بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً.
هذا اللقاء أو المجلس هو المجلس الرابع من مجالس تنمية القوة البيانية، ولا زلنا في كتاب دلائل الإعجاز كأنموذج، ليس كشرح ولا لتقريب مقاصده، ولا تعليق على جمله، ولا للمرور عليه كاملاً، وإنما فقط نموذج كتاب اجتمعت فيه أركان القوة البيانية. وللتذكير مرة أخرى: القوة البيانية ليست هي مجرد أن يتكلم الإنسان بلفظ فصيح، أو أن يجتنب اللحن في القول، أو أن يستعمل الأساليب البلاغية العالية؛ لا، وإنما القوة البيانية مركبة من كتل متعددة: المنطق الصحيح، ترتيب الكلام، اختيار الألفاظ، بناء على المقصد، النفس الذي يحتوي ويكتنف الكلام.
في اللقاء الماضي أو السابق تكلمت عن تركيب أو اختيار اللفظ، ثم اختيار الجمل، ثم الربط بين الجمل، ثم الربط بين القطع، هذا كله يدخل في قضية القوة البيانية. اليوم، تنبهوا بس للمايكات الله يعطيكم العافية، اليوم سنبدأ مقطع جديد من كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني رحمه الله تعالى قال: فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة، وكل ما شاكل ذلك مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم، ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم.
هذا المقطع ربما لا تلاحظ فيه شيئاً، بينما في هذا المقطع أشياء؛ وهي، وهذا المقطع من المقاطع التي فيها المعنى الذي يريد الجرجاني التأكيد عليه. هنا الجرجاني يقول، يربط بين قضية البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة وبين تفاضل الكلام بعضه على بعض، وتفاوته في الحسن، وهذه قضية مركزية عند الجرجاني؛ لأنه هو يريد أن يقول لك: إن إعجاز كتاب الله، إعجاز كلام الله سبحانه وتعالى لا يدرك؛ لا يدرك بمجرد معرفتك ببعض الأساليب اللغوية والبيانية، لا، وإنما بادراكك المعيار الذي به يتفاضل الكلام، به يتفاضل كلام الخلق فيما بينهم.
فإذا ادركت هذا المعيار وصارت لديك الملكة للحكم على كلام الخلق فيما بينهم أن هذا أفضل من ذاك، وأن هذا البيان أعلى من ذاك، فأنت هنا تستطيع أن تنتقل إلى إدراك الفرق والبعد الهائل بين كلام الله وبين كلام الخلق من حيث البيان، وهذا معنى في القطعة. معنى آخر في القطعة وهو مهم جدا، ومرتبط ارتباطا وثيقا بمعنى البيان وحقيقته. قال، لاحظ هو أتى به هكذا يعني في السياق ولكن هو مهم جدا، يقول: مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض، هذه الفكرة السابقة، قال: من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم، ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم.
يا جماعة، إحنا عندنا مشكلة، لدينا مشكلة كبيرة جدا وهي مشكلة أن الإنسان يتكلم بكلام يففه الطرف الآخر خطأ، فيقول المتحدث: والله ما قصدي، أنا ما قصدت كذا، لم أقصد إلى كذا، إيه تمام أنت لم تقصد إلى كذا ولكن كلامك يدل على كذا. البيان لا يكون بيانا إلا إذا كان الكلام مطابقا للمعنى الذي في النفس، إلا إذا كان الكلام الخارج معبرا عن المعنى الذي في النفس. أنت في نفسك أشياء كثيرة، كيف يمكن للطرف الآخر أن يدركها؟ كيف يمكن للطرف الآخر أن يدركها؟ سواء شيء تريد أن تدافع به عن نفسك، أو قضية تريد أن تنقضها، أو باطل من الباطل تريد أن تنقضه، أو حق من الحق تريد أن تنتصر له، ويأتي الإنسان ويتحدث، أو حتى في نقاش بيني، فيفهم خطأ، ويبنى على هذا الفهم الخاطئ أشياء كثيرة جدا، ويكون في كثير من الأحيان هو الملام على هذا أو هو الملوم على هذا الفهم الخاطئ.
نعم، هناك أحيانا حالات متطرفة من الفهم السيء يفهمه يعني بعض الناس لا يفهمون ولو قيل لهم ما قيل: علي نحت القوافي من معادنها وما علي إذا لم تفهم البقر إلى أخره، وأجود منه وأشرف: وكم من عائب قولا صحيحا وافته من الفهم السقيم، يوجد يوجد ناس، وناس مثل هذا يعني فهمهم مشكلة. لكن حقيقة، كثير من الحق يضيع في سوء التعبير عنه، وكثير من الحقوق تضيع وراء ضعف أصحابها في التعبير والإفصاح عما في النفس، فهنا الجرجاني يقول، يعني كأنه يحدد لك غاية البيان، ما المراد منه في آخر شيء؟ ما هدفه، ما غايته؟ يقول لك: وأخبر السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما في نفوسهم ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم.
أنا لا أستطيع أن أعرف ما في نفسك ولا أستطيع أن أعرف ما في قلبك، أنت مؤمن بفكرة ما، مقتنع ببطلانها، تريد ما أعرف أنا، لا أدري ما الذي في نفسك، فإذا تحدثت أبنت لي ولغيري عما في نفسك، فهذه الإبانة فهذا إشكالك أنت، هذا إشكالك أنت، فلا تلم غيرك على الفهم الخاطئ لكلامك. لذلك نحن هنا نتحدث عن القوة البيانية، وبطبيعة الحال نحن نتحدث عنها في سياق أنه الإنسان صاحب رسالة، صاحب معنى حق، لا يحسن به أبدا أن يكون ضعيفا، وإنما يجب عليه أن يكون قويا قادرا على إصال الفكرة.
ومن المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة، وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى، غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين وأنقى وأعج وأحق بأن تستولي على هوى النفس وتنال الحظ الأوفر من ميل القلوب، وأولى بأن تطلق لسان الحامد وتطيل رغم الحاسد، ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، وتختار اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له، وأحرى بأن يكسبه نبلاً ويظهر فيه مزية.
وإذا كان هذا كذلك، الآن الجرجاني أيضا يكرر فكرة وقضية هي مركز من مراكز هذا الكتاب، وهي أن تفاوت الكلام لا يكون بسبب الألفعظ في ذاتها، يعني يقول لك أنت حين تأتي بكلمة ما، هذه الكلمة لا يظهر تميزها وحسن استعمالها ولا يتفاوت كلام بعض الناس بينهم وبين بعض بمجرد أنه لفظ أو تلفظ بحفظ بكلمة ما، وإنما للنظم الذي وضعت فيه هذه الكلمة، بحيث أن هذه الكلمة في هذا الموضع في السياق العام هي أنسب كلمة توضع، هي أنسب كلمة توضع. أما الكلمة وحدها -ولذلك بعد قليل سيأتي عند قول الله سبحانه وتعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلَعِي- يقول: ابلعي، هذه ابلعي لحالها ما ما فيها شيء، لكن سيأتي بعد قليل ويقول لك إنه كيف حين يتركب الكلام في منظومة معينة يراعى فيها التقديم والتأخير، التذكير والتأنيث، الحذف، كذا كذا، هذا هو السبب الأساسي الذي يتفاوت به أو فيه أو بسببه الكلام.
يقول: ينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي يكون بها الكل أخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا وتعجبا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة. هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي موسومة به؟ حتى يقال: إن رجلا أدل على معناه من فرس على ما سمي به، وحتى يتصور في الاسمين يوضعان لشيء واحد أن هذا أحسن نبأ عنه وأبينا كشفا عن صورته من الآخر، فيكون الليث مثلا أدل على السبع المعلوم من الأسد. وحتى أن لو أردنا الموازنة بين لغتين كالعربية والفارسية ساغ لنا أن نجعل لفظة رجل أدل على الآدمي الذكري من نظيره في الفارسية.
هذي الآن كلها قطعة واحدة، كلها استفهام: أنه هل تتصور أن التفاضل والأولوية والميزان والمعيار هو في لفظ ما قبل أن يدخل في تأليف ما، فيختار بسبب هذا التأليف هذا اللفظ، أم أن اللفظ مجردا هو السبب؟ يقول لك: لا. يقول: وهل يقع في وهم أحد وهل يقع في وهم وإن جهد أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف امتزاجا وأحسن، ومما يكُد اللسان أبعد. وهل تجد أحدا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟
لاحظوا مرة أخرى الجميل في كلام الجرجاني: لا تدري الأجمل هو المنطق الاحتجاجي، منطق البرهان لديه، وهو من البيان، أو هو ألفاظه الجميلة الدالة على المعنى، أو هو الاستعارات الرائعة التي استعملها، يعني يقول هنا هنا الاستعارة جميلة: وفضل مؤانستها لأخواتها. جعل الكلمة أو اللفظ حين يدخل في نظم ما، ندخل في نظم ما، وكأنه يلتئم مع هذا النظم، فتؤنس الكلمة اختها، تؤنس الكلمة اختها، شوف الاستعمال الجميل.
يقول: وهل تجد أحدا يقول هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملائمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها؟ وهل قالوا: لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة ونابية ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنبو عن سوء التلائم؟ وأن الأولى لو أن الأولى لم تلق أو لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون وفقا للتالية في مؤداها.
ثم يقول، ويضرب مثلا من القرآن الكريم: يقول وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلَعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، تتجلى لك منها الإعجاز وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض.
يقول: ترى ليشبهك من هذه الآية، وتعلمون هذه الآية دائما تستعمل كمثال على التعبير على البلاغ القرآني، يقول: اين اين الموضع؟ أو ما السبب؟ أو ما المنزع الذي لأجله تجلى لك هذا الإعجاز وبهرك الذي ترى وتسمع؟ يقول: أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وهكذا إلى أن تستقريها إلى آخرها، وأن الفضل نتج ما بينها وحصل من مجموعها.
وهذه الفكرة المركزية التي يريد عبد القاهر الجرجاني، التي يريد عبد القاهر الجرجاني رحمه الله أن يوصلها في هذا الكتاب، ولكنه إلى الآن لم يستدل على وجه التفصيل ولم يذكر لك قانون هذا الترتيب، هو الآن فقط يريد أن يقول لك: إن البيان وتفاوت الكلام لا يكون للفظة وحدها للفظة ألفاظ فتتعب في اختيار اللفظ، وإنما لموضع هذا اللفظ من هذا النظم، وأنه بمجموع النظم يكون الكلام مبينا، ويتفاضل بعضه على بعض.
حسنا، كيف يكون هذا؟ وما القوانين التي أسلكها حتى يكون مرتبا وعلى طريقة من النظم والتأليف هي في الدرجة العليا؟ هذا ما سيذكره في الكتاب على وجه التفصيل بإذن الله تعالى. يقول: إن شككت -يعني إذا شككت في كلامي أن هذه الآية ترى إنما بهرتك واستسلمت لفضيلتها القاهرة لأجل ارتباط معانيها ببعض والجمل ببعض، وانه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية من جهة، لاقت يعني أنه هذه تليق بهذه- قال: إن شككت فيما قلت لك، إن شككت فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو اخذت من بين أخواتها وأفردت لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟
يعني يقول لك: أنظر في هذه الألفاظ في هذه الآية العظيمة القاهرة في البلاغة، خذ واحدا من هذه الألفاظ وأنظر فيه وحده؛ هل هذا اللفظ بحد ذاته فيه من العجب والبيان والفصاحة والبلاغة، أو هي أنه أن هذا اللفظ نظم في هذا النظم؟ يقول: إن شككت فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل: ابلعي، واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها. وكيف بالشك في ذلك؟ ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض -شف، الإنجيز يحلل بعض جوانب الآية ها، أنه لماذا كانت هذه الآية في هذه الدرجة من البلاغة؟-
قال: مبدأ العظمة أولا الآن في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم إن ثم في أن كان النداء بـيا دون أي، دون أي، نحو يا أيتها الأرض، يعني لم يقل: يا أيتها الأرض ابلعي ماءك، لا، وقيل: يا أرض، وهذا هذا من جملة البلاغة في هذه الآية، ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال: ابلعي الماء، ثم إن اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، اللي هي ايش: ويا سماء أقلعي، ثم إن قيل: وغيض الماء، فجاء الفعل على صيغة فعل الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وققدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: وقضي الأمر، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو: واستوت على الجودي.
ثم إضمار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن. الآن ما قال السفينة في الآية كلها: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ. ها وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ. إيش هي اللي استوت؟ ما هي التي استوت؟ السفينة.
قال: ثم إضمار السفينة قبل الذكر كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن. ثم مقابلة قيل في الخاتمة، قيل في الفاتحة: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ هذا هذه الفاتحة. وَقِيلَ يَا أَرْضُ والخاتمة: وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
قال: وقيل مقابلة قيل في الخاتمة قيل في الفاتحة، أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط نفس من أقطارها تعلقاً باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ مرة أخرى، أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط من أقطارها تعلقاً باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟
أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟ فقد اتضح إذا اتضاحاً لا يدع للشك مجالاً أن الألفاظ لأن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح لفظي. ثم يقول:
ما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع. لاحظوا لاحظوا الجمال والالتقاط الرهيب، وهذا أيضاً كما قلت يعني فيه منطق برهان ومنطق والمنطق البرهاني هذا ضمن المنطق البياني ها. انظروا الدليل الآخر الذي ذكره، قال: ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، هي نفس اللفظة، لكن مرة تقول الله، مرة تقول يا أخي ايش هذا؟
قال: ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ الأخدع في بيت الحماسة يقول: تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجئت من الإصغاء ليتاً وأخدعا. وجئت من الإصغاء ليتاً وأخدعا.
أقول صفحة العنق والأخدع عرق في العنق. وببيت البحتري: واني وإن بلغتني واني وإن بلغتني وإن بلغتني شرف الغنى وأعتق من رق المطامع أخدعي.
قال: فان لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن. ثم أنك تتأملها في بيت أبي تمام: يا دهر قوم من أخدعيك فقد أضججت هذا الأنام من خلقك من خلقك. قال: فتجد لها من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة ومن الأئناس والبهجة.
ومن أعجب ذلك لفظة الشيء، فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع وضعيفة مستكرهة في موضع، وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ومن مالئ عينيه من شيء غيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى. من قول أبي حية: إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضي.
فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول. ثم انظر إليها في بيت المتنبي: لو الفلك الدوار أبغضت سعيه لعوقه شيء عن الدوران. فإنك تراها تقل وتضأل بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم.
يا سلام، يقول: وهذا باب واسع، فإنك تجد متى شئت الرجلين قد استعملا كلماً بأعيانها، ثم ترى هذا قد فرع السماك، هذا قد فرع السماك لاحظوا التعبير الجميل، أنه هناك رجلان يستعملان نفس الكلمة وإذا بأحدهما يكون قد فرع السماك نجم من النجوم تجاوزه علاها، وترى ذاك أي الذي استعمل نفس الكلمة ولكن في سياق آخر قد لصق بالحضيض.
فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحق المزية والشرف استحق ذلك في ذاتها وعلى انفرادها دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في لما اختلف بها الحال، ولكانت إما أن تحسن أبداً أو لا تحسن أبداً.
ولم تر قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر وكيف يورد ويصدر كهذا القول. ولم تر، هذا استعمال جميل جداً ويصلح تعميمه يعني، يعني تريد أن تنقد شخصاً مضطرب القول إلى آخره مقالة معينة ممكن تأتي بهذه الجملة تقتبس تقتبسها، يقول: ولم تر قولا يضطرب على قائله حتى لا يدري كيف يعبر وكيف يورد ويصدر كهذا القول.
قولي بل إن أردت الحق، فانه من جنس الشيء يجري به الرجل لسانه ويطلقه، فإذا فتش نفسه وجدها تعلم بطلانه وتنطوي على خلافه، ذاك لأنهم ما لا يقوم بالحقيقة في اعتقاد ولا يكون له صورة في فؤاد. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.
الشيخ أحمد السيد