الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المجلس الثاني عشر من كتاب تهذيب سنن أبي داود للإمام ابن القيم رحمه الله، في المجلد الأول، صفحة 433، باب قول الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
أفضل يا علوه.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجملين.
قال المحرر: باب قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قال عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الشيباني: وذكره عطاء، وذكره عطاء أبو الحسن السوائي، ولا أظنه إلا عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
قال: كان الرجل إذا مات، كان أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها، إن شاء بعضهم زوجها، أو زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد استشكل بعض المفسرين معنى وراثتهم النساء المنهي عنها، حتى قال المعنى: لا يحل لكم أن ترثوا نكاحهن لترثوا أموالهن كرهاً.
قال: وفي المراد بميراثهن وجهان:
أحدهما: ما يصل إلى الأزواج من أموالهن بالموت دون الحياة، على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث.
الثاني: الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها، وقد يسمى ما وصل في الحياة ميراثاً، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾، وهذا تكلف وخروج عن مقتضى الآية؛ بل الذي منعوا منه أن يجعلوا حق الزوجية حقاً موروثاً ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه، وهذه كانت شبهتهم أن حق الزوجية انتقل إليهم من مورثهم، فأبطل الله ذلك، وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث، بل يرثهم، أو من مورثهم؟ من مورثهم أحسن الله إليكم.
فأبطل الله ذلك، وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث، بل إذا مات الزوج كانت المرأة أحق بنفسها، ولم يرث بضعها أحد، وليس البضع كالمـال فينتقل بالميراث، فينتقل فينتقل بالميراث.
وقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يقدر فيه حرف جر، أي: في ذلك. والثاني: أن يضمن وعظ معنى منع وحذر ونحوه. واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يحل للرجل أن يمسك امرأته ولا أربعاً تموت فيرث مالها، وفيه نظر والله أعلم.
قال: باب في البكر يزوجها أبوها.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهه، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه أبو داود أيضاً مرسلاً، وقال: وكذا رواه الناس مرسلاً معروف.
وقال البيهقي: فهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني، والمحفوظ عن أيوب، عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسله. وقال أيضاً: وقد روى وقد روي من أوجه أخرى عن عكرمة موصولاً، وهو أيضاً خطأ، وذكره عن عطاء بن، عن عطاء، عن عطاء عن جابر، وقال: هذا وهم والصواب مرسل. وقال: وإن صح ذلك فكانه كان وضعها في وضعها في غير كفء، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا بيخالف مذهب أهل المدينة، كما رأينا في موطأ مالك أنهم كانوا يزوجونهن بغير، يعني بغير إرادتهن وبغير علمهم، فاهم.
قال ابن القيم رحمه الله: وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول، هذا حديث صحيح؛ لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وصله، وهم يقولون: زياده الثقة مقبولة، فما بالها تقبل في موضع بل في أكثر المواضع التي توافق مذهب المقلد، وترد في موضع يخالف مذهبه هو، في الواقع يعني كلام ابن القيم، القاعدة اللي ذكرها، يعني هي متخ، يعني منتقدة؛ يعني هو بيقول: لماذا أنتم تقبلونها في حال وتردونها في حال؟ تمام، هذا هو الطبيعي؛ لأن ليست كل زيادة من الثقة مقبولة، يردونها حيث، يعني تحتف القرائن بخطا الراوي، وأصلاً جرير بن حازم يخطئ في روايته عن أيوب، ومن جمله خطاه حديث اسمه: «درهم ربا أشد عند الله من ست وثلاثين زانية»، كان أخطأ فيه عن أيوب، فهو يخطئ عن أيوب، فلما يخالف، ويكون أصلاً يخطئ عن أيوب، ويرد العلماء زيادته في حديث مثل هذا.
فهم لم يخالفوا، يعني لم يخالفوا الأصل؛ يعني لو أن عالماً قبل الزياده في موضع وردها في موضع، لا يصح أن تنسبه للتناقض، إلا إذا كان نفس الزيادة نفس الطريقة، أردها مرة وقبلها مرة، أما إذا ترجح لديه أن الراوي أتقن فقبل، أو أن الراوي أخطئ فرد، يبقى خلاص ماشي.
قال: هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب زيد بن حبان؟ ذكره ابن ماجه في سننه، وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عطاء، عن عطاء، عن جابر أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها، فاتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما، رواه النسائي، ورواه أيضاً من حديث أبي حفص التنيسي، قال: سمعت الأوزاعي -عصفور هات كدة الرواية دي عصفور من كتاب أبي داود- قال: حدثني إبراهيم بن مرّة، عن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: زوج رجل ابنته وهي بكر، وساق الحديث.
وهذا الإرسال لا يدل على أن الموصول خطأ بمجرده، وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي إلى أنه أخطأ فيه على أيوب، فرواه النسائي أيضاً من حديث جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني وهي كارهة، فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها، ورجاله محتج بهم في الصحيح.
وقد تم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح البكر إلا بإذنها»، وهذا نهي صريح في المنع، فحمله على الاستحباب بعيد جداً.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه والبكر رضي الله عنهما: «والبكر يستأمرها أبوها»، رواه مسلم وسيأتي وسيأتي.
فهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين، أي: خبر محض، ويكون خبراً عن حكم الشرع لا خبراً عن الواقع، وهي طريقة المحققين، وقد توافق أمره صلى الله عليه وسلم -آه، يعني يقصد أن هذا خبر يراد به الإنشاء- فقد توافق أمره صلى الله عليه وسلم وخبره ونهيه على أن البكر لا تزوج إلا بإذن، لا أنت آخذ دي كلها لي أنا أكتب.
ومثل هذا يقرب من القطع، ويبعد كل البعد حمله على الاستحباب.
وروى النسائي من حديث عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنكح رجل من بني المنذر ابنته وهي كارهة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها. ورواى أيضاً من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشه رضي الله عنها، هو كأنه بيلمح هنا أن البيهقي ضعف الحديث لأنه مخالف لمذهبه، خد بالك.
أم رواية، آه، قولها كده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن جارية بكراً، يعني ده هو ده، يعني الإسناد ده، يعني عن عكرمة، ماشي.
خلاص، الحديث اللي هو عن كده.
طيب في، قال إيه بقى في الباب في الباب تحته: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد، ما علقش عليه بأي حاجة في تعليق.
أم قال أبو داود: لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه الناس.
تعليق على الحديث اللي تحت أيوه، قولي بقى الحديث اللي تحت كده: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة عن النبي، باينة زي الشمس زي الشمس أهي يا حاج، مش محتاج كلام، أول حاجة جرير يخطئ عن أيوب، وتاني حاجة أن حماد بن زيد خالفه عن أيوب، وحماد أوثق الرواة عن أيوب، فازاي بقى يقول هنا إن هو ازاي يقول إن هم ردوها بغير موجب؟
فهمت كده؟ يبقى احنا عندنا هنا أول حاجة أن جرير يخطئ عن أيوب، وتاني شيء أن خالفه حماد بن زيد.
قال: وروى أيضاً من حديث عبد الله بن بريدة، عن عائشة رضي الله عنها، أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة. قالت: أجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها. قالت: يا رسول الله، قد أجست ما صنع أبي ولكني أردت أن أعلم أللنساء من الأمر شيء!
وروى أيضاً عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: أنكح رجل من بني المنذر ابنة وهي كارهة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها. وحمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف مقتضاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن ذلك ولا استفصل، ولو كان الحكم يختلف بذلك لاستفصل وسأل عنه. والشافعي ينزل هذا منزلة العموم ويحتج به كثيراً.
وذكر أبو محمد بن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً زوج ابنة بكراً فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه. وذكر الدارقطني هذا الحديث في سننه وفي كتاب العلل، وعلله برواية من روى أن عمها زوجها بعد وفاة أبيها، وزوجها من عبيد الله بن عمر وهي بنت عثمان بن مظعون، وعمها قدامه فكرهته، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فتزوجها المغيرة بن شعبة. قال: وهذا أصح من قول من قال زوجها أبوها، والله أعلم.
قال: باب في الثيب. وعن خنساء بنت خذام الأنصرية أن أاباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فجاءت. وأكثر حاجة يعني تخليك أنت ذوي خبرة إن شاء الله في الباب ده؛ أنك لما تلاقي حديث زي ده، الحديث ده من أسر الأحاديث في إذن البكر صح ولا لا؟ لدرجة أن هو يرد النكاح؛ يعني أبوها زوجها وتم النكاح ولما لم يكن بغير إذنها رد، صح؟ في أسر من ذلك لا، وإسناد يكون في أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس، مش ممكن ما يرويهوش؟ مش ممكن فاهم كده؟ فلما تلاقي الحديث رواه أبو داود، صح أبو داود لأنه بيروي الأحاديث المشاهير، لكنه بعد ما رواه بين ليك أن حماد بن زيد خالف ورواه مرسلة، صح؟ يبقى كده خلاص احنا عرفنا الفكرة، عرفنا ليه العلماء ما روهوش، فهمت كده؟ ماشي، الله خيرا.
قال: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فرد نكاحها. وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه. قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف في خنساء هذه هل كانت بكرا أو ثيبا؟ فقال مالك: وهي ثيب. وكذلك ذكره البخاري في صحيحه من حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن، ومجمع بن يزيد بن جرير عن خنساء. وخالف مالكاً سفيان الثوري فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن يزيد عن خنساء قالت: انكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر، فشكوت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تنكحها وهي كارهة». رواه النسائي من حديث ابن المبارك عن سفيان. قال عبد الحق: روي أنها كانت بكرا، ووقع ذلك في كتاب أبي داود والنسائي، والصحيح أنها كانت ثيبا.
قال: باب في التزويج على العمل. عن سهل بن سعد السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل عندك شيء تصدقه إياه؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً». قال: لا أجد شيئاً. هو النبي جاري يعني آه، يعني مش مثلاً كان مجرد ما هو يقول كده خلاص، لا بيقوا له طيب يعني بيفهموا بيقول له طب أنت لما عندك إزار لو اديته لها هتبقى أنت قاعد إزاي؟ فهمت سبحان الله على البساطة دلوقتي سبحان الله!
ماشي، قال: فالتمس ولو خاتماً من حديد. فالتمس فلم يجد شيئاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سماها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد زوجتكها بما معك من القرآن». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وفي رواية: «ما تحفظ من القرآن؟» قال: سورة البقرة والتي تليها. قال: «قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك». وفي إسناده عسل بن سفيان، حتى إسناده في واحد اسمه عسل بس ضعيف يا خسارة! هو عسل بس ضعيف، زي كان في مرة أول مرة دخلت اختبار كان عندي شيخ المشايخ، كان في سورة الأعراف، يعني كان هو فسر السورة وعامل فيها اختبار، ففي واحد من الطلاب كان مولع قوي بأنه يسمي نفسه أبو فلان السني السلفي الأثري، فهمت كده؟ فكاتب اسمه على الورقة بتاعة الأجوبة، فالمهم الأخ اللي هو بينادي ورق الأجوبة فبينقل مثلاً حسين عبد الرازق مثلاً كذا، بيقول الرقم فلان كذا كذا اللي هو جايب كام في الامتحان، مش عارف أبو خديجة السني السلفي الأثري، استغرب الاسم يعني، فبص لقى جايب واحد من أو حاجة زي كده، قال له: أمال لو ما كنتش سني كنت ما كنتش أثري كنت عملت إيه؟! فده اسمه عسل بس ضعيف.
ماشي، قال: وفي رواية قال: وقد كان مكحول يقول ليس ذاك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أيضاً: ملكتك ها. وروي أيضاً: ملكتها بضم الميم وكسر اللام. قال أبو الحسن الدارقطني: رواية من روى ملكتها وهم، ورواية من قال زوجتكها الصواب وهم أكثر وأحفظ. بيفرق شيء يا شيخي ولا؟ آه بيفرق يعني عشان اللفظ ده بيتم به الزواج. لا، هو بس يعني في فرق بين أن هو يعني من الناحية الحديثية يقول إيه الأضبط، وبعدين يقول هل هما بمعنى واحد ولا لا؟ جزاكم الله خيرا.
قال ابن القيم رحمه الله: وادعى بعضهم أن هذا الحديث منسوخ بقوله «لا نكاح إلا بولي»، ولا يصح ذلك، فإن الموهوبه كانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جعلت أمرها إليه فزوجها بالولاية. وأما دعوى الخصوص في الحديث فإنها من وجه دون وجه؛ فالخصوص به صلى الله عليه وسلم نكاحه بالهبة لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50]، وأما تزويج المرأة على تعليم القرآن فكثير من أهل العلم يجيزه كالشافعي وأحمد وأصحابهما، وكثير يمنعه كأبي حنيفة ومالك. وفيه جواز نكاح المعدم الذي لا مال له، وفيه الرد على من قال بتقدير أقل الصداق؛ أما بخَمْسَة دراهم كقول ابن شبرمة، أو بعشرة كقول أبي حنيفة، أو بأربعين درهماً كقول النخعي، أو بخمسين كقول سعيد بن جبير، أو ثلاثة دراهم أو ربع دينار كقول مالك، وليس لشيء من هذه الأقوال حجة يجب المصير إليها، وليس بعضها
بأولى من بعض، وغاية ما ذكره المقدرون: قياس استباحة البضع على قطع يد السارق. وهذا القياس مع مخالفته النص فاسد، إذ ليس بين البابين علة مشتركة توجب إلحاق أحدهما بالآخر، وأين قطع يد السارق من باب الصداق؟ وهذا هو الوصف الطردي المحض الذي لا أثر له في تعلق الأحكام به.
وفيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وفي جواز كون الولي هو الخاطب، وترجم عليه البخاري في صحيحه كذلك وذكر الحديث. وفيه جواز سكوت العالم ومن سئل شيئاً لم يرد قضاءه ولا الجواب عنه، وذلك ألين في صرف السائل وأحمد من جبهه بالرد، وهو من مكارم الأخلاق. وفيه دليل على جواز أن تكون منافع الحر صداقاً وفيه نظر، والله أعلم.
قال: باب في من تزوج ولم يسم لها صداقاً حتى مات. عن عبد الله وهو ابن مسعود رضي الله عنه في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فقال: لها الصداق كاملاً وعليها العدة ولها الميراث. قال معقل بن سنان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي به في بِرْوع بنت واشق، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود أُتي في رجل بهذا الخبر، قال: فاختلفوا إليه شهراً أو قال مرات، قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقاً كصداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، فإن لها الميراث وعليها العدة، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان. فقام ناس من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان فقالوا: يا ابن مسعود، نحن نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها فينا في بِرْوع بنت واشق، وأن زوجها هلال بن مرة الأشجعي كما قضيت. قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحاً شديداً حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي رضي الله عنه في هذا الحديث: فإن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم وإن كثروا، ولا في القياس، فلا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظ بعد من وجه يثبت مثله، وهو مرة يقول عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجع ولا يسمي.
وذكر البيهقي أن عبد الرحمن بن مهدي -إام من أئمة أهل الحديث- قد رواه وذكر سنده أو قال: هذا إسناد صحيح، وقد سمى فيه معقل بن سنان وهو صحابي مشهور. ورواه يزيد بن هارون وهو أحد حفاظ الحديث مع عبد الرحمن بن مهدي وغيره بإسناد آخر صحيح وذكر سنده. وقال البيهقي أيضاً: وهذا الاختلاف في قصة بِرْوع بنت واشق عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوهن الحديث، فإن جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح، وفي بعضها ما دل على أن الجماعة من أشجع شهدوا بذلك، فكان بعض الروات سمى فيهم واحداً وبعضهم سمى آخر وبعضهم سمى اثنين وبعضهم أطلق ولم يسم، وبمثله لا يرد الحديث، ولولا ثقة من رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان لفرح عبد الله بن مسعود بروايته معنى، هذا آخر كلامه، وقد صحح الحديث الترمذي.
قال ابن القيم رحمه الله: وفيه أن الصواب في قول واحد ولا يكون القولان المتضادان صواباً معه، وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف وأكثر الخلف. وفيه أن الله تعالى هو الموفق للصواب الملهم له بتوفيقه وإعانته، وأن الخطأ من النفس والشيطان ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله، ولا حجة فيه للقدرية المجوسية؛ إذ إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محله ومصدره وهو النفس، وسببه وهو الشيطان وتلبيسه الحق بالباطل، بل فيه رد على القدرية الجبرية الذين يملون النفس والشيطان من الأفعال البتة ولا يرون للمكلف فعلاً اختيارياً يكون صواباً أو خطأً. والذي دل عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم، هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد، وإثبات فعل العبد الاختياري الذي هو نظام الأمر والنهي وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب، والله أعلم.
قال: باب في خطبة النكاح. وعن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِينَ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن. ومنهم من أخرجه عن أبي الأحوص وحده، وغيرهم من أخرجه عنهما.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى النسائي في سننه من حديث عمرو بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً كلم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد».
والأحاديث كلها متفقه على ونستعينه ونستغفره ونعوذ به بالنون، والشهادتان بالإفراد: وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لما كانت كلمة شهادة لا يتحمله أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال أُفْرِدت الشهادة بها، ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار تقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا نقول: اللهم أعنا وأعذنا واغفر لنا. قال ذلك في حديث ابن مسعود وليس فيه نحمده، وفي حديث ابن عباس نحمده بالنون، مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة. فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نسق واحد، وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلب لنفسه ولإخوانه، وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه، فهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله، بخلاف إخباره عن غيره فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه، والله أعلم.
قال: وعن أبي العياض عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد ذكر نحوه، وقال بعد قوله ورسوله: «أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصيهما فانه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً». وفي إسناد عمران بن دوار القطان وفيه مقال.
ابن القيم رحمه الله: وقد روى النسائي وغيره من حديث عدي بن حاتم قال: تشهد رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الخطيب أنت».
فإن صح حديث عمران بن دوار فلعله رواه بعضهم بالمعنى فظن أن اللفظين سواء ولم يبلغوا حديث بئس الخطيب أنت، وليس عمران بذلك الحافظ.
قال باب تزويج الصغار، عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا بنت سبع، قال سليمان وهو ابن حرب: أو ست ودخل بي وأنا بنت تسع، وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
قال ابن القيم رحمه الله: وروى النسائي من حديث هشام بن عروة عن أبيه عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها لسبع سنين ودخل عليها لتسع سنين، ثم روى من حديث الأعمش عن إراهيم وعن الأسود عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت تسع ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، ثم روى من حديث مطرف بن طريف عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قالت عائشة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسع سنين وصاحبته تسعاً.
وليس شيء من هذا بمختلف، فإن عقده صلى الله عليه وسلم عليها كان وقد استكملت ست سنين ودخلت في السابعة، وبناؤه بها كان لتسع سنين من مولدها، فعبر عن العقد بالتزويج وكان لست، وعبر عن البناء بالتزويج وكان لتسع، فالروايتان حق.
قال باب ما يقال للمتزوج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج قال: «بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير»، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
قال المنذري: رفأ من قولهم رفات الثوب ورفوته، فيكون دعاء له بالموافقة والملائمة، ويكون أيضاً معناه التسكين والطمأنينة من قولهم رفوت الرجل إذا سكنت ما به من روع.
قال ابن القيم رحمه الله: فعلى الأول أصله رفا بالهمز ثم خفف فقيل رفا، وعلى الثاني أصله بالواو فهو من المعتل.
قال الجوهري: رفوت الرجل سكنته من الرعب، قال أبو خراش الهذلي: رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم والمرافأة الاتفاق، ولما رأيت أبا رويم يرافيني ويكره أن يلامى، والرفاء الالتحام والاتفاق، ويقال رفيته ترفية.
إذا قلت للمتزوج: بالرفاء والبنين، قال ابن السكيت: وإن شئت كان معناه بالسكون والطمأنينة من رفوت الرجل إذا سكنته تم كلامه.
قال المنذري: وروي رفح بالحاء المهملة أبدل من الهمزة حاء، وقال بعضهم رقح بالققاف والترقيح إصلاح المعيشة.
وقد روي من حديث عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نقول بالرفاء والبنين وأمرنا أن نقول: «بارك الله لك وبارك عليك»، إلا أنه من رواية الحسن البصري عنه، والحسن البصري لم يسمع من عقيل بن أبي طالب، وروي أيضاً عن الحسن مرسلاً.
قال ابن القيم رحمه الله بعده: وقد رواه النسائي في سننه عن الحسن قال: تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة من بني جشم فقيل له بالرفاء والبنين فقال: قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله فيكم وبارك لكم».
قال باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى، عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار -قال ابن أبي السري: وهو محمد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل من الأنصار، ثم اتفقوا يقال له بصره-: تزوجت امرأة بكراً في سترها فدخلت عليها فاذا هي حبلى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك»، فاذا ولدت -قال الحسن وهو ابن علي: فاجلدها، وقال ابن أبي السري: فاجلدوها أو قال فحدوها-.
وذكر أن منهم من رواه مرسلاً.
قال الخطابي: هذا الحديث لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به وهو مرسل، ولا أعلم أحدا من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حر إذا كان من حرة، فكيف يستعبده؟!
ويشبه أن يكون معناه -إن ثبت الخبر- أنه أوصاه به خيراً أو أمره باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ، فيكون كالعبد له في الطاعة مكافأة له على إحسانه وجزاء لمعروفه.
وفي هذا حجة لمن رأى الحمل من الفجور يمنع عقد النكاح، وهو قول سفيان الثوري وأبي يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: النكاح جائز، وهو قول الشافعي، والوطء على مذهبه مكروه ولا عدة عليها في قول أبي يوسف وكذلك عند الشافعي.
ويشبه أن يكون إنما جعل لها صداق المثل دون المسمى لأن في هذا الحديث من رواية زيد بن نعيم عن ابن المسيب أنه فرق بينهما، ولو كان النكاح وقع صحيحاً لم يجب التفريق لأن حدوث الزنا بالمنكوحة لا يفسخ النكاح ولا يوجب للزوج الخيار، ويحتمل أن يكون الحديث -إن كان له أصل- منسوخاً.
قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث قد اضطرب في سنده وحكمه واسم الصحابي راويه؛ فقيل: بصره بالباء الموحدة والصاد المهمله. وقيل: نظره بالنون المفتوحة والضاد المعجمة. وقيل: نضله بالنون والضاد المعجمة واللام. وقيل: بسره بالباء الموحدة والسين المهملة. وقيل: نضرة بن كثم الخزاعي. وقيل: الأنصاري.
وذكر بعضهم أنه بصره بن أبي بصره الغفاري ووهم قائله، وقيل: بصره هذا مجهول.
وله علة عجيبة وهي أنه حديث يرويه ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار، وابن جريج لم يسمعه من صفوان إنما رواه عن إراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن صفوان، وإبرهيم هذا متروك الحديث تركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن المبارك وأبو حاتم وأبو زرعة الرازي، يعني دلسه ابن جريج رحمه الله يعني أخفى الراوي لأنه ضعيف متروك.
وسئل عنه مالك بن انس: أكان ثقة؟ قال: لا ولا في دينه.
وله علة أخرى وهي أن المعروف إنما يروى مرسلاً عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، كذا رواه قتادة ويزيد بن نعيم وعطاء الخرساني كلهم عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر عبد الحق هذين التعليلين ثم قال: والارسال هو الصحيح.
وقد اشتمل على أربعة أحكام: أحدها: وجوب الصداق عليه بما استحل من فرجها وهو ظاهر لأن الوطء فيه غايته أن يكون وطء شبهة إن لم يصح النكاح.
الثاني: بطلان نكاح الحامل من الزنا، وقد اختلف في نكاح الزانية فمذهب الإامم أحمد بن حنبل أنه لا يجوز تزوجها حتى تتوب وتنقضي عدتها، فمتى تزوجها قبل التوبة أو قبل انقضاء عدتها كان النكاح فاسداً ويفرق بينهما، وهل عدتها ثلاث حيض أو حيضة؟ على روايتين عنه، ومذهب الثلاثة أنه يجوز أن يتزوجها قبل توبتها والزنا لا
يمنع عندهم صحة العقد، كما لم يوجب فسخه طريانه. ثم اختلف هؤلاء في نكاحها في عدتها، فمنعه مالك احتراماً لماء الزوج وصيانة لاختلاط النسب الصليح بولد الزنا. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يجوز العقد عليها من غير انقضاء عدة. ثم اختلفا، فقال الشافعي: يجوز العقد عليها وإن كانت حاملاً، لأنه لا حرمة لهذا الحمل. وقال أبو يوسف وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه: لا يجوز العقد عليها حتى تضع الحمل، لئلا يكون الزوج قد سقى ماءه زرع غيره، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن توطأ المسبية الحامل حتى تضع، مع أن حملها مملوك له، فالحامل من الزنا أولى ألا توطأ حتى تضع. ولئن كان ماء الزاني وإن لم يكن له حرمة فماء الزوج محترم، فكيف يسوغ له أن يخلطه بماء الفجور؟ ولان النبي صلى الله عليه وسلم همّ بلعن الذي يريد أن يطأ أمته الحامل من غيره وكانت مسبية، مع انقطاع الولد عن أبيه وكونه مملوكاً له. وقال أبو حنيفة في الرواية الأخرى: يصح العقد عليها ولكن لا توطأ حتى تضع.
الثالث: وجوب الحد بالحبل، وهذا مذهب مالك وأحمد وفي إحدى الروايتين، وحجتهم قول عمر رضي الله عنه: والرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصناً إذا قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف. متفق عليه. ولئن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر، وعجز بصره هذا أمره بجلدها بمجرد الحمل من غير اعتبار بينة ولا إقرار، ونظير هذا حد الصحابة في الخمر بالرائحة والقيء.
الحكم الرابع: إرقاق ولد الزنا، وهو موضع الإشكال في حديث، وبعض الرواة لم يذكره في حديثك. كذلك رواه سعيد وغيره، وإنما قالوا ففرق بينهما وجعل لها الصداق وجلدها مائة. وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وإن ثبتت هذه اللفظة فقد قيل إن هذا لعله كان في أول الإسلام حين كان الرق يثبت على الحر المدين ثم نسخ، وقيل إن هذا مجاز.
قال: باب في حق الزوج على المرأة. عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يسجد له؟ فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحن نسجد لك؟ قال: «أرايت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟» قال: قلت لا. قال: «فلا تفعلوا، لو كنت آمراً أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعله لهن عليهن من حق». في إسناد شريك بن عبد الله القاضي، وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في المتابعات. قال ابن القيم رحمه الله: وقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم سلمة وأنس وابن عمر رضي الله عنهم، فهذه أحد عشر حديثاً. وحديث ابن أبي أوفى رواه أحمد في مسنده قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لساقفتهم وبطريقتهم فوددت في نفسي أن أفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تفعلوا، فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه».
ورواه ابن ماجه. وروى النسائي من حديث حفص بن ابن أخي أنس عن أنس رفعه: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها». ورواه أحمد وفيه زيادة: «والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه». وروى النسائي أيضاً من حديث أبي عتبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: سالت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: «زوجها». قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: «أمه». وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه». وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة». قال الترمذي: حسن غريب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته لفراشه فابت أن تجيئ فبات غضباناً عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح».
قال: باب ما يؤمر به من غض البصر. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تباشر المرأة لتنعتها لزوجها كأنما ينظر إليها». واخرجه البخاري والترمذي. قال ابن القيم رحمه الله: فيه أن الوصف يقوم مقام الرؤية، فتمسك به من أجاز بيع الغائب بالصفة والسلم في الحيوان.
قال: باب في وطء السبايا. وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة فرأى امرأة مجحاً فقال: «لعل صاحبها ألم بها؟» قالوا: نعم. فقال: «لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، وكيف يستخدمه وهو لا يحل له؟» وأخرجه مسلم بنحوه. قال ابن القيم رحمه الله: فيه قولان؛ أحدهما أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشرك فلا يحل له استلحاقه وتوريثه، وقد يكون إذا وطئها تنفش ما كان في الظاهر حمله وتعلق منه فيظنه عبده وهو ولده فيستخدمه استخدام العبد وينفيه عنه. وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري. قال ابن القيم رحمه الله: وهذا القول ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين إنكار الأمرين استخدامه واستلحاقه، وقد جاءه وقد جاء: كيف يستعبده ويورثه؟ ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جمع بين المتناقضين، وكذا إذا تفشى الذي هو حمل في الظاهر وعلقت منه لا يتصور فيه الاستلحاق والاستعباد. فالصواب القول الثاني، وهو أنه إذا وطئ حاملاً صار في الحمل جزء منه، فإن الوطء يزيد في تخليقه وهو قد علم أنه عبد له، فهو باق على أن يستعبده ويجعله كالمال الموروث عنه فيورثه، أن يجعله مالاً موروثاً عنه وقد سار فيه جزء من الأب.
قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره. وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى في قوله: «لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره». ومعلوم أن الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه ويتكون الزرع منه، وقد شبه وطأ الحامل بساق الزرع الماء، وقد جعل الله تبارك وتعالى محل الوطء حرثاً، وشبهنا النبي صلى الله عليه وسلم الحمل بالزرع ووطء الحامل بسقي الزرع. وهذا دليل ظاهر جداً على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تعلم براءة رحمها، أما بثلاث حيض أو بحيضة، والحيضة أقوى، لان الماء الذي من الزنا والحمل وإن لم يكن له حرمة فلماء الزوج حرمة، وهو لا يحل له أن ينفي عنه ما قد يكون من مائه.
ووطئه، وقد صار فيه جزء منه كما لا يحل لواطئ المسبية الحامل ذلك، ولا فرق بينهما. ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه: إنه إذا تزوج الأمة وأحبلها ثم ملكها حاملاً، أنه إن وطئها صارت أم ولد له تعتق بموته؛ لأن الولد قد يلحق من مائه الأول والثاني، والله أعلم.
قال: «باب في جامع النكاح». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعون من أتي امرأته في دبورها»، وأخرجه النسائي وابن ماجه. قال ابن القيم رحمه الله: هذا الذي أخرجه أبو داود في هذا الباب، وقد بقي في الباب أحاديث أخرجها النسائي ونحن نذكرها: الأول عن خزيمة بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهم». الثاني عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً سأله عن رجل يأتي امرأة في دبورها، قال: «تلك اللوطية الصغرى». رفعه همام عن قتادة عن عمرو، ووقفه سفيان عن حميد بن الأعرج عن عمرو عن عمر، وتابعه مطر الوراق عن عمرو بن شعيب موقوفاً. الثالث عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبر». هذا حديث اختلف فيه، رواه الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، فرواه وكيع عن الضحاك موقوفاً، ورواه أبو خالد عنه مرفوعاً، وصحح البستي رفعه، وأبو خالد هو الأحمر.
الرابع عن ابن الهادي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تأتوا النساء في أدبارهن». الخامس حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقد تقدم له عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في دبورها». السادس عن علي بن طلق قال: جاء رجل فقال يا رسول الله، أنا نكون في البادية فيكون من أحدنا الرويحة، فقال: «إن الله لا يستحيي من الحق، ولا تأتوا النساء في أعجازهن». السابع عن ابن عباس رضي الله عنه قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، قال: «وما الذي أهلكك؟» قال: حولت رحلي الليلة فلم يرد عليه شيئاً، فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة. قال أبو الحاكم: وتفسير الصحابي في حكم المرفوع. الثامن عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم».
قال: ثم ذكر أبو داود تفسير ابن عباس لقول الله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾. ثم قال ابن القيم: وهذا الذي فسر به ابن عباس فسر به ابن عمر، وإنما وهموا عليه لم يهم هو، فروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع: قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن، قال نافع: لقد كذبوا علي، ولكن ساخبرك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يوماً وأنا عنده حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، قال: يا نافع، هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ أنا كنا معشر قريش نجب النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار اردنا منهن مثل ما كنا نريد من نسائنا، فاذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فانزل الله عز وجل ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فهذا هو الثابت عن ابن عمر ولم يفهم عنه من نقل عنه غير ذلك، ويدل عليه أيضاً ما روى النسائي عن عبد الرحمن بن القاسم قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: أنا نشتري الجواري فنحمض لهن، قال: وما التحميض؟
قال: ناتيهن في أدبارهن، قال: أف، أويعمل هذا مسلم؟ فقال لي مالك: اشهد علي على ربيعة، لححدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال: لا باس به. فقد صح عن ابن عمر أنه فسر الآية بالاتيان في الفرج من ناحية الدبر، وهذا هو الذي رواه عنه نافع وأخطأ من أخطأ على نافع فتوهم أن الدبر محل للوطء لا طريق إلى وطء الفرج، فكذبهم نافع. وكذلك مسألة الجواري: إن كان قد حفظ عن ابن عمر أنه رخص في الأحماض لهن، فانما مراده أتيانهن من طريق الدبر، فانه قد صرح في الرواية الأخرى بالانكار على من وطئهن في الدبر وقال: أو يفعل هذا مسلم؟ فهذا يبين تصادق الروايات وتوافقها عنه.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه النسائي من حديث سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً أتي امرأته في دبرها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد من ذلك وجداً شديداً، فانزل الله عز وجل ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟ قيل: هذا غلط بلا شك، غلط فيه سليمان بن بلال أو ابن أبي أويس راويه عنه، وانقلبت عليه لفظة بلفظه فيه، وإنما هو: أتى امرأة من دبرها. ولعل هذه هي قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعينها لما حول رحله ووجد من ذلك وجداً شديداً فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هلكت، وقد تقدمت. أو يكون بعض الرواات ظن أن ذلك هو الوطء في الدبر فرواه بالمعنى الذي ظنه، مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمان في هذا فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً.
والذي يبين هذا ويزيده وضوحاً أن هذا الغلط قد عرض مثله لبعض الصحابة حين أتاه النبي صلى الله عليه وسلم بجواز الوطء في قبلها من دبرها حتى بين له ذلك بياناً شافياً. قال الشافعي: أخبرني عمي قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن عمرو بن فلان بن أحيحة قال الشافعي: أنا شككت عن خزيمة بن ثابت: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن أو إتيان الرجل امرأته في دبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلال»، فلما ولى الرجل دعاه، أو أمر به فدعي فقال: «كيف قلت؟ في أي الخصفتين، الخرزتين، الخصفتين، الثخبين؟ يعني أمن دبرها في قبلها فنعم، أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن». قال الشافعي: عمي ثقة، وعبد الله بن علي ثقة، وقد أخبرني محمد وهو عمه محمد بن علي عن الأنصاري المحدث به أنه أثنى عليه خيراً، وخزيمة ممن لا يشك عالم في ثقته، والأنصاري الذي أشار إليه هو عمرو بن أحيحة. فوقع الاشتباه في كون الدبر طريقاً إلى موضع الوطء أو هو مأتاه، واشتبه على من اشتبه عليه معنى من بمعنى في، فوقع الوهم.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه البيهقي عن الحاكم، قال: حدثنا الأصم، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: ليس فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياس أنه حلال، وقد غلط سفيان في حديث ابن الهادي -يريد حديثه عن عمارة بن خزيمة عن أبيه يرفعه: «أن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن»- ويريد بغلطه أن ابن الهادي قال فيه مرة: عن عبيد الله بن عبد الله بن حسين عن هرمي بن عبد الله الواقفي عن خزيمة، ثم اختلف فيه عن عبد الله عن عبيد الله فقيل عنه عن عبد الملك بن عمر بن قيس الخطمي عن هرمي عن خزيمة، وقيل عن عبد الله بن هرمي، فمداره على هرمي بن عبد الله عن خزيمة، وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة، وأهل العلم بالحديث يروونه خطأ. هذا كلام البيهقي.
قيل: هذه حكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي وجرت بينه وبين محمد بن الحسن، وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذبّ عن أهل المدينة على طريق الجدل، فأما هو فقد نص في كتابه عشرة النساء على تحريمه. هذا جواب البيهقي. والشافعي رحمه الله قد صرح في كتبه المصرية بالتحريم، واحتج بحديث خزيمة، ووثق رواته كما ذكرنا، وقال في الجديد: قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]، وبين أن موضع الحرث هو موضع الولد، والشافعي له كتاب جميل جداً اسمه أحكام القرآن خاص بأحكام النساء في القرآن، والمسألة دي بحثت فيه بحثاً طويلاً لمن يريد أن يتوسع في قول الشافعي، لأن الشافعي بالفعل في بعض المواضع نُسب إليه ذلك أنه يبيح ذلك، ولكن في هذا الكتاب حاولوا يجمعوا كل الروايات عن الشافعي اسمه أحكام القرآن مجلد واحد.
قال: وبين أن موضع الحرث هو موضع الولد، وأن الله تعالى أباح الاتيان فيه إلا في وقت المحيض، وأنى شئتم بمعنى من أين شئتم. قال: وإباحة الاتيان في موضع الحرث يشبه أن يكون تحريم إتيان غيره، فالاتيان في الدبور حتى يبلغ منه مبلغ الاتيان في القبل محرم بدلالة الكتاب ثم السنة، فذكر حديث عمه، ثم قال: ولست أرخص فيه بل أنهى عنه. فلعل الشافعي رحمه الله توقف فيه أولاً، ثم لما تبين له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه، وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها يذب بها عن أهل المدينة جدلاً، ثم يقول والقياس حله، ويقول ليس فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريم والتحليل حديث ثابت على طريق الجدل، بل إن كان ابن عبد الحكم حفظ ذلك عن الشافعي فهو مما قد رجع عنه لما تبين له صريح التحريم، والله أعلم.
باب إتيان الحائض ومباشرتها، وعن ميمونة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض أمرها أن تتزر ثم يباشرها، وأخرجه البخاري. قال ابن القيم رحمه الله: وقد تقدم في الصحيحين حديث عائشة رضي الله عنها: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب، وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض. قال الشافعي: قال بعض أهل العلم بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] يعني في موضع الحيض، وكانت الآية محتملة اعتزال جميع أبدانهن فدلت سنة رسول الله -دي طريقة الشافعي الجميلة بقى، طريقة الشافعي الجميلة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] فبيقول إن القرآن يذكر آيات كثيرة يكون فيها احتمالات متعددة للمعنى ودلالة اللفظ تحتملها جميعاً، فلا يفصل فيها إلا بيان النبي صلى الله عليه وسلم، لأن مثلاً: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، المحيض ممكن يكون في وقت المحيض، ممكن أن تعتزل كل شيء فيها، فلما جاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك وأنك تعتزل فقط الموضع، أه يبقى كده ده إيه؟ يبقى ده فصل في الاحتمالات، وهو بيعملها كتير- جزاكم الله خيراً يرد على الذين يكتفون بالقران.
قال: فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على اعتزال ما تحت الإزار منه وإباحة ما فوقه. وحديث أنس المتقدم ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة وهو النكاح وأباح كل ما دونه، وأحاديث الإزار لا تناقضه؛ لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى وهو أولى، وما حديث معاذ؟ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امراته وهي حائض فقال: «ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل»، ففيه بقية عن سعد عن سعد لغطش وهما ضعيفان. وقال عبد الحق: رواه أبو داود. ثم قال: ورواه أبو داود من طريق حرام بن حكيم وهو ضعيف عن عمه أنه سال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: «لك ما فوق الإزار». قال: ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره أبو بكر بن أبي شيبة وليس بقوي الحديث -مش أبو بكر أبو بكر بن أبي شيبة الإمام المعروف الحافظ، إنما يقصد الحديث-. جزاكم الله خيراً.
قال: باب كفارة من أتى حائضاً. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار، وأخرجه النسائي. وهذا الحديث قد اضطرب الرواة فيه اضطراباً كثيراً في إسناده وفي متنه، فروي تارة مرفوعاً وتارة موقوفاً، وتارة مرسلاً عن مقسم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة معضلاً عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة على الشك: دينار أو نصف دينار، وتارة على التفريق بين أول الدم وآخره.
وقال الإمام الشافعي: فإن أتى رجل امرأته حائضاً أو بعد تولية الدم ولم تغتسل فليستغفر الله ولا يعد، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتاً لأخذنا به ولكنه لا يثبت. هذا آخر كلامه. وقيل لشعبه: كنت ترفعه؟ قال: إني كنت مجنوناً فصححت، فرجع عن رفعه بعد ما كان يرفعه. قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث قد رواه عفان وجماعة عن شعبة موقوفاً، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي عنه موقوفاً. ثم قال: قيل لشعبه: انك كنت ترفعه؟ فذكر ما تقدم. وقال النسائي بعدما رواه عن شعبة موقوفاً: قال شعبة: أنا حفظي مرفوع، وقال فلان وفلان إنه كان لا يرفعه، فقال بعض القوم يا أبا بسطام حدثنا بحفظك ودعنا من فلان، فقال: والله ما أحب أني حدثت بهذا، وسكت عن هذا، واني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه.
وقد روى النسائي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصاب امرأته وهي حائض فأمره أن يعتق نسامة، وله علتان أشار إليهما النسائي: إحداهما أن هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن علي بن بذيمة عن ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختلف على الوليد فرواه عنه موسى بن أيوب وخالفه محمود بن خالد فرواه عن الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد السلمي -قال النسائي هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ضعيف- العلة الثانية: الوقف على ابن عباس ذكره النسائي. وقال عبد الحق:
حديث الكفارة في إتيان الحائض لا يروى بإسناد نحتج به، ولا يصح في إتيان الحائض إلا التحريم، والتحريم والاستغفار يقصد الكفارة لا تصح.
قال باب ما جاء في العزل: وعن رفاعة عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي جاريةً وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل موؤودة صغرى. قال: «كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه». اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه فقيل فيه عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله مختصراً صار بمعناه، وأخرجه الترمذي والنسائي من حديثه، وقيل فيه عن رفاعة كما ذكرناه، وقيل عن أبي مطيع عن رفاعة، وقيل فيه عن أبي رفاعة.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من رواية جذامة بنت وهب قالت: ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك الواد الخفي». قال بعضهم: جعل العزل عن المرأة بمنزلة الواد إلا أنه خفي؛ لأن من يعزل عن امراته إنما يعزل هرباً من الولد، ولذلك سماه الموؤودة الصغرى؛ لأن واد الأحياء هو الموؤودة الكبرى.
وقد اختلف السلف في العزل فاختاروا، جماعة منهم قال الشافعي رضي الله عنه: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أرخصوا في ذلك ولم يروا به بأسًا. قال البيهقي: قد روينا الرخصة فيه من الصحابة عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم. وذكر غيره أنه روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وخباب بن الأرت وجابر بن عبد الله، ومن التابعين سعيد بن المسيب وطاووس، ومالك والشافعي والكوفيون وجمهور العلماء، واحتجوا بالأحاديث التي جاءت في ذلك.
وكرهت طائفة العزل، روي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعن علي رواية أخرى، وعن ابن مسعود وابن عمر. وذكر بعضهم أن حجة القائلين بالكراهة حديث جذامة، وقال غيره: يشبه أن يكون حديث جذامة على طريق التنزيه، وضعف حديث جذامة وقال: كيف يصح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كذبهم في ذلك ثم يخبرهم به كخبرهم؟ وفيما قاله نظر، فإن الحديث في تكذيبه صلى الله عليه وسلم اليهود فيه اضطراب، وحديث جذامة في الصحيحين، ثم من أين يتحقق له تقديم أحد الحديثين على الآخر؟ ويمكن أن يجمع بينهما بأن اليهود كانت تقول: العزل لا يكون معه حمل أصلاً، فكذبهم صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم بعد تكذيبهم: «لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه».
قال ابن القيم رحمه الله: فاليهود ظنت أن العزل بمنزلة الواد في إعدام من عقد سبب خلقه، فكذبهم في ذلك وأخبر أنه لو أراد الله خلقه ما صرفه أحد، وأما تسميته وعداً خفيا فلأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هرباً من الولد وحرصاً على أن لا يكون، فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بواده، لكن ذلك واد ظاهر باشره العبد فعلاً وقصداً، وهذا واد خفي إنما أراده ونواه عزماً ونية فكان خفيا. وقد روى الشافعي تعليقاً عن سليمان التيمي عن أبي عمر الشيباني عن ابن مسعود في العزل قال: هو الواد الخفي.
وقد اختلف السلف والخلف في العزل، فقال الشافعي: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسًا. قال البيهقي: وروينا الرخصة فيه من الصحابة عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم، وذكر غيره أنه روي عن علي رضي الله عنه وخباب بن الأرت وجابر بن عبد الله. والمعروف عن علي وابن مسعود كراهته، قال البيهقي: ورويت عنهما الرخصة، ورويت الرخصة من التابعين عن سعيد بن المسيب وطاووس، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وألزمهم الشافعي المنع منه، فروى عن علي وعبد الله بن مسعود المنع منه، ثم قال: وليسوا يأخذون بهذا ولا يرون بالعزل بأسًا، ذكر ذلك فيما خالف فيه العراقيون علياً وعبد الله. وأما قول الإامم أحمد فيه فأكثر نصوصه أن له أن يعزل عن سريته، وأما زوجته فإن كانت حرة لم يعزل عنها إلا بإذنها وإن كانت أمة لم يعزل إلا بإذن. ورويت كراهة العزل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رويت عن أبي بكر الصديق وعن علي وابن مسعود في المشهور عنهما وعن ابن عمر. وقال طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم: يحرم كل عزل، وقال بعض اصحابه: يباح مطلقاً.
وقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم تفعل ذلك؟». فقال الرجل: أشفَقُ على ولدها -أو على أولادها-. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان ذلك ضاراً ضر فارس والروم».
وفي الصحيحين من حديث جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن. وفي صحيح مسلم في هذا الحديث: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: ذكر العزل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «وما ذاكم؟». قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع فيصيب منها ويكره أن تحمل منه، والرجل تكون له الأمة فيصيب منها ويكره أن تحمل منه. قال: «فلا عليكم أن تفعلوا ذلك، فإنما هو القدر». قال ابن عون: فحدثت به الحسن فقال: والله لكان هذا زجراً. وفي لفظ الصحيحين قال محمد بن سيرين: قوله لا عليكم أقرب إلى النهي، ووجه ذلك والله أعلم أنه إنما نفي الحرج عن عدم الفعل فقال: لا عليكم ألا تفعلوا يعني في ألا تفعلوا، وهو يدل بمفهومه على ثبوت الحرج في الفعل؛ فانه لو أراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، والحكم بزيادة لا خلاف الأصل، فلهذا فهم الحسن وابن سيرين من الحديث الزجْرَ والله أعلم.
وعن ابن محيريز قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة بني المصطلق فاصبنا سبايا من سبي العرب، فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا الفداء، فأردنا أن نعزل، ثم قلنا: نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأل عن ذلك؟ فسألناه عن ذلك فقال: «ما عليكم أن تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة». أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
قال ابن القيم رحمه الله: وفيه دليل على جواز استرقاق العرب ووطء سباياهم وإن كن كتابيات، وقد تقدم حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس وإباحة وطئهن وهن من العرب، وحديثه الآخر: «لا توطأ حامل حتى تضع». وكان أكثر سبايا الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من العرب، وكانوا يطؤونهن بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشترط في الوطء غير استبرائهن، لم يشترط إسلامهن. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من السبي نفلها إياه من العرب، وأخذ عمرو بن أمية من سبي بني حنيفة، وأخذ الصحابة من سبي المجوس ولم ينقل أنهم اجتنبوهن، قال ابن عبد البر.
إباحة وطء منسوخ بقوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، وهذا في غاية الضعف لأنه في النكاح. وسأل محمد بن الحكم أحمد عن ذلك فقال: لا أدري أكانوا أسلموا أم لا.
قال: باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون بينه وبينه أهله. عن أبي نضرة قال: حدثني شيخ من طفاوة قال: تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه، فبينا أنا عنده يوما وهو على سرير له مع كيس فيه حصى أو نواة، وأسفل منه جارية له سوداء وهو يسبح بها يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاها إليه فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه.
فقال: ألا أحدثك ألا أحدثك عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت بلى. قال: بينا أنا أوعك في المسجد إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد فقال: «من أحس الفتى الدوسي» ثلاث مرات. فقال رجل: يا رسول الله هو ذا يوعك في جانب المسجد. فأقبل يمشي حتى انتهى إليه فوضع يده علي فقال لي معروفا، فنهضت فانطلق يمشي حتى أتى مقامه الذي يصلي فيه، فأقبل عليهم ومعه صفان من رجال وصف من نساء -أو صفان من نساء وصف من رجال- فقال: «أني الشيطان شيئا من صلاتي فليسبح القوم وليصفق النساء». قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينس من صلاته شيئا فقال: «مجالسكم مجالسكم». زاد موسى وهو ابن إسماعيل ها هنا ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد». ثم التفت ثم أقبل على الرجال فقال: «هل منكم الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابى والقى عليه ستره واستتر بستر الله؟» قالوا: نعم. قال: «ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا؟» قال: فسكتوا. قال: فأقبل على النساء فقال: «هل منكن من تحدث؟» فسكتن فجثت فتاة على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليراها ويسمع كلامها فقالت: يا رسول الله إنهم ليتحدثون وانهن ليتحدثون. قال: «هل تدرون ما مثل ذلك؟ إنما مثل ذلك مثل شيطانه لقيت شيطانا في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه، ألا إن طيب الرجال ما ظهر ريحه ولم يظهر لونه، ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه».
قال أبو داود: ومنها هنا حفظت حفظته عن مؤمل وموسى: «ألا لا يفضين رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة إلا إلى ولد أو والد»، وذكر ثالثة فنسيتها. وأخرجه الترمذي والنسائي مختصرا بقصة الطيب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن إلا أن الطفاوي لا نعرفه إلا من هذا الحديث ولا يعرف اسمه. وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: والطفاوي مجهول، وهذا آخر كلامه. وذكر أبو موسى الأصبهاني أنه مرسل وفيما قاله نظر، وإنما هي رواية مجهول. وقد سمى الحاكم أبو عبد الله وغيره رواية المجهول المنقطعة فيحتمل أن يكون أبو موسى سلك طريقهم وخالفهم غيرهم في ذلك.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها». وسي gelecek في كتاب الأدب إن شاء الله.
قال ابن القيم رحمه الله: وقوله في الحديث: «وليصفق النساء» دليل على أن قوله في حديث سهل بن سعد المتفق عليه التصفيق للنساء أنه أذن وأباح لهن التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب لا أنه عيب وذنب. قال الشافعي: وحكم النساء التصفيق. وكذا قاله أحمد. وذهب مالك إلى أن المرأة لا تصفق وأنها تسبح، واحتج له الباجي وغيره بقوله صلى الله عليه وسلم: «من نابه شيء في صلاته فليسبح»، قالوا: وهذا عام في الرجال والنساء. قالوا: وقوله التصفيق للنساء هو على طريق الذم والعيب لهن كما يقال: كفران العشير من فعل النساء. وهذا باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن في نفس الحديث تقسيم التسبيح بين الرجال والنساء، إنما ساقه في معرض التقسيم وبيان اختصاص كل نوع بما يصلح له. فالمراه لما كان صوتها عورة منعت من التسبيح وجعل لها التصفيق، والرجل لما خالفها في ذلك شرع له التسبيح.
الثاني: أن في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»، فهذا التقسيم والتنويع صريح في أن حكم كل نوع ما خصه به، وخرجه مسلم بهذا اللفظ وقال في آخره: في الصلاة.
الثالث: أنه أمر به في قوله: «وليصفق النساء»، ولو كان قوله التصفيق للنساء على جهة الذم والعيب لم يأذن فيه. والله أعلم.
كتاب الطلاق. قال باب كراهية الطلاق: عن محارب وهو ابن دثار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق»، هذا مرسل. قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى الدارقطني من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق»، وفيه حميد بن مالك وهو ضعيف. وفي مسند البزار من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات».
قال باب في طلاق السنة: عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع قال: كيف ترى في رجل طلق امراته حائضا؟ قال: طلق عبد الله بن عمر امراته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امراته وهي حائض. قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئا، وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك. قال ابن عمر: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. وأخرجه النسائي.
وقال أبو داود: الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقال الإمام الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت في الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه. وقال أبو سليمان الخطابي: حديث يونس بن جبير أثبت من هذا. وقال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا. وقال أبو عمر النمري: ولم يقله عنه أحد غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجه فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لم ير شيئا باتا يحرم معه المراجعة ولا تحل له إلا بعد زوج، أو لم ير شيئا جائزا في السنة قاضيا في حكم الاختيار وإن كان لازما له على سبيل الكراهة. والله أعلم.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير هذا بحروفه، إلا أنه لم يقل ولم يرها شيئا، بل قال فردها وقال إذا طهرت إلى آخره. وقد دل حديث ابن عمر هذا على أمور؛ منها تحريم الطلاق في الحيض، ومنها أنه حجة لمن قال بوقوعه، قالوا: لأن الرجعة إنما تكون بعد الطلاق. ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا معنى لوقوع الطلاق والامر بالمراجعه، فانه لو لم يعد الطلاق لم يكن لامره بالرجعه معنى، بل امره بارتجاعها وهو ردها إلى حالها الأولى قبل تطليقه دليل على أن
الطلاق لم يقع. قال: وقد صرح بهذا في حديث أبي الزبير المذكور آنفاً. قال: قالوا: وأبو الزبير ثقة في نفسه، صدوق حافظ، إنما تكلم في بعض ما رواه عن جابر معنعناً ولم يصرح بسماعه منه، معنعناً لم يصرح بسماعه منه. وقد صرح في هذا الحديث بسماعه من ابن عمر، فلا وجه لرده.
قال: ولا يناقض حديثه ما تقدم من قول ابن عمر فيه، وقوله: أرأيت إن عجز واستحمق، وقوله: فحسبت من طلاقها؛ لأنه ليس في ذلك لفظ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: ولم يرها شيئاً، شيء مرفوع صريح في عدم الوقوع. قالوا: هذا مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن الطلاق لما كان منقسماً إلى حلال وحرام، كان قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتد به، كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام. ولا يرد على ذلك الظهار؛ فانه لا يكون قط إلا حراماً؛ لأنه منكر من القول وزور، فلو قيل لا يصح لم يكن للظهار حكم أصلاً.
قالوا: وكما أن قواعد الشريعة أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وليس معنى ما يستدل به على فساد العقد إلا النهي عنه. قالوا: ولأن هذا طلاق منع منه صاحب الشرع وحجر على العبد في إيقاعه، فكما أفاد منعه وحجره وعدم جواز الإيقاع أفاد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للحجر فائدة، وإنما فائدة الحجر عدم صحة ما حجر على المكلف فيه.
قالوا: ولأن الزوج لو أذن لرجل بطريق الوكالة أن يطلق امرأته طلاقاً معيناً، فطلق غير ما أذن له فيه، لم ينفذ لعدم أذنه. والله سبحانه إنما أذن للعبد في الطلاق المباح ولم يأذن في المحرم، فكيف تصححون ما لم يأذن به وتوقعونه وتجعلونه من صحيح أحكام الشرع؟
قالوا: ولونه لو كان الطلاق نافذاً في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيراً للطلاق البغيض إلى الله، وتقليلاً لما بقي من عدده الذي يتمكن من مراجعة ما، ومعلوماً أنه لا مصلحة في ذلك. قال: وإن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض -لو كان واقعاً- لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترك كل الخلاف.
ده في إيه بقى يا شباب؟ مين يقول لي: الطلاق في وقت الطلاق المحرم يقع؟ أيوه، يعني هو معروف أنه منهي عنه، لكن يقع ولا لا؟ يقع ماشي.
قال: فأما رجعة يعقبها طلاق فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول لو كان واقعاً. قالوا: وأيضاً فما حرمه الله سبحانه من عقود فهو مطلوب الإعدام بكل طريق، حتى يجعل وجوده كعدمه في حكم الشرع، ولهذا كان ممنوعاً من فعله باطلاً في حكم الشرع، والباطل شرعاً كالمعدوم. ومعلوم أن هذا هو مقصود الشارع مما حرمه ونهى عنه، فالحكم ببطلان ما حرمه ومنع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب، بخلاف ما إذا صح؛ فانه يثبت له حكم موجود.
قالوا: ولأنه إذا صحح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي وهو الصحة، وإنما يفترقان في موجب ذلك من الإثم والذنب، ومعلوم أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرم الممنوع منه البتة. قالوا: وأيضاً فإنما حرم لئلا ينفذ ولا يصح، فإذا نفذ وصح أو ترتب عليه حكم صحيح كان ذلك عائداً على مقتضى النهي بالابطال. قالوا أيضاً: فالشارع إنما حرمه ونهى عنه لأجل المفسدة.
يعني القصة كلها يا شباب في قاعدة مشهورة جداً: هل النهي يقتضي الفساد؟ يعني مثلاً الله سبحانه وتعالى نهى عن البيع والشراء يوم في ساعات صلاة الجمعة، طب افرض واحد باع واشترى، هل كده الصفقة تمت ولا تمت مع النهي والإثم ولا بطلت؟ فهمنا كده؟ فهو ده المعنى، فهل النهي عن الطلاق في هذا الوقت يجعل الطلاق باطلاً أم أن الطلاق يقع ولكن يأثم من فعل ذلك؟ اسمها قاعدة: هل النهي يقتضي الفساد؟ ماشي.
قالوا أيضاً: فالعقد الصحيح هو الذي يترتب عليه أثره ويحصل منه مقصوده، وهذا إنما يكون في العقود التي أذن فيها الشارع وجعلها أسباباً لترتب آثاره عليها، فما لم يأذن فيه ولم يشرع كيف يكون سبباً لترتب آثاره عليه ويجعل كالمشروع المأذون في ذلك؟
قالوا أيضاً: فالشارع إنما جعل المكلف مباشرة الأسباب فقط، وأما أحكامها المرتبة عليها فليس إلى المكلف.
أه، دي قاعدة جميلة جداً يا شباب: أن ترتب الآثار على الأسباب للشرع وليس للمكلف. إيه معناها دي؟ يعني المكلف عمل شيء، الشارع رتب عليه أثر، فما يجيش يقول: أنا عملت بس مش ناوي الأثر يترتب، لا فهمت كده؟ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66]. هم قالوا إيه؟ قالوا: لا، ده إحن كنا بنتسلى، قال لهم: لا، أنتوا عملتوا السبب، إذاً باشر العبد السبب ترتب الأثر وإن لم يرد. تمام، فهمت الفكرة؟
وإنما هو للشارع، فهو نصب الأسباب وجعلها مقتضيات لأحكامها. الحكم هو المقتضى، والسبب هو المقتضي، فهمت؟ يبقى أجعلها مقتضيات، يعني الأسباب مقتضيات، أما الأحكام فمقتضيات. وجعل السبب مقدوراً للعبد، فإذا باشره رتب عليه الشارع أحكامه. فإذا كان السبب محرماً كان ممنوعاً منه، ولم ينصبه الشارع مقتضياً لآثار السبب المأذون فيه. والحكم ليس إلى المكلف حتى يكون إيقاعه إليه، والسبب الذي إليه غير مأذون فيه، ولا نصبه الشارع لترتب الآثار عليه. فترتبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه، وهو قياس في غاية الفساد؛ إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسويه بينهما في الحكم، ولا يخفى فساده.
قالوا أيضاً: فصحة العقد هي عبارة عن ترتب أثره المقصود للمكلف عليه، وهذا الترتيب نعمة من الشارع نعم بها على العبد، وجعل له طريقاً إلى حصولها بمباشره الأسباب التي أذن له فيها.
هي في فكرة دقيقة شوية يا شباب في الأمر -غير اللي ذكرها ابن القيم عليه رحمه الله، الله أعلم سيذكرها أم لا- أن الطلاق ما حكمه؟ أن الطلاق يكون في طهر لم يجامع زوجته فيه. إيه الحكمة في كده يعني؟ طب ما هو ممكن في أي وقت يطلقها؛ لأن هي في وقت الحيض بيكون هو بعيد عنها، ففككرة أن هو يستغني عنها فكرة واردة، ولو كان في طهر جامعه في نفس الشيء، إنما في طهر لم يجامعها فيه ده يدل على أنه يعني فعلاً يريد أن يفارقها ليس لسبب آخر، فهمت كده؟ ففي حكمة، القصة ما هوش تعبد فقط، لا، هي في حكمة. تمام، فهو ابن القيم هنا بيتكلم عن أن القاعدة دي قاعدة اللي هي في فرق بين هل الحكم ترتب أم لا، وما الحكمة من ذلك؟ تمام، فهو بيتكلم: هل النهي هذا يقتضي فساد هذا الحكم؟ وهذا اللي عليه ابن تيمية رحمه الله، أن الطلاق في الحيض لا يقع، ولذلك هم بيعملوا بالفتوى دي لما بيتزنقوا، بيحبوا ابن تيمية بس في اليمين الطلاق، وفي الطلاق الثلاث، وفي الطلاق في الحاجات دي.
فإذا كان السبب محرماً منه كان مباشرته معصية، فكيف تكون المعصية سبباً لترتب النعمة التي قصد المكلف حصولها؟ وقد علل من أوقع الطلاق وأوجب الرجعة هذه العلة بعينها، وقالوا: أوجبنا عليه الرجعة معاملة له بنقيض قصده؛ فإنه ارتكب أمراً محرماً يقصد به الخلاص من الزوجه، فعومل بنقيض قصده، فأمر برجعتها. قالوا: فما جعلتموه أنتم علة لإيجاب الرجعة، فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قصده المكلف بارتكابه لما حرم الله. ولا ريب أن دفع وقوع الطلاق أسهل من رفعه بالرجعة، فإذا اقتضت هذه العله رفع اثر الطلاق بالرجعة فلأن تقتضي دفع وقوعه أولى وأحرى.
قالوا وأيضاً فلله تعالى في الطلاق المباح حكمان: أحدهما إباحته والإذن فيه، والثاني جعله سببا للتخلص من الزوجة. فإذا لم
يكن الطلاق مأذوناً فيه، وانتفى الحكم الأول وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني وقد ارتفع سببه؟ ومعلوم أن بقاء الحكم بدون سبب ممتنع، ولا تصح دعوى أن الطلاق المحرم سبب لما تقدم. قالوا أيضاً: فليس في لفظ الشارع يصح كذا ولا يصح، وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه، فما أطلقه أو أباحه فباشره المكلفون، يعني بيقول لهم هل بيقول لهم أنتم لما تقولوا إن النهي لا يقتضي الفساد؟ يعني أنتم بتقولوا مثلاً إن الله نهى عن الصورة دي بس يعني ممكن تكون صحيحة، أمّال إيه معنى إنها نهي؟ فقال لهم: لا، لازم يقول إن هو نهى عنه فإنه فاسد. قال له: فين هو الشريعة بتقول كده؟ هي الشريعة بتقول إن ده صح وده غلط، ولا بتقول إن ده حلال وده حرام؟ فهمت الفكرة دي ولا مش واخدين بالكم؟
هنا السارق خلاص هو امتلك فسرقته حرام، ولكن خلاص الكلام، أيوه فهمت، يعني عايز يقول هو إيه؟ يعني هل الشريعة بتقول إن ده هذا صح وهذا خطأ؟ لا، بتنهى عن هذا وتبيح هذا، فهو عايز يقول إن إيه؟ إن ما نهي عنه يقتضيه، يقتضي أنه فاسد، فاهم؟ فإيه معنى أنك تقول لي إن هو صحيح بس هياخد ذنب؟ ما هي نهيت عنه ليه؟ فهمت؟ ماشي. قال: بمعنى أنه وافق أمر الشارع فصح، وما لم يأذن فيه ولم يطلقه فباشره المكلف حكم بعدم صحته، بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحكمه، وليس معنى ما يستدل به على الصحه والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما، فإن حكمتم بالصحّة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته لم يبقَ طريق إلى معرفة الصحيح من الفاسد. صح؟ كان كلام جميل جداً.
إذ لم يأتِ من الشرع إلى مزة الكتب دي يا شباب، أن هي اللي بتُحيي ليك قواعد الأصول الجامدة؛ أنت لما تقرا في كتب الأصول بيديك القواعد بس تطبيقها فين بقى؟ نادرا ما يجيبوا لك مثال في كتب الأصول، فلذلك كتب شروح كتب تفسير القرآن وشروح الحديث من أحسن الكتب التي تطبق قواعد اللغة العربية وقواعد أصول الفقه وقواعد علوم الحديث، كل حاجة ماشي.
قال: فاذا جاوزتم ثبوت الصحة مع التحريم فبأي شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه؟ وقالوا أيضاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي لفظ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». يا ريت نحل المسألة دي يا شباب، اللي هو إيه مسألة هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ لان هو توسع فيها بصراحة، يعني المسألة المسائل اللي هم ذكروها في أن ابن القيم توسع فيها، توسع في مسائل أكثر بكثير من اللي ذكروها، يعني هم ذكروا في صفحة تسعة وعشرين أن هو توسع في مسائل.
قال: وربما أطال جداً في بعض المباحث، وهي التي وصفها في مقدمة كتابه بسط الكلام على مواضع جليلة على الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، يعني في كتاب سواه هو. هم ذكروا أشياء صح بس هو توسع في أكثر من كده بكتير بكتير، فاحنا يعني هنا مسألة النهي تقتضي الفساد، مسألة أن المرأة في دبرها، مسألة مسألة العزل، مسألة مسائل كثيرة، في سن عائشة في الزواج.
اتفضل.
قال: وأما المردود فهو الذي لم يجد ولم يجدي شيئاً ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً، قالوا: فالمطلق في الحيض قد طلق طلاقاً ليس عليه أمر الشارع فيكون مردوداً، فلو صح ولزم لكان مقبولاً منه وهو خلاف النص. قالوا: وأيضاً فالشارع أباح للمكلف من الطلاق قدرا معلوما في زمن مخصوص، ولم يملكه أن يتعدى القدر الذي حد له ولا الزمن الذي عين له، فإذا تعدى ما حد له من العدد كان لغواً باطلاً، فكذلك إذا تعدى ما حد له من الزمان يكون لغواً باطلاً، وإلا فكيف يكون عدوانه في الوقت صحيحاً معتبراً لازماً وعدوانه في العدد لغواً باطلاً؟
قالوا: وهذا كما أن الشارع حد عدداً من النساء معيناً في وقت معين، فلو تعدى ما حد له من العدد كان لغواً وباطلاً، وكذلك لو تعدى ما حد له من الوقت بأن ينكحها قبل انقضاء عدتها أو قبل انقضاء العدة مثلاً أو في وقت الإحرام فانه يكون لغواً وباطلاً، فقد شمل البطلان نوعي التعدي عدداً ووقتاً. كلام جميل جداً.
ماشي، قالوا أيضاً في الصحة، أما أن تفسر بموافقة أمر الشارع، وأما أن تفسر بترتب أثر الفعل عليه، فإن فسرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكناً، وإن فسرت والثاني وجب أيضاً أن يكون العقد المحرم صحيحاً، لأن ترتب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك، ومعلوم أنه لم يعتبر العقد المحرم ولم يجعله مثمراً لمقصده كما مر تقديره. قالوا وأيضاً فوصف العقد المحرم بالصحة مع كونه منشأ المفسدة مشتملاً على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده جمع بين النقيضين، فإن الصحة إنما تنشأ عن المصلحة، والعقد المحرم لا مصلحة فيه بل هو منشئ لمفسدة خالصة أو راجحة، فكيف تنشئ الصحة من شيء هو منشئ للمفسدة؟
قالوا أيضاً في وصف العقد المحرم بالصحة، أما أن يعلم من نص الشارع أو من قياسه أو من توارد عرفه في محال حكمه بالصحة أو من إجماع الأمة، ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محل النزاع، بل نصوص الشرع تقتضي رده وبطلانه كما تقدم، وكذلك قياس الشريعه كما ذكرنا، وكذلك استقراء موارد عرف الشرع في محال للحكم بالصحة إنما يقتضي البطلان في العقد المحرم لا الصحة، وكذلك الإجماع، فإن الأمة لم تجمع قط ولله الحمد على صحة شيء حرمه الله ورسوله، ولا في هذه المسألة ولا في غيرها، فالحكم بالصحة فيها إلى أي دليل يستند؟
قالوا: وما قول النبي صلى الله عليه وسلم مر فليراجعها، فهذا حجة لنا على عدم الوقوع، لانه لما طلقها والرجل من عادته إذا طلق امرأته أن يخرجها عنه أمرها بأن يراجعها ويمسكها، فإن في هذا أن هذا الطلاق الذي أوقعه ليس بمعتبر شرعاً، ولا تخرج المرأة عن الزوج بسببه، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم لبشير بن سعد في قصه نحله ابنه النعمان غلاماً: «رده»، ولا يدل أمره إياه برده على أن الولد قد ملك الغلام، وأن الرد إنما يكون بعد الملك، فكذلك أمره برد المرأة ورجعتها لا يدل على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق، بل لما ظن ابن عمر جواز هذا الطلاق فأقدم عليه قاصداً لوقوعه رد إليه النبي صلى الله عليه وسلم امرأته وأمره أن يردها.
رد شيء إلى ملك من أخرجه لا يستلزم خروجه من ملكه شرعاً، كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها ويقال للغاصب ردها إليه، ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها. ايش قلت له؟ ايش قلت له؟ الله يجزاك خير. كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها ويقال للغاصب ردها إليه، ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها، وكذلك إذا قيل رد على فلان ضالته، ولما باع علي أحد الغلامين الأخوين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «رده رده»، وهذا أمر بالرد حقيقة، قالوا فقد وفينا اللفظ حقيقته التي وضع لها.
قالوا أيضاً: فقد صرح ابن عمر رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها شيئاً، وتعلقكم على أبي الزبير مما لا متعلق فيه، فإن أبا الزبير إنما يخاف من تدليسه وقد صرح بالسماع كما تقدم، فدل على أن الأمر بمراجعتها لا يستلزم نفوذ الطلاق. قالوا: والذي يدل عليه أن ابن عمر قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض لا يعتد بذلك، ذكره الإشبيلي في الأحكام من طريق محمد بن عبد السلام الخشني قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق.
امرأته وهي حائض. قال ابن عمر: لا يعتد بذلك، وذكره ابن حزم في كتاب المحلى بإسناده من طريق الخشني، وهذا إسناد صحيح.
قال: وقد روى الدارقطني في سننه بإسناد ضعيف عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر رضي الله عنه عن رجل طلق امرأته ثلاثاً وهي حائض، فقال لي: أتعرف عبد الله بن عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم. قال: طلق امرأتي ثلاثاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. فقال الدارقطني: كلهم شيعة ولم يزد على هذا. ولكن هذا الحديث باطل قطعاً، ولا يحتج به، وإنما ذكرناه للتعريف بحاله، ولو كان إسناده ثقات لكان غلطاً، فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر أنه إنما طلق تطليقة واحدة، كما رواه مسلم في الصحيح من حديث يونس بن جبير.
ولكن لو حاكمنا المنازعين إلى ما يقرون به من أن رواية أهل البدع مقبول، فكم في الصحيح من رواية الشيعة والغلاة والقدرية والخوارج والمرجئة وغيرهم! لم يتمكنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواته شيعة، إذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب رد حديثهم.
وبعد؛ ففي معارضته بحديث يونس بن جبير أنه طلقها تطليقة كلام ليس هذا موضعه. فإن جعل الثلاث واحدة قال: هي ثلاث في اللفظ وهي واحدة في الحكم، على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس والله أعلم.
قالوا: وأما قولكم إن نافعاً أثبت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخص، فروايته أولى أن نأخذ بها؛ فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض. فكيف ولا تعارض بينهما؟ فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تحسب عليه، وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قط أن النبي صلى الله عليه وسلم حسبها عليه، بل مرة قال: فمه، أي فيما يكون، وهذا ليس بأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حسبها، ومره قال: أرأيت إن عجز واستحمق؟ وهذا رأي محض، ومعناه أنه ركب خطة عجز واستحمق، أي ركب أحموقة وجهالة فطلق في زمن لم يؤذن له في الطلاق فيه.
ومعلوم أنه لو كان عند ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم حسبها عليه لم يحتج إلى أن يقول للسائل: أرأيت إن عجز واستحمق؟ فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق، فإن من عجز واستحمق يرد إلى العلم والسنة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف يظن بابن عمر أنه يكتب نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاعتداد بتلك الطلقة، ثم يحتج بقوله: أرأيت إن عجز واستحمق؟
وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص، فقال السائل: أرأيت إن كان كذا وكذا؟ قال: اجعل أرأيت باليمين. ومرة قال: تحسب من طلاقها، وهذا قول نافع ليس قول ابن عمر كذلك، جاء مصرحاً به في هذا الحديث في الصحيحين، قال عبد الله لنافع: ما فعلت التطليقة؟ قال: واحدة أعتد بها، وفي بعض ألفاظه: فحسبت بتطليقة.
وفي لفظ البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما: فحسبت علي بتطليقة. ولكن هذا اللفظ انفرد به سعيد بن جبير عنه، وخالفه نافع وأنس بن سيرين ويونس بن جبير كسائر الرواة عن ابن عمر، فلم يذكروا فحسبت عليه. وانفراد ابن جبير بها كإنفراد أبي الزبير بقوله: ولم ييراها شيئاً. فإن تساقطت الروايتان لم يكن في سائر الألفاظ دليل على الوقوع، وإن رجح أحدهما على الأخرى فرواية أبي الزبير صريحة في الرفع، ورواية سعيد بن جبير غير صريحة في الرفع، فانه لم يذكر فاعل الحساب، فلعل أباه رضي الله عنه حسبها عليه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، وحسبها عليهم اجتهاداً منه ومصلحة رها للأمة لئلا يتتابعوا في الطلاق المحرم، فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه.
وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتسب عليهم به ثلاثاً في لفظ واحد، فلما رأى عمر الناس قد أكثروا منه رأى إلزامهم به والاحتساب عليهم به. قالوا: وبهذا تتألاف الأحاديث الواردة في هذا الباب، ويتبين وجهها، ويزول عنها التناقض والاضطراب، ويستغني عن تكلف التأويلات المستكرهة لها، ويتبين موافقتها لقواعد الشرع وأصوله.
قالوا: وهذا الظن بعمر رضي الله عنه أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب على ابنه بتطليقته التي طلقها في الحيض، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يراها شيئاً مثل كون الطلاق الثلاث على عهده كان واحداً، وإلزام عمر الناس بذلك كالزامهم به، وأداه اجتهاده رضي الله عنه إلى ذلك كان تخفيفاً ورفقاً بالأمة لقله إيقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه. فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه الزمهم بما التزموه.
وهذا كما أداه اجتهاد في الجلد في الخمر 80، وحلق الرأس فيه والنفي، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما جلد فيه 40 ولم يحرق فيه رأساً ولم يغرب، فلما رأى الناس قد أكثروا منه استهانوا بالأربعين ضاعف عليهم وحلق ونفى، ولهذا نظائر كثيرة ستذكر في موضع آخر إن شاء الله.
قالوا: وتوهم من توهم أنه إن خالفنا الإجماع في هذه المسألة غلط، فإن الخلاف فيها أشهر من أن يجهد وأظهر من أن يستر، وإذا كانت المساله من موارد النزاع فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع، ولو استوفينا الكلام في المسألة لاحتملت سفراً كبيراً، فلنقتصر على فوائد الحديث.
قال الموفق: وفيه دليل على أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي ورضا المرأة، لأن جعل ذلك إليه دون غيره، ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة. قال تعالى: ﴿وَبُعُولُتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]، فجعل الأزواج أحق بالرجعة من المرأة والولي.
واختلفوا في قوله: ﴿فَلْيُرَاجِعْهُنَّ﴾ [البقرة: 231]، الأمر بالرجعة للوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمد في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب. قال بعضهم: لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجباً فاستدامته كذلك.
وقال مالك في الأشهر عنه وداود وأحمد في الرواية الأخرى: الرجعة واجبه للأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرماً في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجباً، وبهذا يبطل قولهم: إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته، فإن الاستدامة ها هنا واجبة لأجل الوقت فإنه لا يجوز فيه الطلاق.
قال: ولأن الرجعة إمساك بدليل.
دليل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، فالإمساك ومراجعته في العدة، والتسريح؛ وتَرْكُها حتى تنقضي عِدَّتها. وإذا كانت الرجعة إمساكاً، فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض وتحريم طلاقها، فتكون واجبة.
ثم اختلف الموجبون للرجعة في علة ذلك: فقال طائفة: إنما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده في زمن الإباحة؛ وهو الطهر الذي لم يَمَسَّها فيه، فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم، والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم، فأمر برجعتها ليطلقها طلاقاً مباحاً يترتب عليه أحكام الطلاق. وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقه في زمن الحيض، فعاقبه بنقيض قصده وأمره بارتجاع عكس مقصوده. وقال طائفة: بل العلة في ذلك أن تحريم الطلاق في زمن الحيض معلل بتطويل العدة، فأمر برجعتها ليزول المعنى الذي حُرِّم الطلاق في الحيض لأجله.
وقال بعض الموجبين: إن أبى رجعتها أُجْبِرَ عليها، فإن امتنع ضُرِبَ وُحُبِسَ، فإن أصر حُكِمَ عليه برجعته وأُشْهِدَ أنه قد ردها عليه، فتكون امرأته يتوارثان ويلزمه جميع حقوقها حتى يفارقها فراقاً ثانياً. قاله أصبغ وغيره من المالكية. ثم اختلفوا؛ فقال مالك: يُجْبَرُ على الرجعة وإن طهرت ما دامت في العدة؛ لأنه وقت للرجعة. وقال أشهب: إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال وإن كانت في العدة؛ لأنه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه، فلا يجب عليه رجعتها فيه، فإذا وجبت الرجعة في هذا الوقت لحُرِّمَ الطلاق فيه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق». قال البيهقي: أكثر الروايات عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك. وإن كانت الرواية عن سالم ونافع وابن دينار في أمره بأن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر محفوظة، فقد قال الشافعي رحمه الله: يحتمل أن يكون إنما أراد ذلك الاستبراء؛ أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام، ليكون تطليقاً وهي تعلم عدتها أي عدة أم بالححيض أم بالحيض أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل ما صنع، أو يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إذا كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملاً آخر تكف عنه حاملاً آخر كلامه.
وأكثر الروايات في حديث ابن عمر مصرحة بأنه إنما أذن في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر، هكذا أخرجاه الصحيحان من رواية نافع عنه، ومن رواية ابن سالم عنه. وفي لفظ متفق عليه: «ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها». وفي لفظ آخر متفق عليه مره: «فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبله سوى حيضتها التي طلقها فيها».
ففي تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها برواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم، والذين زادوا فقد حفظوا ما لم يحفظ هؤلاء. ولو قُدِّرَ التعارض فالزائدون أكثر وأثبت في ابن عمر وأخص به، فرواياتهم أولى؛ لأن نافعاً مولاه أعم الناس بحديثه، وسالم ابنه كذلك، وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأوردهم عنه، فكيف يقدم اختصار أبي الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء؟
ومن العجيب تعليل حديث أبي الزبير في ردها عليه من غير احتساب الطلقة بمخالفة غيره له، ثم تقدم روايته التي سكت فيها عن تعدد الحيض والطهر على رواية نافع وابن دينار وسالم! فالصواب الذي لا شك فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة، ولذلك أخرجها أصحاب الصحيحين.
واختلف في جواز طلاقها في الطهر المتعقب للحيضة التي طلق فيها على قولين، وهما روايتان عن أحمد، ومالك، وأشهرهما عند أصحاب مالك المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة ثم تطهر كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. والثاني: يجوز طلاقها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى.
ووجهه: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فاذا طهرت زال موجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضاً في طلاقها فيه لو لم يتقدم طلاق في الحيض. ولان بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيحين في الصحيح: «ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، وفي لفظ: «ثم ليطلقها طاهرا من غير جماع في قبل عدتها»، وفي لفظ: «فإذا طهرت فليطلقها لطهرها»، وقال: «فراجعها ثم طلقها لطهرها». وفي الحديث يعني ابن عمر رضي الله عنه وقال: «إذا طهرت فليطلق أو ليمسك». وكل هذه الألفاظ في الصحيح.
وأما أصحاب القول الثاني فاحتجوا بما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بإمساكه حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وقد تقدم وقالوا: حكمة ذلك من وجوه.
أحدها: أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد رجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها ولم الشمل في النكاح وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكاً. فما رضي الشارع أن يمسكها في ذلك الطهر وأن يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، ثم تكون الرجعة للإمساك لا للطلاق. قال: وقد أكد الشارع في هذا المعنى حتى إنه أمر في بعض طرق هذا الحديث بأن يَمَسَّها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة، فإذا حاضت بعده وطهرت فإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فإنه قال مرة: «فليراجعها فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء». وذكره ابن عبد البر وقال: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء؛ لأنه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئها حُرِّم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر، فاعتبرنا مظنة الوطء ومحله ولم يجعله محلاً للطلاق.
قال الثاني: إن الطلاق حُرِّم في الحيض لتطويل العدة عليها، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة؛ فإن تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة، وإنما تستقبل العدة من الطهر الذي يليها أو من الحيضة الأخرى على اختلاف في الأقراء. فإذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت في معنى من طلقت ثم راجعها ولم يمسها حتى طلقها، فإنها تبني على عدتها في أحد القولين لأنها لم تنقطع بوطء. فالمعنى المقصود إعدام تطويل العدة الموجود بعينه هنا ولم يزل بطلاقها عقب الحيضة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع حكم الطلاق جملة بالوطء، فاعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء، فإذا وطئ حُرِّمَ طلاقها حتى تحيض ثم تطهر.
ومنها: أنه ربما كانت حاملاً وهو لا يشعر، فإن الحامل قد ترى الدم بلا ريب، وهل حكمه حكم الحيض أو دم فاسد؟ على خلاف فيه. فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام ثم حيض تام، فحينئذ يُعلَم هل هي حامل أو حائل؟ فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه، وربما تكف عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل، وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل. فأراد الشارع تحقيق علمهما بذلك نظراً للزوجين ومراعاة لمصلحتهما وحسماً لباب الندم، وهذا من أحسن محاسن الشريعة.
وقيل: الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاء له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم. ورُدَّ هذا بأن ابن عمر لم يكن يعلم التحريم وأجيب.
عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة. وكونه رضي الله عنه لم يكن عالماً بالتحريم يفيد نفي الإثم ولا لا عدم ترتب هذه المصلحة على الطلاق المحرم في نفسه. وقيل حكمته أن الطهر الذي بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة فهما كالقرء الواحد، فلو شرع الطلاق فيه لصار كما وضع طلقتين في قرء واحد، وليس هذا بطلاق السنة.
وقيل حكمته أنه انتهى من الطلاق في هذا التطويل مقامه معها ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها وذهاب ما في نفسه من الكراهة لها، فيكون ذلك حرصاً على ارتفاع البغيض إلى الله المحبوب إلى الشيطان وحضاً على بقاء النكاح ودوام المودة ورحمة والله أعلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم يطلقها طاهرا» في اللفظ الآخر: «فإذا طهرت فليطلقها إن شاء الله». هل المراد به انقطاع الدم أو التطهر والغسل وما يقوم مقامه من تيمم على قولين هما روايتان عن أحمد: أحدهما أنه انقطاع الدم وهو قول الشافعي، والثانية أنه الاغتسال. وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء: إما أن تغتسل، وإما أن تتيمم عند العجز وتصلي، وإما أن يخرج عنها وقت الصلاة، لأنه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها.
وسر المسألة أن الأحكام المترتبة على الحيض نوعان، منها ما يزول بنفس انقطاعه كصحة الغسل والصوم ووجوب الصلاة في ذمتها، ومنها ما لا يزول إلا بالغسل كحل الوطء وصحة الصلاة وجواز اللبث في المسجد وصحة الطواف وقراءة القرآن على أحد الأقوال. فهل يقال الطلاق من النوع الأول أو من الثاني؟
ولمن رجح إباحته قبل الغسل: أن الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنوب، يحرم عليها ما يحرم منه ويصح منها ما يصح منه، ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها. ولمن رجح الثانية يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجنوب لحل وطؤها، ويحتج بما رواه النسائي في سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها إن شاء يمسكها فليمسكها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». وهذا على شرط الصحيحين ومفسر القول: فإذا طهرت فيجب حمله عليه.
وتمام هذه المسألة أن العدة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة أم لا تنقطع إلا بالغسل؟ وفيه خلاف بين السلف والخلف يأتي موضع إن شاء الله.
وقوله: ثم ليطلقها طاهراً قبل أن يمس، دليل على أن طلاقها في الطهر الذي مس ممنوع وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه. فلو طلق فيه قالوا: لم يجب عليه الرجعة. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة. وليس هذا الإجماع ثابتاً، وإن كان قد حكاه صاحب المغني أيضاً، فإن أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق، وحكاه في الرعاية، وهو القياس؛ لأنه طلاق محرم فتجب الرجعة فيه كما تجب في الطلاق في زمن الحيض.
ولمن فرق بينهما يقول: زمن الطهر وقت للوطء وللطلاق، وزمن الحيض ليس وقتاً لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما، فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه. ولكن هذا الفرق ضعيف جداً، فإن زمن الطهر ما اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء ولا فرق بينهما. بل الفرق المؤثر بين الناس أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائض منتفٍ في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه، فإنها إنما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها؛ فإنه لا تحتسب ببقية الحيضة قرءاً اتفاقاً، فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل. وأما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءاً ولو كان لحظةً، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها، فإن من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عقيب طلاقها، ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر. وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر، فلا فائدة في الرجعة. فهذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين.
وبعد ففيه إشكال لا يتنبه له إلا من له خبرة بماخذ الشرع وأسراره وجمعه وفرقه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها وقال: «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». وهذا ظاهر في أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه، وإن دل على أنها بالأطهار. وأما طهر قد اصابها فيه فلم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم من العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها فينبغي أن تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما، وأخبر أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي من وقت الطهر الذي لم يمسها فيه. فمن أين لنا أن الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء؟ وهذا مذهب أبو عبيد وهو في الظهور والحجه كما ترى، وقال الإمام أحمد والشافعي.
ومالك وأصحابه: لو بقي من الطهر لحظة، حسبت لها قرءاً، وإن كان قد جامع فيه. وإذا قلنا الأقراء، إذا قلنا الأقراء: الأطهار. قال المنتصرون لهذا القول: إنما حرم الطلاق في زمن الحيض دافعاً لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءاً، فكان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها. وهذا ضعيف جداً؛ فإنها إذا طلقت فيه قبل المسيس احتسب به، وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة في زمن الحيض، كما لا تحتسب ببقية الحيضة، ولا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه.
قالوا: ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض، بل إنما حرم لكونها مرتابة، فلعلها قد حملت من ذلك الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل ويكثر الضرر. فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهر من غير جماع؛ لأنه قد تيقن عدم الريبة، وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملاً. قالوا: فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه. قالوا: وسر ذلك أن المرأة إذا كانت حاملة من هذا الوضع فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح، فلا ضرر عليه في طلاقها فيه.
ولمن نصر قول أبي عبد الله عبيد الله أن يقول: الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من أمره، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالأقراء، فأما إذا مسها في الطهر ثم طلقها، لم يدر أحياملاً أم حائلاً، ولم تدر المرأة أعدتها بالحمل أم بالأقراء، فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طلاقها وهي حائض، فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءاً، كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه. وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور، أما من لم يوقع الطلاق البدعي فلا يحتاج إلى شيء من هذا.
وقوله: ليطلقها طاهراً أو حاملاً، دليل على أن الحامل طلاقها سني. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة. قال الإمام أحمد: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه: ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً. وعن أحمد رواية أخرى أن طلاق الحامل ليس بسني ولا بدعي، وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد لا من جهة الوقت. لفظة الحمل في حديث ابن عمر انفرد بها مسلم وحده، وفي بعض طرق الحديث لم يذكرها البخاري، فلذلك لم يكن طلاقها سنياً ولا بدعياً؛ لأن الشارع لم يمنع منه.
فإن قيل: إذا لم يكن سنياً، كان طلاقها بدعياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أباح طلاقها في طهر لم يمسها فيه، فاذا مسها في الطهر وحملت واستمر حملها، استمر المنع من الطلاق، فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل؟ فإذا لم يثبت هذه اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزة. فالجواب: أن المعنى الذي لاجله حرم الطلاق بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل؛ لأن المطلقة عند ظهور الحمل قد دخلت على بصيرة، فلا يخاف ظهور أمر يتجدد بعد ندم، وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها، بخلاف طلاقها مع الشك في حملها والله أعلم.
وقوله: طاهراً أو حاملاً، واحتج به من قال: الحامل لا تحيض؛ لأنه حرم الطلاق في زمن الحيض وأباحه في وقت الطهر والحمل، فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملاً إذا رأت الدم، وهو خلاف الحديث. ولاصحاب القول الآخر نجيب عن ذلك بأن حيض الحامل إما لم يكن له تأثير في العدة بحال، لا في تطويلها ولا تخفيفها إذ عدتها بوضع الحمل، فأباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقا، وغير الحامل لم يبح طلاقها إلا إذا لم تكن حائضاً؛ لأن الحائض يؤثر في العدة؛ لأن عدتها بالأقراء، فالحديث دل على أن المرأة لها حالتان: إحداهما أن تكون حائلاً فلا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه، والثانية أن تكون حاملاً فيجوز طلاقها. والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق إنما هو بسبب الحمل وعدمه، لا بسبب حيض ولا طهر، ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس دون الحائل، وهذا جواب سديد والله أعلم، وقد أفردت لمسألة الحامل هل تحيض أم لا مصنفاً مفرداً.
وقد احتج بالحديث من يرى من أهل السنة أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء، فيطلق لكل قرء طلقه، وهذا قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين، وعن أحمد رواية كقولهم، قالوا: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بإمساكها في الطهر المتعقب للحيض؛ لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل، والسنة أن يفصل بين المطلقة والطلقة قرء كامل، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت، طلقها طلقة ثانية لحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل. قالوا: فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الأول والثاني.
قالوا: وفي بعض حديث ابن عمر: السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء. وروى النسائي في سننه عن ابن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة. هذا الاستدلال ضعيف؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بإمساكه في الطهر الثاني ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء، ولا في الحديث ما يدل على ذلك، وإنما أمر بطلاقها طاهراً قبل أن يمس، وقد ذكرنا حكمة إمساكها في الطهر الأول.
وأما قوله: والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء، فهو حديث قد تكلم الناس فيه، وأنكروه على عطاء الخرساني؛ لأنه انفرد بهذا اللفظ دون سائر الرواة. وقال البيهقي: وأما الحديث الذي رواه عطاء الخرساني عن ابن عمر في هذه القصة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء، فانه أتى في هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها وهو ضعيف، والحديث لا يقبل منه ما ينفرد به.
وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف عليه، فهو حديث يرويه أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، واختلف على أبي إسحاق فيه؛ فقال الأعمش عنه كما تقدم، وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه: طلاق السنة يطلقها طاهراً من غير جماع، ولعل هذا حديثان. والذي يدل عليه أن الأعمش قال: سألت إبراهيم فقال لي مثل ذلك. وبالجمله فهذا غاية أن يكون قول ابن مسعود، وقد خالفه علي وغيره، وقد روي عن ابن مسعود روايتان: أحدهما التفريق، والثانية إفراد الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها، قال: طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن شاء، ذكره ابن عبد البر عنه. ولأن هذا إردَاف طلاق لطلاق من غير حاجة إليه، وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة، والشارع لا غرض له في ذلك ولا مصلحة للمطلق، فكان بدعياً والله أعلم.
وقوله: فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار، وقالوا: واللام بمعنى الوقت كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، وقول العرب: كتب لثلاث مضين ولثلاث بقين، وفي الحديث: «فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت». قالوا: فهذه اللامقتية بمعنى في. واجاب الآخرون عن هذا بأن اللام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هي اللام المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: أن تطلق لها النساء، ولا يصح أن تكون وقتية، ولا ذكر أحد من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى في أصلاً، ولا يصح أن تكون هنا بمعنى في، ولو صح في غير هذا الموضع؛ لأن الطلاق لا يكون في نفس العدة، ولا تكون عدة الطلاق ظرفاً له قط، وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص والمعنى: طلقوهن مستقبلات.
عدتهن، ويفسر هذا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: فطلقوهن في قبل عدتهن؛ أي في وقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدة. وعلى هذا، فإذا طلقها في طهرها، استقبلت العدة من الحيضة التي تليها، فقد طلقها في قبول عدتها. بخلاف ما إذا طلقها حائضاً فإنها لا تعتد بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقها حائضاً طلاقاً في قبول عدتها. وقد أفردت لهذه المسألة مصنفا مستقلاً ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم وترجيح القول الراجح والجواب عما احتج به أصحاب القول الآخر.
لاحظ هو استمر من صفحة 483 لصفحة 518 وهو شايف إن كده هو لم يوفيها حقها، وبيشرح حديث واحد فقط، الحديث سطر بالضبط، سطر من 483 لـ 518، وهو بيقول يعني أنا إيه ما طولتش، إنه في مسألة بس في الآخر يقول: فهذه كلمات نبهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر، لا تستطلها، فإنها مشتملة على فوائد جمة وقواعد مهمة ومباحث، من قصد الظفر بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه، من غير ميل مع ذي مذهبه ولا خدمة لإمامه ولا أصحابه، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تابع للدليل.
حلو الموضع ده، جميل قوي الموضع ده يعني نحطه ضمن إن هو لما بيطول في مسألة فيقول لك ما إيه ما تطولش، هو بيحس إن أنت كده الولد علي بيحس إن الولد علي دماغه صفرت، فيقول له علي ما إيه ما تقعدش تضايق، فيحمد ربنا إن لقيت حد يقول لك الكلام ده.
وقوله: مرة فليراجع، دليل على أن الأمر بالشيء أمر به. وقد اختلف الناس في ذلك، وفصل النزاع: إن المأمور الأول إن كان مبلغاً محضاً، كأمر النبي صلى الله عليه وسلم آحاد الصحابه أن يأمر الغائب عنه بأمره، فهذا أمر به من جهة الشارع قطعاً ولا يقبل ذلك نزاعاً أصلاً. ومنه قوله: مرة فلتصبر ولتحتسب، وقوله: مرة بصلاة كذا في حين كذا ونظائره، فهذا الثاني مأمور به من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا عصاه المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمأمور الأول مبلغ محض. وإن كان الأمر متوجهاً إلى المأمور الأول توجه التكليف والثاني غير مكلف، لم يكن أمراً للثاني من جهة الشارع، كقوله صلى الله عليه وسلم: مروا بالصلاه لسبع، فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمرهم الصبيان بالصلاه.
فهذا فصل الخطاب في هذا الباب، والله أعلم. فهذه كلمات نبهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر، ولا تستطلها، فإنها مشتمله على فوائد جمة وقواعد مهمة ومباحث من قصد الظفر بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه من غير ميل مع ذي مذهبه، ولا خدمة لإمامه ولا أصحابه، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تابع للدليل، حريص على الظفر بالسنة والسبيل، يدور مع الحق أنى توجهت ركائبه، ويستقر معه حيث استقرت مضاربه. ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته، وتطلعت نوازع قلبه، واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة والورود من عين اليقين، وهذه شغل ابن القيم بقا، فلا الارتضاع من ثدي الرسالة، فهمت يعني إيه، فاهم دي طريقة كده جميلة رحمه الله.
آمين، والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة والآراء المتناقضة إلى فضاء العلم الموروث عمن لا ينطق عن الهوى، ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى، وبيداء اليقين التي من حلها حشر في زمره العلماء، وعد من ورثة الأنبياء، وما هي إلا أوقات محدودة وأنفاس على العبد معدودة، فلينفقها فيما شاء. أنت القتيل بكل من أحببته، أنت القتيل بكل من أحببته، فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي. الله على الكلام الجميل، نقف هنا، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق