تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس الرابع من قراءة تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله لسورة الفرقان المباركة والتعليق على التفسير. وصلنا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم متوعداً مشركي قومه على كفرهم بالله وتكذيبهم رسوله، ومخوفاً من حلول نقمته بهم نظير الذي حل بمن كان قبلهم من الأمم المكذبة لرسلها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ يا محمد ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة كالذي آتيناك من الفرقان، ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ يعني معيناً وظهيراً، ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يقول: فقلنا لهما اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بأعلامنا وأدلتها، ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾. وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عن ذكره، وهو: فذهبا فكذبوهما فدمرناهم حينئذ.

انتقل الإنذار من التخويف بالنار، هذا التخويف المفصل، إلى الاعتبار بالأمم السابقة. ولكنه جاء بطريق الإيجاز؛ لأن الجانب الأعظم من هذه السورة ليس هو التذكير بما حل للأمم السابقة، وإنما هو إنذار لهم بما يحل بهم هم، وكان تذكيراً بأنهم فعلوا نفس الشيء: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾. فربنا بدأ بذكر موسى عليه السلام لأنه آتاه الكتاب، وذكر هارون هنا في هذا السياق الذي يبدو منه والله أعلم أن الله إذا أراد أن يؤيد رسولاً رسله أيضاً سيؤيد برسول من البشر؛ كما قال: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، أو كما قال هنا؛ عزز دعوة موسى بدعوة هارون: ﴿اجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾. فهذا يبطل دعوتهم، إن هم قالوا: لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، لو أراد الله أن ينزل نذيراً سيكون أيضاً من البشر. فربنا سبحانه وتعالى بين أنه آتاه الكتاب ومع ذلك كذب به وكفر به وبالكتاب.

يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يقول تعالى ذكره: وقوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا رسلنا وردوا عليهم ما جاؤهم به من الحق أغرقناهم بالطوفان، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾، يقول: وجعلنا تغريق إياهم وإهلاكهم عظة وعبرة للناس يعتبرون بها، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يقول: وأعددنا لهم من الكافرين بالله في الآخرة عذاباً أليماً سوى الذي حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا.

كيف قال ﴿كذَّبوا الرسل﴾ مع أنهم كذبوا رسولاً واحداً وهو نوح؟ قال: كذبت قوم نوح المرسلين؛ لماذا؟ لأنهم سنوا التكذيب، وأيضاً لأن من كذب رسولاً لدعوة ما، فقد كذب جميع الرسل؛ لأنهم جميعاً جاؤوا بدعوة واحدة.

يقول تعالى ذكره: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾، ودمرنا أيضاً عاداً وثمود وأصحاب الرس، واختلف أهل التأويل في أصحاب الرس، فقال بعضهم: أصحاب الرس من ثمود. وذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قرية من ثمود. وقال آخرون: بل هي قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وذكر عن قتادة: الرس قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وقال آخرون: هم قوم سورة ياسين؛ ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾.

وقال آخرون: هم قوم رسوا نبيهم في بئر، وذكر عن عكرمة قال: كان الرس بئراً رُسَّ فيه نبيهم. وقال آخر: هي بئر كانت تسمى الرص. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في ﴿وَأَصْحَابِ الرَّسِّ﴾ قال: هي بئر كانت تسمى الرس. وذكر عن مجاهد في قوله ﴿وَأَصْحَابِ الرَّسِّ﴾ قال: الرس بئر كان عليها قوم.

وقال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك قول من قال: هم قوم كانوا على بئر، وذلك أن الرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: سبقت إلى فرط مأهل تنابله يحفرون الرساس، يريد أنهم يحفرون المعالم. ولا أعلم قوماً كانت لهم قصة بسبب حفره ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الرس؛ إلا أصحاب الأخدود. فإن يكونوا هم المعنيين بقوله ﴿وَأَصْحَابِ الرَّسِّ﴾ فإنا سنذكر خبرهم إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى سورة البروج، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبراً إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رسوا نبيهم في حفرة.

إلا ما حدثنا ابن حميد وذكر عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث نبياً إلى أهل قريته فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي عليه السلام فحفروا له بئراً فألقوه فيها، ثم أطلقوا عليه بحجر ضخم». قال: وكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى ذلك البيت، فيرفع تلك الصخرة، فيعينه الله عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه ثم يعيدها كما كان. قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون. ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فغمض فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه هبَّ، فتمطر، فتحول بشق الآخر، فاضجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هبَّ، فاحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من النهار، فجاء القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمس فلم يجده، وقد كان بدا لقومه فيه بداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه. قال: فكان النبي عليه السلام يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل، فيقولون ما علمنا، حتى قبض الله النبي عليه السلام فاهتز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة».

غير أن هؤلاء في هذا الخبر يذكر محمد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم آمنوا بنبيهم وأخرجوه من حفرته، فلا ينبغي أن يكونوا من المعنيين بقوله ﴿وَأَصْحَابِ الرَّسِّ﴾؛ لأن الله أخبر عن أصحاب الرس أنه دمرهم تدميراً، إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وآمنوا به، فيكون ذلك وجهاً. ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا﴾ يقول: ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سمينا كثيراً.

وقوله ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ يقول تعالى ذكره: وكل هذه الأمم التي أهلكناها التي سميناها لكم أو لم نسمها ضربنا له الأمثال، يقول: مثلنا لهم الأمثال ونبهنا على حججنا عليها وأعذرنا. وهذا يدل على الإنذار أن كل أمة أهلكت لابد أن يكون لها منذرون: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، يبقى هذا ضربنا له الأمثال كما قال: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾، فهذا يدل على أن هؤلاء إن لم ينتفعوا بهذه الأمثال كان مصيرهم كمصير هؤلاء، فده من جملة الإنذار، قال: وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ، فلم نهلك منهم أمة إلا بعد الإبلاغ إليها في المعاذ.

وبنحو ذلك ذكر بإسناده عن قتادة في قوله ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال: كل قد أعذر الله إليه ثم انتقم منه. وقوله ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم أمرهم استأصلناهم، فدمرناهم بالعذاب إبادةً وأهلكناهم جميعاً. وبنحو ذلك ذكر بإسناده عن الحسن في قوله ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ قال: تبر الله كلا بعذاب تتبيراً أي، وذكر عن سعيد بن جبير ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ قال: تتبيراً بالنبطي يعني بلغة النبط.

القول في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، يقول تعالى ذكره: ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرها الله مطر السوء وهي سدوم، قرية قوم لوط، ومطر السوء هو الحجارة التي أمطرها الله عليهم فأهلكهم بها. وذكر عن ابن جريج ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قال: حجارة، وهي قرية قوم لوط واسمها سدوم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خمس قرى فأهلك الله أربعة وبقيت الخامسة واسمها صغور، ولم تهلك صغور، وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل بها لوط ومنها بعث عليه السلام، وكان إبراهيم عليه السلام ينادي ناصحاً لها: يا سدوم يوم لك من الله، أنهاكم أن تعرضوا لعقوبة الله. زعموا أن لوطاً ابن أخي إبراهيم صلوات الله عليهما.

وقوله ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ يقول جل ثناؤه: أفلم يكن هؤلاء المشركون الذين قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء يرون تلك القرية وما نزل بها من عذاب الله بتكذيب أهلها رسله؟ يعني كما جاء في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، يعني الأنباء إهلاك القرى كانت تتلى عليكم، وأنتم رأيتم بأعينكم بعض ذلك في هذه القرية، فيعتبروا ويتذكروا، فيراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم.

﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، يقول تعالى ذكره: ما كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به من عند الله لأنهم لم يكونوا رأوا ما حل بالقرية التي وصفت، ولكنهم كذبوا من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الممات، قال: يعني أنهم لا يوقنون بالعقاب والثواب ولا يؤمنون بقيام الساعة، فيردع ذلك عما يأتون من كفر. كلمة "بل" أو "لكن" هي تدل على واقع هذا الأمر، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.

يعني هل هؤلاء الذين قصصنا عليهم هذه الأنباء التي من شأنها أن تكون موعظة لهم وتذكيراً وإنذاراً، لماذا لم ينذروا بها؟ هل نحن لم ننذر؟ لا أنذرناكم. يبقى لماذا لم يتعظوا؟ ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، لا يرجون النشورة، لا يتوقعونه، لا يصدقون به، فلم يعملوا له؛ فبالتالي لا ينفعهم الإنذار، كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾، وكما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، اللي هو ذكر السبب الذي منعهم.

فهل كان منعهم الهدى أن الله لم يهدهم؟ لا الله هداهم، ﴿أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾. كانوا مصدقين ولا لا؟ كانوا مرتبين. دي بتذكر في بعض المواضع ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾، لا، إنما هنا معناها لا يرجون نشوراً، لا يرجون ذلك، لا يطمعون فيه ولا يعملون له، ركنوا بالدنيا واطمأنوا بها، هو ده أصلاً مناسب جداً لمعنى ﴿وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ﴾؛ شغلوا بهذه الملذات وهذه النعم وهذه المتع وهذا الرزق المتنوع، فشغلوا به عن التفكر في الآيات أو الاتعاظ بالأمثال.

فاهم يعني أنت توعظ ويموت مثلاً بعض الشباب بجانبه، وتهلك أمم، ويحصل كل الحوادث وهو لا هنا، ليه؟ لأنه في سكرته يعمهون، مش فايق أصلاً، هو غافل، فمهما تمر به الأحداث ولا يتعظ، مهما يحصل له ولا شيء، في أكثر من فرعون اللي هو موسى أمام عينيه ضرب البحر، فبعد كدة طريق يبسة هو شافه بعينه ولسه رايح عايز يقتله برضه، في أكثر من كده؟ فهو يعني أنت لازم تفهم أن ربنا قال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾، يبقى الطريق السليم أمامه هو مش عايز يروح، ربنا صرفه عنه، فنفس الشيء هنا، فربنا بيقول ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، لا كانوا يرونها، أمال إيه المشكلة؟ ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ خلاص أرضوا.

إنهم لا يوقنون بالعقاب والثواب، ولا يؤمنون بقيام الساعة، فيدع ذلك عما يأتون من معاصي الله. وذكر بنحو ذلك عن ابن جريج: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، بل كانوا لا يرجون النشور بعثاً.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك قصصهم، ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾؛ يقول: ما يتخذونك إلا سخرية يسخرون منك، يقولون: أهذا الذي بعث الله إلينا رسولًا من بين خلقه؟

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. لاحظ أن هذا مناسب جداً لظلم هؤلاء في حق هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. بل انظر للصحابة، انظر لعروة بن مسعود لما قال: وفدت على الملوك، فما رأيت أحداً يعظمه قومه كما يعظم أصحاب محمد محمدًا. مش ممكن أبداً، وبعدين يحلف: والله ما تنخم نخمة فوقعت في يد أحدهم إلا دلك بها وجهه. شوف هذا التعظيم، وشوف في المقابل ماذا كان يفعل الكفار: يرون النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يجالس أولئك الضعفاء وهو بينهم تمامًا، بلال وخباب والصحابة الكرام، ولا يفعل فعل الكبراء، ويمشي بين الناس بشكل متواضع لله، فيقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾؛ يعني هو لا يستحق أن يكون رسولًا. طبعاً هم يستعملون ذلك تكذيبًا؛ لأن في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتِكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

فهنا ربنا يقول: هؤلاء إذا رأوك لا يستحضرون إلا السخرية والتعجب منك وكذا، بدلًا من أن يوقروا. زي ما قلت لك، السورة دي تذكر أن هؤلاء دائماً يفعلون الخطأ مع الله، تركوا عبادته وحده وعبدوا الأصنام التي لا تنفعهم. وفي القرآن بدلًا من أن يعتدوا به قالوا افتراءً، والنبي عليه الصلاة والسلام بدلًا من أن يوقروه ويعظموه سخروا منه. فربنا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، هل يمكن أن يكون الله اختار هذا لرسالته لو كانت حقًا؟ ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾.

يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم يقولون: لقد كاد هذا يضلنا عن آلهتنا التي نعبدها، فيصد عن عبادتها، لولا صبرنا عليها وثباتنا على عبادتها. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ يقول: هذا إنذار برضو، سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حل بهم على عبادتهم الآلهة، ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

كلمة ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾؛ هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن كثيرًا منهم كاد أن يسلم لولا هواه، يعني هو من شدة ما رأى آيات النبي صلى الله عليه وسلم كاد أن يسلم، ولكنه اتخذ إلهه هواه. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾، كاد أن يخرجنا من هذه العبادة إلى عبادة الله الواحد من كثرة ما رأينا من الآيات، وده يناسب معنى الفرقان. ﴿لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ يدل على صلابة هؤلاء في الكفر، ويدل على أن كثيرًا من الناس يبين له الحق بما لا يدع له أدنى مجال للشك، ومع ذلك يتبع هواه، ويريد أن يصبر على باطله، ولذلك هؤلاء سماهم الله سبحانه وتعالى بالمجرمين؛ لأنه بين له الحق والله تبارك وتعالى فصل. ولذلك ربنا قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.

يقول: من الراغب غير طريق هدى، والسالك سبيل الردى، ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، نفس الشيء، إنذار. وبنحو ما قلنا في تأويل قوله تعالى، قال أهل التأويل وذكر لابن جريج في ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾: قال ثبتنا عليها.

لاحظ هم يتفاخرون بتصلبهم في الكفر، دائمًا يفعلوا الخطأ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. يقول تعالى ذكره: أرأيت يا محمد من اتخذ إلهه شهوته التي يهواها؟ وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به. بعض الناس يقول: إزاي تكون الجملة هكذا ﴿اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، المفروض العكس، هو يتصور اتخذ هواه إلهه. يعني هو يتصور، أصلاً اتخذ تنصب مفعولين، فاهم؟ كقوله: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾؛ يعني اتخذوا الأصنام آلهة، فاتخذ إلهه هواه هي نفس المعنى؛ يعني جعل ما يهواه هو إلهه، جعل إلهه ما يهوى، فاهم؟ نفس الشيء.

فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ الآخر فعبده، فكان معبوده وإلهه ما يتخذه لنفسه. فلذلك قال جل ثناؤه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾؛ يقول تعالى ذكره: أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظًا في أفعاله مع عظيم جهله؟ ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، إن هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها ولا تفقه، بل هم من البهائم أضل سبيلاً؛ لأن البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم، بل يكفرون ويعفون من خلقهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. ما موقع ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ هنا يا شباب؟ ما معنى الوكيل هنا؟ المسؤول، الرقيب. الوكيل معناه الذي يتوكل بأمر ويكون مسؤولًا عنه، وحفيظًا عليه، ورقيبًا عليه. فربنا بيقول: هذا الصنف هل أجعلك أنا وكيلاً عليهم وأسألك عنهم؟ لا، لا تسأل عن أصحاب الجحيم. ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ هو نفس المعنى، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ نفس الشيء بالضبط. هل هذا الصنف من الناس تكون عليه وكيلاً؟ لا، لا يمكن أن تكون عليه وكيلاً. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ هذا الذي أنت رأيت أني أصرف له الآيات وآتي له بكل هذه النذر ثم مع ذلك يصبر نفسه على الباطل، فهل تكون أنت وكيلاً عليه؟ يعني ادخل بقى فيها، لا تحزن عليهم ولا تأسَ على القوم الكافرين. وهكذا، أيوه نفس الشيء.

يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ونحو ذلك. قال أهل التأويل: وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ يقول: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. لاحظ خذ بالك برضو أن هذه الكلمة فيها دلالتين، عايزك تركز فيها لأنها تكررت في القرآن كثيرًا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ فيها أمران؛ الأمر الأول: أنت لست مسؤولًا عنهم، والأمر الثاني: لن تستطيع هدايتهم. الاثنين مع بعض، يعني زي بالضبط: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾، يعني من أضله الله فمن يهديه من بعد الله؟ أو الآية الأخرى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾، نفس الشيء بالضبط. فيبقى ﴿لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ فيها معنيين: أنت لن تقدر على هداية هذا الصنف من الناس مهما فعلت، والأمر الثاني أنك لست مسؤولًا عنهم، ولن، أنت أديت ما عليك، فلا يستحقون أن تحزن عليهم ولا أن تأسَ عليهم.

وذكر بإسناده عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ قال: الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ومثلها: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ نفس الشيء.

وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾؛ يقول: ولو شاء لجعله دائمًا لا يزول، ممدودًا لا تذهب الشمس ولا تنقصه. وبنحو ذلك ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ولو شاء لجعله ساكنًا يقول: دائمًا. وذكر عن مجاهد قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ قال: لا تصيبه الشمس ولا يزول.

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾؛ هم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. ده يدل على ماذا؟ الثنائية دي جت كتير في القرآن، حتى واحدة منها في سورة يونس: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ أيوه. يعني يسمعونك الوحي الذي ينزل لكن لا يسمع سماع، أيوه أحسنت، اللي هو السماع هنا اللي هو بمعنى الطاعة أو الاستجابة، ما كانوا يستطيعون السمع، تحسب أن أكثرهم يسمعون، يعني سماع المنتفع؟ لا، ما كانوا يستطيعون السمع، يعني ما كانوا يطيقون أن يسمعوا إلى كلامه ولا يعقلون ما تأمرهم به، خلاص. فبالتالي أنت لم تقصر في دعوتهم. فهنا بقى ينتقل الكلام في الآية التي يقرؤها مهند، الكلام عن الله تبارك وتعالى وعن آياته، يخاطب نبيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾، قلت لك إن السورة دي كثر فيها كلمة الرب زي السور المكية التي يكثر فيها هذا الاسم.

الواضحة، واضح الدلالة كتير، بسيطة، لا لا يمتثل طبعًا، مش أي واحد. لذلك لما النبي عليه الصلاة والسلام قال لبعض الجالسين: أُمِت بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، لأنه قدامه قدام عينيه، النبي بنفسه بيقولك اعمل، قال له لا مش هقدر، قاله خلاص لا قدرت، مش هتقدر بقى خلاص، كان ليه؟ لأن الأمر جه مباشر من النبي عليه الصلاة والسلام وأنت تستطيع ومع ذلك تقول أنا مش قادر.

وذكر عن مجاهد قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ قال: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وذكر عن مجاهد أيضًا ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ قال: لا يزول. وأيضًا عن ابن زيد في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ قال: دائمًا لا يزول.

وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يقول جل ثناؤه: ثم دللنا أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه، أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، يثنيه إذا أراد. ﴿عَلَيْهِ﴾ من ذكر الظل، ومعناه: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلًا. وقيل معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، نظير الحلو الذي إنما يعرف بالحامض، والبارد بالحار، وما أشبه ذلك. وبنحو ذلك ذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يقول: طلوع الشمس. وذكر عن مجاهد: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال: تحويه. وذكر أيضًا عن مجاهد مثله، وذكر عن ابن زيد في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال: أخرجت ذلك الظل، فذهبت به.

وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يقول تعالى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضًا خفيًا سريعًا بالفيء الذي نأتي به بالعشية. وبنحو ذلك ذكر بإسناده عن مجاهد: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قال: حوت الشمس الظل.

وقيل إن الهاء التي في قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ عائدة على الظل، وأن معنى الكلام: ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الشمس إذا غربت قُبض الظل الممدود. قالوا: وذلك قبضه. واختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿يَسِيرًا﴾، فقال بعضهم: معناه سريعًا، وذكر عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يقول: سريعًا. وقال آخرون: بل معناه قبضا خفيا، وذكر عن مجاهد قال: خفيا. وذكر أيضًا عن ابن جريج ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قال: خفيا. قال: إن ما بين الشمس والظل مثل خيط، واليسير الفعيل من اليسر، وهو السهل الهين في كلام العرب، فمعنى الكلام إذا كان ذلك كذلك يتوجه لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد رضي الله عنهما بأن سهولة مضي ذلك قد تكون بسرعة وخفاء. وقيل إنما قيل ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة، ولا يقبل الظلام كله جملة، وإنما يقبض ذلك الظل قبضًا خفياً شيئاً بعد شيء، ويعقب كل جزء منه يقلبه جزء من الظلام.

عايزين بس نأخذ رأي الطاهر بن عاشور؛ ليه رأيي في هذه الآية أنها سيقت مناسبة لإنزال الله القرآن منجمًا ولم ينزله جملة واحدة؟ اقرأ كده الكلام ده بعد إذنك يا مهند.

قال: وتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقر أن الكلام.

متصل بنظيره من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: 6]، وما عطف عليه: ﴿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: 15]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الفرقان: 20]، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ [الفرقان: 31]، فكلها مخاطبات للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد جعل مد الظل وقبضه تمثيلا لحكمة التدريج في التكوينات الإلهية والعدول بها عن الطفرة في الإيجاد؛ ليكون هذا التمثيل هو يرى أن لا يتحول الأمر من الظل إلى الشمس مرة واحدة، لا شيئاً فشيئاً؛ فكذلك التدرج في إنزال القرآن جارٍ على سنة الله في الخلق والتكوين والتقدير.

ليكون هذا التمثيل بمنزلة كبرى القياس للتدل على أن تنزيل القرآن منجماً جارٍ على حكمة التدرج؛ لأنه أمكن في حصول المقصود، وذلك ما دل عليه قوله سابقاً: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32]. فكان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية، زيادة في التعليل على قوله: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، ويصب هذا إيماءً إلى تمثيل نزول القرآن بظهور الشمس في المواضع التي كانت مظللة. المواضع التي كانت مظللة بدأت الشمس تحتل منها أماكن، مثلاً هذا كله كان عليه ظل؛ فالشمس طلعت أخذت الجزء هذا وبعدين أخذت الجزء هذا، وأخذت الجزء هذا، فالنور طلع لهذا الظلام بالتدريج.

قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾، فإن حال الناس في الضلالة قبل نزول القرآن تشبه حال امتداد ظلمة الظل، وصار ما كان مظللاً ضاحياً بالشمس، وكان زوال ذلك الظل تدريجاً حتى ينعدم الفيء، فنظم الآية بما اشتمل عليه من التمثيل أفاد تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجماً بهيئة مد الظل مدرجاً، ولو شاء لجعله ساكناً. هذا رأيه، فهو يحاول أن يرى أثراً لهذا الأمر الذي ذكر الله أكثر من مجرد ذكر قدرة الله، وأن هذا من سننه؛ أنه كما جعل الشمس تحتل مواقع من هذا الفيء بالتدريج، وليست دفعة واحدة الظل يتحول إلى شمس فجأة، فكذلك الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه، يقول: كما أني فعلت ذلك في الآية الكونية، فأنا فعلته في الآية الشرعية، وهي القرآن.

هل ربنا لما يذكر آياته في الخلق يذكرها فقط لمجرد أنها قدرة، ولا للدلالة على حكمته ورحمته؟ فهو هنا يريد أن يقول هذا له أثر بما ذكر قبل، وليس مجرد ذكر القدرة والرحمة والنعمة، لا، وهو بيان أن سنة الله هكذا، فلذلك أنزل القرآن هكذا ولم ينزله جملة واحدة، ولذلك خطب به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، ذكر له مثالاً عملياً.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 47]. يقول تعالى ذكره: وهو الذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم أيها الناس الليل لباساً، وإنما قال جل ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، لأنه جعله لخلقه جنة يجنون فيها ويسكنون، فصار لهم ستر يستترون به كما يستترون بالثياب التي يلبسونها. وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾، يقول: وجعل لكم النوم راحة تستريح بها أبدانكم وتهدأ به جوارحكم.

وقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾، يقول تعالى ذكره: وجعل النهار يقظة وحياة، من قولهم: نشر الميت، كما قال الأعشى: حتى يقول الناس مما رأوا: يا عجباً للميت الناشر، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: 3]. وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك: أي ينتشر فيه. وانما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك؛ لأنه عقيب قوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ في الليل، فإذ كان ذلك كذلك، فوصف النهار بأن فيه اليقظة والنشور من النوم أشبه، إذ كان النوم أخا الموت. والذي قاله مجاهد غير بعيد من الصواب؛ لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشاً وفيه الانتشار للمعاش، ولكن النشور مصدر من قول القائل: نشر، فهو بالنشر من الموت أو النوم أشبه؛ كما صحت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أصبح وقام من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 48-49]. يقول تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح الملقحة نشراً؛ حياة أو من الحيا غيث الذي هو ننزله على عباده، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً؛ يقول: وأنزلنا من السحاب الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء طهوراً لنحيي به بلدة ميتة، يعني أرضاً قحطة جدبة لا تنبت. وقال: ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾، ولم يقل ميتة؛ لأنه أراد بذلك لنحيي به موضعاً ومكاناً ميتاً، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً من البهائم وأناسي كثيراً، يعني بالأناسي جمع إنسان، وجمع أناسي جعل الياء عوضاً من النون التي في الإنسان، وقد يجمع إنسان أناسين، كما يجمع البستان بستانين، وقيل: أناسي جمع واحده إنسي، فهو مذهب أيضاً محكي، وقد يجمع أناسي مخففة الياء، وكان من جمع ذلك كذلك أسقط الياء التي بين عين الفعل ولامه، كما يجمع القرقور قراقير وقراقيش، يصحح جمعهم إياه بالتخفيف، قول العرب أناسي كثيرة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: 50]. يقول تعالى ذكره: ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنزلناه من السماء طهوراً لنحيي به الميت من الأرض بين عبادي؛ ليتذكروا نعم عليهم ويشكروا أيادي عندهم وإحساني إليهم، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً، يقول: إلا جحوداً لنعم عليهم وأيادي عليهم. وبنحو ذلك ذكر بإسناده عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: سمعت الحسن بن مسلم يحدث طاوساً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه، قال: ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.

طبعاً هو هذا على تفسير الذين أرادوا أن يكون الهاء تعود على أقرب مذكور، وهو الماء. إنما عدد من العلماء يرون أن الهاء تعود على القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾، هذا هو القرآن، واستدل على ذلك بأمرين: أن عادة هذه الآية تأتي على القرآن في سورة الإسراء وغيرها، والأمر الثاني أن الله تبارك وتعالى قال لنبيه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]، فيكون الأولى أن يكون الكلام عن القرآن وليس عن الماء. فبعضهم قال: صرفناه، يعني الماء جعلناه في أحوال، أو القرآن صرفناه، يعني صرفنا فيه الآيات بيناها، واستدللنا على كل أمر بأكثر من وجه، ومع ذلك أبوا إلا كفوراً، ويكون الكفر هنا ليس كفر النعمة فقط، وإنما الكفر بالقرآن.

وذكر أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه في الأرضين، ثم تلا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾. وذكر عن مجاهد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ قال: المطر ينزله في الأرض ولا ينزله في الأرض الأخرى، قال: فقال: أما صرفناه بينهم ليتذكروا. وذكر عن ابن زيد في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ قال: المطر مرة هاهنا ومرة هاهنا. وذكر بإسناده عن عبد الله بن مسعود يقول: ليس عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾. وأما قوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾، فإن القاسم حدثنا قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج عن...

يكون ﴿لَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ لو للمطر، إيه معناها يا شباب في رأيكم؟ برأيك إيه ما وجه تصريف المطر هنا بالذكرى؟

إذا حصل عندهم جفاف سيقدرون نعمة المطر، فربنا يجعل هؤلاء عندهم مطر وهؤلاء ليس عندهم مطر، فتنته لنعمة الله، لكن مع ذلك لم ينفعهم هذه الذكرى أيضاً؛ جاءتهم كل الآيات ومع ذلك لا يعتبرون. أحياناً ربنا يجعل إنساناً مثلاً إنساناً دائماً يستعلي بطاعته ويزدري العصاة، فربنا يبتليه، يقدر له أن يقع في معصية كبيرة جداً، فبسببها يقدر نعمة العافية، ويرفق بإخوانه ويشفق عليهم وينصحهم ويتحول؛ لأن الإنسان قد ينبه، يعني ربنا إذا أراد بعبده خيراً ينبهه، ويكون هذا من لطف الله عليه. يعني من لطف الله عليه أنه زي مثلاً: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: 25]، طيب لو ربنا جعلهم يغلبون وهم يعجبون بكثرتهم؟ يبقى كده ممكن يقولوا: خلاص ده ما احنا كده بنغلب، إنما لا، ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ﴾ [التوبة: 25] فتقول: آه ده احنا كنا نغلب بالله، فاهم كده؟ فربنا ينبه. فربنا يصرفه بينهم، مثلاً عندهم مطر ودول ما عندهمش مطر، فيشعرون بالقيمة ويدعو الله ويرجون.

وكان من قبل أن ينزل عليه من قبل مبلسين، ممتاز جداً الله يفتح عليه، خلينا نكتبها دي.

وذكر عن... ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾، قال: قولهم في الأنواء، القول في قوله: مطرنا بنوء كذا، لم ينسبوا هذا لله، وهذا قول حق.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 51-52]. يقول تعالى ذكره: ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كل مصر ومدينة نذيراً ينذرهم بأسنا على كفرهم بنا، فيخف عنك الكثير من أعباء ما حملناك منه، ويسقط عنك بذلك مؤنة عظيمة، ولكنا حملناك ثقل إنذار جميع القرى لتستوي بصدك عليه، إن صبرت ما أعد الله لك من الكرامة عنده والمنازل الرفيعة قبله، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من أن تعبد آلهتهم فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات، ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهاداً كبيراً حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله ويدين به ويذعن للعمل بجميعه طوعاً وكرهاً.

وبنحو ذلك في قوله: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ قال أهل التأويل، ذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ قال: بالقرآن. وقال آخرون، وذكر بإسناده عن ابن زيد في قوله: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ قال: الإسلام، وقرأ عليهم وقرأ: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: 123] وقال: هذا الجهاد الكبير.

بعض العلماء اختلف في موضعها في هذه السورة، يعني أي متعلق يتعلق بها، أنا أجيب لك الآن كلام الشنقيطي رحمه الله. كتاب يا شباب "أضواء البيان" للشنقيطي من أنفس الكتب في الآيات التي تخص الإيمان أو أسماء الله تبارك وتعالى، أو الآيات التي يتوهم تعارضها، أو الآيات التي يمكن أن تسمى الآيات المشكلة التي تشكل على بعض الناس، من الكتب المهمة جداً كـ "أضواء البيان" للشنقيطي.

ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾: المعنى لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة، وبعثنا في كل قرية نذيراً يتولى مشقة إنذارها عنك، أي ولكننا اصطفيناك وخصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس تعظيماً لشأنك. فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدد التام في إبلاغ الرسالة، ولا تطع الكافرين، الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه صلى الله عليه وسلم بالرسالة لجميع الناس، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 158].

يعني هذا الأمر الذي تظن أنه جلب لك كل هذا، هو رفعة لك من جهتين؛ من جهة أن الله شرفك به، ومن جهة أنه سيعظم ثوابك وأجرك بسبب صبرك عليه، وهو ده معنى ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه: 2]؛ إحنا لم نجعل هذا لتشقى، لا ده احنا شرفناك به، ومن جهتين جهة أننا اختصاصك، والأمر الثاني أنك سترفع درجتك بهذا الأذى وبهذا الصبر وهذا الجهاد، دي وجهة نظر عدد كبير من العلماء، فأنت الآن في مقام الشكر فجاهد به، أعرض عنهم، تمام كده خلاص، نجيب بقى موضع ثاني أو وجهة أخرى في الكلام عن هذه الآية وهي الطاهر بن عاشور.

جملة الاعتراض بين ذكر دلائل تفرد الله بالخلق وذكر منته على الخلق ومناسبة موقع هذه الجملة وتفريغها بموقع الآية التي قبلها خفية، وقال ابن عطية في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾ [الفرقان: 51]: اقتضاب يدل عليه ما ذكر؛ تقديره: ولكن أنا أفردتُك بالإنذار. وحملنا ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾؛ فإن كان عنى بقوله اقتضاب معنى الاقتضاب الاصطلاحي بين علماء الأدب والبيان، وهو عدم مراعاة المناسبة بين الكلام المنتقل منه والكلام المنتقل إليه، كان عدولاً عن التزام تطلب المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها. وبعض أهل العلم قالوا: لا، ده أمر جديد، فما تتعبش نفسك لتجد المناسبة والصلة بينه وبين ما قبله، فاهم كده؟ فده قال لك ده كلام جديد، ربنا يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾.

لكن الذين قالوا الأقوال السابقة يريدون أن يربطوا بين هذه الآية وبين باقي الآيات، فقالوا: فما هو الربط؟ أن هذا الإنذار وهذا القرآن حملك أعباءً كثيرة بسبب أن الذين تنذرهم منهم من يسخر، ومنهم من يتهمك، ومنهم من كذا، فاتسعت دائرة الأذى، تمام؟ فربنا بيقول: كنا ممكن نخفف عنك ونخليك يعني واحد غيرك هو الذي ينذر، لكن لا؛ جعلناك نذيراً للعالمين، فشرفناك بذلك، وستعظم أجرك، دي وجهتهم. اللي قال بقى الاقتضاب بيقول: لا لا، ده كلام جديد مش مرتبط باللي قبله، بس هو لسه يتعقب هذا.

بسم الله، وقال: وليس الخلو عن المناسبة ببدع، فقد قالوا عادي، قالوا ممكن يكون الكلام مش لازم يكون كل كلام في بينه وبينه مناسبة، فقد قال صاحب تلخيص المفتاح: وقد ينقل منه -أي مما شُبب به الكلام- إلى ما لا يلائمه، أي لا يناسب المنتقل منه، ويسمى الاقتضاب، وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين. إلى آخره. لسه الكلام قال: وإذا كان ابن عطية عنا بالاقتضاب بمعنى القطع، أي الحذف من الكلام، أي إيجاز الحذف كما يشعر به قوله: يدل عليه ما ذكر تقديره إلى آخره، كان لم يعرج على اتصال هذه الآية بالتي قبلها.

وفي الكشاف، هو الآن يا شباب طريقته إيه؟ إن هو بيعرض الأقوال المشهورة في الآية، ثم إذا رأى رأياً مخالفاً يذكر الرأي ويحاول أن يحشد الأدلة عليه؛ لأن هو أصلاً أحياناً يخرج برأي لا يرى أحداً سبقه إليه، زي مثلاً لما قال: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: 5] قال: يعني من كان يؤمن بالآخرة فأولى به أن يؤمن بصدق وعد الله بأنه سينصره في بدر، هو ده وجهة نظره، وهي قوية جداً. فهو هنا عايز يوصل لفكرة، بس الأول هيقول لك القول الشائع المشهور: إحنا كنا ممكن نخفف عنك أعباء الرسالة، ولكن لكرامتك ومنزلتك شرفناك بذلك، وبصبرك ستعلو منزلتك، ده الكلام الأكثر. بيقوله هو هيرى رأياً آخر، اتفضل.

قال وفي الكشاف: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء إنذار جميع القرى ولبعثنا في كل قرية نبياً ينذرها، وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمنا على سائر الرسل، أي بعموم الدعوة، فقابل ذلك بالتصبر. وقد قال الطيبي: ومدار السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الناس كافة، ولذلك افتتحت لما يثبت عموم رسالة محمد صلى الله عليه واله وسلم إلى جميع الناس بقوله تعالى: ﴿لِّيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]. وليس في كلام الكشاف والطيبي إلا بيان مناسبة الآية لمهم أغراض السورة دون بيان مناسبتها للتي قبلها.

والذي أختاره أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، فالآية فبعد أن بين إبطال طعنهم فقال: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32]، انتقل إلى تنظير القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى صلى الله عليه وسلم، وكيف استأصل الله من كذبه، ثم استطرد بذكر أمم كذبوا رسلهم، ثم انتقل إلى استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه عن دعوته بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]، وتسلسل الكلام بضرب المثل بمد الظل وقطعه، وبحال الليل والنهار، وإرسال الرياح أمارة على رحمة غيثه الذي تحيا به الموت، حتى انتهى إلى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾.

ويؤيد ما ذكرنا اشتمال التفريع على ضمير القرآن في قوله: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ [الفرقان: 52]، ومما يزيد هذه الآية اتصالاً بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أن في بعث نذير إلى كل قرية ما هو أشد من تنزيل القرآن مجزأً؛ فلو بعث الله في كل قرية نذيراً، لقال الذين كفروا: لولا أرسل رسولاً واحداً إلى الناس جميعاً؟ فإن مطاعنه لا تقف عند حد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]. وتفريع ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ على جملة ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾؛ لأنها تتضمن أنه مصلٍّ إلى المشركين من أهل مكة، وهم يطلبون منه الكف عن دعوتهم وعن تنقص أصنامهم، والنهي مستعمل في التحذير والتذكير، وفعل تطع في سياق النهي يفيد عموم التحذير من أدنى الطاعة، والطاعة عمل المرء بما يطلب منه؛ أي فلا تهم في الدعوة رعياً لرغبتهم أن تلين لهم، وبعد أن حذره من الوهن في الدعوة، أمره بالحرص والمبالغة فيها، وعبر عن ذلك ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ بالقرآن.

لكن أنا أقرأ لكم مرة ثانية وعايزك تقول لي هو عايز يقول إيه وخالفهم في ماذا؟ أقرأ لك بالراحة بس عايزك تركز عشان تتعلم كيف تفهم المقالات والاختلاف. هو بيقول خلاص ذكر كلام ابن عطية وغيره، وذكر كلام الكشاف المشهور، اللي هو: لو شئنا لخففنا عنك أعباء إنذار جميع القرى ولبعثنا في كل قرية، ولكن جعلناك للعالمين نذيراً، تمام؟ فهو بيقول إيه بقى، ركز، هو صفحة واحدة بس عايزك تركز فيها، بيقول: وليس في كلام الكشاف والطيبي إلا بيان مناسبة الآية لمهم أغراض السورة، صح كدة؟ فكلامهم ده يدل على أن الآية لها صلة بـ ﴿لِّيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ بس ما جابوش أي صلة للآية بما قبلها، يبقى كأنهم بيقولوا ده اقتضاب، يعني إحنا دخلنا في موضوع تاني، تمام؟

فهو بيقول إيه بقى هنا: والذي أختاره أنا أن هذه الآية متصلة بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، يعني عايز يقول إن الآية دي لها صلة بهذا الأمر، طب إزاي بقى؟ قال: فبعد أن بين إبطال طعنهم فقال: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ انتقل إلى تنظير القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى، آه، يبقى هو يرى أن هذا المفتاح تنوعت الأدلة في الرد عليه؛ الأول ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ كمن آتيناه الكتاب مفرّقاً، تمام؟ يبقى ده لسه متصل، يبقى لسه الكلام عنه جميل. طيب فبعد أن بين إبطال طعنهم في ﴿كَذَٰلِكَ﴾ انتقل إلى تنظير القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى، وكيف استأصل الله من كذبوه، ثم استطرد بذكر أمم كذبوا رسلهم، ثم انتقل إلى استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه عن دعوته بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، وبعدين ضرب مثلاً آخر في وجهة نظر يعني ابن عاشور على التدرج، اللي هو: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، صح كدة؟ وبعدين إرسال الرياح برضو نفس الشيء، أمارة على رحمة غيثه الذي تحيا به الموت (يعني الأرض الميتة) حتى انتهى إلى قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾.

ويؤيد ما ذكرناه اشتمال التفريع على ضمير القرآن في قوله: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾، يبقى لسه القرآن، لسه الكلام عن القرآن وليس عن بعثتك أنت، حلو كدة؟ ومما يزيد هذه الآية اتصالاً بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أن في بعث نذير إلى كل قرية ما هو أشد من تنزيل القرآن مجزأً، فهمنا؟ يعني إحنا أرسلنا رسولاً واحداً بقرآن مفرق، فهم قالوا: لولا القرآن نزل جملة، فربنا بيقول: ده أنا لو شئت لبعثت نذيراً، تمام؟ لو أنا بعثت في كل قرية نذيراً هم سيردون عليك، قالوا: هلا كان نذيراً واحداً؟ فكان الطاهر بن عاشور عايز يقول: هذا بيان أن أولئك يخترعون تلك الشبهات، فمهما أتيت لهم أدوا عليك من الشبهات، ده رأيه. هل هو بيقول إن القول الثاني خطأ؟ لا، هو القول الثاني صح، بس هو يرى أن هناك مناسبة متصلة بالكلام قبله أكثر من مجرد عموم الرسالة. يا أرجو أن أنتم تكونوا فهمتوا، فاهم دي وجهة نظره، أن هو يرى ذلك؛ بيقول إيه يا شباب؟ بيقول إن في بعث نذير إلى كل قرية ما هو أشد من تنزيل القرآن مجزأً؛ فلو بعث الله في كل قرية نذيراً لقال الذين كفروا: لولا أرسل رسولاً واحداً إلى الناس جميعاً؟ فإن مطاعنه لا تقف عند حد، كما قال الله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا﴾ مهما نعمل برضو هيعملوا، مهما نعمل برضو هيعملوا. فهو يرى إيه؟ وخد بالك يا شباب، أنا عايزك تركز في الفكرة دي عشان تعرف قوة كلامه هنا إيه وقوتها.

ركز معايا كدة، الطاهر بن عاشور عنده حاجة بصراحة يندر أن تجدها في باحث من المفسرين، والغريب أن النفس ده كان في من أول الكتاب لآخره؛ يعني مش مثلاً في سورة البقرة يتعب وبعد كدة كل القرآن يخليه، لا نفس الجلد والنشاط، هو بس عنده في رأي مشكلة كبيرة جداً وهو أن هو تأثر بالمتكلمين من الأشاعرة، طبعاً هي دي مشكلة ليست مشكلة خفيفة، لا مشكلة عظيمة، أن هو قال بمقالة في باب أسماء الله ومحامده، لكن كمان في أثر أن هو متأثر باللغويات زي الكشاف وغيره، بس في ذكر صلة الآية بما قبلها أو بالسورة هو من أحسن من قرأت له على الإطلاق.

أنا عايز أفهمك، هو عايز يقول إيه دلوقتي يا شباب؟ في ممكن واحد ينظر للآية كالتالي: ربنا يقول لنبيه (يعني بدأ كلاماً جديداً بعد ما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾) فبيقول له: لو أردنا، لو شئنا، خففنا عنك أعباء الرسالة فأرسلنا لكل قرية نذيراً، وأنت استرحت من هذه الأعباء، ولكن لمنزلته عندنا كرمناه بذلك، فبناءً على أننا كرمناه كن قوياً و﴿جَاهِدْهُم بِهِ﴾ حلو. قال لك ده كلام جميل، بس لماذا قال بعدها ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ و﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ أمره ونهاه صح ولا لا؟ فقال لك: أنا رأيي أن الكلام مش كدة خالص، طب أما ليه؟ قال لك: ده هو ربنا بيقول للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم: كل ما تعمل حاجة هيخترعلك شبهة، تمام كدة؟ فريح نفسك منهم، زي بالضبط ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 35] فيهم بأيه؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [الأنعام: 35] ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 35]. يقولون لك: هات آية لنؤمن، تأتي بالآية يقولون: كفرنا، خلاص كدة، ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فيما يقترحون عليك من الآيات ولا تصدق أن إيمانهم معلق بهذا، و﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾، فهو هنا انتقل من الصلة العامة بالسورة للصلة الخاصة بكلمة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾.

مش هم يا شباب كم "لولا" جت في السورة؟ مين يقول لي، مين يقول لي كم "لولا" جت في السورة؟ ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 7] أو ﴿يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: 8]، صح مش كل دي "لولا"؟ طيب وبعدين ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، كل دي "لولا"، ده معناه إيه؟ أن كل ما تسد باباً من الشبهة يخترعلك شبهة جديدة، ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: 21]، فاهم كدة؟ الله ينور عليك، ﴿لَوْلَا أُنزِلَ﴾ أحسنت يا عبده، لولا أنزل، أو لنا ربنا كل شوية يخترعوا، فمن ضمنها إيه؟ فربنا بيقول لك: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾ برضو هيجيبوا لك حجة، هيقول لك طب ما كان يكون نذير واحد، صح؟ ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا﴾، تجيب لنا قرآن أعجمي وإحنا عرب! ففي الآخر قطع كل هذا بإيه؟ ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾، سيبك منهم، كل ما تنازلت الله يفتح عليك، يعني أنت تريد أن تجيبهم طمعاً في إيمانهم، هم أصلاً مش عايزين يؤمنوا، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 109]. وهذا الوجه من أجمل ما يكون، سورة مترابطة جداً، سورة الأنعام دائماً، أيوه أيوه، الله يفتح عليك، إن هم دائماً يطلبوا آيات، وبعدين ربنا قال يشعرك، أيوه طبعاً ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، يبقى ربنا سبحانه وتعالى لما قال ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ في رأيي هذا حجة لقول الطاهر بن عاشور؛ لأن ما لهاش صلة، لأن مثلاً أنت تعرف الذين قالوا: نحن شرفناك بهذا واجتهد واصبر، لما تجون عند كلمة ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ لأنها تفريع، ما هي ما ده اسمه تفريع يا شباب، تفريع، خلاص، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾، ده اسمه تفريع، الفاء دي يعني.

لا تطع الكافرين؛ أي فيما يقترحون عليك من الآيات. فاهمنا كده؟ مفهوم ولا نعيدها ثاني يا شباب؟ شوف، احنا خدنا فيها وقتنا، في حد لسه مش فاهم؟ ما فيهاش إحراج؛ احنا عادي ممكن يخفى عليك وجه، فهمنا؟ المجموعة الأكثر قالوا: احنا كنا ممكن نخفف عليك فكرم هناك وجعلناك نذيرا للعالمين فتحمل تبعات هذا، وده له شواهد. هل هذا المعنى خطأ؟ صح 100% وموافق لكلمة «للعالمين نذيرا»، بس التفريع عليه بـ «فلا تطع الكافرين وجاهدهم به» ده اختلف هنا، فده يدل على «لا تطع الكافرين» في ماذا؟ فيما يقترحون عليك من الآيات وفيما تظن أنهم يتعلق إيمانهم بوجوده؛ زي «فلا تكونن من الجاهلين»؛ بالضبط تمامًا. هذا التفريع مطابق لهذا التفريع بدون أدنى شك؛ لأن الأول بيقول: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: 35]، وبعدين ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 35]؛ هنا ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]؛ ابقَ كما أنت. فأشوف أن هذا وجه جميل جدًا وهو اجتهاد منه رحمه الله.

قال القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: 53]. يقول تعالى ذكره: والله الذي خلط البحرين؛ فأمر أحدهما في الآخر، وأفاض فيه. وأصل المرج الخلط، ثم يقال لتخلية الشيء مرج، لأن الرجل إذا خلّى شيئًا حتى اختلط بغيره فكأنه قد مرجه. ومنه الخبر عن النبي ﷺ وقوله لعبد الله بن عمر: «كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتكم، وصاروا هكذا؟» وشبك بين أصابعه، يعني بقوله: قد مرجت؛ اختلطت. ومنه قول الله تعالى في ﴿أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5] أي مختلف. وإنما قيل للمرج مرج من ذلك؛ لأنه يكون فيه أخلاط من الدواب. ويقال مرجت دابتك؛ أي خليتها تذهب حيث شاءت.

احنا قلنا فلا تطع الكافرين؛ يعني إيش الطاعة؟ هي عمل المرء بما يطلب منه؛ يعني لا تستجب لهؤلاء فيما يقترحون عليك وتظن وتطمع في إيمانهم؛ لأن هؤلاء لو أجبتهم هيختاروا لك حاجة جديدة؛ ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحجر: 14-15]. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: 1-3]؛ هو زي ما هم، ما فيش حاجة غالبة، فهمنا؟

ومنه قول الله تعالى في الأمر مريج أي مختلط، وإنما قيل للمرج مرج من ذلك لأنه يكون فيه أخلاط من الدواب، ويقال مرجت دابتك أي خليتها تذهب حيث شاءت، ومنه قول الراجز: رعى بها مرج ربيع مرجًا. ومنه ما قلناه في تأويل ذلك، قال أهل التأويل وذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ يعني أنه خلى أحدهما على الآخر. وذكر عن مجاهد في قوله ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أفاض أحدهما على الآخر، وذكر أيضًا عن مجاهد مثله، وقال وذكر عن الضحاك يقول في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ يقول: خلى أحدهما على الآخر.

وقوله ﴿هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ الفرات شدة العذوبة، ويقال هذا ماء فرات أي شديد العذوبة. وقوله ﴿وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ يقول وهذا ملح مر. يعني بالعذب الفرات مياه الأنهار والأمطار، وبالملح الأجاج مياه البحار. وإنما عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه وعظيم سلطانه يخلق ماء البحر العذب مع ماء البحر الملح الأجاج، ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته وإفساده إياه بقضائه وقدرته، لئلا يضر إفساده إياه بركوب الملح منهما، فلا يجد ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء. فقال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ يعني حاجزًا يمنع كل واحد منهما من إفساد الآخر، ﴿وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ يقول: وجعل كل واحد منهما حرامًا محرمًا على صاحبه أن يغيره ويفسده. وبنحو ذلك قال أهل التأويل، وذكر بإسناده عن ابن عباس قوله: ﴿هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ يعني أنه خلى أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب. وقوله ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ قال: البرزخ الأرض بينهما، ﴿وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ يعني حجر أحدهما على الآخر بأمره وقضائه، وهو مثل قوله ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: 61].

وذكر عن مجاهد ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ قال: محدثًا. وقوله ﴿وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: لا يختلط البحر بالعذب. وذكر أيضًا عن مجاهد ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ قال: حجاب لا يراه أحد، لا يختلط العذب بالبحر. وقال ابن جريج: فلم أجد بحرًا عذبًا إلا الأنهار العذاب، فإن دجلة تقع في البحر، فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر فلا تمور فيه، بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر، والنيل يصب في البحر. وذكر عن مجاهد ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ قال: البرزخ أنهما يلتقيان فلا يختلطان. وقوله ﴿وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: لا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا، لا يبغي أحدهما على الآخر. وذكر عن الحسن في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: هذا اليبس. وذكر عن قتادة في قوله ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: جعل هذا الأجاج، قال والأجاج المر. وذكر بإسناده عن الضحاك يقول: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ يقول خلى أحدهما على الآخر فلا يغير أحدهما طعم الآخر، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ هو الأجل ما بين الدنيا والآخرة، ﴿وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ جعل الله بين البحرين حجرًا؛ يقول حاجزًا حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه. وذكر عن ابن زيد في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: حجرًا محجورًا؛ جعل بينهما حجرًا لا يلتقيان، قال والعرب إذا كلم أحدهما الآخر بما يكره قال: حجره؛ قال حجرًا دون الذي تقول.

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ دون القول الذي قاله من قال معناه إنه جعل بينهما حاجزًا من الأرض أو من اليبس؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين، والمرج هو الخلط في كلام العرب على ما بيّنت، وهذا معنى يلتقيان على ما بيّنت قبله. فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه؛ فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه فليس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجبًا وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54]. يقول تعالى ذكره: والله الذي خلق من النطف بشرًا إنسانًا، فجعله نسبًا وذلك سبعة، وصهرًا وهو خمسة. وذكر بإسناده عن الضحاك يقول في قوله تعالى ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ النسب سبع قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، والصهر خمس قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. وقوله ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ يقول: وربك يا محمد ذو قدرة على خلق ما يشاء من الخلق وتصريفه فيما شاء وأراد.

لاحظ، شوف ربنا يبين هنا حكمته وتصريفه؛ التصريف يعني سواء في التشريع أو في الخلق. فمثلاً ربنا كل هذه بهائم، ربنا يبين هذه الأنعام وهذه البهائم منها أنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون؛ تمام، بس مش بتركب، لكن في أنعام ثانية، لأ، أنعام كالخيل والبغال والحمير لتركبوها. طيب، في أنعام أصلاً مش مسخرة لكم زي السباع وهكذا، هذا التفصيل، كذلك في التشريع، ربنا مثلاً في التشريع يجعل الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والفجر ركعتين، والمغرب ثلاثة، وبعدين ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. هذا التفصيل فربنا هنا يبين هذا التفصيل، كلهم مخلوقون من أصل واحد لكن منه نسب ومنه صهر، هذه امرأة وهذه امرأة، هذه محرمة وهذه حلال، ربنا يبين خلقه وشرعه في مقابل هذه الأصنام، لذلك بعد ده كله يقول إيه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55]. بدل ما دائمًا بيعمل الغلط الكافر، بدل ما يكون مع ربه، لأ ده هو واقف مع الأصنام التي لم تفعل له أي شيء من ذلك، وهو ظهير على ربه، كل ما يدعى إلى الله يقول لأ ده فيه كذا وفيه كذا، وله أنداد وله كذا، هو ظهير على ربه بدل ما يكون ظهير مع ربه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. دي بالضبط هذه الآية موقعها يطابق موضع الآية بعد قول الله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، بعدين ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وبعدين ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، هنا نفس الشيء، الم ترى إلى ربك، وبعدين جعله نسبًا وصهرًا، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، نفس الشيء.

يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهة لا تنفعهم فتجلب إليهم نفعًا إذا هم عبدوها، ولا تضرهم إن تركوا عبادتها، ويتركون عبادة من أنعم عليهم من هذه النعم التي لا كفاء لأبنائها، وهي ما عدد علينا جل جلاله في هذه الآيات من قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] إلى قوله ﴿قَدِيرًا﴾. ومن قدرته، القدرة التي لا يمتنع عليه معها شيء أراده، ولا يتعذر عليه فعل شيء أراد فعله، ومن إذا أراد عقاب بعض من عصاه من عباده أحل بهم ما أحل بالذين وصفت صفتهم من قوم فرعون وعاد وثمود.

شوف قال إيه؟ أول حاجة ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، وبعدين ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، تمام، وهنا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾؛ لازم تلاقي في هذه السور التي يذكر فيها ما يتعرض له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تصبير وبشرى من الله. لازم «اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا». شفت الكلمة الكبيرة دي؟ هذا يدل على مدى؛ يدل على أن إذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى هذه البشرى فكيف بنا وكيف بالمسلم؟ لذلك ربنا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، بشرهم وفرح.

فبعض الناس يستعمل دائمًا الجلد والضرب ويفكر أن ده طريق، غلط، ده طريق ناس حظًا مما ذكروا به؛ لأن جانب عظيم هدى وبشرى، هدى وبشرى؛ يهدي للتي هي أقوم ويبشر، فيبقى أنت تقول له شد حيلك واجتهد وربنا معك، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، يبقى أنت هديته وشجعته وشديت من أزره وبشرته. فهنا نفس الشيء، ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾، ﴿بَصِيرًا﴾، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿اصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ بشرى؛ يبقى أنت محتاج للبشرى ولا لا؟ تحتاج إلى هذه البشرى وتحتاج أن تقرأ هذه البشرى، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يبقى أنت لما...

تغفل هذا يبقى أنت ستكون ناقصاً من هذا الجانب، ولازم ما دمت نسيت حظاً من هذا الذي ذُكّرت به لا بد أن ينتج عن هذا النسيان شيء؛ ممكن تيأس من رحمة الله لأنك ما عندك البشرى، وممكن تقع في ذنب فتقول: خلاص ما أنا كده كده ضائع بقى؛ لأنك أفلتّ هذا الجانب. يبقى زي ما قلت لك، القرآن كل اسم في القرآن يجب أن تتعرض لبركة هدى وبينات من الهدى والفرقان. لذلك ابن تيمية بيقول قاعدة جميلة: ليس كل من وجد العلم يستطيع أن يستدل له، وليس كل من استدل للعلم يستطيع أن يناظر عنه. وجمعها في قول الله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. هل كل واحد على الهدى يستطيع أن يستدل لهذا الهدى؟ لا. طيب هل كل مستدل يستطيع أن يناظر عنه؟ لا. فيبقى إيه؟ يبقى هدى وبينات وفرقان وبشرى وإنذار وتبصرة وتذكرة. فكلما تعرضت لشيء من هذا كلما ازداد علمك بهذا الكتاب ونلت بركة منه.

فاهم كده؟ زي ما يكون واحد يا شباب دخل حديقة كبيرة جداً، فهو أول ما مشي مشي لقى شجرة تفاح ففضل يأكل ويأكل ويأكل منها، وما يعرفش أن في ثمرات أعظم ثاني موجودة، هو اكتفى من دي. فاهم كده؟ طب هل هو اكتفى بها لأن ما فيش غيرها موجود؟ لا، هو ما طلبش غيرها أصلاً فما يدورش، لو دور هيلاقي نفس الشيء. واحد يركز في القرآن على جانب البراهين والأدلة جميل، ويقعد يجمع الآيات اللي فيها براهين وأدلة، وتمر عليه آيات فيها بشرى وفرقان وإنذار يغفلها، يبقى خلاص هو ده حظه؛ لأنك تأخذ من القرآن بقدر ما تطلب، وليس بقدر ما فيه. أنت دخلت سوبر ماركت كبير فيه كل الحلويات والأجبان وفي كل حاجة، بس أنت عاوز عصير، هتاخد العصير وتمشي. فاهم كده؟ فأنت لا تأخذ بقدر ما فيه، وإنما بقدر ما أنت مستعد له وبقدر ما تطلب. فيبقى لما ربنا يقول لك القرآن هدى أو بشرى أو حكيم أو نذير أو قيماً، فأنت تطلب صفة القيم، يأمر وينهى، صفة البشارة؛ لكن لو فوّتّ واحدة منها ينقص علمك بالقرآن بقدر هذا.

تفضل، قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55]، يقول تعالى ذكره: وكان الكافر معيناً للشيطان على ربه، وظهيراً له على معصية. وبنحو الذي قلنا في ذلك، شوف قلت لك دائماً يفعلون الخطأ. صح، أهي دي بقى جامعة، هذا الرب الذي فعل كل هذا، خلق ورزق وله الملك ودبّر ولم يتخذ ولداً وهداك وجعل لك وجعلنا لك، شوف جعلنا الليلة، وجعلنا كل ده وبعدين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم؟ وكان الكافر على ربه ظهيراً؛ يعني هو ينصر أولئك التي لم تفعل له أدنى شيء، وهو ظهير على ربه يصد عن سبيله؛ فدائماً يفعل الخطأ. نعم، ممتاز 100 في المئة؛ لأن الله فعل كل لينفعك، وهم لم يفعلوا أدنى شيء، فكيف تعبد من لا يملك لك ضرراً ولا نفعاً؟ وتكون ظهيراً على ربك الذي فعل لك ذلك كله؟ تفضل.

أحسن الله إليكم، وذكر بإسناده عن مجاهد: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: يظاهر الشيطان على معصية الله، يعينه. وذكر أيضاً عن مجاهد قوله: ﴿عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: معيناً، وذكر أيضاً عن مجاهد مثله. وقال ابن جريج: أبو جهل معيناً، ظهير الشيطان على ربه. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: عوناً للشيطان على ربه على المعاصي.

وذكر بإسناده عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: على ربه عوناً، والظهير العوين. وقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: 86] أي قال: لا تكونن لهم عوناً. قرأ أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: 26] قال: ظهيراً، أعانهم. وذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يعني أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل بن هشام. أي وقد كان بابهم يوجّه معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ إلى: وكان الكافر على ربه هيناً، من العرب ظهرت به فلم ألتفت إليه، إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه. وكان الظهير كان عنده فعصرف من مفعول إليه من مظهور به؛ كأنه قيل: وكان كافر مظهراً به. كلمة ظهير قد تأتي بمعنى الفاعل والمفعول، زي كلمة قتيل أو جريح معناها مجروح أو مقتول، تمام كده؟ ولكن هذا لا يناسب السياق؛ ليه؟ لأن السياق يتكلم عن تصرف هذا الكافر تجاه نعم الله، هي ما بتتكلمش عن منزلة هذا الكافر عند الله، لا، هي بتتكلم عن أنه قابل هذا بأنه عبد من دونه وصد عن سبيله؛ فأرى أن هذا المعنى بعيد جداً، حتى لو كان جائزاً في لسان العرب، ليس كل ما هو جائز في لسان العرب يصح أن يكون تفسيراً للآية.

تفضل، قال: والقول الذي قلناه هو وجه الكلام والمعنى الصحيح؛ لأن الله تعالى أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه، فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمه إياهم وذم فعلهم، دون الخبر عن هوانهم على ربهم. نعم، ولما يجب لاستقبالهم عليه فذكر فيتبع الخبر عن هوانهم عليه. أيوه، يبقى لم يأتِ، لو كان تكلم مثلاً ﴿لَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105] يأتي هذا المعنى. طيب نقف هنا يا شباب، ونسأل الله أن يعيننا وينفعنا بما تعلمنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.