تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس الثالث من قراءتنا في تفسير الإمام الجليل الطبري رحمه الله والتعليق عليه لسورة الفرقان المباركة، وصلنا إلى قول الله تبارك وتعالى لما سأل المعبودات من دونه؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 17-18].

قلنا إن هذا الجواب الثاني -يعني جواب هؤلاء- كان شقين: الشق الأول فيه أنهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا﴾ كما قال المسيح عليه السلام: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116]. أما الشق الثاني من الجواب أنهم قالوا: ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ﴾، وقلنا إن هذا الجواب جاء له نظائر في القرآن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [الأنبياء: 44]، يعني أن الله تبارك وتعالى متعهم هم وآباءهم، فنشأ هم وآباؤهم في نعيم أشغلهم هذا النعيم، وطال عليهم الأمد، وطغوا بهذا النعيم بدلاً من أن يشكروا نعمة الله تبارك وتعالى.

فالمعنى أن الله رزقهم ورزق آباءهم النعم، وطالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحمل ذلك على الطغيان، واشتغلوا بهذا التمتع عن طلب الهدى، يعني هو ده معنى بالضبط: ﴿إِن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 14]؛ يعني ماله وشهواته شغلته، جعلته يتلهى عن طلب الحق، كما قال الله: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: 29-30].

فيبقى هذا التمتع وهذا البقاء في النعمة بدلاً من أن يجعلهم يشكرون نعمة الله تبارك وتعالى، طغوا وبغوا، وألهاهم كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69]، وكما قال موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا﴾ [يونس: 88].

فكان هذا التمتع، ما وجه هذا التمتع؟ ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ إيه معناها؟ معناها أن سبب إعراضهم عن الهدى هو اشتغالهم بهذه النعم، فتمتعوا بها ولم يلتمسوا الهدى، ولم يتفكروا فيه، ولم يتدبروا فيه، والفتنة التي ستذكر بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]، ما هي من جملة هذه الفتن؟ أن الذين اتبعوا هذا النبي لم يكونوا من أولئك الأغنياء، وإنما كانوا من الفقراء، فلذلك كان ذلك سبيلاً لهؤلاء أن يثبتوا على ضلالتهم؛ أنه اتبعه الذين هم أراذلنا، لم يتبعك واحد من أشراف الذين لهم من المال والجاه.

قال القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19]. يقول تعالى ذكره مخبراً عما هو قائل للمشركين عند تبدل من كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله منهم: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أيها الكافرون، من زعمتم أنهم أضلونا ودعوكم إلى عبادتهم، ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ يعني بقولكم، ونحو الذي قلنا قال أهل العلم؛ وبإسناد عن مجاهد: يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعزيراً والملائكة: يكذبون المشركين. وبإسناد عن مجاهد أيضاً قال: عيسى وعزير والملائكة يكذبون المشركين بقولهم. وقال ابن زيد في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ قال: كذبوكم بما تقولون بما جاء من عند الله، جاءت به الأنبياء والمؤمنون آمنوا به، وكذب هؤلاء.

أيوه، ابن زيد من أهم المفسرين الذين يضيفون معنى جديداً للآية، أنا عايزك تقرأ قول ابن زيد رحمه الله لتذكر ما هو المعنى الجديد الذي ذكره ابن زيد؛ فكر فيه أنت لوحدك. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾، اللي هو إيه؟ أيوه، قول القول، واشرح جاء من عند الله جاء به الأنبياء والذين آمنوا وكذب هؤلاء؛ تذكر في الآية صحح آمنوا.

طيب هو القول الأول ما هو؟ يعني ما الفرق بين قول ابن زيد والأقوال التي سبقته؟ قول ابن زيد وصف حال المشركين في الدنيا، كذبوكم بما تقولون يعني كذبوا المرسلين، كذبوا عزيراً وعيسى. لا، اقرأ: قال كذبوكم بما تقولون بما جاء من عند الله جاءت به الأنبياء والمؤمنون آمنوا به وكذب هؤلاء، أي المشركون بالرسالة. هذا وجه ابن زيد، أما الوجه الأول اللي هو مجاهد قال: يعني عيسى سيدنا عيسى وعزيراً والملائكة يكذبون المشركين في يوم القيامة، نعم.

طيب اقرأ كده التعليق اللي بعده، تعليق الطبري: فوجه ابن زيد تأويل قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم﴾ إلى فقد كذبكم أيها المؤمنون المكذبون بما جاء به محمد من عند الله تعالى بما تقولون من الحق، وهو أن يكون خبراً عن الذين كذبوا الكافرين في زعمهم أنهم دعوهم إلى الضلالة وأمرهم بها، على ما قاله مجاهد من القول الذي ذكرناه عنه أشبه وأولى؛ لأنه في سياق الخبر عنه. مين يشرح لي يا شباب القولين ويقول ما وجه ترجيح الطبري؟

القول الأول يقول: يوم القيامة الذين كانوا يعبدون، يعني عزيراً وسيدنا عيسى والملائكة يكذبون المشركين الذين كانوا يعبدونهم. القول الثاني: أنهم كذبوا المؤمنين، ﴿كَذَّبُوكُمْ﴾ أي المؤمنين بما تقولون، أي بما يقوله المؤمنون، يعني المشركون كذبوا المؤمنين. القول الأول: المشركون كذبوا المؤمنين ماشي، القول الأول عيسى وعزير والملائكة يكذبون المشركين، هو اختار إيه بقى؟ اختار القول الأول، لماذا؟ يقول أنه في سياق الخبر عنه، يعني ربنا يتكلم عن هذا الأمر في الآخرة، أن أولئك الذين ادعيتم فيهم الآلهة هم أنفسهم كذبوكم، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾؛ أي أنتم اتخذتم آلهة وهم كذبوكم، قالوا: نحن لسنا آلهة ولم ندعكم إلى أن تعبدونا، فقد كذبوا.

أما القول الآخر اللي هو قول ابن زيد، قال: ﴿كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ بما جاء من عند الله، جاءت به الأنبياء والمؤمنون آمنوا به وكذب هؤلاء، يبقى ده قول مختلف تماماً، ما فيش اتفاق بين القولين، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم﴾ جعل أن هذا خطاب في الدنيا لأهل الإيمان، ربنا يقول إن المشركين كذبوا المؤمنين في إيمانهم، واضح كده ماشي، فهو طبعاً اختار القول الأول، هو أشبه في هذه الآية وإن كان المعنى الثاني صحيحاً، بس الأغلب أنه ليس مراداً من الآية والله أعلم.

والقراءة في ذلك عندنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم﴾ بالتاء على التأويل الذي ذكرناه، يعني القول الأول، أي لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه. وقد حكي عن بعضهم أنه قرأه: فقد كذبوكم بما يقولون بالياء بمعنى: فقد كذبوكم بقولهم، وقوله جل ثناؤه: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني حيث اختاروا غير ما اخترتم، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا يَقُولُونَ﴾ دي على بعضها بمعنى قولكم أو بما تقولون أو بما يقولون، إذا كان مثلاً زيد، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾؛ إيه معنى؟ نعم، على قول ابن زيد فما سيكون يعني هذا ما سيكون معناها، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، هي أصلاً في ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ وفي ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾.

فلو ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ معناها أن لا يستطيعون أن ينصروهم ولا أن يدفعوا عنكم الضر في الآخرة العذاب، أو ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ أنتم لأنفسكم صرفاً ولا نصراً، لكن هي كده مش هتكون مناسبة مع قول ابن زيد. يعني الشيخ في قول الذين كانوا يعبدون كذبوا المعبود، أيوه في الآخرة، القول الثاني أنهم الكفار لم يؤمنوا بما جاء من عند الله، صح هو ده القول الثاني، هو رجح القول الأول جزاك الله خيراً.

يقول: ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ﴾ هؤلاء الكفار صرف عذاب الله حين نزل بهم عن أنفسهم ولا نصرها من الله حين عذبها وعاقبها، وبنحو ذلك قال عن مجاهد، قال: المشركون. طبعاً في معنى ثاني بيذكره بعض أهل العلم: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ يعني بسبب قولكم نسبوكم إلى الكذب، يعني مثلاً هم نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوا المؤمنين إلى الكذب بسبب أن المؤمنين أعلنوا إيمانهم فقالوا: هو كذاب وهو مفتر وهو كذا، فالباء تكون هنا السببية.

وبإسناد عن ابن جريج قال: لا يستطيعون صرف العذاب عنهم ولا نصر أنفسهم، وأيضاً عن ابن زيد في قال: لا يستطيعون يصرفون عنهم العذاب الذي نزل بهم حين كذبوا ولا أن ينتصروا، قال: وينادي مناد يوم.. هو هنا ابن زيد بقى أراد أن يكمل قوله. مين بقى يشرح لنا القول الآن؟ شيخ، وقول إن المشركون هم الذين ما يستطيعون صرفاً ولا نصراً؟ مو هيك؟ أيوه، والآن يكمل، أيوه، إحنا عايزين نفهم هو الآن تفسير الآية كاملة عنده إيه؟ أنت قلت الأثر ولا لسه جاء فيه؟ طيب كمل الأثر وبعدين نسأل السؤال ده.

قال: وينادي مناد يوم القيامة حين يستمع الخلائق: مالكم لا تناصرون؟ قال: من عُبِد من دون الله لا ينصر اليوم من عبده، وقال العابدون: من دون الله لا ينصره اليوم إلهه الذي يعبد من دون الله، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: 26]، وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [الأعراف: 195]، أيوه كمل اللي بعده.. لا كمل بعده.

ذكر عن ابن مسعود قال: فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل الذي تأول، لا ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾، فما تستطيعون لك صرفاً، فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل الذي تأوله ابن زيد في قوله ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾، ويصير قوله ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم﴾ خبراً عن المشركين أنهم كذبوا المؤمنين، ويكون تأويل قوله حينئذ ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾: فما يستطيع يا محمد هؤلاء الكفار لك صرفاً عن الحق الذي هداك الله له، ولا نصر أنفسهم مما بهم من البلاء الذي هم فيه بتكذيبهم إياك.

الآن بقى عايزين واحد يذكر لنا القولين كاملين للآية ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا يَقُولُونَ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، يعني معنى في الدنيا ومعنى في الآخرة ماشي، التفسير الأول في الآخرة أنه ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾، مين من الذي كذب من؟ تقولون المعبودين كذبوا العابدين، طيب أنت ما قلتش كده، المعبودون الذين عُبدوا من دون الله كذبوا العابدين، نعم، يعني قالوا: نحن لسنا آلهة ولم ندعكم إلى الإلهية فأنتم اتخذتم آلهة، تمام، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي أن هؤلاء المعبودين لا يستطيعون صرف العذاب عنهم ولا نصر المعبود يعني نعم، في الآخرة نصر العابدين نصر العابدين، تمام ها نعم، والقول ابن زيد في الدنيا ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ كذبوكم أيها المؤمنون بما تقولون، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ صرف العذاب الذي سيترتب على.. لا لا كده أنت عملت غلط، يعني أنت ضللتهم هم كانوا فاهمين 50% فانت شلت 50%، زي قلت لكم لما كنا قاعدين بناكل فول وواحد جاب فول ما لوش طعم يعني تعبان قوي فواحد قال: أنا هاخد الفول أظبطه فخده ونزل، فالتاني قال له: والله كان الأول طعمه أحلى، فاهم؟ فأنت ضللت لهم، الله يهديك.

ها مين؟ ماشي، قول يا أسامة اتفضل، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، التأويل اللي يرجحه الطبري أنه ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم﴾ حسب السياق يعني المعبودات أو اللي اتخذوهم معبودات عائد لهم كذبوا المشركين، هو رجح هذا القول بقرينة السياق ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، يعني المشركين أنفسهم ما راح يستطيعوا صرف العذاب ولا أن ينصروا أنفسهم، تمام.

طيب قول ابن زيد هو ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم﴾ يعني فقد كذبوكم، الكاف الضمير هون للمؤمنين، يعني كذب المشركون المؤمنين، أي فما بما تقولون ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، ذكر تأويله آخر شيء ﴿فَمَا﴾ إيه بقى؟ ها لا لا هو ماشي كويس لحد ما قال كلمة ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ لا هي ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، أي فما يستطيعون يعني صرفكم عن الحق ولا نصر أنفسهم. إيه يقع، هيكون الآن خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، لا يستطيعون أن يصرفوه عن الهدى ولا عن الحق الذي أنت فيه، ولا أن ينصروا قولهم الذي هم عليه. خلاص كده يا شباب، فيه محتاجة إعادة تاني ولا خلاص؟ تمام. تستطيعون بالنسبة للقول التاني هو، آه ما هو ممكن يكون خطاب لهم هم ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ أن تصرفوا محمداً أو قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا يستطيعون أن يصرفوه، ينفع ده وده عادي.

نفع الله بكم، قال القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19]. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: ومن يظلم منكم أيها المؤمنون، يعني لقوله ﴿وَمَن يَظْلِم﴾، ومن يشرك بالله فيظلم نفسه، فذلك ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ كالذي ذكرنا، ﴿إِنَّا نُذِيقُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، وبنحو الذي قلنا قال بإسناده عن ابن جريج في قوله: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ﴾ قال: يشرك، ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾، وبإسناده عن الحسن قال: هو الشرك. الآية الأخرى القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20]. وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7]، وجواب لهم عنه، يقول لهم جل ثناؤه: وما أنكر.

يا محمد، هؤلاء القائلون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، من أكلك الطعام ومشيك في الأسواق وأنت لله رسول! فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة.

فإن قال قائل: فإنما ليست في التلاوة، فكيف قلت معنى الكلام: إلا أنهم ليأكلون الطعام؟ قيل: قلنا في ذلك معناه أن الهاء والميم في قوله ﴿أَنَّهُمْ﴾ كناية أسماء لم تذكر، ولا بد لها من أن تعود على من كني عنه بها، وإنما ترك ذكر «من» وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله ﴿مِّنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ عليه، كما اكتفي في قوله ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] من إظهار «من»، ولا شك أن معنى ذلك: وما منا إلا من له مقام معلوم، كما قيل: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، ومعناه: وإن منكم إلا من هو واردها.

وقوله ﴿أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ صلة لمن المتروك، كما يقال في الكلام: ما أرسلت إليك من الناس إلا من أنه ليبلغك الرسالة، فإنه ليبلغك الرسالة صلة لمن.

نحن الآن نريد أن ننظر في الآيات التي في السورة، وننظر إلى موقع الآية التي قبلها. ربنا تبارك وتعالى ذكر من أسمائه وأفعاله ومحامده ما هو براهين أنه الإله الحق تبارك وتعالى، ثم قال ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، يبقى إذاً ليس عندهم برهان، ثم ذكر أن هذه الآلهة أنفسها تكذبه يوم القيامة، فتبين أنها ليست فيها شيء يدعو للإلهية، ولا هم دعوا الناس لأن يكونوا آلهة.

وقالوا إن الواقع كذا، أو خلاصة الأمر أن الله متع هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر، الآية التي عندنا: ﴿وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ﴾، كلمة ﴿حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ﴾ بالضبط هي حتى طال عليهم العمر، طال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ نفس الشيء، أنهم شغلوا بهذه المتع عن أن يتدبروا رسالة هذا النبي، بمعنى أصح هذا هو الاستغناء، أما من استغنى، يقول له: يا أخي أنا مش محتاج لدعوتك أصلاً، هي دي معناها بالضبط ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾، فأنت لو تصدى، أنا لست محتاجاً إلى النظر في دعوتك أصلاً، وهو ده معنى ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، هو مش بيفكر أصلاً، هو مش مشغول أنك تقعد تشرح له فيقول لك والله أنا طالب الحق، لا هو مستغنٍ عن رسالتك، هو ده بالضبط.

ولكن ﴿مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾، نشأوا في الرخاء، نشأوا في النعمة، فطال عليهم الأمد فطغوا، فلما جاءهم الحق قالوا هذا سحر مبين، أي شيء، المهم أنهم أعرضوا عنه ونسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً.

فربنا يقول ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾، هؤلاء الذين اتخذتم آلهة من دون الله بينوا أنهم ما ينبغي لهم أن يتخذوا، وهم لم يدعوكم لأن تتخذوهم، يبقى هذا رد على ماذا؟ رد على ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، يبقى ده فرقان آخر. يعني نحن عندنا فرقان هنا، الفرقان الأول أنهم اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً، طب الفرقان الثاني أن هذه التي اتخذت آلهة ستتبرأ، كذا ولا لا؟ طيب، الآن بقى ربنا سبحانه وتعالى قال: خلاص ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ﴾، ده أيضاً وعيد يا شباب وإنذار، ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾، يذكر أحياناً العذاب العظيم أو المهين أو الأليم أو الكبير زي ما يأتي على حسب السياق.

هنا قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، دي بتعود على ماذا؟ دي ترجع إلى ماذا فيما ذكر قبل؟ أيوه، ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، فهذا فرقان في هذا الأمر الذي هو رد لهذه الآية الشبهة، وقالوا ﴿مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، خلاص دي خلصنا منها، الآن قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يعني أنت لست بدعاً من الرسل.

تفضل، أحسن الله إليكم، قال: وقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، يقول تعالى ذكره: وامتحن أيها الناس بعضكم لبعض، جعلنا هذا نبياً وخصصناه بالرسالة، وهذا ملكاً وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيراً وحرمنا الدنيا لنختبر الفقير بصبره على ما حرم. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد لهم أنه بشر ولكن يوحى إليه، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾، الفارق بيني وبينكم هو في الوحي فقط، لكن أنا بشر يجري علي ما يجري على البشر ولكن يوحى إلي.

أحسن الله إليكم، قال: والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطي وقسم له، وطاعته. يعني مين يفسر لي الملك فتنة؟ ما معنى الجملة دي؟ الفقير يفتن بما عند الملك، والملك يفتن بالكرامة العليا التي للرسول، أيوه يعني يفتن بها يعني تمناها؟ لا، غلط. المقصود أن الملك مفتون بوجوب طاعته للرسول، أحسنت، أن هذا ابتلاء للملك، أن إنساناً ملكاً مطاعاً واحد زي هرقل أو المقوقس أو كسرى أو النجاشي، وبعدين يؤمر أن يتبع رجلاً من عامة الناس في نظره؛ هذا ابتلاء ولا مش ابتلاء؟

ولذلك ربنا في سورة النمل بعد ما ذكر تكبر فرعون، ذكر بلقيس التي آمنت على طول، طب ما هي ملكة! فبلقيس لم يصدها ملكها عن أن تتبع هذا الرسول، قالت ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولذلك ربنا في هذا السياق وصف فرعون بماذا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، الملك منعه من أن يذعن لهذا النبي، فربنا ذكر بعده قصة بلقيس، امرأة ملكة في قومها ولها عرش عظيم، لكن أول ما علمت الهدى خلاص، بل إن الله سبحانه وتعالى مدحها بأمر أكبر من ذلك، مين يذكره؟ قال ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، يعني بيقول هي كافرة مش عشان هي بتحب الكفر، بس هي نشأت في قوم كافرين فبقيت كافرة، فأول ما تبين لها الهدى استجابت، وكثير من الكفار هكذا، يعني ينشأ في قوم كفار فإذا بين له الهدى استجاب. فشفت مناسبة ذكر بلقيس في هذا السياق أنها ملكة، فابتليت بهذا، أنها تذعن لشخص؛ تنازلت عن ملكها.

لذلك هرقل هل لما امتحن بهذه الفتنة استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولا منعه ملكه؟ صح ولا لا؟ في الحديث المعروف أن هو قال لهم: ولو أعلم أني أخلص، قرأ عليهم الرسالة فلما رآهم حاصوا حيصة حمر، قال إنما قلت ذلك لاختبار شدتهم، يبقى صده ملكه. فشفت الجملة دي مهمة: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، وكذلك فتنا بعضهم ببعض، ليقولوا ﴿أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾، يبقى كل شوف ربنا جعل كل واحد له فتنة خاصة.

الملك له فتنة، إيه هي؟ أنه ملك. ولذلك ربنا قال عن اليهود: لما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾، لأنهم أرادوا أن يكون النبي الخاتم منهم من ذرية إسحاق، فلما جاءهم من ذرية إسماعيل لا، ما عجبهم الكلام ده. شفت الفتنة، ودي فتنة ولا مش فتنة؟ فتنة، فشوف كلمة ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ كلمة جامعة؛ لا بد أن يكون كل إنسان له فتنته الخاصة، ممكن واحد يتجاوز هذه الفتنة، واحد يسقط فيها، ممكن واحد يبقى مستمراً على الاستقامة في كل الفتن، فيفتن بالمال؛ يعني هو في السجن والابتلاء، فأول ما يفتن بالمال لا يستطيع يصبر، مع أنه صبر على الجهاد، ممكن يصبر إنسان على أصناف الفتن وفتنة واحدة لا يصبر عليها، فاقرأ الجملة دي، معلش كده: لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني، والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطي وقسم له، وطاعته ربه مع ما حرم مما أعطي غيره.

يقول: فمن أجل ذلك لم أعط محمداً الدنيا وجعلته يطلب المعاش في الأسواق، ولأبتليكم أيها الناس، وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه، لأني لو جعلته غنياً وجعله ملكاً في قومه يطلب ملك آبائه كان ممكن الناس يتبعوه ليس لأجل الحق الذي معه، لا، الآن لن يتبعه في هذه المرحلة تحديداً، ممكن بعد كده يدخل في دينه المنافقون ولا لا؟ ممكن، بس في المرحلة دي لا، هو النفاق في مكة لا، في المدينة؛ لأن في مكة مفيش واحد حيتبعه إلا إنسان مؤمن وموقن، ويتبع فقط للحق الذي عنده، لذلك ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، أنا ما عنديش أي مغريات، ولا أعطيكم على شيء، ﴿لَا مَن شَاءَ اتَّخَذَ﴾، إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً؛ فيتمحض الاتباع لإرادة الحق.

لذلك النفاق حصل فين بقى؟ في المدينة، لما حصل عز وملك، بقى يدخل من يتبع رغبة أو رهبة. تفضل بارك الله فيكم. إجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه بغير عرض من الدنيا ترجونه من محمد صلى الله عليه وسلم أن يعطيكم على اتباعكم إياه، لأني لو أعطيته الدنيا لسار كثير منكم إلى اتباعه طمعاً في دنياه.

يبقى هو هنا لا يتكلم فقط عن ماذا يا شباب؟ ما هو ممكن واحد يقول، هل ربنا يريد هنا أن يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس بدعاً من الرسل من جهة أنهم كانوا بشراً وبيمشوا في الأسواق؟ ده نصف الجواب، إنما بقية الجواب هي أن الله جعل ذلك فتنة لكم واختباراً، حتى يتمحض الاتباع لأجل الحق، فأنتم؛ يبقى الجزء الأول أنه بشر مثل الناس، لكن لماذا جعله الله على هذه الصفة؟ حتى يختبر، واحد من أشراف قريش يتنازل عن هذا ويتبع؟ ولذلك يا شباب سيأتي في السورة ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ نفس السياق بالضبط، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، يبقى هم رسبوا في هذا الاختبار ولا لا؟ فاهمين الفكرة؟ أنهم قالوا أنت بتأمرنا، لا ينظروا أن هذا أمر الله، إنما الأمر جاء منك، إحنا لن نسجد.

ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، فهؤلاء لما فتنوا بهذا الأمر ما صبروا، ولما فتنوا بدخول السابقين الأولين أيضاً ما صبروا على هذه الفتنة، ما استحملوا ﴿أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾، كيف يسبقنا هؤلاء؟ ولو دخلنا في الدين، جاء في بعض الروايات أننا لو دخلنا في الدين لقالوا نحن سبقناكم، فكانت هذه فتنة. وده يا شباب من أعظم ما يفتن فيه الإنسان، أن هو يسبق إلى الحق، أو أنه يقع في خطأ ليختبر الله رجوعه عن الخطأ ودخوله في الصواب.

تفضل بارك الله فيكم، قال وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل وبإسناد عن الحسن في قوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ يقول: هذا الأعمى لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول هذا الفقير لو شاء الله لجعلني غنياً مثل فلان، ويقول هذا السقيم لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان. وبإسناده عن ابن جريج في قوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، قال: يمسك عن هذا ويوسع عن هذا، فيقول: لم لم يعطني مثل ما أعطى فلاناً؟ ويبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان؟ وفي أشباه ذلك من البلاء ليعلم من يصبر ممن يجزع.

أيوه، ﴿وَعَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، يبقى هي الفتنة أن الإنسان يوضع تحت اختبار، والفتنة بالمناسبة أدق من الابتلاء، يعني الفتنة هي نوع من الابتلاء، لكن الابتلاء هو الأعم، الابتلاء الإنسان يبتلى مثلاً في مصيبة، كل فتنة تسمى بلاء بس ليس كل ابتلاء يسمى فتنة، ولذلك ربنا يقول ﴿وَفَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾، ويقول لموسى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، في أحياناً يأتي لفظ الآية فتنة في موضع محدد، واللفظ الأغلب هو لفظ الابتلاء.

فأنا أحاول أفهمك الفكرة دي، كان في أقرع وأعمى وأبرص القصة معروفة صح؟ فأراد الله أن يبتليهم، أراد الله أن يبتليهم يعني يختبر أفعالهم، فممكن الابتلاء ده كان يكون أن يكونوا هم أغنياء، أو يكون عندهم ملك أو جاه، وربنا يختبر شكرهم، لا ده ربنا بين لك أن هو واحد أعمى وأقرع وأبرص، يبقى أنت متيقن أنهم لم يكن عندهم هذه النعمة، فلما نزلت بهم النعمة اختبروا، فصح هذا الاختبار.

فهنا ربنا قال ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، بعضكم لبعض هذا يشمل المؤمن يفتن بالكافر والكافر يفتن بالمؤمن، كيف هذا؟ شوف ياتي واحد كافر مثلاً مقيم في أي دولة من الدول اللي هي في نظر الناس متقدمة، متقدمة في ماذا؟ في المواصلات والطب والهندسة والشياكة والنظافة وكل ده، خلاص؟ وفيها بين قوسين كده العدل والمساواة وحقوق الإنسان في تصور الناس، حلو؟ فيبقى هذا المؤمن يفتن بها من جهة أنه على حق، بس يقول طب إزاي أنا على حق وهؤلاء وسع عليهم؟ فيكونوا فتنة، والعكس.

هؤلاء الكفار يعلمون أن الإيمان أو الإسلام حق، بس يرى المسلمين في ضعف وهوان؛ فيكون ضعف المسلمين في هذه الفترة بالنسبة لهذا الشخص فتنة. يبقى هذه فتنة له، وهذه فتنة لذاك. لذا الآية هذه جامعة، أن الله سبحانه وتعالى يفتن عباده ليختبرهم، وأعظم اختبار هو اتباع الحق. الاختبار الأصل هو اتباع الحق، لذلك ربنا قال عن اليهود: كانوا يستفتحون على الذين كفروا، يعني يقولون لهم سيبعث النبي الخاتم وسنقاتل معه قتل عاد. قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89].

ليه؟ طب ما هو اللي جاءهم صح وعرفوا، وكلمة عرفوا غير علموا؛ لأن المعرفة معناها أنك عندك معلومة سابقة وجدت في الواقع. زي ما أقول لأحمد: يا أحمد أنا بكلمه في التليفون وما يعرفش شكلي، فقلت له يا أحمد أنا هقابلك عند محطة القطار، فيقول لي اديني أي علامة كده، فأقول له هتلاقيني مثلا لابس قميص أزرق ومعايا مثلا شنطة لونها كذا، فأول ما يشوفني يعرفني. إيه معنى يعرفني هنا؟ أن المعلومة اللي موجودة في قلبه وجدت في الواقع. فلما جاءهم ما عرفوا، جاء على نفس الصفة التي في كتبهم، كفروا به. طب لماذا كفروا به؟ هل لأنه ليس هو؟ لا، هو هو، ولكن لأنه لم يأت من ذريتهم أو ليس من ذرية إسرائيل. يبقى ده اختبار ليهم ولا لأ؟ اختبار.

وفرعون لما يأتيه موسى وبعدين يقول له، يأمر أن يتبعه ويدعوه، طبعا ده اختبار له. طب وهرقل أيضا اختبر به. طب وأبو جهل يختبر ببلال؛ بلال ده يسبقني إلى الحق! يبقى ابتلى، وبلال يبتلى به بأن هذا يعذبه، وهكذا. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20]، وده يا شباب لا يخلو منها زمان، كل إنسان يفتن ليختبر الله اتباعه للحق وثباته عليه. الاثنين، ما هو ممكن يتبع الحق مدة وبعدين يفتن؛ يعني هو يتبع مدة، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10] صح كده؟ ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]. طب هو لما لقى الحق اتبعه، اه، بس لما امتحن في هذا الحق لم يثبت. يبقى خلاصة الفتنة هو اختبار اتباع الحق والثبات عليه؛ ألا تتركه رغم أي شيء تعذب فيه، يعرض عليك الدنيا. يعني هم لما يقولوا للنبي عليه الصلاة والسلام: إن أردت مالا أعطيناك، وإن أردت سؤددنا عليك، دي اسمها فتنة، صح؟ يفتنوك. وهو ثبت على هذا الحق، يبقى ما استطاعوا أن يفتنوه. ممكن واحد غيره، أنت ما تعرفش الرجل اللي هو كان يحب أمه سوداء فقالت له تنصر أو أكفر، كفر بالله عادي، فيبقى هو اتبع الحق اه، بس لم يثبت عليه لما فتن ما صبر. وهكذا خلاصة الابتلاء، الفتنة، اتباع الحق.

الابتلاء مع الكلمة العامة له هي الاختبار، أن الإنسان يتعرض لأمور تختبر فيه شيئا؛ زي ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]. عندي يتيم عنده مال، تمام كده، فأنا عايز أختبر السن الذي يسمح لي بأني لو أديته المال هيبقى عاقل في التصرف فيه، فأدي له مثلا 100 جنيه ماشي كده، شوف هيتصرف فيها إيه، لقيته بيرميها، بيديها لأصحابه، بيشتري بها لبان، أشياء تافهة، فيبقى ده ما ينفعش أديله فلوس لأني ما اختبرته، حطيته تحت اختبار، فهمت كده؟ لكن ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ لقيته بيتصرف يقول: لا، طب ممكن أعمل كذا، وحكيم، وبيحوش الفلوس، وبيتاجر فيها، اه لا يبقى ده يعرف. يبقى الابتلاء هو اسم عام لما يختبر به العباد. من جملة بقى هذا الاختبار؛ يعني ربنا يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 155] ده نوع من الابتلاء صح كده، من جملة بقى الابتلاء الفتنة، وهي أن يعرض عليك أمر يمتحن اتباعك للحق أو ثباتك عليه. دي بقى المعنى المهم جدا.

من ضمنها وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، افهم الفكرة دي: أول ما النبي عليه الصلاة والسلام توفي، في مجموعة من اللي كانوا بيدفعوا الزكاة قالوا: لا، كنا ندفع الزكاة لمحمد، لن ندفعها لغيره، يبقى كده سقطوا ولا لأ في الفتنة؟ سقطوا في هذا الأمر، وفي جماعة ارتدوا، المرتدون ومنعوا الزكاة معروفون، فتبقى الفتنة أمر من شأنه أن يمتحن فيك هذا اتباع الحق أو الثبات عليه. أنت ممكن تكون عرض عليك حق جديد فتاب أو تأنف أو تحسد صاحب هذا الحق فيه، تمام. يعني أضرب لك مثال: المنافقون والذين في قلوبهم مرض في غزوة بدر ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: 49]، يعني دينهم سيهلك الآن، دينهم ورطهم، هو ده المعنى بالضبط، يبقى هم امتحنوا بهذا الامتحان، لم ينجحوا في هذا الاختبار، واضح؟ يبقى الفتنة هي أمر من شأنه أن يمتحن قبولك لهذا الحق وإذعانك له، أو ثباتك عليه؛ الاثنين مع بعض.

المعرفة معناها أنك تعرفهم بسيماهم، يعني أول ما تشوف العلامة دي فيه اه تعرفه، بس أنت في الأصل ما تعرفش أن هو كده. جاء أخوه يوسف، تمام، فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون؛ أول ما شافهم عرف أن دول إخواته، ما هو يعرف من الأول، يعرفهم من الأول، بس بعد طول الزمن اتعرف عليهم فهمنا كده، عرفهم وهم له منكرون. فالمعرفة معلومة سابقة وجدت، زي أبو جهل، تقول اه هو ده اللي كان النبي بيقوله سيهزم الجمع ويولون الدبر، هو ده، فتعرفونها لأن عندكم معلومة سابقة عنها وجدت، فهمنا كده؟ زي ما واحد كده يدخل مكان فيعرف هذا المكان، يقول المكان ده أنا جيت قبل كده بعلامة معينة فيه، تمام. يبقى نرجع تاني للموضوع، ربنا قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20]، هذا عام، المؤمن يفتن بالكافر بأصناف.

الابتلاء ما يكونش اسمه فتنة؟ في نموذج عندك لما الابتلاء طبعا مصيبة أن الإنسان يصاب، يموت حبيبه، يعني أنت لازم تفهم أن الابتلاء هو أمر عام جدا، هو الأغلب، لذلك ربنا لم يقل: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نفتن لا نبتليه"؛ لأن دي الصفة العامة أنه مختبر تحت اختبار. من جملة هذه الاختبارات؛ أنا أحاول أضرب لك مثال عشان تفهم الفكرة، أحد تصور أن أنت رحت اشتغلت عند راجل في مصنع، أو موظف في شركة، فالرجل يريد أن يمتحن فيك أشياء، فجي قال لك النهارده الشغل 15 ساعة، فهو يختبر التحمل عندك، مرة ثانية يقول لك بكرة الشغل الساعة 6 الصبح، عشان يختبر فيك الالتزام، ممكن بقى يخلي واحد موظف في شركة أخرى يقول لك: على فكرة الشغل عندنا أكثر، عشان يشوف ولاءك، يمتحن ولاءك، فاهم؟ فده بقى اللي ممكن يسمى فتنة، أنه يعرض عليك أمرا من شأنه أن يصرفك عن هذا الثبات الذي أنت فيه، فلازم تفهم أن هو فيه هم الاثنين بيشتركوا طبعا، يعني هي الفتنة ما هي فتنة ابتلاء، لكن هل كل ابتلاء يأخذ معنى الفتنة؟ لا. لذلك تجد أن كلمة الابتلاء كثيرة جدا في القرآن: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: 17].

لا لا، ما فينا نخصص الفتنة في الدين، لا لا لا، عممه، الابتلاء قد يشمل تكفير سيئات أو رفع درجات، لا ده ده المصيبة، لا افهم ما هو المصيبة إذا نزلت بالمؤمن تكون تكفيرا لسيئاته، وإذا صبر عليها كانت رفعة لدرجاته، إحنا مش بنتكلم عن الأمر ده خالص، إحنا بنتكلم عن معنى الفتنة ومعنى الابتلاء، الخلاصة التي تفهمها أن الإنسان يتعرض لفتن ويتعرض لابتلاء، قد لا يفهم أن هذه فتنة، أضرب لك مثال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24]، يبقى الأول ما كانش يعرف، ما كانش يعرف، لكن ربنا جعل له هذا المثل لينتبه أنه فتن، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]، فممكن إنسان يبقى مدة لا ينتبه أن هو هنا، أن هو فتن في هذا الأمر، فينتبه بقى ويبدأ يراجع نفسه، فهمنا ماشي.

قال تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وأنزل عليهم في ذلك من قولهم ﴿مَا لِهَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]، أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا على ما تسمعون منهم. هو لم يقل بلاء، ما قال فتنة، وهي دي الكلمة يا شباب، شوف احرص على ألا تبدل كلمة بأخرى؛ يعني ما دامت تستطيع أن تأتي بالكلمة نفسها سيبها زي ما هي، ليه؟ لأنك أنت لما تذكر ربنا يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]، فأنت تقول أرسلنا بالمعجزات، هو ربنا ما قالش كلمة المعجزات، لا جاءت في آية ولا جاءت في حديث، ولا جاءت في كلام أي حد من أهل العلم إلا المتأخرين، يعني جاءت على كلام المعتزلة وبعدين الأشاعرة وغيرهم، اللي هم المتكلمين الذين كانوا يناظرون الفلاسفة وغيرهم، إنما لا الصحابة تكلموا بها ولا النبي عليه الصلاه والسلام ولا جاءت في القرآن. فأنت بقى تترك كل كلمة: آية، وبينة، وبصائر، وسلطان، وبرهان، التي جاءت وتجيب مكانها كلمة معجزة، فاهم؟ نفس الكلام كلمة ابتلاء ربنا ذكر ابتلاء في مواضع وذكر فتنة في مواضع، يبقى ربنا يريد ذلك، يبقى تبقي هذه الكلمة في موضعها، ماشي؟

طيب أنا عشان أفهمك فكرة ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20]، تصور أن نوح عليه السلام جاء لقومه وأمرهم بالإيمان، لم يؤمن به أحد، تمام كده، فعندنا ابتلاء واحد بس، إيه هو؟ أن هو بشر، صح، وهو يعني جاء اختصه الله دونهم بأنه أوحى إليه وأمرهم باتباعه، لذلك هو قال في خلاصة دعوته، اللي هو يعتبر تقرير يقدمه لله تبارك وتعالى، سورة نوح إن هي جمعت كل خيوط القصة في هذه السورة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]، في باقي السور ما بيجمعش، مرة يقول اعبدوا الله، مرة ثانية اتقوا الله وأطيعون، لكن في السورة دي جت كله. طب تصور ناس أشراف جاء لهم نوح بيقول لهم اعبدوا الله واتقون وأطيعون، مش دي فتنة ابتلاء صح، يعني يبتلي كبرهم. طب تصور بقى أن الأراذل بالنسبة لهم هم الذين سبقوا إلى دينه، مش دي فتنة جديدة صح؟ لذلك هم نفسهم ذكروها، هو ده بقى المعنى بالضبط ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20].

أن الله سبحانه وتعالى يريد لمن اتبع الحق أن يكون صادقا في اتباعه، فلأجل ذلك يمتحن بأمور تظهر صدقه، واحد زي أبو جندل، أبوه رابطه في البيت ومقعده جنب أخوه، تمام كده، أخوه استطاع أنه يهرب ويروح للصحابة الكرام والنبي عليه الصلاه والسلام ويقاتل معهم في غزوة بدر، وهو لسه مكبل في السلاسل، عرف يهرب وتعب، وبعد ما بذل كل ده يجي في الحديبية يرمي نفسه في وسط النبي عليه الصلاه والسلام والصحابة، فأبوه يكون حظه عند النبي عليه الصلاه والسلام، قال له هذا، أول ما أقاضي فيه، وبكل بساطة النبي عليه الصلاه والسلام يقول له: ارجع، وإن الله جعل لك فرجا ومخرجا، ده ابتلاء ولا لأ، فتنة ولا لأ، صح ولا لا؟ الذي يبقى تابعا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الابتلاء ده يدل على ماذا؟ قوة الإيمان ورسوخ الإيمان.

فهمنا كده يا شباب؟ يبقى أنت بدأت تفهم هنا الفكرة دي، أن الله سبحانه وتعالى يزيل كل شبهة تجعل اتباعك للحق ليس للحق، فجعل هذا النبي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لم يجعله ملكا، ولذلك شوف هرقل أسئلته دقيقة، ولذلك البخاري أدخلها في أول بدء الوحي في علامات النبوة، ليه؟ لأن كل سؤال سأل عنه يقطع كل شبهة: أولا هل كان يكذب؟ لا، يغدر؟ لا، طيب هل كان من آبائه من ملك؟ لا صح كده، طب كنتم تتهمونه؟ لا لا، خلاص مفيش أي شبهة، كده أزال الله، فيبقى لما ربنا يريد أنك تتبع الحق لأنه الحق وليس لأنه جاء من غني، تمام كده، فيمحو بقا اختبارات دي متنوعة، ممكن واحد يختبر بأنه ملك، بلقيس ملكة في اليمن ولها عرش عظيم وكل الناس يطيعونه، طب ويختبرها في أن هي تتبع سليمان صح ولا لا، فلم يصدها هذا، طب بالنسبة لفرعون لا، ظلما وعلوا منعه هذا، يبقى سقط في الاختبار. طب واحد ثاني تعذب مدة مع نبيه وبعدين ما صبرش، قال لك لا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [الحج: 11]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10].

فتفهم أن الله لا يريد أكثر الناس أن يؤمنوا، ولكن يريد لمن آمن أن يؤمن للحق ولا يكون له أي غرض آخر، ما يكونش له أي غرض آخر غير اتباع الحق، ولذلك يقول النبي عليه الصلاه والسلام: من كفر فلا يحزنك كفره، خلاص هو كفر، أنت بينت الحق، ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118]، لذلك كل ما يقترحوا آيات والنبي عليه الصلاه والسلام كأنه يقول يعني لو تأتي هذه الآيات ليؤمنوا فربنا يقول: لا، إحنا بينا الآيات، الذي من شأنه أن يؤمن آمن، جاءته الآيات التي فيها الكفاية، لذلك قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]، هو الكتاب ده فيه الكفاية بس، إذا لم يتبعوا بعد هذا الكتاب يبقى هؤلاء يتبعون أهواءهم، ولذلك ستختم السورة بهذا.

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. فهمت هنا السؤال الذي يسأله الإنسان: لماذا يصعب طريق الإيمان؟ ويجد المؤمن فيه فتنة وابتلاء، حتى يتمحض؛ وليُمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. هذه من حكمة الله تبارك وتعالى أن يمتحن اتباعك للحق وثباتك عليه؛ هذان الاثنان. وهذا يدل على أن المؤمن يبقى خائفاً، لأنه وإن اتبع الحق قد يُفتن عنه بعد مدة. يُفتن بماذا؟ الله أعلم، ممكن يُفتن برغبة أو رهبة أو شهرة أو سمعة أو أي شيء يُفتن به، فربنا يمتحن اتباعك للحق ويمتحن كذلك ثباتك عليه، فنسأل الله أن يثبتنا.

قال وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، يقول: وربُّك يا محمد بصير بمن يجزع وبمن يصبر على ما تحنُّ به من المحن. وبإسناد عن ابن جريج؛ طبعاً لاحظ السورة هذه سيكثر فيها كلمة "ربك"، لماذا؟ لأن هذه دائماً السور المكية يكثر فيها كلمة "الرب" تحديداً في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، تمام كذا، ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، كلمة "ربك"، ﴿كَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. كلمة "الرب" هذه هي التي كان يحتاجها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ربه الذي يتعهده، يعلمه، يثبته، يبشره، يهديه، ينصره؛ فكلمة الرب كثيرة جداً في القرآن المكي بهذا الأمر، أنه يربيه، يعلمه، ويهديه، ويسدده، ويبصره، ويعلمه كيف يتصرف: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، وهنا قال: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.

قال وبإسناده عن ابن جريج: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ إن ربك لبصير بمن يجزع وبمن يصبر. أي القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. يقول تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا ولا يخشون عقابنا: هلا أنزل الله علينا ملائكته فتخبر أن محمداً مُحقّ فيما يقول، وأنه مُحق، وإن ما جاءنا به صدق، أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك. كما قال جل ثناؤه مخبراً عنهم: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾، ثم قال بعده: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾. يقول الله تعالى: لقد استكبر قائل هذه المقالة في أنفسهم، وتعظموا، وعتوا عتواً كبيراً، يقول: وتجاوزوا في الاستقبال لظلم ذلك حده. وذكر بإسناده عن ابن جريج قال: قال كفار قريش: هلا أنزل علينا الملائكة فيخبرنا أن محمداً رسول الله، ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾، قال: شدة الكفر، وقال: "عُتوا" عُتواً لأن "عتا" من ذوات الواو، فأخرج مصدره على الأصل بالواو، وقيل في سورة مريم: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾، وإنما قيل ذلك كذلك لموافقة المصادر في هذا الوجه؛ جمع الأسماء بموافقة المصادر في هذا الوجه، كقولهم: قعد قعوداً، وهم قوم قعود. فلما كان ذلك كذلك وكان الآتي يجمع عُتياً بناءً على الواحد، جعل مصدره أحياناً موافقاً لجمعه، وأحياناً مردوداً إلى أصله، نعم، يعني عتياً أو عتواً.

ربنا سبحانه وتعالى وصف هؤلاء بصفات، وقال "الذين كفروا" ده في الأول، وبعدين قال "الظالمون"، تمام، والآن ربنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، لماذا قالوا هذه المقالة؟ أو ماذا يريدون أن يقولوا بها؟ يعني يقولون الكلام ده ليه؟ للحجة؟ لا، لكسر حجة النبي. لا، هم يريدون أن يقولوا: نحن نريد أن نتبعه إن كان صادقاً فليثبت لنا أنه صادق، فيقترح الآيات زعماً منهم أنهم يطلبون هذا الحق، فلكونه يعجز أو لا يجيبهم، فهو ليس رسول الله، وربنا ذكر هذا المعنى، ومن أكثر السور التي تفردت بهذا المعنى واعتنت به سورة الأنعام: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، قالوا: إحنا لو جت لنا آية إحنا نؤمن، إحنا عايزين نؤمن بس لو جت لنا الآية دي، حلوة: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ هي دي معنى "لولا"، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ﴾، وربنا يكلم الصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، طيب ما ممكن تأتي ولا يؤمنون، بس إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها ولم يؤمنوا بها في وقتها: ﴿سَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ثم ربنا يبين: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ -وفي قراءة: قِبَلًا- ودي الأشياء اللي اقترحوها، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. فربنا يبين أن الإيمان ليس قراراً بأيديهم، ويبين أيضاً للنبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء ليست مشكلتهم في الآيات، ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، فلذلك ربنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾.

ما معنى ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾؟ معناها لا يطلبونه، يكذبون، لا يتوقعونه، ولا يظنونه، ولا يؤمنون به، يعني بعض الناس تفكر "لا يرجوه" يعني مش عايزه، لا يريده. لا، لا يرجوه يعني لا يوقن به، بل كذب بالساعة. أيوه هي دي بل كذب بالساعة، بالضبط، اللي هي قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فهم لا يؤمنون به ولا يريدونه، الاثنين مع بعض، لكن لابد أنك تقول الأول إن هم لا يؤمنون به. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا﴾ نفس الكلام، كلمة "لولا" تكثر، ده هذه آيات مقترحة يعلق أولئك عليها إيمانهم، ولذلك ربنا يقول: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾، يعني هؤلاء حتى لو أنت جئتهم بكل هذه الآيات هؤلاء مشغولون بالدنيا لا يريدون لأحد، لذلك ماذا قالوا لشعيب؟ ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾، أنت عايز تدخل في حياتنا تقول بقى افعلوا كذا، يعني أو أن نترك، أن نفعل في أموالنا ما نشاء؛ يعني أنت بتدخل بقى في أموالنا وتقول لنا اعملوا ما تعملوش، لا؛ فالكافر يريد أن يخرج من كل قيد، لذلك يقيده الله في الآخرة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾، أراد أن يكون مطلقاً في الدنيا يفعل ما يشاء، فالله تبارك وتعالى قال: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾، إنما المؤمن في الدنيا يمنع نفسه عما لا يرضي الله، فربنا يقول لهم ما يشاءون، ويذكر سعة ما هم فيه من الخير. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ﴾ هذه آيات مقترحة يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يجيبهم إليها، فيتحدون، يقول هؤلاء ليس عنده آيات.

القول في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾. يقول تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾ بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، الملائكة؛ فلا بشرى لهم يومئذ بخير، ويقولون ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾، يعني أن الملائكة تقول للمجرمين ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾، حراماً محرماً عليكم اليوم البشرى، أن تكون من الله. ومن الحجر، قول المتلمس: "حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها، حجر حرام ألا تلك الأراييس". ومنه قولهم: حجر القاضي على فلان، وحجر فلان على أهله. ومنه حجر الكعبة، لأنه لا يدخل إليه في الطواف، وإنما يطاف من ورائه. ومنه قول الآخر: "فهممت أن ألقى إليه محجراً، فلمثل يُلقى إليه المحجر"، أي مثلها يركب منه المحرم. واختلف أهل التأويل في المخبر عنهم بقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾، ومن قائل، فقال بعضهم: قائل ذلك الملائكة للمجرمين.

وبإسناد عن الأجلح قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن تكون لكم البشرى. وعن قتادة في ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: هي كلمة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا نزلت به شديدة قال: "حجراً"، يقول: حراماً محرماً؛ يعني هي كلمة فيها تعوذ، يعني كأنه يريد ألا يقع في هذا الخطر فهو يتعوذ به، فهل يريد أن يمنعه عنه؟ بيحكوا مثلاً، لو في رجل يعني يخاف أن يقتل في الشهر الحرام فيقول "حجر محجور"، يعني حرام قتلي، لا تقتلني؛ فهو هي كأنها كلمة تعوذ استعاذة.

وقال عن الضحاك يقول في قوله: ﴿لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ لما جاءت زلازل الساعة، فكان من زلازل أن السماء انشقت، فهي يومئذ واهية، والملك على أرجائها، أي على شق كل شيء تشقق من السماء، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ﴾، يعني الملائكة تقول للمجرمين: حراماً محرماً أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين رأيتموها. بين الله أنهم سيرون الملائكة، ولكن يعني لا بشرى لهم؛ لاحظ "يومئذ" تكرر، وهذا من الإنذار، إنذار في السورة. أنا قلت لك إن السورة فيها أربع أمور: فيها الكلام عن الله وعن آياته ومحامده وتنزيله الفرقان، والكلام عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام عن الإنذار؛ دي أكثر ما جاء، ثم ختمت السورة بخصال عباد الرحمن، الذين أراد الله منهم أن يكونوا اتباعاً للرسل، فيبقى كذا خمس أمور جاءت بها هذه السورة المباركة، كل ما جاء في السورة هو تحت هذه الأمور الخمسة. الكلام عن الله سواء من جهة أنه الذي خلق وهدى ونزل الفرقان وله الملك، فهو رب الناس وإله الناس وملك الناس، وله النعمة. أو الكلام عن القرآن وما يقوله هؤلاء تجاه هذا القرآن، فهم بالنسبة لله أشركوا وادعوا له الولد، بالنسبة للقرآن كفروا به وكذبوه وقالوا "أساطير الأولين واكتتبها". بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم سخروا منه واتهموه. بالنسبة للإنذار، لم يخوفهم وربنا يصرف لهم الآيات فأبى أكثر الناس إلا كفوراً، ثم ختمت، يعني طبعاً كل ما جاء فيها من الإنذار تخويف، وختمت بخصال عباد الرحمن، الذين أراد الله منهم أن يكونوا اتباعاً للأنبياء، وهم الذين قدروا هذه النعمة، نعمة إنزال الفرقان على عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم وانتفعوا بهذا الإنذار، لذلك هم قالوا: اصرف، يعني ربنا عشان تفهم معنى الإنذار هنا، ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، يبقى نفعهم الإنذار أم لم ينفعهم؟ نفعهم الإنذار.

وذكر عن مجاهد في ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قال: يوم القيامة، و﴿يَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ قال: عوذاً معاذاً، وذكر أيضاً عن مجاهد مثله وزاد فيه: الملائكة تقوله. وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قول المشركين إذا عاينوا الملائكة. وذكر عن ابن جريج قال: كانت العرب إذا كرهوا شيئاً قالوا "حجراً"، فقالوا حين عاينوا الملائكة؛ وقال ابن جريج: يعني إذا رأوا شيئاً يكرهونه يريدون الهروب منه والتخلص منه قالوا هذا القول، وصراحة هو الأقرب عندي أن هذا من قول الكفار حينما رأوا الملائكة، ربنا يذكر لهم نفس اللفظ الذي يقولونه ليكون أوقع في نفوسهم، يعني بيقول لهم شوفوا أكثر شيء تكرهونه في الدنيا وتريدون الهروب منه والتخلص منه، هذا ستقولونه حينما ترون الملائكة، مثل قوله هنا "عتوا كبيراً"، أحسنت، نفس الشيء، بيدعم الآية اللي قبلها، أيوه، طلبوا رؤية الله والملائكة، أيوه نعم، فهو بيقول لهم: ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً مُنظَرين.

وقال مجاهد: ﴿حِجْرًا﴾ عوذاً، يستعيذون من الملائكة. وقال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك من أجل أن الحجر هو الحرام، فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البشرى عليهم حرام، وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة "حرام عليكم". أيوه بس هذا حينما يكون هؤلاء قالوها كحكم، لا، هم قالوها لشدة الخوف الذي هم فيه؛ يعني الطبري رحمه الله بنى تصحيحه لهذا القول من جهة أنهم إذا قالوا ذلك فما فائدته؟ طيب ما هم لما يقولون يا ملك ليقض علينا ربك ما فائدته؟ مالهاش فائدة، صح ولا لا؟ مالهاش فائدة، فليس الكلام مسوقاً لبيان في وجهة نظري، ليس الكلام مسوقاً لبيان أن الملائكة تقول لهم أنتم مش طالعين من النار، لا، ده بيان شدة ما هم فيه، فكما قال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، قال هنا قالوا: حجراً محجوراً، يا رب يعني ينصرف عنا هذا، فحديثنا هنا عن تفاعل هؤلاء مع ما ينزل بهم، مش قول الملائكة لهم. هل الملائكة يمكن أن تقول لهم؟ نعم ما فيش مشكلة، لكن الأقرب والله أعلم ويقولون، يعني حينما تنزل بهم الملائكة، يعني يعلمون هذا الشر الذي جاءتهم به الملائكة ويريدون التخلص منه. هل معنى كده يعني أنهم سيتخلصون منه؟ لا، بس ربنا يصور، قالوا يا ويلنا من بعثنا من...

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

يقول تعالى ذكره: وعمدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون من عمل. ومنه قول الراجز: وقدم الخوارج الضلال إلى عباد ربهم. ونحو الذي قلنا قال أهل التأويل، وذكر بإسناده عن مجاهد قوله: وقدمنا، قال: عمدنا. وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ يقول: فجعلناه باطلاً لأنهم لم يعملوه لله، وإنما عملوه للشيطان.

بعض الناس يفسر هذه الآية على أعمال الخير التي كان يعملها أولئك، فيقولون إن الله لا يقبلها منهم لأنهم أشركوا بالله فيها. الذي أراه والله أعلم أن هذا التخصيص ليس صحيحًا، وإنما أهدر الله كل أعمالهم لأنها لم تكن صالحة أصلًا؛ لذلك ربنا يقول: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: 18]، والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة. فهو لا يتحدث هنا عن الخير، يتحدث عن كل عمل عملوه؛ لأنهم حتى لو عملوا خيراً لم يبتغوا به ما عند الله.

زي حديث ابن جدعان في صحيح مسلم، قالت عائشة: يا رسول الله، ابن جدعان كان يقرئ الضيف ويعين على نوائب الحق ونحو ذلك، هل ذلك ينفعه؟ قال: «لا، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». يبقى الأولى أن يكون هذا عاماً فيما هو ده بالضبط ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ [الكهف: 104-105]. نفس المعنى بالضبط؛ عندك آيات كثيرة: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، وعندك مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد، وعندك: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39]، وعندك الآية الأخرى التي ذكرناها في السياق ده، وهو حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون. كل هذا في نفس السياق.

هل ممكن أقول في ظهرها أعمال صالحة تكون فقط؟ لا، مش شرط رياء، هو لا يبتغي بها وجه الله أصلاً، هو لا يلاحظ هذا، ممكن مثلاً تشوف أنت واحدة كافرة بتسقي قطة في الشارع، هي بتعملها من باب الطبع. لذلك ربنا فرّق بين الخير والعمل الصالح، قال: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. ده خير ولا مش خير؟ حتى لو إنسان كافر عمله خير، لكن قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. فما فيش تلازم بين الخير والعمل الصالح؛ ممكن يكون خير بس مش عمل صالح. واحد أصلح بين الناس بس لا يريد به ما عند الله، فده مش عمل صالح. العمل الصالح أن يكون مشروعاً ابتغي به ما عند الله؛ فده دي كلمة جامعة.

هذا على اعتقاد فاسد بالله، ده زي رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها. ربنا أنكر عليهم أمرين: أنهم تقربوا إلى الله بما لم يشرع، ولم يحافظوا عليه ولم يلتزموا به.

الفكرة التي هي في الآية: أن الله سبحانه وتعالى بعدما تكلم عنهم وعما يلقونه، فالأعمال بتاعتهم دي فربنا أراد أن يصورها لك بأمثلة. فقال مثلاً: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39]. سراب بقيعة ده يعني إيه عشان تتصور هذا؟ يعني واحد بيسوق السيارة وميت من العطش وشاف سراب قدامه، افتكر ماءً ففرح، فكر أن الماء ده هينفع، صح؟ كذلك الكافر بيفكر أن عمله هينفع، أول ما يروح وجد الله عنده فوفاه حسابه، يبقى عمله حبط وربنا وفاه حسابه.

فربنا أحياناً يمثل لك، فكلمة: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، كل عمل وكل سعي وكل كدح للكفار وكل صنع، باطل؛ ما معنى باطل؟ يعني لا يجد أثره في الآخرة، يعني لن ينتفع به. دي بقى موجودة: حبط ما صنعوا فيها، بطل ما كانوا يعملون، ضل سعيهم في الحياة الدنيا، مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل.

الفكرة التي بعدها أن حتى لو كان يقومون بشيء من الخير، هو كل كافر ما فيش كافر بيعمل أي خير؟ طبعاً لا، ممكن يكون بيطعم الناس، بيقف أمام المسكين بيواسيه، صح ولا لا؟ بس ده اسمه خير مش عمل صالح. فلذلك ربنا قال: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ده خير بس لن يثاب عليه إلا إذا فعله يبتغي به ما عند الله، أن هو بيفعل ذلك لله مش من باب العادة، مش ليقال هو جواد. يبقى ما فيش تلازم بين الخير والعمل الصالح، كله عمل صالح خير لكن ليس كل خير عملاً صالحاً. ممكن يكون خير لم يبتغ به وجه الله. ودلوقتي لما واحدة امرأة تشوفها هي بتطعم قطة، مش ده خير ولا شر؟ خير صح، بس هل هي ابتغت بذلك ما عند الله؟ وهل هي كانت مؤمنة قبل بها هذا العمل عند الله؟ لا، لم يقبل، فمش هيقبل منه طول ما هو كافر لن يقبل منه شيء. وإذا كان مؤمناً وفسد العمل لن يقبل، وإذا عمل العمل لله ثم منّ به فأبطله عمله: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى. فهمنا ما في تعارض بين القولين؟ هو ده المعنى، ربنا ما بيتكلمش فقط على الخير أن اللي هم عملوه مش حاسبهم، لا، ضل، لم يجدوا عملاً ينفعهم في الآخرة.

قال: والهباء هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من قوة، يحسبه الناظر غباراً وليس بشيء تقدر عليه الأيدي ولا تمسه ولا يرى ذلك في الظل. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه، وذكر بإسناده عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: هباءً منثوراً، قال: الغبار الذي يكون في الشمس. وقال عن الحسن في قوله: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً، قال: الشعاع في كوة أحدهم إن ذهب يقدر عليه لم يستطع. وذكر عن مجاهد قال: شعاع الشمس من الكوة. وذكر أيضاً عن مجاهد مثله. وذكر عن الحسن قال: ما رأيت شيئاً يدخل البيت من الشمس أدخله من الكوة فهو الهباء. وقال آخرون: بل هو ما تسفيه الرياح من التراب، وتذر من حطام الأشجار ونحو ذلك، وذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما تسفي الريح وتبثه. وقال عن قتادة: هو ما تذر الريح من حطام هذا الشجر. وقال عن ابن زيد في قوله: هباءً منثوراً، قال: الهباء الغبار. وقال آخر: هو الماء المهراق، ذكر ذلك عن ابن عباس في رواية عنه.

وقوله جل ثناؤه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24]. يقول تعالى ذكره: أهل الجنة يوم القيامة خير مستقراً، وهو الموضع الذي يستقرون فيه من منازلهم في الجنة. لاحظ شوف التفصيل في الإنذار والإجمال في البشرى، هذا هو الذي جاءت به السورة؛ تفصيل في الإنذار، شوف التفصيل كيف يقول الله في الإنذار مثلاً: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ [الفرقان: 11-14]. شفت التفصيل هذا؟ وبعدين يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ويقولون حجراً محجوراً، وقدمنا إلى ما عملوا، بعدين: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 27]. شفت هذا التفصيل؟ لكن عند أصحاب الجنة ماذا يقول؟ يقول مثلاً: ﴿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان: 15]، وهنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24]، وفي الآخر: ﴿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75]، لأن أيضاً في بشرى لكن السورة مبناها على الإنذار؛ ولذلك حتى لما ذكر المؤمنين لم يذكر سؤالهم الجنة، وإنما ذكر استعادتهم من النار: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65].

يقول تعالى ذكره: أهل الجنة يوم القيامة خير مستقراً، وهو الموضع الذي يستقرون فيه من منازلهم في الجنة من مستقر هؤلاء المشركين الذين يفخرون بأموالهم وما أوتوا من عرض هذه الدنيا في الدنيا، وأحسن منهم فيها مقيلاً. فإن قال قائل: وهل في الجنة قائلة؟ فيقال: وأحسن مقيلاً فيها، قيل: معنى ذلك وأحسن فيها قراراً في أوقات قائلهم في الدنيا، وذلك أنه ذكر أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر مقات النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، فذلك معنى قوله: وأحسن مقيلاً.

وعن ابن عباس قال: طالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-9]. وذكر بإسناده عن إبراهيم في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، قال: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة في نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وذكر عن إبراهيم النخعي: قال: لم ينتصف النهار حتى يقضي الله بينهم، فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. وقال وفي قراءة ابن مسعود: ثم إن مقيله إلى الجحيم. وقال ابن زيد: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الحساب من ذلك في أوله، وقال القوم حين قالوا في منازلهم من الجنة، وقرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.

وذكر بإسناده أن سعيد الصواف حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقضى على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يقيلون في ديار الجنة حتى يفرغ من الناس، كذلك قول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقال أبو جعفر: وإنما قلنا معنى ذلك خير مستقراً في الجنة منهم في الدنيا؛ لأن الله تعالى ذكره عم بقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ جميع أحوال أهل الجنة في الآخرة أنها خير في الاستقرار فيها وقائلة من جميع أحوال أهل النار، ولم يخص بذلك أنه خير من أحوالهم في النار دون الدنيا ولا في الدنيا دون الآخرة، الواجب أن يعم كما عم ربنا جل ثناؤه، فيقال: أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقراً في الجنة من أهل النار في الدنيا والآخرة، وأحسن منهم مقيلاً. وإذا كان ذلك معناه، وضح فساد قول من توهم أن تفضيل أهل الجنة بقول الله: خير مستقراً، على غير الوجه المعروف من كلام الناس بينهم في قوله: هذا خير من هذا، وهذا أحسن من هذا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 25-26]. اختلفت القراءة في قراءة قوله: تشقق، فقرأتها عامة قضاة الحجاز: ويوم تشقق بتشديد الشين، بمعنى تتشقق، فأدغم إحدى التاءين في الشين فشددها، كما قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ﴾ [الصافات: 8]. وطراً ذلك عامة قراء أهل كوفة: ويوم تشقق بتخفيف الشين والإجتزاء بإحدى التاءين من الأخرى. والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد، فأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: ويوم تشقق السماء بالغمام، وقيل إن ذلك غمام أبيض مثل الغمام الذي ظلل على بني إسرائيل، وجعلت الباء في قوله بالغمام مكان "عن" كما تقول: رميت عن القوس، وبقوس، وعلى القوس بمعنى واحد. وذكر بإسناده عن مجاهد قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، قال: هو الذي قال: في ظلل من الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه غمام في الجنة. وذكر بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: يهبط الله حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوّت.

أكثر، لاحظ هم ماذا طلبوا فوق؟ وقال الذين لا يرجون لقاءنا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21].

هذان ذكرا الآن أنهما يريان الملائكة، وأن الله سبحانه وتعالى يجيء للفصل بين العباد، ولكنهم لا يكون لهم بشرى لا في هذا ولا في هذا.

يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نزل من الملائكة أكثر من الجن والإنس، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؟ فيقولون: لم يجئ، وهو آت. ثم تتشقق السماء الثانية، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف. هذا المعنى شباب هو ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، نفس هذا المعنى. ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: 158] أو الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: 158] إلى آخر الآية. قال: فينزل من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السماوات، ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم يأتي ربنا تبارك وتعالى في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة.

طبعا كل الأحاديث التي تذكر في الكتب التي تذكر روايات عن بني إسرائيل، أو التي مثل كتاب العظمة لأبي الشيخ أو غيره، فكثير منها يكون بأسانيد فيها ضعف كبير، خصوصًا أنها تفصل أمورًا من الغيب. هذه الأمور من الغيب لا تقبل إلا إذا جاءت في القرآن، وإذا ذكرت في القرآن عامة فلا يصح للإنسان أن يتفكر في كيفيتها؛ لأن هذه الكيفية لو أراد الله أن يعلمنا عنها لعلمنا، فإما أن تأتي في آية أو تأتي في حديث صحيح. أما التفاصيل التي تأتي غير ذلك عن بني إسرائيل، فهي يمكن أن تُروى لكن لا يُبنى عليها شيء.

قال ذكر عن شهر بن حوشب قال: حملة العرش ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك. كل هذه طبعًا روايات مأخوذة عن بني إسرائيل؛ لأنه من أين لشهر بن حوشب أن يعلم ذلك إلا عن كتبهم أو منهم؟

قال: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: 25]. قال: ويقول: ونزلت الملائكة إلى الأرض تنزيلًا. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: 26] يقول: الملك الحق يومئذٍ خالص للرحمن دون كل من سواه، وبطلت الممالك. الحق هنا: الخالص، وإلا فالملك لله في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الحق معناه الخالص؛ لذلك ربنا قال: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73]، ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16]، يقصد أنه لا ينازعه فيه أحد؛ لأن في الدنيا ناس يدعون أن لهم ملكًا، إنما في الآخرة الملك لله. يبقى ليس معناه أنه في الدنيا ليس له الملك، لا، معناه أنه في الآخرة ينزع كل ملك ويبقى الملك الحق الخالص لله وحده.

قال: وبطلت الممالك يومئذٍ سوى ملكه، وقد كان في الدنيا ملوك، فبطل الملك يومئذٍ سوى ملك الجبار. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26] يقول: كان يوم تشقق السماء بالغمام يومًا على أهل الكفر بالله عسيرًا. هم أرادوا أن ينزل الله الملائكة أو أن يروا ربهم، فربنا بين لهم ماذا أن هذا سيحصل، هو أن الملائكة ستتنزل وسيجيء للفصل بين العباد، بس اليوم ده بقى سيكون عسيرًا؛ يبقى لا بشرى، وكمان سيكون عسيرًا، سيأتي مشهد آخر من الإنذار والتفصيل في التخويف.

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: 27]. في سورة الفرقان جاء بذكر الرحمن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ﴾ [الفرقان: 60]، و﴿عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ﴾ [الفرقان: 63]، هنا فهو مقصود هذا الاسم، مش مقصود هنا أن الرحمن اللي هو ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ [مريم: 45]؛ لأن من مسه الرحمن بالعذاب هذا يستحق العذاب؛ لأنه رحمن لا يمكن أن يعذب من لا يستحق، فاهم؟ فدي في إقامة الحجة: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾.

يقول تعالى ذكره: ويوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، ندماً وأسفاً على ما فرط. لاحظ أن الظلم تكرر في هذه السورة كثيرًا، وصف هؤلاء بالظلم، وقال: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4]، وأول شيء قال: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8]، ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19]. هنا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: 27] ظلم نفسه بأن عبدها لغير الله، وظلم نفسه بأن ترك اتباع الرسول، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، هو الإنسان اللي بيتسبب لذلك.

بصوا يا شباب، اقرأ القرآن من الفاتحة إلى الناس، لن تجد عذابًا في الدنيا ولا في الآخرة إلا ومذكور معه الذنب من صاحبه. أي عذاب لابد أن يُذكر ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: 25]، ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: 160]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: 155]، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، لازم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يبين هذا، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: 101]. هو ربنا تبارك وتعالى يبين هذا الأصل العظيم في عدل الله تبارك وتعالى.

كان ممكن ربنا يقول: ويوم يعض على يديه، مش إحنا عارفين الكلام عن مين؟ بس زي ما قلت لك كده، خدها قاعدة: إذا أُبرز الاسم في موضع الضمير، يبقى هذا الاسم مقصود. لازم كده اعرفها، زي ما أنا باجي أقول لك: بكلمك عن أي واحد اسمه أي حاجة، فبقول لك: فلان ده عملت له كذا وكذا وكذا، والخائن بعد كل اللي عملته له ما صانش العيش والملح. عشان لو كنت قلت لك: وبعد كل اللي عملته له ما صانش، الضمير معروف، بس أنا أريد أن أبرز صفة الخيانة هنا، فاهم كده؟ فربنا قال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾، ما قالش: ويوم يعضوا على يديه، ما معروف أن الكلام عن الظلمة، بس أبرز صفة الظلم.

قال: ﴿الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: 21]، قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾، وهكذا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29].

يقول: أي ويوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه، على يديه ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه. طبعًا أعظم الإنذار أن الله يبين له حاله في الآخرة ليستدرجها، ﴿يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]. فكل هذا يدل على ماذا؟ أن الله أعطاك. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى ماذا يقول لما هم يقولون: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: 37]؟ قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: 37]. أدينا لكم الفرصة وجاءكم النذير، ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: 37]. خلاص ربنا أتم عليك الحجة وأنذر، فخلاص أنت اخترت. ولذلك ربنا يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿مَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: 23]. شعيب عليه السلام بعدما هلك قومه قال: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 93]. ما تستحق، أنا نصحت لكم وبذلت لكم هذا لوجه الله، وأنتم ما سمعتوش كلامي، خلاص دلوقتي بعد ما حق عليكم الكلام، لا فيك.

يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 27]. لاحظ كلمة "اتخذت" تكررت كثير جدًا في هذه السورة، اتخاذ كثير جدًا: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفرقان: 3]، تمام كده، ﴿مَا كَانَ لِي أَنْ أَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: 26 - في سياق مشابه]، ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 28]. تتكرر كثيرًا، سبحان الله. يعني في سور تشعر مثل ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: 22] لم تُذكر إلا في هذه السورة في موضعين: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: 53]، والآية الأخرى. تلاحظ أن السورة فيها تفعيل، مصدر تفعيل: ﴿رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]، ﴿تَنزِيلًا﴾، ونزل الك التنزيل أيضاً، شكور، ثبور، نشور. فسبحان الله، يعني نحن لم يتبين لنا إلا أشياء.

أنت ممكن تقول: أنت أحيانًا تستمع إلى معنى تقول سبحان الله، فتظن أنك أنت أتيت بكل المعنى. لا، ﴿لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]، فربنا يشاء لك بين وقت وآخر أن تعلم شيئًا عنه. ممكن مثلا تقرأ ثاني يوم السورة تكتشف منها أمورًا لم تكن تخطر لك على بال، هو من عند الله. ولذلك كما قلت لك ابن تيمية كان يقول: أقرأ في الآية مئة تفسير، وبعدين أقول: يا معلم إبراهيم علمني؛ لأنه يعرف أنه لن يحيط بشيء من العلم إلا بالله. فتستغفر تقول سبحان الله. الله، يعني تقعد تفكر تقول: اللفظ ده ما جاش غير هنا بس. كلمة ﴿يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 46، 157] ما جتش غير في سورة الأنعام فقط، صدف ويصدفون ما جتش غير فيها. تقعد تفكر بقى فيها، وصدف، طب ليه؟ طب ربنا يقول ﴿أَعْرِضْ﴾ [الحجر: 94] في آيات، بس هنا صدف في شيء، فاهم؟ تقعد تفكر بقى، فيكون ميدانًا للتفكر في آيات الله، قد يفتح الله عليك، وقد لا تفهم.

لماذا يقول مثلاً ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: 35]. تقعد بقى تفكر لماذا يذكر هارون هنا، مع أن القصة موجزة في سطر واحد أو سطرين؟ مع أنه ممكن يأتي سياق طويل جدًا في سورة من السور ولا يذكر فيها هارون. فكر بقى، استعن بالله وحاول، يمكن أن يفتح الله عليك، فاهم؟ فسبحان الله، لاحظ كده السورة فيها اتخذ كثيرًا، تنزي، ثبور، شكور، أيضًا نشور، فاهم؟ فسبحان الله كلمة ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ لم تُذكر إلا فيها.

يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. يعني لم يقل: يا ليتني اتبعت الرسول، صح؟ هنا ﴿اتَّخَذْتُ﴾، طب ما هو في آيات ثانية ﴿اتَّبَعْتُ﴾، لا هنا ﴿اتَّخَذْتُ﴾. قوله: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، اختلف أهل التأويل في المعني بقوله الظالم وبقوله فلان، يعني هذا الرسول الذي سخروا منه وألقوا عليه الشبهات يصد عن سبيله، سيترون يوم القيامة أشد حسرة أنهم لم يتخذوا سبيلاً معه، والله العظيم. من أعظمهم هذا الرسول الذي، شوف ربنا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الفرقان: 41]. لا يخطر ببالهم عند رؤيتك إلا الاستهزاء. كيف يرحمهم الله؟ لذلك ربنا قال: ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة: 61]، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]. والله العظيم آيات في منتهى العظمة والقوة تنزل على قلب المؤمن.

يعني ربنا سبحانه وتعالى يقول عن هؤلاء: يقولون هو أذن، يعني هذا النبي بنقول له كلامه يصدقنا ونستطيع أن نخدعه، ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة: 61]. يعني لو أنتم في الدنيا رُحِمتم ولم تُعذبوا، لكن في الآخرة لكم عذاب أليم. شوف الآيات، هو كعمان يرى هذا النبي الكريم يسخر منه، يستهزئ، يقول أساطير، كذا، في يوم القيامة يقول: يا ريتني، يا ريتني كنت تابعًا لك في الدنيا، تكبر عن اتباعه، في الآخرة يقول: يا ريت، يا ريت. ولذلك جاء في سورة الأحزاب في آخرها أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: 63]، إلى آخرها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 64-66]. استعمل هنا كلمة ﴿أَطَعْنَا﴾ صح؛ لأن أصلاً سورة الأحزاب نزلت في منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ربنا جاب قصة ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: 57]. وهكذا، إنما هنا: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾، هذا الرسول الذي كنت كلما رأيته أسخر منه وأقول: أهذا الذي بعث الله رسولاً؟ شوف قمة الكبر، يقول: هو ربنا ما لقاش غيرك اللي يبعثه؟ شوف، شوف قمة التكبر من هؤلاء. يوم القيامة هيقول، هيعض، يقول: يا ريتني كنت اتخذت معك سبيلاً. شفت الإنذار في هذه السورة كيف، كيف هذا الإنذار من أعظم ما يكون؟ الذي لم يؤمن بعد هذا، هل يمكن أن يأسى الإنسان عليه؟ والله لا يستحق أن تأسى عليه، ﴿مَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: 23].

قال وقوله: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 28]. اختلف أهل التأويل في المعني بقوله الظالم وبقوله فلان، فقال بعضهم: عُني بالظالم عقبة بن أبي معيط؛ لأنه ارتد بعد إسلامه طلبًا منه لرضى أبي بن خلف. وقالوا: فلان هو أبي، وذكر بإسناده عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم، فزجره عقبة بن أبي معيط، فنزل ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ إلى قوله: ﴿خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29]. قال: الظالم عقبة، وفلان خليلاً أبي بن خلف. وذكر عن الشعبي في قوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ قال: كان عقبة بن أبي معيط خليلاً لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي من وجهك...

حرام إن تابعت محمداً فقد كفر، وهو الذي قال: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. وتكلم عن شياطين الإنس والجن، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾، وشياطين الإنس كذلك تخذل الناس، وهؤلاء هم أعداء الرسل. وشياطين الإنس والجن ذكر عن نفسه في قوله، وذكر عن مقسم في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 27]. قال: استمع عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف، فقال أحدهما لصاحبه نفس الأمر تماماً.

وقال آخرون: يعني بفلان الشيطان، وذكر عن مجاهد فلان خليله قال الشيطان، وذكر أيضاً عن مجاهد مثله. وقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 29] يقول جل ثناؤه مصدراً عن هذا النادم على ما سلف في الدنيا من معصية ربه في طاعة خليله: لقد أضلني خليلي عن الإيمان بالقرآن، أضلني عن الذكر، هو ده بالضبط حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً، هو ده الذكر الذين أعرضوا عنه أو ضلوا عنه بعدما علموا صدقه. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، يبقى تمت عليه الحجة، ولذلك هو اتبع هواه، وده مناسب جداً لكلمة: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43].

يقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29]، يقول: مسلماً لما ينزل به من البلاء، غير منقذه منه ولا منجٍ له.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 30-31]. يقول تعالى ذكره: وقال الرسول، لاحظ أن الله هنا ينذرهم إنذاراً جديداً، وهو أن رسوله يشكو إليه، فربنا يقول رسولي الذي أرسلت وأنزلت عليه الفرقان يشكو إلي. وكلمة يا رب دي أن الرسول يقول يا رب دي جاءت في سورة الفرقان، وشكوى النبي عليه الصلاة والسلام تدل على ماذا؟ أن الله سينتصر له، ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر: 10]. ولذلك ربنا في سورة القمر ماذا قال؟ شوف: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: 10-14]، كل ده عملناه جزاء لهذا العبد الذي كفرتم به. فده شكوى النبي لربه من أعظم أمور النصر وإهلاكه، زي ما قال كده بالضبط إن هو قال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾. قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، هذا القرآن الذي هو النور والفرقان والبينات الذي يجب أن يؤمنوا به اتخذوه مهجوراً، قالوا فيه هجراً، قالوا: ﴿أَفَاكٌ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: 5]، وسحر وكهان، وصدوا الناس عنه وهجروهم وتركوه. تمام، يبقى هذه الشكوى هي من جملة الإنذار في السورة، أن ربه سينتصر له.

يقول تعالى ذكره: وقال الرسول يوم يعض الظالم على يديه، عايزين نقف فيها وقفة مهمة جداً عشان نفهم دلالة هذا المعنى. ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة شباب يقول: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]. فربنا بيتكلم عن إضلال أصناف من الناس، ممكن إضلال الشيطان معروف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم. طيب، في إضلال آخر، اللي هم الكبراء: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: 67]. وبعدين الآية: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُم إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ: 31]. هنا بقى أمر جديد جداً موجود هنا وموجود في سورة الصافات، الصديق: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 51-53]، احنا محاسبون ونرجع والكلام ده كله. كده يبقى نوع اهو، هنا ذكر أيضاً. طب لماذا هنا استعمل لفظ الخليل؟ لأن الخليل هو الصاحب الذي ترضى مشورته وترضى وتثق في اقتراحاته. يعني إيه يا شباب؟

الخليل ماهوش أي صاحب، الخليل هو الإنسان الذي تطمئن له وتظن أنه ناصح لك، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يتخذ أبا بكر خليلاً بمعنى أنه خليل الرحمن؛ بمعنى أن الخليل معناها هو الذي يؤثر عليك ويأمرك وينهك ويعظك. فبعض أهل العلم يستنبط هذا المعنى، يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما يأخذ هداه عن الله ولم يأخذه من أحد من أهل الأرض: «لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الرحمن» من جهة الاهتداء. فمعنى الخلة أعظم من معنى الصداقة، الخلة هو الشخص الصديق الذي تأمن له وتطمئن لمشورتك وتصدر عن رأيه، اللي هو بمعنى صح بين قوسين يؤثر عليك. طب ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، طب ممكن يكون زميلي في العمل؟ آه بس مش خليلي، زميل، صديق، جاري عادي، بس الخليل معناها أن أنا صدقته وقبلت مشورته فوداني في داهية، هو ده بالظبط. والتاني قال إيه: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ في الآخر قال: ﴿تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56]، كنت تهلكني.

يقول تعالى ذكره: وقال الرسول، ده يبين أثر صحبة السوء، يعني أبو طالب لما النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا عم قل لا إله إلا الله» هو في آخر لحظة في الموت خلاص، فعبد الله بن أمية وأبو جهل: ما زال يكلمني حتى ترغب عن ملة عبد المطلب، فمات على ملة عبد المطلب. شوف كيف يكون هذا الأثر يزونه أزاً، وهو ده معنى شياطين الإنس والجن. ولذلك ربنا سيذكر في مقابل هؤلاء الذين قالوا: ﴿اجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] في آخر السورة، يعني أرادوا أن يكونوا أئمة في الهدى كما أن هؤلاء أئمة الضلال.

يقول تعالى ذكره: وقال الرسول يوم يعض الظالم على يديه: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وقال الرسول، أما أن يكون هذا القول في الآخرة أو في الدنيا. الأقرب أنه في الدنيا وليس في الآخرة؛ لأن جواب الله له واضح جداً أنه في الدنيا، يصبره ويقول له أنت لست بدعاً من الرسل فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل كما جاءت في سورة الأحقاف في الأول وفي الآخر. فهو بيقول يا رب إن قومي اتخذوا هذا الوحي، هذا مهجوراً، قالوا فيه إنه سحر وكهان وكذا. قاله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31]، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، ده طبيعي، هذه سنة معروفة.

قال: اتخذوا هذا القرآن مهجوراً. واختلف أهل التأويل في معنى اتخاذهم القرآن مهجوراً، فقال بعضهم: كان اتخاذهم ذلك هجراً، قولهم فيه السيئة من القول وزعمهم أنه سحر وأنه شعر. وذكر عن مجاهد قال: يهجرون فيه بالقول يقولون هو سحر، وذكر أيضاً عن مجاهد: يهجرون فيه بالقول. الهجر هو يعني أنهم إما أن يصفوا القرآن بأنه هجر، يعني هذيان زي ما يكون واحد سخن كده وبيخطر عليها بيهلس الهلاوس دي، فهم إما يصفوا القرآن بكده أو قالوا فيه هجراً، يعني قالوا سحر أو كهانة أو اتخذوه مهجوراً، يعني هجروه وتركوه.

وقال مجاهد: وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67] قال: مستكبرين بالبلد سامراً مجالس، تهجرون قال بالقول السيء في القرآن غير الحق. وذكر عن إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض إذا هذا قال غير الحق.

وقال آخرون: بل معنى ذلك الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا له. وذكر عن ابن زيد في قوله في قول الله تعالى: ﴿مَهْجُورًا﴾، لا يريدون أن يسمعوا، وإن دعوا إلى الله قالوا: لا. وقرأ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] قال: ينهون عنه ويبعد، أكثر واحد في الصحابة في التابعين عموماً يفسر الآيات بالآيات هو ابن زيد على الإطلاق. أكثر واحد رأيته كلما جاءت آية يحاول أن يأتي للنظائر هو ابن زيد، لكن هو في فرق بين أن هذه نظيرة، أن هذه من البيان، أو أنها نظائر. هو هنا بنى كلامه على ماذا؟ أنهم تركوا القرآن، غيره قال لا، المراد مش ترك القرآن، المراد أنهم قالوا في القرآن أساطير الأولين وأنه إفك افتراه. فيبقى الأولى أنهم قالوا فيه هجراً، يعني قالوا إنه سحر أو كهانة، وطبعاً هم تركوه بس مش هو المعنى المراد هنا.

وقال أبو جعفر: وهذا القول أولى بتأويل ذلك؛ وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: 26] وألغوا فيه، وذلك هجرهم إياه. نعم، لا يلزم أن تكون هناك آية ذكرت معنى أن يكون هذا المعنى في الآية مطابقاً لها، لا مش لازم. هذه جهات، هم ينهون عنه وينأون عنه ده باب: لا تسمعوا لهذا القرآن، باب النهي عن هذا القرآن، الباب الآخر أنهم قالوا فيه كهانة وسحر ليصدوا الناس عنه، وهذا الأقرب والله أعلم هو المناسب للسورة؛ لأن السورة لم تتكلم عن إعراض هؤلاء فقط، وإنما تكلمت أنهم قالوا: ﴿أَفَاكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: 4]، أو أنه يعني رجلاً مسحوراً أو أساطير الأولين اكتتبها، فالأولى أن يكون في افتراء هؤلاء على النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، أولى من هجرهم هم؛ لأنهم يصدون عن هذا النبي: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31]. والله أعلم.

وقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل من نبأنا من قبلك عدواً من مشركي قومه، فلم تخصص بذلك من بينهم. يقول: فاصبر لما نالك منه كما صبر من قبلك أولو العزم من الرسل. نعم، يعني كلمة كذلك هذه تأتي كثيراً في القرآن، كذلك أو وكذلك مثلاً، ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا﴾ [البقرة: 143]، تأتي كثيراً في القرآن، ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]، آيات كثيرة، ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32]، كثيرة، هي أيضاً فيها بحث عظيم جداً بس ما فيش وقت لدراسته هنا.

قال ربنا: وكذلك، يعني هذا الذي يحصل لك هو معروف عن هؤلاء، يعني زي لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وكذلك جعلنا، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ كوني؛ لأنه أمر لا يرضاه الله، مش إحنا قلنا أن الجعل والإرادة والقضاء أخذنا في سورة الإسراء الجعل والإرادة والقضاء والإذن والكتابة منه كوني ومنه شرعي، الأمر الذي لا يحبه الله ولكنه قدره، ده بيسموه أمر قدري. هل جعل الله أعداء للأنبياء هذا أمر يحبه الله؟ لا، لكنه قدره، قدره لحكمة منه، ليختبر أولئك الأنبياء وليبتلي المؤمنين لحكم عظيمة. فربنا يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ده بقى أمر عظيم جداً يا شباب، كل من يعادي الأنبياء تحت أي حجة فهو مجرم، لذلك ربنا وصف علماء من أهل الكتاب بأنهم سفهاء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 142] مع أنهم بالنسبة للناس علماء بس هم في ميزان الله سفهاء، فأي إنسان يورد إشكالات واعتراضات على الشريعة أو على حكم سفيه، حتى لو كان معاه جائزة نوبل في أي شيء عادي هو سفيه في ميزان الله، سفيه.

فربنا هنا يبين أن كل من عادى رسولاً، وإن كان أذكى الناس وأشرف الناس وأحسنهم جاهاً، فهو في ميزان الله مجرم؛ ليه؟ لأنه جاء لأخص من يجب أن يوقر وينصر فصار له عدواً، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى شدد العذاب على هؤلاء: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]، في أول لحظة في الرسالة قال: تباً لك يا محمد، سائر اليوم، تبت يده، والوليد بن المغيرة: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26]، ليه؟ لأنه بدل ما ينصره ويعزز دعوته إذا به يصد عنه، فلذلك وصفهم بالإجرام: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، هذا الإعلام من شأنه أن يجعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول: طب كيف سأتصور؟ يعني هو لك أعداء مجرمون، هل يقول الله لنا ذلك؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: 36]، ولكن لا عد له فيأتي بعدها البشرى، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة. هنا: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.

جعل كل نبي عدو مجرمين ده فتنة برضه للمسلمين والكفار طبعاً، طبعاً، أحسنت، ده من الفتنة، ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20] هو نفس الشيء، أحسنت يا مصطفى.

قال وذكر بإسناده عن ابن جريج قال: ابن عباس رضي الله عنهما لأن من شأن هؤلاء المجرمين أن يفعلوا حيلاً تختبر ثبات المؤمن وتثبت كفر الكافر، فإذا ثبت المؤمن رغم هذا، يعني هم لما يقولوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: 12] أو يعذبونهم أو يقولون لا تسمعوا لهذا القرآن، ما هي فتنة لكن رغم ذلك ثبتوا يبقى ده يؤكد صدق هؤلاء.

قال ابن عباس رضي الله عنهما قال: يوطن محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاعل له عدواً من المجرمين، يخيفه، وإنما يوطن نفسه، وده عظيم لأن غير كده يبقى غش، يعني ورقة، أول لحظة ورقة بن نوفل ماذا قال للنبي عليه الصلاة والسلام؟ هل قال له يا بشراك ده أنت نبي من...

حتى تتوطن نفسه حتى لا يستغرب هذا الأمر، حتى لا يستغربه؛ لا، ذا أمر معروف. وقد قلت لك إن الذي يقرأ الأحداث بعين الوحي لا يتفاجأ ولا يستغرب ولا يستنكر. عادي معروف، عادي؛ يعني واحد يقول الطفل الفلاني البسيط الذي ما عملش أي ذنب يقتل، عادي! إذا كان في نبي من الأنبياء قتل ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. فمش معنى كده أنك لا تستنكر، لا هو منكر عظيم بس لن تفتن بسببه. فرق بين الاثنين؛ لا هو منكر عظيم ونحزن له بس لن تفتن بسببه، وده الفارق يحزنك لكنه لا يقعدك. ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾.

قال وقوله ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، يقول تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هاديًا يهديك إلى الحق، ويُعلمك كيف تتصرف تجاه أولئك المجرمين. وسينصب بشرى في هذه السورة، بشرى للنبي عليه الصلاة والسلام ونصيراً يقول: وناصب لك على أعدائك، يقول فلا يهدين أعداؤك. هو ده معنى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾؛ يعني حكمه الشرعي بأن جعلك نبياً، وحكمه القدري لما سيصيبك بسبب هذه النبوة، بقدر ثباتهم على الحق ونصرهم لله سينصر الله، وسيهديهم كيف يتصرفون. حتى لو كان إنسان وحده سيكون هادياً لك، يعلمك كيف تحسن التصرف، وسينصرك. النصر الأصلي هو ألا تفتن، ده اللي إحنا عايزينه، لكن إذا جمع معه أن ينصرك بمعنى يجعلك تغلب يبقى ده نور على نور. تمام؟ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾؛ فالنصر من الله إما أن تموت على الحق أو أن تغلب بحق، ده أو ده؛ مش لازم أنك تنصر أنك تغلب، لا، ممكن تتغلب بس تلقى الله غير مفتون.

ولذلك ربنا يذكر مثل المؤمن في سورة يس أنه قتل، هو قتل ولا ما قتل؟ ﴿جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ﴾. هل ربنا لم ينصر هذا؟ نصره. ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وما يقولش ده نصره مرتين: حينما ثبته حتى لقي الله مؤمناً، وحينما أهلك القرية انتقاماً له. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. ويقول ابن مسعود: انتقم الله لعبده الذي استضعفوه، أهلكهم بصيحة، ما نزلش ملائكة. انتصار ولا لا؟ تمام. المؤمن في آل فرعون ده وقاه الله سيئات ما مكروا، الاثنين نصرهم الله. أيوه ممكن النبي يقتل، ممكن النبي يقتل، ممكن النبي يجعله الله يغلب الكافرين، أيوه طبعاً عادي، ده نصر وده نصر سبحانه وتعالى. النصر من الله للمؤمن أن يموت المؤمن على الحق، أو أن يغلب بحق. فممكن ربنا يقدر للنبي أنه يذبح يقتل عادي، لكن قتل على الحق، ممكن ربنا يقدر للنبي أن يغلب وأن ينتصر وأن يهلك عدوه زي ما حصل، ربنا أهلك فرعون وملأه من عنده، وبعدين أهلك الكفار في بدر، وعذب الكفار بأيدي المؤمنين، ده نصر من الله ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.

شوف الكلام عن الأمة، ده كلام 100% بس الكلام عن الأمة فيه مشكلة عند كثير من الناس، إنه بيتصور أنه لا ينبغي أن يأتي النصر إلا بهذه الصورة. لا يا شباب، الله سبحانه وتعالى ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ بمعنى أن أنت بقدر ما تتكلم عن الأمة وعن الإسلام وعن الشريعة، تتكلم عن القدر الذي يجب عليك أنت، عشان ما تعلقش دائماً على ظروف خارجة عنك. فدي بداية، وبقدر ما تستقيم الأمة ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وأنت كذلك الأعلى، لا تخف أنك أنت الأعلى إذا كنت مستقيماً. فممكن يكون وهو ده معنى ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِّنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُمْ﴾ يعني الكفار أو من خذلهم من المؤمنين، هم على الحق مع أنهم طائفة. لا ده طبيعي، ده بلا شك يعني. ربنا قال ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾؛ يعني لو أنت كنت توافقهم يتركوا عداوتك، وأصلاً العداوة كلها جاءت من هذا الإنذار يا شباب. ولذلك ربنا يقول لنبي عليه الصلاة والسلام ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾. فربنا بيقول لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ولكن شرفنا فجعلنا للعالمين نذيراً، ﴿فَاصْبِرْ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. فهمنا كده، فيبقى ربنا يبين أن هذا الإنذار هو سبب كل هذا، أول ما ينذرهم ما يحبسه، وبعدين يستعجلون العذاب. ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾، ﴿لَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾، فتلاقي مثلاً ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾؛ لأن كل هذا نشأ عن دعوته ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. طبعاً وقال الرسول يا رب، إحنا قلنا إن هذا إنذار بأن رسول الله الذي نزل ربه عليه الفرقان وأدى رسالته يشكو إلى ربه، وهذا إنذار لكم. وبيأت هذا؛ لذلك لما قال لوط ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يجيء بعدها فوراً آية الملائكة قالت ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾. أوصلت نبيكم لهذا الحال حيث لا يجد سبيلاً في صد عدوان عن ضيفه يأتِ نصر الله. وهذا يدل على أن من استقصى الأخذ بالأسباب يأتيه نصر الله ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. لما الإنسان يستقصي الأسباب ويفعل كل ما يقدر عليه، لا بد أن يعينه الله، بس يكون صادقاً في أخذ الأسباب.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يبقى دي بقى نفس الشيء؛ اقتراحات يقترحونها يريدون إبطال حجته. لولا، طيب، طيب، القرآن من عند الله خلاص، لا ينزل عليه ملك ولا يكون معه نذيراً ولا كنز ولا شيء، طب ما تخلي القرآن ده ينزل مرة واحدة بدل ما ينزل مفرقاً، شفت بقى الحجة الجديدة؟ هنا ربنا لن يكلمهم، هم أيضاً سيكلم نبيه صلى الله عليه وسلم ليعلم لماذا نزل الله عليه القرآن مفرقاً وليس جملة واحدة. تفضل يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ يقول: هلا نزل على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ تنزيله عليك الآية بعد الآية، والشيء بعد الشيء، لنثبت به فؤادك. نزلنا، وذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الله ينزل عليه الآية، فإذا علمها نبي الله نزلت آية أخرى ليعلمه الكتاب عن ظهر قلبه ويثبت به فؤاده. وذكر عن ابن جريج قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَىٰ مُوسَىٰ﴾ قال ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال: كان القرآن ينزل عليه جواباً لقولهم، ليعلم محمداً أن الله مجيب القوم بما يقولون بالحق. ويعني بقوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ونصحح به عزيمة قلبك. أيوه ليه بقى؟ لأن الله إذا أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم في كل أمر ما يهتدي به وما يستبشر به وما يجيب به على المشركين ثبتت حجته وثبت قلبه وثبت فؤاده. لا يصح أن إحنا نقول ثبت فؤاده؛ لأن التثبيت دائماً يأتي مع الفؤاد، دي زي الربط ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾. فربنا أحياناً يسند أفعالاً للقلب أو للصدر أو للفؤاد. فهنا ربنا قال ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بماذا نثبت فؤادك؟ بإنزال هذا القرآن، وبجواهر الهدى والبشرى التي تحتاجها في كل وقت من أوقات هذه الدعوة المباركة.

تفضل، قال: ويقين نفسك ونشجعك. وقوله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ يقول: شيئاً بعد شيء علمناك حتى تحفظه. والترتيل في القراءة، حتى إيه؟ تحفظه. قال: تحفظه، لا، لا، تحفظت يعني إحنا عملنا كده إلى أن وصلت إلى تحفظه وصار اللي هو ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، يعني نعم نجمعه لك في صدرك ونحفظه، ﴿إِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾. تفضلك الله، وذكر عنهم في قوله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ قال: نزل متفرقا. وذكر عن الحسن في قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ قال: لأن أصلاً جاء في أول السورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾؛ فالسورة تتكلم عن هذا، نزل، لا تتكلم عن أصل الإنزال، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أصل الإنزال، لكن بعد ذلك ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾. ففي فرق بين الكلام عن نزول القرآن وعن تنزل، أن الله نزله مفرقاً ليثبت به حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجيب عن كل شبهة، ويحق الحق ويبطل الباطل.

قال: كان ينزل آية وآية وآيات، وكان ينزل جواباً لهم إذا سألوا عن شيء، أنزل الله جواباً لهم، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتكلمون به. وكان بين أوله وآخره نحو من 20 سنة. وذكر عن ابن جريج قوله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال: بينما أنزل القرآن إلى آخره أنزل عليه بأربعين، ومات النبي صلى الله عليه وسلم لستين أو لـ 63. وقال آخرون: معنى الترتيل التبيين والتفسير. وذكر بإسناده عن ابن زيد في قوله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال: فسرناه تفسيراً، وقرأ ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. الذين، يعني أصلاً ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾ يدل على أن نعمة الله عليهم أيضاً أنه نزل القرآن مفرقاً، وهذا أبلغ في الحجة عليهم، لكن هم للأسف يعني ربنا خذ بالك، ربنا سبحانه وتعالى شباب في هذه السورة، أنا عايزك تفهم كده لما تقرأ سورة كيف تنظر إليها. فاكرين المفاتيح اللي تكلمنا عنها؟ أضرب لك مثال على مفتاح سورة الجن يا شباب: كل حاجة ذكرت فيها لم يذكر ضدها، وإنما ذكر شيء آخر، مثلاً ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾؛ فهتلاقي السورة كلها إذا ذكر فيها صفة مش بيذكر الصفة المقابلة لها، بيذكر فيها أمر آخر هي مقابلة لها بس مش الضد المعروف. هنا بقى من الأشياء العظيمة اللي تركز فيها أن الله يذكر أموراً كان ينبغي للكفار أن يفعلونها ففعلوا نقيضها تماماً. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، طب ده بعد ده كله تتخذ من دونه آلهة؟

جميل كده، طيب نزل الفرقان مفرقاً يفرق بين الحق والباطل، أبطل فيه كل شبهة وثبت فيه كل حق، قالوا ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ إيه ده؟ نقيض الأمر تماماً. جاءهم رسول منهم وهو عبد الله ويدعوهم، قالوا ﴿مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ وهكذا. فهمت؟ لو أنت لاحظت هذه الأمور في السورة، في أي سورة من القرآن، والله سينفتح لك أبواباً. أضرب لك مثال آخر عشان أنا بحاول أضرب لك أمثلة كثيرة عشان تفهم أن ده أمر شائع، مثلاً في سورة ص تجد الله يتكلم كثيراً عن الوهاب، فلذلك اختار لفظ وهاب ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾، لكن بينما في سورة الأنبياء ﴿آتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾؛ لأن في سورة ص أكثرها الوهاب ﴿الْعَزِيزُ الْوَهَّابُ﴾، ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾. فأنت لما بتنظر بتحاول أنك أنت تشوف الطابع لهذه السورة، فستجد أن ممكن ربنا سبحانه وتعالى يذكر أمراً ويكرر هذا الأمر وينوع، فربنا ذكر هنا الله الذي تبارك وينبغي أن يكون هو الإله الحق وأن يدعو الله ويخلص له العبادة، كيف فعلوا معه والآلهة لم تصنع لهم أي شيء وهم.

لهم جند محضرون، فهمت كأنك تتبرأ منهم يوم الآخرة؛ صح ولا لا؟ بعد كذا يذكر القرآن فرقان ومنزل، طب ربنا فرقه مش تحمد الله؟ قالوا لا، لولا نزل القرآن جملة واحدة، لنزل عليه القرآن يعني الأمر الذي ينبغي أن يحمد الله عليه بدأوا يجعلونه شبهة، فده يبين لك أن هؤلاء فعلاً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]. والله سبحان الله آيات عظيمة في كتاب الله تبارك وتعالى.

وزي ما قلت لك كتاب الله، أنا كنت بشرحها لشاب جيب اللي هو الآيباد أو تليفون مثلاً، فالتليفون لما تنظر مثلاً اعتبر في هنا خريطة العالم مثلاً، فخريطة العالم دي باين فيها أفريقيا، أوروبا، آسيا القارات، فقمت أنت جيت على أفريقيا قمت جاي مكبر بصوابعك كده، فبدأت تظهر الدول والبلدان؛ مصر، ليبيا، المغرب تمام. قمت جيت على مصر مثلاً، وياريتك ما تيجي على مصر بس لو جيت تمام كده، زي ما كانت واحدة بتغني بتقول: أصله ما عداش على مصر، قال لها: أحسن خليه ما يعديش على مصر، هي ناقصة؟ فلو أنت جيت تكبر هنا هيظهر لك بقى القاهرة، الإسكندرية، السويس، الإسماعيلية وهكذا صح. تلاحظ أن أنت أول ما تضع المجهر على شيء بإرادة أن يظهر لك فيه ما لم يظهر لك، سيظهر لك بإذن الله، ولذلك قال الشافعي لطلابه: من تعلم علماً فليتدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم.

فلما ربنا يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: 1] بينما في موضع آخر يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، مرة قال تبارك ومرة قال الحمد لله؛ آه يبقى أنا أفهم لماذا هنا يريد أن نمجده ونقول تبارك وهنا نحمده. طب ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، هنا قال سبحان، آه؛ فمادام السؤال هو الذي يولد الجواب ويولد العلم، إنما لو أنا مش في دماغي عادي، يعني ربنا ذكر مثلاً سيدنا موسى في سورة الأعراف وسورة الشعراء وسورة طه عادي، فكر أن هو مجرد ذكر؟ لا يا شباب، العلم ينال بهكذا، بأن أنا أسأل وأدعو الله أن يفتح لي في علم القرآن، لأن هذا هو نور الله يهدي له من يشاء، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ [الحج: 16]. هو بينات بس هو بقى ربنا نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء.

فلو لاحظت هنا ربنا دائماً يذكر أن الكفار دائماً بيعملوا الغلط صح ولا لا؟ دائماً بيعملوا غلط زي سورة يوسف، كل من كان له أمنية لم تتحقق له، يقعد يدبر فيها وما تجيلو، إخوة يوسف قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 9]. هل خلّ لهم وجه أبيهم؟ ولا ازداد كرهاً لهم أو حنقا عليهم صح ولا لا؟ امرأة العزيز فضلت تدبر وتخطط، هل استطاعت أن تفعل؟ أبداً، لحد ما هو يوسف عليه السلام ويعقوب الذين الله سبحانه وتعالى أنجز لهم ما وعدهم؛ لأنه بالصدق والإيمان. فأنت شوف في طابع كده بيأتي في السورة، لو أنت ركزت فيه، ينفتح لك أمور مش هتلاقيها في الكتب، يعني أنت مش لازم تجد هذا في الكتاب مثلاً. سورة الأعراف تجد ربنا يذكر عن الأنبياء ليس بسفاهة، آه ليه؟ لأن ربنا يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، سيجهلون عليك فاستن بالأنبياء في هذا الأمر، بينما في سورة الإسراء موسى عليه السلام يغلظ على فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]، آه لأن السياق مختلف.

فهكذا يا شباب يبقى في عندي مفاتيح كثيرة جداً، تظهر بماذا؟ تظهر بالعلم وبالتقوى مش بالعلم بس، ممكن تقرأ مئات الآلاف ولا يفتح الله لك، ممكن جداً أنت تكون علامة، طب هو دلوقتي مش دول كانوا من أهل اللسان؟ لكن كان عليهم عمى، فربنا هو الذي يهدي لنوره، ﴿لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]، فدائماً تكثر من الله أن يفتح عليك في هذا الكتاب وأن يشغلك به، ده مهم، يعني يجعل هذا الكتاب هو فرحك ويجعل هذا الكتاب نورك تجلس معه لا تستوحش.

يعني دلوقتي واحد يقول لك إزاي أنت تقعد تقرأ القرآن طول اليوم؟ طب ما هو في مليون واحد قاعد على التليفون طول اليوم، يبقى إذاً الإنسان عنده قدرة أن يحبس نفسه على شيء صح، بس أنت حبست نفسك على شيء فارغ وتافه لا ينفعك لا في دين ولا في دنيا ولا في صحة، وأنا حبست نفسي على شيء يهديني وربنا أسعدني به، يبقى ما تجيش أنت تقول واحد يقول لك إزاي عثمان بن عفان أثر عنه أنه بيقرأ القرآن كله في كذا أو كذا؟ عادي، والله كم واحد بتشوفه مشغول عن الدنيا كلها بلعبة في التليفون صح، ومش بيفكر لا في أكل ولا في شرب ولا في أصحاب، شغل به، فمن هداه الله للقرآن وأغناه به، شوف أغناه أغناه به خلاص صار غنياً مش محتاج غيره. فبدأ يا شباب هذا الكتاب والله العظيم، لذلك أثر عن ابن مسعود قول أنا لم أراجعه (لم أراجع إسناده) أنه بيقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله، المعنى صح 100%، إنما نشبع منه بقدر نقصنا، عشان أنت ناقص بس بتقوم تعمل إيه؟ تقول زهقت مليت، الملل ده يعني طبعاً أكيد إحنا ربنا خفف عنا، ولكن والله لو فعلاً لو طهر القلب، لا يمكن أن يأتي عند حد يقول كفاية بقى كده، لا مش هيقدر أبداً، لأن هذا الكتاب يا شباب هو من الله، الوحيد اللي في الدنيا من الله، الباقي كله خلق لله، إنما هذا كلامه، كلامه فربنا يكلمك وربنا يعظمه.

يعني يا شباب ربنا يعظم هذا القرآن بشكل والله عجيب، أنا أريد منك أنك تجمع الآيات اللي ربنا وصف بها هذا القرآن، يعني يصف بالعظيم، الكريم، الحكيم، ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 80]، لأن اجتمعت الإنس والجن، يعظمه ليه؟ عشان تقدره أنت قدره وتعطيه ما يستحق من الوقت والجهد، مش تكتفي فقط بأنك تحفظ منه آيات وتتلوها من صدرك، ده مجرد مقدمة، أنت تعيش مع هذا القرآن والله ستجد أن هذا القرآن هو فردوس الدنيا إن صح التعبير، لأن الله شغلك بكلامه وبآياته، وسترى نفسك غنياً. أنا حكيت لكم الشاب الذي كان دائماً ينظر إلى النقص الذي عنده وأنا كان نفسي يكون شكلي حلو، كان نفسي يكون عندي وعندي وعندي، أول ما شغل بهذا الكتاب صار لا يلتفت إلى شيء، أغناه الله به أغناه وكفاه، كفاه يعني خلاه خلاص عينه مليانة، يفوت على القصور والبيوت اللي كان والعربيات اللي كان زمان يقول يا ريتني، ولا يراها أصلاً مش فاضي ليها أشغله الله بهذا الأمر.

ولذلك لما قلت لكم الأثر الذي أنا بحثت عنه كثيراً لكن سمعت من أحد الخطباء أن هو واحد من التابعين رأى بيوت النبي عليه الصلاة والسلام الحجرات يعني، عايزين يعملوا توسعة في المسجد في أظن في الخلافة الأموية فبكى، فقالوا له بتبكي ليه؟ يعني الحجرات بتتهد أو بيغيروا في شكلها، أصبحت مش باينة، هل دلوقتي إحنا نرى حجرات النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا مش شايفينها، فهو بيقول أنا كان نفسي ينشأ ناشئ المدينة ويأتي الآتي من الأمصار ينظر ما الذي رضيه الله لنبيه من الدنيا، شوف إيه ده؟ إيه ده؟ هو ده اللي ربنا رضيه؟ أيوه هو ده، ولا شيء ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ﴾ [الفرقان: 10]، بس هو جعل لك القرآن، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، هو ده اللي تستزيد منه.

فاهم؟ فشوف بقى ما منزلة هذا الكتاب من صدرك وماذا تعطيه من الوقت والجهد؟ إذا كان ربنا امتن على نبيه به، وكان دائماً يقول له أنا لو عاوز أديك هديك كل حاجة، بس أنا أديتك القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجر: 87-88]، ولا شيء، يبقى إحنا لازم ننظر إلى هذا الكتاب مش أن هو كتاب أنزل على النبي عليه الصلاه والسلام وكان خاص بالكفار، لا هذا الكتاب هدى وبشرى وفرقان وبينات وهو الذي يستحق أن تفرح به، يعني لما تتعلم آية منه تطير من الفرح، تقول الله! والله ما كنت أفهم هذا المعنى، فتقول يا سلام الحمد لله أن أنا فهمت المعنى ده، وتبقى مش جاي لك نوم من الفرح، يعني أنت تيجي تنام تقول أو العكس تكون في آية محيراك ما يجيلك نوم، أنا لازم أعرف حكاية الآية دي إيه؟ لماذا ربنا يذكر هذا هنا؟ يا رب افتح علي عشان أتعلم هذا.

غيرك لا يلتفت عادي، عادي مش كان في ناس بيسمعوا شيخ بيقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] قالوا اللهم أوردنا، مش عارفين اللي بيقرأ أصلاً عليه أي حاجة، مادام ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ يا رب أوردنا، واحد كان بيقول إن قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24] قالوا سبحانه سبحانه، فمادام سمع ربكم الأعلى فهو مش عارف إيه اللي بيقرأ عليه أصلاً مش في دماغه. واحد كان مرة من الشباب بيقول: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: 148]، قلت له لا: ﴿إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ قال لي عم نقرأ يعني غلطها في البخاري، فخلاص فهم، فشوف واحد مش فارق معاه، والتاني ممكن يفضل سهران لحد أيام هو يطلب هذا ويتعب فيه. أيوه هو ربنا اختصه بهذا القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]، ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 34]، أيوه أيضاً هذه من البشرى، ربنا سبحانه وتعالى يبشر نبيه وهذا من معنى الفرق هو فرقان وبشرى، فرقان من جهة أن الله يثبت الحق ويبطل الباطل، تمام ولا يأتونك بمثل، مهما أدوا عليك من شبهات أو مثلوا لك الأمثال وضربوا لك الأشباه، لا بد أن يأتي من الله تبارك وتعالى ما يحق الحق ويبطل الباطل ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ فهذه أيضاً من البشرى للنبي صلى الله عليه وسلم.

يعني الأول ربنا قال إيه؟ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31] ليستعد، طيب بماذا سكن قلبه وثبته الأول؟ ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31]، وهنا ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، سواء مضى أو هيأتي، لأن لسه باقي مدة، السورة دي نزلت بعض العلماء قالوا إن هي السورة رقم 40 بعد سورة ياسين وهكذا، سورة ياسين ولقمان في الحدود دي، طب ده بعد كده لسه في زمن طويل، تمام؟ حتى لو مهما أتوا بمثل فسنأتيك بما يقطع حجتهم ويثبت حجته. لذلك سيدنا موسى أوجس في نفسه خيفةً موسى صح؟ لأنه مش هو كمان ما هو بشر ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 66]، فماذا قال الله؟ ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 68-69].

خلاص كده، يبقى الله سبحانه وتعالى يعلمك ليس لتخاف أو لتحزن أو تعجز أو تضعف أو تستكين لا، لتستعد حتى لا تتفاجأ وبعدين يبشرك زي ما جاء هنا ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. تفضل بارك الله بكم.

يقول تعالى ذكره: ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه إلا جئناك من الحق بما نبطل به ما جاء به وأحسن منه تفسيراً. وذكر جريج ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال الكتاب بما ترد به ما جاءوا به من الأمثال التي جاءوا بها ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، ده يدل يا شباب على أنه لا يمكن أن يأتي مبطل بشبهة إلا وفي كتاب الله بيانها، علمها من علمها وجهل من جهلها، عادي أنت ممكن لا تعلمها بس هي موجودة. وأعجبني أحد طلاب العلم نسأل الله أن يفرج عنه طبعاً دلوقتي ابتلي ابتلاء كبير هو من أحسن طلبة العلم في هذا الباب غير الشيخ إبراهيم السكران هو اسمه عبد الله الشهري، من أحسن طلبة العلم اللي تكلموا عن ملف الإلحاد أو الشبهات، ولكن هو ابتلي أيضاً ربنا يفرج عنه، هو سنه مش كبير بالمناسبة لكن له بعض الكتب وله بعض المحاضرات، ممكن تلاقي عليه 20 مشاهدة بس والله العظيم من أحسن المحاضرات، كان بدأ دورة في الجواب عن شبهات الإلحاد وغيرها، عارف افتتحها بإيه؟

والله قلت هذا من فضل الله عليك، سورة يونس، بس شغل سورة يونس الأول، بس كده شغل لهم سورة يونس في هذا الباب، أعجبني جداً أنه هدي لهذا الأمر، هو له كتاب عن الإلحاد والعلم والإيمان، طبعته دار نسيت اسم الدار اسمه في العلم والإيمان والإلحاد حاجة زي كده، فعجبني أن هو ذكر آيات وأحاديث كثيرة، قال لهم ربنا سبحانه وتعالى هم الكفار مش كانوا يكفرون بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام وربنا علمه كيف يجيب وبماذا يجيب على هؤلاء ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. تفضل عبد الله الشهري، نعم قال: وأن بقوله ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وأحسن مما جاءوا به من المثل بياناً وتفصيلاً، وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل، وذكر بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي أحسن تفصيلاً، وذكر عن مجاهد ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قال بياناً، وقال بإسناده عن الضحاك، يقول في قوله ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ يقول تفصيلاً. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ﴾ يعني كلما ذكروا لك.

حجة أرادوا بها إبطال حجتك كان ممكن أن يحدث؟ رددنا هذه الحجة؛ لا زدناك يقيناً وثباتاً، يبقى ده أحسن تفسيراً، يبقى أنت كنت بعدها أفضل مما كنت قبلها. أضرب لكم مثال، دلوقتي لو أن يوسف عليه السلام هو أول من فسر الرؤيا للملك، كانت ستظهر مكانته بنفس الدرجة التي ظهرت بعدما عد جلساء الملك؟ ولا في اختلاف؟ صح ولا لا؟ وبضدها تتميز الأشياء تماماً.

فهذا النبي الكريم لما يريدون عليه شبهات، فتزال هذه الشبهات زي الذهب كلما امتحنته ازددت فيه يقيناً، يبقى كل شبهة يريدها هؤلاء تثبت حجتك وتقطع حجتهم. أضرب لك مثال: موسى عليه السلام بعد المباراة بينه وبين السحرة، كان كما كان قبلها؟ ولا أثبت حجة؟ أثبت حجة بلا شك، صح ولا لا؟ فلن يأتينك بسحر مثله، جاء أولئك السحرة أنفسهم؛ مش بس انقطعت حجتهم، سجدوا لله وصبروا على الأذى في سبيل الله، يبقى كانت حجته أعظم، فهمنا كده يا شباب؟ ماشي.

الله عز وجل ذكر بإسناده وقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 34]. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: أولئك الذين استكبروا في أنفسهم، شوف الله يتكلم عنهم ويبين أنه يهينهم يوم القيامة العذاب المهين والعذاب الكبير. فإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً يهان عشان استكبروا في أنفسهم، نفس الشيء هنا: الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم لأنهم مجرمون. الله تبارك وتعالى فرق لهم القرآن ونزله تبياناً وفرقاناً وقطع كل شبهة لهم وبين كل حق، ومع ذلك كانوا مجرمين قابلوا دعوتك بهذا، يبقى خلاص: الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، هؤلاء هم الأكابر المجرمين، طبعاً الكفار كذلك ولكن هؤلاء هم المجرمون، تفضل.

قال هؤلاء المشركون يا محمد القائلون لك: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، ومن كان على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله، الذين يحشرون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم فيساقون إلى جهنم شر مستقر في الدنيا والآخرة من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم في الدنيا طريقاً. وذكر بإسناده عن مجاهد قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم؛ أولئك شر مكاناً من أهل الأرض وأضل سبيلاً، قال: طريقاً.

وذكر عن قتادة: شر مكاناً؛ أنهم كانوا يصفون المسلمين بأنهم شر، فربنا دائماً يقول مثلاً: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 55]، مثلاً يقول عن المؤمنين: ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]، وعن الكفار: ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6]، فربنا يبين شر مكاناً، يعني هؤلاء شر الخلق، كما قال يوسف: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ [يوسف: 77]، لأنهم قالوا: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77].

مسألة التفضيل، يعني ذكر التفضيل، ما إحنا قلنا أن التفضيل هذا في لسان العرب معروف، حتى لو لم يكن المفضل عليه فيه شيء من هذا الفضل، زي ما قال: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]. فواحد يقول لك: مكروهاً إيه؟ هو مش محرم؟ آه ما هو كل محرم مكروه، هل ربنا يكره الزنا؟ نعم يكرهه، هو مكروه، مش معنى مكروه اللي هو في لسان الأصوليين اللي هو مكروه يعني أقل من المحرم، لا، هو يكرهه لا يحبه، ماشي، نفع الله بكم.

وقال عن قتادة قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34]، قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: «الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه». أي وق، طبعاً هي أحياناً تساق على سؤال: أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ فقد قال: «بلى وعزة ربنا»، ده حديث ثابت عنه أنه قال: «بلى وعزة ربنا»، اللي ربنا أمشاه على رجله في الدنيا يمشي في الآخرة على رأسه، قدر سبحانه وتعالى.

وذكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف يحشرهم على وجوههم؟ قال: «الذي يحشرهم على أرجلهم قادر بأن يحشرهم على وجوههم». أي، وقال أيضاً عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر أعداء الله على وجوههم؟ فقال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم».

أي وذكر عن الحسن يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34]، فقالوا: يا نبي الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم، أليس قادراً أن يمشيهم على وجوههم؟». وذكر بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم». الحمد لله رب العالمين.