً فاصلاً بين الحلال والحرام. والذين قدروه بالنسخ أيضاً قولهم باطل، فإن العسكر العظيم يمكنهم نسح ما لا يمكن الجماعة القليلة نسخه. وأما حديث ولوغ الكلب فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا، فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قيده أو خصه فخالف ظاهره، فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلاً، فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة فهو حجة عليه في العدد والتراب، فإاما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا، ثم هم يخصونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه، وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص؟
ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الماء رقيقاً جداً وهو منبسط انبساطاً لا تبلغه الحركة أن يكون طاهراً ولا يؤثر البلوغ فيه، وإذا كان عميقاً جداً وهو متضايق بحيث تبلغ الحركة طرفيه أن يكون نجساً ولو كان أضعاف أضعاف الأول، وهذا تناقض بين لا محيد عنه. قالوا: وإن احتج به من يقول بالقلتين، فإنه يخصصه بما دون القلتين ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار، ومعلوم أنه ليس في اللفظ ما يشعر بهذا الوجه ولا يدل عليه بوجه من الدلالات الثلاث، وإذا كان لابد له من تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة ظاهره، كان أسعد الناس به من حمله على ولوغ الأآنية المعتدلة التي يمكن إراقتها -وهو أصلاً زيادة فليرقه هذه يعني هي مخت... يعني الأقرب أن هي شاذة، فليرقه-.
ولكن بعض العلماء قال: هو ده معناه أن أنت كيف... كيف سيكون الإناء غير طاهر ويكون الماء طاهراً تماماً؟ فكان ابن القيم يريد هنا أن يقول إن هذا في الإناء الصغير وليس في الماء الكثير، واضح أن هو بيقول إن ايه، لاحظتم أنتم أن هو ذكر قال: كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد، اللي هو إيه؟ أن في الأآنية المعتدلة التي يمكن إراقتها. فهو عايز يقول إن هذا الحديث لا يصح أن يستدل به على ماذا؟ على أن ولوغ الكلب في الماء الكثير يفسد هذا الماء الكثير، فهمت كده؟
ماشي، أحسن الله إليكم. وهو ولوغ متتابع في آنية الصغار، يتحلل من فم الكلب في كل مرة ريق ولعاب يخالط الماء ولا يخالف لونه فيظهر فيه التغير، فتكون عين النجاسة قائمة بالماء وإن لم تر، فأمر بإراقته وغسل الإناء، فهذا المعنى أقرب للحديث وألصق به، وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتدلة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلب، فإن كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود، وإن كان مخالفة للظاهر فلا ريب أنه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة، فيكون أولى على التقديرين.
قالوا: وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من النوم، فالأسعد به يضعف من هذا كله، فإنه ليس في الحديث ما يدل على نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته، والقول بنجاسته من الشاذ، وكذا القول بصيرورته مستعملاً ضعيفاً أيضاً، وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد واختيار القاضي واتباعه، واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد، فإنه ليس الحديث دليل على فساد الماء، وقد بان النهي عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول، فكيف بغمس اليد فيه من النوم؟ بعضهم يظن أن النهي هذا يدل على فساد الماء، يعني في حديث اللي هو: لا يبالن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه، ابن القيم بينقض أن يكون هذا.
النهي دليلاً أو ملزماً لنجاسة الماء، وإنما هو سد للذريعة تماماً، لكن لا ينجس الماء إلا إذا تحققنا من أي تغير لونه أو ريحه أو طعمه، فهمت كده؟
فهو يعني يأتي بأكثر من حديث استدل به أصحاب القول المخالف؛ فمن جملة هذا الذي هو إيه؟ الذي هو: «إذا استيقظ أحدكم من نومه... فليغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، فانه لا يدري أين باتت يده».
