تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس الخامس من اجتماعنا على قراءة تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله لسورة الفرقان المباركة والتعليق عليها.

تفضل القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 56-57]. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرًا بالثواب الجزيل لمن آمن بك وصدقك وآمن بالذي جئتهم به من عندي وعملوا به، ونذيرًا لمن كذبك وكذب بما جئتهم به من عندي فلم يصدقوا به ولم يعملوا. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ يقول له: قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم: ما أسألكم يا قوم على ما جئتكم به من عند ربي أجرًا، فتقولون إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه كيما لا نعطيه من أموالنا شيئًا. ﴿إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ يقول: لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلاً طريقًا بإنفاق من ماله في سبيله، وفيما يقربه إليه من الصدقة والنفقة في جهاد عدوه وغير ذلك من سبل الخير.

طبعًا لاحظ أن الله سبحانه وتعالى قال هنا: ﴿قُلْ﴾، و﴿قُلْ﴾ تكررت في السورة لبيان الفرقان بين الحق والباطل لإقامة الحجة على هؤلاء. فمن جملة هذه الحجج أني فيما دعوتكم إليه لم أطلب رياسة، ولم أطلب دنيا، ولم أطلب منكم أجرًا، لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً اتبعني. وهذا يؤكد على الفكرة التي ذكرتها لكم أن الله تبارك وتعالى يريد أن يمحضه للحق، فلا هو يسألهم أجرًا، ولا هو يملك لهم شيئًا من الدنيا، ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾. فكما أنه ليس عنده ما يغريهم لاتّباعه لحظ الدنيا، فكذلك هو لا يسألهم لنفسه أجرًا، ﴿إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، مثل بالضبط أن هذه تذكرة.

ما معنى ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ في سورة الشورى؟ معناها لأن كلمة ﴿إِلَّا﴾ ذكرت هنا وذكرت في أحيانا تكون ﴿إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، طيب هنا ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾؟ قيل: إلا أن تصلوا قرابتي، فهذا نوع من الأجر، الأجر الذي الله سبحانه وتعالى طلبه منكم هو الإحسان إلى القربى والمودة له. يعني هو لا يطلب على رسالته أجرًا إلا أن يراعوا قرابته، إلا الإحسان، ليس الأجر المادي لكن هو الأجر المعنوي، أجر عمومًا، فيبقى كلمة ﴿إِلَّا﴾ كأنك ترى أنها على بابها: إلا أن تصلوا قرابتي، لا أسألكم عليه أجرًا ولكن بيني وبينكم مودة في القربى.

وبعض أهل العلم يقول: إن لم تقنعوا بدعوتي فلا أقل من أن تخلوا بيني وبين الناس، يعني أن تراعوا قرابتي، فمن هذه الجهة لا تصدوا عن سبيلي، ده بعض الأقوال، وبعضهم قال: إلا أن تصلوا قرابتي، وهذا في فضل آل البيت، أنه يراعى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إكرامًا له.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58]. يقول تعالى ذكره: وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها، فثق به في أمر ربك وفوض إليه واستسلم له واصبر على ما نابك فيه. وقوله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ يقول: واعبده شكرًا منك له على ما أنعم به عليك. وقوله ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ يقول: وحسبك بالحي الذي لا يموت مخبرًا بذنوب خلقه، فإنه لا يخفى عليه منها شيء، وهو محصٍ جميعها عليهم حتى يجازيهم بها يوم القيامة.

الله سبحانه وتعالى هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أولًا قال له ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، إذا أنت لست عليهم بوكيل، لست عليهم بمسيطر، يدخل فيها ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ ولست ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ كما في قراءات، كل هذا يدخل تحت هذا مبشر ونذير، إنما أنت نذير، إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد. ثم بعدين ربنا قال ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أنا لا أسألكم لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه، وليس إليّ، سبيلاً فليتخذ. تمام كده؟ ثم جاء الأمر للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهذا يأتي كثيرًا في السور المكية خصوصًا التي نزلت في بداية الدعوة المباركة.

شوف سورة مثلًا الطور: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، نفس الشيء سورة وتوكل على الحي الذي لا يموت، هنا ﴿وَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ في سورة هود، صح ولا لا؟ ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، فإن ربنا هنا كما قال ﴿وَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، قال ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ في ماذا؟ في تبليغ دعوتك وفيما يفعله بك أولئك المجرمون. توكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده، وهذا يأتي كثيرًا في القرآن الذي هو التسبيح بحمد الله في موضع الاستعانة، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين في آخر سورة الحجر، صح ولا لا؟ فالتسبيح بحمد الله هذا من أعظم الأمور التي يستعان بها، ولذلك موسى عليه السلام قال: ﴿اجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. فهو قال توكل وسبح بحمده، وكفى به يعني هو يعلم ليس غافلاً عما يعمل الظالمون، ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون، وكفى به بذنوب عباده خبيرًا، هو يعلم ما يفعله بك، ويعلم ما في صدرك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 59]. يقول تعالى ذكره: وتوكل على الحي الذي لا يموت، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. فقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وقد ذكر السماوات والأرض، والسماوات جماع، لأنه وجه ذلك إلى الصنفين والشيئين، كما قال القطامي: ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينت انقطاعًا، يريد وحبال تغلب، فالحبال جمع لأنه أراد الشيئين والنوعين. وقوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، قيل كان ابتداء ذلك يوم الأحد والفراغ يوم الجمعة، ثم استوى على العرش الرحمن، يقول ثم ارتفع على العرش الرحمن وعلا عليه، وذلك يوم السبت فيما قيل.

طبعًا تكرر اسم الرحمن في أكثر من موضع في هذه السورة، مين يذكرها المواضع التي ذكر فيها الرحمن في السورة؟ من غير ما ينظر في المصحف، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ﴾ ماشي، الملك يومئذ الحق للرحمن، ومنها في سورة ﴿عَبَّسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ لا، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.

وقوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يقول: فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرًا بخلقه، فإنه خالق كل شيء ولا يخفى عليه ما خلق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك، وذكر بإسناده عن ابن جريج، لاحظ أنه السورة من أولها وبيجيب تفسير ابن جريج، هو أحيانًا يأتي في سورة معينة يأخذ تفسيرًا لعالم معين ويكثر منه، زي آل عمران يكثر منها عن واحد اسمه محمد بن جعفر بن الزبير أو قريب من هذا الاسم، فهو هنا أكثر جدًا عن ابن جريج. وذكر بإسناده عن ابن جريج قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتك شيئًا فاعلم أنه كما أخبرتك، أنا الخبير. والخبير في قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ منصوب على الحال. مين يأتي بشاهد آخر لهذه الآية؟ الرحمن فاسأل به خبيرًا، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ نفس هذا المعنى بالضبط، يعني إذا نبأتك أنا بشيء فهو الحق. والخبير في قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ منصوب على الحال من الهاء التي في قوله به.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60]. يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم: اسجدوا للرحمن، أي اجعلوا سجودكم لله خالصًا دون الآلهة والأوثان، قالوا: أنسجد لما تأمرنا؟ واختلفت القراءة في ذلك، فقرأتها عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ بمعنى أنسجد نحن يا محمد لما تأمرنا أنت أن نسجد له؟ وقرأتها عامة قراء الكوفة ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا يَأْمُرُنَا﴾ بالياء، بمعنى أنسجد لما يأمرنا الرحمن؟ وذكر بعضهم أن مسيلمة كان يدعى الرحمن، فلما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا له: أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة؟ يعنون مسيلمة بالسجود له. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأي ما قرأ القارئ فمصيب.

ما معنى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ﴾ هنا؟ هل يراد بها الصلاة ولا يراد به أمر آخر؟ أيوه لا القبول، يعني السجود هذا علامة على قبول دعوة هذا الرحمن. مين يذكر مواضع في القرآن ذكرت السجود في موضع التسليم؟ السحرة خروا سجدًا، مش في الصلاة، ده أعظم الإقرار، لأنه أعظم التواضع، ولذلك أول صفة في المؤمنين ماذا يصفهم الله؟ ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، الخضوع والسكينة لله والتسليم لله. فهؤلاء المتكبرون يذلهم الله سبحانه وتعالى، ولذلك في سورة القلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ صح كده، ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾، كانوا في الدنيا قادرين لكن لم يستجيبوا ليسوا مريدين، وفي الآخرة أرادوا لكن لا يستطيعون. فهو كلمة اسجدوا هي دي كناية على ماذا؟ على التسليم والقبول. قالوا: أنسجد لما تأمرنا؟ وزادهم نفورًا، فإذا كان التصريف يزيدهم كفورًا والأمر يزيدهم نفورًا يبقى هؤلاء لا يعبأ الله بهم، ليه؟ لأن خلاص ربنا فعل لهم كل إنذار ومع ذلك بقوا على هذا الأمر، يبقى ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ هذا مناسب لهذا المعنى. يعني الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالامر زادهم نفورًا، صرف لهم الآيات، لو قلنا إن هو القرآن، أو صرف لهم المطر، ﴿وَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.

وقوله ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ يقول: وزاد هؤلاء المشركين قول القائل لهم اسجدوا للرحمن من إخلاص السجود لله وإفراد الله بالعبادة بعدًا ومما دعوا إليه من ذلك فرارًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ [الفرقان: 61]. يقول تعالى ذكره: تقدس الرب الذي جعل في السماء بروجًا، ويعني بالبروج القصور في قول بعضهم. ذكر من قال ذلك، وبإسناده عن عطية بن سعد في قوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال: قصورًا في السماء فيها الحرس. وبإسناده عن يحيى بن رافع في قوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال: قصورًا في السماء. وبإسناده عن إبراهيم قال: قصورًا في السماء. وبإسناده عن أبي صالح في قوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال: قصورًا في السماء فيها الحرس. وقال آخرون: هي النجوم الكبار. ذكر من قال ذلك، وبإسناده عن أبي صالح قال: النجوم الكبار. وبإسناده عن مجاهد قال: الكواكب. وهو يقول: قال آخرون هذا القول، وبعدين يذكر من هؤلاء الآخرون ويصنف الأقوال وباسمها ال قتادة في قوله بروجًا قال البروج.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال هي قصور في السماء؛ لأن ذلك من كلام العرب، ولو كنتم في بروج مشيدة. وقول الأخطل: كأنها برج رومي يشيده بانيه بجص وآجر وأحجار، يعني بالبرج القصر.

وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: ﴿سِرَاجًا﴾ على التوحيد، ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس، وهي السراج التي عندهم بقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾. وبإسناد عن قتادة: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، قال: السراج الشمس.

وقرأته عامة قراء الكوفيين: ﴿سُرُجًا﴾ على الجمع، كأنهم وجهوا تأويله: وجعل فيها نجوماً وقمراً منيراً، وجعلوا النجوم سُرجاً إذ كان يهتدى بها. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، لكل واحدة منهما وجه مفهوم، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله: ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ يعني بالمنير المضيء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾؛ فقال بعضهم: معناه أن الله جعل كل واحد منهما خلفاً من الآخر في أن ما فات في أحدهما من عمل يعمل فيه لله أدرك قضاءه في الآخر. ذكر من قال ذلك: «أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها»، يعني بدلاً عنها، وهذا المعنى: أخلفني في قومي؛ أي قم مقامي في قومي.

وبإسناد عن شقيق قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاة الليلة. فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك؛ فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكوراً. وبإسناد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكوراً.

تدل على ماذا؟ تدل على أن العبادة في أمرين، كما أن الكفر في أمرين؛ العبادة في الذكر والشكر، والكفر في الغفلة وكفر النعمة. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، لذلك نحن نقول في الدعاء: «أعني على ذكرك وشكرك». فيبقى العبادة في الأمرين دول في الذكر والشكر، ألا تغفل؛ فهذا الذكر سيجلب لك الشكر. طب في المقابل الغفلة تجلب الكفر، كفر النعمة والكفر بالله، فربنا يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، لأن هو ذا جماع العبادة أن يتذكر الإنسان، يعني أن يتذكر الله ويتذكر رحمته أو يتذكر ذنوبه فينيب، أو يشكر بأن يعمل عملاً فاته لم يدركه في الليل فيعمل بالنهار، أو لم يفعله بالنهار يفعله بالليل.

وبإسناد عن الحسن بقوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، قال: جعل أحدهما خلفاً للآخر؛ إن فات رجلاً من النهار شيء أدركه من الليل، وإن فاته من الليل أدركه من النهار. وقال آخرون: بل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً صاحبه، فجعل هذا أسود وهذا أبيض. ذكر من قال ذلك وبإسناد عن مجاهد قوله: ﴿خِلْفَةً﴾ قال: أسود وأبيض. وبإسناد عن ابن جريج عن مجاهد مثله، وبإسناد عن مجاهد قال: أسود وأبيض.

وقال آخرون، طبعاً لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكوراً، عايزك تركز في المعنى؛ أما يكون الله جعل الليل يخلف النهار والنهار يخلف الليل لمن فاته عمل الليل أدركه بالنهار، صح؟ لا، ممكن يكون المعنى آخر، ربنا جعل اختلافهما لمن أراد أن يتفكر في آيات الله فيرى هذا الاختلاف؛ اللي هو إيه؟ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا﴾، فإما أن يكون الاختلاف عشان يكون هذا الاختلاف نفسه آية، أو يكون هذا الاختلاف لمن أراد أن يذكر الله فيه أو أن يشكره بالعمل سواء فاته العمل أم لا؛ هذا المعنى أو هذا المعنى وده يدل على حكمة الله أنه جعله لهذا، جعل كذا لكذا، ممكن المعنى ينفع الاثنين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن كل واحد منهما يخلف صاحبه؛ إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا ذهب هذا جاء هذا. ذكر من قال ذلك وبإسناد عن مجاهد قال: هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا. وبإسناد عن ابن زيد في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ قال: لو لم يجعلهما خلفة لم يدر كيف يعمل، لو كان الدهر ليلاً كله كيف يدري أحد كيف يصوم؟ أو كان الدهر نهاراً كله كيف يدري أحد كيف يصلي؟ وجه آخر بقى أن في عبادة في الليل وفي عبادة في النهار.

قال: والخلفة أن يذهب هذا ويأتي هذا؛ جعله الله خلفة للعباد، وقرأ ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. والخلفة مصدر؛ فلذلك وحدت، وهي خبر عن الليل والنهار. والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة؛ وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله، كما قال الشاعر: ولها بماطر إذا أكل النمل الذي جمع خلفة، حتى إذا ارتبت سكنت من جلة بيعه. وكما قال زهير: بها العين والأرام يمشين خلفة، وأطلاعها ينهضن من كل مجمتم.

يعني بقوله: يمشين خلفة، تذهب منها طائفة وتخلف مكانها طائفة أخرى. وقد يحتمل أن يكون زهير أراد بقوله خلفة مختلفات الألوان وأنها ضروب في ألوانها وهيئاتها، ويحتمل أن يكون أراد أنها تذهب في مشيها كذا وتجيء كذا.

وقوله: ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ يقول تعالى ذكره: جعل الليل والنهار وخلوف كل واحد منهما الآخر حجة وآية لمن أراد أن يتذكر. هذه الآية تشبه: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، يعني أنا جئتكم بالحق فمن شاء أن يتبع، الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر. هل كل من رأى الاختلاف بين الليل والنهار يعتبر به؟ لا، ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، ولذلك ربنا يقول: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، فمش كل إنسان تنفعه الآيات.

فينيب وشكر نعمة الله التي أنعمها عليه في اختلاف الليل والنهار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك ورأى بإسناده عن مجاهد قوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ قال: شكر نعمة ربه عليه فيهما.

واختلفت القراءة في قراءة قوله: ﴿يَذَّكَّرَ﴾، فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿يَذَّكَّرَ﴾ مشددة بمعنى يتذكر، وقرأه عامة قراء الكوفيين: ﴿يَذْكُرَ﴾ مخففة، وقد يكون التشديد والتخفيف في مثل هذا بمعنى واحد؛ يقال: ذكرت حاجة فلان وتذكرتها. والقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتان معنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

مصرفة في السورة وبعدين ذكر أن الكفار ظلموا أنفسهم في هذا الأمر، ثم ذكر القرآن وأنه فرقان وظلموا أنفسهم فيه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته ثم ظلموا أنفسهم فيه، وذكر الإنذار والأمر والنهي وظلموا أنفسهم فيه. الآن سيذكر الصفة التي كان ينبغي أن يكون عليها كل من وعظ بهذا القرآن؛ يعني ما يأتي في هذه السورة هو من أعظم ما جاء في القرآن على الإطلاق في جمع خصال المؤمنين التي يريد الله منهم أن يكونوا عليها.

طب مين يذكر يا شباب مواضع أخرى في القرآن فيها خصال المؤمنين؟ يعني جاءت وراء بعضها كده؛ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وأيه كمان؟ نعم ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ في سورة التوبة، وأيه كمان؟ الأحزاب، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وأيه كمان؟ ﴿الَّذِينَ قَالُوا...﴾ لا، إحنا بنتكلم عن واحدة ذكرت خصالاً كثيرة.

سورة الشورى، أحسنت يا يوسف جداً، سورة الشورى في أيه بقى؟ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ...﴾، ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. أول ما تلاقي هذه الصفات تذكر، يبقى تركز في حاجتين: الأولى أنك تقيدها؛ لأن هذه صبغة الله التي يريد منك أن تكون عليها، والأمر الثاني تتفكر لماذا خص الله هذه الخصال تحديداً في تلك السورة؛ لأن إحنا عندنا ممكن ربنا يتكلم عن التائبون العابدون الحامدون في سورة التوبة، بينما في آية أخرى يقول: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، أو مثلاً في سورة الإسراء إن الله سبحانه وتعالى ذكر ما يريد مثلاً: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، كل ده أيضاً خصال المؤمنين، ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ برضه دي خصال المؤمنين، يبقى أنت لازم تعرف لماذا خص الله هذه الخصال تحديداً في هذه السورة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. عباد الرحمن؛ يبقى أولاً هو رضي أن يكون عبداً للرحمن في مقابل من قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ﴾، فده أول شيء؛ عباد الرحمن دي البداية؛ أنهم انقادوا لذلك، لم يتكبروا على الرحمن تبارك وتعالى ولم يزدهم نفوراً بل زادهم تسليماً، فأول كلمة لعباد الرحمن تقابل كل كبر وعناد عند هؤلاء. وبعدين ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ بخلاف التانيين؛ لقد استكبروا في أنفسهم، استكبروا على ربهم، استكبروا على نبيهم، استكبروا على القرآن، استكبروا على المؤمنين وظلموا أنفسهم. انما دول ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، وبعيد عن عمر استكباراً، استكباراً على أمر الله.

فهمنا؟ وعباد الرحمن الذين يمشون، أول عباد الرحمن ثانياً يمشون على الأرض هوناً؛ يبقى بعض الناس ساعات بيتجاوز الوصف الأول فيبدأ من كلمة يمشون، لا أول وصف عباد الرحمن أنهم عباد لله، سلموا لله ورضوا بالله رباً؛ دي مهمة، رضوا بالله رباً، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً»، ربنا يقول: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، هم رضوا أن يكون هذا ربهم، هم رضوا بهذا، يبقى دي أول خصلة، خصلة عباد الرحمن. الذين يمشون على الأرض هوناً دي الأمر الثاني، نفى عنهم التكبر وأثبت التواضع.

يقول تعالى ذكره: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً بالحلم والسكينة والوقار، غير مستكبرين ولا متجبرين ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا فقال بعضهم عنى بقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أنهم يمشون عليها بالسكينة والوقار. ذكر من قال ذلك، وروى بإسناده عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: بالوقار والسكينة. وبإسناد عن مجاهد قال: بالحلم والوقار. وبإسناد عن مجاهد قال: بالوقار والسكينة.

طبعاً يا شباب، السؤال: ما فائدة جمعنا لخصال المؤمنين من كتاب الله عز وجل؟ أول شيء أن إحنا نعرف ما الذي يرضاه الله لنا، ده أول شيء، والأمر الثاني نعرف ماذا عندنا منها وماذا ينقصنا؛ فالذي يجمع خصال المؤمنين من القرآن هل يسعه إلا أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً؟ لأنه لما يعرض نفسه عليها هو كان الأول فرحان بس أن هو بيصلي، فيكتشف أن الموضوع أكبر من كده بكتير. وأنا كنت جمعت الخصال دي من القرآن موجودة في ملف، وواحد من الشباب عملها بتنسيق جميل أنا نشرتها على القناة، وهي مهمة جداً يا شباب أن إحنا دائماً نذكر أنفسنا، ممكن يكون عندك خصلة فيها ضعف، في خصلة محتاج تفقهها، في خصلة أنت لا تقوم بها تغفل عنها، فالإنسان يحاول أن يستوعب هذا قدر الإمكان.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يمشون عليها بالطاعة والتواضع. ذكر من قال ذلك.

وروى بإسناده عن ابن عباس قوله: بالطاعة والعفاف والتواضع. وبإسناده عن ابن عباس: يمشون على الأرض بالطاعة. وبإسناد عن ابن سويد قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: التمست تفسير هذه الآية ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83]. فَهَذَا مِنَ الْبَيَانِ، تَفَضَّل. وبإسناد عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لا يفسدون في الأرض. وبإسناد عن ابن زيد في قوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون. وقرأ قوله -أول ما تلاقي ابن زيد تعرف أنه سيحاول أن يجيب آية شبهها، هذه معروفة عنه- وقرأ قول الله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يمشون عليها بالحلم، لا يجهلون على من جهل عليهم.

دعونا نُعطِ فرصة للشباب، كل واحد يقرأ الآيات من أول ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ إلى آخرها في نفسه، ويحاول يفكر قبل ما نتكلم عنها: لماذا اختص الله هذه الصفات مع أن ربنا ذكر صفات كثيرة؟ فكر كذا، اقرأ مع نفسك مرة واحدة، وشوف ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، وبعدين ربنا قال ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، وبعدين ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾، وبعدين ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. من وجهة نظرك فكر فيها، أعطِ نفسك فرصة تفكر فيما ذُكر. أنا أريد أن أفهمكم أن هذه ليست صفات المؤمنين فقط، ولا يوجد صفات تانية كثيرة؟ صح ولا لا؟ لكن هذه مذكورة هنا لسبب، فكر بقى.

مقابل صفات الكفار؟ نعم، هذا وجه. طيب تعرف تقول لي كيف؟ فكر فيها كذا، يا شيخ، كيف كانت فضاضتهم مع النبي ﷺ وكانوا يطلبون الحجج المستحيلة، فكذلك المؤمنون ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فهي عكس الكفار تماماً. يعني أنت تريد أن تقول الخلاصة أن الله اختص هذه الأفعال أو الخصال مقابلة لحال هؤلاء؟ ماشي، وأهم شيء في هذا الحال هو التسليم.

ممكن يكون الإيمان واليوم الآخر، والخوف من عذاب النار؛ بينما الآخرين لا يعبؤون بالإنذار. أنت بدأت تنزل على أرض الواقع، هذه أصول صفات المؤمنين. لا ليست فكرة الأصول هنا يا شباب، فكرة معينة. فاكرين لما ذكرت لكم في سورة الزمر أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن الإنسان إذا مسه الضر دعا ربه منيباً إليه في حالة أنه مسه ضر في الدنيا، يخلص لله، وبعد ذلك نسي ما كان يدعو إليه، ثم قابلته بـ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9]، لا ترتبط عبادته بضر في الدنيا، لا، هو يريد من ذلك مصلحة دنيوية، لا، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؛ فاستدعى هنا وصفاً يناسب السياق.

أحسنت، ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ مباشرة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73]، الله يفتح عليك. يبقى ذكر الصفتين: هذا الزور الذي يقوم به المشركون ويقولونه عن القرآن لا يشهدون ولا يعبؤون به ولا يؤثر فيهم، طيب إذا ذُكِّروا بآيات الله؟ هم عند الزور لا يلتفتون، وعند آيات الله يصغون إليها؛ بخلاف هؤلاء يشهدون الزور وإذا جاءهم الذكر أعرضوا عنه. والله هذه الخصال يا شباب لو تفكرت فيها، لسه بقى الخصلة الموجبة ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، بينما المشركين... وأنت أحسنت تماماً.

لكن في شيء بقى يا شباب، اللي هي القاطعة، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. دول أئمة الجود ودول أئمة الإيمان، لم يكتفوا فقط باتباع النبي ﷺ، وإنما أرادوا أن يكونوا أئمة هدى يقتدون بمن قبلهم من الصالحين، ويقتدي بهم من بعدهم، وأن تقر أعينهم بصلاح أبنائهم وأهلهم. والله خصال يا شباب في قمة الدقة في أن يختارها الله في هذا الموضع تبارك وتعالى.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يمشون عليها بالحلم، لا يجهلون على من جهل عليهم. ذكر من قال ذلك وبإسناده؛ يعني يمشون على الأرض هوناً، إما تتوجه لجهة التواضع لله ولخلق الله، أو أنهم لا يجهلون على خلق الله، والاثنين عكس صفات الكفار؛ لأنهم يمشون متكبرين ويجهلون على خلق الله. لا، ده مش معنى الآية، يمشون على الأرض هوناً ليس معناه أنهم مطمئنون لربهم وماشيين واثقين، لا، لا، هذه تصف فعلاً أفعالهم، صفة فيهم تخالف ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 21].

وروى بإسناده عن الحسن في ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: حلماء إن جُهل عليهم لم يجهلوا. وطبعاً هذا يناسب جداً أحوال الصحابة في مكة؛ لأن الله نهاهم وأهجرهم هجراً جميلاً، أمرهم بالهجر الجميل وقيل لهم كفوا أيديكم، فده مناسب لآية، وهو ده معنى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وهذا معنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96]، يعني أنتم في هذه الحال، لأن في أمر آخر ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: 39]، وبعدين جاهد الكفار والمنافقين، لكن في هذا الحال لا، يمشون على الأرض هوناً، لأنه يناسب أنه وإن جُهل عليهم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.

وبإسناد عن يزيد عن عكرمة قال: حلماء. وبإسناد عن الحسن في قوله ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: حلماء لا يجهلون. وقوله ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، يقول: وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول أجابوهم بالمعروف من القول والسداد من الخطاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

وروى بإسناده عن الحسن في ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ الآية قال: حلماء إن جُهل عليهم لم يجهلوا. وبإسناد عن الحسن قال: إن المؤمنين قوم ذُلّت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وإنهم لأصحاء القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار. وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تتقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم يرى لله عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب فقد قل علمه وحضر عذابه. هو الحسن هكذا مواعظه جميلة؛ مرة واحد راح له من مشوار بعيد عشان يسمع موعظته، فقرأ عليه آية: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: 205-207] وسكت ومشى.

وبإسناد عن مجاهد ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ قال: سداداً من القول، وبإسناد عن مجاهد مثله، وبإسناد عن مجاهد حلماء، هي زي آية ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55]. وبإسناد عن الحسن قال: حلماء لا يجهلون، وإن جُهل عليهم حلموا ولم يسفهوا. هذا نهارهم، فكيف ليلهم؟ خير ليل، صفوا أقدامهم وأجروا دموعهم على خدودهم، يطلبون إلى الله جل ثناؤه في فكاك رقابهم. يا سلام على المعنى العظيم، يعني ربنا وصف أحوالهم بالليل وبالنهار، مع الناس ووحدهم، مع الناس يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، طب مع ربهم؟ يبيتون لربهم سجداً. والله العظيم آيات عظيمة جداً، حق للإنسان أن يعرض نفسه عليها ويقول أين أنا من هؤلاء؟ دول في ناس تانيين بيعملوا كدة، لماذا لا أكون أنا منهم؟ ويكلم نفسه، عباد الرحمن ربنا بيقول في ناس من عبادي بيعملوا كدة، طيب لماذا لا أكون أنا منهم؟ هو ده معنى ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: 83]، دخلني مع هؤلاء. فيها معنى شكر نعمة المال وشكر نعمة الوقت، أيوه طبعاً، أنهم قدروا هذا، لم يهملونه، رأوا أن هذا ينبغي أن يستغل في طاعة الله.

وبإسناد عن الحسن قال: حلماء لا يجهلون، وإن جُهل عليهم حلموا.

القول في تأويل قوله تعالى: لا، ما فهمتش العطف، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآيات تتكلم عن الله؟ العطف لا يلزم أن يكون متعلقاً بما قبله ابتداءً، يعني كلام جديد، كلام عن المؤمنين فتكون استئنافية، يعني ربنا بيتكلم عن أمر جديد.

أنا قرأت في تفسير وشفت واحداً يربط، بس سبحان الله نسيت التفسير حتى كنت بدي أقول لكم إياه، اللي هو ربط آيات ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مع آية ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61]، أنه كيف في السماء بروجاً اللي هي النجوم، كيف أنها تضيء وأنها زينة في السماء، وأن النجوم تهدي من في الأرض، فكذلك عباد الرحمن هم كالنجوم في السماء في الأرض. لا، ده اسمه تفسير إشاري، ما هو تفسير، هو يحاول يشبه، زي بالضبط واحد لما يقول ﴿مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: 249]، فيقول وكذلك الدنيا من لم ينغمس في شهواتها وإنما أخذ ما يتبلغ به. ده مش تفسير، ده يحاول أنه يأخذ إشارات، فيقول كما أن في السماء بروجاً فبروج الأرض هي الصالحون، ده مش تفسير. أنت لو عايز تربط ممكن تقول أن أولئك هم الذين تذكروا وشكروا، أما الفكرة دي لأنها منتشرة يا مهند، فكرة الآية أن هو يحاول أن يفتعل شيئاً ليس له دلالة عليه، وبعيد، زي ما واحد مثلاً ربنا يذكر آيات القتال مثلاً وبعدها آيات العدد والطلاق، فيفكر أنه لازم يكون فيه مناسبة، يعني اللي رايح يجاهد هيطلق مثلاً؟

لا، مش لازم، أحكام تذكر وراء بعضها. ما هو السلك الذي يجمعها؟ أنها أحكام، فمش لازم إذا وجدت مناسبة ما فيش مشكلة، بس أنت لما تتكلف المناسبة ظناً منك أن كل آية يجب أن يكون لها صلة وثيقة بما قبلها أو ما بعدها ده غلط، مش صح. ممكن تكون الآية مبدأ جديد، أمر جديد يتكلم الله عنه. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: 243]، طيب هي قصة طالوت التي ذكرت، ما هي في سورة البقرة تذكر في سياق الأحكام توطئة لغزوة بدر تماماً؛ لأنها جاءت بعدها، فليس لها، مش لازم تكون لها علاقة بآيات الأحكام. عشان أنا أشوف أن هذا من التكلف الكبير. لا، بعضهم في البحر المحيط أحياناً يفعلها، يعني في بعض من يذكرون المناسبات أحياناً يقع في مثل هذا، أن هو يحاول أن يتكلف شيئاً من هذا الأمر.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 64-66]. يقول تعالى ذكره: والذين يبيتون لربهم يصلون لله، يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيامه. وقوله ﴿وَقِيَامًا﴾ جمع قائم كما الصيام جمع صائم. والذين يقولون ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ يقول تعالى: يعني بينما هؤلاء، قيل لهم ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ قالوا أنسجد للرحمن؟ أينسجد؟ يبيتون لربهم...

يبيتون لربهم سجداً وقياماً؛ لأن ربهم يسجد له، إنما هؤلاء تكبّروا، فلذلك يوم القيامة يريدون -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- يريد الكافر من هؤلاء أن يسجد فيصير ظهره طبقاً واحداً، مش هيقدر؛ لأنك أنت لم تسجد في الدنيا فلن تسجد في الآخرة، ستحرم هذه النعمة.

والذين يقولون ربنا يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى سجود، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، دخلنا في أمر آخر. يبيتون لربهم سجداً وقياماً يدل على العبادة عند هؤلاء، وسورة الفرقان تتكلم عن العمل عند المؤمنين ومداومة العمل وطول العبادة والذكر والشكر؛ ذكر وشكر. الآن انتقل إلى ماذا؟ بقى أنهم ينذرون: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 51]. هم دول بقى أول ما أنذروا بعذاب جهنم ماذا قالوا؟ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم. يبقى هم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم بأمرين؛ بنفس عبادتهم وبدعائها، ده بيسموه دعاء العبادة ودعاء المسألة.

يقول تعالى ذكره: والذين يدعون الله أن يصرف عنهم عقابه وعذابه حذراً منه ووجلاً. وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] يقول: إن عذاب جهنم كان غراماً؛ مُلحاً دائماً لازماً غير مفارق من عُذّب به من الكفار ومهلكاً له. ومنه قولهم: رجل مُغرم من الغُرم والدين، ومنه الغريم دائماً؛ يعني واحد يدين على واحد ما بيسيبوش، هي النار كدة، غراماً يعني هتفضل معاهم. وهو ده معنى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14]؛ لأن الثبور مش هيجيلك أصلاً. ومنه قيل للغريم غريم لطلبه حقّه وإلحاحه على صاحبه فيه. ومنه قيل للرجل المولع بالنساء أنه لمُغرم بالنساء، وفلان مُغرم بفلان إذا لم يصبر عنه. ومنه قول الأعشى: إن يعاقب يكن غراماً وإن يُعطِ جزيلاً فإنه لا يبالي.

يقول: إن يعاقب يكن عقابه عقاباً لازماً لا يفارق صاحبه مهلكاً له. وقول بشر بن أبي خازم: ويوم النسار ويوم الجفار كانا عقاباً وكان غراماً. وقيل عنا بقوله غراماً: هلاكاً، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. طبعاً يا شباب "ربنا اصرف عنا عذاب جهنم" تتضمن: يسّر لنا الأعمال التي تدخلنا الجنة؛ يعني أنت لما بتقول اصرف عنا عذاب جهنم دي معناها أنك تدعو الله بأن ييسرك للعمل الصالح الذي تدخل به الجنة، ويصرف عنك العمل السيئ الذي يمكن أن يكون سبباً لدخول النار.

روى بإسناده عن محمد بن كعب في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] قال: إن الله سأل الكفار ثمناً لعمى فلم يؤدوه إليه فادخل النار. وروى بإسناده عن الحسن في قوله: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] يعني إيه؟ يعني أن هذه غرامه ما فعلت، مش أنت لما بتقطع الإشارة بيدوك غرامه؟ فبقول: فسر غراماً هنا تفسيراً جديداً، لأن التفسير الأكثر في غراماً اللي هو ملازم، إنما الغرام هنا بمعنى الجزاء، أن هي جزاء بسبب هذا جزاء وفاقاً. يبقى عندنا تفسيران لغراماً: أما يكون بمعنى أنه هلاك دائم ومُلِحّ ومستمر وباقٍ، أو يكون غراماً بمعنى هي دي الغرامه اللي هم هيدفعوها بسبب إعراضهم وتكذيبهم.

وبإسناد عن الحسن في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] قال: قد علموا أن كل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم. وبإسناد قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] قال: الغرام الشر. وبإسناد عن ابن جريج في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] قال: لا يفارقه. وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 66] يقول: إن جهنم ساءت مستقراً ومقاماً؛ يعني بالمستقر القرار، وبالمقابل منزلاً ومقاماً. وإذا ضمت الميم من المقام فهو من الإقامة، وإذا فتحت فهو من قمت، ويقال المقام إذا فتحت الميم أيضاً هو المجلس.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. يقول تعالى ذكره: والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها. ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي يبين العدل عند هؤلاء والقسط؛ يضعون كل شيء في موضعه؛ يعني يبين أنهم اتصفوا بكل خصال الصفات الحميدة التي يحبها الله، سواء في عبادتهم لله فهم يخلصون له حتى لو كانوا في السر، يبيتون لربهم سجداً وقياماً لا يراهم أحد لكن الله يعلم بهم. يبقى الإخلاص، يتكلم عن التواضع، وإذا جُهل عليهم أحد لم يردّوا. هذا كل شيء هنا يتكلم عن حسن تصرف هؤلاء وعدل هؤلاء حتى في الإنفاق، فهو مثال لعدل هؤلاء. يعني هو لما ربنا يقول "يوفون بالنذر" و"يخافون يوماً كان شره مستطيراً"، لماذا ذكر يوفون بالنذر؟ يعني إذا كان هو كان وفياً في أمر هو الذي أوجبه على نفسه، فكيف بأمر أوجبه الله عليه؟ ففي شيء بيكون إشارة لما بعده، فهنا دي كناية عن ماذا؟ عن الاعتدال وحسن التصرف من هؤلاء.

ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي عنى الله في هذا الموضع وما الإسراف فيها والاقتار. فقال بعضهم: الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله وإن قلت، قال: وأياها عن الله وسماها إسرافاً. قالوا: طبعاً دي تعتبر تعريض بالكفار، لأن الكفار ينفقون أموالهم في ماذا؟ في الصد عن سبيل الله، ينفقون أموالهم في الملذات والشهوات والمحرمات. إحنا خدنا في سورة الإسراء لما قلنا إن درهماً ينفق في المعصية هذا إسراف، وإن أنفقت المال كله في طاعة الله فليس إسرافاً. قالوا: والاقتار المنع من حق الله.

روى بإسناده عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفِقوا في معصية الله، ولا يقتِرون فيمنعوا حقوق الله تعالى. يا سلام على الكمال؛ يعني ما بيصرف شيء من فلوسه على شيء محرم، ولا يبخل بشيء من ماله في حق الله سواء كان واجباً أو مستحباً؛ هذا هو الكمال. وبإسناد عن مجاهد قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله ما كان سرفاً، ولو أنفقت صاعاً في معصية الله كان سرفاً. وبإسناد عن ابن جريج قال في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهماً واحداً، ولم يقتروا ولم يقصروا في النفقة في الحق. وبإسناد عن ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] قال: لم يسرفوا فينفِقوا في معاصي الله؛ كل ما أُنفق في معصية الله وإن قل فهو إسراف. ولم يقتِروا يمسك عن طاعة الله، قال: وما أمسك عن طاعة الله وإن كثر فهو اقتار.

وبإسناد عن عمر مولى غفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو؟ قال: كل شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف. وقال آخرون: السرف المجاوز في النفقة الحد، والاقتار التقصير عن الذي لا بد منه. روى بإسناده عن إبراهيم قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: 67] قال: طبعاً هذا يدل على أثر هذا الإيمان على حسن تصرف المؤمن، وده معنى صبغة الله. يعني أنت مثلاً شوف الإنسان الكافر تلاقيه طول الأسبوع شغال مثل الدابة تمام، ويجي يوم السبت والأحد أما ينام مثل البهيمة أو يسعى في شهواته، صح ولا لا؟ فدي صبغة الكفر، شوف بقى صبغة الله التي كان ينبغي أن يكون عليها، فهذا يدل على أن الإيمان يؤثر في سلوك صاحبه، وكلمة صبغة الله معناها أنك دليل على الله؛ يعني دليل على الإيمان؛ ما حدش يقول هذه صفة الإيمان، فربنا يبين أن الإيمان أثر في سلوك هؤلاء ونقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الطاعة وحسن التصرف.

وبإسناد عن ابن أبي الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالماً هو فوقه في العلم فقال: يرحمك الله، أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه ما هو؟ قال: هو ما سترك من الشمس وأكنّك من المطر. قال: يرحمك الله، فأخبرني عن هذا الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه ما هو؟ قال: ما سد الجوع ودون الشبع. قال: يرحمك الله، فأخبرني عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ما هو؟ قال: ما ستر عورتك وأدفاك من البرد. هذا الكلام دائماً يذكر في كتب الزهد عن وهيب بن الورد وأبي سليمان الداراني والجنيد وابن نجيد، وهؤلاء يذكر عنهم مثل هذا زي الحِكم كدة؛ ابن عطاء السكندري فيها ستجد فيها شيئاً من الخير، لكن لابد أن تعرضه على الكتاب والسنة؛ ليه؟ لأن كثيراً من هؤلاء يخترع طريقاً في السلوك مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك البخاري لم يرد في كتابه -الذي هو صحيح البخاري- على الجهمية والمعتزلة وهؤلاء فقط، وإنما ردّ كذلك على متعبدة الصوفية في هذا الباب؛ فتلاقيه مثلاً عمل حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر في السماء، ليه؟ لأن في بعضهم يقول ما نظرت إلى السماء قط تواضعاً لله، فيخترع لنفسه طريقاً لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أو يتعبد بالصمت، أو يتعبد بأنه لا يأكل اللحم ما ذبح ولا نكح لا تزوج، وحرم على نفسه الطيبات، وكل هذا مخالف تماماً لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً يا شباب، كما أنك تعرض كلام الفقهاء على هدي النبي عليه الصلاه والسلام، تعرض كلام العباد؛ مش تعجبك العبارة فتقول الله دي جميلة، زي يقول لك لا يتم إيمانك حتى تحب لأخيك أكثر ما تحب لنفسك، لا ده مش صح، أنت كده "أفورت"، والإفراط جابنا لورا. النبي عليه الصلاة والسلام قال إيه؟ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وهذا القدر العدل، فأنت بقى لا زودت فتعجبك العبارة، لا؛ وكان للأسف هذا ما يحصل.

فامتحنوهن عشان أوريك الجلد، فابتلاه الله بعسر البول، فبدأ يمشي في الشارع ويقول للعيال الصغيرة: ادعوا لعمكم الكذاب. وكان يقول إنه ضيع نفسه، هو اللي دعا على نفسه، لا ليه؟ أنت بتدعي على نفسك ليه؟ فالبخاري شباب من فقهه أنه سمى كتابه الجامع، ففي أبواب السلوك رد على جهلة العباد، كما أنه في أبواب التوحيد رد على المعتزلة والجهمية، وهكذا، وفي أبواب مثلاً الإيمان رد على الخوارج والمرجئة.

أفضل الأحكام العقدية حتى في أشياء فيها مشاكل عقدية، ما فيها مشاكل؛ لأنك تستطيع أن تأخذ منه كلاماً جميلاً، بلا شك يمكن أن تأخذ منه كلاماً جميلاً. ربنا ذكر مثلاً من الحكماء لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12]، وذكر كلامه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ [لقمان: 13]، شوف الكلام، هو ليس كلام نبوة لكنه من الحكمة، بس لما ذكره الله فده يدل على أنه الميزان لأي أحد بعد الأنبياء.

لذلك لما أبو ذر نفسه رضي الله عنه رأى أن الذين يكنزون الذهب والفضة، رأى أن كل ما زاد عن حاجتك يجب أن تتصدق به، فهنا بقى الصحابة قالوا له لا، ولذلك هو فضل مصر على الفتوى دي لحد ما اعتزل الناس في الربذة، ودي ليها قصة معينة. لكن الشاهد إيه يا شباب؟ أن حتى إذا كان كلام الصحابي نفسه يعرض على كلام النبي، على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالك بمن دونه، سواء في أبواب السلوك أو في أبواب العبادة أو في الحكم أو في غيره.

لما بعض الخلفاء قال لك: أنا لو صليت الأول بيهم العيد وخطبت هيسيبوني ويمشوا، فقال لك لا بقى، أنا هعكس، هفضل أخطب فيهم وهم مستنيين الصلاة، فهو طالع فأبو سعيد الخدري مسكه، شده، في رواية أنه هو اللي شده وفي رواية نهاه، قال له إيه ده؟ إيه الكلام ده؟ أنتم غيرتم؟ قال له لا خلاص، قد ذهب ما كان، كان زمان الكلام ده، إنما أنا دلوقتي لو خطبت بكم هتسيبوني وتمشوا. فيبقى الإنكار حتى في باب الحكم، وده أنا عملتها في مقدمة قصة السنة، إن شاء الله لما باذن الله قريباً، أسأل الله أن يمن علينا بإتمام هذا المعهد، اللي هي المدخل لتصور هذه السنة، وكيف أن الصحابة جعلوها مرداً لكل حكم وإنكاراً لكل باطل، مش بس في أبواب الأحكام ولكن في الحكم والسياسة وباب السلوك والتعبد وغيره. يعني لما ردوا على الخوارج ابن عباس رد بالقرآن، لما ردوا على جهلة المتعبدة ردوا أيضاً بالقرآن والسنة وهكذا.

أفضل، ورا بإسناده عن يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا﴾ [الفرقان: 67] الآية، قال: كانوا لا يلبسون ثوباً للجمال ولا يأكلون طعاماً للذة، ولكن كانوا يريدون من اللباس ما يسترون. هو ده بقى الكلام اللي هو بيجيبه من كلام اللي هو في تصوف أو في زهد، ليه الزهد يا شباب؟ ألا ترد موجوداً ولا تطلب مفقوداً، موجود خلاص في قدامك لحمة ما تأكل لحمة عادي، لكن مش موجودة لا تطلبها ولا تتشوف نفسك إليها. زي ما النبي عليه الصلاة والسلام قال لحكيم بن حزام: «ما أتاك بغير إشراف نفس فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك».

مش موجود خلاص، إنما ده بقى لا، ده بيبالغ بقى، أن هو لا يلبس إلا ما يستر عورته، مين اللي قال كده؟ مين اللي قال كده؟ إذا كان صحابي يقول: يا رسول الله ده أنا جبتلك اللباس ده عشان تتزين به للجمعة، وإذا أتاك الوفد، هو بيقول كده عادي. فيبقى مهم جداً يا شباب أن نعلم هذا، أن نعرض كل أمر على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وده معنى أحسن الهدي، يعني أحسن العمل بهذا القرآن.

لا هي في الأصل مأخوذة من رهبانية النصارى، في كتاب اسمه الصوفية المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير، حاول أنه يطابق بين أقوال الصوفية وبين الأخبار التي رويت عن الرهبان عند النصارى، من ضمنها مثلاً الحافي، أنه يمشي حافي، أن بعضهم قال لك لا أنا لازم أمشي حافي تواضعاً لله، وهكذا، وده كان بيحصل. ففي مطابقة اللي هي أنه الرهبانية من جهتين، يشق على نفسه في العبادة ويمنع نفسه من الطيبات، دي هي الرهبانية المبتدعة، لا تمنع نفسك من الطيبات، بالعكس؛ ربنا سبحانه وتعالى ذكر أن نبياً من الأنبياء كان له الملك ومع ذلك لم يصده ذلك عن العبادة.

المشكلة يا شباب أن تطلب مفقوداً أو أنك تتطلع لشيء مفقود أو أن تشغلك النعم أو المتعة عن العبادة، إنما إذا كان الإنسان يعان بهذا الأمر، كان سفيان الثوري معه فلوس، فواحد قال له: أنت معك نقود؟ قال: لولا هذا لتمندل بنا الملوك، لو أن أنا مكفي، لولا أن أنا مكفي كنت سأذل ليهم وهضطر أغير وأداهم، لكن أنا عندي ما يكفيني، لذلك سيكون كلامي من رأيي. فيبقى هذه المقالات، هي مقالات إذا عرضتها على هدي النبي صلى الله عليه وسلم لن تجدها موافقة.

في جهة المشقة بس إحنا متكلمين عن الزينة، أن هو بيشق على نفسه في العبادة، ده اللي فاهمنا. ولكن الاحتفاء، لا لا هو مش الاحتفاء أحياناً، ولا في المقابر، لا لا ده طول عمره، ولكن كانوا يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم ويكنون به. ليه يا شباب؟ أنت تعرف ليه هم قالوا: كل شيخ له طريقة؟ تعرف إيه معناها دي؟ لها معنى، يعني أن باب الفقه والعقائد هو للنبي عليه الصلاه والسلام، بس في طريقة الوصول إلى الله في التعبد دي اختيارية.

ولذلك ابن تيمية في كتاب الاستقامة عشان يرد على هذه النقطة تحديداً، أنك أنت تعرض كل كلام على هدي النبي عليه الصلاه والسلام في الإيمان أول شيء في الإيمان، وفي الفقه، وفي السلوك اللي هو التعبد، وفي الحكم والسياسة، الأربعة دي النبي صلى الله عليه وسلم. أيوه صح، يبقى كذلك في العبادة كمان، مش بس في الصلاة، لأنهم بيقولوا لك اه صلوا كما رأيتموني أصلي بس في التعبد يختار. وابن القيم رحمه الله لما حاول أنه يسنن كتاب الهروي في منازل السائرين حاول أن يتكلف شيئاً من ذلك، ولذلك هذا الكتاب في رأيي ليس أفضل ما صنف ابن القيم رحمه الله، عنده كتب أفضل منها بكثير. وهذا الكتاب لأن هو حاول أن يجعل هذا الكتاب اللي هو أصلاً فيه شيء من التصوف الكثير وغيرها من المخالفات، فكان فيه شيء من التكلف في هذا، في رأيي والله أعلم، وعدد من أهل العلم بالمناسبة لم يستحب هذا الكتاب كباقي كتب ابن القيم، منهم الشيخ يوسف الغفيص ومنهم الشيخ ابن باز ومنهم بعض أهل العلم.

فالشاهد يا شباب أن في أي باب من الأبواب أعرض هذا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو كل الصحابة، لأن ممكن صحابي معين يجتهد في شيء ويخطئ. يعني عبد الله بن عمر كان وهو يغتسل يفتح عينه ويدخل جواها الميه، هو يرى ذلك، لحد ما ضعف بصره، هل الصحابة اتبعوه في ذلك أو وافقوه؟ لا، أبو هريرة كان بيتوضأ هنا وكان يستخبى منهم، بيقول هم شافوه قالوا أنت بتعمل إيه؟ قال لهم لو أعرف أن أنتم هنا ما كنتش عملت كده، لأنه بيظن أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء، فيبقى أنت تكتر مواضع الوضوء، لا تبلغ، يعني تبلغ مواضع الوضوء التي كان يتوضأ النبي عليه الصلاه والسلام، لذلك لما هو قال: من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، ده من كلام أبي هريرة ليس من كلام النبي عليه الصلاه والسلام، ده مدرج في الحديث.

فالشاهد يا شباب، وفي فصل جميل في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة في انفرادات الصحابة التي خالفهم فيها باقي الصحابة، انفرادات أن في صحابي انفرد بفتوى أو باختيار لكن خالفه فيه. لذلك قول الصحابي اللي بيعمل به في أصول الفقه هو القول الذي لم يوجد له مخالف، مش اللي خالف؛ إذا خالف لا يبقى ده محل نظر، طيب ما في كذا صحابي اجتهد وخالف في أحاديث كثيرة جداً ومع ذلك لم يقبلوا الصحابة اجتهاده هنا.

يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، وقواهم على عبادة ربهم، وبإسناد عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئين. ولذلك البخاري يورد أحاديث في الشبع، أن هو مثلاً أبو هريرة يقول: لا أجد له مسلكاً، طيب ما هو شبع أهو والنبي عليه الصلاه والسلام أقره. وينكر الإمام أحمد حديث أن في واحد جالس مع النبي صلى الله عليه وسلم فأكل لحد ما تجشأ، فالنبي عليه الصلاه والسلام قال: «اكفف عنا جشاءك»، لا يثبت هذا الحديث، لأنه فيه أن أكثركم شبعاً أطولكم جوعاً يوم القيامة، أكثركم شبعاً في الدنيا، ده حديث باطل لا يثبت. فالشاهد أنهم اعتمدوا في مقولات شباب أساسية عند هؤلاء اعتمدوا عليها.

نقد هذه المقالات مهم جداً؛ لأنك لما بتنقد الأصل سينقض الفرع، يعني مثلاً المرجئة والخوارج عندهم أصل وهو أن الإيمان إما أن يوجد كله أو يذهب كله، فأنت إذا نقضت هذه القاعدة يبقى أنت خلاص استرحت. المعطلة والمشبهة عندهم أصل أن الاشتراك في الاسم يلزم منه تماثل المسمى، فلذلك المشبهة أثبتوا صفات الله وشبهها بصفات خلقه، والمعطلة أنكروها حتى لا يشبه خلقه، فأنت لما تقول لهم لا، إذا كان العباد يشتركون في الصفات ولا يتماثلون فيها يبقى أنت أبطلت هذه القاعدة. فمعرفة الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم دي مهمة جداً؛ لأن هي دي اللي بتنسف، تعرف لما النبي عليه الصلاه والسلام بعث خالد بن الوليد ليقتل العزى، فراح أتى بكام واحد من السدنة اللي حولها، قال له ما صنعت شيئاً، ليه؟ لأن أساس الفساد موجود، اللي هي المرأة التي تغويهم، فطول ما هي موجودة أنت قتلت كام واحد يبقى هو واحد، الحنفية مفتوحة وهو عمال ينشف في الأرض هيفضل إلى ما لا نهاية، طب ما تقفل الحنفية وبعد كده نشف صح كده. فمعرفة العلة التي نتجت عنها الأقوال هذا من أعظم الأمور.

المقالات دي، أسماء رضي الله عنها من أقدم من أبطل هؤلاء، لما قال لها حفيدها: كيف كان يصنع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلي عليهم القرآن؟ فقالت، شوف نبهته إزاي، كانت ممكن تقول له يخشعون، قالت له لا لا، كانوا كما ذكرهم الله، إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. قال: إن قوماً قبلنا يعني في البصرة إذا تلي عليهم القرآن غشي عليهم، يغمى عليه ويقع في الأرض، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لابسهم جن ولا حاجة. محمد بن سيرين لما كان لهم بيعملوا كده، قال لهم طب تعالوا أقرأ عليكم القرآن وأنتم وأوقفك في الدور الثاني، فهمت كده يعني أوقفك فوق السطح وأقرأ عليك القرآن، مش أنت بتقع؟ اقع بقى، وريني هتقع ولا لا. محمد بن سيرين وغيره نفس الشيء، هو ده امتحان هؤلاء.

وربنا ذم هؤلاء: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 27]، ولذلك يا شباب من يدخل في هذا الباب كما قال عدد من أهل العلم هو يحصل له، لأنه شق على نفسه في المباح يفتح له أبواب الحرام. يعني الرهبان في النصارى تركوا الزواج المباح، وبعدين بقوا يزنون ويفعلون أعمال قوم لوط، طب ما أنت أمامك الزواج المباح لماذا تتركه؟ فلذلك يا شباب أحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث الثلاثة معروف، الثلاثة نفر واحد يتعبد بترك الزواج، والثاني. فأقصد أقول لك يعني أن المقالات دي لازم يكون عندك نقد لها، نقد معناه أنك تختبرها، بس أنت هتعرف إزاي تختبرها؟ لما تكون عالماً بهدي النبي عليه الصلاه والسلام، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع جذور هذا التبتل والرهبان من عند الصحابة حتى لو وجدك، عبد الله بن عمرو لما متجوز واحدة وسابها، ويصوم النهار ويصلي بالليل، فراحت اشتكت لأبوه عبد الله بن عمرو، قالت له ابنك ما شاء الله زي الفل، ما بنشوفه نهائي خلاص، ما بنشوفه أبداً، فالنبي عليه الصلاه والسلام فوراً راح له للبيت عشان يحل المشكلة دي لأنك ماشي غلط، فبدأ بقى يعلمه، فهو بيقول يا ريتني سمعت كلام النبي عليه الصلاه والسلام، يا ريتني سمعت كلامه في آخر عمره.

فكان يعالج هذه الأمور، سلمان راح البيت لقى امرأة أبي الدرداء متبذلة، يعني كارهة الحياة وشكلها، طبعاً هو كان، هو كان النبي عليه الصلاه والسلام آخى بينه وبينه، فهو رأى أن هذه المرأة فيها شيء من.

بخبرته لأنه كان فقيهاً، عرف أن في الأمر خطأ، فقال: قالت له أخوك أبو الدرداء لا حاجة له في الدنيا، وفي رواية في النساء. فأقام معه ليلة ليعلمه كيف يعطي كل ذي حق حقه. كان من أعظم الأحاديث على الإطلاق حديث، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «صدق سلمان». فالذي أريد أن أقوله لك إن هذا الباب من أعظم أبواب الشريعة، لا يصح أن تقول: هذا الباب نتركه لكلام العباد وغيرهم. لا، الكلام عادي كما في كلام الفقهاء، ممكن نرد بعضه، فكذلك كلام هؤلاء. فإحنا اللي جررنا لهذا الكلام، اللي هو بيقول لك إيه، شوف قال: كانوا لا يلبسون ثوباً للجمال. إزاي؟ إذا كان الرجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: إني أحب أن يكون ثوبي جميلاً ونعلي كذا، قال: «إن الله جميل يحب الجمال». طيب ما هو قال كده، يقولك لا يلبسون ثوباً للجمال، مين اللي قال لا يلبسون؟ من الذي قال ذلك؟ هل قاله الله ومدحهم به؟ هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا.

فلو هو استدل مثلاً بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمر الهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار، ده مش معناه أنه يتعمد هذا، بس هو ده اللي موجود. طب لما تيجي بقى، اللحم كان يحب ما جاور العظم، وبعدين يتتبع الدباء؛ أيوه ما دام موجوداً مش هرده، لكن إذا كان مفقوداً لا أتطلع إليه. يبقى ده هو القسط. «خذوا زينتكم»، أيوه، خذوا زينتكم معناها ستر العورة لأنهم كانوا يطوفون عراة، يبقى الدنيا معاه في الطراوة كده، يقول لك أنا عصيت الله في هذا الثوب فما ينفعش أطوف بيه، زي اللي فتح باب الحمام عشان ما حدش يبص بالخرم، فاهم؟ قال لك أنا لا حد يبص عليا أنا أهبل، فيفتح تبقى العملية على البحري. قال لك أنت هتقعد تتعب نفسك وتبص وتنزل، لا، تمام. فده بيقول لك أنا بدل ما يطوف، يقول لك يطوف عارياً. فربنا قال: ﴿وَخُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: 31]، يعني ستر العورة، وطبعاً يدخل فيه ما بعده، بس عشان تفهم المعنى الآن.

أفضل جزاكم الله يبارك فيك. وبإسناد عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل والحسنة بين السيئتين. ونفس الشيء، ثم قال: الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقال آخرون: الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق، نعم ذكره عن ابن معدان. نعم خلاص، هات القول الذي هو قول الطبري، والصواب؛ قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار ما قصر عما أمر الله به، والقوام بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأن المسرف والمقتر مذمومان، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصاً فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذموماً، لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذنب.

فإن قال قائل: فهل لذلك من حد معروف تبينه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهوم في كل شيء من المطاعم والمشارب، وده يا شباب يختلف من شخص لآخر ومن موضع لآخر ومن مكان لآخر. يعني مثلاً العدل بين الزوجات مش معناه المساواة؛ لا، ممكن امرأة تكون مثلاً من بيت جاه أو كذا، فتكون الهدية بالنسبة لها، أنت عايز تساوي بينهم في الهدايا مثلاً؟ طبعاً أنت لسه أصلاً ما عندكش زوجه واحدة بس، يعني بنضرب مثال عشان تفهم الفكرة. هل ده يلزم أن في حد معين؟ لا، مش لازم يكون في حد معين، عادي. ممكن واحد يأكل أكلة مثلاً، هو طبيعته غني، فممكن يقعد في مطعم يأكل أكلة مثلاً بألف، خلاص كده، وبالنسبة له مش إسراف، ده مش إسراف، هو معاه ما يكفيه وده بالنسبة له دي طبيعته، هو لا يتكلف هذا.

فإن قال قائل: فهل لذلك من حد معروف تبينه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهوم في كل شيء من المطاعم والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البر وغير ذلك. نكره تطويل الكتاب بذكر كل نوع من ذلك مفصلاً، غير أن جملة ذلك هو ما بينا، وذلك نحو أكل الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه وينهك قواه، وينهك قواه. يبقى إذاً يا شباب: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: 67]، تتوجه النفقة في اتجاهين؛ إما في النفقات الواجبة أو نفقات المعيشة عموماً في حياته، أو الإنفاق حتى في سبيل الله، تمام. فلو إحنا قلنا النفقة على نفسك وعلى عيالك، هذا يرجع من حيث يختلف من حال إلى حال، لذلك ربنا لم يحده بحد.

النفقات في سبيل الله أيضاً ليس لها حد، النبي عليه الصلاه والسلام لما جاء أبو بكر بكل ماله قبله منه، بينما يأتيه بعض الناس لا يقبل النبي عليه الصلاه والسلام منه كل ماله لأنه لن يصبر على تبعات هذا القرار. ممكن واحد في لحظة كده يسخن فيطلع كل ماله لله ويفضل ندمان ويتجسر أو يتكفف الناس، فاهم كده؟ فالموضوع ده ملوش حد معين. فبالتالي أنت لما ترى إنساناً ينفق على نفسه مثلاً، شاري ملابس غالية أو يأكل أكلاً مثلاً غالياً أو كذا، لا يصح أن تصفه بالإسراف بناء على أنك أنت أن الثمن ده بالنسبة لك غالي. لا، الإسراف هو تجاوز الحد، ما هو هذا الحد؟ ده بقى اللي الله سبحانه وتعالى جعله للعرف؛ ممكن عرفاً ده في هذا العرف مش غالي.

أحسنت، أيوه ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء: 20]. الوصية شيء والنفقة في سبيل الله شيء آخر. الوصية أنه يريد أن يمنع الورثة فسيتكفف ورثته؛ يعني لو أنت مع نفسك اتخذت قراراً تصبر على تبعاته خذ، إنما أنت معك عيال ومعك أهل، فهذا القرار ربما تصبر أنت عليه ولا يصبرون هم، فاهم؟ نفس الشيء، الإنسان زي "من أمّ بالناس فليخفف"، إذا صلى بنفسه فليصلِّ ما شاء.

ويشغله عن طاعة ربه وأداء فرائضه، وذلك من الإسراف، أو أن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف جسمه. شوفي الطبري جعل الحد إيه؟ هو أن تأكل لدرجة أنك تمرض وتتعب وتقعد عن الطاعات، أو العكس أنك تترك الطعام فتضعف، فجعل المرد كله لما يصيبك منه. فإذا كان يعينك على طاعة الله أو يكفيك، يعني كان عندي واحد من الطلاب دائماً كل ما أجي أقول له يا ابني نام، يقول لي لا، أنا هفضل أنا عايز أسهر، عايز أسهر أذاكر، قلت له خلاص إحنا أخذنا الدرس ويوم تمام التمام، أخذت لك 16 ساعة أنت عايز تاخد إيه تاني؟ تستريح عشان ناخد بكره؟ بيقول لك لا، يفضل قاعد، قاعد تاني يوم يقضيها نوم في الدرس. هو ده الفكرة، أنك أنت وضعت الشيء في غير موضعه. وقت النوم قلت أنا هقعد أقرأ قرآن، جميل، طب لما جاء الدرس اللي المفروض تكون فايق فيه نمت، غلط.

فاهم كده، نام عشان تقدر تستريح عشان لما يأتي وقت اليقظة تكون أنت مستعد، فاهم؟ وده كثير من الناس بيعملها يا شباب، كثير من الناس بيعمل إيه، لما يفتح له باب بيفكر أن المسابقة في الخيرات هو أن يستنزف نفسه، غلط. ﴿فَانطَلِقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: 23] يعني في تروٍ، في حكمة. أنا فاهم، أنا ممكن عن نفسي كذا مرة أكون بذاكر مثلاً بالليل، خلاص أنا متعود أن أنا بعد العشاء خلاص، فجي في دماغي موضوع لازم أكمله، مش قادر، مش قادر ما أكملش. لكن جربت كذا مرة لقيت نفسي بتعب جداً؛ ليه؟ لأن ده بيفسد علي باقي اليوم حقاً وهذا حصل كثيراً. أقدر أجتهد، مش قادر أصبر، بس أتعب أتعب جداً جداً لما أقعد؛ لأني مثلاً كل المدة دي صاحي ما نمتش ما استريحت خالص. صح، بخلص اللي أنا عملته بس تاني يوم لا أنا قادر أنام ولا أنا صاحي، تعبان وأرق، فيبقى الإنسان لازم يكون حكيماً حتى في هذا الأمر، فاهم؟ أو أن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف جسمه وينهك قواه ويضعفه عن أداء فرائض ربه، فذلك من الإقتار، وبين ذلك القوام.

وعلى هذا النحو كل ما جانس ما ذكرنا. فإما اتخاذ الثوب للجمال يلبسه عند اجتماعه مع الناس وحضوره المحافل والجمع والأعياد دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه ما ارتفع عما قد يسد الجوع؛ ودي أشياء أنا قيدتها في فوائد الطبري في نقد الطبري، أن هو الطبري لما ساق هذه الأخبار نقدها لم تعجبه صح ولا لا؟ يعني هو ذكر القول عن بعض الزهاد لكن أنكره هنا. قال لك ما فيش مشكلة أن هو يلبس هذا الثوب للتجمل والجمعة وللعيد، بالعكس مما هو دونه من الأغذية، غير أنه لا يعين البدن على القيام لله واجب معونته، فذلك خارج من معنى الإسراف، بل ذلك من القوام، لأن النبي هو ده الحكم، وقد أمر ببعض ذلك وحض على بعضه كقوله: «ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين، ثوباً لمهنته وثوباً لجماعته وعيده».

يعني هو فعله بل حض عليه كمان، شوف عشان تعرف أن كثير من العباد أصلاً لم يطلب طريق التعبد عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، فهو أصلاً مش عارف أن في حديث كده. يعني في بعضهم يعرف ويقول لك لا هذا خاص به، غفر له ما تقدم من ذنبه وكده إنما إحنا غيره، وفي بقى واحد أصلاً ما يعرفش الكلام ده، كقوله صلى الله عليه وسلم: «ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين، ثوباً لمهنته وثوباً لجماعته وعيده». ولما النبي عليه الصلاة والسلام واصل وقام بعض الصحابة قالوا: تنهانا عن الوصال وتواصل، فقال لهم: «إني لست كهيئتكم». فبعض الصحابة برضه فضل مواصل، قال لهم: طب يعني أنتم عايزين تواصلوا طيب؟ ففضل يواصل بيهم لحد يوم العيد وقال: «لو كان رمضان لسه باقي فيه كنت واصلت حتى يضع المتنطعون تنطعهم»، أو معنى هذا الحديث يعني كنت أعرفك عشان تندم على القرار ده، أنا قلت لك خلاص يبقى خلاص نهيتك عن الوصال خلاص، بتواصل ليه؟

فزي ما العباس رضي الله عنه كان حابب يأخذ شيئاً من الغنيمة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: «خذ»، ففضل يأخذ يأخذ يعني في شيء من الحرص، فلما قعد يأخذ يأخذ قال لهم: حد يحمله عليا يشيله، مش قادر يشيله، فقال له: لا أحمله، أنتم أحق بها، الصحابة أن هم يعينوه، ففضل ينقص منه وينقص منه لحد ما شاله، وجاء في الحديث في البخاري والنبي عليه الصلاه والسلام تعجب من حرصه، يبقى ده كده نوع من المعاقبة، فاهمين الفكرة دي؟ نفس الشيء النبي عليه الصلاة والسلام في الوصال هم قالوا هنواصل، قال هم ما تواصلوا، قالوا هنواصل، طيب فبدأ بقى النبي عليه الصلاة والسلام واصل بيهم بس حظهم أن العيد جه، قال لهم بقى لو ما كانش العيد جه كنت كملت بيهم الوصال، ده نوع من التأديب ماشي.

وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثره عليه»، وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد بيناها في مواضعها، وكان بين ذلك قواماً. نقرأ قواماً يعني على السريع كده. وأما قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، فإنه النفقة بالعدل والمعروف على قد بينا. وبنحو ذلك وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك، وروى بإسناده عن وهب بن منبه في قوله: قال الشطر من أموالهم. وروى بإسناده عن ابن جريج قوله: أنفقت بالحق. وروى بإسناده عن ابن زيد في قوله: وكان بين ذلك قواماً قال: القوام أن تنفقوا في طاعة الله وتمسكوا عن محارم الله وتمسك عن محارم الله.

نفس الشيء، والقوام في كلام العرب فتح القاف هو الشيء يكون بين الشيئين، يقال للمرأة المعتدلة الخلق إنها لحسنة القوام في اعتدالها، كما قال الحطيئة: طافت أمامه بالركبان آونةً ... يا حسنة من قوامٍ ما ومنتقبة فأما إذا كسرت القاف فقيل إنه قوام أهله، فإنه يعني به أن به يقوم أمرهم وشأنهم، وفيه لغات أخرى يقال منه هو قيام أهله وقيم أهله وقيم وقيم في معنى قوامهم. فمعنى الكلام وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواماً معتدلاً، لا مجاوزة عن حد الله ولا تقصيراً عما فرضه الله، ولكن عدلاً بين ذلك على ما أباحه جل ثناؤه وأذن فيه ورخص. واختلفت القراءة في قراءة قوله: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: 67]، فقرأته عامة قراء المدينة: ولم يقتروا، بضم الياء وكسر التاء من أقتر يقتر، نعم. ولم يقتروا بضم الياء وكسر التاء من أقتر يقتر. وقرأته عامة قراءة الكوفيين: ولم يقطروا بفتح الياء وضم التاء، من قتر يقطر. وقرأته عامة قراءة البصرة: ولم يقتُر بفتح الياء.

وكسر التاء من (قتل يقتل)، والصواب من القول في ذلك أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب، وقراءات مستفيضة في قراءة الأمصار بمعنى واحد، فبأيَّتها قرأ القارئ فمصيب. وقد بينا معنى الإسراف والإقتار بشواهده فيما مضى من كتابنا في كلام العرب، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

وفي نصب القوام وجهان: أحدهما ما ذكرت، وهو أن يجعل «في» كأن اسم الإنفاق بمعنى، وكأن «إنفاقهم» ما أنفقوا بين ذلك قواماً؛ أي عدلاً. والآخر أن يجعل «بين» هو الاسم، فيكون وإن كانت في اللفظة نصباً في معنى رفع؛ كما يقال: كان دون هذا لك كافياً، أي أقل من هذا كان لك كافياً، فكذلك يكون ذلك في قوله يبقى كلمة «بين ذلك» هي التي تكون اسم كان، وكان بين ذلك قوام؛ أي كان ما بين ذلك هو القوام، فكذلك يكون ذلك في قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾، لأن معناه: وكان الوسط من ذلك قواماً.

الحمد لله رب العالمين.