تسجيل الدخول

الدرس 9 - المجلد الأول من ص 296 إلى ص 319

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا المجلس التاسع من قراءتنا لكتاب تهذيب سنن أبي داوود وإيضاح علله ومشكلاته لابن القيم رحمه الله، وكان الحديث في كتاب الحج عن إفراد الحج وذكر أوجه لما قال، وقول من قال إن المراد به السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ باطل باطل من وجوه. فذكر وجوها، وهذا هو التاسع، صفحة 296.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإام ابن القيم رحمه الله:

التاسع: أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها مع خير الخلق وأفضلهم، فانه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالفسخ إلى المتعة، وهو لا يختار لهم إلا الأفضل، فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه؟

العاشر: أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاث أعوام في أشهر الحج وبقوله لهم عند الإحرام من شاء يهل بعمره فليهل على جواز العمرة في أشهر الحج، فهم أحرى لا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج، فانه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟

الحادي عشر: أن ابن عباس رضي الله عنه الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد، بل كان يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل من أحرامه ما لم يكن معه هدي. وابن عباس رضي الله عنه أعلم بذلك، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة، لم يخف ذلك على ابن عباس ولم يقل إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حج لا هدي معه فقد حل.

الثاني عشر: أنه لا يظن بالصحابة رضوان الله عليهم الذين هم أصح الناس أذهانا وأفهاما وأطوعهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أنهم لم يفهموا جواز العمرة في عشر الحج وقد عملوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام وأذن لهم فيها، ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ.

والثالث عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل فأمرهم بالفسخ إلى أفضل المناسك، أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفا للمشركين في التمتع في أشهر الحج. وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين، فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب، وهذا واضح.

الرابع عشر: أن السائل للنبي صلى الله عليه وسلم: عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ لم يرد به أنها هل تجزئ عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله، فانه لو كان مراده ذلك لسال عن الحج الذي هو فرض الإسلام، ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة، ولانه لو أراد ذلك لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم بل للأبد، فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة قوما بعد قوم إلى يوم القيامة، وأبد الأبد لا يكون في حق طائفة معينة، بل هو لجميع الأمة، ولانه قال في رواية النسائي: أخاصة أم للأبد؟ فدل على أنهم إنما سالوه هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد. وفي رواية البخاري أن سراقة بن مالك رضي الله عنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: بل للأبد.

الخامس عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل إلا من كان معه الهدي. ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بعسفان، قال له سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم. فقال: إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن طاف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي. وسيأتي الحديث. فهذا نص في انفساخه شاء أبى، كما قال ابن عباس وإحساس ومن وافقهما. وقوله: اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، يريد قضاء لازما لا يتغير ولا يتبدل، بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر.

السادس عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن تلك العمرة، عمرته التي فسخوا إليها الحج وتمتعوا بها ابتداء، فقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. كان هذا تصريحا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدا لا ينسخ إلى يوم القيامة، ومن جعله منسوخا فهذا النص يرد قوله وحمله على العمرة المبتدأة التي لم يفسخ الحج إليها باطل، فان عمرة الفسخ سبب الحديث، فهي مراده منه نصا وما عداها ظاهر، وأخراج محل السبب وتخصيصه من اللفظ العام لا يجوز، فالتخصيص وإن تطرق إلى العموم فلا يتطرق إلى محل السبب، وهذا باطل.

السابع عشر: أن متعة الفسخ لو كانت منسوخة لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورة، كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة ونسخ القبلة ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعدما ينام، بل كان بمنزلة الوقوف بعرفه والدفع من مزدلفه قبل طلوع الشمس، فان هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام، فكان نسخه لا يخفى على أحد. وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سالوه عن فتيا بها يقول: سنة نبيكم وإن رغمتم. فلا يراجعونه، فكيف تكون منسوخة عندهم وابن عباس يخبرهم أنها سنة نبيهم ويفتي بها الخاص والعام وهم يقرونه على ذلك؟ من أبطل الباطل.

الثامن عشر: أن الفسخ قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر من الصحابه، وهم عائشة وحفصه وعلي وفاطمة وأسماء بنت أبي بكر وجابر وأبو سعيد وأنس وأبو موسى.

بص الصورة اللي هو بيتمكلم بيها هي ذكرها ابن قدامة في المغني، بيقول: من كان مفردا أو قارنا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى، جعلها عمرة، إلا أن يكون معه هدي فيكون على إحرامه، أما إذا كان معه هدي فليس له أن يحل من إحرام الحج ويجعله عمره بغير خلاف نعلمه. وقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهدي، ومن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسَبْعَةٍ إذا رجع إلى أهله.

قال: وأما من لا هدي معه ممن كان مفردا أو قارنا فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفرده فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعا.

ماشي، تفضل.

أحسن الله إليكم. قال: وابن عمر والبراء وابن عباس وسراقة وسبرة. ورواه عن عائشة رضي الله عنها الأسود بن يزيد والقاسم.

يعني خلاصة أن هو كأنه بيذكر هنا مذهب الحنابلة: يستحب في حق المحرم بالحج مفردا أو قارنا التحلل منه بأداء العمرة، هذا إذا كان لم يسق الهدي، ويكون حينئذ متمتعا، وبالتالي فلا مانع من ذهابه لا ده.

قال: ورواه عن عائشة رضي الله عنها الأسود بن يزيد، والقاسم، وعروة، وعمرة، وذكوان مولاها. ورواه عن جابر: عطاء، ومجاهد، ومحمد بن علي، وأبو الزبير. ورواه عن أسماء: صفية ومجاهد. ورواه عن أبي سعيد: أبو نضرة. ورواه عن البراء: أبو إسحاق. ورواه عن ابن عمر: سالم ابنه، وبكر بن عبد الله. ورواه عن أنس: أبو قلابة. ورواه عن أبي موسى: طارق بن شهاب.

ورواه عن ابن عباس: طاووس، وعطاء، وأنس بن سليم، وجابر بن زيد، ومجاهد، وكريب، وأبو العالية، ومسلم القري، وأبو حسان الأعرج. ورواه عن سبرة ابنه، فصار نقل كافة عن كافة يوجب العلم، ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجح عليه أو يقاومه. فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدنيه ولا تقاربه، وإنما هي بين مجهول رواتها أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة، وما صح فيها فهو رأي صاغه بظنه واجتهاده، وهو أصح ما فيها وهو قول أبي ذر: كانت المتعة لنا خاصة.

وما عداه فليس بشيء، وقد كفانا رواته المؤنة. فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابته مرفوعة، لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعا. فكيف وإنما هو قوله، ومع هذا قد خالفه فيه عشرة من الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهما. هي يا شيخ رواية كف عن كف؛ لأن مختلفين الأمصار أمصارهم مختلفة، فيعني قوي جدا عشان أنت تغير الحكم ده أو تعارضه، ما ينفعش أبدا تعارضه بقول صحابي أو حتى بطريق واحد يعني، خصوصا في أمر الحج.

قال التاسع عشر: إن الفسخ موافق للنصوص والقياس. أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم. وأما موافقته للقياس؛ فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق. فلو أحرم بالعمرة ثم ادخل عليها الحج جاز اتفاقا، وعكسه لا يجوز عند ط... لو كان أراد شيء أقل ينفع ينوي الأكثر، لكن ليس العكس. وأبو حنيفة يجوزه على أصله؛ فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج جاز عنده لالتزامه طوافا ثانيا وسعيا. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج، فاذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك. بل استحب لأنه أفضل، واكثر مما التزمه أولاه.

وإنما يتوهم الإشكال من يتوهم أنه فسخ حج إلى عمرة، وليس كذلك؛ فانه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد، وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه. والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج». فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج.

كل ده هو بيرد على من زعم أن الحديث اللي هو رقم 292 هو في السؤال عن المتعة في أشهر الحج، إنما هو بيقول: لا الصواب أن هذا الحديث كالتالي: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا لا يخالطه شيء، فقدمنا مكة لاربع ليال خلون من ذي الحجة، فطفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحل من... يعني أن نحله، قال: ولولا هدي لحللت. ثم قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرايت متعتنا هذه لعامنا هذا؟ فهو ابن القيم بيقول يقصد: إن هو جعلهم يفسخون العمرة ويجعلونها تمتعا. فهو بيرد كل ده على من زعم أن السؤال كان عن المتعة جواز المتعة في أشهر الحج، وإنما لا، هذا يتكلم عموما عن فسخ العمرة علشان يجعلها تمتعا، والكلام أنه إذا الرجل نوى أن يحج غنا أو مفلا... إيه؟ من ثم أراد أن يقلب نيته إلى تمت... أيوة.

قال: والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج». فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج، ليست عمرة منفردة، وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة، فهي عباده واحدة قد تخللها الرخصة بالاحلال. وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة؛ فانه من تمام الحج ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج وهو يفعل بعد التحلل التام.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق»، يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة وإن تحلل من إحرامه، ولم تكن حجته مكية؛ إذ لا ينقلهم الرءوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص، بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل، لا يجوز غير هذا البته.

العشر: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان كبرى وصغرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ في غسل الجنابة بالوضوء أولا ثم يتبعه الغسل، وقال في غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». ففسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة. فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس، ولحج خيار الأمة مع نبيها صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها، ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت، وفي هذا كفاية والحمد لله.

قال عنه: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي». فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه مختصرا ومطولا. قال ابن القيم رحمه الله: وفي اكتفاء المتمتع بسعي واحد كما تقدم والله أعلم.

قال: وعن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». وأخرجه مسلم والنسائي، وقال أبو داوود: هذا منكر، إنما هو قول ابن عباس. وفيما قاله أبو داوود نظر؛ وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن مثنى، ومحمد بن بشار، وعثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، مرفوعا. ورواه أيضا يزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ العنبري، وأبو داوود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، عن شعبة، مرفوعا. وتقصير من يقصر به من الرواة لا يؤثر، وفيما أثبته الحفاظ والله عز وجل أعلم.

قال: وعن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أهل الرجل بالحج ثم قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل، وهي عمرة». في إسناده النها أبو الخطاب البصري ولا يحتج بحديثه. قال أبو داوود: رواه ابن جريج، عن رجل، عن عطاء قال: دخل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج خالصا، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عمرة.

قال ابن القيم رحمه الله: والتعليل الذي تقدم لأبي داوود في قوله هذا حديث منكر، إنما هو لحديث عطاء هذا عن ابن عباس يرفعه: إذا أهل الرجل بالحج. فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب، رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سليم وغيرهم من كلامه، فانقلب على.

الناسخ فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو إلى جانبه، وهو حديث صحيح لا مطعن فيه ولا علة، ولا يعلل أبو داود مثله، ولا من هو دون أبي داود، وقد اتفق الأئمة الأثبات على رفعه. والمنذري رحمه الله رأى ذلك في السنن فنقله كما وجده، والأامر كما ذكرناه والله أعلم.

وقوله جميل جداً، عايز يقول إن هو كان بيعلق على حديث فالناسخ جعله تعليقاً على حديث آخر ماشي. قال: وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا ريب في أنه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد إنه من قول ابن عباس، وكذلك قوله هذه عمرة استمتعنا بها، وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث والله أعلم.

قال عن سعيد بن المسيب أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج. قال سعيد بن المسيب: لم يصح سماعه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال أبو سليمان الخطابي في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجه، والأمر الثابت المعلوم لا يترك بالأمر المظنون، وجواز ذلك إجماع من أهل العلم، ولم يذكر فيه خلاف.

وقد يحتمل أن يكون النهي عنه اختياراً أو استحباباً، وأنه إنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأهمهما، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقوت، وأيام السنة كلها تتسع للعمرة، وقد قدم الله تعالى اسم الحج عليها فقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].

قال ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث باطل ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر؛ فإن ابن المسيب إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حجة. قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل؟ يعني ابن القيم بيقول أنت لا تحتاج أن تلجأ إلى يعني الطعن في سماع سعيد من عمر والحديث أصلاً معلول ماشي.

قال وقال أبو محمد بن حزم: هذا الحديث في غاية السقوط لأنه مرسل عمن لم يسم، وفيه أيضاً ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني، وعبد الله بن القاسم وأبوه، ففيه خمسة عيوب، وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم. وقال عبد الحق: هذا منقطع ضعيف في الإسناد.

قال وعن أبي شيخ الهنائي حيان بن خالد ممن قرأ على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه من أهل البصره أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: أفتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا. قال: أما إنه معهن ولكنكم نسيتم. وأخرجه النسائي مختصراً.

وقد اختلف في هذا الحديث اختلافاً كثيراً؛ فروي كما ذكرناه، وروي عن أبي شيخ عن أخيه حمان، ويقال أبو حمان عن معاوية، وروي عن بيهس بن فهدان عن أبي شيخ عن عبد الله بن عمر، وعن بيهس عن أبي شيخ عن معاوية. وقد اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه؛ فروي عنه عن أبي شيخ عن أخيه، وروي عنه عن أبي إسحاق عن حمان، وروي عنه حدثني حمران من غير واسطة وسماه حمران.

وقال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه. قال ابن القيم رحمه الله وقال عبد الحق: لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث، وإنما سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور، فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان عن معاوية، ومرة يقول عن أخيه حمان، ومرة يقول جماز وهم مجهولون. وقال ابن القطان: يرويه عن أبي شيخ رجلان قتادة ومطر فلا يجعلان بين أبي شيخ وبين معاوية أحداً، ورواه عنه بيهس بن فهدان فذكر سماعه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة.

قال النسائي: ورواه عن أبي شيخ يحيى بن أبي كثير فأدخل بينه وبين معاوية رجلاً اختلفوا في ضبطه، فقيل أبو حمان، وقيل جماز، وقيل حمان وهو أخو أبي شيخ. وقال الدارقطني: القول قول من لم يدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحداً يعني قتادة ومطر وبيهس بن فهدان.

قال وقال غيره: أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه، ولو كان حافظاً لكان حديثه هذا معلوم البطلان؛ إذ هو خلاف متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله؛ فانه أحرم قارناً رواه عنه ستة عشر نفساً من أصحابه، وخير أصحابه بين القران والإفراد والتمتع وأجمعت الأمة على جوازه.

ولو فرض صحة هذا عن معاوية، فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فلعله رضي الله عنه وهم أو اشتبه عليه رضي الله عنه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج كما اشتبه على غيره، والقران داخل عندهم في اسم المتعة، وكما اشتبه عليه تقصير رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره بأن ذلك في حجته، وكما اشتبه على ابن عباس نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة فظن أنه نكحها محرماً وكان قد أرسل أبا رافع إليها ونكحها وهو حلال.

حلو الموضع ده جداً لأنه جاب يعني جاب أكثر من أمر اشتبه على ابن عباس رضي الله عنه، قال: فاشتبه الأمر على ابن عباس، وهذا كثير.

وقوقع في بعض نسخ سنن أبي داود: نهى أن يفرق بين الحج والعمرة بالفاء والقاف. وقال ابن حزم: هكذا رواية عن عبد الله بن ربيع وهكذا في كتابه، وهو والله أعلم وهم، والمحفوظ يقرن في هذا الحديث، يعني يعني هو قال يفرق لكن الصواب أن هو يقرن بالفاء والقاف إنما هي الصواب بالقاف والنون.

تم كلامه. وقد رواه النسائي في سننه، قال: حدثنا أبو داود، أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شريك عن أبي فروة قال: عن الحسن قال: خطب معاويه الناس فقال: إني محدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعتم منه فصدقوني؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الذهب إلا مقطعاً». قالوا: سمعنا. قال: وسمعتُ يقول: «مَنْ ركب النمور لم تصحبه الملائكة». قالوا: سمعنا. قال: وسمعته ينهى عن المتعة. قالوا: لم نسمع. فقال: بلى وإلا فصمتُّ.

فهذا أصح من حديث أبي شيخ، وإنما فيه النهي عن المتعة وهي والله أعلم متعة النساء، فظن من ظن أنها متعة الحج، والقران متعة فرواه بالمعنى فأخطأ خطأ فاحشاً. وعلى كل حال فليس أبو شيخ مما يعارض به كبار الصحابة الذين رووا القران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وأجمعت الأمة عليه والله أعلم وأخباره.

قال باب في القران: قال ابن القيم رحمه الله: ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب حق التأمل جزم جزماً لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته قارناً، ولا تحتمل الأحاديث غير ذلك بوجه من الوجوه أصلاً. قال الإمام أحمد: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارناً.

تم كلامه. وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه؛ وهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب، وعائشة أم المؤمنين.

وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حسين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى رضي الله عنهم، فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح. ورواه الهرماس بن زياد، وسراقة بن مالك، وأبو طلحة، وأُم سلمة، لكن روت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أهله بالقرآن.

وهؤلاء منهم من أخبر عن لفظه في إهلاله بنسكه، أنه قال: «لبيك حجا وعمره» كأنس، وهو متفق على صحته، وكعلي بن أبي طالب فانه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا. وهو في الصحيحين والنسائي وسنن أبي داوود، ولفظ أصحاب الصحيح: أن عليا أهل بحج وعمره، وقال: ما كنت لِأَدَعَ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد. فقد أخبر علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا، وأهل هو بهما جميعا، وأخبر أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقه عثمان على ذلك.

ومنهم من أخبر عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأنه كان قارنا، وهم البراء بن عازب فإنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه أنه قال لعلي: «إني سقت الهدي وقرنت». وهو حديث صحيح رواه أهل السنن. ومنهم من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ الذي أمر به من ربه، وهو أن يقول عمره في حجه، كعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وحمل ذلك على أنه أمر بتعليمه كلام في غاية البطلان، ومن تأمل سياق الحديث ولفظه ومقصوده علم بطلان هذا التأويل الفاسد. وقولهم إن الرواية الصحيحة قل عمره وحجه، وأنه فصل بينهما بالواو، وهو صريح في نفس القران، فإنه جمع بينهما في إحرامه، وامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه وهو أحق من امتثله فقال: «لبيك عمره وحجا» بالواو.

وقولهم هم يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمره إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله، فعاذ بالله من تقليد يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة! فمن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر بعد حجته قط، هذا ما لا يشك فيه من له أدنى إلمام بالعلم، وهو صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بامتثال أمر ربه، فلو كان أمر أن يعتمر بعد الحج كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك، ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مع حجته فكانت عمرته مع الحج لا بعده قطعا. ونصرة الأقوال إذا أفاضت بالرجل إلى هذا الحد ظهر قبحها وفسادها، وقوله محمول على تحصيلهما معا قلنا: أجل قد حصلهما صلى الله عليه وسلم جميعا بالقران على الوجه الذي أخبر به عن نفسه، وتبعه أصحابه من إهلاله.

ومنهم من أخبر عن فعله صلى الله عليه وسلم، وهو عمران بن حصين في الصحيحين عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حج وعمره. وتأويل هذا بأنه أمر أو أذن في غاية الفساد، ولهذا قال: «تمتمنا وتمتعنا معه»، فأخبر عن فعله وفعلهم، وسمى القران تمتعا، وهو لغة الصحابه كما سيأتي.

ومنهم من أخبر عن إهلال بهما، كل البحث ده هل النبي صلى الله عليه وسلم حج متمتعا أو قارنا؟ فهو يرجح ما رجحه أحمد، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، طيب والأحاديث اللي فيها لفظ التمتع؟ أن التمتع يُطلق على القران أيضا، لأن في الجمع بينهما ماشي.

قال: وهم عبد الله بن عمر وعائشه، ففي الصحيحين عنهما: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. وعن عائشة مثله. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، الرابعة مع حجته، ومن المعلوم ضرورة أنه لم يعتمر بعد الحج فكانت عمرته مع حجته قطعا. وفي الصحيحين مثله عن أنس، واتفق ستة عشر نفسا من الثقات عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا؛ وهم: الحسن البصري، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة، وأبو قزعة الباهلي.

وروى البزار من حديث ابن أبي أوفى قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمره لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك. وروى أبو القاسم البغوي من حديث سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه يقول: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمره لأنه علم أنه لا يحج بعدها. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الهرماس بن زياد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمره. وروى ابن أبي شيبة قال: حدثنا شبابه، قال: حدثنا ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عمر، عن أبي عمران قال: دخلت على أم سلمة أم المؤمنين فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهلوا يا آل محمد بعمره وحج».

ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختار لآله إلا أفضل الأناسك، وهو الذي اختاره لعلي، وأخبر عن نفسه أنه فعله. فهذه الأحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل مطعنا في سندها، ولا تأويلا يخالف مدلولها، وكلها دالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا. والذين عليهم مدار الأفراد أربعة: عائشه رضي الله عنها، وابن عمر، وجابر، وابن عباس رضي الله عنهم، وكلهم قد روى القران. وأما ابن عمر وعائشه ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. وفي الصحيحين عن عروة أن عائشه رضي الله عنها أخبرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالحج إلى العمرة عمرة وتمتع الناس معه بمثل هذا.

قال وروى عبد الرزاق قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما قرن بين الحج والعمره فطاف لهما بالبيت وبين الصفا والمروة طوافا واحدا وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر. وقالت عائشة رضي الله عنها: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا سوى التي قرن بحجة الوداع، ذكره أبو داوود وسيأتي. وروى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمره الحديث، الحديث طبعا ضعيف يعني.

قال وفي صحيح، حتى تعليق الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب. وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورأيتُه لم يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما يروى عن الثوري عن أبي اسحاق عن مجاهد مرسلا.

قال وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمره وأهل أصحابه بحج.

فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم، وسيأتي في كتاب السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطأوا على عمرة قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته. فهذه العمره التي قرنها مع حجته هي التي قال فيها أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمره رداً على من قال أهل بحج مفرد. ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني أفردت الحج كما قال: قرنت.

الخلاف الاقوى هو ليس بين التمتع وبين القران، بل بين الافراد والقران. قال: ولا قال سمعته يقول لبيك حجا كما قال لبيك حجا وعمره، ولا هو أخبر عن نفسه بذلك، ولا أحد من أصحابه أخبر عن لفظه بإهلاله به. وأما إخباره عن نفسه بالقران وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريح لا معارض له، والذين رووا الافراد قد تبين أنهم رووا القران والتمتع وهم لا يتناقضون في روايتهم بل رواياتهم يصدق بعضها بعضا.

وإنما وقع الاشكال حيث لم تقع الاحاطه بمعرفه مراد الصحابه ولغتهم، فإنهم كانوا يسمون القران تمتعا كما في الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم، وحديث علي أن عثمان رضي الله عنه لما نهى عن المتعه قال علي: لبيك بهما، وقال: لم أكن لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد. ومن قال أفرد الحج لم يقل أفرد إهلال الحج، وإنما مراده أنه اقتصر على أعمال الحج ودخلت عمرته في حجه فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل، ولهذا أخبر أيضا أنه قرن، فعلم أن مراده بالافراد ما ذكرناه. ومن قال تمتع أراد به التمتع العام الذي يدخل فيه القران بنص القران في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] والقارن داخل في هذا النص.

فتمتع صلى الله عليه وسلم بترفه بسقوط أحد السفرين، وقرن بجمعه في إهلال بين النسكين، وأفرد فلم يطف طوافين ولم يسع سعيين. إذا يقول إن هو لما قارن بين الحج والعمره لم يضطر أن يرجع مرة أخرى إلى الميقات ويسافر مرة أخرى، فهذا يعتبر تمتع، منفعة التمتع معناها المنفعة. لكن التمتع الثاني إيش الفرق بينه وبين القران، أن هو يتمتع يعني يحل يعني يحل له كل شيء، إنما القران لا، طيب مال إيه بقى، ازاي كيف يمكن أن يطلق التمتع على القران من أي جهة؟ المقصود أن التمتعة يعني لا من جهة أنه جمعه بسفره واحدة فهمت كده؟

لأن التمتع يا شباب معناه أن هو في منفعة ما حصلت حلو كده، فالتمتع الاكبر إيش هو؟ أنه في سفره واحدة هيعتمر ويتحلل ويحل له كل شيء ويبقى المده دي وهو حلال. القران إزاي بقى القران يسميه تمتعا؟ أن هو في سفره واحدة جمع الاثنين. ومن تامل الاحاديث الصحيحه في هذا الباب جزم بهذا، وهذا فصل النزاع والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.