فهُم استدلوا بهذا الحديث على أن مجرد الإدخال يفسد الماء؛ يعني يجعل الماء ليس طاهراً، فهو يقول لهم: إذا كان البول نفسه لا يجعله إيه؟ لا ينجسه إلا أن نرى هذا التغير، فكيف باليد؟ فهمنا؟
ماشي، في الباب ده ابن قيم جاب كل الأحاديث، داود يعني هو حديث ابن القولتين، بيسمع كل الأحاديث اللي داود في الباب اللي هو حديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه»، ولوغ الكلب، كل الحاجات اللي بتنجس المية بيتكلم عنها يعني، بس الحديث لا... لا، هو زي ما قلت لكم هو بيأخذ فرصة، بيأخذها فرصة عشان يتكلم على الباب من خلال حديث، فهمت كده؟
ماشي، أحسن الله إليكم: وقد اختلف في النهي عنه، فقيل: تعبد، ويرد هذا القول أنه معلل في الحديث بقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده». وقيل: معلل باحتمال نجاسة كبثرة في يديه أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار، وهو ضعيف أيضاً؛ لأن النهي عام للمستنجي والمستجمر والصحيح وصاحب البثرات، لا... لا، والصحيح وصاحب... تعامل للمستنجي والمستجمر والصحيح وصاحب البثرات، فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمر وصاحب البثور، وهذا لم يقلْه أحد.
وقيل -وهو الصحيح- أنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيته عليه، وهذه العلة نظير تعليل صحيح الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان. آه، يعني أنك أنت تعلل بعلة معهوده في الشرع أصح من أن تعلل بعلة أجنبية لم تأتِ، فهمت؟
فلما يكون حديث جاء منصوصاً على علته: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخره من الماء فإن الشيطان يبيت... يبيت على خيشومه»، آه، يبقى ده قريب لو احنا عللنا حديث إيه؟ «فإنه لا يدري أين باتت يده» بأن الشيطان ممكن يكون عبث بيده تماماً، آه، يبقى دي علة معهودة، فهمت كده؟
ماشي، السلام عليكم. قال الاستنشاق بمبيت كذا كذا، خلاص، قلنا متفق عليه. وقال هنا: «فإن أحدكم لا يدري أين» قال هنا: وقال هنا: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فعلل بعدم الدراية بمحل المبيت، وهذا السر ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم؛ فإن اليد إذا باتت ملابسة للشيطان لم يدرِ صاحبها أين باتت، وفي مبيت الشيطان على الخيشوم ولبسته اليد سر يعرفه من عرف أحكام الارواح واقتران الشيطان بالمحال التي تلابسها؛ فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث، فإذا نام الععبد لم يرَ في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت، وأما ملابسته ليده فلأنها أعم الجوارح كسباً وتصرفاً ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سميت جارحة لأنه يجرح أي يكسب.
وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء، وهي كما ترى، وهي كما ترى وضوحاً وبياناً، وحسبك وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار. والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما، والله أعلم.
وقد تبين بهذا جواب المقام الثاني والثالث، فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر فنقول: وأما تقديمكم المفهوم من حديث القلتين على القياس الجليل فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والاصوليين، ويقولون: القياس الجليل مقدم عليه، وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة متفق عليها، فلان يقدم على المفهوم المختلف في الاحتجاج به أولى؟
بدأ الاستطراد من أول صفحة 63 لما قال: وإذا بطلت هذه التقديرات ولا بد من تقدير، فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته إما عن النبي صلى الله عليه وسلم وإما عن الصحابة. قيل: هذا السؤال مبني على مقدمات؛ أحدها أن النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء بالمنهي عنه، وهو ده بقى اللي إيه ده اللي ساقه؟ أن النهي لا يستلزم النجاسة، فهمنا كده؟
والثاني أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء بل يختص ببعض المقادير دون بعض، والثالث أنه إذا تعين التقدير كان تقديره بقلتين هو المتعين.
فبدأ بيرد هيرجع بقى تاني للايه للمقامات اللي كان بداها الأول اللي هي صفحة إيه في البدايه صفحة 49، صفحة ستة لا 49... 49 و50، صح؟ اللي هي من أول إيه؟ صحة السند وكده. ذكر هم كام؟ إذا كانوا 15، صح؟ 15.
أفضل، أحسن الله إليكم: ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس في صورة ما، فتقديم القياس هاهنا متعين لقوته ولتأيده بالعمومات ولسلامته من التناقض اللازم لمن قدم المفهوم كما سنذكره، ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين، فالمصير إليه أولى لو كان وحده، فكيف بما معه من أدلة؟ وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الجليل واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة مع اضطراب أصل منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ؟
قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها فدعوة لا دليل عليها؛ فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص والتعليل كما تقدم، ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوة العموم باطلة لأنها دعوة مجردة ولا لفظ معنى يدل عليها.
وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء الحكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد، عن كل فرد من أفراد المسكوت عنه، لجواز أن يكون فيه تفصيل فينتفي عن بعضها ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتاً لجميعها بشرط ليس بالمنطوق؛ فتكون فائدة التخصيص به الدلالة على ثبوت الحكم له مطلقاً وثبوته المفهوم بشرط؛ فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم وهو من عوارض الألفاظ؟
وعلى هذا عامة المفاهيم، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] لا يدل المفهوم على أن بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له، وكذا قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقاً، وكذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾، ونظائره أكثر من أن تحصى.
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضاً؛ فانه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم المطلق لجواز ثبوته بوصف آخر. وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه ومفهومه لا عموم له، فبطل الاحتجاج به منطوقاً ومفهوماً.
وأما قولكم إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد كنصب الزكوات فهذا باطل من وجوه؛ أحدها أنه لو كان هذا مقادير فاصل بين الحلال والحرام والطاهر والنجس لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم بيانه بياناً عاماً متتابعاً من تعريفه الأمة كما بين نصوب الزكوات وعدد الجلد في الحدود ومقدار ما يستحقه الوارث؛ فإن هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة.
نعم، فكيف لا يبينه حتى يعني كيف لا يبينه ابتداءً إلا لما سئل؟ فهمنا كده يعني الأمور التي يحتاجها الناس وتعم يقولون تعم بها البلوى، هل يمكن أن ينتظر في بيانها أن... أن يسأل، أن يتفق أن يسأله أحد، ولا لابد أن يبينه ابتداءً؟ لابد أن يبينه، تفضل.
فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حدا عاماً للأمة كلها لا يسع أحداً جهله، ولا... لا يسع أحداً جهله، ولا تتناقله الأمة ولا يكون شائعاً بينهم، بل يحالون فيها على مفهوم ضعيف شأنه ما ذكرناه، قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة ولا يعرفه أهل بلدته ولا أحد منهم، ولا أحد منهم يذهب إليه؟
الثاني أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 119]، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما
يتقون، ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم، فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء، فلم يحصل لهم بيان ولا فصل، ولا فصل الحلال من الحرام.
والآخرون يقولون: لابد من مخالفة المسكوت المنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حدا فاصلا؟ فتبين أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت فصل ولا حد.
صح الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرا. كل ده نقد للايه؟ نقد للمتن. هذا المتن واردا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس هذا معودا عنه في الأمور التي يفصل فيها. شوف أنصباء الذكاء واضحة ازاي؟ إنما هذا لا المنطوق ولا المفهوم هم أنفسهم اضطربوا فيه.
أفضل، أحسن الله إليكم: فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرا، كقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾، فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به.
ونظير -نعم يعني- قد يذكر صفة، لا لأنها هي المناط، ولكن لأنها هي الغالبة، فهمت كده؟ يعني مثلا: لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة، أو مثلا: لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا. هذا طب افرض هي نفسها تريد هذا الفعل، هل يجوز ذلك؟ لا. فاهم؟ فقد تذكر يذكر يعني علة أو سبب لحاجة المخاطب؛ لأن هذا هو المعهود.
لما أنا أقول: لا تشرك بالله تمام كده، لا نعبد مع الله أحدا ولو كان نبيا أو ملكا. طب ما أنا ممكن لو قلت: لو تعبد مع الله أحدا يكفي، ولكن لو كان نبيا أو ملكا؛ لأن الناس غالبا يفعلون هذا. ونظيره: لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة، ونظائره كثيرة.
وعلى هذا: فيحتمل أن يكون ذكر القلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال. نعم، لو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال، اندفع هذا الاحتمال.
الرابع: أن حاجة الأمة حضرها وبدوها على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكيلون الماء ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين.
بقى دي فائدة بديعة جدا؛ أن لو كان هذا هو المراد، يبقى معنى كده أن الإنسان الناس عموم عمومهم يحتاجون اختبار هذا الأمر في كل ماء، فهمت كده؟ فكيف يحيل لهم الشرع إلى أمر أغلبهم يعجز عنه أو أكثرهم يعجز عنه؟ يعني عقد بديع المثال ده جميل جدا بصراحه.
أفضل: ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين، ولا طولها، ولا عرضها، ولا عمقها، فاذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريها أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب وتكليف ما لا يطاق؟ فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان. قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية، فإنها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات ونصب الزكوات وعدد الركعات وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواص العلماء اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين؛ فمن قائل: ألف رطل بالعراقي، ومن قائل: 600 رطل، ومن قائل: 500، ومن قائل: 400. وأعجبوا من هذا؛ جعلوا هذا المقدار تحديدا، فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين واضطربت أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة؟ ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شانها.
السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدا؛ منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب لا ينجس، وإذا بال فيه النجس... ومنها: أن الشعرة من الميته إذا كانت فوقعت في قلتين إلا رطلا مثلا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول... هو لم يذكر اللوازم إلا في الآخر؛ لأن نقد القول بلوازم هذا يكون في آخر المراتب في النقد، فهمت كده؟ أحسن الله إليك.
ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت فوقعت في قلتين لا رطل مثلا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن التأثر المائي بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة، فمحال يجيء شرع بتنجس الأول وإطهاره الثاني! وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلا فتنجسها، إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
وأما جعلكم شيئا ففي غاية الضعف. كل هذا الإنكار ليه يا شباب؟ لأنهم حددوا هذا إذا بلغ الماء قلتين لا ينجسه شيء، يعني ايه معناها لا ينجسه شيء؟ فهو الآن يستدل عليهم يقول لهم: طب احنا هننقصه شوية تمام كده، ونضع فيه شيئا -أبسط شيء- لا يؤثر فيه صح؟ وهنخليه يبلغ قلتين وهنضع فيه بقى إيه؟ 20 جرة بول! فهمت كده؟ دا دايما اللوازم بتكون طريفة، اللوازم لازم تكون طريفة؛ يعني مثلا المرجئة يقول لك: إيمان الناس واحد، فتقول له: طيب، يعني إيمان هذا الرجل الفاسق الفاجر اللي هو موحد يعني مثل إيمان أبي بكر الصديق؟ فهمت الفكرة؟ فاللوازم دائما تأتي متأخرة ودائما يكون فيها هذه الطريقة بقى أن هو دائما يجيب أغرب الأمثلة.
أفضل: وأما جعلكم شيئا أصف ففي غاية الضعف؛ فانه شك من ابن جريج، فيا سبحان الله! يكون شكه حدا لازما للأمة، فاصلا بين الحلال والحرام، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين لأمته الدين وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدر لأمته حدا لا سبيل لهم إلى معرفته إلا شك حادث بعد عصر الصحابه يجعل نصبا احتياطيا، وهذا بين لمن أنصف.
نعم، والشك الجزئي الواقع الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين، فكيف يجعل شكهم حدا فاصلا فارقا بين الحلال والحرام؟ ثم جعلكم هذا احتياطا باطل؛ لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلف منها عملا لآخر احتياطا، وأما الأحكام الشرعية والأخبار عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به، ولا يثبت إلا ما أثبته.
ثم إن الاحتياط في تركه؛ هذا الاحتياط فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قلة قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء منه مناف للاحتياط، فهلا اخذتم بهذا الاصل وقلتم: ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه ردناه إلى أصل الطهارة؛ لأن هذا لما كان طاهرا قطعا وقد شككنا: هل حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنجيسه أم لا؟ والأصل الطهارة.
وأيضا فإنكم لا تبيحون لمن شك في نجاسة الماء أن يعدل للتيمم، بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك؟ وأيضا فإنكم إذا نجستموه بالشك، نجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية، وحرمتم شربه والطبخ به، وأرغتم الأطعمة المتخذة منه، وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرد الشك، وهذا مناف لوصول الشريعه والله أعلم.
نعم، أحسن الله إليكم والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق