باب في الطاعة. وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر عليهم رجلا، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجلبوا، وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو دخلوها أو دخلوا فيها لم يزالوا فيها»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف»، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
قال ابن جرير: الأخبار الواردة بالسمع والطاعة للأمراء ما لم يكن خلافا لأمر الله ورسوله، فإذا كانت خلافا لذلك فغير جائز أن يطيع أحدا في معصية الله ورسوله، وبنحو ذلك قال عامة السلف، وأشار إلى أن الأحاديث المجملة يفسرها الأحاديث المفسرة دفعا للتضاد في الأحاديث.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد استشكل قوله صلى الله عليه وسلم: ما خرجوا منها أبدا ولم يزالوا فيها مع كونهم لو فعلوا ذلك لم يفعلوه إلا ظنا منهم أنه من الطاعة الواجبة عليهم، وكانوا متأولين.
والجواب عن هذا أن دخولهم إياها معصية في نفس الأمر، وكان الواجب عليهم أن يبادروا ويتثبتوا حتى يعلموا هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا، فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير تثبت ولا نظر، فكان عقوبتهم أنهم لم يزالوا فيها، وقوله أبدا لا يعطي خلودهم في نار جهنم، فإن الأخبار إنما هو عن نار الدنيا، والأبد كثيرا ما يراد به أبد الدنيا.
قال تعالى في حق اليهود: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: 95]، وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت في النار ويسألون ربهم أن يقضي عليهم. وقد جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل كان مازحا، وكان معروفا بكثرة المزاح، والمعروف أنهم أغضوه حتى فعل ذلك.
وفي الحديث دليل على عقوبة من أطاع ولاة الأمر في معصية الله، وأن ذلك لا يمهد له عذرا عند الله، بل إثم المعصية لاحق له، وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها. وعلى هذا يدل هذا الحديث وهو وجهه، وبالله التوفيق.
باب على ما يقاتل. وعن جرير بن عبدالله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: «لا تراهى نارها» - وفي رواية: «لا ترايا نارهما» - وأخرجه الترمذي والنسائي، وذكر أبو داود أن جماعة رووه مرسلا، واخرجه الترمذي أيضا مرسلا، وقال: هذا أصح، وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل بن خالد لم يذكروا فيه جريرا، وذكر عن البخاري أنه قال: الصحيح مرسل، ولم يخرجه النسائي إلا مرسلا.
قال ابن القيم رحمه الله: قال بعض أهل العلم: إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه باسلامهم لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره، وهذا حسن جدا.
وفيه دليل على أنه إذا كان أسيرا في أيديهم فامكنه الخلاص بالانفلات منهم لم يحل له المقام معهم. وقوله: لا ترايا نارهما؛ قيل: لا يستوي حكماهما. وقيل: إن الله تعالى فرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يساكن الكفار حتى إذا أوقدوا نارا كان منهم بحيث يراها. وقيل: لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله. وقيل: لا يجتمعان في الآخرة.
وفيه دليل على كراهية دخول المسلم دار الحرب للتجاره والمقام بها أكثر من ثلاثة أيام. قال ابن القيم رحمه الله: والذي يظهر من معنى الحديث أن النار هي شعار القوم النزول وعلامتهم، وهي تدعو إليهم الطارق ويأنس بها، فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم، فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة وأنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإزاز دينه، فكيف تتفق الناران وهذان شأنهما؟ وهذا من أفصح الكلام وأجمله المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة.
وقد روى النسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، ما أتيتك حتى حالفت أكثر من عددهن - لأصابع يديه - ألا أتيك ولا أتي دينك، واني كنت امرأ لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربنا إلينا؟ قال: «بالإسلام»، قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: «أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخلوت، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك بعدما يسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين».
وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من جَامع المشرك وسكن معه فانه مثله». وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتركوا الذرية بإذاء العدو».
باب في التفريق بين السبي. عن ميمونة بن أبي شبيب عن علي؛ أنه فرق بين جاريه وولدها فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع. قال أبو داود: ميمون لم يدرك عليا، وذكر الخطابي أن إسناده غير متصل كما ذكره أبو داود.
قال ابن القيم رحمه الله: وروى عبدالرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فأمرني ببيع اخوين بعتهما ففرقت بينهما، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال: «ادركهما وارتجعهما وبعهما جميعا ولا تفرق بينهما»، أخرجه الحاكم وقال: هو صحيح على شرطهما ولم يخرجه. وفي جامع الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرق بين الجارية وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، وليس كما قاله، فإن في إسناده حيي بن عبدالله ولم يخرجه له - وهذا يدل على أن ابن القيم من أقدم الناس الذين انتقدوا الحاكم، لأن في يعني زي ما يكون شيء كده اشتهر أن اللي انتقد الحاكم هو الذهبي، لا الجيل ده؛ ابن تيمية انتقده في المستدرك وابن القيم، وكمان معانا الذهبي، الذهبي طبعا معروف كتاب التلخيص المستدرك - فإن في إسناده يحيى بن عبدالله ولم يخرجه له في الصحيحين شيء، وقال الامام أحمد في حديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر. ولفظ الترمذي: من فرق بين والدة وولدها.
باب الرخصة في البالغين. عن إياس بن سلمة قال: حدثني أبي قال: خرجنا مع أبي بكر وأمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغزونا فزارة، فشن الغاره، ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل فقاموا، فجئت بهم إلى أبي بكر، فيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم، معها بنت لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمت المدينة فلاقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «يا سلمة، هب لي المرأة»، فقلت: والله لقد أعجبتني وما
كشفت له لها ثوباً، فسكت. حتى إذا كان من الغد، لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال: «يا سلمة، هَبْ لي المرأة لله أبوك!». فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفت لها ثوباً وهي لك. فبعث بها إلى مكة، وفي أيديهم أسرى ففداهم بتلك المرأة، وأخرجه مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: في صحيح الحاكم من حديث عبادة بن الصامت قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُفرق بين الأم وولدها. فقيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: «حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية». وقال: صحيح وقال صحيح الإسناد ولم يخرجه.
باب في عقوبة الغال، عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غلَّ، فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلَّ فاحرقوا متاعه واضربوه». قال: فوجدناه في متاعه مصحفاً، فسأل سالماً عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه. وأخرجه الترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال: سألت محمداً عن هذا الحديث قال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث. قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغال فلم يأمر فيه بحرق متاعه، آخر كلامه.
وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه، يعني في حديث مشهور، لكن هو ضعيف يعني معروف في الباب، هو أن الغال لو واحد غلَّ شيئاً نحرق متاعه، فهو هنا بيقول لا، ده يدل على عدم أن هذا الحكم غير معمول به، تحريق متاع الغال. ماشي.
وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد قيل إنه تفرد به. وقال البخاري وعامه أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول وهو باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر زاد فيه: «واضربوا عنقه» بدل «واضربوه». قال عبد الحق: هذا حديث يدور على صالح بن محمد وهو منكر الحديث، ضعفه البخاري وغيره، انتهى.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. قال أبو داود: وزاد فيه علي بنحر عن الوليد ولم أسمعه منه ومنعوه.
قال ابن القيم رحمه الله: وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب، وزهير هذا ضعيف، قال: وزهير هذا يقال هو مجهول وليس بالمكي، وقد رواه أيضاً مرسلاً.
باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة. وعن حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلينا فجئنا، فرأينا فيه الغضب، فقال: «مع من خرجتن وبإذن من خرجتن؟». فقلنا: يا رسول الله، خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء للجرح ونناول السهام ونسقي السويق. فقال: «قُمنا». حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال. قال: فقلت لها: يا جدة وما كان ذلك؟ قالت: تمرة. وأخرجه النسائي، وجدة حشرج هي أم زياد الأشجعية، وليس لها في كتابيهما سوى هذا الحديث.
وذكر الخطابي أن الأوزاعي قال: يسهم لهن، وقال: وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث، واسناده ضعيف لا تقوم به الحجة، آخر كلامه.
قال ابن القيم رحمه الله: ويحتمل قولها: أسهم لنا كما أسهم للرجال، أن تعني به أنه أشرك بينهم في اصل العطاء لا في قدره، فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال لا أنه أعطاهن بقدره سواء، والله أعلم.
وعن جابر وهو ابن عبد الله قال: كنت أميح أصحاب الماء يوم بدر -المايح بالياء الذي في أسفل البئر، والماتح بالتاء ثالث الحروف الذي هو في أعلى البئر-. قال ابن القيم رحمه الله: الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل، ونظيره في ذلك: الجنازة بالكسر للسرير، والجنازة بالفتح للميت، وقال بعضهم من ذلك: الدجاج بالفتح للديك، والدجاج بالكسر للإناث.
باب في سجود الشكر. عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجداً شكراً لله. وأخرجه ابن ماجه والترمذي قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز، هذا آخر كلامه، وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكر فيه ما مقال. وقد جاء حديث سجده الشكر من حديث البراء بن عازب بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك.
وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد المدينة، فلما كنا قريباً من عزورة نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خر ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجداً ذكره أحمد -يعني ابن صالح- ثلاثاً، قال: «إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً شكراً لربي، ثم رفعت راسي فسالت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت راسي فسالت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخرة فخررت ساجداً لربي». وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وفيه مقال.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بكر أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم -أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم- أتاها بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة فقام فخر ساجداً. وفي المسند أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فتوجه نحو صدقته فدخل فاستقبل القبلة فخر ساجداً فأطال السجود، ثم رفع راسه وقال: «إن جبريل أتاني فبشرني فقال: إن الله عز وجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً». وفي مسند الإمام أحمد أيضاً أن علياً سجد حين وجد ذا الثدي في الخوارج مقتولاً. وفي سنن سعيد بن منصور أن أباک -أن أبا بكر الصديق- سجد حين جاءه قتل مسيلمه الكذاب.
كتاب الأضاحي، باب ما جاء في وجوب الأضاحي. عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات قال: «يا أيها الناس، إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس الرجبية». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب، ولا نعرف هذا الحديث مرفوعاً إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون.
وقال الخطابي: ضعيف المخرج، وأبو رملة مجهول. وقال أبو بكر المعافري: هو حديث ضعيف لا يحتج به. قال ابن القيم -اللي هو ابن العربي، ابن العربي المالكي اللي هو ليه كتاب اسمه: أوضح المسالك والقبس، الاثنين شروح الموطأ، ماشي- قال ابن القيم رحمه الله: وقال عبد الحق: إسناده هذا ضعيف، هذا الحديث ضعيف. وقال ابن القطان: يرويه حبيب بن مخنف وهو مجهول عن أبيه، وفيه أبو رملة عامر بن أبي رملة لا يعرف إلا به، انتهى. وقال البيهقي:
هذا إن حمله على طريق الاستحباب، فقد جمع بين الأضحية والعتيرة، والعتيرة غير واجبة بالإجماع. فقال غيره: هذا الحديث منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا فرع ولا عتير». وقيل: «لا» لنفي الوجوب، والحديث يدل على الاستحباب ليكون جمعاً بين الحديثين. قال الخطابي: وكان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب ويروي فيها شيئاً. وقال أبو داود: العتيرة منسوخة. وقال غيره: قال بعض السلف ببقاء حكمها. وقد روى أحمد في مسنده عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله، إنا كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها ونطعم من جاءنا، فقال: «لا باس بذلك».
وفي المسند أيضاً وسنن النسائي عن الحارث بن عمر أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال فقال الرجل: يا رسول الله، الفرائع والعتائر؟ قال: «من شاء فرع ومن شاء لم يفرع ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم أضحية». وسيأتي بعد هذا في باب العتيرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل سائمة من الغنم فرع». فهذه الأحاديث تدل على مشروعيتها. وقال ابن المنذر: ثبت أن عائشة قالت: أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الفراعة من كل خمسين بواحدة. قال: وروينا عن نبيشة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟ فقال: «في كل سائمة فرع». اختصر الحديث وسيأتي لفظه.
قال: وخبر عائشة وخبر نبيشة ثابتان. قال: وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية ويفعلها بعض أهل الإسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما ثم نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا فرع ولا عتيرة»، فانتهى الناس عنهما لنهيه إياه عنهما. ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهاهم عنهما ثم أذن فيهما. والدليل على أن الفعل كان قبل النهي قوله في حديث نبيشة: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية وإنا كنا نفرع فرعاً في الجاهلية، وفي إجماع عوام العلماء علماء الأمصار أن استعمالهما ذلك وقوف عن الأمر بهما ما ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلنا.
وقد كان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب وكان يروي فيها شيئاً، وكان الزهري يقول: الفرعة أول نتاج والعتيرة شاة كانوا يذبحونها في رجب -آخر كلام ابن المنذر-. يعني أول نتاجها ده الفرع تمام، يعني كأنهم إيه أول ما تنتج أول واحدة فإيه خلوها لله والعتيرة يخلوها في شهر رجب. وقال أبو عبيد: هذا منسوخ. وكان إسحاق بن راهويه يحمل قوله: «لا فرع ولا عتيره» أي لا يجب ذلك، ويحمل هذه الأحاديث على الإذن فيها. قال الحازمي: وهذا أولى مما سلكه ابن المنذر. وقال الشافعي: والفرعة شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بكر ناقته لا يغذوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفرعوا إن شئتم اذبحوا إن شئتم». وكانوا يسألونه عما يصنعونه في الجاهلية خوفاً أن يكره في الإسلام، فأعلمهم أنهم لا بركة لهم فيه وامرهم أن يغذوه ثم يحملون عليه في سبيل الله. قال البيهقي: أو يذبحونه ويطعمونه كما في حديث نبيشة.
قال الشافعي: وقوله الفرعة حق أي ليست بباطل ولكنه كلام عربي يخرج على جواب السائل. قال الشافعي: وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا فرع ولا عتير»، وليس باختلاف من الرواة إنما هو لا فرع ولا عتير واجبه. والحديث الآخر في الفرعة والعتيرة يدل على معنى هذا أنه أباح الذبح واختار له أن يعطيه أرملة أو يحمل عليه في سبيل الله. والعتيرة هي الرجبية وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يتبررون بها في رجب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عتيرة» على معنى لا عتيرة لازمة. وقوله حين سئل عن العتيرة: «اذبحوا لله في أي شهر ما كان وبروا لله وأطعموا» أي ذبحوا ان شئتم واجعلوا الذبح لله لا لغيره في أي شهر ما كان لا أنها في رجب دون ما سواه من الشهور -آخر كلامه-.
وقال أصحاب أحمد: لا يسن شيء من ذلك وهذه الأحاديث منسوخة. قال الشيخ ابن محمد: ودليل النسخ أمران؛ أحدهما: أن أبا هريره هو الذي روى الحديث لا فرع ولا عتير، وهو متفق عليه. أبو هريرة متأخر الإسلام أسلم في السنة السابعة من الهجرة. والثاني: أن الفرع والعتيره كان فعلهما أمرا متقدما على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. قال: ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر.
فإذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها ولا كراهتها. فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو الصدقة به أو إطعامه، لم يكن ذلك مكروهاً.
باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي. عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ذبح يذبحه إذا أهل ذي الحجه فلا ياخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي». واخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه. وفي لفظ لمسلم: «فلا يمس من شعره وبشره شيئاً». وفي لفظ لابن ماجه: «فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً».
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه، فقال الطائفة: لا يصح رفعه وإنما هو موقوف. قال الدارقطني في كتاب العلل: ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي، ويحيى القطان، وأبو ضمرة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد. ووقفه عقيل على سعيد قوله. ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قوله. ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أم سلمة قوله. ووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قوله. والمحفوظ عن مالك موقوف.
قال الدارقطني: والصحيح عندي قول من وقفه. ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه، منهم مسلم بن الحجاج رواه في صحيحه مرفوعاً، ومنهم أبو عيسى الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح. ومنهم ابن حبان خرجه في صحيحه، ومنهم أبو بكر البيهقي قال: هذا حديث قد ثبت مرفوعاً من أوجه لا يكون مثلها غلطاً وأودعه مسلم في كتابه وصححه غير هؤلاء وقد رفعه.
سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورفعه شعبة عن مالك عن النبي عن عم بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه، ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة، بل هو المعتاد من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا يؤمن أحدكم»، «لا يؤمن أحدكم»، «أيعجز أحدكم»، «أيعجز أحدكم»، «أيحب أحدكم إذا أتى أحدكم»، «إذا أتى أحدكم الغائط»، «إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه» ونحو ذلك.
وأما اختلافهم في متنه؛ فذهب إليه طائفة من التابعين ومن بعدهم؛ فذهب إليه سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن وإسحاق بن راهويه والإمام أحمد وغيرهم. وذهب آخرون إلى أن ذلك مكروه لا محرم، وحمل الحديث على الكراهة منهم مالك وطائفة من أصحاب أحمد منهم أبو يعلى وغيره. وذهبت طائفة إلى الإباحة وأنه غير مكروه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والذين لم يقولوا به منهم من أعلّه بالوقف وقد تقدم ضعف هذا التعليل، ومنهم من قال: هذا خلاف الحديث الثابت عن عائشة المتفق على صحته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث بهديه ويقيم حلالاً لا يحرم، لا يحرم عليه شيء. قال الشافعي: لا يحرم عليه شيء، لا يحرم عليه شيء.
قال الشافعي: فإن قال قائل: ما دل على أنه اختيار لا واجب؟ قيل له: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر -سبقت معنا في كتاب اختلاف الحديث المسائل- روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: أنا فتلت قلائد هدي النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعث بها مع أبي بكر، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحل الله له حتى نحر الهدي. قال الشافعي: وفي هذا دلالة على ما وصفت، وعلى أن المرء لا يحرم بالبعثة بهديه، يقول: البعثة بالهدي أكبر من إرادة الأضحية.
إذن لفظه سبحان الله بالضبط، يعني يقول: إذا كان من بعث الهدي عشان يذبح تمام لا يحرم عليه شيء ويبقى حلالاً، فما بالك بمن نوى أن يضحي يوم العيد؟ فكيف تقول إنه يحرم عليه أن يأخذ من شعره وهو لسه في ذي الحجة يعني قبل؟ فهمت؟ مرت معنا هذه المسألة.
ومنهم من رد هذا الحديث بخلافه للقياس؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس والطيب، فلا يحرم عليه حلق الشعر وتقليم الأظافر. وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه. وأما حديث عائشة فهو إنما يدل على أن من بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يقيم حلالاً ولا يكون محرماً بارسال الهدي، ورداً على من قال يكون بذلك محرماً من السلف؛ ولهذا روت عائشة -حت لكتاب الأم المجرد رقم 10 يا حبيبي- ولهذا روت عائشة لما حكي لها هذا، وحديث أم سلمة يدل على أن من أراد أن يضحي أمسك في العشر عن شعره وظفره خاصة، فأي منافاة بينهما؟
ولهذا أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين، هذا في موضعه وهذا في موضعه. وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين فقال: هذا له وجه وهذا له وجه. ولو قدر -بطريق الفرض- تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصاً وحديث عائشة عاماً، ويجب تنزيل العام على ما عدا دلالة الخاص توفيقاً بين الأدلة، ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروهاً.
وأيضاً فعائشة إنما تعلم ظاهراً ما يباشرها به أو يفعله ظاهراً من اللباس والطيب، وأما ما يفعله نادراً كقص الشعر وتقليم الظفر مما لا يفعل في الأيام العديدة إلا مرة فهي لم تخبر بوقوعه في عشر ذي الحجه منه صلى الله عليه وسلم، وإنما قالت: لم يحرم عليه شيء، وهذا غايته أن يكون شهادة على نفي فلا يعارض حديث أم سلمة، والظاهر أنها لم ترد بذلك بحديثها، وما كان كذلك فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل، وخبر أم سلمة نص.
وأيضاً فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته فيجب امتثاله، وعائشة تخبر عن نفي مستند إلى رؤيتها، وهي إنما رأت أنه لا يصير بذلك محرماً يحرم عليه ما يحرم على المحرم، ولم تخبر عن قوله إنه لا يحرم على أحدكم بذلك شيء، وهذا لا يعارض صريح لفظه. وأما رد الحديث بالقياس فلو لم يكن فيه إلا أنه قياس فاسد مصادم للنص لكفى في ذلك في رد القياس، ومعلوم أن رد القياس بصريح السنة أولى من رد السنة بالقياس، وبالله التوفيق.
كيف وإن تحريم النساء والطيب واللبس أمر يختص بالاحرام لا يتعلق بالأضحية، وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فـ -يرد على الشافعي يرد قوية إزاي؟ هو كده يرد على الشافعي، يعني الشافعي هو آخر واحد ذكره الشافعي، قول آه فهمت، يرد على الشافعي- وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فإنه من تمام التعبد بالأضحية، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر أول الباب وقوله: «خذ من شعرك وتحلق عانتك فتلك تمام ضحيتك عند الله»، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم توفير شعر الظفر في العشر لا أخذه مع الأضحية فيكون ذلك من تمامها عند الله، وقد شهد لذلك أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم شرع لهم إذا ذبحوا عن الغلام عقيقته أن يحلقوا رأسه، فدل على أن حلق رأسه مع الذبح أفضل وأولى، وبالله التوفيق.
باب ما يجوز من السن في الضحايا: وعن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ضحايا، فأعطاني عتوداً جذعاً فقال: «ضح به»، فضحيت به. في اسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، ورواه أحمد بن خالد الوهبي عن إسحاق عن ابن إسحاق وقال فيه: فقلت إنه جذع من المعز. وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا، فبقي عتود فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ضحي به أنت».
وقد وقع لنا حديث عقبة من هذا من رواية يحيى بن بكير عن الليث بن سعد وفيه: لا رخصة لأحد فيها بعدك. قال البيهقي: هذه الزيادة وإذا كانت محفوظة كانت رخصة له كما رخص لأبي بردة بن نيار، وعلى مثل هذا يحمل معنى حديث زيد بن خالد الجهني الذي أخرجه أبو داود ها هنا.
وقال غيره: حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة قوله: ولن تجزي عن أحد بعدك. وفيما قاله نظر؛ فإن في حديث عقبة أيضاً ولا رخصة لأحد فيها بعدك، وأيضاً فانه لا يعرف المتقدم منهما من المتاخر، وقد أشار البيهقي إلى أن الرخصة أيضاً لعقبة وزيد بن خالد كما كانت لأبي بردة. قال ابن القيم رحمه الله: وهذا لا يصح؛ فإن قوله: لأحد هؤلاء ولن تجزي عن أحد بعدك ولا رخصة فيها لأحد بعدك، ينفي تعدد الرخصة.
وقد كنا نستشكل هذه الأحاديث إلى أن يسر الله بأسفار صبحها وزوال أشكالها فله الحمد. فنقول: أما حديث أبي بردة بن النيار فلا ريب في صحته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في الجذعة من المعز: «ولا تجزي عن أحد بعدك»، وهذا قطعا ينفي أن تكون مجزئة عن أحد بعده. وأما حديث عقبة بن عامر فإن ما وقع فيه
الإشكال أنه جاء في بعض ألفاظه أنه بقيت له جذعة، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحايا، فذُكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ضحي به أنت». فظن من ظن أن العتود هو الجذاع من ولد المعز، فاستشكله. وقوى هذا الإشكال عنده رواية يحيى بن بكير عن الليث في هذا الحديث: ولا رخصة لها لأحد بعدك، ولكن العتود من ولد المعز ما قوي ورع واتى عليه حول، قاله الجوهري، وكذلك كلام غيره من أئمة اللغة قريب منه. قال بعضهم: ما بلغ الصفات، وقال بعضهم: ما قوي وشب. وعلى هذا فيكون هو الثني من المعز، فتجوز الضحية به، ومن رواه في جذع لم يقل فيه جذع من المعز، ولعله ظن أن العتود هو الجذع من الماعز فرواه كذلك، والمحفوظ فبقي عتود، وفي لفظ: فاصابني جذع، وليس في الصحيح إلا هاتان اللفظتان، وأما جذع من المعز فليس في حديث عقبة فلا إشكال فيه.
فإن قيل: فما وجه قوله: ولا رخصة فيها لأحد بعدك؟ قيل: هذه الزيادة غير محفوظة في حديثه، ولا ذكرها أحد من أصحاب الصحيحين، ولو كانت في الحديث ذكروها ولم يحذفوها فإنه لا يجوز اختصار مثلها، وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة. وأما حديث زيد بن خالد الجهني فهو والله أعلم حديث عقبة بن عامر الجهني بعينه، واشتبه على ابن إسحاق أو من حدثه به، وأن قصة العتود وقسمة الضحايا إنما كانت مع عقبة بن عامر الجهني، وهي التي رواها أصحاب الصحيح. ثم إن الإشكال في حديثه إنما جاء من قوله: فقلت إنه جذع من المعز، وهذه اللفظة إنما ذكرها عن ابن إسحاق أحمد بن خالد الوبي، وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنا مع رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له مجاشع من بني سليم فعزت الغنم، فأمر منادياً فنادى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني. وأخرجه ابن ماجه، عاصم بن كليب قال قال ابن المدني: لا يحتج بحديثه إذا انفرد. قال الإام أحمد: لا باس به. وقال أبو حاتم الرازي: صالح صالح، وأخرج له مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى ابن حزم من طريق سليمان بن يسار عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ضح بالجذع من الضأن والثنية من المعزة». وهذا مرسل.
باب ذبائح أهل الكتاب. وعن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتل الله، فانزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] إلى آخر الآية. وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب. ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله. قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث له علل: إحداها أن عطاء بن السائب اضطرب فيه فمرة وصله ومرة أرسله، الثانية أن عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره واختل، واختلف في الاحتجاج بحديثه، وإنما أخرجه البخاري مقروناً بأبي بشر، الثالثة فيه عمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه فانه يأتي بالمناكير، الرابعة أن سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلته إنما كان بعد مقدمه المدينة، وأما بمكة فإنما كان جداله مع المشركين عباد الأصنام.
باب ما جاء في ذكاة الجنين. عن أبي سعيد وهو الخدري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنين فقال: «كلوه إن شئتم». وقال مسدد قال: قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أأنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه». وأخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حسن. وفي اسناده مجالد بن سعيد الهمداني تكلم فيه غير واحد. وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه». فيه عبيد الله بن أبي زياد المكي القداح وفيه مقال، نعم القداح وفيه مقال. وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي الوداك عن أبي سعيد مرفوعاً: «ذكاة الجنين ذكاة أمه». وهذا إسناد حسن، ويونس إن كل ما فيه فقد احتج به مسلم في صحيحه.
قال ابن القيم رحمه الله: وحديث جابر قال ابن القطان: فيه عبيد الله بن أبي زياد القداح، وفيه عتاب بن بشير الحراني زعم أنه روى باخره أحاديث منكرة وأنه اختلط عليه العرض والسماع فتكلموا فيه، قال: وهذا من الوسواس ولا يضره ذلك، فإن كل واحد منهما تحمل وصحيح. وفي الباب حديث ابن عمر يرفعه: «ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر». ذكره الدارقطني، وله علتان: إحداهما أن صواب وقفه قاله الدارقطني، والثانية أنه من رواية عصام بن يوسف عن مبارك بن مجاهد، وضعف البخاري مبارك بن مجاهد، وقال أبو حاتم الرازي بحديثه بأس. قال المنذر قال الحقيقي: وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، والبراء بن عازب.
وقوله في بعض ألفاظه: فان ذكاته ذكاة أمه، مما يبطل تأويل من رواه بالنصب وقال: ذكاة الجنين ذكاة أمه. قال ابن القيم رحمه الله: وهذا باطل من وجوه؛ أحدها: أن سياق الحديث يبطله، فإنهم سألوه عن الجنين الذي يوجد في بطن الشاة ياكلونه أم يلقونه؟ فأفتاهم بأكله، ورفع عنهم ما توهموه من كونه ميتةً بأن ذكاة أمه ذكاة له لأنه جزء من أجزائها كيدها ورأسها، وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة، والحمل ما دام جنيناً فهو كالجزء منها لا يفرد بحكم، فإذا ذكيت الأمة أتت الذكاة على جميع أجزائها التي من جملتها الجنين، فهذا هو القياس الجلي لو لم يكن في المسألة نص. الثاني: أن السؤال لابد أن يقع عنه الجواب، والصحابة لم يسألوا عن كيفية ذكاته ليكون قوله ذكاته كذكاة أمه جواباً لهم، وإنما سألوه عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح فأفتاهم بأكله معللاً جريان ذكاة أمه عليه وأنه لا يحتاج إلى أن يفرد بالذكاة. الثالث: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق فهماً لمراده بكلامه، وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين وأنه لا يحتاج أن يفرد بذكاة بل يؤكل. قال عبد الله بن كعب بن مالك: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه. وهذا إشارة إلى جميعهم. قال ابن المنذر: كان الناس على إباحته لا نعلم أحداً منهم خالف ما قالوه إلى أن جاء النعمان فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين. الرابع: أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز، فذكاة الصيد الممتنع تجب بجرحه في أي موضع كان بخلاف المقدور عليه، وذكاة المتردية لا يمكن إلا بطعنها في أي شفت.
التعليق المهم هذا هم قالوا إن أبا حنيفة كان يروي هذا، طبعا النعمان هو أبو حنيفة قال: لا تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين، كان يرويها أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إراهيم النخعي قوله كما في الموطأ برواية الشيباني، ولعل إبراهيم قال ذلك في مسألة أخرى غير مسألة.
ذكاة الجنين؛ لأنه ثبت من طرق صحيحة عنه أنه قال: «الجنين ذكاته ذكاة أمه». ماشي.
ومعلوم أن الجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فيكون ذكاة أمه ذكاة له، وهو محض القياس.
الخامس: أن قوله: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» جملة خبرية، جعل الخبر فيها نفس المبتدأ، فهي كقولك: غذاء الجنين غذاء أمه، ولهذا جعلت الجمله اسم أن وخبرها في قوله: «فإن ذكاته ذكاة أمه» وإن، فإذا كان هكذا لم يجز في ذكاة أمه إلا الرفع، ولا يجوز نصبه لقاء المبتدأ بغير خبر، فيخرج الكلام عن الإفادة والتمام؛ إذ الخبر محل الفائدة وهو غير معلوم.
السادس: أنه إذا نصب ذكاة أمه، فلا بد وأن يجعل الأول في تقدير إذا نصب إذا نصب ذكاة أمه ذكاة أمه، فلا بد وأن يدع الأول في تقدير فعل لينتصب عنه المصدر، ويكون تقديره: يذك الجنين ذكاة أمه أو ذك الجنين ذكاة أمه. ونحن ولو أريد هذا المعنى لقيل: ذكوا الجنين ذكاة أمه أو لذك، كما يقال فهمين فاهمين الفهمين.
الفهم الأول إيه هو يا عصفور في فهمين عندنا هنا؟ قول يا فارس: ذكاة الجنين ذكاة أمه، أي في ذبح الأم ذكي الجنين لا يحتاج، أما ذكاة الجنين ذكاة.
الفهم الثاني: أنه لا يذكى مستقل عن الذكاة الأولى، أيوه يعني نفس ذكاة هذا نفعلها فيه، نعم ماشي، ولو أريد هذا المعنى لقيل: ذك الجنين ذكاة أمه أو يذكى، كما يقال: اضرب زيداً ضرب عمر أو يضرب ونحوه.
فأما أن يقال ضرب زيد ضرب ضرب زيد ضرب عمر فينصب الثاني على معنى اضرب زيداً ضرب عمر، وهذا لا يجوز وليس كلاماً عربياً، إلا إذا نصب الجزئان معه فنقول: ذكاة الجنين ذكاة أمه، وهذا مع أن مع أنه خلاف رواية الناس وأهل الحديث قاطبة، فهو أيضاً ممتنع؛ فإن المصدر لابد له من فعل يعمل فيه، فيقول التقدير: إلى ذكوا ذكاة الجنين ذكاة أمه، ويصير نظير قولك: ضرب زيد ضرب زيد ضرب عمر بنصبهما، أو ضرب زيد ضرب عمر بنصبهما، وتقديره: اضرب ضرب زيد ضرب عمر.
وهذا إنما يكون فيه المصدر بدلا من اللفظ بالفعل إذا كان منكراً، نحو: ضرباً زيداً أي اضرب زيداً، ولهذا كان قولك: ضرباً زيداً كلاماً تاماً، وقولك: ضرب زيد ليس بكلام تام؛ فإن الأول يتضمن اضرب زيداً بخلاف الثاني، فانه مفرد فقط فيعطي ذلك معنى الجملة.
فأما إذا أضفته وقلت: ضرب زيد، فإنه يصير مفرداً ولا يجوز، وتقديره باضرب زيداً.
ويدل على بطلانه الوجه السابع، وهو أن الجنين إنما يذكى مثل ذكاة أمه إذا خرج حيا، وحينئذ فلا يؤكل حتى يذكى ذكاة مستقيلة؛ لأنه حينئذ له حكم نفسه له حكم نفسه، وهم لم يسألوا عن هذا ولا أجيبوا به، فلا السؤال دل عليه ولا هو الجواب مطابق لسؤالهم؛ فإنهم قالوا: نذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أَنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه».
فهم إنما سألوا عن أكله أيحل لهم أم لا، فأفتاهم باكله وأزال عنهم ما علم أنه يقع في أنه يقع في أوهامهم من كونه ميتة بأنه ذكيذكاة الأم.
ومعلوم أن هذا الجواب والسؤال لا وأن معلوم أن هذا الجواب والسؤال هذا الجواب والسؤال لا ي لا يطابق لا يطابق ذكوا الجنين مثل ذكاة أمه، بل كان الجواب حينئذ لا تأكلوه إلا أن يخرج حياً فتذكونه ذكاة مثل ذكاة أمه، وهذا ضد مدلول الحديث والله أعلم.
وبهذا يعلم فساد ما سلكه أبو الفتح بن جني وغيره في إعراب هذا الحديث حيث قالوا: ذكاة أمه على تقدير على تقدير مضاف محذوف، أي ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه كثيراً، وهذا إنما يكون حيث لا لبس، وأما إذا أوقع في اللبس فانه يمتنع، وما تقدم كاف في فساده وبالله التوفيق.
باب العقيقة.
وعن الحسن عن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويدمى».
فكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به قال: «لا ويدمى»، يدمع مكتوب يدمع أعرفه يدمى، يعني أنت تخلي تعمل دم عليه ماشي.
قال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفاً واستقبلت به أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق.
قال أبو داود: وهذا وهم من همام يعني ابن يحيى، ويدمى، آه ويدم آه، ما قالوا ويسمى مش يدمى، يعني الرواة وأبو داود يعني ذكر أن هذا وهم من همام.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل غلام رهينه بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى».
قال أبو داود: ويسمى أصح، وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح، وقال غير واحد من الأئمة: حديث الحسن عن سمرة كتاب كتاب إلا حديث العقيقة، وتصحيح الترمذي له يدل على ذلك.
وقد حكى البخاري في في صحيحه ما يدل على سماع الحسن بن سمرة حديث العقيقة، قال ابن القيم رحمه الله: فإنه حكى أن محمد بن سيرين قال لحبيب بن الشهيد: اذهب إلى الحسن فسل ممن سمع حديث العقيقة؟ فذهب إليه فساله فقال: سمعته من سمرة. وهذا يرد على من قال إنه لم يسمع منه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «رهينة بعقيقته»، قال الإام احمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه، يعني إذا مات طفله.
وقال غيره: إنما معناه أنه مرهون بعقيقته أي بأذى شعره، والدليل عليه قوله: «فأُميط عنه الأذى»، وهو ما يعلق به من دم الرحم، قاله الخطابي.
ورهينته قيل: الهاء فيه للمبالغة، وإنما هو رهين بمعنى مرتهن. والصواب أنها التأنيث، فذهب به مذهب النفس النفس المؤنثة، فهو كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38].
قال آخرون: معناه أن العقيقة لازمة له لا ينفك منها، فشبهه في لزومها وعدم انفكاكها منها بالرهن في يده في يد المرتهن.
فقال بعض العلماء: وهذا يدل على أن من لم يعق عنه أبواه عق عن نفسه ليفك ما عليه من ذلك الارتهان، واحتج بذلك من يوجبها وهو الليث أهل الظاهر، ويرى عن عن الحسن ويروى عن الحسن، واحتج بحديث سلمان وسيأتي.
وقوله: ويدمى، اختلف في هذه اللفظة، فكان همام يقول: ويدمى. قال قال أحمد: قال فيه ابن أبي عروبة: ويسمى، وقال همام: ويدمى وما أراها إلا خطأ. تم كلامه.
وقال سلام بن أبي مطيع عن قتادة: ويسمى، ذكره أبو داود، وهو الذي صححه. وقال إياس بن دغفل عن الحسن: ويسمى.
واختلف في حكمها أيضاً فكان قتادة يستحب تدميته كما ذكر أبو داود، وهذا يدل على أن هماماً لم يهم في هذه اللفظة؛ فإنه رواها عن قتادة وهذا مذهبه، فهو والله أعلم بريء من عهدتها، وقد روي عن الحسن مثل؛ لأنه روي عن قتادة أن قتادة كان إذا سئل عندنا في بعد أبي داود داود هنا، كان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت به أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق فضل.
وإن كان طبعا أبو داود علق أن قال: خلف همام في هذا الكلام، وهو وهم من همام.
وكره آخرون التدمية، منهم أحمد ومالك والشافعي وابن المنذر، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال هذا -يعني التدمية- إلا الحسن وقتادة، وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه.
وقال مهنا بن يحيى الشامي: ذكرت لأبي عبد الله حديث يزيد بن عبد المزاني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعق عن الغلام ولا يمس راسه بدم». فلا
فقال أحمد: ما أظرفه! ما أظرفه! ورواه ابن ماجه في سننه ولم يقل عن أبيه. واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أميطوا عنه الأذى، والدم أذى، فكيف يؤمر أن يصاب بالاذى ويلطخ به؟». واحتجوا بأن الدم لا يشرع إصابة الصبي به كسائر النجاسات من البول وغيره.
واحتجوا أيضا من حديث بريدة الذي ذكره أبو داود في آخر الباب وسيأتي. واحتجوا بأن هذا كان من فعل الجاهلية، فلما جاء الإسلام أبطله كما قال بريدة، أو كما قاله له بريدة. وقوله: «يسمى» ظاهره أن التسمية تكون يوم سابعه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى ابنه إبراهيم ليلة ولادته.
وثبت عنه أنه سمى الغلام الذي جاء به أنس -أو الذي جاء به أنس- وقت ولادته فحنكه وسماه عبد الله. وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى المنذر بن أبي أسيد المنذر حين ولد. وقد روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق؛ وهذا حديث حسن غريب، والأحاديث التي ذكرناها أصح منها فإنها متفق عليها كلها.
لاحظ أن لما المجرد هو نفسه. قال: لم إذا لم يستطع أن يخلص كلام ابن القيم من كلام المنذري، فيضطر أن هو يجيب الآية يجيب كلام المنذري. يعني هو في الأصل إيه يا عبد الرحمن؟ هو في الأصل قال إن كلام المنذري موجود، اللي هو العشر مجلدات اللي احنا شفناهم دول، خلاص، وكلام ابن القيم لو هو جابه كله هيبقى كده كام؟ هيبقى أكبر بكثير، لأن ابن القيم جاب كلام المنذري وزود عليه، فهمنا كده؟
فهو اضطر يعمل إيه؟ قال لك: أنا عاوز يكون معاك الكتابين. فقال لك: أنا هاجرد كلام ابن القيم وأقول لك: خد ده خلاصة كلام ابن القيم. فلو أنت معاك مختصر المنذري يبقى كأن معاك الاثنين، تمام؟ ولكن هو في بعض المواضع يضطر يجيب كلام مين؟ المنذري. المنذري لما يشعر أن ابن القيم بنى عليه، فعشان هنا كده أبرزوه بلون أسود غامق.
شكل الكتاب المذكور خارج هي ثلاث مجلدات تعليقات. أيوه، بعدين المجلدات هي أكثر التعليقات اللي هتوسع فيها. أيوه، تكون المفروض 15، 16 مجلد. أي طبعا، ما هي كده أقل شيء تكون 15 مجلد. صان معاه شرح واللي وغير شرح ك... ما هو كلمة المختصر عنده مش معناها مختصر، إيه؟ أنا شفتكم...
آه، لا ما هو النسخة الثلاث مجلدات دي اختصار الأحاديث بس، أنت مش واخد بالك. كتاب أبو داود كتاب كبير، والثاني اختصار الأحاديث وشرحها. فهم جابوا بس النسخة اللي هو اختصرها بس من غير شرح، إنما هو في الأصل اختصر وشرح، فهمت؟ ماشي، تفضل.
والأحاديث التي ذكرناها أصح أصح منه، فإنه متفق عليها كلها، ولا تعارض بينها، فالأمران جائزان. وقوله: «ويحلق رأسه» وقد جاء قد جاء هذا أيضا بمسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن: «احلقي راسه وتصدقي بزينة شعره فضة على المساكين».
وروى سعيد بن منصور في سنن... أهل الصفة، يعني أهل الصفة. وروى سعيد بن منصور في سننه أن فاطمة عليها السلام كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقا. وعن سلمان بن عامر الضبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى». واخرجه البخاري موقوفا، وأخرجه مسندا تعليقا، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه ومسنده، وقال الترمذي: صحيح.
وعن الحسن -وهو البصري- أنه كان يقول: إماطة الأذى حلق الرأس. وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا. قال ابن القيم رحمه الله: احتج بهذا من يقول: الذكر والانثى في العقيقة سواء، لا يفضل أحدهما على الآخر، وأنها كبش كبش؛ كقول مالك وغيره.
بعد ما أنتم تمشوا بقى أنا هستفرد بالواد حمزة، امشوا أنت وخليه يكمل بقى معانا الشويه اللي باقيين، المجلد اللي باقي، امشوا براحتكم. أفضل.
واحتج الأكثرون بحديث أم كرز المتقدم. واحتجوا بحديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاه، رواه الترمذي وقال: حديث حسن وصحيح. رواه أحمد بهذا اللفظ، وله فيه لفظ آخر: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الجارية شاتا وعن الغلام شاتين، وهذا اللفظ لابن ماجه أيضا.
واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه أراه عن جده، وفيه: من ولد له فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاه، وسياتي وسياتي. قالوا: وأما قصة عقه عن الحسن والحسين فذلك يدل على الجواز، وما ذكرناه من الأحاديث صريح في الاستحباب.
وقال آخرون: مولد الحسن والحسين كان قبل قصة أم كرز، فإن الحسن ولد عام أحد والحسين في العام القابل، وأما حديث أم كرز فكان سماعها له من النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية ذكره النسائي، فهو متأخر عن قصة الحسن والحسين. قالوا: وأيضا فإنا قد رأينا الشريعة على أن الأنثى على النصف من الذكر فيها وشهادتها...
الان هو انتقل بقى لإيه؟ انتقل لهل الأنثى مثل الذكر في العقل ولا في ولا في خلاف. كما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكا له من النار، يجزى بكل عضو منه عضوا من النار -أو يجزى بكل عضو منه عضوا منه-. وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكا له من النار، يجزى بكل عضو منهما عضوا منه»، اللفظ للترمذي، فحكم العقيقه موافق لهذه الأحكام، كما أنه مقتضى النصوص، والله الموفق.
وعن عمرو بن شعيب -أبيه أراه عن جده- قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: «لا يحب الله العقوق»، كأنه كره الاسم، وقال: «ومن ولد له فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاه». وسئل عن الفرع فقال: «والفرع حق، أن تتركه حتى يكون بكرا شغزبا -ابن مخاض أو ابن لبون- فتعطيه أرملة أو تحمله عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلصق لحمه بوبره ويكفى إناء...».
يعني عايز يقول: بدل ما تستعجلوا تذبحوه، انتظروا هينتفع به أكثر، «ويكفى إناءك وتولد ناقتك». وأخرجه النسائي. آه، باقي بس صفحتين، نصلي إن شاء...
قال ابن القيم رحمه الله: وقال ابن عبد البر في حديث مالك عن زيد بن اسلم عن رجل من بني ضمره عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحقيقة فقال: «لا أحب العقوق»، وكانه كره الاسم. قال أبو عمر: ولا أعلم روي -ولا أعلم روي معنى الحديث- هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه ومن حديث عمرو بن شعيب.
وقد اختلف فيه على عمرو، أحسن أسانيده ما ذكره عبد الرزاق قال: حدثنا داود بن قيس قال: سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فذكره، وهذا سالم من العلتين: إن شك في جده، ومن ابن الواقد.
وقوله: شغزب، بالشين والغين والزاي المعجمات والباء الموحدة من تحت، أي: غليظة. ورواها أبو عبيد: زغزبا بالزي والخاء. قال بعضهم: وهو صواب، والرواية الأولى وهم. قال إبراهيم الحربي: والذي عندي أنه سخزبه، وهو الذي اشتد لحمه وغلظ. وأن بريدة وهو ابن الحصيب قال: كنا في الجاهلية... نعم، بريدة بن الحصيب.
آه، وعن بريدة ابن الحصيب قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح ذبح شاه.
ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإاسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. في إسناده علي بن حسين بن واقد، وفيه ما قال ابن القيم رحمه الله، ولكن قد رواه البزار في مسنده من حديث عائشة بمثله. وقالت: فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا مكانه الدم خلوقاً، أن يجعلوا مكان الدم خلوقاً.
هل معنى أنه روى بالزاي أن يكون معللاً؟ لأنه مس معلق، ممكن يعني ده الغالب. وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث هو يعني أكثر شيء يؤكد أنه معلول أن تلاقيه عنده وما تلاقوش عند غيره.
وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث إراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داوود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلوق بمنزلة الدم» يعني في العقيقة. وإراهيم وهذا قال عبد الحق: لا أعلم أحداً وثقه إلا أحمد بن حنبل، وأما الناس فضعفوه ماشي. والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق