الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
قد اجتمعت مع إخوة كرام على قراءة كتاب تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته لابن القيم عليه رحمة الله، ونحن نقرأ من الطبعة التي بتحقيق علي بن العمران. قبل أن نبدأ نريد أن نقرأ أولًا فصلًا مهمًّا في وصف هذا الكتاب، صفحة 14، نقرأ الوصف ثم بعد ذلك نعلق إن شاء الله، تفضل.
- بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله إليكم، غفر الله ولشيخنا وللسامعين، آمين. قال: وصف التجريد: نعم، وضح المجرد طريقته في الكتاب غاية التو... - إحنا عايزين، لا، اللي هو وصف الكتاب، وصف الكتاب أولًا؛ لأن هذا الكتاب هو تهذيب لمختصر سنن أبي داود للمنذري، فيبقى إحنا عندنا كتاب أبي داود أولًا، مختصر المنذري اللي هو المتوفى سنة 656، ثم بعد ذلك تعليق ابن القيم عليه، تمام، تفضل.
- كتابنا هذا تهذيب لمختصر سنن أبي داود للمنذري توفي سنة 656، وذلك أن المؤلف إبان إقامته بمكة المكرمة أتى على مختصر المنذري من أوله إلى آخره مهذبًا ومختصرًا... - لا، مهذِّبًا، مهذِّبًا ومختصِرًا ومضيفًا إليه ومستدركًا عليه، نعم، يعني ابن القيم عليه رحمة الله كان قد أقام بمكة مدة، ففي مدة إقامته أتى على المنذري... المنذري اختصر عددًا من الكتب من ضمنها سنن أبي داود، فابن القيم أراد أن يهذب هذا المختصر، واضح؟ فلا شك أن الاختصار هذا أبقى فيه على أصول الأحاديث تحت الأبواب، فابن القيم أراد أن يهذب هذا، التهذيب هي كلمة كبيرة يدخل تحتها الاختصار، يدخل تحتها أن يضيف، يدخل تحتها أن يستدرك، فهمت؟ تفضل.
- نعم، مهذبًا ومختصرًا ومضيفًا إليه ومستدركًا عليه، ولم يقتصر... - تفضل، نعم. - أحسن الله إليكم، ولم يقتصر التهذيب على مواضع من مختصر المنذري بل هذبه كاملًا، وقد أبان عن ذلك المؤلف نفسه في مقدمة كتابه حيث قال: هذبته -أي مختصر المنذري- نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مقفلها... - نعم. - وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها، وبسط الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه.
نعم، لاحظ ابن القيم رحمه الله في كتبه، وحتى ابن تيمية وعدد من العلماء، إذا اجتهد في كتاب ورأى أنه يعني أضاف فيه أمرًا جديدًا، أو أن هذا الكتاب يُحتاج إليه، فإنه ينبه على ذلك. يعني مثلًا أبو داود نفسه كان يذكر في كتابه أنه يفتخر بأن أحاديثه كلها مشاهير، قال: والفخر بها أنها مشاهير. ابن القيم كما رأينا في إعلام الموقعين كان أحيانًا يأتي في بعض الأبواب ويشير أنك هذا التحرير قل أن تجده في... وهكذا ابن تيمية مثلًا سمى كتابًا تفسير آيات أشكلت على كثير من المفسرين، واضح؟ فهو يريد أن يلفت نظرك إلى أهمية هذا الكتاب.
فهو هنا لاحظ كده، أول شيء ماذا قال؟ قال: هذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها. يبقى إحنا نريد أن نعرف ماذا عمل ابن القيم في هذا التهذيب، أو في هذا المختصر؟ أول شيء إن هو هذب الأصل، تمام، وإنه زاد عليه من الكلام في العلل إما يكون المنذري لم يتكلم عنها أصلًا، أو بدأ الكلام عنها ولم يتمه، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، يبقى هو أيضًا حكم على أحاديث لم يحكم عليها المنذري، تمام، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مقفلها، يعني تكون المتن فيه إشكال وهو لم يتعرض له فابن القيم تعرض له، قال: وزيادة أحاديث صالحة في الباب، يعني يكون اختصرها لم يذكرها المنذري فابن القيم يدخلها، واضح كده؟ لم يشر إليها، وبسط الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه.
يبقى هو أتى في بعض الأحاديث ثوّر منها مسألة، كما سيأتي مسألة مثلًا الطلاق، يمين الطلاق، سيأتي هنا جملة من المسائل التي اختارها ابن القيم رحمه الله بالتوسع، يعني مثلًا الكلام في القدر، الكلام في الإرجاء، الكلام في إفراد يوم السبت بالصيام، صيام الستة من شوال، هل يجب الصوم مع الاعتكاف؟ الكلام عن المزارعة، النهي عن بيع العينة، الكلام عن القضاء باليمين مع الشاهد، الكلام عن تحريم الحمر الأهلية، هل يجزأ العتق إذا أدى المكاتب بعض كتابته؟ وهكذا. يبقى ابن القيم كأنه يستغل أو يغتنم فرصة في مسألة فيتوسع في الكلام عن الباب. طيب، قال: هكذا كان أصل الكتاب.
- أحسن الله إليكم، قال: هكذا كان أصل الكتاب، لكن لم يصلنا كما تركه مؤلفه، بل وصلنا منه هو تجريده الذي صنعه محمد بن أحمد السعودي، فإنه جرد كلام المؤلف الذي زاده على كلام المنذري في مختصره، وإليكم وصف هذا التجريد. - اه، يبقى هذا هو الكتاب الأصلي لكن لم يصلنا، زي بالضبط كتاب ابن رجب الحنبلي، هو شرح جامع الترمذي كله لكن لم يصلنا إلا العلل فقط، فهمت؟ تفضل، يعني أنت أحيانًا بتقرأ مطلع كتاب وتقرأ ما فيه من الجهد فتنبهر، فتكتشف أن هذا جزء منه، زي كتاب جواب الاعتراض على الفتوى الحموية لابن تيمية، كتاب نفيس جدًّا، كان ابن تيمية لما صنف كتاب الفتوى الحموية وأثبت أن عقيدته في أسماء الله وصفاته هي التي كان عليها عامة الصحابة ومن بعدهم، وهو طبعًا طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترض عليه باعتراضات، تمام، فلما أجاب على هذه الاعتراضات لم نقف إلا على جزء صغير جدًّا من الكتاب، وهذا الكتاب في الأصل كان حجمه يعني مثل درء تعارض العقل والنقل، لم يبقَ منه إلا قطعة صغيرة، فسبحان الله! ولكن الإنسان اللبيب يحاول أن هو يسير على نفس المنهج، تفضل.
- أحسن الله إليكم: وصف التجريد: وضح المجرد طريقته في الكتاب غاية التوضيح في خاتمة عمله، ونحن ننقل نصه ونقسم كلامه إلى فقرات توضح مقصده وعمله وطريقته فيه، قال: هذا آخر ما كتبته مما زاده الشيخ الإمام العلامة الحافظ الحجة إمام الدنيا شمس الدين أبو عبد الله محمد الشهير بابن قيم الجوزية، تغمده الله تعالى بغفرانه وأسكنه بحبوحة جنانه، ولست أدعي الإحاطة بجميع ما كتبه بل الغالب والأكثر، وقد سقط منه القليل جدًّا لتعذر كتابته، فعساه زاد لفظة أو لفظات في أثناء كلام فلم يمكنّي إفرادها لاتصالها بكلام كثير للمنذري، ولم يمكن كتب ذلك الكلام الحافظ المنذري كله، فحذفت الزيادة قصدًا لذلك. وكل ما كان عليه علامة ميم فهو من كلام المنذري، ولا أذكر من كلام المنذري إلا ما قوي اتصاله بكلام الحافظ ابن القيم فلم يمكن فهمه إلا بذكره عقيبه. وكل ما كان عليه شين فهو إشارة إلى الشيخ شمس الدين؛ لأن أول لقبه الشين، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لأعلمت له قاف؛ إذ هو مشهور بأبيه، ولم أكتب هذا إلا في الجزء الثاني لما طال اسمهما وتكرر، غرضهم تجريد...
قال: وقد تعبت في تجريد هذه الزوائد لكني استفدت بها مقصدين من أعظم المقاصد: أحدهما مطالعة الكتاب، والثاني تسهيل هذه الزيادات على الطلاب. واعلم أن هذا التجريد أفاد أمرًا حسنًا وفضلًا بينًا، وذلك أن الناظر في كتاب الحافظ المنذري لا يستغني عما زاده عليه الحافظ ابن القيم، والناظر في كلام الحافظ ابن القيم لا يستغني عن كتاب الحافظ المنذري؛ لأن الشيخ ابن القيم لم يكتب في كتابه جميع ما حشى به الإمام المنذري، بل كثيرًا ما يحذف منه فوائد لا تعد ولا تحصى لكثرتها، فإذا كان عند الإنسان كتاب المنذري وهذا التجريد استغنى به عن طول النظر في كتاب الحافظ ابن القيم، ثم لو نظر في كتاب ابن القيم لا يقدر على التمييز بين كلامه وكلام المنذري حتى يقابل البابين اللذين ينظر فيهما معًا كما فعل كاتبه، فتتبين له الزيادة، فيحتاج إلى طول زمن، والعمر قصير، والشغل كثير، والأجل في مسير.
نعم، يعني هو الفائدة التي نستفيدها هنا أن هذا الذي جرد كلام ابن القيم وأخذ منه كلام المنذري أن هو حاول أن يقرب هذا الكتاب الذي هو يعني كما يقول عدد من أهل العلم أن هذا الكتاب من الكتب الصعبة، ليس كتابًا سهلًا، فحاول أن يقرب هذا الكتاب للمتلقين. والفكرة هذه تنفعنا أن تكون حلقة الوصل بين طلبة العلم وبين الكتب المشكلة، هذا أمر مهم جدًّا في طلب العلم، يعني لا يلزم أن تكون مؤلفًا، بعض الناس يظن أن الإبداع يكون فقط في التأليف، لا، الإبداع يكون أيضًا في التسهيل، في التيسير، في التقريب.
يعني مثلًا لما تعمل محاضرات كمدخل للكتب الصعبة، مثلًا محاضرة مدخل لكتاب الموطأ، مدخل لكتاب الأم، مدخل لكتاب الحجة لمحمد بن الحسن الشيباني، مثلًا مدخل لإعلام الموقعين، مدخل لمنهاج السنة النبوية، مدخل لدرء تعارض العقل والنقل، هذا يفرق كثيرًا جدًّا؛ لأن أحيانًا الطالب لما يبدأ يقرأ الكتاب هو ليس عنده من المخزون العلمي ما يجعله ينتبه، ما يجعله أصلًا يعني ما يجعله يفهم الكتاب فضلًا عن أن يستخرج فوائده.
وده حصل معايا كثيرًا، مثلًا لما كنت أبدأ أقرأ في الكتب، يعني حصل عندي نوعان من الخطأ: الخطأ الأول: كنت أقرأ كتبًا زي مثلًا كتاب البخاري أو الترمذي أو غيره، وكنت أشعر أن أنا فهمت كل شيء في الكتاب، تمام، تبين لي فيما بعد أن أنا فهمت جزءًا قليلًا جدًّا، لم أفهم مثلًا لماذا بوب هذا الباب؟ لم أفهم لماذا ذكر هذا الراوي؟ لماذا قدم هذا الطريق؟ لماذا يقول تابعه معمر؟ لم أفهم، أنا فقط فهمت الخلاصة في المتن، فكنت أتوهم أن أنا كده فهمت الكتاب كله، طبعًا عرفت بعد ذلك أنك تأخذ من الكتاب بقدر المقدمات التي عندك، وكله بإذن الله، تمام.
الخطأ الثاني بقى هو أن أنا كنت أدخل أحيانًا في كتاب، وهذا الكتاب كان المفروض له مدخل، فكنت مثلًا أحببت أن أنا أقرأ لما كنت أذاكر بحث الأنبياء والرسل الإيمان بالرسل، أنا قسمت في دراستي للإيمان اللي هو يعني بيسمى بالعقيدة قسمته لأبواب: الباب الخاص بمصادر التلقي اللي هو الوحي والعقل، تمام كده، وهذا الباب وما يتفرع عنه، وعندنا باب الألوهية اللي هو توحيد الله سبحانه وتعالى أن الله هو الإله، وعندنا أبواب أخرى الإيمان بالكتب، لحد ما جاء الإيمان بالرسل فقلت: يناسب أن أقرأ كتاب النبوات لابن تيمية، فلما دخلت أقرأ هذا الكتاب وجدت أن الكتاب صعب جدًّا عليّ، فيه ألفاظ لا أفهمها وفيه مسائل كبيرة، شعرت بأن أنا أحتاج أن يفتح لي هذا الكتاب، أو على الأقل أقرأ مقدمات لابن تيمية نفسه في كتب أخرى عشان تسهل لي، وبالفعل تركت قراءة الكتاب، شعرت أن أنا لا، محتاج أقرأ أشياء أخرى.
فالفكرة دي مهمة يا شباب اللي إحنا نستفيدها من هذا الذي جرد هذا الكتاب هي تقريب العلم، يعني إذا شعرت أنك فهمت كتابًا واستوعبت هذا الكتاب أن تقرب هذا الكتاب. طب كيف نقربه؟ أول شيء: معرفة مقاصد الكتاب، ثاني شيء: أبواب الكتاب، ثالث شيء: أهم المسائل في الكتاب، تمام، رابع شيء بقى: لو في عرف خاص للمؤلف في الكتاب، طريقة التأليف.
زي مثلًا أقول لكم من ضمن الأمثلة الجميلة جدًّا في تقريب الكتب، كتاب اسمه الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات لواحد اسمه عبد القادر صوفي، هذا الكتاب اختصر درء تعارض العقل والنقل بأسلوب جميل جدًّا، بحيث إنك إذا أردت أن تدخل على هذا الكتاب وقرأت قبله الكتاب اللي هو كتاب الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم، تجد أن بإذن الله تقريبًا على الأقل 70% من الكتاب اتضح لك، ليه؟ لأنه بين لك خلاصة الكتاب، يبقى بقى إنك أنت تفهم إيه؟ تفهم المفردات اللي في الكتاب وتفهم الترتيب اللي سار عليه.
ففكرة المداخل إلى الكتب فكرة مهمة جدًّا، فكرة تقريب الكتب مهمة، فكرة اختصار الكتب، لأن مش كل الناس... أنا عن نفسي لا أحب المختصرات، يعني إذا كان هناك كتاب أصل أنا أحب أن أقرأ الأصل، تمام، ولكن هل الواقع العملي والعلمي والتعليمي يحتاج لمختصرات؟ نعم، بلا شك، اختصار البخاري، اختصار مسلم، اختصار الكتب الكبرى، زي مثلًا اختصار درء تعارض العقل والنقل، أو اختصار منهاج السنة النبوية، هذه الكتب يُحتاج إليها، لكن أنا أحب من طالب العلم أن هو يقرأ الكتب الأصول، تمام. طيب، يبقى دي أول فائدة إحنا استفدناها من هذا المجرد.
- المجرد معروف من هو؟ - اه، هو كتب اسمه السعودي، أهو كتب اسمه، نعم، كتب اسمه في صفحة، اه، صفحة 14: وصلنا منه الذي صنعه محمد بن أحمد السعودي فإنه جرد كلام المؤلف. - أحسن الله إليكم، ونقل المجرد مقدمة وخاتمة ابن القيم لتهذيبه فحفظ لنا بذلك غرض ابن القيم ومنهجه وطريقته في كتابه، وقد كان يظن كثيرون إلى عهد قريب، وأنا منهم، أن ابن القيم في تهذيب السنن إنما علق حواشي على طول نسخته من مختصر المنذري ضمنها تعليقات وتعقيبات وشروحًا على أحاديث متفرقة في الكتاب، ولعل الذي رسخ هذا الظن هو نشرات كتاب التهذيب السابقة إذ كانت في هامش المختصر أشبه شيء بالتعليق والتنكيت والاستدراك على المنذري، فلما وقفنا على نسخة الكتاب الخطية وقرأنا مقدمة المؤلف وخاتمته وكلام المجرد، العنوان الذي وضعه، تبين لنا أننا أمام تجريد لزوائد كلام ابن القيم وليس نسخًا لكتابه كاملًا.
نعم، يعني هو فقط، يعني هو أحسن في شيء أن هو حفظ لنا كلام ابن القيم اللي هو زاده، ولكن هو كان هو يعني كأنه نظر إلى أن كلام ابن القيم مدموج معه كلام المنذري، فهو خلص ما يرى أنه زيادة من كلام ابن القيم على كلام المنذري، لكن ما جابش كتاب ابن القيم بنفسه، ليه؟ لأن هو ظنه أن هو بذلك جمع بين الكتابين، زي بالضبط فكرة مجمع الزوائد للهيثمي. الهيثمي إيه فكرته يا شباب؟ الهيثمي وجد معاجم الطبراني ومسند البزار زادت أحاديث على الكتب الستة، تمام، فقال لك: أنا بدل ما أجيب، يعني بدل ما طالب العلم مضطر إنه يقرأ كتاب معجم الطبراني ومسند البزار وغيره، لا، أنا سأذكر الزوائد التي زادها أولئك المؤلفون على الكتب الستة، فهمت كده؟ فهو هنا فعل ذلك. طيب، قال: فلما وقفنا ولا فين؟
- نعم، أحسن الله إليكم: مؤاخذات على التجريد: وإن كان المجرد قد بذل جهدًا كبيرًا لاستخلاص زيادة ابن القيم على كلام المنذري الممزوج به من تهذيب السنن، إلا أن عمله اعتراه إعواز في مواضع، من أهم ذلك: أن المجرد أخل بنقل بعض كلام المؤلف مما أحدث خللًا في فهم باقيه، كما في باب في تسوية القبر، وباب في تمرة العجوة، وأحيانًا يشير إليه دون أن يسوقه كما في كتاب المهدي، وإنما تبين كل ذلك واستُدرك الخلل من النسخة الهندية التي عثرنا عليها بأَخَرَة. - بأَخَرَة، أُم. - أحسن الله إليكم، في أبواب كثيرة ذكر المجرد ترجمة الباب ثم ذكر كلام ابن القيم دون أن يعين الحديث الذي وقع التعليق عقبه ولا القدر الذي ساقه من كلام المنذري. ثالثًا: في مواضع نقل لنا بعض الأبواب التي ليس فيها زيادات للمؤلف بل لا يزيد كلامه على ما ذكره المنذري في المختصر، انظر: باب في الكفن، وباب في الأدوية المكروهة. رابعًا: في آخر الكتاب أخذ المجرد يسرد تعليقات ابن القيم على بابين مختلفين أو على أحاديث متفرقة في الباب الواحد، ويسوقها مساقًا واحدًا دون أي فصل بينها أو إشارة، انظر: باب في حسن الخلق، وباب في تنزيل الناس منازلهم، وباب فيما جاء في المملوك إذا نصح.
طيب، ترجمة المجرد، خلينا نقرأ برضه سريعًا كده. - نعم، أحسن الله إليكم: ترجمة المجرد: جاء اسم المجرد على ورقة العنوان في نسخة الأصل وفي خاتمته: محمد بن أحمد السعودي، وفي الخاتمة أنه فرغ من تجريده في شهر ربيع الأول من سنة تسعين وسبعمائة، والمسمى بهذا الاسم في ذلك العصر بحسب ما وقفنا عليه اثنان، اشتركا في الاسم واسم الأب والجد والشهوة، هما: الأول: محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن ابن عمر، الشمس النحريري ثم القاهري، الشافعي، المؤدب بالضرير... - نعم، الضرير. - أحسن الله إليكم، يعرف بالسعودي نسبة لقريب له كان يخدم الشيخ أبا السعود. قال السخاوي: ورأيت من قال ممن نسخ له شيئًا قديمًا إنه يعرف بابن أخي السعودي، فكأنه ترك تخفيفًا. وُلد سنة 756 بمصر، وحفظ القرآن، واشتغل في الفقه، وفي القاهرة واشتغل على السراجين... - على السراجين، نعم، السراجين اللي هو ابن الملقن والبلقيني. - نعم، واشتغل على السراجين: ابن الملقن والبلقيني، ولازم الأخير منهما وخدمه، وصار يجمع له أجرة أملاكه، وسافر إلى القدس مرتين، ودخل الإسكندرية، وحج فأخذ عن جماعة هناك. قال ابن حجر: ولم يمعن في ذلك؛ لأنه لم يكن من أهل الفن ولا صحب من يدرّب به، ثم استوطن القاهرة وتكسب بتأديب الأطفال في المسجد، فانتفع به من لا يحصى كثرة، وذكر السخاوي منهم والده وعمه وشيوخه كالجلال بن الملقن والبهاء البالسي في آخرين. قال السخاوي: وقد جودت عليه القرآن بتمامه حين انقطاعه بمنزله، ودربني في آداب التجويد، وقرأت عليه تصحيحًا في العمدة وغيرها. مات في رمضان سنة تسع وأربعين وثمانمائة بعد أن انهشم وتحطم.
أُم، يبقى ده الأولاني ده اللي محتمل يكون هو، في احتمال ثاني بقى: - الثاني: محمد بن أحمد بن عمر، الشمس، أبو عبد الله القاهري، السعودي الحنفي، ناب في الحكم وتصدى للتدريس. قال السخاوي: ورأيت له كراريس من مصنف سماه تهذيب النفوس شبه الواعظ، وقد رافق برهان الدين سبط بن العجمي الحلبي في السماع على الطبردار الحراني صاحب الحافظ شرف الدين الدمياطي في فضل العلم وخماسية من النقور، فتوهمه بعض أصحابنا فقيهنا الشمس السعودي الماضي قريبًا لاشتراكهما في الاسم واسم الأب والجد والشهوة، وهو غلط، فذاك شافعي تأخر عن هذا. وذكر السخاوي إجازة منه لأحد تلاميذه سنة 801، اطلع عليها، ووصفه بحسن الخط والعبارة. ومن مؤلفاته الدر الرصين المستخرج من بحر الأربعين، له نسخة في المكتبة الأزهرية برقم 1600، وهو شرح مبسوط، ذكر في مقدمته أنه اعتمد في شرحه على شروح...
نعم، وذكر بقى هنا صفحة 21: والذي يظهر أن المجرد لتهذيب السنن لابن القيم هو هذا الثاني، وذلك لقرائن. يعني ذكر إن هو يرجح أن الثاني هذا هو الذي جرد، وهو اللي هو السعودي هذا، قال: أولًا: عنايته بالحديث أكثر من الأول، ثانيًا: أنه عُرف بالتأليف والأول لم يذكروا له أي تأليف، الثالث: أنه كان له عناية بمطالعة الشروحات الحديثية والنظر فيها على اختلاف مذاهب مؤلفيها، كما يظهر جليًّا في شرحه على الأربعين، رابعًا: أن المجرد ذكر في الخاتمة أن من فوائد ما قام به من التجريد تسهيل هذه الزيادات على الطلاب، وهذا يوحي بأنه تصدى للتدريس وهو ما ورد في ترجمة السعودي الحنفي، بخلاف الأول فإنه كان مؤدبًا للأطفال يقرئهم القرآن ويعلمهم التجويد، خامسًا: أن الأول ترجمته مبسوطة عند السخاوي في الضوء اللامع، فقد أخذ عنه هو وكثير من مشايخه، وأيضًا ذكره ابن حجر في الإنباء -ده كتاب لابن حجر في التاريخ يعني- فلو كان التجريد له لما خفي عليهما ذلك ولما فاتهما ذكره، بخلاف السعودي الحنفي فإن السخاوي لم يدركه، وترجمته مقتضبة جدًّا عنده، ولم يذكر فيها شرحه على الأربعين، وهذا كله يدل على أنه لم يعرف تفاصيل حياته العلمية، فلا غرابة ألا يكون وقف على تجريده.
طيب، أهمية الكتاب، خلينا نقرأ برضه أهمية الكتاب سريعًا. - أحسن الله إليكم: أهمية الكتاب وقيمته العلمية: يكفي الكتاب أهميةً أنه شرح لأحاديث خير البرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأن الذي قام بشرحها عالم محقق متبحر في العلوم والفنون. ولما كان مختصر المنذري تبعًا لأصل السنن مشتملًا على أبواب متفرقة من العلم، من فقه وعقيدة وسلوك، مع الكلام على الأحاديث الدالة عليها تصحيحًا وتعليلًا، فقد كان كتابنا مشتملًا على ذاك كله، وإن برز في جانب الفقه والحديث باعتبار الكتاب أصلًا فيهما، ويمكن إبراز بعض جوانب قيمته العلمية في النقاط التالية.
طبيعي جدًّا يا شباب أنك إذا قرأت تعليقًا لعالم على كتاب، فأصناف الفوائد مهما دارت ستدور في أمرين: ستدور حول موضوع الكتاب، وعلى تخصص هذا العالم الذي تصدى للتعليق على هذا الكتاب. فلأن هذا الكتاب هو كتاب في الأحاديث النبوية مرتبة على أبواب الفقه، فطبيعي جدًّا الفوائد ستكون من هذا الصنف، فتكون في الكلام عن علل الحديث، وعن طرق الحديث، والتصحيح والتضعيف، والرواة، هذا باب، والأمر الثاني عن المتن، وهذا المتن على حسب ما يكون الموضوع، قد يكون الموضوع فقهيًّا، قد يكون الموضوع إيمانيًّا، قد يكون في الخُلق، واضح؟ وقد يجر المؤلف أن يتكلم في مسألة لغوية، صح ولا لا؟ في مسألة في الرواة، في الجرح والتعديل، وهكذا.
الأمر الثاني بقى هو المؤلف نفسه، يعني إذا كان المؤلف يميل... أنت مثلًا لما تيجي تقرأ في التفاسير، فأحيانًا تقرأ تفسيرًا لعالم، هذا العالم أصلًا مهتم بأمور العقيدة مثل الشنقيطي مثلًا رحمه الله، فطبيعي جدًّا ستجد أن الفوائد التي يتكلم عنها هتكون أكثر في الفوائد العقدية، لما تقرأ مثلًا للطاهر بن عاشور ستجد أن هو يهتم بالجوانب البيانية وبلاغة القرآن، وهكذا، فحُمولة العالم لا بد أن يظهر أثرها في التعليق على القرآن أو السنة بلا شك، تمام.
فهو هنا بقى يبرز هذه الفكرة، فيقول: ابن القيم نفسه متبحر، يعني ابن القيم نفسه كتب في كل العلوم تقريبًا، لكن في هذا الكتاب سيظهر علم العلل بجلاء، ليه؟ لأن هذه الأحاديث بُني عليها أحكام، فهو إذا صح، إذا كان هذا الحديث يستنبط منه حكم شرعي، فلا بد أن يتكلم أولًا: هل هذا الحديث صحيح أو ضعيف؟ لأنه إذا قال بخلاف مقتضى هذا الحديث فلا بد أن يذكر علته، فسيجر هذا إلى الكلام عن إيه؟ عن علل الحديث. طيب، أحيانًا يريد أن يجمع بين حديثين، أحيانًا يريد أن يجمع بين حديث وآية، فهمت كده؟ فكل هذا يجعل هذا الكتاب من الكتب التي إيه؟ متنوعة الفوائد.
أنت أحيانًا تقرأ كتابًا يكون معروفًا، أنت بتقرأ مثلًا كتاب التمييز لمسلم، فكرته واحدة معروفة اللي هو علل الحديث اللي هي أخطاء الثقات وأنواع الأخطاء التي تقع، خلاص الباب معروف، لكن لما تكون بتقرأ لكتاب يحتمل هذا التعدد في الفوائد فانت دائمًا تتوقع فوائد كثيرة في غير موضعها، ولذلك الكتاب ده هو من أحسن كتب علل الحديث بالمناسبة، ليه؟ لأن هو بيمر على الأحاديث ويعلق عليها من جهة إيه؟ من جهة الثبوت والضعف، ومن جهة العلل، ومن جهة الإشكال، يعني ممكن يكون الحديث نفسه فيه إشكال في الشرح فهو يوضح هذا الإشكال، تفضل.
- أحسن الله إليكم، قال: ويمكن إبراز بعض جوانب قيمته العلمية في النقاط التالية: أولًا: ما احتواه من ذكر علل الأحاديث والكلام عليها تصحيحًا وتضعيفًا، وفيه مواضع جليلة في الانتصار لطريقة أئمة الحديث في النقد والتعليل والتصحيح، مع التنبيه على خطأ طريقة الفقهاء المتأخرين في عدم التفاتهم إلى العلل، كقوله في باب القضاء باليمين مع الشاهد: والصواب في ذلك طريقة أئمة هذا الشأن العالمين به وبعلله، وهو النظر والتمهر في العلل، والنظر في الواقفين والرافعين، والمرسلين والواصلين، أيهم أكثر وأوثق وأخص بالشيخ وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التي يجزمون معها بالعله المؤثرة في موضع، وبانتفائها في موضع.
اه، يبقى لاحظ بقى إن هنا يعني أنت لاحظ أن الكتاب فريد جدًّا في هذا الباب؛ لأنه أول شيء اختياره، اختيار المؤلف يا جماعة للكتب التي يعلق عليها ده مش أمر سهل، يعني أنت لما تجد مثلًا واحد اعتنى بكتاب، عالم معروف بالتحرير ومعروف بالعلم اختار كتابًا للتعليق عليه، نفس هذا الاختيار لا بد أن يلفت نظرك: لماذا يختار هذا الكتاب أصلًا؟ واضح كده؟ فأول شيء اختياره لهذا الكتاب عرفنا أن السبب أن كتاب سنن أبي داود هو يعني أهم كتاب للأحاديث في الفقه المشتهرة، كتاب البخاري ضيق الدائرة شوية لأن شرطه كان عاليًا، فبالتالي هناك أحاديث يتداولها الفقهاء ليست في البخاري معروفة جدًّا، صح كده؟ "لا نكاح إلا بولي" وغيره، وأحكام كثيرة جدًّا الأحاديث اللي فيها ليست على شرطه، فهو حتى لو قال بها سيشير بأدلة أخرى، زي ما أشار مثلًا في إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ على مسألة أن الولي... طبعًا هل هذا أصرح ولا "لا نكاح إلا بولي"؟ "لا نكاح إلا بولي"، تمام، فالمهم إن هو اختار هذا الكتاب لأنه يعتبر أجمع كتاب في أحاديث الأحكام، تمام.
الأمر الثاني بقى، أن هذا الكتاب فيه أحاديث متداولة على ألسنة الفقهاء، فابن القيم لما يتعرض لهذه الأحاديث، وهذه الأحاديث هو يعلم أنها بنيت عليها أقوال ومذاهب، فهو إذا أراد أن يخطئها أو أراد أن يصوب حديثًا خطأه غيره، فلا بد أن يجره ذلك الكلام إلى الكلام عن إيه؟ عن علل الحديث، فالميزة بقى هنا إن هو بدأ يخطئ الفقهاء المتأخرين الذين ينظرون إلى علل الأحاديث ويحاكمهم إلى طريقة المتقدمين من النقاد، تمام، يبقى ده هيثوّر عندنا فوائد جديدة جدًّا وهي نقد طريقة الذين لم يعتبروا كلام النقاد المتقدمين، تفضل.
- أحسن الله إليكم: ثانيا: تحرير المسائل المختلف فيها بين الفقهاء وذكر مآخذهم ومناقشة... - اه، يبقى ده باب آخر بقى بعد ما ينتهي من الكلام عن الإسناد وعن الحديث، يبدأ يتكلم عن إيه؟ عن المتن، نعم. - ثانيًا: تحرير المسائل المختلف فيها بين الفقهاء وذكر مآخذهم ومناقشة أدلتهم، وقد نبه المؤلف نفسه إلى ذلك حيث قال في ختام بعض تلك البحوث: فهذه نكت في هذه المسائل المعضلة لا تكاد توجد مجموعة في كتاب. ثالثًا: ما فيه من البحوث الفقهية والعقدية والحديثية التي أطال المؤلف فيها النفس، فأسهب في المناقشة والتقرير والاستدلال والترجيح والتحرير... - نعم، وهي بضعة وعشرون بحثًا سيأتي ذكرها في منهج المؤلف. - نعم، وهذا جميل جدًّا يا شباب أنك أنت تتعلم متى يغتنم المؤلف الفرصة ليتوسع في مسألة ما، يعني مثلًا أحيانًا أنت تقرأ كتابًا وفجأة تجد المعلق، ابن حجر مثلًا أو النووي أو ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن كثير أو أي واحد من الطبقة المتأخرة اللي هم توسعوا، يعني خلينا نعتبر من أول مثلًا ابن عبد...
...البر، تمام، اللي هو واحد دخل على كتاب قبله، أو علق على مسائل، فنجد فجأة توسع جدًّا جدًّا في مسألة ما، فأنت لا بد أن يلفت نظرك: لماذا هو يتوسع هذا التوسع تحت هذه المسألة؟ تمام، ولماذا اختار هذه المسألة ليتوسع فيها؟ ولماذا اختار هذا الحديث أو هذه الآية بالذات ليتوسع تحتها؟ واضح كده؟
يعني مثلًا أنا أضرب لكم مثال: أنا لما أكون بتكلم مع الشباب في القرآن، فأحيانًا في مسألة معينة يصلح أن أثوّرها تحت باب، فأنت بقى هنا، أنا أختار مثلًا، يعني في آية هتكلم فيها عن القدر، في عندي آيات كثيرة جدًّا بتتكلم عن القدر، ولكني سأختار آية معينة لهذا التوسع. هذا الاختيار بقى نفسه، هو ده بقى احنا نريد أن نتعلمه يا شباب، ليه؟ لأن من يريد أن يشرح للناس لا بد أن يكون عنده هذه المهارة؛ يعلم متى يتوسع، ومتى يعني يمضي سريعًا بقدر ما تحتاجه الآية، فأيضًا سنستفيد من هذا في إيه؟ في هذا الكتاب.
أحسن الله إليكم. رابعًا: عناية المؤلف البالغة في مواضع كثيرة بالجمع بين الأحاديث التي ظاهرها قد يوهم التعارض، وذكر معالم وقواعد في ذلك؛ كقوله في باب الرقى: وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالها فيما يكون المنهي عنه نوعًا والماذون فيه نوعًا آخر، اختلاف التنوع، وكلاهما داخل تحت اسم واحد، من تفطن له زال عنه اضطراب كثير، يظنه من لم يحط علمًا بحقيقة المنهي عنه من ذلك الجنس والماذون فيه متعارضًا، ثم يسلك مسلك النسخ أو تضعيف الأحاديث.
نعم، الباب ده لوحده نفيس جدًّا يعني، ها، خمسة؟
أحسن الله إليكم. خامسًا: ما حفظ لنا من أسانيد الحديث، وروايات الإمام أحمد، وأقوال شيخ الإسلام التي لم تصلنا مصادرها، ولقيمته العلمية أفاد العلماء منه في شروحهم الحديثية كما سيأتي.
طبعًا هذه فقط الفوائد اللي هو ذكرها، أما ما سنستخرجه نحن إن شاء الله سيكون أوسع بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق