الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا المجلس التاسع من قراءتنا لكتاب تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته لابن القيم رحمه الله. وكان الحديث في كتاب الحج عن إفراد الحج، وذكر أوجه لما قال: وقول من قال إن المراد به السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ باطل باطل من وجوه. فذكر وجوها، وهذا هو التاسع.
أحسن الله إليك، صفحة 296.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: التاسع، أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها مع خير الخلق وأفضلهم؛ فانه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالفسخ إلى المتعة، وهو لا يختار لهم إلا الأفضل، فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه؟
العاشر، أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإرام (عند الإحرام): من شاء يهل بعمره فليهل، على جواز العمرة في أشهر الحج؛ فهم أحرى ألا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج؛ فانه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله، فكيف يحصل بأمرهم بالفسخ؟
الحادي عشر، أن ابن عباس رضي الله عنه الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد، بل كان يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل من أحرامه ما لم يكن معه هدي. وابن عباس رضي الله عنه أعلم بذلك، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة، لم يخف ذلك على ابن عباس، ولم يقل: إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حج لا هدي معه فقد حل.
الثاني عشر، أنه لا يظن بالصحابة رضوان الله عليهم الذين هم أصح الناس أذهانا وأفهاما، وأطوعهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج، وقد عملوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعوام وأذن لهم فيها، ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ.
والثالث عشر، أن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل، فامرهم بالفسخ إلى أفضل المناسك، أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفاً للمشركين في التمتع في أشهر الحج. وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين، فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب، وهذا واضح.
الرابع عشر، أن السائل للنبي صلى الله عليه وسلم: عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ لم يرد بها أنها هل تجزئ عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله؟ فانه لو كان مراده ذلك لسال عن الحج الذي هو فرض الإسلام، ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة. ولانه لو أراد ذلك لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: بل للأبد الأبد؛ فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة قوما بعد قوم إلى يوم القيامة، وأبد الأبد لا يكون في حق طائفة معينة، بل هو جميع الأمة. ولانه قال في رواية النسائي: لنا خاصة أم للأبد؟ فدل على أنهم إنما سالوه: هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد. وفي رواية البخاري: أن سراقه بن مالك رضي الله عنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألكنا هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: بل للأبد.
الخامس عشر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل إلا من كان معه الهدي. ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بعسفان قال له سراقه بن مالك المدلجي: يا رسول الله، اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم. فقال: إن الله عز وجل قد ادخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن طواف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي. وسيأتي الحديث. فهذا نص في أنفساقه (في انفساقه) شاء أبى (شاء أم أبى) كما قال ابن عباس وإسحاق ومن وافقهما. وقوله: اقضي لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، يريد قضاء لازما لا يتغير ولا يتبدل، بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر.
السادس عشر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن تلك العمرة، عن تلك العمرة عمرته التي فسخوا إليها الحج وتمتعوا بها ابتداء، فقال: دخلت العمرة في الحج دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. كان هذا تصريحا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدا لا ينسخ إلى يوم القيامة، ومن جعله منسوخا فهذا النص يرد قوله. وحمله على العمرة المبتدأة التي لم يفسخ الحج إليها باطل؛ فإن عمرة الفسخ سبب الحديث، فهي مراده منه نصا، وما عداها ظاهر، واجراخ (وإخراج) محل السبب وتخصيصه من اللفظ العام لا يجوز، فالتخصيص وإن تطرق إلى العموم فلا يتطرق إلى محل السبب، وهذا باطل.
السابع عشر، أن متعة الفسخ لو كانت منسوخة لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورة، كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة ونسخ القبلة ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعدما ينام، بل كان بمنزلة الوقوف بعرفه (بعرفة) والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس؛ فإن هذا من امور (أمور) المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الاسلام، فكان نسخه لا يخفى على أحد. وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سالوه عن فتيا بها يقول: سنة نبيكم وإن رغمتم. فلا يراجعونه، فكيف تكون منسوخة عندهم وابن عباس يخبرهم أنها سنة نبيهم ويفتي بها الخاص والعام وهم يقرونه على ذلك؟ من أبطل الباطل.
الثامن عشر، أن الفسخ قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة (أربعة عشر) من الصحابة، وهم: عائشه (عائشة) وحفصه (حفصة) وعلي وفاطمة وأسماء بنت أبي بكر وجابر وأبو سعيد وأنس وأبو موسى. بصوا الصورة اللي هو بيتكلم بيه ذكرها ابن قدامه في المغني بيقول: من كان مفردا أو قارنا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى، جعلها عمرة، إلا أن يكون معه هدي فيكون على إحرامه. أما إذا كان معه هدي فليس له أن يحل من إحرام الحج ويجعله عمرة بغير خلاف نعلمه. وقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل ثم ليهل بالحج وليهدي، ومن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال: وأما من لا هدي معه ممن كان مفردا أو قارنا، فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفرده فيقصر ويحل من أحرامه ليصير متمتعا.
ماشي، تفضل.
أحسن الله إليك. قال: وابن عمر والبراء وابن عباس وسراقه وسبرة. ورواه عن عائشه (عائشة) رضي الله عنها الأسود بن يزيد والقاس (والقاسم). يعني خلاصة أنه كأنه يذكر هنا مذهب الحنابلة: يستحب في حق المحرم بالحج مفردا أو قارنا التحلل منه باداء (بأداء) العمرة هذا إذا كان لم يسق الهدي، ويكون حينئذ متمتعا، وبالتالي فلا مانع من ذهابه... لا ده.
قال: ورواه عن عائشة رضي الله عنها الأسود بن يزيد، والقاسم، وعروة، وعمرة، وذكوان مولاها. ورواه عن جابر: عطاء، ومجاهد، ومحمد بن علي، وأبو الزبير. ورواه عن أسماء: صفية ومجاهد. ورواه عن أبي سعيد: أبو نضرة. ورواه عن البراء: أبو إسحاق. ورواه عن ابن عمر: سالم ابنه وبكر وبكر بن عبد الله. ورواه عن أنس: أبو قلابة. ورواه عن أبي موسى: طارق بن شهاب. ورواه عن ابن عباس: طاووس، وعطاء، وأنس بن سليم، وجابر بن زيد، ومجاهد، وكريب، وأبو العالية، ومسلم القري، وأبو حسان، وأبو حسان الأعرج. ورواه عن سبرة ابنه.
فصار نقل كافة عن كافة يوجب العلم، ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجح عليه أو يقاومه، فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدنيه ولا تقاربه؟ وإنما هي بين مجهول رواتها أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة. وما صح فيها فهو رأي صاحب قاله بظنه واجتهاده، وهو أصح ما فيها، وهو قول أبي ذر: كانت المتعة لنا خاصة. وما عداه فليس بشيء، وقد كفان رواته المؤنة.
فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابته مرفوعة، لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعا، فكيف وإنما هو قوله؟ ومع هذا قد خالفه فيه عشرة من الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهما. هل يا شيخ رواية كف عن كافة لأن مختلفين الأمصار أمصارهم مختلفة فيعني قوي جدا عشان أنت تغير الحكم ده أو تعارضه ما ينفعش أبدا تعارضه بقول صحابي أو حتى بطريق واحد يعني خصوصا في أمر الحج يعني تفضل؟
قال: التاسع عشر أن الفسخ موافق للنصوص والقياس. أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم. وأما موافقته للقياس؛ فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق. فلو أحرم بالعمره ثم ادخل عليها الحج جاز اتفاقا، وعكسه لا يجوز عند ط... لو كان أراد شيئا أقل ينفع ينوي الأكثر، لكن ليس العكس، وأبو حنيفة يجوزه على أصله؛ فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج جاز عنده لالتزامه طوافا ثانيا وسعيا. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج، فاذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك بل استحب لأنه أفضل، وأكثر مما التزمه أولا. وإنما يتوهم الاشكال من يتوهم أنه فسخ حجا إلى عمرة، وليس كذلك؛ فانه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد. وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج». فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج.
