تسجيل الدخول

الدرس 16 - المجلد الثاني من ص 63 إلى ص 107

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس السادس عشر من كتاب تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته لابن القيم رحمه الله. وصلنا إلى المجلد الثاني صفحة 63.

باب الصائم يحتلم نهارا في رمضان. قال رحمه الله: باب الصائم يحتلم نهارا في رمضان. قال: عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن رجل من أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم».

قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث قد اختلف في إسناده ووصله وإرساله، واختلف في متنه؛ فرواه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وقال: القيء والرعاف والاحتلام. ذكره ابن عدي، ورواه الدارقطني من حديثه. ورواه الدارقطني من حديث هشام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد، وذكر فيه الاحتجام بدل الرعاف. ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، فقال: الحجامة والقيء والاحتلام. قال الترمذي: حديث أبي سعيد غير محفوظ. وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم، وعبد العزيز بن محمد، وغير واحد، هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلا، لم يذكروا فيه عن أبي سعيد. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث.

سمعت أبا داود السجستاني يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا باس به. قال: وسمعت زيد بن أسلم... ومعروف زيد بن أسلم من كبار مشايخ مالك، وهو أسلم مولى عمر رضي الله عنه تمام؛ فزيد بن أسلم من أكبر العلماء والفقهاء في الحديث والفقه والتفسير، بس عنده ابن عبد الرحمن هذا يروي أحاديث ضعيفة كثيرة.

قال: وسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله، قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. قال محمد: ولا أروي عنه شيئا.

باب الصائم يستقيء عامدا. عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضي». واخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد يعني البخاري: لا أراه محفوظا. وقال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح إسناده. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من ذا شيء. قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ.

قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث له علة، ولعلته علة؛ أما علته فوقفه على أبي هريرة وقفه عطاء وغيره. وأما علة هذه العلة، فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة أنه قال: إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج. ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح.

وعن معدان بن طلحة أن أبا الدرداء حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، فلقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه. واخرجه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي: وقد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حسين المعلم يجود.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى البيهقي من حديث فضالة بن عبيد قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما فقاء فأفطر، فسئل عن ذلك فقال: «إني قئت». وروى أيضا عن ابن عمر موقوفا عليه: من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء. وعن أبي هريرة مثله، وروي مرفوعا والحفاظ لا يرونه محفوظا.

باب القبلة في الصائم.

كلمة يجوده؛ كلمة جود الحديث لها دلالات، ما هو الوصف الجامع لكلمه تجويد الحديث؟ تجويد نعم؛ حذف... لا، أنا أتكلم عن المعنى العام، المعنى العام للتجويد أن هو زاد فيه شيئا يجمل به الرواية، قد يكون هذا الذي زاده باطل أو صحيح. فلو هو أخفا الضعفاء يبقى هو كده جود الحديث؛ خلص الحديث من رواة الضعفاء علشان... يعني تدليسا، فده اسمه تدليس التجويد. لكن من ضمن بقى التجويد، إيه هو؟ أن يكون الحديث مختلف فيه اختلاف كبير، فيجي واحد ثقه ثبت يرويه على وجه صحيح، فساعتها تقول إيه: يبقى أنا كده اطمنت أن في واحد ضبط الحديث ده، فتقوم تعتمد عليه، هو ده نفس اللي حصل بالضبط.

يعني نقل عن الإمام أحمد لما الأثرم قال له: هل يثبت عندك هذا الحديث وهم يضطربون فيه؟ قال إيه: حسين المعلم يجود، يعني هو رواه على وجه فانا اطمأننت ليه، فهمت كده.

قال: عن الأسود وعلقمة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه... ممكن يكون تجويد فعلي.

لا يكون زي حسين المعلم لما رواه، تجولوا صاروا مطمئنا له، لا هذا. لا هو رواه على وجه جعله يطمئن، فكلمة التجويد هي تصرفه في الرواية، أنه روى الحديث على وجه يخلي الناقد يطمئن ليه، تمام، وفي تجويد.

يعني مثل ما بيكون سلك الجادة مثلا، لا ده ما اسموش تجويد، سلك الجادة ما يسموهاش تجويد. التدليس، خلينا نرجع للتدليس، لا هو هم بيقولوا جوادة في التدليس لما يكون الراجل بيسقط الضعفاء من الوسط، تمام، فهون التجويد ماله، ماله معنى حقيقي؟ لا هو ليه معنى حقيقي، معناها أن هو جمله، أخفى أخفى للضعفاء.

طيب، بس هون التجويد مختلف عن التجويد، أيوه ما أنا قلت لك، ما أنا بقول لك الأصل الجامع ما لوش علاقة بالثبوت والضعف، الأصل الجامع زخرفة، زي واحدة تجويد كده. فيعني مثلا بقية بن الوليد مثلا لما بيروي عن الأوزاعي عن الزهري، الأوزاعي أحيانا بيروي عن رواة ضعفاء عن الزهري، فيقوم هو يسقط الراوي الضعيف بين الأوزاعي والزهري فيقول لك جوده، فجوده ما لهاش علاقة بأن هو ثابت ولا مش ثابت، الكلمة الذكيان مطلق على ذكي، أيوه ممكن يكون نصاب، يكون الذكي أن هو نصاب، نصاب وذكي.

عن الأسود وعلقمة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملك لأربه. واخرجه البخاري ومسلم والنسائي جمعا وأفرادا، واخرجه ابن ماجه من حديث القاسم بن محمد عن عائشة. وعنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل في شهر الصوم. واخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وعنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم وأنا صائمة، واخرجه النسائي.

وعن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وانا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وانا صائم. قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا باس. قال: فمه؟ واخرجه النسائي. قال ابن القيم رحمه الله: جمعا.

إيش يعني جمعا فين دي؟ صفحة سبعة وستين من تحت النسائي. اه، واخرجه البخاري ومسلم والنسائي جمعا وأفرادا، الأسود علقمة، عن الأسود، صح، ممكن وفقا مع عائشة. ممكن جمعا يعني اللي هو جمعه بين الأسود وعلقمة أو أن هي رواية لوحدها عن الأسود وعن علقمة، هل ممكن أيضا تكون أنه متفق عند البخاري مفردات؟ لا خالص، جمعا وأفرادا أما أن هم رووه وحده عن الأسود عن عائشة أو عن علقمة عن عائشة أو عن الأسود وعلقمة.

كلمة هششت يعني معناها أن أنا فرحت، يعني استبشر من شيء فلم يدري فقبل امراته، يعني. قال ابن القيم رحمه الله: وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أم سلمة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. وفي صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن الرواية أصلا رواها إبراهيم النخعي عن الأسود أو علقمة عن عائشة، في اللي عندي في رواية أبي داود فهو كأنه يقصد أنهم إما إبراهيم رواها مرة واحدة عن الاثنين أو روى لكل واحد لوحده.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل هذه لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصنع ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأتقاكم لله وأخشاكم له». أم كراهية ذلك للشاب؟ سبحان الله، يعني في موضعين النبي عليه الصلاة والسلام قال له فيهم هذا المعنى، الموضعين خلاف ما يظن الناس.

يعني النبي عليه الصلاة والسلام لست كهيئتكم. تمام، يعني في موضع أنكره وموضع لم ينكره، الموضع اللي أنكره لما ظنوا أنه يتخفف من العبادة لأنه ليسوا كهيئتهم، الموضع اللي أقره أنه يبالغ في الصيام في الوصال يعني هو أزيد منهم، وبعدين يقول: «لست كهيئتكم»، عكس ما هم فهموه، فهمتوا الفكرة ولا لا؟ ده معنى جميل جدا، ده يعني أنت لست كهيئتنا يعني أنت غفر لك فيمكن تتخفف العكس فغضب من هنا، لكن هو نفسه النبي عليه الصلاة والسلام قال نفس الكلمة أمتى؟ لما كان بأكثر منهم في العبادة: «لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» إلى آخر ذلك.

قال: كراهية ذلك للشاب. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب. قال ابن القيم رحمه الله، قال ابن حزم فيه: أبو العنبس عن الأغر، وأبو العنبس هذا مجهول. قال عبد الحق: ولم أجد أحدا ذكره ولا سماه. وروى البيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب، وقال: الشيخ يملك أربه والشاب يفسد صومه. وارخص فيها ابن عباس للشيخ وكرهها للشاب. وسأل عبد الله بن عمر عن القبلة وهو صائم فقال: لا. فقال شيخ عنده: لم تحرج الناس وتضيق عليهم؟ والله ما بذلك باس. فقال ابن عمر: أما أنت فقبل، فليس عند استك خير. القبلة عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس.

وأما ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول في القبلة قولا شديدا يعني يصوم مكانه، فقال البيهقي: هذا محمول على ما إذا أنزل، وهذا التفسير من بعض الرواة لا من ابن مسعود والله أعلم.

باب الصائم يبتلع الريق. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها، وفي اسناده محمد بن دينار الطاحي البصري، قال يحيى بن معين: ضعيف، وفي رواية: ليس به باس، أحد رواه سنن أبي داود. قال: بلغني عن أبي داود أنه قال: ليس هذا الإسناد بصحيح. يعني أبو داود نفسه أنكره، وفي رواية: ليس به باس ولم يكن له كتاب، وقال غيره: صدوق. وقال ابن عدي الجرجاني: قوله يمص لسانها في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه. وفي اسناده أيضا سعد بن أوس، قال ابن معين: بصري ضعيف.

قال ابن القيم رحمه الله: وقال عبد الحق: لا تصح هذه الزيادة في مصها لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس ولا يحتج بهما. وقد قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الحديث ليس به صحيح.

من أصبحت جنبا في شهر رمضان. عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا في رمضان من جماع غير احتلام ثم يصوم. واخرجه البخاري ومسلم والنسائي مختصرا ومطولا. وقال أبو داود: ما أقل من يقول هذه الكلمه يعني يصبح جنبا في رمضان، وإنما الحديث كان يصبح جنبا وهو صائم، هذا آخر كلامه. وقد وقعت هذه الكلمه في صحيح مسلم وفي كتاب النسائي.

وعن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم». فقال الرجل: يا رسول الله، انك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع». واخرجه مسلم والنسائي. قال ابن القيم رحمه الله: اختلف السلف في هذه المسألة.

فذهب بعضهم إلى إبطال صومه إذا أصبح جنباً. واحتجوا بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصوم. واختلفت الرواية عن أبيهريرة، فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه، وعنه رواية ثانية أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم، وروي هذا المذهب عن طاووس وعروة بن الزبير. وذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضا لم يصح، وإن كان نفلاً صح، وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري.

وعن أبي هريرة رواية ثالثة أنه رجع عن فتواه إلى قول الجماعة، وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقاً في الفرض والنفل، وقالوا حديث أبي هريرة منسوخ. واستشكل طائفة ثبوت النسخ، وقالت شرط النسخ أن يعلم تأخره بنقل أو تجمع الأمة على ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ، وكلا الأمرين منتف هاهنا، فمن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدم على خبر عائشة؟

والجواب عن هذا: لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال الصوم بذلك، لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرنا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنباً ثم يصوم، ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة ولم يحتج أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نسخ، ومحال أن يخفى هذا عليهن، فانه كان يقسم لهن إلى أن مات في الصوم والفطر، هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع، وإنما فيه: كان أبو هريرة يقول في قصصه. يعني هو أبو هريرة بيقول الكلام ده من كلامه هو اجتهاد منه لم يسنده إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث أن أبا هريرة لما حوق على ذلك رده إلى الفضل بن عباس فقال: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الذي في مسلم، وفي لفظ: حدثني الفضل بن عباس.

قال البخاري: وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر. والأول أسند ولكن رفعه صحيح. ورواه سفيان عن عمرو بن يحيى بن جعدة قال: سمعت عبد الله بن عمر القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول: لا وربي هذا البيت ما أنا قلته، من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد صلى الله عليه وسلم قاله.

مع هذا فقد روى النسائي من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام... دخل عبد الرحمن عند مروان، فذكروا أن أبا هريرة يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح فلا يصم ذلك اليوم. قال: اذهب فاسأل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فذهب وذهبت معه فذكر الحديث. قال: فأتيت مروان فأخبرته بقولهما -يعني أم سلمة وعائشة- واشتد عليه اختلافهم تخوفاً أن يكون أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال مروان لعبد الرحمن: عزمت عليك لما أتيته فحدثته. فقال: لا، إنما حدثني فلان وفلان. ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مرة: أخبرنيه الفضل بن عباس، ومرة قال: أخبرنيه أسامة بن زيد، وفي رواية عنه: أخبرنيه فلان وفلان، وفي رواية: أخبرني رجل، وفي رواية: أخبرنيه مخبر، وفي رواية: هكذا كنت أحسب.

قال المنذري: قال الخطابي: وأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا أن يكون ذلك محمولاً على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرماً على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: من أصبح جنباً فلا صوم له، أي من جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صوم غده، لأنه لا يصبح جنباً إلا وله أن يطا قبل الفجر بطرف عين، فكان أبو هريرة يفتي بما سماه من الفضل بن عباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه.

وقال الشافعي: أخذنا بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم دون ما روى أبو هريرة عن رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعان منها: أنهما زوجتاه، وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعا أو خبرا، ومنها أن عائشة مقدمة في الحفظ وأن أم سلمة حافظة ورواية اثنين أكثر من واحد، ومنها أن الذي روتا عن النبي صلى الله عليه وسلم المعروف في المعقول والاشبه بالسنة. وبسط الكلام في شرح هذا ومعناه: أن الغسل شيء وجب بالجماع وليس في فعله شيء محرم على الصائم، فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ويتم صومه لأنه لم يجامع في نهار، وجعله شبيهاً بالمحرم ينهى عن الطيب ثم يتطيب حلالاً ثم يحرم وعليه لونه وريحه لأن نفس التطيب كان وهو مباح.

باب كفارة من أتى أهله في نهار رمضان: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت. قال: ما شانك؟ قال: وقعت على امراتي في رمضان. قال: فهل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: اجلس. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال: تصدق به. فقال: يا رسول الله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدات ثناياه. قال: فاطعمه إياهم. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه. وفي رواية زاد الزهري: وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير.

وذكر أبو داود أن الأوزاعي زاد فيه: واستغفري الله. وعنه أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم... قال الخطابي رحمه الله: هذا من الزهري دعوة لم يحضر عليها برهاناً ولا ذكر فيها شهيداً. وقال غيره: هذا منسوخ ولم يذكر في نسخه خبراً يعلم به صحة قوله.

وأحسن ما سمعت فيه قول أبي يعقوب البويطي، وذلك أنه قال: هذا رجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشتري رقبة، فقيل له صم فلم يطق الصوم، فقيل له إطعام ستين مسكيناً فلم يجد ما يطعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بطعام ليتصدق به فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه.

وعياله، فلما نقص في ذلك بقدر ما أطعَم أهله لقوت يومهم، صار طعاماً لا يكفي ستين مسكيناً، فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت، وكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمفلس يمهل ويؤجل، وليس في الحديث أنه قال لا كفارة عليك.

وقد ذهب بعضهم إلى أن الكفارة لا تلزم الفقير واحتج بظاهر الحديث. يعني فاهمين المعنى، يعني هل الرجل ده عليه كفارة ولا لا؟ هل هي أصبحت ديناً عليه ديناً، ولا خلاص مش عليه؟ فهمت الفكرة؟ هو بقى بيتكلم عن كده.

فهو بيقول أحسن شيء شافه يعني إن هو قال اعتبارها داينة عليه. صدق، أيوه الحديث تصدق به. الكفارة عليه لا، ما هو عشان هو تصدق به على نفسه. هو فاهم! فبعضهم قال ليس عليه كفارة مادام مش معاه يبقى خلاص الكفارة مش عليه، والموضوع ده قد عنه، فاهم كده.

يعني افرض النبي عليه الصلاة والسلام ما كانش حد جاله بالعرق ده اللي فيه تمر، كان إيه اللي هيحصل؟ كان هيبقى داين على الراجل ولا هتسقط عنه؟ هو ده المحل بقى، ده محل خلاف.

قال عنه أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً. قال: لا أجد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جلس». فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق تمر فقال: «خذ هذا فتصدق به». فقال: يا رسول الله ما أحد أحوج مني. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدات أنيابه وقال له: «كله».

وعن أبي سلامة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان بهذا الحديث. قال: فأتي بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاً وقال فيه: «كله أنت وأهل بيتك وصم يوماً واستغفر الله».

قال ابن القيم رحمه الله: هذه زيادته، وهي الأمر بالصوم، قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ. قال عبد الحق: وطريق حديث مسلم أصح وأشهر، وليس فيها صم يوماً ولا مكيلة التمر ولا الاستغفار، وإنما يصح حديث القضاء مرسله.

وكذلك ذكره مالك في الموطأ، وهو من مراسيل سعيد بن المسيب. رواه مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني عن سعيد بالقِصة، وقال: «كله وصم يوماً مكان ما أصبت».

والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة من حديث الزهري؛ فإن أصحابه الإثبات الثقات كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. وإنما ذكرها الضعفاء عنه كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما.

وقال الدارقطني: رواتها ثقات. رواه ابن أبي أويس عن أبيه عن الزهري، وتابعه عبد الجبار بن عمر، وتابعه أيضاً هشام بن سعد عنه. قال: وكلهم ثقات. وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة؛ فإن هؤلاء إنما هم أربعة، وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عدداً، وهم أربعون نفساً لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة.

ولا ريب أن التعليل بدون هذا يؤثر في صحتها، ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق وخالفهم هذا العدد الكثير، لوجب التوقف فيها. وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا موجبه.

يعني الشرط غير الموجب، الفرق بين الشرط والموجب؛ يعني إذا كان موجود، إذا كان شرطاً؛ إنه يكون شرطاً لازم يكون موجوداً حتى يكون صحيحاً. أمام تمام، لكن مجرد وجوده لا يستلزم الصحيح، موجبه لازم معناه صحيح. بل لابد من انتفاء العلة والشذوذ، وهما غير منتفيين في هذه اللفظة.

وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه، فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله: يجب عليه القضاء. وللشافعي قول آخر: إنه لا يجب عليه القضاء إذا كفر. وله قول ثالث: إنه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى. وهذا قول الأوزاعي.

قال المنذري: روي في بعض طرقه «هلكت وأهلكت». واستدل به بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية. قال الخطابي: وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله: «هلكت» حسب. غير أن بعض اصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف، وهو غير محفوظ، والمعلى ليس بذاك في الحفظ والاتقان.

قال ابن القيم رحمه الله: قال البيهقي: قوله «وأهلكت» ليس بمحفوظ، وضعفها شيخنا أبو عبد الله الحافظ، وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني؛ قال: فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها، والعباس بن الوليد رواه عن عقبة بن علقمة دونها، ودحيم وغيره رووه عن الوليد بن مسلم دونها، وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها، ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري عن الزهري إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري.

قال: وكان أبو عبد الله أيضاً يستدل على كونها في تلك الرواية خطأً بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف معلى بن منصور بخط مشهور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها.

ثم قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. ثم ذكر الحديث، وحسبك بهذا الإسناد.

وفيه أمران: أحدهما: وجوب الكفارة بأي مفطر كان. والثاني: أنها على التخيير. وهو مذهب مالك في المسألتين.

قال البيهقي: ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالموطأ ناقلة لفظ صاحب الشرع فهي أولى بالقبول لزيادة حفظهم وادائهم الحديث على وجهه.

يعني هل هذه الكفارة لمن أفطر بأي مفطر في رمضان، ولا لازم يكون أفطر بجماع؟ فهمت.

واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمّره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب.

وقال أبو الحسن الدارقطني: الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير: مالك في الموطأ، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، وعبد الله بن أبي بكير، وأبو أويس، وفليح بن سليمان، وعمر بن عثمان المخزومي، ويزيد بن عياض، وشبل بن عباد، والليث بن سعد من رواية أشهب بن عبد العزيز عنه، وابن عيينة من رواية نعيم عن حماد عنه، وإبراهيم بن سعد من رواية نعيم بن حماد عنه، وإبراهيم بن سعد من رواية عمار بن مطر عنه، وعبيد الله بن أبي زياد. كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان وجعلوا كفارته على التخيير.

قال: وخالفهم أكثر عدداً منهم، فرواه عن الزهري بهذا الإسناد أن إفطار الرجل كان بجماع وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين.

يبقى غلطين، الغلط الأول إيه هو؟ والغلط الثاني إيه هو؟ لا غلطين، ما بقولكش إيه سبب الغلط، غلطين في الرواية. الغلط الأول إيه هو؟ ما قدر الجماع، آه أن هو قال لك أفطر في رمضان وخلاص لم يعين، والثانية أن هو جعلها مخيرة أو أنما النبي عليه الصلاة والسلام رتبها. آه نعم فهمت كده.

قال وخالفهم أكثر عدداً؛ فرووه عن الزهري بهذا الإسناد أن إفطار الرجل كان بجماع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يكفر بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

منهم عراق بن مالك، وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية، ومحمد بن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، ومعمر، ويونس، وعقيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة، ومنصور بن المعتمر، وسفيان بن عيينة، وإراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن إسحاق، والنعمان بن راشد، وحجاج بن أرطاة، وصالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الجبار بن عمر، وإسحاق بن يحيى العوصي، وهبار بن عقيل، وثابت بن ثوبان، وقرة بن عبد الرحمن، وزمعة بن صالح، وبحر السقاء، والوليد بن محمد، وشعيب بن خالد، ونوح بن أبي مريم، وغيرهم.

آخر كلامه، ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين، وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب. وإذا كان هكذا، فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه: أحدها أن رواتها أكثر، وإذا قدر التعارض رجح رواية الأكثر اتفاقاً، وفي الشهادة بخلاف معروف. الثاني أن العدد الجهة الثانية برضه كثير، فنأخدها هيك على الإطلاق؟ لا، مش كده خالص. لا، لأنك أنت بتطلع واحدة دلوقتي؛ أنت لما يكون عندك رواية، الرواية دي فيها الزهري عن حميدة عن أبي هريرة، ماشي، والزهري اختلف عليه، ماشي.

أول نظرة ليك هي أنك تحرر الخلاف الذي على الزهري، وبعدين تشوف من تاني روى عن أبي هريرة، فلما تلاقي كل اللي رووا عن أبي هريرة وافقوا وجهة عن الزهري، والرواة اللي في الكفة اللي موافقة كمان أقوى، يبقى خلاص، يبقى انت ترجح عندك بحاجتين: أن الخلاف الذي على الزهري في طرف منه أقوى شوية، واللي أكد ده أن الرواة اللي رووا عن أبي هريرة غير حميد كمان وافقوهم، يبقى دي قرينة تأكد أكتر أن هم دول الإصابوا.

أحدها أن رواها أكثر، وإذا قدرت أن الزهري حدث بحديث ممكن أه، قال وكل محفوظ عنه، هو يعني عايز يقول إن هو نفسه اللي حدث بها مرتين، فاهم؟ ولكن عندنا قرينة خارجية تأكد وجه من الأوجه دي. وحاول كان يجمع بينتين قال إن كان هذا، فرواية الترتيب المصرح بذكر الجماع أولاً في هذه مبينة أنه في نهار رمضان. الذي رووا في نهار رمضان رووه، ولكن هذه مصرحة.

أيوة، إن الإفطار كان بجماع، لا، وهو أصلاً سياق القصة لازم يكون في تدرج؛ لأن كل ما النبي عليه الصلاة والسلام يقول له شيء يقول له مش هقدر عليه، فينتقل معه. وإذا قدر التعارض رجح رواية الأكثر اتفاقاً، وفي الشهادة بخلاف معروف. لمار بالصيام هو تعلل بالعدم المفصل على الصيام الجماعة.

الثاني أن رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر المفطر وانه الجماع، وحكوا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر، ولا حكوا أن ذلك من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من لفظ صاحب القصة، ولا حكوا أيضاً لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم في الكفارة. فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترتيب، ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله: وقعت على أهلي في رمضان.

الثالث أن هذا صريح، وقوله: أفطر، مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماع، فتعين الأخذ به. الرابع أن حرف أو وإن كان ظاهراً في التخيير فليس بنص فيه، وقوله: هل تستطيع كذا؟ وهل تستطيع كذا؟ صريح في الترتيب؛ فانه لم يجوز له الانتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله، مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع، وقوله: فأمره أن يعتق رقبة. بيوريك أو بيديك أمثلة عملية لكيف ترجح بين الروايات المختلفة، ما هي القرائن التي ترجع إليها، ممتاز جداً. لم يحكي فيه لفظه.

الخامس أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر؛ لأنه يفسره ويبين المراد منه، والعمل بحديث التخيير لا يتضمن حديث الترتيب. ولا ريب أن العمل بالنصين أولى. السادس أن قد راينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواء على الترتيب، وهي كفارة الظهار، وحكم النظير حكم نظيره، ولا ريب أن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين.

باب التغليظ في من أفطر عمداً. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله له، لم يقض عنه صيام الدهر». واخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره البخاري تعليقاً فقال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه.

أول ما قال: يذكر، يبقى هو إيه؟ يضعفه؛ لأن ده معلق بصيغة التمريض. يذكر، هو قصد البخاري أنه يعلق هذا التعليق عشان يشير لضعف الحديث. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمدا -يعني البخاري- يقول: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس، ولا أعرف له غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه.

قال ابن القيم رحمه الله: وقال الدارقطني: ليس في رواته مجروح. وهذه العبارة لا تنفي أن يكون فيه مجهول لا يعرف بجرح ولا عدالة. هو الراجل كذا مرة بيقول إنه ما بيجدهش الكلام اللي ابن القيم بيعزوه للدارقطني، لا في العلل ولا في السنن، زي دي كده يعني دي غريبة شوية، أصلاً الدارقطني يطلق هذا الحكم على الحديث ده. ماشي، ويقال في هذا ثلاثة أقوال، أو ممكن يكون ابن القيم نقله من عن واحد تاني عن الدارقطني، بس يعني أنا مستغرب أن الدارقطني يقول الكلام ده على الحديث ده. ماشي، أبو المطوس وابن المطوس والمطوس تفرد بهذا الحديث، وتفرد به.

قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بما انفرد من الروايات. أمم، طبعا واحد ينفرد بحديث زي ده، يعني في أحاديث في الكفارة، ويجي يقول لك: مهما تصوم الدهر كله لا يكفر عنك.

باب من أكل ناسياً. عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم. فقال: «أطعمك الله وسقاك». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال ابن القيم رحمه الله: وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وعند البخاري: فأكل وشرب.

وروى الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه». قال: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات. وفي طريق أخرى: «لا قضاء عليه ولا كفاره». قال: وهو صحيح أيضاً.

باب تاخير قضاء رمضان. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان ليكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. واخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله البهي عن عائشة وقال: حسن صحيح.

واختلف فيما لو أخره عن رمضان آخر.

رمضان آخر، فقال فقهاء جماعة من الصحابة والتابعين: يقضي ويطعم لكل يوم مسكيناً. قال ابن القيم رحمه الله: هذا قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي والإمام أحمد والشافعي ومالك وإسحاق. وقال جماعة: يقضي ولا فدية عليه، وهذا يروى عن الحسن وإراهيم النخعي، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال طائفة منهم قتادة: يطعم ولا يقضي.

ووقع في الصحيحين في هذا الحديث: «الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم»، أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام يحيى بن سعيد؛ بين ذلك البخاري في صحيحه، قال: وقال يحيى: «الشغل من النبي صلى الله عليه وسلم» أو «بالنبي صلى الله عليه وسلم»، هذا تفسير منه؛ يعني أنها كانت مشغولة بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق عندها فرصة إلا أن تقضيه في شعبان، الذي هو بعد -اللي هو قبل- رمضان الآتي. وفي لفظ قال يحيى: فظننت أن ذلك لمكانه -لمكانها- من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين عن عائشة أيضاً قالت: إن كانت إحدانا لتفطر في رمضان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان.

باب من مات وعليه صيام، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، واخرجه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه. قال ابن القيم رحمه الله: وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت عليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال: أرايت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك»، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري نحوه.

وفي الصحيحين عنه أيضاً أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن أختي ماتت عليها صيام شهرين متتابعين، وذكر الحديث بنحوه. وفي صحيح مسلم عن ابن بريدة قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتلته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت، قال: «وجب أجرك وردها عليك الميراث»، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: يا رسول الله أنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: «حج عنها».

قال البيهقي: فثبت بهذه الأحاديث جواز الصيام عن الميت. وقال الشافعي في القديم: وقد ورد في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتاً صيم عنه كما يحج عنه. وقال في الجديد: فان قيل فهل روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم روي عن ابن عباس. فان قيل: لم لا تأخذ به؟ قيل: حدث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: نذر نذراً ولم يسمه، ومع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس فلما جاء غيره عن رجل عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله أشبه أن يكون محفوظاً.

وأراد الشافعي ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقض عنها». وهذا حديث متفق عليه من حديث مالك وغيره عن الزهري، إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة سألت، وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عباس، وفي رواية عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة سألت، ورواه عكرمة عن ابن عباس، ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال عن الصوم نصاً غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقاً.

وكيف وقد روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح النص على جواز الصوم عن الميت؟ قال: وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث ابن عباس بما روي عن يزيد بن زريع عن الحجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه، وبما روي عنه في الإطعام عمن ماتوا وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر، وضعف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعליה الصوم قالت يطعم عنها، وفي رواية عنها: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم.

قال: وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفاً؛ فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسناداً وأشهر رجالاً، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله. وممن رأى جواز الصيام عن الميت طاووس والحسن البصري والزهري وقتاده.

آخر كلام البيهقي: اختلف أهل العلم في من مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب الأصلي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه. الثاني: إنه يصام عنه فيهما، وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي. الثالث: إنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس، روى الأثرم عنه أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان قال: أما رمضان فليطعم عنه وأما النذر فيصام.

وهذا أعدل الاقوال وعليه يدل كلام الصحابه وبهذا يزول الاشكال، وتعليل حديث ابن عباس بأنه قال لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلي، وأما النذر فيصام عنه كما صرح به ابن عباس ولا معارضة بين فتواه وروايته، وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر فرق بينهما فأفتى بالإطعام في رمضان وبالصوم عنه في النذر، فأي شيء في هذا ما يوجب تعليل حديثه!

وكذلك ما روي عن عائشة من افتائها في التي ماتت وعليها الصوم أنه يطعم عنها، وإنما هو في الفرض لا في النذر؛ لأن الثابت عن عائشة في من ماتوا وعليهم نذر صيام هو القضاء.

عليه صيام في رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارض بين رأيها وروايتها، وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس؛ لأن النذر ليس واجباً بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه، ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين في حديث ابن عباس، والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر، والدين تدخله النيابة.

وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال كما لا تدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها، وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره، وكما لا يسلم عنه غيره ولا يصلي عنه غيره.

وهكذا من ترك الحج عمداً مع القدرة عليه حتى مات أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرئ ذمته ولا يقبل منه، والحق أحق أن يتبع. وسر الفرق أن النذر التزام من المكلف لما شغلت به ذمته لا أن الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخف حكماً مما جعله الشارع حقاً له عليه شاء أبى، والذمه تسع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع فإنها على قدر طاقة البدن لا تجب على عاجز، فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي؛ لأن المكلف متمكن من إيجاب واجبات كثيرة عليه لم يوجبها عليه الشارع والذمة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع، وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق وأعمقهم علما.

إبداع هذا من أول الكتاب وهو يتكلم عن الفروق بين الأمور التي تبدو متماثلة، مين يذكر حاجات قالها قبل كده الفروق، مش احنا قلنا إن الكتاب ده فيه فوائد ذكرنا حوالي نقض الشعر.. إيه.. أيوه أحسنت، تكون على الجنابة.. نقض الشعر من نقض الشعر عند الغسل من الحيض وعدم إيجابه الغسل من الجنابة، وذكر الفرق بينهم إيه؟ إنه الجنابة أكثر، تمام ده جميل، ده كمان ده مثال حلو قوي للفروق، وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق وأعمقهم علما وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه، وبالله التوفيق.

باب اختيار الفطر: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يظلل عليه والزحام عليه، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر، واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتج أيضاً بحديث دحية خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطر، فافطر معه الناس وكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت أمراً ما كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك. رواه أبو داود وغيره.

واحتجوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبول رخصة الفطر، فروى النسائي من حديث جابر يرفعه: «ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها» واحتجوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم في الذين صاموا: «أولئك العصاة» رواه النسائي في قصة فطره عام الفتح، واحتج أيضاً بقول عبد الرحمن بن عوف: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر رواه النسائي ولا يصح رفعه وإنما هو موقوف.

واحتج أيضاً بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدّة من أيام أخر، فهي فرضُه الذي أمر به فلا يجوز غيره، وحُكي ذلك عن غير واحد من الصحابة، وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في السفر على الإطلاق، وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح في السفر.

قالوا: وأما قوله: ليس من البر الصيام في السفر، فهذا خرج على شخص معين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضلل عليه وجهده الصوم فقال هذا القول، أي ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ فيها هذا المبلغ، وقد فسح الله له في الفطر، فالأخذ بعموم اللفظ الذي يدل له سياق الكلام على إرادته: فليس من البر في هذا.. فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر.

وأيضاً فقوله: ليس من البر أي ليس هو أبر البر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه، وقد يكون الفطر في السفر المباح براً لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه، وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه وما يحبه الله فهو بر، فلم ينحصر البر في الصيام في السفر، وتكون من هذه زائدة، ويكون كقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: 177] وكقولك: ما جاءني من أحد.

وفي هذا نظر، وأحسن منه أن يقال إنها ليست بزائدة، بل هي على بابها، والمعنى أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتنافسون عليه، فإنهم ظنوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه، وأنه وحده البر الذي لا بر منه، فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه، فانه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه فيكون هو البر.

قالوا: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به واقعة معينة وهي غزاة الفتح، فإنه.. أيوه كمان عندنا مثالان للفروق اللي هو طلاق الهازل وطلاق المكره صح، وقطع الخف.. أيوه طب خلينا نعملهم مادامنا جمعناهم كده.

احنا عندنا أول اللي هو طلاق الهازل والمكره، وعندنا قطع الخف.. إيه.. قطع الخف لا دي يعني ماشي تفضل.

قال: فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فطره آخر أمرين.. أه اللي هو الخف.. ماشي؛ لأنه حرم الصوم، ونظير هذا قول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مس النار، أو ترك.. وأخره كده يبقى كان آخر الأمرين.. أو كان آخر الأمرين تركه.. كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مس النار، وإنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه ثم توضا وقام إلى الصلاة ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مس النار، وجابر هو الذي روى هذا وهذا، فاختصره بعض الروات واقتصر منه على آخره، ولم يذكر جابر لفظاً من النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا آخر الأمرين مني.

وكذلك قصة الصيام، وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا وأخره منه الفطر وترك الوضوء، وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها. وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي فإنما أنكر فيها على من صام رغبة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وظناً أنه لا يسوغ الفطر، ولا ريب أن مثل هذا قد ارتكب منكرا وهو عاص بصومه، والذين أمرهم الصحابة بالقضاء.

وأخبروا أن صومهم لا يجزئهم هم هؤلاء؛ فإنهم صاموا صوماً لم يشرعه الله، وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم. ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله، فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم، فأمرهم الصحابة بالقضاء.

هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة، وعليه يحمل قول من قال منهم: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وهذا من كمال فقههم ودقة نظرهم رضي الله عنهم.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها»، فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب. وهذا حق، فانه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة، وهذا عدوان منه ومعصية. ولكن إذا قبلها فإن شاء اخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة.

هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه، ومثل هذا يؤمر بالفطر. فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء، قال: «ما بال صاحبكم هذا؟». قالوا: يا رسول الله صائم. قال: «انه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها». رواه النسائي.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة»، فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم. ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه، فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون، فأفطر بعض الناس وصام بعض. فبلغه أن ناسا صاموا فقال: «أولئك العصاة».

فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به، فلما لم يقتد به بعضهم قال: «أولئك العصاة». ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقا على المسافر.

والدليل على ما نعنيه ما روى النسائي أيضا عن أبي هريرة قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بطعام بمر الظهران، فقال لأبي بكر وعمر: «ادنيا فكلا». فقالا: صائمان. فقال: «ارحلوا لصاحبيكم، اعملوا لصاحبيكم». ومر الظهران أدنى إلى مكة من كراع الغميم؛ فإن كراع الغميم بين يدي عسفان بنحو ثمانية أميال، وبين عسفان ومكة ستة وثلاثون ميلا.

وأما احتجاجكم بالآية: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، وأن الله أمر المسافر بالعدة فهي فرضه الذي لا يجوز غيره، فاستدلال باطل قطعا؛ فإن الذي انزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر، ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم وما يعتقده مسلم، فعلم أن المراد بها غير ما ذكرتم.

فاما أن يكون المعنى: فأفطر فعده من أيام آخر كما قال الأكثرون، أو يكون المعنى: فعده من أيام آخر تجزئ عنه وتقبل منه ونحو ذلك. فما الذي أوجب تعيين القدر بأن التقدير بأن عليه عدة من أيام آخر أو ففرضه ونحو ذلك؟ وبالجملة ففعل من أنزلت عليه يفسرها يبين المراد منها، وبالله التوفيق.

وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم؛ يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه. يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده. ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيه، والله درر.

وكان يدور بيني وبين المكي في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره، فأقول لهم: كثرة الطواف منها. فيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة». فقلت لهم في أثناء ذلك: محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يخرج لها من مكة إلى أدنى الحل وأنها تعدل حجة، ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلاً.

إنه هو يرى -كما يرى ابن تيمية- أن أهل مكة ما لهمش عمرة، ليهم طواف بس، تعمل تروح تعمل عمرة ليه؟ أنت أصلاً من أهل مكة تعمل عمرة ليه تروح تطلع وترجع؟ لا، تطوف. هو رأيه كده. فهو بيقول: كنت بناقش المكيين فيقولوا لي: لا، أصل عمرة في رمضان ثوابها كبير، تمام؟ فهو يقول لهم: طيب، لو كان عمرة في رمضان ثوابها ده، ما يجيش أبدا النبي عليه الصلاه والسلام عملها، لا قبل الفتح ولا بعده، ولا أحد من أصحابه مع أنهم أحرض الأمة على الخير وأعلمهم بمراد الرسول صلى الله عليه وسلم وأقلهم على العمل به.

ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم! يقدر أن يحج أحدهم في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر، ثم لا يأتي منها بحجه واحدة، وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب حتى يحصل لأحدكم ستون حجة وأكثر؟! وهذا مما لا يظنه من له مسكة عقل.

وإنما خرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه، وهي التي أنشأوا لها السفر من أوطانهم، وبها أمر أم معقل وقال لها: «عمرة في رمضان تعدل حجة». ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من الاعتمار؛ فإن عمرة في رمضان لم تعدل حجة، ولا فهم هذا أحد منهم، وبالله التوفيق.

قال: باب في من اختار الصيام.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته في حر شديد حتى إن أحدنا لا يضع يده على راسه أو كفه على راسه من شدة الحر، فما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه.

وعن سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللّه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ...». يأوي شباع، فليصم رمضان حيث أدركه.

في إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدي العوذي البصري؛ قال ابن معين: ليس به باس، وقال أبو حatim الرازي: يكتب حديثه وليس بالمتروك، وقال يحيى بن معين أيضاً من كتاب الضعفاء، وقال البخاري: لين الحديث، وضَعَّفَه أحمد. وقال البخاري أيضاً: عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب الحديث، ولم يعدَّ البخاري هذا الحديث شيئاً. وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث، وضَعَّفَه أحمد بن حنبل، وذكر له أبو جعفر العقيلي هذا الحديث وقال: لا يُتابَع عليه ولا يُعرف إلا به.

قال ابن القيم رحمه الله: واختلف أهل العلم في الأفضل من الصوم والفطر؛ فذهب عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإحساق، وأحمد، إلى أن الفطر أفضل. وذهب أنس، وعثمان، وابن أبي العاص، إلى أن الصوم أفضل، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك. وذهب عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة، إلى أن أفضل الأمرين أيسرهما لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وذهبت طائفة إلى أنهما سواء ولا يُرْجَحُ أحدهما على الآخر. وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر وأنه لا يُجزئ، وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم.

باب متى يفطر المسافر إذا خرج، عن عبيد بن جبر قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفعت... ثم قُرِّب غداء. قال جعفر وهو ابن مسافر في حديثه: فلم يُجاوز البيوتَ حتى دعا بالسُّفرة. قال: اقترب. قال: قلت: أَلَسْتَ ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أتَرْغَبُ عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال جعفر في حديثه: فأكل.

قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى الترمذي عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رُحِّلَتْ له راحلتُه -ولبس ثياب... رُحلت ولا إيه؟ رُحلت، أمم- ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنةٌ؟ فقال: سنةٌ، ثم ركب. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفيه حُجَّة لمن جَوَّزَ للمسافر الفطْرَ في يوم سافر في أثنائه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقول عمرو بن شرحبيل، والشعبي، وإسحاق، وحكاه عن أنس، وهو قول داود، وابن المنذر. وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: لا يُفطر، وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومكحول.

وفي المسألة قول شاذ جداً لا يُلتفت إليه، وهو أنه إذا دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يَجُزْ له الفطر، ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافراً؛ وهذا قول عبيدة السلماني، وأبي مجلز، وسويد بن غفلة. وقد صَحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الفتح في رمضان فصام وأفطر.

نقف هنا، والحمد لله رب العالمين.