الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا.
اليوم عندنا المجلس الخامس من مجالس تنمية القوة البيانية مع الإمام الجرجاني رحمه الله. ومحتمل أن يكون هذا المجلس الأخير فيما يتعلق بكتاب الجرجاني، أو قبل الأخير، مع أنه الكتاب يعني لا تزال، خل نقول إيش، لا يزال بهاؤه يدور حول الإنسان ولم يرتوِ القارئ ولا المستمع. لكن الفكرة هي ليست الكتاب، الفكرة هي تنمية القوة البيانية، فراح نأخذ أكثر من شيء بإذن الله.
اليوم مقطع جميل جدا جدا جدا من الإمام الجرجاني، وهو في الفقرة رقم ثلاثمئة. الكتاب، لمن يتابع معنا، فقرة رقم ثلاثمئة، صفحة مئتين وثمانية وخمسين. قلنا نحن فكرة الكتاب سابقًا، إيش قلنا في فكرة الكتاب؟ تذكروا... نرد على من القرآن وكلام العرب.
طيب، فكرة الكتاب باختصار هي أنه لكي تثبت إعجاز القرآن، أو تثبت وجه إعجاز القرآن، يجب أن تثبت تفاضل الكلام بعضه على بعض، والسبب والمزية التي لأجلها يفضل بعض كلام الناس البعض الآخر. فإذا أدركت المزية في ذلك أمكنك أن تدرك المزية التي بها ولها كان كلام الله أعلى وأفضل من كلام غيره من جهة البيان.
من صور القوة البيانية عند -وأنا برأيي نموذج معياري لتعلم البلاغة والبيان، الجرجاني نموذج معياري- من نماذج أو من صور القوة لديه أنه ظل محافظًا على الفكرة مدة كتابته للكتاب، في كل جملة من جمل الكتاب تشعر أنك تتناول جزءًا من الفكرة، وهذا جيد وجميل وحسن جدا. ومن صور العجز أو ضعف البيان الموجود اليوم بكثرة، طبعًا في بعض الرسائل العلمية الأكاديمية أو حتى عند المتحدثين، أن هناك تشعبات كثيرة لا علاقة لها بأصل الموضوع. وبعض الخطباء أو بعض الدعاة وبعض المتحدثين يكون في باله فكرة ويرمي بعيدًا، يشرق ويغرب، ولا يوصل المعنى الذي أراد إيصاله، بمعنى أنه من حضر كلامه لم يخرج من الكلام أو من اللقاء أو من الخطبة وقد فهم ما الذي يريده المتحدث، يفهم الكلام لكن المعنى الذي كان يريده المتحدث إيصاله... الجرجاني رحمه الله ظل محافظًا على الفكرة يربطك بها دائمًا، وهذا من حسن التأليف، ومن حسن الكتابة، ومن حسن البيان. ولأن، خاصة في هذا الوقت، الأذهان تتشتت، والتركيز ضعيف وما إلى ذلك، أنت تحتاج إلى أن تذكر دائمًا الحضور عندك، تحتاج أن تذكرهم أين أنت وما الذي تريد إيصاله، وتربط بين الدليل والاستدلال والنتيجة إلى آخره.
طيب، ما الصورة التي تثبت عجز العرب عن معارضة القرآن؟ إيش هي الصورة؟ عفوا، ما الصورة التي تثبت... أنت جاوبت. ما الصورة التي تثبت إعجاز القرآن؟ أو عجز العرب يعني، إعجاز القرآن أن القرآن أعجز الناس بالتحدي عدم قدرتهم على معارضته، تمام، عدم قدرتهم على معارضته، تمام.
طيب، إيش اللي ما قدروا عليه بالضبط؟ بمثله. يعني إيش بمثله؟ كيف بمثله؟ متى يقال إنك أتيت بمثله؟ تجد نفس المستوى. طيب، هو بما أن الجرجاني في الكتاب يتكلم عن أن الكلام بعضه يفضل بعضًا وإلى آخره، فهو الآن يريد أن يقول لك في قضية المعارضة هذه، تمام، يقول في الفقرة ثلاثمئة، صفحة مئتين وثمانية وخمسين: لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها. فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين، قيل لك: إن قولنا المعنى في مثل هذا يراد به الغرض والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد وتقول: زيد كالأسد، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: كأن زيدا الأسد. تمام، فتفيد تشبيهه أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول، وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه وأنه لا يروعه شيء بحيث لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي.
مهم، الآن أيهما أبلغ في التشبيه؟ زيد كالأسد ولا كأن زيدًا الأسد؟ كأن زيدًا الأسد، تمام؟ وكأنه عايش في موقف في نادي العثمان بعد ذلك. طيب، قال: وإذا كان هذا كذلك، فأنظر هل كانت هذه الزيادة... الآن المعنى واحد ولا مو واحد؟ واحد. خل نقول أو بتعبير الجرجاني: الغرض واحد ولا ليس واحدًا؟ واحد. الغرض واحد وهو تشبيه زيد بالأسد، تمام؟ تمام. ولكن هذا معنى وهذا معنى إذا جعلنا المعنى أقل من الغرض، واضحة الفكرة؟ جدا.
طيب، المعارضة وين تشتغل؟ في الإتيان بمعنى جديد لإصابة نفس الغرض. إصابة نفس الغرض، أو يعني حتى هذا الكلام ليس كافيًا، سيأتي توضيح أو زيادة معاني فيه. يقول: وإذا كان هذا كذلك، فأنظر هل كانت هذه الزيادة وهذا الفرق إلا بما توخي... إيش معنى توخي؟ تحذير؟ لا. إيش معنى التوخي؟ لا، إيه، إلا بما روعي، بما قصد، بما... تمام، إلا بما توخي في نظم اللفظ وترتيبه، حيث قدم الكاف إلى صدر الكلام وركبت مع إنّ. وإذا لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله، ورد نفسك على تفهم ذلك وتتبعه، واجعل فيها أنك تزاول منه أمرا عظيما لا يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره. الآن هذه بس مقدمة، تمام؟ قال: فصل، وهو من هنا نأتي بالمقصود.
قال: فصل، وهو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام. الآن كلام مقصود لذاته، قال: قد علم... لاحظوا يا جماعة كيف يجمع بين فصاحة الألفاظ، حسن التركيب للجمل، والربط بينها، والقوة البرهانية في الكلام. قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح وبليغ ومتخير اللفظ جيد السبك ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ. وإذا كان هذا هكذا فبنا أن ننظر في ما إذا أوتي به كان معارضا، ما هو؟ أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر، نحو أن يقول بدل أسد ليث، وبدل بعد نأى، ومكان قرب دنا؟ أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقول من به طرق؟ طرق يعني قوة، همم. يعني يقول الآن: حتى نقول إن الكلام أفصح من بعضه وجاء شخص يعارض هذا الكلام، هل هو بأن يأتي بما يوازي الألفاظ، وبدل ما تقول زيد كالأسد تقول زيد كالليث، وبهذا يكون بعض الكلام أبلغ من بعض؟ تمام؟ يقول لك: هذا كلام ما يقوله عاقل. طبعًا هو لاحظ أن كل الكتاب مستصحب فيه الرد على أنصار اللفظ بسبب... تمام؟
قال: كيف ولو كان ذلك معارضة... ها، شوفوا الرد، الآن هذا البرهان، ليش طيب هذا ليس معارضة؟ لماذا هذا الذي يبدل الكلمات ويأتي بموازنة ليس معارضة؟ يقول: كيف ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة؟ لما تترجم تأتي... أيوا! لكانوا لا يفرقون أو لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاما كان معارضا له. واضح؟ هذا برهان.
وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة، وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من الوجوه، علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها؛ لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني كالذي أريتك فيما بين زيد كالأسد وكأن زيدا الأسد، وبأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ بوجه من الوجوه.
طيب، الآن هنا مقطع لو قلت لي: صف الجرجاني بجملة من كتبه تعبر عنه، لو قلت لك: هذا المقطع، يعني هذا المعنى الذي الآن يستطرد فيه الجرجاني هو يعبر عن الجرجاني نفسه تمامًا في طريقته، في أدائه، في استدلالاته. يقول، رهيب رهيب، يعني هي أربعة أسطر، يقول: واعلم أنك لا تشفي العلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملا إلى العلم به مفصلا، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف مبدأ منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته ومجرى عروق الشجر الذي هو منه. واضح؟ هذه الأسطر معبرة تمامًا عن الجرجاني في طريقته، أنه يعني كل هذا الكتاب والتحفير في القضية هو من هذا المبدأ، أنه لا يقنع بالعلم بالشيء مجملًا، هو دائمًا يدور أنه لما تقول لي: الفصاحة، ما هي الفصاحة؟ طيب ليه ما كان هذا الكلام أفصح من هذا؟ طيب ما الوجه الدقيق الذي يفاضل به؟ هذه طريقة الجرجاني، وهذا الكلام معبر.
يقول: وأنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية كنسج الديباج وصوغ الشمسة والسوار وأنواع ما يصاغ، وكل ما هو صنعة وعمل يد بعد أن يبلغ مبلغا يقع التفاضل فيه ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون. قياسه... قياس إيش؟ أيوا، أنه يفاضل الكلام كمفاضلة صنعة الصانعين. وإن كان قياسا ظاهرا معلوما وكالشيء المركوز في الطباع حتى ترى العامة فيه كالخاصة، فإن فيه أمرا يجب العلم به، وهو أنه يتصور أن يبدأ هذا في عمل ديباج ويبدع في نقشه وتصويره، فيجيء آخر ويعمل ديباجا آخر مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولا يقع لمن لم يعرف القصة ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد وخارجان من تحت يد واحدة. وهذا الحكم في سائر المصنوعات، كالسوار يصوغه هذا ويجيء ذاك فيعمل سوارا مثله ويؤدي صفته كما هي حتى لا يغادر منها شيئا البتة. وليس يتصور مثل ذلك في الكلام؛ لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر أو فصل من النثر فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارة أخرى.
واضح؟ هذا يقول: هذا ممكن في الصناعات، ممكن رسام يجيء ويكون كويس وكل شيء، تمام؟ وبعدين يجيء واحد يرسم نفس الرسمة بحيث لو لم تكن تعرفه سابقًا تقول: هاتان رسمتان. قال: أما هذا في الكلام لا يكون، لا يمكن، لا يمكن أن تأتي إلى مقطع ثم تأتي بنفس معانيه الدقيقة التفصيلية فقط أنك تغير ألفاظه فتعبر عن، خل نقول، نفس المساحة بالضبط التي غطاها ذلك الكلام الأول.
يقول: وليس يتصور مثل ذلك في الكلام؛ لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر أو فصل من النثر فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارة أخرى، حتى يكون المفهوم من هذه والمفهوم من تلك ما يخالف في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور. ولا يغرنك قول الناس: قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ من معنى كلامه فأداه على وجهه؛ فإنما هو تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض. وأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول حتى لا تعقل هاهنا إلا ما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك كالسوارين والشمسين ففي غاية الإحالة.
إيش طرب في الوصف! يعني جالس يغوص مثل الكلام اللي قبل شوي، يعبر عن ما... ما يقنع هو، ما يقنع في نفسه أنه يعطيك شيء مجمل. القدرة على أنه كلما غاص في معنى يكون لديه من القدرة على توضيحه، وأظن أن الذي نفع الجرجاني حقيقة -وهذه بالمناسبة يعني تنفع عمليًا لمن يريد أن يكون بليغًا عمليًا- أنه يدور في فلك ضرورة ترتيب الكلام في الجملة على نحو ما تريد إيصاله من معنى في النفس، وتوخي معاني النحو في نسبة الكلام إلى بعضه، معاني النحو وليس أحكام الإعراب وما إلى ذلك. النحو له معاني غير، التي هي قريبة من علم البيان في البلاغة، والبلاغة ثلاثة علوم: البديع والبيان والمعاني، لا، قريب من المعاني، هو التقديم والتأخير المعاني أليس كذلك؟ أي، المعاني.
طيب، يقول: حتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك كالسوارين والشمسين، ففي غاية الإحالة وظن يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة، وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقتها إذا جمعت وألف منها كلام، وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو قعد وجلس، ولكن فيما فهم من مجموع كلام ومجموع كلام آخر، نحو أن تنظر في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ، وقول الناس: قتل البعض إحياء للجميع.
هذه... طيب، يقول: فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في مثل هذا إنها عبارتان معبرهما واحد، فليس هذا القول قولا يمكن الأخذ بظاهره، أو يقع لعاقل شك أن ليس المفهوم من أحد الكلامين المفهوم من الآخر. مصطفى صادق الرافعي عالج هاتين الجملتين، الآية والجملة الأخرى، عالجها معالجة جميلة ووافية، أظن في وحي القلم، لكن ما أتى بنفس الصياغة التي هي "قتل البعض إحياء للجميع"، إنما بعبارة "القتل أنفى للقتل". "القتل أنفى للقتل"، وقارن بين "ولكم في القصاص حياة" وبين "القتل أنفى للقتل".
طيب، هو الآن لاحظ لو قيل لك قبل أن تقرأ أي شيء من كلام الجرجاني، لو قيل لك: ما الذي تتصور أن يتفاضل به بعض الكلام على البعض الآخر؟ جيد؟ ماشي، ربما تتحدث عن تفاصيل في اللغة وفي البيان وما إلى ذلك، لكن لو قيل لك: استدل وبرهن، استدل وبرهن على أن الكلام يفضل، على أن هناك جهة يفضل بها الكلام أو يفضل الكلام بها بعضه بعضًا، إيش ممكن تستدل؟ يعني إيش البراهين التي يمكن أن تأتي بها حتى تذكر الوجه الذي يفضل الكلام به بعضه بعضًا؟ الجرجاني عجيب، كل شوي يأتي بوجه، كل شوي يأتي بوجه، كل شوي يأتي بوجه من البرهان، وكله يدور في فلك واحد، وهذه من القوة البيانية. القوة البيانية كما قلت سابقًا ليست مجرد اختيار ألفاظ جميلة وفصيحة وبليغة، وليست مجرد تكلف بعض الفواصل فواصل الجمل أو السجع أو ما إلى ذلك، وليست في استعمال المحسنات والبديع وما إلى ذلك، إنما البلاغة الحقيقية هي في قوة الحجة، حسن الربط بين الكلام، اختيار الألفاظ المناسبة للموضوع وليس فقط أن تكون فصيحة أو بليغة في ذاتها، ثم حسن التأليف والنظم بين ذلك كله.
وإذا كان الكلام يحمل، إذا كان قالب الكلام جميلًا وألفاظه رائعة وتعابيره وتشبيهاته جميلة جدا وفيه كناية واستعارة ومجاز إلى آخره ولكن منطق البرهان ضعيف لَكَدَّرَ صفو وجمال ذلك الكلام وتلك الألفاظ، يعني كونها ذات حجة داحضة أو باهتة، ما في قوة للكلام، ولا يمكن أن تقول: انظر إلى البيان الجميل، وأنت ترى أنه مستند على منطق برهاني فاسد. وإذا رأيت منطقًا برهانيًا قويًا ولكنه بعبارات وبألفاظ ليست، تقول: يا ليته استعمل شيئًا منه. إذا كمل هذا مع هذا، وكان هذا قد راعى في نظامه كل ما يرتبط بالقوة البرهانية من أنظمة أو من تفاصيل، وهذا الذي هو البيان والقوالب والألفاظ راعى في تركيبه كل ما في القوة البلاغية البيانية من تفصيل، امتزج هذان ببعضهما وكان الكلام في القمة. وفي جملة للخطابي يقول نعم عن البيان، يقول تعريف يعني البيان: لفظ حامل، ومعنى به قائم، تطول له ما ناظر. جميل صحيح، مختصرة ومكثفة، صحيح، هذه في إعجاز القرآن "بيان إعجاز القرآن".
طيب، عمومًا هو استمر يشرح في المعنى هذا يؤكد المعنى بعد عدة جمل فيقول: وكذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة ويبدو في هيئة ويتشكل بشكل، يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ظاهره، وحيث لا يكون كناية ولا تمثيل ولا استعارة ولا استعانة في الجملة بمعنًى على معنًى، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ. فلو أن قائلا قال: رأيت الأسد، وقال آخر: لقيت الليث، لم يجز أن يقال في الثاني إنه صور المعنى في غير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى معرضه، ولا شيء من هذا الجنس. وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ. هذا الشاهد الآن: وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار إلى معانٍ أُخَر. ثم قال: واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن أعني قولك: إن زيدا كالأسد أو كأن زيدا أسد، هذا تغير في النظم الآن، ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء وإنما تغير النظم فقط. وأما فتحك "أنّ" عند تقديم الكاف وكانت مكسورة فلا اعتداد بها؛ لأن معنى الكسر باقٍ بحاله.
ثم قال: واعلم أن السبب في أن أحالوا... إيش معنى أحالوا؟ أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن... ادَّعَوُا الاستحالة؟ ادَّعَوُا الاستحالة. واعلم أن السبب في أن أحالوا -يعني جعلوه مستحيلاً- في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني بل هي زيادات فيها وخصائص. ألا ترى أنه ليست المزية التي تجدها لقولك: كأن زيدا الأسد، على: زيد كالأسد، لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه، وفي حكم الخصوصية في الشكل نحو أن يصاغ خاتم على وجه وآخر على وجه آخر تجمعهما صورة الخاتم ويفترقان بخاصية تعلم إلا أنه لا يعلم منفردا، ولما كان الأمر كذلك لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص إذ... إلى آخر الكلام.
بعدين بدأ يذكر أمثلة من الشعر. طيب، المشكلة مثال طويل جدا هذا، بيت واحد. طيب، نختم بمقطع يقول: واعلم أنه لم تضق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب... إيش الجمال الآن في هذه الجملة؟ أنه أتى بثلاث جمل تؤدي نفس الغرض، ولكن بألفاظ مختلفة وبمعانٍ مختلفة. شوف، في فرق الآن بين الغرض والمعنى صح؟ تفضل. قال: واعلم أنه لم تضق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام... واضح؟ تخيل لو قال: واعلم أنه لم تضق العبارة ولم يضق اللفظ ولم يضق الكلام، لا، بايخة، غير تمام؟ طيب، أو قال: واعلم أنه لم تضق العبارة في هذا الباب فقط. هذا الاسترسال في اللفظ بدون تكلف وبدون... يعطيك حيوية مع الجمل.
وهو يقول: واعلم أنه لم تضق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنك لا ترى... هيا استعدوا للجمل أيضًا: وأنك لا ترى أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه. وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟
الآن إيش الفكرة من الجملة هذه؟ المشهد، يعني هو يقول لك يعني كله تأكيد على أنه هذا المعنى دقيق وخفي، يقول: وما قولك في شيء قد بلغ من أمره -أي في الخفاء- أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ وقد ترى أن البحتري حين سئل عن مسلم وأبي نواس أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس، فقيل: فإن أبا العباس ثعلبًا لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، وإنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته. كلام كبير جدا يعني، تمام.
يقول: ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله من دخول الشبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السهو والغلط لهم. روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أشد من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكان يأتيان بشارًا فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ويَسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان. وأتياه يومًا فقال: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم، قالوا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب، قال: نعم، بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، قالوا: فأنشدناها يا أبا معاذ، فأنشدها: بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ... إنّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان "إن ذاك النجاح في التبكير": "بَكِّرَا فَالنَّجَاحُ فِي التَّبْكِيرِ" كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية، فقلت: "إن ذاك النجاح في التبكير" كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت "بَكِّرَا فَالنَّجَاحُ" كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبل بين عينيه. فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ إلى آخره.
الكلام والكتاب مليء بالأمثلة والشواهد الشعرية وتحليل هذه الشواهد، ولماذا كان هذا المعنى أدق، ولماذا كان هذا المعنى ألطف. وعلى كل حال يعني نحن ممكن نختم في ما يتعلق بكتاب دلائل الإعجاز. لم تكن هذه الجلسات الخمس في هذا الكتاب شرحًا له، ولا مرورًا على أبوابه، ولا أي شيء، وإنما كانت فقط إطلالات سريعة على نموذج برأيي أنه من أعلى النماذج في التراث العربي في قضية المعيارية البلاغية؛ لأنه جمع بين أطراف القضايا التي يمكن أن يؤلف بينها فتشكل عنوانًا كبيرًا يسمى القوة البيانية، وهو البيان من جهة الألفاظ أو الجمل أو الفقرات أو الأفكار أو البرهنة عليها.
هذا يعني دعوتي في خلاصة هذه المجالس الخمس هي ضرورة الرجوع للكتاب، والوقوف عند محاسنه، ودراسة هذا الكتاب بهذا الغرض، لا بغرض أن يكون الغرض الوحيد أو الأوحد من قراءة الكتاب هو مسألة إعجاز القرآن. إذا أردت تلك المسألة فقط فهناك غير هذا الكتاب ما قد يغني عنه، خاصة مع كتب المعاصرين التي كتب فيها كثير من الكلام عن إعجاز القرآن، لكن برأيي أن كتاب دلائل الإعجاز يُقرأ أكثر ما يُقرأ أو أول ما يُقرأ لغرض تعلم القوة البيانية. تعلم القوة البيانية ومثل هذا الكتاب يُكرر ويُعاد ويُراجع، وأفضل ما يكون في جلسات نقاشية. والله تعالى أعلم، وصلى اللهم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد السيد