كل ده هو بيرد على من زعم أن الحديث الذي هو رقم 292 هو في السؤال عن المتعة في أشهر الحج، إنما هو بيقول: لا الصواب أن هذا الحديث كالتالي: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا لا يخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجه، فطوفنا وسعينا، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحل من إ... أن يحلوا، قال: «ولولا هدي لحللت». ثم قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله أرايت متعتنا هذه لعامنا هذا؟ فهو ابن القيم بيقول يقصد يقصد أن هو جعلهم يفسخون العمرة ويجعلونها تمتعا، فهو بيرد كل ده على من زعم أن السؤال كان عن المتعة جواز المتعة في أشهر الحج، وإنما لا هذا يتكلم عموما عن فسخ العمرة علشان يجعلها تمتعا.
الكلام أنه إذا الرجل نوى أن يحج غنا أو ملا... أيوه، من ثم أراد أن يطلب نيته إلى تمت... خلاف إيو... قال: والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج». فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج ليست عمرة منفردة، وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال. وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة فإنه من تمام الحج ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج وهو يفعل بعد التحلل التام.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق» يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة وإن تحلل من إحرامه، ولم تكن حجته مكية؛ إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم -رحيم به لا...- إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص، بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل، لا يجوز غير هذا البته.
العشر: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان كبرى وصغرى فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ في غس... في غسل الجنابة بالوضوء أولا ثم يتبعه الغسل. وقال في غسل ابنة... في غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». ففسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة. فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس، ولحج خيار الأمة مع نبيها صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها، ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت، وفي هذا كفاية والحمد لله.
قال عنه: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأربع ليال خلون من ذي الحجة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي». فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين الصفا والمروة. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه مختصرا ومطولا. قال ابن القيم رحمه الله: وفي اكتفاء المتمتع بسعي واحد كما تقدم والله أعلم.
قال: وعن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». وأخرجه مسلم والنسائي، وقال أبو داوود: هذا منكر، إنما هو قول ابن عباس. وفيما قال أبو داوود نظر؛ وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وعثمان بن أبي شيبة عن محمد بن جعفر عن شعبة مرفوعا. ورواه أيضا يزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ العنبري، وأبو داوود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق عن شعبة مرفوعا. وتقصير من يقصر به من الرواة لا يؤثر وفيما أثبته الحفاظ، والله عز وجل أعلم.
قال: وعن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أهل الرجل بالحج ثم قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل وهي عمرة». في إسناده النها... أبو الخطاب البصري ولا يحتج بحديثه. قال أبو داوود: رواه ابن جريج عن رجل عن عطاء قال: دخل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج خالصا فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عمرة.
قال ابن القيم رحمه الله: والتعليل الذي تقدم لأبي داوود في قوله هذا حديث منكر إنما هو لحديث عطاء هذا عن ابن عباس يرفعه: إذا أهل الرجل بالحج... فإن هذا قول ابن عباس الثابت... فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سليم وغيرهم من كلامه فانقلب على...
الناسخ فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو إلى جانبه، وهو حديث صحيح لا مطعن فيه ولا علة، ولا يعلل أبو داود مثله، ولا من هو دون أبي داود، وقد اتفق الأئمة الأثبات على رفعه، والمنذري رحمه الله رأى ذلك في السنن فنقله كما وجده، والأمر كما ذكرناه والله أعلم.
وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لا ريب في أنه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد إنه من قول ابن عباس، وكذلك قوله هذه عمرة استمتعنا بها، وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث والله أعلم.
قال عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج، قال سعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال أبو سليمان الخطابي في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجه، والامر الثابت المعلوم لا يترك بالامر المظنون، وجواز ذلك إجماع من أهل العلم، ولم يذكر فيه خلاف، وقد يحتمل أن يكون النهي عنه اختيارا أو استحبابا، وأنه إنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظر الأمر وأهمهما ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقوت وأيام السنة كلها تتسع للعمرة، وقد قدم الله تعالى اسم الحج عليها فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
قال ابن القيم رحمه الله: وهذا الحديث باطل ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر، فإن ابن المسيب إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حجة، قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل؟ وقال أبو محمد بن حزم: هذا الحديث في غاية السقوط لأنه مرسل عمن لم يسم، وفيه أيضا ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخرساني وعبد الله بن القاسم وأبوه، ففيه خمسة عيوب وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم، وقال عبد الحق: هذا منقطع ضعيف في الإسناد.
قال وعن أبي شيخ الهنائي حيان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه من أهل البصرة أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم. قال: أفتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا. قال: أما أنها معهن ولكنكم نسيتم، وأخرجه النسائي مختصرا.
وقد اختلف في هذا الحديث اختلافا كثيرا؛ فروي كما ذكرناه، وروي عن أبي شيخ عن أخيه حمان ويقال أبو حمان عن معاوية، وروي عن بيهس بن فهدان عن أبي شيخ عن عبد الله بن عمر، وعن بيهس عن أبي شيخ عن معاوية، وقد اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه فروي عنه عن أبي شيخ عن أخيه، وروي عنه عن أبي إسحاق عن حمان، وروي عنه حدثني حمران من غير واسطة وسماه حمران.
وقال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه، قال ابن القيم رحمه الله وقال عبد الحق: لم يسمع أبو شيخ من معاوية هذا الحديث، وإنما سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور، فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان عن معاوية، ومرة يقول عن أخيه حمان ومرة يقول جماز وهم مجهولون، وقال ابن القطان: يرويه عن أبي شيخ رجلان قتادة ومطر فلا يجعلان بين أبي شيخ وبين معاوية أحدا، ورواه عنه بيهس بن فهدان فذكر سماعه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة.
قال النسائي: ورواه عن أبي شيخ يحيى بن أبي كثير فادخل بينه وبين معاوية رجلا اختلفوا في ضبطه، فقيل أبو حمان وقيل جماز وقيل حمان وهو أخو أبي شيخ، وقال الدارقطني: القول قول من لم يدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحدا يعني قتادة ومطر وبيهس بن فهدان، قال وقال غيره: أبو شيخ هذا لم نعلم عدالته وحفظه، ولو كان حافظا لكان حديثه هذا معلوم البطلان؛ إذ هو خلاف متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله، فانه أحرم قارنا رواه عنه ستة عشر نفسا من أصحابه، وخير أصحابه بين القران والافراد والتمتع، وأجمعت الأمة على جوازه، ولو فرض صحة هذا عن معاوية فقد انكر الصحابه عليه أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فلعلّه رضي الله عنه وهم أو اشتبه عليه رضي الله عنه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج كما اشتبه على غيره، والقران داخل عندهم في اسم المتعة، وكما اشتبه عليه تقصير رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره بأن ذلك في حجته، وكما اشتبه على ابن عباس نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة فظن أنه نكحها محرما، وكان قد أرسل أبا رافع إليها ونكحها وهو حلال.
ووقع في بعض نسخ سنن أبي داوود نهى أن يفرق بين الحج والعمرة بالفاء والقاف، وقال ابن حزم: هكذا رواية عن عبد الله بن ربيع وهكذا في كتابه، وهو والله أعلم وهم، والمحفوظ يقرن بالفاء والقاف، إنما هي بالقاف والنون.
قال تم كلامه، وقد رواه النسائي في سننه قال: حدثنا أبو داوود، أخبرنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا شريك عن أبي فروة قال عن الحسن قال: خطب معاوية الناس فقال: إني محدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعتم منه فصدقوني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الذهب إلا مقطعا»، قالوا: سمعنا، قال: وسمعته يقول: «من ركب النمور لم تصحبه الملائكة»، قالوا: سمعنا، قال: وسمعته ينهى عن المتعة، قالوا: لم نسمع، فقال: بلى وإلا فصمت، فهذا أصح من حديث أبي شيخ، وإنما فيه النهي عن المتعة وهي والله أعلم متعة النساء، فظن من ظن أنها متعة الحج، والقران متعة فرواه بالمعنى فأخطأ خطأ فاحشا، وعلى كل حال فليس أبو شيخ مما يعارض به كبار الصحابه الذين رووا القران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وأجمعت الأمة عليه والله أعلم.
قال باب في القران، قال ابن القيم رحمه الله: ومن تامل الاحاديث الواردة في هذا الباب حق التامل جزم جزما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته قارنا ولا تحتمل الاحاديث غير ذلك بوجه من الوجوه أصلا، قال الإمام أحمد: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا، تم كلامه، وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه وهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عنه، وعلي بن أبي طالب، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى رضي الله عنهم. فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح.
ورواه الهرماس بن زياد، وسراقة بن مالك، وأبو طلحة، وأُم سلمة، لكن روت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أهله بالقرآن. وهؤلاء منهم من أخبر عن لفظه في إهلاله بنسكه أنه قال: «لبيك حجا وعمرة» كأنس، وهو متفق على صحته. وكعلي بن أبي طالب، فانه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا.
وهو في الصحيحين والنسائي وسنن أبي داود. ولفظ أصحاب الصحيح أن عليا أهل بحج وعمرة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد. فقد أخبر علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا، وأهل هو بهما جميعا، وأخبر أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقه عثمان على ذلك.
ومنهم من أخبر عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بأنه كان قارنا، وهم البراء بن عازب؛ فانه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظه أنه قال لعلي: «إني سقت الهدي وقرنت». وهو حديث صحيح رواه أهل السنن.
ومنهم من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ الذي أمر به من ربه، وهو أن يقول: عمرة في حجة. كعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وحمل ذلك على أنه أمر بتعليمه كلام في غاية البطلان، ومن تأمل سياق الحديث ولفظه ومقاصده علم بطلان هذا التأويل الفاسد. وقولهم إن الرواية الصحيحة: «قل عمرة وحجا»، وأنه فصل بينهما بالواو، وهو صريح في نفس القران؛ فانه جمع بينهما في إحرامه، وامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه -وهو أحق من امتثله- فقال: «لبيك عمرة وحجا» بالواو.
وقولهم هم يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمره إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله، فأعاذ بالله من تقليد يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة. فمن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر بعد حجته قط، هذا ما لا يشك فيه من له أدنى إلمام بالععلم، وهو صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بامتثال أمر ربه، فلو كان أمر أن يعتمر بعد الحج كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك، ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مع حجته فكانت عمرته مع الحج لا بعده قطعا. ونصرة الأقوال إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحد ظهر قبحها وفسادها.
وقوله: محمول على تحصيلهما معا. قلنا: أجل، قد حصلهما صلى الله عليه وسلم جميعا بالقران على الوجه الذي أخبر به عن نفسه، وتبعه أصحابه من إهلاله. ومنهم من أخبر عن فعله صلى الله عليه وسلم، وهو عمران بن حصين في الصحيحين عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجة وعمرة. وتأويل هذا بأنه أمر أو أذن في غاية الفساد، ولهذا قال: تمتع وتمتعنا معه. فأخبر عن فعله وفعلهم، وسمى القران تمتعا، وهو لغة الصحابه كما سياتي.
ومنهم من أخبر عن إهلال بهما... كل البحث ده: هل النبي صلى الله عليه وسلم حج متمتعا أو قارنا؟ فهو يرجح ما رجحه أحمد، اللي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا. طيب، والأحاديث اللي فيها لفظ التمتع؟ أن التمتع يطلق على القران أيضا؛ لأن في الجمع بينهما.
قال وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي الصحيحين عنهما: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهل بالعمره ثم أهل بالحج. وعن عائشة مثله. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، الرابعة مع حجته. ومن المعلوم ضرورة أنه لم يعتمر بعد الحج، فكانت عمرته مع حجته قطعا.
وفي الصحيحين مثله عن أنس، واتفق ستة عشر نفسا من الثقات عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا. وهم: الحسن البصري، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة، وأبو قزعة الباهلي.
وروى البزار من حديث ابن أبي أوفى قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمره لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك. وروى أبو القاسم البغوي من حديث سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه يقول: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث الهرماس بن زياد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة.
وروى ابن أبي شيبة قال: حدثنا شبابه، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عمر، عن أبي عمران قال: دخلت على أم سلمة أم المؤمنين فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهلوا يا آل محمد بعمرة وحج». ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختار لأله إلا أفضل الأناسك، وهو الذي اختاره لعلي، وأخبر عن نفسه أنه فعله. فهذه الأحاديث صحيحة صريحة لا تحتمل مطعنا في سندها ولا تأويلا يخالف مدلولها، وكلها دالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا.
والذين عليهم مدار الإفراد أربعة: عائشة رضي الله عنها، وابن عمر، وجابر، وابن عباس رضي الله عنهم. وكلهم قد روى القران. وأما ابن عمر وعائشة ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. وفي الصحيحين عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالحج إلى العمرة، وتمتع الناس معه بمثل هذا.
قال وروى عبد الرزاق قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما بالبيت وبين الصفا والمروة طوافا واحدا وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر. وقالت عائشة رضي الله عنها: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا سوى التي قرن بحجة الوداع. ذكره أبو داود وسياتي.
وروى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، ومعها عمرة... الحديث. الحديث طبعا ضعيف. يعني قال وفي صحيح حتى تعليق، تعليق الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب. وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورايته لم يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلا.
قال: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أهل النبي
صلى الله عليه وسلم بعمره وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم، وسيأتي في كتاب سنن -يعني أكرمت أن عنه- قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطأوا على عمرة قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته.
فهذه العمره التي قرنها مع حجته هي التي قال فيها: أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمره رداً على من قال: أهل بحج مفرد. ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني أفردت الحج، كما قال: قرنت. يعني الخلاف الأقوى هو مش بين التمتع وبين القران، لا، بين الإفراد والقران.
قال: ولا قال، ولا قال: سمعته يقول: لبيك حجا، كما قال: لبيك حجا وعمره. ولا هو أخبر عن نفسه بذلك، ولا أحد من أصحابه أخبر عن لفظه عن لفظ إهلاله به. قال: وأما إخباره عن نفسه بالقران وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريح لا معارض له، والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القران والتمتع وهم لا يتناقضون في روايتهم بل رواياتهم يصدق بعضها بعضاً.
وإنما وقع الاشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم، فإنهم كانوا يسمون القران تمتعاً، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم، وحديث علي أن عثمان رضي الله عنه لما نهى عن المتعة، قال علي: لبيك بهما، وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد.
ومن قال: أفرت الحج، لم يقل: أفرت إهلال الحج، وإنما مراده أنه اقتصر على أعمال الحج، ودخلت عمرته في حجه، فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل، ولهذا أخبر أيضاً أنه قرن، فعلم أن مراده بالإفراد ما ذكرناه. ومن قال: تمتع، أراد به التمتع العام الذي يدخل فيه القران بنص القران في قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] والقارن داخل في هذا النص.
فتمتع صلى الله عليه وسلم بسقوط أحد السفرين، وقرن بجمعه في إهلال بين النسكين، وأفرت فلم يطف طوافين ولم يسع سعيين. إذاً يقول: إن هو لما قارن بين الحج والعمرة لم يضطر أن يرجع مرة أخرى إلى الميقات ويسافر مرة أخرى، فهذا يعتبر تمتع، منفعة التمتع معناها المنفعة.
لكن التمتع الثاني إيه الفرق بينه وبين القران؟ أن هو بيتمتع، يعني يحل، يعني يحل له كل شيء، إنما القران لا. طيب، مال إيه بقى؟ إزاي كيف يمكن أن يطلق التمتع على القران من أي جهة؟ المقصود تمتع، المتعة يعني، لا، من جهة أنه حجة بسفره واحدة، فهمت كده؟ لأن التمتع يا شباب معناه أن هو في منفعة ما حصلت، حلو كده؟
فالتمتع الأكبر إيه هو؟ أنه في سفره واحدة هيعتمر ويتحلل ويحل له كل شيء ويبقى المده دي وهو حلال. القران إزاي بقى القران يسميه تمتعاً؟ أن هو في سفره واحدة جمع الاثنين. قال: ومن تامل الاحاديث الصحيحة في هذا الباب جزم بهذا، وهذا فصل النزاع، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق