تسجيل الدخول

الدرس 10 - المجلد الأول من ص 319 إلى ص 406

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس العاشر من كتاب تهذيب سنن أبي داود لابن القيم رحمه الله، صفحة 319، كتاب الحج، المجلد الأول، أفضله.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال أبو داود رحمه الله: وعن ابن عباس عن معاوية رضي الله عنه قال: قال له: أما علمت أني قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص بمشقص أعرابي على المروة لحجته؟ وأخرجه النسائي وليس فيه لحجته.

وقول لحجته يعني لعمرته، وقد أخرجه النسائي أيضا وفيه في عمرة في عمرة على المروة، وتسمى العمرة حجا لأن معناها القصد. وقد قالت حفصة رضي الله عنها: ما بال الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قيل: إنما تعني من حجتك.

قال ابن القيم رحمه الله: واحتج بهذا من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع في حجة الوداع تمتعا حل فيه، كالقاضي أبي يعلى وغيره. وهذا غلط منهم؛ فإن المعلوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يحل بعمره في حجته، وقد تواتر عنه ذلك، وقال: «لولا أن معي الهدي لأحللت»، وهذا لا يستريب فيه من له علم بالحديث، فهذا لم يقع في حجته بلا ريب.

وإنما وقع في بعض عمره، ويتعين أن يكون في عمرة الجعرانة والله أعلم؛ لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه، فلم يقصر عنه في عمرة الحديبية ولا عمرة القضاء، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرما في الفتح، ولم يحل من إحرامه في حجة الوداع بعمرة، فتعين أن يكون ذلك في عمرة الجعرانة، إن كان المحفوظ أنه هو الذي قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى، وهو قوله: رايته يقصر عنه على المروة، فيجوز أن يكون في عمرة القضاء والجعرانة فحسب، ولا يجوز أن يكون في غيرهما لما تقدم والله أعلم.

قال: عن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمره إلى الحج، وأهدى وساق معه الهدى من ذي الحليفة. وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد.

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فانه لا يحل له من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروه وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله».

وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه. وفعل الناس مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

قال ابن القيم رحمه الله: الذين قالوا قرن النبي صلى الله عليه وسلم في حجته اختلفت طرقهم في كيفية قرانه. فطائفة قالت: أحرم بالعمره أولا ثم أدخل عليها الحج. وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما كما تقدم، وهي طريقة أبي حاتم بن حبان في صحيحه.

قال: هذه الأخبار التي ذكرناها في إفراد النبي صلى الله عليه وسلم وقرانه وتمتعه بها، مما تنازع الأئمة فيها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا. قال: وشنع بها المعطلة أهل البدع على أئمتنا، وقالوا: رويتم ثلاثة أحاديث متضادة في فعل واحد ورجل واحد وحاله واحدة، وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقل والعقل يتفع ما قلتم، إذ محال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مفردا قارنا متمتعا.

قال: ولو تملق قائل هذا في الخلوة إلى الباري وسأله التوفيق لإصابة الحق والهدايه لطلب الرشد في الجمع بين الأخبار هنا في التضاد عن الآثار، لعلم بتوفيق الواحد القهار أن أخبار المصطفى لا تتضاد ولا تتهاتر ولا يكذب بعضها بعضا إذا صحت من جهة النقل.

قال: والفصل بين الجمع في هذه الأخبار، أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالعمره حيث أحرم، كذلك قاله مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، فخرج وهو مهل بالعمرة وحدها حتى بلغ سرف، أمر أصحابه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حميد، يعني بالفسخ إلى العمرة، فمنهم من أفرَد ومنهم من أقام على عمرته.

وأما من ساق الهدي منهم فادخل الحج على عمرته ولم يحل، فأهل صلى الله عليه وسلم بهما معا حينئذ إلى أن دخل مكة. وكذلك أصحابه الذين ساقوا الهدي. فكل خبر روي في قران النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ذلك حيث راوه يهل بهما بعد إدخال الحج على العمرة إلى أن دخل مكة فطاف وسعى.

وأمر ثانيا من لم يكن ساق الهدي وكان قد أهل بعمره أن يتمتع ويحل، وكان يتلهف على ما فاته من الإهلال حيث كان ساق الهدي، حتى إن بعض أصحابه ممن لم يكن ساق الهدي لم يحل حيث رأوه صلى الله عليه وسلم لم يحل، حتى كان من أمره ما وصفنا من دخوله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهو مغضب.

فلما كان يوم التروية وأحرم المتمتعون، خرج صلى الله عليه وسلم إلى منى وهو يهل بالحج مفردا، إذ العمرة التي قد أهل بها في أول الأمر قد انقضت عند دخوله مكة بطوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة. فحكى ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، أراد أن خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضاد أو تهاتر.

وفقنا الله لما يحب من خضوع عند ورود السنن إذا صحت، والانقياد لقبولها، واتهام الأنفس وإلصاق العيب بها إذا لم يوفق لإدراك حقيقة الصواب، دون القدح في السنن والتعريض على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة، إنه خير مسئول. تم كلامه.

قال: وطائفة قالت: كان مفردا أولا ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنا، فظنوا أن ذلك من خصائصه وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث. وهذا مع أن الأكثر لا يجوزونه، فلم تأت لفظة واحدة تدل عليه، بخلاف الأول فإنه قد قاله طائفة وفيه أحاديث صحاح.

وطائفة قالت: قرن ابتداء من حين أحرم، وهو أصح الاقوال لحديث ابن عمر وأنس وغيرهما وقد تقدما. والذين قالوا أفرد طائفتان، طائفة ظنت أنه أفرد إفرادا اعتمر عاقبة من التنعيم، وهذا غلط بلا ريب.

لم ينقل القران بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا قاله أحد من الصحابة، وهو خلاف المتواتر المعلوم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وطائفة قالت: أفرِد إفراداً اقتصر فيه على الحج ولم يعتمر. والأحاديث الثابتة التي اتفق الأئمة على صحتها صريحة في أنه اعتمر مع حجته، وهذا يبطل الإفراد قطعاً، فإنه إن كان إفراداً اعتمر عاقبة فهو باطل قطعاً، وإن كان إفراداً مجرداً عن العمرة فالأحاديث الصحيحة تدل على خلافه.

والذين قالوا: تمتع، طائفة قالت: تمتع تمتعاً حل منه، وهذا باطل قطعاً كما تقدم. وطائفة قالت: تمتع تمتعاً لم يحل منه لأجل الهدي، وهذا وإن كان أقل خطأ من الذي قبله فالأحاديث الصحيحة تدل على أنه قرن، إلا أن يريد بالتمتع القران فهذا حق.

وطائفة قالت: أحرم إحراماً مطلقاً ثم عينه بالإفراد، وهذا أيضاً يكفي في رده الأحاديث الثابتة الصريحة. وطائفة قالت: قرن وطاف طوافين وسعى سعيين، والأحاديث الثابتة التي لا مطعن فيها تبطل ذلك، والله أعلم.

قال: وعن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبست رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

وقد تقدم أن المراد بالعمره الحج، وقد روي: «حلوا فلم تحلل من حجك». واختلف في قولها هذا، فقيل: قالت ذلك لأنها ظنت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسخ حجه بعمره كما أمر بذلك من لا هدي معه، فذكر صلى الله عليه وسلم لها العلة وهي سوقه الهدي. وقيل: معناه أنه ما شأن الناس يحلون من إحرام، ولم تحل أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنية واحدة، بدليل قولي: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقْتُ الهديَ ولجعلتها عمرة»، فعلم بهذا أنه لم يحرم بعمره.

وقيل: معناه لما لم تحلل من حجك بعمره كما أمرت أصحابك، وقد تأتي (من) بمعنى (الباء)، كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11] أي بامر الله، يريد: ولم تحل أنت بعمره من إحرامك الذي جئت به مفرداً في حجتك.

قال ابن القيم: وقالت طائفة: هذه اللفظة غير محفوظة، فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها في حديثه، حكاها ابن حزم. وقالت طائفة: هي مروية بالمعنى والحديث: «ولم تحلل من حجك»، فأبدل لفظ الحج بالعمره. وقال طائفة: الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة، وليس في أنها عمرة مفردة لا حج معها، وقد أخبر عن نفسه بأنه قرن، فهو إذاً في حج وعمرة، ومن كان في حج وعمرة فهو في عمرة قطعاً.

وهذه الوجوه بعضها واه وبعضها مقارب. فقول من قال: المراد به من حجتك، بعيد جداً، إذ لا يعبر بالعمره عن الحج، وليس هذا عرف الشرع، ولا يطلق ذلك إلا إطلاقاً مقيداً، فيقال: هي الحج الأكبر، أي الحج الأصغر فيقال هي الحج الأصغر.

وقول من قال: إنها ظنت أنه صلى الله عليه وسلم كان فسخ العمرة كما أمر أصحابه ولم يحل ولم يحل كما أحلوا، فبعيد جداً، فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمراً، فكيف تظن أنه قد فسخ بعمره وهي تراه لم يحل؟ وأما قول من قال معناه: لم تحلل بعمره ومن بمعنى (الباء)، فتعسف ظاهر، وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها.

وأما قول من قال معناه: لم تحلل من العمرة التي أمرت الناس بها، ففاسد، فإنه كيف يحل من عمرة غيره؟ حفصة أجل من أن تسأل هذا السؤال.

وأما قول من قال: إن هذه اللفظة غير محفوظة ولم يذكرها عبيد الله، فخطأ من وجهين: أحدهما أن مالكاً قد ذكرها، والثاني أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضاً، ذكره مسلم في الصحيح عن محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله فذكر الحديث وفيه: «ولم تحل من عمرتك». وقول من قال: مروية بالمعنى، بعيد أيضاً.

فالوجه الأخير وأقربه الصواب: وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عمرة، وهذا لا ينفي أن يكون في حج. وأجود منه أن يقال: المراد بالعمرة المتعة، وقد تقدم أن التمتع يراد به القران، والعمرة تطلق على التمتع، فيكون المراد: لم تحل من قرانك وسمته عمرة كما يسمى تمتعاً، وهذه لغة الصحابة كما تقدم، والله أعلم.

قال: وعن سليم بن الأسود أن أبا ذر كان يقول في من حج ثم فسخ بعمره: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأخرجه النسائي وابن ماجه.

قال ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث قد تضمن أمريْن: أحدهما فعل الصحابة لها، وهو بلا ريب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا رواية، والثاني اختصاصها بهم دون غيرهم وهذا رأي، فروايته حجة ورأيه غير حجة، وقد خالفه فيه عبد الله بن العباس وأبو موسى الأشعري. وقد حمله طائفة على أن الذي اختص هو وجوب الفسخ عليهم حتماً، واما غيرهم فيستحب له ذلك إن كان مراده متعة الفسخ، وإن كان المراد مطلق المتعة فهو خلاف الإجماع والسنة المتواترة، والله أعلم.

قال: وعن بلال بن الحارث قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: «لكم خاصة». وأخرجه النسائي وابن ماجه. وقال الدارقطني: تفرد به ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث عن أبيه، وتفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه، هذا آخر كلامه. والحارث هو ابن بلال بن الحارث وهو شَبيه المجهول، وقد قال الإمام أحمد في حديث بلال هذا إنه لا يثبت، هذا آخر كلامه.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث بلال بن الحارث المزني في فسخ الحج فقال: لا أقول به، وليس إسناده بالمعروف، ولم يروه إلا الدراوردي وحده. وقال عبد الحق: الصحيح في هذا قول أبي ذر غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن القطان فيه: الحارث بن بلال عن أبيه بلال بن الحارث، والحارث بن بلال لا يُعرف حاله.

قال: باب الرجل يحج عن غيره. وعن أبي رزين وهو العقيلي أنه قال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال: «احجج عن أبيك واعتمر». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح منه.

قال ابن القيم رحمه الله: قول الإمام أحمد... قال البيهقي: قال مسلم: سمعت أحمد بن حنبل يقول فذكره. وفي سنن ابن ماجه بإسناد على شرط الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». واحتج النفاة للوجوب بحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمر خير لك»، رواه الترمذي من حديث الحجاج.

بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وقال: حسن صحيح. قال البيهقي: كذا رواه الحجاج مرفوعاً، والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه غير مرفوع. وقد نوقش الترمذي في تصحيحه؛ فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة وقد ضعف، ولو كان ثقة فهو مدلس كبير، وقد قال: عن محمد بن المنكدر، لم يذكر سماعاً. ولا ريب أن هذا قادح في صحة الحديث.

وقال الشافعي: ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف لا تقوم بمثله حجة. تم كلامه. قال البيهقي: وروى ابن لهيعة عن عطاء، عن جابر مرفوعاً: الحج والعمرة فريضتان واجبتان. قال البيهقي: وهذا أيضاً ضعيف لا يصح؛ فقد سقط الاحتجاج برواية جابر من الطريقين.

وفي سنن ابن ماجه من حديث عمر بن قيس قال: أخبرني طلحة بن يحيى، عن محمد بن إسحاق، عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج جهاد والعمرة تطوع». رواه عن هشام بن عمار، عن الحسن بن يحيى الخشاني.

قال: باب كيف التلبية. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، لبيك وسعديك، والخير بين يديك، والرغباء إليك والعمل. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال ابن القيم رحمه الله في معنى التلبية ثمانية أقوال: أحدها: إجابة. لما أفهم العلاقة بين الأحاديث وعنوان الباب؛ أي هو باب الرجل يحج عن غيره، والأحاديث تتكلم عن وجوب الحج والعمرة، عن وجوب العمرة أم لا، هي واجبة؟ لازم يكون كاتب تعليق، وزي كأنه قال: أحج عن أبيك واعتمر. زي كأنه إذا أنت تحج عن غيرك لازم تعتمر أو شيء زي هيك؛ يعني إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا أو أصح منه: «أحج عن أبيك واعتمر». بس هو يقصد تعليقات الإمام ابن القيم فقط.

الوجوب خرج. لا أعلم فيجاب العمرة في حديث أجود من هذا ولا أصح منه؛ يعني أن تعتبر دي لازمة أن تحج عنها؛ فمن هنا أتكلم على حكم الوجوب. صح كلامك أن هو بيتكلم عن الوجوب؛ وجوب العمرة، هو بيقول إن هو وجوب العمرة ما أخدوش بشكل مباشر وحديث مباشر أنه العمرة واجب، أخدها من إنه لما تحج عن أبيك أو إنه قال له أمر حج عن أبيه واعتمر، فمعناه إن العمرة كمان واجبة. قصد إيجاب العمرة بشكل عام؟ أو قصد إيجاب بشكل عام؟ لأن العمرة مختلف فيها؛ واجبة ولا مش واجبة؟

الدلائل؛ يعني ما فيش حديث صريح في أن العمرة واجبة، والآية اللي هي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] ده ما يقتضيش أن العمرة واجبة، لكن لو شرعت فيها يجب أن تتمها.

ماشي، كمل الكلام هذا اللي هو الشافعي نفسه قال: ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف لا تقوم بمثله حجة. تم كلامه. قال البيهقي؛ يعني كأنه هو أخذ النقطة اللي هي إيجاب العمرة؟ نعم. أيوه، صح هذا الشيء.

قال ابن القيم رحمه الله في معنى التلبية ثمانية أقوال: أحدها: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية إيذاناً بتكرير الإجابة. والثاني: أنه قياد لك بعد انقياد، من قولهم: لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه، ومنه فلببته بردائه، والمعنى: انقدت لك وسعيت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لب بردائه وقبض على تلابيبه. الثالث: أنه من لب بالمكان إذا أقام به ولزمه، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها، اختاره صاحب الصحاح.

الصحاح اللي هو مختار الصحاح؛ يعني مفتوحة عنده خطأ. الصحاح أظن الصحاح يعني اللي هو الكتاب اللغوي. جزاكم الله خيراً، ماشي. قال: اختاره صاحب الصحاح. الرابع: أنه من قولهم: داري تلب دارك؛ أي تواجهها وتقابلها، أي أنا مواجهك بما تحب متوجه إليك، حكاه في الصحاح عن الخليل. الخامس: معناه حبا لك بعد حب، من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها. السادس: أنه مأخذوة من لب الشيء وهو خالصه، ومنه لب الطعام ولب الرجل عقله وقلبه، ومعنى: أخلصت لبي وقلبي لك، وجعلت لك لبي وخالصتي. السابع: أنه من قولهم: فلان رخي اللب، وفي لبب رخي؛ أي في حال واسعة منشرح الصدر، ومعناها: أني منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي، توجه المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف. الثامن: أنه من الألباب وهو الاقتراب؛ أي اقتراباً إليك بعد اقتراب، كما يتقرب المحب من محبوبه.

وسعديك من المساعدة وهي المطاوعة، ومعناه: مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة. قال الجرمي: ولم يسمع سعديك مفرداً. والرغباء إليك؛ قال: يقال بفتح الراء مع المد وبضمها مع القصر، ومعناها الطلب والمسألة والرغبة.

واختلف النحاة في الياء في لبيك؛ فقال: لبيك وسعديك والرغباء؛ يعني لبيك وسعديك ده القسم الخاص بالله؛ يعني هذا التسليم لله: لبي أنا مسلم لك أطيعك في كل شيء. الرغباء إليك؛ يعني أنا إذا احتجت شيئاً لن أطلبه إلا منك، زي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] فتكون جمعت الاثنين. معنى جميل جداً صراحه.

قال: واختلف النحاة في الياء في لب؛ زي أنا بك واليك، نفس الشيء: أنا بك واليك، بك يعني استعانتي بك، وأنا كلي لك، الجمع بينهم عظيم جداً.

فققال سيبويه: هي ياء التثنيه، وهو من الملتزم نصبه على المصدر، كقولهم: حمداً وشكراً وكرامة ومسرة، والتزموا تثنيته إيذاناً بتككرير معناه واستدامته، والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما أخصوه بإجابة الداعي، وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادراً، كقول الشاعر: دعوت لما نابني مسوراً فلبا فلبي يدي يدي مسور. والتثنية فيه كالتثنية بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: 4]، وليس المراد ما يشفع الواحد فقط، وكذلك سعديك ودواليك.

وقال يونس: هو مفرد، والياء فيه مثل الياء في عليك وإليك ولديك. ومن حجة سيبويه على يونس أن على وإلى يختلفان بحسب الإضافة، فإن جرا مضمرا كانا بالياء، وإن جر ظاهرا كان بالألف، فلو كان لبيك كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله، سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر، كما قال: فلبي يدي مسور.

وقال طائفة من النحاة: أصل الكلمة: لباً لباً؛ أي إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم، فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافه.

وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة: إحداها: أن قولك لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو. الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة أي محبة لولدها. الثالثة: أنها تتضمن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل هي من الإقامة؛ أي أنا مقيم على طاعتك. الرابعة: أنها تتضمن الخضوع والذل؛ أي خضوعاً لك بعد خضوع، من قولهم: أنا ملب بين يديك؛ أي خاضع ذليل. الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص، ولهذا قيل إنها من اللب وهو الخالص. السادسة: أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى؛ إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه. السابعة: أنها تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل من الألباب وهو التقرب. الثامنة: أنها جعلت في الإحرام شعار الانتقال من حال إلى حال ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة شعار الانتقال من ركن إلى ركن، ولهذا السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف فيقطع التلبية ثم.

إذا سار لبى حتى يقف بعرفه فيقطعها، ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها. فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: لبيك اللهم لبيك، كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: الله أكبر، فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلي قاطعا لتكبيره.

التاسعة: أنها شعار التوحيد وملة إراهيم الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها والمقصود منها، ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.

العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له.

الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله، وأول من يدعى إلى الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.

الثانية عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها، ولهذا عرفها بأل المفيدة للاستغراق؛ أي النعم كلها لك ومنك وأنت مولاها والمنعم بها.

الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده، فلا ملك على الحقيقة لغيره.

الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بأن، المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته، وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك في أن، وجهان فتحها وكسرها؛ فمن فتحها تضمنت معنى التعليل؛ أي لبيك لأن الحمد والنعمة لك، ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة تتضمن ابتداء الثناء على الله، والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن. وأما إذا فتحت فإنها تقدر بكلام بلام التعليل المحذوفه معها قياسا، والمعنى: لبيك لأن الحمد لك. والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مراده لنفسها، ولهذا قال ثعلب: من قال إن بالكسر فقد عم، ومن قال إن بالفتح فقد خص. ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: 28] بكسر إن وفتحها، فمن فتح كان المعنى: ندعوه لأنه هو البر الرحيم، ومن كسر كان الكلام جملتين، إحداهما قوله: ندعوه، ثم استأنف فقال: إنه هو البر الرحيم، قال أبو عبيد: والكسر أحسن ورجحه بما ذكرناه.

السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والحمد والنعمة لله عز وجل، وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية. فله سبحانه من أوصافه العلى نوعا ثناء؛ نوع متعلق بكل صفة على انفرادها، ونوع متعلق باجتماعها وهو غاية الكمال. والله سبحانه يقرن في صفاته بين الملك والحمد وينوع هذا المعنى؛ إذ اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال، فالملك وحده كمال، والحمد عنده كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال. فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لغاية الإجلال والإكرام الداعي إلى محبته، كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله، وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به انجذاب قلبه إلى الله وأقباله عليه والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم كقوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]، فله كمال من غناه وكرمه ومن اقتران أحدهما بالآخر. ونظيره اقتران العزه بالرحمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 9]، ونظيره اقتران العفو بالقدرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: 149]، ونظيره اقتران العلم بالحلم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235]، ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: والله غفور رحيم. وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات، ويفتح له باب محبة لله ومعرفته، والله المستعان وعليه التكلان.

السابعة عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». وقد اشتملت التلبية على هذه الكلمات بعينها وتضمنت معانيها. وقوله: وهو على كل شيء قدير، لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية: لا شريك لك، ولك أن تدخلها تحت قولك: إن الحمد لك، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك لله تعالى. لو كان بعض الموجودات خارجا عن قدرته وملكه واقعا بخلق غيره، لم يكن نفي الشريك عاما، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما، وهذا من أعظم المحال، والملك كله له والحمد كله له وليس له شريك بوجه من الوجوه.

الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مبطله لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد، فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته لأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده. ومبطلة لقول مجوس الأمة من القدرية الذين أخرجوا عن ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقا لها، فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه، إذ من لا قدرة له على شيء كيف يكون داخلا في ملكه؟ فلم يجعلوا الملك كله لله، ولم يجعلوه على كل شيء قدير. واما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء البته، فمن علم معنى هذه الكلمات وشاهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المطلق.

التاسعة عشرة: وفي عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر، وهو قوله: إن الحمد والنعمة لك والملك، ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك، لطيفة بديعة؛ وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين، فانه لو قال: إن الحمد والنعمة والملك لك، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد على مفرد. فلما تمت الجملة الأولى بقوله: لك، ثم عطف الملك، كان تقديره: والملك لك، فيكون مساويا لقوله: له الملك وله الحمد، ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الجمل في الثناء.

العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما وعدم مفارقة أحدهما للاخر، فالإنعام والحمد قرينان.

الحادية وعشرون: في إعادة الشهاده له بانه لا شريك له لطيفة، وهو أنه أخبر بأنه لا شريك له عقب إجابته بقوله: لبيك، ثم أعادها عقب قوله: إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وذلك يتضمن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]. فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط.

ايه توحيد يعني فعل العبد تجاه الله، إنما الثانية فعل الله تجاه العبد؛ يعني لا شريك لك في إجابة الدعوة، لا يملك أحد أن يجيب الدعاء إلا أنت. شفت المعنى جميل؟ خدت بالك منه؟ تاج إبرازه جميلة بصراحه، أول مرة أخد بالي منها سبحان الله، أول مرة أخد بالي منها صراحة يعني، وأنا بقولها ما كنت أتخيل هذا المعنى، كنت أتخيل إن هي تكرار للتأكيد، إنما كده أضافت معنى جديد، أن الله وحده هو الذي نوحده وهو وحده الذي يجيب دعاءنا.

قال: «باب ما يلبس المحرم». عن سالم عن أبيه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال: «لا يلبس القميص، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين إلا أن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين».

سبحان الله، ربنا تبارك وتعالى جعل لكل عبادة أثراً، بحيث يعني لا تعوض العبادة؛ فمثلاً الحج والعمرة كثير من الناس الذين هم الجهلة أو الذين لم يفهموا هذه الفكرة فيكلمك عن أن الحج والعمرة هم إنفاق للمال، وأن إحنا لو أنفقنا على الناس وجوزنا الناس اللي محتاجين أو أو، هو مش فاهم أن في عبادات هو ربنا سبحانه وتعالى يريد منك أن أن يعني أن يحصل لك آثار هذه العبادة؛ أنك أنت تسافر وتقطع المسافة وتأتي في مكان تحرم منه، ويحرم عليك أشياء هي حلال، وبعدين تأتي للبيت تطوف، وبعدين تقول: لبيك اللهم لبيك، ويستوي الناس كلهم. الأشياء دي يعني من لم يجرِبها قد لا يتصور أثرها على الإنسان، فانت لو لاحظت أن شريعة الإسلام -لذلك ربنا قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 208]- وتلاحظ أن السور المدنية التي هي بدأت سورة البقره وبعدين الأنفال وآل عمران وغيرها -طبعاً سورة المائدة والنساء والنور والحجرات وغيرها- هذه السور تفصل في أحكام الشريعة بحيث لا تترك للمؤمن أو المؤمنة حالاً من أحواله إلا ويكون الله سبحانه وتعالى له عليه فيه حكم أو شرع.

حلو كده؟ وتجد السور دي دائماً تتكلم عن لفظ التولي ولفظ الفسق؛ التولي الذي هو التولي عن الطاعة من أصله، والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة المعينة. فانت لو نظرت في العبادات ونظرت في التفصيل الذي جاء في سورة البقرة -التي هي تعتبر سورة البقرة رسمت معالم شريعة الإسلام، كل سورة جاءت بعد سورة البقرة هي شعبة من سورة البقرة- سورة البقرة زي ما تكون هدى للمتقين، يعني أقصد زي -هأبدأ أتكلم من هنا- هدى للمتقين زي ما يكون مد بساط الشريعة عموماً، اللي هو الكلام عن الإيمان عن الإسلام بكل أركانه، وبعدين عن أصول العبادات والمعاملات النكاح الطلاق إلى آخره تمام، وبعد ذلك الكلام عن النفقات والجهاد وكل هذا، وكل السور التي جاءت بعد ذلك هي تفصل في هذه الآية السورة.

لو أنت لاحظت أن كل يعني العبد منّا بقدر ما يتعلم هذه الأحكام، لا يمكن يبقى عنده زمن من الأزمنة ليس عقله فيه عبادة، هيلاقي كل زمن ليه فيه عبادة، وهو يشعر مع نفسه، يشعر بأن التكاليف هذه لا يسعها فيه إلا أن يقول: ظلمت نفسي ظُلماً كثيراً، ليه؟ لأن هو عليه تكاليف كثيرة جداً ومتنوعة، وما فيش حال لا يكون فيها متعبداً لله. لما بقى تجمع الآثار المترتبة مثلاً على الصيام كصيام، على الحج، على العمرة، على كل فعل من هذه الأفعال، هتعرف لماذا يجب على التقي -أي واحد يريد أن يكون تقياً- لازم يتعلم الأحكام الشرعية، فلا تقوى إلا بعلم، ودي قاعدة أساسية: لا تقوى إلا بعلم. وده الخطا الكبير الذي وقع فيه النصارى من قبل، ثم وقع في متعبدة البصرة من بعد، فكرة إيه؟ فكرة شعور أنه يمكن أن يكون ولياً لله دون أن يطلب علماً. طيب هو ما هوش عارف العبادات، ما هو عنده خمس صلوات صح كده؟ عنده خمس صلوات، وعنده صيام شهر رمضان، والحج، والعمرة، طيب وبعدين؟ عايز يعمل حاجات كثيرة، فلأنه مش عارف الواجبات اضطر يعمل ايه يا تاج؟ اضطر يعوض ده بأنه إيه؟ الزهد يحرم على نفسه الطيبات ويشق على نفسه في العبادات، هو لو علم سعة الأحكام الشرعية مش هيحتاج إنه يرمم إيه النقص ده بالابتداع، ده فهمتوا الفكرة ولا ما فهمتوهاش؟

ودي فكرة دقيقة جداً أعيّدها لك ثاني عشان دي مهمة؛ الرهبانية النصرانية قائمة على إيه؟ رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، ربنا كتب عليهم التقرب إلى الله، ولكن ليس بهذا الباب؛ فهم لأنهم ليس عندهم علم بالشريعة وليس عندهم اتباع لها، اضطروا إلى ما هو: إحنا عايزين نتميز عن بقية الناس، وما إحنا نكون أولياء إزاي؟ فهم شايفين أن هم بيعملوا العبادات على زي ما الناس بيعملوها، فاضطروا يعملوا أشياء فيها مشقة؛ يحرم نفسه من الطيبات ويشق على نفسه في العبادة، هو ده معناها، فالفكرة بتاعتهم إيه؟ نفس الشيء الذي حصل بالضبط عند متعبدة البصرة أو غيرهم، اللي هم بعد كده بدأوا في التصوف -ده إحناه بنتكلم عن التصوف الرشيد اللي هو يعني اللي هو أقرب إلى السنة وإن كان طبعاً في بِدع- فإيه اللي حصل يا شباب؟ فهمتوها الفكرة؟

الشريعة شعب، شعب الإيمان فيها كثيرة جداً ومتنوعة، بحيث لا يبقى حال إلا وأنت مثلاً شعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شعبة الجهاد في سبيل الله، شعبة الإصلاح النصيحة لله ولرسوله للمؤمنين، تربية الأبناء، صح ولا لا؟ شوف الشعب دي كلها؛ فهم لأنهم ضيعوا الشعب دي، فبقى عنده إيه؟ عنده الصلاة والزكاة والصيام والحج، وطبعاً الزكاه أغلبهم كانوا فقراء، تمام، فهيعمل ايه بقى؟ ما هو أنا عايز أتقرب إلى الله، أعمل إيه؟ فلازم يعمل حاجة فيها تعب، لذلك الثلاثة اللي هم قتلوا للنبي صلى الله عليه وسلم، واحد: أقوم ولا أنام، وأصوم وأفطر، تمام كده؟ هي بقى الفكرة دي يعني لو أنت أردت أن تمحو هذا الفكر لا يكون إلا ببيان الشريعة الإسلامية من كل وجه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، ساعتها هو هيعرف أن الأعمال دي كثيرة جداً ومتنوعة بس هو يقوم بها بس هو يقوم بها.

ودي الفكرة اللي عملها النبي في حديث أبي الدرداء وسلمان: «إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً»، الحديث المعروف المعروف صح، ولنفسك، والنبي عليه الصلاة والسلام مع عبد الله بن عمرو أن هو بين ليه أنك عليك واجبات ثانية أكثر من دي، فالفكرة دي هي في رأي أكبر ما يمكن أن يقضي على فكرة غلو اللي هي المتعبدة الجهلة، ليه؟ لأن هو يريد أن يتقرب إلى الله، فيعest يريد أن يجيب عبادات، هيجيب منين؟ طب ما هي العبادات موجودة عندك، ولذلك سفيان بن عيينة قال له دي عندي اجمع ما قيل في هذا الباب كلمة واحدة من المتعبدة دول، قال: ليس الورع ما أنتم عليه، الورع أن تطلب العلم لتستحل الحلال وتحرم الحرام، هو ده الورع، إذا أردت أن تكون ورعاً يبقى لابد أن تصبر على طلب العلم، كل من لا يصبر على طلب العلم فلا يدعي الورع ورع وقص.

لذلك ختمت السورة، بدأت: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، وختمت بايه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، ربنا بيعلمك كيف تتقيه مش بمزاجك هو مش تخترع تقوى أنت من نفسك، فهمت كده الفكرة؟ المعنى ده يا شباب معنى نفيس جداً، وهو أن تقوى الله وولاية الله مبدأها التعلم؛ من لم يصبر على العلم، من لم يصبر على العلم لا يمكن أن يحقق التقوى التي أرادها الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية»، يبقى بين المبدأ هو الإيه؟ العلم. فهمنا؟

أحسن الله إليكم، قال ابن القيم رحمه الله: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة؛ الحكم الأول: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس وهو غير محصور، فأجاب بما لا يلبس لحصره، فعلم أن غيره على

الإباحة، ونبه بالقميص على ما فصل للبدن كله من جبة أو دلق أو دراعة أو عرقش ونحوه، ونبه بالعمامة على كل ساتر للراس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة والكلتة ونحوها، ونبه بالبرنس على المحيط بالراس والبدن جميعا كالغفارة ونحوها، ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل كالتبان ونحوه، ونبه بالخفين على ما في معناهما من الجرموق والجورب والزربول بالساق ونحوه.

قال الحكم الثاني: إنه منعه من الثوب المصبوغ بالورث أو الزعفران، وليس هذا لكونه طيبا؛ فإن الطيب في غير الورث والزعفران أشد، ولأنه خصه بالثوب دون البدن، وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم؛ ألا يكون مصبوغا بورس ولا زعفران، وقد نهى أن يتزاعف.

نقل ابن حجر في فتح الباري في مواضع شرحه عن ابن القيم، ونقل عن ابن تيمية، ولكن نقل عن ابن القيم في الشروحات، وهذا منهي عنه خارج الإحرام، وفي الإحرام أشد. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض هنا إلا لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام.

الحكم الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الخفين عند عدم النعلين. الفكرة التي قلتها لكم هذه يا شباب، هي فكرة الشريعة؛ أنك لما تعلم سلطان الشريعة –يعني لما أقصي بالسلطان الذي هو سعة الشريعة- أنها تشمل كل أطوار حياتك، وكل أحوال حياتك، وكل معاملاتك، وأن هذا سينتج عنه أكثر من شيء؛ منها أنك لن تحتاج إلى الابتداع في العبادات، ومنها أيضا أنك ستتواضع -صح وإلا لا؟- ومنها أنك ستكون ظالما لنفسك.

تعرف أن هذه الفكرة كانت حل الإشكال؟ الحكيم الترمذي كان صوفيا، وكان يعلق على حديث قول أبي بكر الصديق لما النبي عليه الصلاة والسلام أمره أن يقول: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا»، فهو يقول يعني أن أبا بكر كيف يقول ذلك؟ يعني كأنه قالها تواضعا، هي نفس الفكرة هذه، فكرة أنه يظن أن قالها تواضعا، يظن أن أبا بكر خلص كل شعب الإسلام والإيمان، فبالتالي لما يقول: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» يعني ازاي يعني؟

لكن لو هو عالم سعة الإسلام، لا يسعه إلا أن يقول: ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وهو هذا معنى: استقيموا ولن تحصوا؛ يعني لا يمكن تحصي الاستقامة.

الحكم الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الخفين عند عدم النعلين، ولم يذكر فدية، ورخص في حديث كعب بن عجرة في حلق الرأس في حلق رأسه مع الفدية، وكلاهما محظور بدون العذر، والفرق بينهما أن هذا الرأس ضرورة خاصة لا تعوم، فهي رفاهية للحاجة، وأما لبس الخفين عند عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل، والمبدل وهو النعل فدية فيه، فلا فدية في بدله، وأما حلق الرأس فليس ببدل، وإنما هو ترفه للحاجة فجبر بالدم.

الحكم الرابع: أنه أمر لبس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه، وفي في حديث ابن عمر لأنه إذا قطعهما أسفل الكعبين صار شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا القطع: هل هو واجب أو لا؟ على قولين؛ أحدهما أنه واجب، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وابن المنذر وإحساق -وإسحاق- وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعهما، وتعجب الخطابي من أحمد فقال: العجب من أحمد في هذا! فانه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت: سنة لم تبلغه. وعلى هذه الرواية -على هذه الرواية- إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية.

والثاني: أن القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ويروى عن علي بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس وعطاء وعكرمه. وهذه الرواية أصح؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: «من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين»، فأطلق الإذن في لبس الخفين، ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنه كان معه من أهل ماذا؟ ما فيش حاجة، فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل».

فهذا كلام مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم، بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له، أن من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع، فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأن الذي شرع بالمدينة هو الخف المقطوع، ثم شرع بعرفات الخف من غير قطع.

فإن قيل: حديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، ومثل في مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع.

فالجواب من وجهين؛ أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: وليقطعهما، قد قيل إنه مدرج من كلام نافع. وقال صاحب المغني: كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخفين أسفل الكعبين، والادراج فيه محتمل؛ لان الجمله الثانيه يستقل الكلام الاول بدونها، فالادراج فيه ممكن، فاذا جاء مصرحا به أن نافعا قاله زال الاشكال. ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قال صفيه: فلما أخبرته بهذا رجع.

الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فاجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع. وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمرو بن دينار روى الحديثين معا، ثم قال: انظروا أيهما كان قبل؟ وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس. وقال الدارقطني: قال أبو بكر السابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قال: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكره، وابن عباس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات.

فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وابن جريج وهشيم كلهم عن عمر بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يقل أحد منهم بعرفات غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.

قيل: هذا عنت؛ فإن هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقله، وليست تتضمن مخالفة للأخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد، ولهذا رواها الشيخان.

وقد قال علي رضي الله عنه: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما، وهذا مقتضى القياس؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل ولا في الحديث لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما، ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار، فكذلك الخف يلبس بلا قطع ولا فرق بينهما.

وأبو حنيفة طرد القياس، وقال: تفتق السراويل حتى تصيرك كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والسراويل لمن لم يجد الإزار»، وإذا فتق لم...

يبقا سراويل ومن اشترط قطع الخف. جميله كده؟ يبقا هو كأنه قاس على إيه؟ لا، قاس السراويل على... لا، قصدكم قطع الخف، أه، قصدك العكس، قطع الخف قاس السروال على قطع الخف فأراد أنه يقطع فقالوا له لو قطع يبقا لم يبقا سروال.

ماشي، قال: وإذا فتق لم يبقا سروال، لم يبقا سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز، ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النص فما تقدم تقريره. والعجب أن من يوجب القطع يوجب ما لا فائدة فيه، فإنهم لا يجوزون اللبس المقطوع كالمداس والجمج ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه، فأي معنى للقطع والمقطوع عندكم كالصحيح، والمقطوع عندكم كالصحيح، عندكم كالصحيح؟

وأما أبو حنيفة رحمه الله فيجوز لبس المقطوع وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما ونحوهما. قال شيخنا: وأفتت به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج. قال شيخنا وهو الصحيح، لأن المقطوعة لبسه أصل لا بدل. قال شيخنا: فأبو حنيفة رحمه الله فهم من حديث ابن عمر أن المقطوع لبسه أصل لا بدل فجوز لبسه مطلقا، وهذا فهم صحيح، ووقوله في هذا أصح من قول الثلاثة، والثلاثة فهم منه أنه الرخصة في في لبس السراويل عند عدم الإزار، والخف عند عدم النعل. فهم صحيح، وقولهم في هذا أصح من قوله، وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحا بلا قطع عند عدم النعل وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح، ووقوله في ذلك أصح الأقوال.

فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلا لم يكن عدم النعل شرطا فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جعله عند عدم النعل؟ قيل: بل الحديث دليل على أنه ليس كالخف، إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه، فدل على أنه بقطعه يخرج عن شبه الخف ويلتحق بالنعل، وأما جعله عدم النعل شرطا فلاجل لأن القطع إفساد لصورته وماليته، وهذا لا يصار إليه إلا عند عدم النعل، وأما مع وجود النعل فلا يفسد فلا يفسد الخف ويعدم ماليته.

فإذا تبين هذا تبين أن المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف كما قال أبو حنيفة، وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه، فإنهم لا يجوزون اللبس المقطوع وهو عندهم كالخف. فإن قيل: فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار، وهذا يفيد الجواز، وأما سقوط الفدية فلا، فهلا قلتم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية فاستفاد الجواز من الحديث واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة حيث جوز له فعل المحظور مع الافتداء، فكان أسعد بالنصوص وموافقتها منكم مع موافقته لابن عمر في ذلك؟

قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس، فإن النبي يعني هو الفرق بينهم إيه؟ مين يقول الفرق؟ الفرق بين قول أبي حنيفة وبين القول اللي بيرجحه ابن القيم؟ أبو حنيفة بيقول: اطلع خليها زي السروال، خلي الخف زي ما هو. هما بيقولوا: لا، يعني خلاص. لا، فين ده؟ القول بتاع السروال واللي بعده؟ لا، في فرق أهم من كده، الفدية؟ أيوه، أن أبي حنيفة بيجوز لكن مع الفدية، فهم قالوا إن هو كده بياخد بالأحاديث كلها، فهو بقى هيرد عليه دلوقتي لأنه يرى أن هذا ليس فيه فدية.

ماشي، قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر البدل في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وجابر وعائشة ولم يأمر في شيء منها بالفدية مع الحاجة إلى بيانها، وتأخير البيان عن وقته ممتنع، فسكوت عن الوجوب إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجبا دليل على عدم الوجوب، كما أنه جوز لبس دي قاعدة جميله اللي هو تأخير البيان عن وقت الحاجة.

كما أنه جوز لبس السراويل بلا فتق ولو كان الفتق واجبا لبينه، وأما القياس فضعيف جدا، فإن مثل هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مبدلاتها كالتراب عند عدم الماء، وكالصيام عند العجز يعني الاعتاق والإطعام، وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره، وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية، والفرق بينهما أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم ويقون به أرجلهم ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه، فالحاجة إلى ذلك عامة عامة، ولما احتاج إليه العموم لم يحضر عليهم ولم يكن عليهم فيه فديه، بخلاف ما يحتاج ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإن ذلك حاجة عارض لعارض.

ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في اللباس مطلقا بلا فدية، ونهى عن النقاب والقفيزة، فإن المرأة لما كانت كلها عورة وهي محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستر بدنها فدية، وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف وهي عامة إذ لم يجدوا الإزار والنعال، وابن عمر لما لم يبلغه حديث الرخصة مطلقا أخذ بحديث القطع وكان يأامر النساء بالقطع بقطع الخفاف حتى أخبرته بعد هذا صفية زوجته عن عائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للنساء في ذلك فرجع عن قوله.

يعني هو الآن الفرق بينهما بين إيه وإيه؟ ماذا يريد أن يقول؟ هو هنا إن عمر ما بلغوش الرخصة، ولا لا؟ الفرق بينهما أن الناس مشتركون. فرق بين إذا لم يحرق رأسه وإذا لبس أي هم قالوا إن الاثنين خلاف الأصل، المفروض أن هو لا يحلق رأسه، طب أفرض هو كان عنده مشكلة؟ يبقا فدية، خلاص لن يحلق رأسه ولكن ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. طب ليه بقى بيقولوا لابن القيم: ليه بقى أنت لم توجب على من لم يجد الخف فقطعه، من لم يجد إلا السراويلات فلبسها لماذا لم تقل إنه يجوز أنه يفعل ذلك ويطلع فدية؟ يجب عليه الفدية ها؟

فقال: الفرق بينهم إيه؟ الفرق بقى أن هذا يعني أمر عام يحتاج إليه الناس عام. آه، أن هذا أن هذا أمر عام، إنما الآخر عارض، فالعارض هو اللي إيه؟ هو القليل، شبه ما شبه اللي عملها في إيه؟ نقض الرأس من الحيض، لكن عدم نقض الضفر في الجنابة، لأن الجنابة أكثر، فهمت كده؟ فده جميل، يعني دي أمثلة حلوة يا شباب، لأنك لما يكون عندك رصيد من الأمثلة دي اسمها الفروق، الفروق الفقهية هي الفروق بين الصور التي تبدو متماثلة، فاهم؟ في أمثلة، يعني مثلا عندك طلاق الهازل وطلاق الهازل الهازل وطلاق وطلاق المكره. الاثنين لم يقصدوا الطلاق، صح؟ طب لماذا عدد من العلماء أوقعوا طلاق الهازل ولم يوقعوا طلاق المكره؟ لأن الهازل قصد الفعل ولكن لم يقصد الأثر، صح ولا لا؟ لأنه لم يكره عليه، فهمت كده؟ فانت أنت لما يكون عندك يعني عدد من الفروق الفقهية أمثلة جيده جدا هنا.

فعلا الاثنين قريبين من بعض، صح ولا لا؟ لأن ده خلاف الصورة اللي النبي عليه الصلاة والسلام قال عليها. طب ليه هنا شرع الفدية بينما في الأمثلة الأخرى لا يوجب الفدية؟ فذكر الفرق بينهم.

قال: ومما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع منهما أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقا ولم يبين فيه حالة من حالة، وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخرين ترخيصه في لبس السراويل عند عدم الإزار، فدل على أن رخصة البدل لم تكن شرعت في لبس السراويل أو أنها إنما شرعت وقت خطبته بها وهي متأخرة، فكان الأخذ بالمتاخر أولى، لأنه إنما يؤخذ بالأخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمدار المسألة على ثلاث نكت: إحداها أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات لم تشرع قبل، والثانية أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، والثالثة أن المقطوع كالنعل.

أصل لا إنه بدل، والله أعلم. والله العظيم، والله تحف بنقراها، يعني بيلفت نظرك لخلاصة المسألة. ممكن تكون المسألة يا جماعة في مأئة صفحة، وفكرتها كلها فكرة واحدة فأنت ممكن تتوه. صح، هو بيريحك بيقول لك في ثلاث أفكار إذا فهمتهم تفهم المسألة؛ الأولانية أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات لم تشرع قبل، والثانية أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. طب عايز يستدل بها على أين دي؟ أن لو كان من يلبس السراويلات مكان الإزار عليه فدية، كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين له ذلك، فهمت كده؟ والثالثة أن المقطوع كالنعل أصل لا أنه بدل، فما دام هو أصل أصل يبقى أنت مش هتحتاج تقول إن هو عليه فدية أصلاً.

فاهم الفكرة؟ أنت ممكن أحياناً تتوه يا شباب في صفحات كثيرة، أحياناً يعني مثلاً أنا كنت بقرا في مسألة القدر؛ مسألة القدر وفكرة القدر، اللي هي أن فعل العبد هل هو من الله أم من العبد؟ لو في عبد سرق أو قتل أو صلى أو صام، هل الفعل هذا من الله أم من العبد؟ فهو الجواب الصحيح أنه من الله خلقاً وتقديراً، ومن العبد فعلاً وإرادة واختياراً، صح؟ فلما أنت تلاقي مثلاً ابن تيمية يقول لك إن أصل المشكلة أو الأصل الذي ضل به الجبرية والمعتزلة، أو اللي هم القدرية يعني، أنهم ظنوا أن الأثر الواحد لا يصح أن يصدر إلا عن مؤثر واحد. آه، يبقى أنت كده فهمت القصة؛ هم مشكلتهم بيقولوا: مش ممكن يكون في فعل يشترك فيه مؤثران؟ فإما الرب، وإما العبد!

فالجبرية اختاروا أن مين المؤثر؟ الرب. والقدرية اختاروا أن مين المؤثر وحده؟ العبد. فشوف أنت الكلمة دي، يعني الفكرة يا شباب أن العلماء الذين يدخلون في لب المسالة أو جوهر المسالة قليل جداً، ممكن أنت توتوه وتقعد تتعب جداً في أقوال صفحات طويلة، بينما تكون الفكرة كلها في سطر، إذا ما فهمتش السطر ده مهما تقرا وتحفظ ما فيش شيء! فهمت؟ فهنا جاب لك الخلاصة: ماذا يريد أن يكون بالنقطة الثالثة؟ أنه بدل، ما هو ده اللي ذكره، هو عايز يقول إن هذا أصل مش سنلجو إليه عند غيره، لا، هو أصل لوحده، فهمت كده؟ نفس حكم... آه، يعني بص بص يا فاروق، دلوقتي لما ربنا يقول إيه؟ فصيام... لا، اللي هو إيه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]. هل لو أنا بدأت بالكسوة هل أنا كده عملت بدل، ولا ده أصل؟ مش أنا مخير ولا مش مخير؟ صح؟ يبقى ده أصل ولا بدل؟ أصل، الأصول ثلاثة، صح كده؟

فهو عايز يقول كده، عايز يقول إن ده أصل لوحده، مش إحنا بنلجأ إليه عند ده، فهمت؟ وبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم... فبالتالي ليس عليه فدية. فهمت الفكرة؟ ماشي، يمكن في شيء آخر يا شيخ؛ أنه لما النبي صلى الله عليه وسلم قال في عرفة: إن لم يجد اللمس الخف... يعني لا يحمل على أنه الخف المقطوع؛ لأن الخف المقطوع هو أصله، أيوه، فليس...

قال فصل: واما نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعه والجلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين.

فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه، وإنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه. وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين، فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، هذا وهذا واضح بحمد الله.

وقد ثبت عن أسماء أنها رضي الله عنها أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وقالت عائشة: كانت الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه؛ ذكره أبو داود.

واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا أصل له دليلاً ولا مذهباً. قال صاحب المغني: ولم أر هذا الشرط يعني المجافاة عن أحمد ولا هو في الخبر، مع أن الظاهر خلافه. قال: واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا دليلاً ولا مذهباً.

بيحكوا عن اللي هم تلاميذ ابن حجر لما كان بيشرح فتح الباري، بيحكوا أنه كان عنده صالة كبيرة جداً، ابن حجر كان يعني العملية كانت مستريحة معاه، يعني ما كانش ضربة السلك يعني لا، فكان بيفرد كل كتب اللغة، كل كتب العلل، كل كتب الرجال، كل كتب الشروح اللي قبله، وياخد زي كده إيه اللي هو البوفيه المفتوح يعدي على كلها كلها، وبعدين يكتب. فاهم؟ ده ده الجهد العالي، أما جهده بقى السنوات الطويلة، فاهم؟

ويجي واحد سفيه يقول لك إن ده... يعني يكفره، أو يقول لك مختلف في تكفيره، أو أن يقول لك الكتب دي تتحرق وما لهاش أي لازمة! فاهم؟ فده يعني أقصد أقول إن مش هيقدر يوقر العلماء إلا اللي على الأقل قرأ كتبهم وفهم فيها، فاهم؟ دخلنا المدرسة الأول كانت بس التوحيد سنة، فكانوا كتب الشروح بتاعت محمد كان يقول: لفظ وقال الشارع، وقال الشارع! لما الشارع يعمل... أنا كنا عيال صغيرة استغربناها يعني. ففي آخر فترة لما هو طلع كده أشوف له فيديو قال: يعني بينكر على الشيخ فوز الكندري كلمة الشارع؛ الشارع ده لما كنت في إعدادي كده... أيوه أيوه، أنت طالع لي؟ أيوه لا ما فيش، ما فيش، لا لا ما فيش حاجة.

لا، دي ناس في الطراوة دي، وسبحان الله يعني، أنا لا أحزن على شخص يتبع هؤلاء؛ لأن الله لا يسلم شخصاً لهؤلاء إلا وهو يستحق، الله لا يظلم الناس شيئاً. لذلك كان في أحد المشايخ كان عنده تلاميذ وبعدين انحرفوا ودخلوا في المذهب ده، بعد ما هو تعب معاهم فزعل جداً وجالي وكان زعلان، قلت له: أنا أسألك سؤال واحد، أنت قصرت مع الشباب دي؟ ده أنت كنت بترعاهم وتسافر معاهم وتاملهم زي والدهم وتحزن ليه؟ قلت له: طهرك الله منهم، مشغل بالك بيهم ليه؟ أنا عن نفسي لا أحزن على أحد أبداً، إذا أنا اجتهدت مع إنسان واستقصيت معاه ولا خلاص مع ألف سلامة. أنا أقول لك إيه؟ أنا يعني ما يفرق معي أبداً أبداً حد يترك الطريق عموماً، ليه؟ لأن أعلم يقيناً أن الله لا يظلم مثقال ذرة، فربنا لا يسلم شخصاً لهؤلاء ويبقى معهم إلا لأنه يوافق على... أنتم تنفعوا مع بعض، تليقوا مع بعض، كملوا بقى مع حياتكم فاهم؟

لا، ربنا سبحانه وتعالى يعني العكس، ربنا يزيد المهتدي هدى، هتلاقي نفسك ربنا يسر لك شخص من غير ما تشعر. طب ما إحنا كان معانا في المجموعة بتاعتنا كان في أكثر من شخص كانوا تابع المنهج ده، الآن هم من أفضل الطلاب بدون ذكر أسمائهم، فاهم؟ الحمد لله من خيرة الطلاب، ليه؟ لأن هو شاف بنفسه العلم، وشاف معنى انك تطلب الوحي وتطلب الهدى مش هتقعد الكلام الفارغ ده، فهمت؟

ولذلك هي دي الفكرة اللي خلتني أنا لما بتكلم عن شخص منهم، تكلمت في فترة عشان أنبه الناس بس اللي هم كانوا مغرورين فيهم، وبعد كده مش فاضيلك أنا، لا لا ابتغي الجاهلين، لا أجاريك أنا، لا أجيك، لا مش فاضيلك! أنت لما... ما بتصارع خنزير في الطين إيه اللي بيحصل؟ هو يستمتع وأنت بتضيع وقتك بتوسخ نفسك! فهمت؟ فهي الفكرة أن الذكاء أن أنت تضرب في مقتل وتبين.

قال اشتراط المجافاة على الوجه، كما ذكره القاضي وغيره، ضعيف لا أصل له دليلاً ولا مذهباً. قال صاحب المغني: ولم أرَ هذا الشرط -يعني مجافاة عن أحمد- ولا هو في الخبر، مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدول لا يكاد يستوي من مصابة البشرة، فلو كان هذا شرطاً لبين.

وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه. قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهه.

فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها»؟ فجعل وجه المرأة كراس الرجل، وهذا يدل على وجوب كشفه.

قيل: هذا الحديث لا أصل له، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها، ولا يعرف له إسناد، فلا تقوم به حجة، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنه، وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين، والله أعلم.

قال عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، زاد: «ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين»، وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي. هذا مستثنى من تضييع المال وكل إلاف، وباب المصلحة فليس بتضييع، وليس في أوامر الشريعة إلا الاتباع.

وقال عطاء: لا يقطعهما، فإن في قطعهما فساداً، كأنه لم يبلغه حديث ابن عمر. وقال الشافعي: أرى يقطعهما، لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم يكن في حديث ابن عباس، وكلاهما صادق حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئاً لم يروه الآخر، إما غير رغبة وإما شك فيه فلم يؤده، وإما سكت عنه وإما أداه فلم يؤدَ عنه لبعض هذه المعاني إطلاقاً.

والقفاز بالضم والتشديد: شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن، يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد، يحشى بقطن ويكون له أزرار تزر على الساعدين، وقيل هو ضرب من حلي المرأة لديها. وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا شيء على المرأة في لباسه، وعللوا حديث ابن عمر بأن ذكر القفازين إنما هو قول ابن عمر ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وعلق الشافعي القول في ذلك. قال ابن القيم رحمه الله: تحريم لبس القفازين قول عبد الله بن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه. وهو يذكر كل هؤلاء من غير الإمام، ويأتي عن الإمام أحمد يقول: الإمام. هو حتى في كتاب إعلام الموقعين، وتذكر الرخصة عن علي وعائشة وسعد بن أبي وقاص، وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي في القول الآخر.

ونهي المرأة عن لبسهما ثابت في الصحيح، كنهي الرجل عن لبس القميص والعمائم وكلاهما في حديث واحد عن راوي واحد، وكنهيه المرأة عن النقاب وهو في الحديث نفسه. وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع وهي حجة على من خالفها، وليس قول من خالفها حجة عليه. وأما تعليل حديث ابن عمر في القفازين بأنه من قوله فإنه تعليل باطل، وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين. ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً إليه وليس من كلام ابن عمر.

وموضع الشبهة في تعليله أن نافعاً اختلف عليه، فرواه الليث بن سعد عنه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فيه: «ولا تلبس القفازين». قال أبو داود: ورواه حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى بن عقبة عن نافع على ما قال الليث. ورواه موسى بن طارق عن موسى بن عقبة موقوفاً على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم موقوفاً، وكذلك هو في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين.

ولكن قد رفعه الليث بن سعد وموسى بن عقبة في الأكثر عنه، وإبراهيم بن سعيد أيضاً رفعه عن نافع وذكره أبو داود. ورواه محمد بن إسحاق عن نافع مرفوعاً كما تقدم. فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخاري في الصحيح والترمذي وقال: حديث صحيح. ورواه النسائي في سننه، ولم يرَ وقف من وقفه علةً. قال: وأما حديث موسى بن عقبة -يعني مش كل ما يختلف الوقف مع الرفع نضاعف الرفع بالوقف، لا مش لازم- فرواه النسائي في سننه عن سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة فذكر الحديث، وقال في آخره: «ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» مرفوعاً.

قال البخاري: تابعه موسى بن عقبة وإماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين. وقال عبيد الله ورس وكان يقول: لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين. وقال مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: لا تنتقب المحرمة، وتابعه ليث بن أبي سليم. فالبخاري رحمه الله ذكر علته ولم يرها علة مؤثرة، فأخرجه في صحيحه عن عبد الله بن يزيد قال: حدثنا الليث قال: حدثنا نافع عن ابن عمر فذكره.

باب المحرم ينكح. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، وخرجه البخاري والترمذي والنسائي وبنحوه. وعن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.

قال أبو عمر النمري: والرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو -بين آه ده كلام صح اللي هو كلام المنذري ينقله عن ابن عبد البر- قال: والرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة وعن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وعن سليمان بن يسار مولاها وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أخيها وهو مولى سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن شهاب، وجمهور علماء المدينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكح ميمونة إلا وهو حلال قبل أن يحرم.

وما أعلم أن أحداً من الصحابة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والميل إلى رواية الجماعه أميل، لأن الواحد أقرب إلى الغلط، وأقرب أحوال حديث ابن عباس أن يجعل متعارضاً مع رواية من ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه

نهى عن نكاح المحرم وقال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح»، فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها. قال ابن القيم رحمه الله: وعن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.

وقد روى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج، وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل؛ لأن سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهي حلال وهو حلال، وبنى بها وهي حلال، وكنت الرسول بينهما، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وهذا صريح في تزوجها بالوكالة قبل الإحرام.

قال باب لحم الصيد للمحرم. وعن أبي قتادة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً فاستوى على فرسه، قال: فاسأه أصحابه أن يناولوه فابوا، فسألهم رمحه فابوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم.

فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك فقال: «إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالى». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ووقع في البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم أكل منه. وأخرجه الدارقطني في سننه من حديث معمر بن راشد وفيه: واني إنما اصطدته لك، فامر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فاكلوا ولم يأكل حين أخبرته أني اصطدته له.

قال الدارقطني: قال أبو بكر يعني النسابري: قوله اصطدته لك وقوله ولم يأكل منه لا أعلم أحداً ذكره في هذا الحديث غير معمر. وقال غيره: هذه لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه، وقد تقدم في الصحيحين أنه أكل منه صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم رحمه الله: وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله في طريق مكة ونحن محرمون، فأهدوا لنا لحم صيد وطلحة راقد، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ قال للذين أكلوا: أصبتهم، وقال للذين لم يأكلوا: أخطأتم، فإنا قد أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حرم.

وروى مالك عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني محمد بن إراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري عن البهزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذ حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دعوه، إنه يوشك أن يأتي صاحبه». فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله شانكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبابكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى حتى إذا كان بالأثايه بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى جاوزه.

وفي الصحيحين: الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم». ورواه مسلم عن سفيان وقال: لحم حمار وحش. وقال الحميدي: كان سفيان يقول في الحديث: أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش، ربما قال سفيان: يقطر دما، وربما قال: حمار وحش ثم صار إلى لحم حتى مات.

قال وفي رواية لمسلم: شق حمار وحش وهو محرم فرده، وفي رواية: عجز حمار فرده، وفي رواية: رجل حمار. قال الشافعي: فإذا كان الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم الحمار حياً فليس لمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى له لحماً فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه، وإيضاحه في حديث جابر قال: وحديث مالك أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أثبت من حديث من حدث أنه أهدى له من لحم حمار. تم كلامه.

قال البيهقي: ورواية يحيى بن سعيد عن جعفر بن عمر بن أمية الضمري عن أبيه أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم. قال: وهذا إسناد صحيح، فإن كان محفوظاً فكانه رد الحي وقبل اللحم. تم كلامه.

وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً في هذه المسألة وأشكلت عليهم الأحاديث فيها، فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصيد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وعثمان بن عفان وزبير بن العوام وأبي هريرة رضي الله عنه، ذكر ذلك ابن عبد البر عنهم.

وحجتهم حديث أبي قتادة المتقدم، وحديث طلحة بن عبيد الله. وحجتهم حديث أبي قتادة المتقدم، وحديث طلحة بن عبيد الله، وحديث البهزي.

وقالت طائفة: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال، وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: 96] هي مبهمة، وروي عن طاووس وجابر بن زيد وسفيان الثوري المنع منه. وحجة هذا المذهب حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة وحديث علي في أول الباب، واحتجوا بظاهر الآية وقالوا: تحريم الصيد يعم اصطياده وأكله.

وقالت طائفة: ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز له أكله، وما لم يصده من أجله بل صاده لنفسه أو لحلال لم يحرم على المحرم أكله، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم، وقول إسحاق وأبي ثور. قال ابن عبد البر: وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب.

قال وحجة من ذهب هذا المذهب: أن تصح الأحاديث في هذا الباب، وإذا حملت على ذلك لم تتضاد ولم تختلف ولم تتدافع، وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعماله سبيل.

ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه. وآثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل.

فروى البيهقي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج في يوم صائف وهو محرم وقد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه: كلوا. قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي. وحديث أبي قتادة والبهزي وطلحة وطلحة بن عبيد الله قضايا أعيان قضايا أعيان لا عموم لها، وهي تدل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال.

وحديث الصعب بن جثامة يدل على منعه منه. وحديث جابر صريح في التفريق في التفريق، فحيث أكل علم أنه لم يصد لأجله، وحيث امتنع علم أنه صيد لأجله، فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين حديث صلى الله عليه وسلم بحال.

وكذلك امتناع علي من أكله لعله ظن أنه صيد لأجله، وإباحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب حمار البهز ومنعهم من التعرض للظبي، لأن الحمار كان عقيرا في حد الموت، وأما الظبي فكان سالما لم يسقط إلى الأرض فلم يتعرض له لأنه حيوان حي، والله أعلم.

قال باب الإحصار، ونبي حاضر الحميري وهو عث وهو عثمان بن حاضر قال: خرجت معتمراً عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، فنحرت الهدي مكاني ثم أحللت ثم رجعت فرجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية حديبية في عمرة القضاء. في إناد في إسناد محمد بن في إسناد محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.

قال وقال البيهقي: ولعله إن صح الحديث استحب الإبدال وإن لم يكن واجباً كما استحب الاتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء. يعني ابن القيم في المسألة اللي قبلها يرجح إيه أن هو لو صيد له لا يأكل، وأما لا إذا لم يصد له يأكل.

وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجباً بالتحلل والله أعلم. وإن صح حديث الحجاج بن عمر بن عمر فقد حمله بعض أهل العلم أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض، فقد روينا عن ابن عباس ثابتاً عنه أنه قال: لا حصر إلا حصر عدو. تم كلامه.

وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام على معنى حديث ضباعة. قالوا: ولو كان الكسر مبيحاً للحل لم يكن للاشتراط معنى. وقالوا أي وأيضاً فلا يقول أحد بظاهر هذا الحديث، فانه لا يحل بمجرد الكسر والعرج، فلا بد من تأويله، فيحمله على ما ذكرناه.

قالوا وأيضاً فانه لا يستفيد بالحل زوال عذره ولا الانتقال من حاله، بخلاف المحصر عدو. وقوله: وعليه الحج من قابل، هذا إذا لم يكن حج الفرض، فأما إن كان تطوعاً فلا شيء عليه غير هدي الإحصار.

قال البيهقي: وحديث الحجاج بن عمر قد اختلف في إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه، وأنه لا حصر إلا حصر العدو إلا حصر العدو. تم كلامه.

قال ابن القيم رحمه الله: اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمنع من الوصول إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج، هل حكمه حكم المحصر بالعدو في جواز التحلل هل في جواز التحلل؟ فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم أنه لا يحله إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وإسحا وإسحاق، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور عن مذهبه.

وروي عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو، وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحم وأبي أحمد وأبي ثورزمة وأحمد في الرواية الأخرى عنه. ومن حجة هؤلاء حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، قالوا وهو حديث حسن يحتج بمثله.

قالوا وأيضاً ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض، فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال أحصره المرض وحصره العدو، فيكون لفظ الآية صريحاً في المريض وحصر وحصر العدو ملحق به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟ قال الخليل وغيره حصر و قال الخليل وغيره: حصرت الرجل حصراً منعته وحبسته، وأحصر عن بلوغ المناسك بمرض أو نحوه مكانك أنت أو قال وعلى وعلى هذا خرج قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر إلا حصر العدو، ولم يقل لا إحصار إلا إحصار إلا إحصار العدو.

فليس بين رأيه وروايته تعارض، ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه، لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة. قال وقولكم لو كان يحل يحل بالحصر يحل بالحصر لم يكن للاشتراط معنى، جوابه من وجهين: أحدهما أنكم لا تقولون بالاشتراط ولا يفيد الشرط عندكم عندكم شيئاً، فلا يحل عندكم بشرط ولا بدون، فالحديثان معا حجة عليكم.

وأما نحن فعندنا أنه يستلام هنا عن الإحصار، هل الإحصار فقط يكون بالعدو ولا يكون بمرض ويكون بكسر أو نحوه؟ وأما نحن فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين: إحداهما جواز الإحلال، والثانية سقوط الدم.

فإذا لم يكن شرطاً استفاد فإن لم يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال الإحلال وحده وثبت وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم. وأما قولكم إن معناه أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج لغير مرض، ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكسر ولا للعرج في ذلك، فإن المفوته يحل صحيحاً كان فإن المفوت المفوت أيوة يحل صحيحاً كان أو مريضا.

وأيضاً فإن هذا يتضمن تعليق الحكم بوصف لم يعتبره النص، وإلغاء الوصف الذي اعتبره هذا غير جائز. وما قولكم إنه يحمل على الحل بشرط، فالشرط إما أن يكون له تأثر في الحل عندكم أو لا تأثير له؟ فان كان مؤثراً في الحل لكم فان كان مؤثراً في الحل لم يكن الكسر والعرج هو السبب الذي علق الحكم به، وهو خلاف النص.

وإن لم يكن له تأثير في الحل بطل حمل الحديث عليه. قالوا: أما قولكم إنه لا يقول أحد بظاهره، فإن ظاهره أنه بمجرد الكسر والعرج يحل، فجوابه أن معنى أن المعنى قد صار من يجوز له الحل بعد بعد أن كان ممنوعاً منه.

وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم»، وليس المراد به أنه أفطر حكماً وإن لم يباشر المفطرات، بدليل أذنه لأصحابه في الوصال إلى السحر، ولو أفطروا حكماً لاستحال منهم الوصال لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، وإذا نكحت زوجاً غيره زوجاً آخر حلت لا بمجرد النكاح الثاني بل لابد من مفارقته وانقضاء العدة وعقد الأول عليها.

قال وما قولكم إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال الانتقال الانتقال من حاله التي هي عليها ولا التخلص من إذاه بخلاف من حصره العدو، كلام لا معنى تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيده المحصر بالعدو، فإنه إذا بقي ممنوعاً من اللباس وتغطية الراس والطيب مع مرضه تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد. ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفد ما يكون سبب ما يكون سبب زوال أذ كما يستفيد المحصر بالعدو بحله ولا فرق بينهما.

فلو لم يأت نص بحل المحصل بمرض لكان القياس على المحصل بالعدو يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه والقياس يدل عليه والله أعلم.

باب استلام الأركان وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعو أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة في كل طوفة قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله، وأخرجه النسائي. وفي إسناد عبد العزيز عبد العزيز بن أبي ابن أبي رواد في حاجة وفيه مقال.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله

عليه وسلم أنه قال: «مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطاً».

وروى النسائي من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال: رأيت طاوساً يمر بالركن فإن وجد عليه زحاماً مر ولم يزاحم، فإن راه خالياً قبله ثلاثاً، ثم قال: رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، ثم قال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك، ثم قال: إنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك، ثم قال عمر رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك. وترجم عليه النسائي: كم يقبل الحجر؟ وفي النسائي عن عمر رضي الله عنه أنه قبل الحجر الأسود والتزمه وقال: رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا. قال وفي النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحجر الأسود من الجنة». وفي صحيح أبي حاتم عن نافع بن شيبة الحجابي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو مسند ظهره إلى الكعبة: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب». وفي صحيحه أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لهذا الحجر لساناً وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بالحق». وفي صحيح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبعثن الله هذا الركن يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بالحق».

وأخرج النسائي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت على راحلته، فاذا انتهى إلى الركن أشار إليه. وفي صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن استلام الحجر فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. رواه البخاري، وهذا يحتمل الجمع بينهما، ويحتمل أنه راه يفعل هذا تارة وهذا تارة، وقد ثبت تقبيل اليد بعد استلامه، ففي الصحيحين أيضاً عن نافع قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال: ما تركت منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعله. فهذه ثلاثة أنواع صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم: تقبيله وهو أعلاها، واستلامه وتقبيل يده، والإشارة. واستلامه وتقبيل يده والإشارة إليه بالمحجن وتقبيله، لما رواه مسلم عن أبي طفيل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن. وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر؛ إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر».

وأما الركن اليماني فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه من رواية ابن عمر وابن عباس، وحديث ابن عمر في الصحيحين: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس من الأركان إلا اليمانيين. وحديث ابن عباس في الترمذي. وقد روى البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليمني قبله. وفي صحيح الحاكم عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليمني ويضع خده عليه. وهذا المراد به الأسود؛ فانه يسمى يمانياً مع الركن الآخر، ويقال لهما اليمانيين، بدليل حديث عمر في تقبيل الحجر الأسود خاصة وقوله: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. فلو قبل الآخر لقبله عمر.

قال باب الطواف بعد العصر.

عن جبير بن مطعم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنع أحداً يطوف بهذا البيت ويصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث جبير بن مطعم حديث حسن صحيح. قال المنذري: فيه دليل على أن الصلاة جائزة بمكة في الأوقات المنهي عنها في سائر البلدان، ومنع بعضهم ذلك لعموم النهي، وتاول بعضهم الصلاة في هذا الحديث على الدعاء.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من طاف بالبيت أسبوعاً لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه خطيئة وكتب له بها حسنة ورفع له بها درجات».

وأخرج النسائي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من طاف بالبيت أسبوعاً فهو كعدل رقبة». وهذه الأحاديث عامة في كل الأوقات، لم يأت ما يخصصها ويخرجها عن عمومها. وقد روى الترمذي في الجامع من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». قال: وفي الباب عن أنس وابن عمر، وحديث ابن عباس غريب. وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: إنما يروى هذا عن ابن عباس قوله، وقال أيوب السختياني: وكانوا يقولون: عبد الله بن سعيد بن جبير أفضل من أبيه.

على أي نهي؟ لأنه بيقول لا تمنعوا أحد يطوف بأي وقت. صح، طالما هيطوف يبقى هيصليها ركعتين، يبقى ده عموم. يبقى ليه أنت بقى تقول الأوقات المنهي عنها؟

لا، ده هو منصوص عليه باللفظ ساعة من ليل أو نهار، ما هي فكرة إنه يكون تخصيص منقطع؛ ليه؟ لأنه في الأخير الأحاديث التي تقول إنه لا تصلوا في أوقات النهي، هذه هي تخصص العموم الموجود.

لا، طبعا، إزاي؟ طب إيه فايدتها يعني؟ إيه فايدة إنه هو يطلق يقول في أي ساعة من الليل أو نهار، وبعدين في حديث تاني يقول بس إيه في الأوقات دي ما تصلوش؟

العكس، العكس هو اللي يكون بالعكس، إنه هذه الأحاديث بالعكس تخصص ذلك، إنه هذه الصلاة أيوه. نعم، جزاكم الله خير.

قال: «باب طواف القارن». عن جابر بن عبد الله قال: «لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول». وأخرجه مسلم والترمذي، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال ابن القيم رحمه الله: واختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن على كل منهما طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي وابن مسعود، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأهل الكوفة والأوزاعي، وإحدى الروايات عن الإمام أحمد.

الثاني: أن عليهما كليهما طوافاً واحداً وسعياً واحداً، نص عليه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله، وهو ظاهر حديث جابر هذا.

والثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين، وعلى القارن سعي واحد، وهذا هو المعروف عن عطاء وطاوس والحسن، وهو مذهب مالك والشافعي وظاهر مذهب أحمد، وحجتهم حديث عائشة رضي الله عنها وقد تقدم وذكرنا ما قيل فيه.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف طوافين وسعى سعيين من رواية علي وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين، ولا يثبت شيء منها.

والذين قالوا لابد للمتمتع من سعيين تأولوا حديث جابر بتأويلات مستكرهة جداً. وقال بعضهم: طوافاً واحداً أي طوافين على صفة واحدة، والواحدة راجعة إلى صفة الطواف لا إلى نفسه، وهذا في غاية البعد وسياق الكلام يشهد ببطلانه.

وقال البيهقي: أراد به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا قارنين خاصة، فانه صلى الله عليه وسلم كان مفرداً وأمر أصحابه أن يحلوا من إحرامهم إلا من ساق الهدي، فاكتفى هو وأصحابه القارنون بطواف واحد.

وهذا بعيد جداً، فإن الذين قرنوا من أصحابه كلهم حلوا بعمرة إلا من ساق الهدي من سائرهم، وهم آحاد يسيرة لم يبلغوا العشرة بل ولا الخمسة، بل الحديث ظاهر جداً في اكتفائهم كلهم بطواف واحد بين الصفا والمروة، ولم يأت لهذا الحديث معارض إلا حديث عائشة رضي الله عنها، وقد ذكر بعض الحفاظ أن تلك الزيادة من قول عروة لا من قولها.

وقد ثبت عن ابن عباس اكتفاء المتمتع بسعي واحد. روى الإمام أحمد في مناسك ابنه عبد الله عن وليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول: القارن والمفرد والمتمتع يجزيه طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة.

ولكن في صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي». فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا نساءنا ولبسنا الثياب، وقال: «من قلد الهدي فانه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله»، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فاذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تم حجنا وعلينا الهدي، كما قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فان الله أنزله في كتابه وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وباحوا للناس غير أهل مكة.

وذَكَرَ باقي الحديث، فهذا صريح في أن المتمتع يسعى سعيين، وهذا مثل حديث عائشة سواء، بل هو أصحرح منه في تعدد السعي على المتمتع.

فإن صح عن ابن عباس رضي الله عنهما ما رواه الوليد عن الأوزاعي عن عطاء فلعل عنه في المسألة روايتان، كما عن الإمام أحمد فيها روايتان. وفي مسائل عبد الله قال: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافاً واحداً فلا باس. قال: وإن طاف طوافين فهو أعجب إلي، واحتج بحديث جابر.

وأحمد فهم من حديث عائشة رضي الله عنها قولها: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى بحجهم، أن هذا طواف القدوم، واستحب في رواية المروذي وغيره للقادم من عرفة إذا كان متمتعاً أن يطوف طواف القدوم، ورد عليه بعض أصحابه ذلك.

وفهم من حديث عائشة رضي الله عنها أن المراد به طواف الفرض، وأنها وهذا سهو منه؛ فإن طواف الفرض مشترك بين الجميع، وعائشة رضي الله عنها لأنها أثبتت للمتمتع ما نفته عن القارن، وليس المراد بحديث عائشة إلا الطواف بين الصفا والمروة والله أعلم.

وعن عائشة رضي الله عنها: «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رموا الجمرة». وأخرجه النسائي.

قال ابن القيم رحمه الله: وفي الصحيحين عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشه لما طافت بالكعبه وبالصفا والمروة: «حللت من حجك وعمرتك جميعاً». قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت. قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم».

قال: «باب الملتزم». عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قلت: لألبسن ثيابي وكانت داري على الطريق ولأنظرن كيف يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم. وفي إسناد يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به، وذكر الدارقطني أن يزيد بن أبي زياد تفرد به عن مجاهد.

قال ابن القيم رحمه الله: وروى البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم. وفي البيهقي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يلزم ما بين الركنين والباب وكان يقول: ما بين الركن والباب يسمى الملتزم، لا يلزم بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه.

وأما الحطيم فقيل فيه أقوال: أحدها أنه ما بين الركن والباب وهو الملتزم. وقيل: ما بين الركن والمقام والحجر. وقيل: هو جدار الحجر لأن البيت رفع وترك هذا الجدار محطوماً. والصحيح أن الحطيم الحجر نفسه، وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه واحتج عليه بحديث الإسراء قال: «بينا أنا نائم في الحطيم» -وربما قال في الحجر- قال: وهو حطيم بمعنى محطوم كقتيل بمعنى مقتول.

قال: «باب الصلاة بجمع». وعن عبد الله بن مالك قال: صليت مع ابن عمر المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين. قال له مالك بن الحارث: ما هذه الصلاة؟ قال: صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بإقامة واحدة. وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وذهب سفيان الثوري.

وجماعة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لهما، كما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر.

قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن عبد البر وهو محفوظ من روايات الثقات؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة.

قال قلت: وقد ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة، وقال مالك: صلاهما بأذانين وإقامتين، وهو مذهب ابن مسعود، وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أنه صلى صلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة.

وقال ابن المنذر: روي هذا عن عمر رضي الله عنه.

قال ابن عبد البر: ولا أعلم في ذلك حديثاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه، ولكنه روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك.

ومذهب إسحاق وسالم والقاسم أنه يصليهما بإقامتين فقط، وحجتهم حديث ابن عمر المتقدم، وهو رواية عن أحمد.

ومذهب الشافعي في الأصح عنه وأبي ثور وعبد الملك الماجشون والطحاوي أنه يصليهما بأذان واحد وإقامتين، وحجتهم حديث جابر الطويل.

قال: وقد تكلف قوم الجمع بين هذه الأحاديث بضروب من التكلف، وعن ابن عمر في ذلك ثلاث روايات؛ إحداهن: أنه جمع بينهما بإقامتين فقط، والثانية: أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما، وقد ذكر أبو داود الروايتين، والثالثة: أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة.

ذكر ذلك البغوي قال: حدثنا الحجاج بن المنهاال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين قال: وقفت مع ابن عمر بعرفة وكان يكثر أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فلما أفضنا من عرفة دخل الشعب فتوضأ، ثم جاء إلى جمع فعرض راحلته، ثم قال: الصلاة، فصلى المغرب ولم يؤذن ولم يقم، ثم سلم، ثم قال: الصلاة، فصلى العشاء ولم يؤذن ولم يقم.

والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين؛ أحدهما: أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة، فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما تقدم، فروي عن ابن عمر من فعله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه مرفوعاً الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضاً مرفوعاً الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعاً الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة، وهذه الروايات صحيحة عنه فيسقط الأخذ بها لاختلافها واضطرابها.

وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه فعله.

وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادة على نفي الأذان والإقامة الثانية، ومن أثبتهما معه زيادة علم وقد شهد على أمر ثابت عاينه وسمع.

وما حديث أسامة فليس فيه إلا بيان تعدد الإقامة لهما وسكت عن الأذان، وليس سكوته عنه مقدماً على حديث من أثبته سماعاً صريحاً، بل لو نفاه جملة لقدّم عليه حديث من أثبته لتضمنه زيادة علم خفيت على النافي.

الوجه الثاني: أنه قد صح من حديث جابر في جمعه صلى الله عليه وسلم بعرفة أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين ولم يأت في حديث ثابت قط خلافه، والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، ولو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بالمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة.

باب التعجيل من جمع: وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليله النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني عندها.

قال البيهقي: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه.

ذكر ذلك عقيب حديث أبي داود وقال الشافعي: فدل على أن خروجها بعد نصف الليل وقبل الفجر، ولأن دفعها كان قبل الفجر لأنها لا تصلي الصبح بمكة إلا وقد قدمت قبل الفجر بساعة، ووافق الشافعي عطاء وطاوساً فقال: ترمي قبل طلوع الفجر، وقال مالك وغيره: ترمي بعد الفجر ولا يجوز قبل ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن عبد البر: كان الإمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضاعفه.

قال ابن عبد البر: وأجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رماها ضحى ذلك اليوم.

وقال جابر: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس. أخرجه مسلم.

وقال أبو ثور: اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس لم تجزئ وعليه الإعادة.

وقال ابن عبد البر: وحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رماها بعد طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفا للسنة ولزمه إعادتها.

وقال وزعم ابن المنذر: أنه لا يعلم خلافاً في من رماها قبل طلوع الشمس بعد الفجر أنه يجزئه، وقال: ولو علمت أن في ذلك خلافاً لأوجبت على فاعل ذلك الإعادة، وقال: ولم يعلم قول الثوري يعني أنه لا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس، وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي، فمقتضى مذهب ابن المنذر أنه يجب الإعادة على من رماها قبل طلوع الشمس.

وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس، وفعله صلى الله عليه وسلم متفق عليه بين الأمة، فهذا فعله وهذا قوله، وحديث أم سلمة قد أنكره الإمام أحمد وضعفه، وقال مالك: ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لأحد رمى قبل طلوع الفجر.

قال: وعن عطاء وهو ابن أبي رباح قال: أخبرني مخبر عن أسماء رضي الله عنها أنها رمت الجمرة، قلت أنا: رمينا الجمرة بليل.

قالت: أنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه النسائي وقال فيه عن عطاء: أن مولى الأسماء أخبره، وأخرج البخاري ومسلم بمعناه أتم منه برواية عبد الله مولى أسماء عنها.

قال ابن القيم رحمه الله: والحديث الذي أشار إليه هو ما في الصحيحين عن عبد الله مولى أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ فقلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها.

فقلت لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للضعن، وفي لفظ لمسلم لضعنه. وليس في هذا دليل على جواز رميها.

بعد استند على حديث ابن مسعود، والمفروض أن هو كده أخذ به في أنه قال إنه ترمي قبل -يعني هي تجمع الصلاة وبعدين تصلي الفجر بدري، بعدين هتطلع وترمي قبل الفجر- يكون هو ده رأي الشافعي.

تصلي الفجر قبل أذانه يعني؟ ازاي هو... ما هو ده بقى اللي أنا استشكلته وأنا بقرا الكتاب؛ أنه هل فعلا الشكر بيبقى كده؟ أن هو لما يكون الواحدة تجمع في مزدلفة، وتطلع تاني يوم تصلي الفجر -لأن جمع- استندنا لحديث ابن مسعود نفسه، لأنه حديث ابن مسعود بيقول فيه إن هو بيصلي الفجر قبل الوقت، عشان كده بترمي الجمرة قبل وقتها، عفوا قبل الفجر.

يعني تقصد أن هي تكون رميتها بعد ما صلت، لكن قبل وقت الفجر الأصلي هي صلت؟ أيوه بس قبل وقت الفجر، فعشان كده هيكون الرواية فعلا صحيحة أن هي صلتش من صلاة الفجر؟ يعني رواية عبد الله بن مسعود أنه اللي بيجمع في مزدلفة لو جمعت، تصلي الفجر قبل وقته، وبعدين بتطلع بترمي.

وبعدين فين الرواية دي؟ الإسناد فين الرواية دي؟ أسماء والحديث الذي أشار إليه منهما في الصحيحين؛ عبد الله مولى أسماء: نزلت ليلة الجُمَع عند المزدلفة، فقامت تصلي فصليت ساعة، ثم قامت ثم قالت: يا بني، أ غاب القمر؟ فقلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: أ غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحل، فارتحلنا فمضينا، حتى إذا رمينا الجمرة صدق الصبح، قالت: أصليت الصبح؟ ثلاثة بقى.

أمُّنا مستغرب من الرواية اللي هو بيذكرها الإمام؟ غلسنا يعني. الرواية: غلسنا، يعني صلت في بداية الوقت، لكن مش قبل الوقت. أنا مستغرب قبل الوقت دي يا إمام.

هو حاولت أفهمها كده من رواية، بس أنا ما قدرت أفهمها غير بالشكل أن هو صلاة الفجر ده... الوقت... كمل، كمل العلاوة على ما أدم قال: وليس في هذا دليل على جواز رمي بعد نصف الليل، فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيبوبة القمر من مزدلفة إلى منى، فلعلها وصلت مع الفجر أو بعدها؛ فهي واقعة عين، ومع هذا فهي رخصة للضعفة، وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر، وهذا قول أحمد في رواية، واختيار ابن المنذر، واختيار ابن المنذر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه وأصحابهما.

قال: باب يوم الحج الأكبر. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: «أي يوم هذا؟». قالوا: يوم النحر. قال: «هذا يوم الحج الأكبر». وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه البخاري تعليقا.

قال ابن القيم رحمه الله: والقرآن قد صرح بأن الأذان يوم الحج الأكبر، ولا خلاف أن النداء بذلك...

وعن عبد الله قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة قط إلا لوقتها، إلا بالمزدلفة، فانه جمع بين الصلاتين المغرب والعشاء، وصلى الصبح يوم قبل وقتها.

قال الشافعي: ولو كان صلاها بعد الفجر لم يخل قبل وقتها، ولا قال في وقتها الأول! ولا قال في وقتها الأول؟ هي دي اللي خلتني أفهم أنه ما الفجر الأول اللي هو الكاذب مثلا؟ عفوا اللي هو وقت غريز.

وبعد كده عقب بيقول: ولم يختلف... الشافعي نفسه بيقول: ولم يختلف أحد في ألا يصلي أحد الصبح غداة جمع ولا في غيرها إلا بعد الفجر، وهم يخالفونه أيضا في قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع. بيبين ده انفراد من من ابن مسعود، هو نفسه عقب أهو يعني، هو نفسه بيقول إن ده يعني بيتعقب، طب لو كان هو يعني ما وافقهمش على الحكم ده أ هيكون إيه بقى سبب أن هو اختار ترمي قبل طلوع الفجر؟

ما هو ده فهمتها أن هو ترمي قبل طلوع الفجر بعد ما تكون هي صلت الفجر، الحديث ماشي. مين هو اللي قال كده؟ الشافعي. أيوه لا، هو الحديث أنه الصلاة صلتها قبل أن ترمي، ليست صلاة الفجر، قال: ثم رجعت فصليت الصبح بمنزلها بعد الرمي.

طيب تمام. وهنا ابن القيم يقول لك أنه رميها فلعلها وصلت مع الفجر أو بعد، ممكن أن تكون وصلت بعد مع الفجر أو بعد الفجر، فإنما عندما كانت عادت إلى البيت (يعني ده فكرة أن هو يكون طالع الفجر). يعني هو الشافعي نفسه كأنه تعقب الرواية دي.

ماشي، هو كان قال إن ذكر أن جوز طول الفجر، بس ما ذكر... آه يعني الرواية دي... إبراهيم بقى يلا.

قال ابن القيم رحمه الله: والقرآن قد صرح بأن الأذان يوم الحج الأكبر، ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنًى، فهذا دليل قاطع على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر. وذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عبد الله والشافعي إلى أنه يوم عرفة، وقيل: أيام الحج كلها، فعبر عن الأيام باليوم كما قالوا: يوم الجمل ويوم صفين، قاله الثوري. قال: والصواب القول الأول.

قال: باب من لم يدرك عرفة. وعن عامر عن الشعبي قال: أخبرني... هو إيه عن عامر وهو الشعبي؟ أه، وهو جزاكم الله خير. قال: وعن عامر وهو الشعبي قال: أخبرني عروة بن مَضْرِس الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف -يعني بجمع- قلت: جئت يا رسول الله من جَبَلي طَيِّئ، أكللت مطيتي وتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه.

قال ابن القيم: وقال علي بن المديني: عروة بن مضرس لم يرو عنه غير الشعبي.

قال: باب الصلاة بمنًى. الموقف يطلق على مزدلفة وعلى غيره أم...

قال: باب الصلاة بمنًى. وعن الزهري أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتم الصلاة بمنًى من أجل الأعراب لأنهم كثروا عامئذٍ، فصلى بالناس أربعاً ليعلمهم أن الصلاة أربع. والظاهر أن هذا كله إنما هو تأويل لفعل عثمان رضي الله عنه. وقد أجبت عن هذا جميعه؛ أما من قال من أجل الأعراب فردوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعتين، وهو عليه السلام القدوة للأعراب وغيرهم، وكان الأعراب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجهل بأحكام الصلاة، وأمر الصلاة في زمان عثمان أشهر من أن يخفى عددها.

وأما من قال: إنه أجمع المقام بمكة بعد الحج، فرددناه أن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة ولا يقيم بها، والان عايزين يفسروا لماذا عثمان رضي الله عنه أتم الصلاة ولا يقيم بها بعد قضاء نسكه سوى ثلاث، وقد روي عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على راحلته، ويسرع الخروج من مكة خشية أن يرجع في هجرته.

وأما من قال إن عائشة رضي الله عنها تأولت أنها أم المؤمنين وعثمان أنه إمامهم، فحيث حل فكانهما في منازلهما، فرددناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى الناس بذلك ولم يتم، وما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة يرده سفر النبي صلى الله عليه وسلم بزوجاته وقد قصر.

نعم، قال ابن القيم: وأما ما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة فيرده أن هذا غير معروف، بل فإن هذا غير معروف، بل المعروف أنه لم يكن له بها أهل ولا مال، وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا اعتمر ربما لم يحطط راحلته حتى يرجع، ويرده ما تقدم أن عثمان من المهاجرين الأولين، وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة.

قال: وقال ابن عبد البر: وأصح ما قيل فيه أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك. قال غيره: اعتقد عثمان...

وعائشة في قصر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان رخصة، أخذ بالأيسر رفقاً بأمته، فأخذ بالعزيمة وترك الرخصة والله أعلم. يعني شايفين أن عائشة وعثمان شافوا أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا القصر رخصة، بينما العزيمة هي إيه؟ أن هم يتموا.

باب رمي الجمار.

قال باب رمي الجمار: وعن ابن مسعود رضي الله عنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصايات، وقال: «هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصراً وممطولاً.

قال ابن القيم رحمه الله: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رمى الجمرة بسبع حصايات من رواية عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر، وشك الشاك لا يؤثر في جزم الجازم. واختلف الناس في ذلك، فالذي ذهب إليه الجمهور وجوب استيفاء السبع في كل رم. وحكى الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزاه ذلك. قال: وإنما جعل الرمي بالحصى في ذلك سبباً لحفظ التكبيرات السبع.

وقال عطاء: إن رمى بخمس أجزاه. وقال مجاهد: إن رمى بست فلا شيء عليه، وبه قال إسحاق. وقال الإامم أحمد: إن نقص حصاة أو حصاتين فلا باس. وقال مرة: إن رمى بست ناسياً فلا شيء عليه ولا ينبغي أن يتعمده، فإن تعمده تصدق بشيء. وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست أو بسبع. وقال مرة: لا يجزئه أقل من سبع.

وروى النسائي والبيهقي في سننه والآثر وغيرهم عن ابن أبي نجيح سئل طاووس عن رجل ترك حصاة قال: يطعم لقمة. قال فذكرت ذلك لمجاهد فقال: أبو عبد الرحمن لم تسمع قول سعد؟ قال سعد بن مالك: رجعنا في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يقول رميت بست، وممنا من يقول رميت بسبع، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض.

قال باب العمرة.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال. قال ابن القيم رحمه الله: لم يتكلم المنذري على هذا الحديث وهو وهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في شوال قط، فانه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر من العام القابل عمرة القضية وكانت في ذي القعدة، ثم غزى غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم، ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف، ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر مع حجته عمرة قرنها بها وكان ابتداؤها في ذي القعدة.

وسيأتي حديث أنس بعد هذا في أن عمره كلها كانت في ذي القعدة. وقد روى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا ثلاثة: أحداهن في شوال واثنتين في ذي القعدة. وهذا مرسل عند جميع رواة الموطأ. قال ابن عبد البر: وقد روي عن مسنداً عن عائشة رضي الله عنها وليس رواته مسنداً ممن يذكر مع مالك في صحة النقل.

وقال ابن شهاب: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر: اعتمر عام الحديبية فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ست، واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة سنة سبع آمناً هو وأصحابه، ثم اعتمر العمرة الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان حين أقبل من الطائف من الجعرانة. وروى معمر عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعة فذكر مثل هذا. وكذلك في حديث عبد الله بن عمر وغيره. وكذلك ذكر موسى بن عقبة وزاد: ومنهن واحدة مع حجته.

وكذلك قال جابر: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة: أحداهن زمن الحديبية، والأخرى في صلح قريش، والأخرى في رجعته من الطائف من حنين من الجعرانة. وهذا لا يناقض ما روى الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة، فإن جابراً أراد عمرته المفردة التي أنشأ لها سفراً لأجل العمرة.

ولا يناقض هذا أيضاً حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين كما سياتي بعد هذا، فإن كان هذا محفوظاً عن عائشة أنه اعتمر في شوال فلعله عرض لها في ذلك ما عرض لابن عمر مع من قوله إنه اعتمر في رجب، وإن لم يكن محفوظاً عن عائشة رضي الله عنها كان الوهم من عروة أو من هشام والله أعلم، إلا أن يحمل على أنه ابتدأ أحرامها في شوال وفعلها في ذي القعدة فتتفق الأحاديث كلها والله أعلم.

وعن مجاهد قال: سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: مرتين. فقالت عائشة رضي الله عنها: لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها بحجة الوداع. وأخرجه النسائي، وأخرجه ابن ماجه مختصراً بنحوه.

قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن حزم: صدقت عائشة وصدق ابن عمر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر منذ هجر إلى المدينة عمرة كاملة مفردة إلا اثنتين كما قال ابن عمر وهما: عمرة القضاء، وعمره الجعرانة عام حنين، وعدت عائشة وأنس هاتين العمرتين: عمرة الحديبية التي صد عنها، والعمرة التي قرنها بحجة، فتلفت أقوالهم وانتفى التعارض عنها.

ثم قال ابن القيم رحمه الله بعد قول المنذري: وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً في رمضان، إلى أن قال المنذري: وكان ابتداء خروجهم لها في رمضان، وهذا لا يصح، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج في رمضان إلى مكة إلا في غزاة الفتح ولم يعتمر فيها. لا هو المرة دي، يعني هو حاول يجمع بين الحديث أن أحدهما لا ينفي الآخر.

قال باب الإفاضة في الحج.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى راجعاً. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه ولفظ البخاري مختصر. قال ابن القيم رحمه الله: هكذا قال ابن عمر. وقال جابر في حديثه الطويل: ثم أفاض إلى البيت وصلى بمكة الظهر رواه مسلم. وقالت عائشة رضي الله عنها: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها الحديث. وسيأتي.

فاختلف الناس في ذلك، فرجح طائفة منهم ابن حزم وغيره حديث جابر وأنه صلى الظهر بمكة، وقالوا: وقد وافقته عائشة واختصاصها به وقربها منه، واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به أمر لا يرتاب فيه. قالوا: ولانه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة وحلق رأسه وخطب الناس ونحر مائة بدنة هو وعلي، وانتظر حتى سلخت وأخذ من كل بدنة بضعة فطبخت وأكلا من لحمها.

قال ابن حزم: وكانت حجته في آذار، ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ثم يرجع إلى منى ووقت الظهر باق. وقالت طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره الذي...

يترجح أنه إنما صلى الظهر بمِنى لوجوه؛ أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة لناب عنه في إمامة الناس بِمِنى إمام يصلي بهم الظهر، ولم ينقل ذلك قط، ومحال أن يصلي بالمسلمين الظهر بمِنى نائب له ولا ينقله أحد.

فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر، ونيابة الصديق لما خرج صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف، ونيابته في مرضه. ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة؛ لأن إمامهم راتب، لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمراً على الصلاة قبل ذلك وبعده، هو الذي كان يصلي بهم.

الثاني: أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين، فكان يتعين عليهم الإتمام، ولم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم أتموا صلاتكم فإنها قوم سفر كما قال في غزاة الفتح.

الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقفورة بركعتي الطواف، ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون بهما، فظنوهما الظهر. وأما صلاته بِمِنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلاً؛ لا سيما وهو صلى الله عليه وسلم كان إمام الحج الذي لا يصلي لهم سواه، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون فرادى، ولا يقيم لهم من يصلي بهم؟ هذا في غاية البعد.

وأما حديث عائشة رضي الله عنها، فقد فهم منه جماعة منهم المحب الطبري وغيره؛ أنه صلى الظهر بِمِنى ثم أفاض إلى البيت بعدما صلى الظهر؛ لأنها قالت: أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى مِنى.

قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل كما قال جابر، ثم رجع إلى مِنى فرأى قوماً لم يصلوا فصلى بهم ثالثة كما قال ابن عمر.

قال: وطريقة يسلكها القاصرون فيه. وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان الذي هو عرضة البشر. ومن له إمام بسنة ومعرفة حج ومعرفة حجه صلى الله عليه وسلم، يقطع بأنه لم يصل الظهر في ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات، بل ولا مرتين، وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده صلى الله عليه وسلم.

وفهم منه آخرون ومنهم ابن حزم وغيره: أنه أفاض حين صلاها بمكة. وفي نسخة من نسخ السنن: أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع. وهذه الرواية ظاهرها في أنه صلاها بمكة كما قال جابر، ورواية حين محتملة للأمرين والله أعلم.

وعن أم سلمة قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر، فصار إليّ فدخل عليّ وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أفْضَضْتَ أبا عبد الله؟ قال: لا والله يا رسول الله. قال: انزع عنك القميص. قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولما يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني من كل ما حرمتم منه- إلا النساء، فاذا أمسيتم قبل أن تطوفوا بهذا البيت صرتم حُرُماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به.

وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه. قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث يرويه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه، عن زينب بنت أبي سلمة يحدثان عن أم سلمة.

وقال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت محصن وكانت جارة لهم، قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصاً عشية يوم النحر، ثم رجعوا إليّ عشاء وقمصهم على أيديهم يحملونها. فقلت: أي عكاشة، ما لكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خير يا أم قيس، كان هذا يوماً رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا؛ إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطوف به صرنا حُرُماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف به، فأمسينا ولم نطف فجعلنا قمصنا على أيدينا.

وهذا يدل قال: إن الحديث محفوظ؛ فإن أباه عبيدة رواه عن أبيه وعن أمه وعن أم قيس. وقد استشكله الناس، قال البيهقي: وهذا حكم لا أعلم أحدا من الفقهاء به. تم كلامه.

وقد روى أبو داود عقبه عن أبي الزبير عن عائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف يوم النحر إلى الليل. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه البخاري تعليقاً.

وكان رواية أبي داود له عقب حديثه حديث أم سلمة استدلال منه على أنه أولى من حديث أم سلمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل قبل طوافه بالبيت ثم أخره إلى الليل.

لكن هذا الحديث وهم، وأن المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهاراً بعد الزوال كما قاله جابر وعبد الله بن عمر وعائشة، وهذا أمر لا يرتاب فيه أهل العلم للحديث، وقد تقدم قول عائشة رضي الله عنها: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الظهر، من رواية أبي سلمة والقاسم عنها. قال البيهقي: وحديث أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أصح. وقال البخاري في سماع أبي الزبير عن عائشة رضي الله عنهم: نظر، وقد سمع من ابن عباس.

وقال المنذري: ويمكن أن يحمل قولها: أخر طواف يوم النحر إلى الليل، على أنه أذن في ذلك فنسب إليه، وله نظائر.

باب في تحريم مكة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعة من النهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شجرها ولا يُنْفَرُ صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد.

فقام العباس -أو قال العباس-: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فانه لقبورنا وبيوتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر. وزاد فيه ابن المصفى عن الوليد: فقام أبو شاة رجل من أهل اليمن فقال: يا رسول الله اكتبوا لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاة. فقلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لأبي شاة؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

قال ابن القيم رحمه الله في حديث اكتبوا لأبي شاة: فيه أن مكة فتحت عنوة، وفيه تحريم قطع شجر الحرم وتحريم التعرض لصيده بالتنفير فما فوقه، وفي أن لقطتها لا تجوز إلا لتعريفها أبدا والحفظ على صاحبها، وفي جواز قطع الإذخر خاصة رطبه ويابسه، وفيه أن اللاجئ إلى الحرم لا يتعرض له ما دام فيه، ويؤيد قوله في الصحيحين في

هذا الحديث فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما. وفيه جواز تأخير الاستثناء المستثنى منه، وأنه لا يشترط اتصاله به ولا نيته من أول الكلام، وفيه الإذن في كتابة السنن، وأن النهي عن ذلك منسوخ والله أعلم.

قال عن يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ألا نبني لك بمنًى بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟ فقال: «لا، إنما هو مناخ من سبق إليه». وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن. وفي حديث الترمذي وابن ماجه عن أمه مسيكة وذكر غيرهما أنها مكية.

قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن القطان وعندي أنه ضعيف؛ لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة، وهي مجهولة لا يعرف روى عنها غير ابنها. والصواب تحسين الحديث؛ فإن يوسف بن ماهك من التابعين وقد سمع أم هانئ وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، وقد روى عن أمه ولم يعلم فيها جرح، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث، وأمه تابعية قد سمعت عائشة رضي الله عنها.

قال باب في تحريم المدينة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». في إسناد عبد الله بن نافع الصائغ المديني مولى بني مخزوم كنيته أبو محمد، قال البخاري: يعرف حفظه وينكر. تفضل والصواب تحسين الحديث على اصطلاح الترمذي، لا تحسين حديث عنده يعني التحسين الذي هو المعروف يعني الحديث مقبول يعني.

قال ووثقه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث كان ضعيفا فيه، ولم يكن في الحديث بذاك، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين يعرف حفظه وتنكر، وقال أبو زرعة: لا باس به.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد أبعد بعض المتكلفين وقال: يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين. قال ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها. قال بعضهم: زيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه غنية عن هذا التكلف البارد والتأويل الفاسد الذي يعلم فساده من تأمل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه وقوله في آخره: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وهل في الألغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء وملازمته بقوله لا تجعلوه عيدا، وقوله ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، نهي لهم أن يجعلوها بمنزلة المقابر التي لا يصلى فيها، وكذلك نهي لهم أن يتخذوا قبره عيدا، نهي لهم أن يجعلوه مجمعا كالاعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة، بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضيه ويحبه صلوات الله وسلامه عليه.

صلى الله عليه وسلم تمام والحمد لله رب العالمين.