الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس الثالث عشر من قراءتنا لكتاب تهذيب سنن أبي داود لابن القيم عليه رحمة الله. وصلنا إلى صفحة 518، ونحن في المجلد الأول، باب في نسخ المراجعة. أفضل يا علوي.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المحرر رحمه الله: باب في نسخ المراجعة. قال: ذكر أبو داود حديثين، فقال ابن القيم رحمه الله: لم يذكر أبو داود في النسخ غير هذين، وفيه حديث أصح وأصرح منهما؛ منها حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها، ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها، وقال: والله لا أؤويك إلي ولا تحلين أبدا، فانزل الله عز وجل: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ؛ من كان منهم طلق أو لم يطلق. ورواه الترمذي متصلا عن عائشة رضي الله عنها، ثم قال: والمرسل أصح.
وفيه حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» وهو في الصحيحين، وهو صريح في تحريمها عليه بعد الطلقة الثالثة.
قال: باب في سنة طلاق العبد. أن أبا الحسن مولى بني نوفل أخبره، أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكه فطلقها تطليقتين، ثم عُتق بعد ذلك؛ هل يصح له أن يختطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: قال ابن عباس: بقيت لك واحدة، قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. واخرجه النسائي وابن ماجه. قال الخطابي: لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء فيما أعلم، وفي إسناده مقال.
وقد ذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق، أن ابن المبارك قال لمعمر: من أبو الحسن هذا؟ قال: لقد تحمل صخرة عظيمة. قال الشيخ: يريد بذلك إنكار ما جاء به للحديث. هذا آخر كلامه. وأبو الحسن هذا قد ذكر بخير وصلاح، وقد وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، غير أن الراوي عنه عمر بن معتب قد، غير أن الراوي عنه عمر بن معتب. وقد قال علي بن المديني: عمر بن معتب منكر الحديث. وسئل أيضا عنه فقال: مجهول، لم يرو عنه غير يحيى يعني ابن أبي كثير. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: عمر بن معتب ليس بالقوي. وقال الأمير أبو نصر بن ماكولا: منكر الحديث. هذا آخر كلامه.
قال ابن القيم رحمه الله: وليس في المسألة إجماع، فإن إحدى الروايتين عن الإامم أحمد القول بهذا الحديث، وقال: ولا أرى شيئا يدفعه، وغير واحد يقول به؛ أبو سلمة وجابر وسعيد بن المسيب، وهذا كلامه. وقال مرة: حديث عثمان وزيد في تحريمهما، في تحريمها عليه جيد. وحديث ابن عباس يرويه عمر بن معتب ولا أعرفه.
ثم ذكر كلام ابن المبارك قال: أحمد، أما أبو حسن فهو عندي معروف، ولكن لا أعرف عمر بن معتب. وقال الإمام أحمد في رواية ابن منصور في عبد تحته مملوكة وطلقها تطليقتين ثم عتق، يتزوجها وتكون على واحدة على حديث عمر بن معتب. وقال في رواية أبي طالب في هذه المسألة: يتزوجها ولا يبالي عتق أو بعد العتق أو بعد العدة، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سلمة وقتادة.
قال أبو بكر بن عبد العزيز: إن صح الحديث فالعمل عليه، وإن لم يصح فالعمل على حديث عثمان وزيد. قال: وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه، هو ما رواه الأثرم في سننه عن سليمان بن يسار أن نفي، عن مكاتب أم سلمة طلق امرأته حرة، تطليقتين، فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك، فقال: حُرمت عليك.
وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان». وفي رواية: وعدتها حيضتان. وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال أبو داود: هو حديث مجهول. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه.
وقد ذكر له أبو أحمد بن عدي حديثا آخر، رواه عن ابن، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران في كل ليلة. قلت: ومظاهر هذا مخزومي مكي، ضعفه أبو عاصم النبيل، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء مع أنه لا يعرف، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال الخطابي: والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت، ولكن أهل الحديث ضعفوه، ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبدا. وقال البيهقي: ولو كان ثابتا قلنا به، ألا نثبت حديثا يرويه من نجهل عدالته؟ هذا آخر كلامه.
قال ابن القيم رحمه الله: وللحديث بعد علة عجيبة ذكرها البخاري في التاريخ الكبير، قال: مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان. قال أبو عاصم: حدثنا ابن جريج عن مظاهر ثم لقيت مظاهرا فحدثنا به، وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا. وقال يحيى بن سليمان بن سليمان حدثنا ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، أنه كان جالسا عند أبيه، فأتاه رسول الأمير فقال: إن الأمير يقول لك: كم عدة الأمة؟ قال: عدة الأمة حيضتان، وطلاق الحر الأمة ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدة الحرة ثلاث حيض. ثم قال للرسول: أين تذهب؟ قال: أمرني أن أسال، أمرني أن أسال قاسم بن محمد وسالم بن عبد الله. قال: فأقسم عليك ألا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان. فذهب ورجع إلى أبي فأخبره أنهما قالا كما قال، وقالا له: قل إن هذا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولكن عمل به المسلمون.
وذكر الدارقطني حديث مظاهر هذا ثم قال: وصحيح عن القاسم خلافه هذا. وذكر عن القاسم أنه قيل له: بلغك في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا. وذكره الدارقطني أيضا من حديث ابن عمر مرفوعا وقال: تفرد به عمر بن شبيب، والصحيح أنه من قول ابن عمر.
قال: باب في الطلاق على غُلق. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طلاق ولا عتاق في غلاق». قال أبو داود: الغلاق -أظنه- في الغضب. وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناد محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي وهو ضعيف، والمحفوظ فيه إغلاق، وفسروه بالإكراه لأن المكره يغلق عليه أمره وتصرفه، وقيل: كان يغلق عليه الباب ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق، وقيل: الإغلاق هاهنا الغضب كما ذكره أبو داود، وقيل: معناه النهي عن إيقاع الطلاق الثلاث كله في دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء، ولكن ليطلق للسنة كما أمر.
قال ابن القيم رحمه الله: قال شيخنا: والإغلاق انسداد باب العلم والقصد عليه، فيدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمكره والغضبان، والغضبان الذي لا يعقل ما يقول، لأن كل من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به، والله أعلم.
قال: باب في الطلاق على الهزل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة». وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. هذا آخر كلامه. وقال أبو بكر المعافري: روي والعتق، ولم يصح شيء منه.
والعتق ولم يصح شيء منه، فإن كان أراد ليس منه شيء على شرط الصحيح فلا كلام، وإن أراد أنه ضعيف ففيه نظر؛ فانه حسن كما قال الترمذي. قال ابن القيم رحمه الله: وقد احتج به من يرى طلاق المكره لازما فلازمه. قال؛ لأنه أكثر ما فيه أنه لم يقصده، والقصد لا يعتبر في الصريح بدليل وقوعه من الهازل واللاعب. وهذا قياس فاسد؛ فإن المكره غير قاصد للقول ولا لموجبه، وإنما حمل عليه وأكره على التكلم به ولم يكره على القصد. وأما الهازل فإنه تكلم باللفظ اختيارا وقصد به غير الفكرة التي احنا قلناها أن هو قصد السبب ولم يقصد الأثر، والشريعة ترتب إذا قصد السبب خلاص.
قال: وهذا ليس إليه بل إلى الشارع، فهو أراد اللفظ الذي إليه وأراد أن لا يكون موجب موجبه، وليس إليه؛ فإن من باشر سبب الحكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه وإن لم يرده. وأما المكره فانه لم يرد لا هذا ولا هذا، فقياسه على الهازل غير صحيح.
قال باب نسخ المراجعة بعد تطليقاته الثلاث. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: طلق عبد يزيد أبو ركانه وأخوته أم ركانه ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية حمية، فدعا بركانه وأخوته ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد: طلقها. ففعل، ثم قال: راجع امرأتك أم ركانه وأخوته. فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله. قال: قد علمت، راجعها. وتلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانه عن أبيه عن جده أن ركانه طلق امرأته فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم أصح؛ لأنهم ولد الرجل وأهله أعلم به؛ إن ركانه إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة وكانت طلقها.
قال وقال الخطابي في إسناد هذا الحديث مقال؛ لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع ولم يسمه، والمجهول لا تقوم به الحجة. وحكى أيضا أن الإامم أحمد بن حنبل كان يضعف طرق هذا الحديث كلها. قال ابن القيم: والحديث الذي رجحه أبو داود هو حديث نافع بن عجير أن ركانه بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة. فقال ركانه: والله ما أردت إلا واحدة. فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلقها الثانية في زمن عمر والثالثة في زمن عثمان.
قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج، يعني الحديث الذي قبل هذا تم كلامه. وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد والناس؛ فانه من رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانه، ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانه عن أبيه عن جده، وكلهم ضعيف والزبير أضعفهم. وضعف البخاري أيضا هذا الحديث، قال: علي بن يزيد بن ركانه عن أبيه لم يصح حديثه.
وأما قول أبي داود إنه أصح حديث من حديث ابن جريج، فلأن ابن جريج رواه عن بعض بني رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمه عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله بن رافع، ولا نعلم هل هو هذا أو غيره، فلهذا والله أعلم رجح أبو داود حديث نافع بن عجير.
ولكن قد رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن إسحاق قال: حدثني داوود بن الحسين عن عكرمه عن ابن عباس، وهذا أصح من حديث نافع بن عجير ومن حديث ابن جريج. وقد صحح الإمام أحمد هذا السند في قصة رد زينب ابنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بن الربيع وقال: صحيح حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها على أبي العاص بالنكاح الأول، وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية ابن إسحاق عن داوود بن الحسين عن عكرمه عن ابن عباس.
وهكذا ذكر الترمذي والدارقطني أن رواية ابن إسحاق هي في الصواب، وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رده عليه بنكاح جديد، وحجاج بن أرطاة أعرف من نافع بن عجير ومن معه. وبالجمله فابو داوود لم يتعرض لحديث محمد بن إسحاق ولا ذكره والله أعلم.
وعن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم، وأخرجه مسلم والنسائي.
قال ابن قيم رحمه الله: قال البيهقي: هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم؛ فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس رضي الله عنهما وساق الروايات عنه ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمه وعمر بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير، ورويناه عن معاويه بن أبي عياش الأنصاري، كلهم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه أجاز الثلاث وأمضاهن. قال ابن المنذر: فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يفتي بخلافه.
وقال الشافعي: فإن كان معنا قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحتسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس قد علم إن كان شيء فنسخ. قال البيهقي: ورواية عكرمه عن ابن عباس رضي الله عنهما فيها تأكيد لصحة هذا التأويل، يريد البيهقي الحديث الذي ذكره أبو داود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم.
وقال أبو العباس ابن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من طلاق الثلاث، وهو أن يفرق بين اللفظ، كان يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق. وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر والناس على صدقهم وسلمتهم، لم يكن ظهر فيهم الخب والخداع، فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التوكيد ولا يريدون الثلاث. ولما رأى عمر رضي الله عنه في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت، منع من حمل اللفظ على التكرار فألزمهم الثلاث.
وقال بعضهم: إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها، وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس رضي الله عنه وراوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها بالواحدة تبين، فاذا قال أنت طالق بانت، وقوله ثلاثا وقع بعد البينونه فلا يعتد به، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه.
وقال بعضهم: قد ثبت عن فاطمه بنت قيس أن أبا حفص بن المغيره طلقها ثلاثا فأبانها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، رأيت لو طلقتها ثلاثة؟ قال: إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك، رواه الدارقطني. وعن علي قال: سمع النبي صلى
اللَّه عليه وسلَّم رجلاً طلق امرأته البتة، فغضب وقال: يتخذون آيات الله هزواً؟ من طلق البتة ألزمناه ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. رواه الدارقطني أيضاً.
قالوا: هذه الحديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء، وقد عمل بها الأئمة فالأخذ بها أولى. وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق ثلاثاً، والمعنى كان الطلاق الموقع الآن ثلاثاً يوقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة.
وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فيقر عليه، والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه، ولما بلغه طلاق ركانة امرأته البتة استحلفه: ما أردت بها إلا واحدة؟ ولو كانت الثلاث واحدة لم يكن لاستحلافه معنىً؛ فإنها واحدة سواء أراد بها الثلاثة أو الواحدة.
وقال بعضهم: الإجماع منعقد على خلاف هذا الحديث، والإجماع معصوم من الغلط والخطأ دون خبر الواحد. وقال بعضهم: إنما هذا في طلاق البتة، فإنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يراد بها الواحدة كما أراد بها ركانه، ثم تتابع الناس فيها فأرادوا بها الثلاثة فألزمهم عمر إياها.
ما معناه والاجماع معصوم من الغلط دون خبر الواحد؟ يعني لما يتفق العلماء على حكم، يبقى احتمال أن هم يكونوا أخطأوا أبعد من احتمال أن راوي واحد يكون انفرد بالرواية فأخطأ. الواحد هذه مقصود بها رواية الواحد.
قال: فهذه عشرة مسالك للناس في رد هذا الحديث. وقال أبو بكر بن العربي المعافري في كتابه الناسخ والمنسوخ: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاثة في كلمة لا يلزم وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزله المغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثاً ليس له أصل، وغوى قوم أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا إن قوله: أنت طالق ثلاثاً، كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثاً، كما لو قال طلقت ثلاثاً ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال أحلف ثلاثاً وكانت يميناً واحدة.
لقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صفاق، فما سمعت لهذه المقالة بخبر، ولا حسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزاً ولا يرون الطلاق واقعاً، ولذلك قال فيه ابن سكرة الهاشمي: يا من يرى المتعة في دينه حلاً وإن كانت بلا مهر، ولا يرى سبعين تطليقةً تبين منه ربه الخدر؟ منها هنا طابت موالدكم فاغتنموها يا بني النظر.
وقد اتفق علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة، وإن كان حراماً في قول بعضهم وبدعة في قول الآخرين، لازم. وأين هؤلاء من عالم الدين وعلم الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في صحيحه: باب جواز الثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وذكر حديث اللعان فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغير عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقر على الباطل، ولانه جمع ما فسح له في تفريقه فألزمته الشريعة بحكمه.
وما نسبه للصصحابه كذب بحت لا أصل له في الكتاب ولا رواية له عن أحد، وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازم في كلمة، فهذا في معناه فكيف إذا صرح بها؟ وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة.
فإن قيل: ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه، وذكر حديث أبي الصهباء هذا؟ قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه. الأول: أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة؟ ولم يُعرف في هذه المساله خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبه التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، فعل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبداً.
الثاني: أن هذا الحديث لم يروَ إلا عن ابن عباس، ولم يروَ عنه إلا من طريق طاووس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد، وكيف خفي هذا عن جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس، وكيف خفي على جميع أصحاب ابن عباس إلا طاووس؟
الثالث: يحتمل أن يراد به قبل الدخول، وكذلك تأوله النسائي فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، وذكر هذا الحديث بنصه. الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث طلقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي.
شيخ الإسلام ابن تيمية يخالفه، ابن تيمية يجعل الثلاث لا تقع إلا واحدة فقط، وكأن هذا نقل الشاطبي، أو نقل ابن العربي، لأن ابن القيم كأنه ينكر أن طلاق الثلاثة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقع واحدة، وهو ينكر هذا الموضوع، هل هذا كله كلام ابن عربي؟ نعم ابن القيم أجاب عن الاعتراضات هذه في زاد المعاد وفي أعلام الموقعين، حتى عمل فصل كاتب والجواب عن هذه الاعتراضات ذكرها المؤلف في زاد المعاد كذا كذا وأعلام الموقعين.
فهذا أقصى ما يرد به هذا الحديث. قال: باب في أمرك بيدك.
عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحداً قال بقول الحسن في أمرك بيدك؟ قال: لا، إلا شيئاً حدثناه قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. قال أيوب: فقدم علينا كثير فسألته فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرت لقتاده فقال: بلى ولكنه نسي. وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، وذكر عن البخاري أنه قال: إنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يُعرف حديث أبي هريرة مرفوعاً.
يعرف حديث أبي هريرة مرفوعاً وقال النسائي: وهذا حديث منكر. قال ابن القيم رحمه الله: هكذا وقع في سنن أبي داود ولم يفسر قول الحسن في حديثه. ورواه الترمذي مفسراً قال: قلت لأيوب هل علمت أحداً قال: أمرك بيدك ثلاثة؟ أمرك بيدك ثلاثة إلا الحسن؟ قال: لا. ثم قال: اللهم غفراً، إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى بني سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث. ثم ذكر الترمذي عن البخاري: إنما هو موقوف.
قال أبو محمد بن حزم: وكثير مولى بني سلمة مجهول. وعن الحسن في أمرك بيدك قال: ثلاث.
قال: باب في البتة. وعن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانه عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردت إلا واحدة. قال: الله؟ قال: الله. قال: على ما أردت. وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمداً -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب. وذكر الترمذي أيضاً عن البخاري أنه مضطرب فيه، تارة قيل فيه ثلاثة، وتارة قيل فيه واحدة، وأصحه أنه طلقها البتة، وأن الثلاثة ذكرت فيه على المعنى. وقال أبو داود: حديث نافع بن عجير حديث صحيح، وفي من قاله نظر، فقد تقدم عن الإمام أحمد أن طرقه ضعيفة، وضعفه أيضاً البخاري، وقد وقع الاضطراب في أناء إسناده ومتنه. قال ابن القيم رحمه الله: وفي تاريخ البخاري: علي بن يزيد بن ركانه القرشي عن أبيه لم يصح حديثه، وهذا لفظه. وقال عبد الحق: في سنده كلهم ضعيف، والزبير أضعفه.
يعني كتاب التاريخ الكبير شباب من أهم كتب الإسلام عموماً، ولكن من أهم الكتب التي تحتاجها إذا قرأت البخاري خصوصاً، ليه؟ لأن البخاري يعني قبل أن يؤلف الف الصحيح ألف في الرجال، فهو علشان يختار الرجال الرجال الصحيح فهمت كده؟ فلما صنف هذا الكتاب هو كأنه يقول لك: أنا اخترت هؤلاء الرواة بعد علمي بهم، وإذا تركت راوياً فما تركت إلا بحجة فيخرج إيه؟ يذكر هؤلاء الرواة الضعفاء، ويذكر من الأحاديث ما يشهد إيه لنكارتهم، هو ليس مجرد كتاب رجال، هو طريق أيضاً للايه لصحيح البخاري.
قال: ثم ذكر الشيخ كلام الحافظ المنذري واعتراضه على أبي داود في تصحيحه. ثم قال الشيخ: وفيه وفيما قاله المنذري نظر، فإن أبا داود لم يحكم بصحته، وإنما قال بعد روايته: هذا أصح من حديث ابن جريج أنه طلق امرأته ثلاثة، لأنهم أهل بيته وهم أعلم بقصتهم وحديثهم، وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وهذا ضعيف أيضاً، هو أصح الضعيفين عنده، وكثيراً ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين. جميلة جداً دي كمان فايدة جميلة، وهو كثير في هذا الحديث أصح من حديث كذا، فايه لا يلزم أن هو يصحح، هي العبارة معروفة ولكن النقل جيد.
قال: ولو لم يكن اصطلاحاً لهم لم تدل عليه، ولم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: هذا أصح من هذا، ولا يدل على أنه صحيح مطلقا، والله أعلم.
قال: باب الرجل يقول لامرأته يا أختي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم عليه السلام لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات؛ ثنتان في ذات الله عز وجل قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾ [الأنبياء: 63]. وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابره، إذ نزل منزلاً فأتي الجبار فقيل له: إنه نزل ها هنا رجل معه امرأة هي أحسن الناس. قال: فارسل إليه فسأله عنها، قال: إنها اختي. فلما رجع إليها قال: إن هذا سالني عنك فأنبأته أنك اختي، وأنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك، وأنك اختي في كتاب الله، فلا تكذبيني عنده. ومع ذلك الملك غير، يعني هو ما كانش بياخد إلا الاخت، كان دماغه كده أنه ياخد الزوجه، لكن لما قالوا له أنها اجمل نساء قال: لا هاغير القاعده بتاعتي المره دي فاهم؟
قال: وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. قال ابن القيم رحمه الله: وفيه دليل على أن من قال لامرأته أنها أختي أو أمي على سبيل الكرامة والتوقير لا يكون مظاهراً، وعلى هذا فإذا قال لعبده: هو حر، يعني أنه ليس بفاجر لم يعتق، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي أن يفتى بخلافه. فإن السيد إذا قيل له: عبدك فاجر زان، فقال: ما هو إلا.. يعني الألفاظ الألفاظ لابد فيها من اعتبار النية، فالألفاظ المحتملة لأكثر من دلالة يعتبر فيها النية. ففرض واحد قال لامرأته: روحي اقعدي عند أمك مثلاً، كلمة الحقي باهلك لو قصد بها الطلاق بتقع كما وردت في بعض الروايات، انما لو هو قال هذه الكلمه دون أن يقصد حكمها ويقصد أن هي تقعد مدة عند أمها لا تقع، نفس الشيء هنا.
قال: قطع سامعه أنه إنما أراد العفة للعتق ولعل للعتق، وكذلك إذا قيل له: جاريتك تبغي فقال: إنما هي حرة. وسمى هذه كذبات لأنها تورية، وقد أشكل على الناس تسميتها كذباً لكون المتكلم إنما أراد بلفظه المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذباً؟ والتحقيق في ذلك أنها كذب بالنسبة إلى افهام المخاطب، لا بالنسبة إلى عناية المتكلم، فإن الكلام له نسبتان؛ نسبة إلى المتكلم ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد الموري أن يفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقاً باعتبار قصده ومراده.
قال: باب في عدة المختلعة. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، وذكر أنه روي مرسلاً، وأخرجه الترمذي مسنداً وقال: هذا حسن غريب. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: عدة المختلعة حيضة. قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي. وذكر غيره، وذكر فهو مذهب قوي، وذكر غيره أنه أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، وذلك أن الله سبحانه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على حيضة واحدة.
قال ابن القيم رحمه الله: وروى النسائي حديث امرأة ثابت بن قيس موصولاً مطولاً عن الربيع بنت معوذ، وأن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن أبي أفتى، فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال له: خذ الذي لها عليك وخلي سبيلها. قال: نعم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها. قال الترمذي في جامعه: والصحيح في حديث الربيع أنها أمرت أن تعتد بحيضة، وهذا مرفوع، وقد صرح في الرواية الأخرى أن الذي أمرها بذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر الترمذي حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة، وقال هذا حديث حسن غريب. والمعروف عن إسحاق أن عدتها حيضة، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد نقلها عنه ابن القاسم، وهو قول عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس. وعن ابن عمر روايتان؛ إحداهما أن عدتها عدة مطلقة ذكرها مالك في الموطأ عن نافع عنه، والثانية حيضة نقلها ابن المنذر عنه، وهي رواية القعنبي عنه.
حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عدة المختلعة حيضة، واختار ابن المنذر أن عدتها حيضة.
وقد ذكر الله تعالى في آية الطلاق ثلاثة أحكام: أحدها أن التربص فيه ثلاثة قروء، الثاني أنه مرتان، الثالث أن الزوج أحق برد امراته في المرتين، فالخلع ليس بداخل في الحكم الثالث اتفاقا، وقد دلت السنة أنه ليس داخلا في الحكم الأول، وذلك يدل على عدم دخوله في حكم العدد فيكون فسخا، وهذا من أحسن ما يحتج به على ذلك.
المبحث هذا يتكلم في ماذا؟ هل الخلع طلقه أو فسخ؟ طب ما المترتب على ذلك يا مصعب؟ إيه الفرق بينهما؟ كان الخلع طلقة أو فسخا، إذا كان طلقة ممكن ترجع تاني، طلقة واحدة أو ممكن يرجعها الزوج صح؟ بس كده، وإذا كان خلع خلاص يعني ما تمت إلا بعقد، إيه رايك عليه؟ في أيضا العدة، إيه المترتب على ذلك؟ والعدة تختلف أيضا، العدة تختلف.
وايه كمان؟ يعني إيه الفرق بين أن نجعل الاختلاع طلاقا أو فسخا؟ في أشياء تترتب عليها، ممكن إذا هي لا تأخذ شيء بعد الطلاق، المطلقة تأخذ، وإيه كمان؟ عدد الطلقات، إيه رايك؟ تحسب طلقة، وإذا كان فسخا لا يحسب.
قال: باب في الظهار. عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امراتي شيئا يتتابع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تقدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها.
قال: فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: لا والله.
فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «أنت بذاك يا سلمة؟». قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله عز وجل، فاحكم في بما أراك الله.
قال: «حرر رقبة». قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي. قال: «فصم شهرين متتابعين». قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: «فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا».
طبعا الحديث ده معروف برواية ثانية مختلفة تماما، أن هو أتى زوجته في رمضان، اللي هي قصة الرجل الأعرابي المعروفة اللي هو قال: والذي بعثك الحق ما بين لابتيها أفق، وهو غير الرواية دي، بس كلهم نفس الحديث أو نفس الشخص؟ لا، مختلف، ولذلك البخاري سيضاعف الرواية دي.
قال: قلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام. قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها».
فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الراي، ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الراي، وقد أمر لي بصدقتكم.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وقال محمد يعني البخاري: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر. وقال البخاري أيضا: هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر، هذا آخر كلامه، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ورد في هذه الكفارة أنه أمره بإطعام وسق، والوسق ستون صاعا، وهو أكثر ما قيل فيه، وذهب إليه سفيان الثوري وأصحاب الراي مع قولهم إن الصاع ثمانية أرطال بالعراقي، وورد فيها أنه أمر امرأة أوس بن الصامت أن تكفر عنه بالعرق الذي دفعه إليها، والعرق الذي أعانته به، واختلف في مقدار ذلك العرق، فقيل ستون صاعا وهو وهم، وقيل ثلاثون وهو الذي يرجحه أبو داود على حديث يحيى بن آدم، وقيل خمسة عشر فيكون العرقان ثلاثين صاعا لكل مسكين نصف صاع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك، وفي الرواية الأخرى أن التمر الذي أمره أن يتصدق به كان زبيلا من خمسة عشر صاعا، وإلى هذا ذهب الشافعي وعطاء والأوزاعي، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه فيكون لكل مسكين مد، وهو مقدار سدس ما يوجبه أهل الراي، فإنهم يوجبون صاعا.
لاحظ أن الكفارة اللي وردت في الحديث المعروف كانت كفارة من أتى امراته في رمضان، إنما هذه كفارة الظهار، لاحظين الفرق بينها؟ آه طبعا، فعشان كده الأقرب أن الحديث ده ضعيف، الحديث الثاني هو الحديث الصواب، الحديث ده يشبهه ولكن أسانيده ضعيفة، يعني هي بتدور على محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة، ففي أولا محمد بن إسحاق، والثاني أنه في سليمان بن يسار عن سلمة وهو لم يسمع منه.
قال: فإنهم يوجبون صاعا وهو ثمانية أرطال، فيوجبون زيادة على ما يوجبه هؤلاء ست مرات. وأخذ الشافعي ذلك من حديث المجامع في رمضان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعا، فقال: «خذه وتصدق به»، وسياتي إن شاء الله.
ثم اختلفوا في البر، هل هو على النصف من ذلك أم هو غيره سواء؟ فقال الشافعي: مدميع. وقال مالك: مدان من الجميع. وقال أحمد وأبو حنيفة: البر على النصف من غيره على أصلهما، فعند أحمد مد أو نصف صاع من غيره، وعند أبو حنيفة مدان من بر أو نصف صاع من غيره على اختلافهما في الصاع.
قال: باب في المملوكه تحت الحر أو العبد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم وامرها أن تعتد.
واخرجه البخاري مختصرا، واخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه. قال ابن القيم رحمه الله: هكذا الرواية فيه: وامرها أن تعتد، وزاد الدارقطني: عدة الحرة، ولعله مدرج من تفسير بعض الروايات.
وقد روى ابن ماجه في سننه، سنن الدارقطني هي من الكتب المهمة كما أن سنن أبي داود من الكتب المهمة، سنن أبي داود اهتم بالأحاديث المشاهير على ألسنة الفقهاء المتداولة المعروفة، وسنن الدارقطني اهتم بالروايات الشاذة في الأحاديث، يعني سنن الدارقطني مفيد جدا في الباب ده أن هو يذكر روايات فيها شذوذ وفيها تفردات وفيها زيادات، ويكون قصده منها هو إظهار أن هؤلاء الرواة انفردوا بها تمام كده.
ولكن إيه الفرق بينه وبين معجم الطبراني؟ ما هو الطبراني كمان يأتي بالروايات المنكره أو الغرائب. الفرق أن هو رتب هذا على أبواب الفقه فهو كتاب سنن، فهمت كده؟ فهو أيضا يحكم على الرواة ويحكم على الروايات، فكتابه مفيد جدا لأي واحد طالب علم يكون يدرس أحاديث الأحكام.
أفضل معجم الطبراني مهتم بأخطاء شيوخه صح؟ لا لا، هو مرتب على أسماء شيوخه لكن التفردات إن شاء الله تكون حتى في الطبقات العالية مش مشكلة.
قال: وقد روى ابن ماجه في سننه: أخبرنا علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إراهيم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض. وهذا مع أنه إسناد الصحيحين فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة إلا ابن ماجه. ويبعد عن الله، ينور عليك.
يبقى أنت كده فهمت الفكرة، إيه هي؟ إن لما يكون إسناد بهذا النقاء؛ لما يكون وكيع عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة، وتأتي فيه الزيادة: أن تعتد بثلاث حيض، ويكون ده حكم واضح بين واحدة كانت أمة وبعدين تحررت. فهل لو فارقت زوجها تعتد باعتداد الحرة أو الأمة؟ أظن ده حكم واضح، فلو إن النبي عليه الصلاة والسلام أمرها بهذا بنفس هذا الإسناد، لازم كان الحديث ده يكون متداول، ومع ذلك لم يروه إلا ابن ماجه.
يبقى لازم تشك فيه فوراً، زي ما احنا أخذنا التدريب على حديث: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً»، وحديث اللي هو صيام إيه، صيام ست من شوال، نفس الشيء. الحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق