تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. نفتتح هذا المخيم الذي أحببت أن أسميه بمخيم الإحسان، ونسأل الله تبارك وتعالى أن نكون من المحسنين.

وأنت إذا لاحظت في كتاب الله تبارك وتعالى وصف الله للمؤمنين بالإحسان، أو تعليق الحكم على الإحسان، فهذا يذكر فيه أعلى المؤمنين إيماناً، أما وصف المتقين فيدخل فيه كل مؤمن؛ فكل مؤمن عنده هذه التقوى وعنده أصل الإيمان. مخيم الإحسان نريد فيه أن نجتمع على كتاب الله تبارك وتعالى، وعلى حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ترجمة لأحد أئمة الإسلام من الصحابة الكرام، وهو عبد الله بن مسعود.

أما السورة التي نجتمع على مدارستها فهي سورة الفرقان المباركة، وهي من أوائل ما نزل من كتاب الله تبارك وتعالى، وهي من أعظم السور التي ثبت الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وثبت حجته، وجمع فيها خلاصة ما يفعله المشركون ويقوله المشركون من كفار مكة تجاه دعوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها أموراً سأذكرها إن شاء الله تبارك وتعالى. ومعنا أيضاً كتاب المناقب من صحيح الإمام البخاري، ومعنا ترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. نحن افتتحنا هذا بمقرأة الطلاب سورة الفرقان المباركة، الآن نستعين بالله عز وجل في أن نتدارس هذه السورة، ونحاول أن نستخرج ما فيها من العلم والعمل، ونرجو من الله تبارك وتعالى أن يهدينا لنوره.

سورة الفرقان اتفقنا أن أي سورة نريد أن نتعلمها هناك مجموعة من الأسئلة لا بد أن نطلبها؛ مثل: متى نزلت؟ وفيما نزلت؟ وفيمن نزلت؟ وما هي الأمور التي جاءت السورة لتبينها؟ وما هي الأنباء في السورة؟ وأسماء الله تبارك وتعالى في السورة؟ والأمر والنهي للنبي صلى الله عليه وسلم في السورة؟ ما هي الأمور التي جاءت السورة لتذكر حجتها؟ وما هي الأمور التي جاءت السورة لتبطل ما كان عليه المشركون؟

سورة الفرقان هي سورة مكية، واتفق على ذلك، ولكن ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن عباس أثر عنه رواية تدل على أن بعض آيات هذه السورة مدنية، والرواية كالتالي وهي رواية معروفة في صحيح البخاري وفي غيره، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس: أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أنا لما عملنا كفارة؟ فنزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68]. ونزل قول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فبعض أهل العلم يرى أن هذا يدل على أن هذه السورة، أو أن هذه الآيات تحديداً، آيات مدنية، ولكن هذا ليس صريحاً، لأن في فرق بين ما نزلت له السورة أو الآية وما تتنزل عليه الآية؛ فالآية يمكن أن تكون نزلت في مكة، ولكن استدعيت هذه الآية من النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي في موقف في المدينة، فهذا لا يستلزم أن تكون نزلت في المدينة.

يبقى في فرق بين النزول والمناسبة؛ الآية تنزل على هذا الحدث أو الآية نزلت لهذا الأمر، هذا أول شيء. طبعاً جاءت رواية أخرى عن سعيد بن جبير أنه قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى قال: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي هي ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68] والآية الأخرى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93]. فلما سأله سعيد بن جبير قال: "لما أنزلت التي في الفرقان" -لاحظ قال: لما أنزلت التي في الفرقان- التي هي الآية التي معنا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾، قال: فهذه لأولئك، لأولئك الذين هم مشركو مكة؛ مشركو أهل مكة قالوا: دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: 70]. فهذه لأولئك؛ لآية لأهل مكة، فهذا يدل على ماذا؟ هذا يدل على أن هذه الآيات نزلت في مكة، وليست في المدينة، والسورة كلها نزلت في مكة.

طبعاً بقية الحديث فيه أن عبد الله بن عباس يرى أن هذه الآية نزلت في هؤلاء، لكن الآية التي في النساء ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: أما الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل، فجزاؤه جهنم. فسعيد بن جبير لما سمع هذا الكلام عرضه على مجاهد فقال مجاهد: إلا من ندم. فنحن لن نتكلم في تفاصيل هذه الآية، لكن يهمنا شيء واحد وهو أن جميع سورة الفرقان المباركة نزلت بمكة. يبقى الذي يهمنا يا شباب هو أن نتعلم هذه السورة أين نزلت؛ لماذا؟ لأن أين نزلت، وفيما نزلت، ومتى نزلت؛ كل هذا له دلالة. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى بين أنه نزل هذا القرآن منجماً مفرقاً، لماذا؟ لأن هذا القرآن يثبت النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمه كيف ينظر إلى هذه الأحداث، وكيف يعمل فيها، وكيف يتصرف فيها. فنحن لما نتعلم هذه الآية أين نزلت وفيما نزلت ومتى نزلت، هذا يعيننا على أن نعرف ما هي الرسالة التي كان يحتاجها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العلم والعمل في هذا المشهد تحديداً.

طب ما الذي أريد أن أوصله؟ أن هذا القرآن هو هدى ونور وتبصرة وتذكرة وفرقان وبشرى، ففي وقت ما يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم من الله بياناً، في وقت يحتاج هدى، بصيرة، بشرى، يحتاج إلى بشرى، يحتاج تثبيتاً، فإذاً كلما تعلمنا هذه الآية فيما نزلت ومتى نزلت وما هي الرسالة المضمنة في هذه الآية، يبقى نحن ننتفع أكبر انتفاع. أما تفسير الآية فهذا هو الحد الأدنى الذي نعلمه، أن نحن نعرف معنى الآية، واضح؟ إنما الرسالة التي ضمنت في هذه الآية من العلم والعمل، أو الأمر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاجه في هذا الموضع فعلمه الله إياه أو أرشده الله إياه، هذا هو أخص ما نحتاجه، فبالتالي نحن سنحتاج هذا، اللي هو أن نحن نعرف متى نزلت.

فسورة الفرقان هي كلها مكية، اسم الفرقان جاء في حديث مشهور جداً، وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره، أساوره يعني أقاتله، يعني أتسرع وهو بيصلي عايز أخرجه من الصلاة. قال: فتصبرت حتى سلم، فلَبَّبْتُهُ بردائه، لببته يعني جمعت الرداء هنا وشديته منه وجريته منه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهشام: «اقرأ». طبعاً في رواية أن هو قال: «أرسله»، يعني هو كان لسه ماسكه كل المدة دي، قال له: طب سيبه عشان الراجل يقرأ. حتى قال: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت». ثم قال: «اقرأ يا عمر»، قال: فقرأت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه». طبعاً الشاهد هنا ما هو؟ أن سورة الفرقان عرفت بهذا الاسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، نحن يا شباب لما نأتي إلى سورة نريد أن نتدارسها من أين نبدأ؟ ده سؤال مهم جداً، يعني أنت عندك سورة من كل سور القرآن، أنت تريد أن تنال بركتها وهداها ونورها، من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس، فأنت حينما تركز على سورة معينة تريد أن تتعلمها، عندنا حديث عظيم، اللي هو حديث أبي عبد الرحمن السلمي، أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لا يجاوزون هذه الآيات قبل أن يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. لماذا؟ لأنهم يعرفون أن هذه الآيات إنما أنزلت لتأخذ منها العلم والعمل، العلم معناه إيه؟ يعني المعلومات التي تحتاجها، والعمل هو كيف تتصرف. واضح كده؟

طيب، فنحن لما نفتح سورة من القرآن نريد أن نتدارس، من أين نبدأ؟ ده سؤال مهم جداً. أول أمر يا شباب أن تكثر من الاستماع إلى السورة ومن تلاوة السورة، ده أصل، ده رقم واحد أنك تكثر من الاستماع ومن القراءة. الأمر الثاني، أنت عندك مفاتيح؛ المفاتيح هي التي تفتح لك أبواباً كنت تغفل عنها، من هذه المفاتيح البداية أن أنا أتعلم متى نزلت، وأين نزلت، وفيما نزلت، وفيمن نزلت يعني من هم الذين تتحدث عنهم السورة؟ ممكن السورة تتحدث عن اليهود، عن النصارى، عن المشركين، ممكن السورة تتحدث عن الأنبياء، ممكن تتحدث عن شخص معين، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] أو تتحدث عن شخص آخر زي ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26] الوليد بن المغيرة. يبقى هذه المعلومات هي مفاتيح، يعني إيه مفاتيح؟ كل مفتاح منها يفتح عينيك على أمر لم تكن تنتبه إليه.

من هذه المفاتيح اسم السورة، اسم السورة هذا مفتاح عظيم؛ لماذا؟ لأن السورة يا شباب تتحدث عن أمور كثيرة، فإذا اختار الله لها اسماً معيناً مع أنها تكلمت عن أمور كثيرة، يبقى لا بد أن أقف أنا مع هذا الاسم، أريد أن أعرف لماذا سميت بهذا الاسم. سورة البقرة؛ سورة ذكر فيها كل شرائع الإسلام، الإيمان اللي هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والإيمان باليوم الآخر وبالقدر، ذكر فيها الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة والجهاد والعدد والطلاق والدين والنفقات، كل هذا ذكر فيها. طب ذكر فيها أنباء، ذكر فيها أنباء بني إسرائيل من قبل فرعون، يعني من قبل إهلاك فرعون، وفيما بعد فرعون، اللي هم حياتهم مع موسى عليه السلام، وذكر فيها بعض الأنباء زي قصة طالوت وجالوت وغيرها، مع كل هذا البيان ثم البقرة، وهذا هو الاسم المعروف لها.

طب لماذا تسمى البقرة؟ يبقى هذا سؤال ينبغي أن يدفعني؛ لأن السؤال هو الذي يولد العلم، أنك تسأل لماذا وكيف، مش أنك تأخذ المعلومة لا، أنت عايز تعرف لماذا. طب سورة البقرة، قصة البقرة جاءت في صفحة واحدة تقريباً، يعني نصف صفحة لو في المصحف المدني، نصف صفحة وانتهت القصة، فلماذا هذه السورة اللي هي تقريباً خمسون صفحة وفيها كل هذا العلم والبيان والهدى والبينات والفرقان، تسمى البقرة وتعرف بهذا الاسم؟ يبقى لا شك أن قصة البقرة هنا ليست مجرد حدثاً يذكر، ولكن قصة البقرة لها أثر هنا، وهو أن الله يعلم الصحابة رضي الله عنهم بعد أن هاجروا إلى المدينة ونزلت هذه الشرائع، علمهم كيف يتلقون أحكام الله وتشريعه، لذلك هي أكثر سورة فصل فيها الأحكام من جهة ذكر الأحكام الكثيرة، حتى يعلمهم كيف يتلقون هذا، لذلك ختمت بماذا؟ ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]، يعني لا تكونوا كبني إسرائيل الذين أساءوا الظن في نبيهم، قالوا ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67]، وإن هم ماطلوا وما كادوا يفعلون، لا، قولوا سمعنا وأطعنا. لذلك جاء الحديث لما أنزل الله ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] قالوا: حملنا من الأعمال ما نطيق، وهذه التي لا نطيق، فأنزل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتقولون كما قالت اليهود والنصارى سمعنا وعصينا؟ قولوا سمعنا وأطعنا»، فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله التخفيف ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، فهذا يدل على أن كل من تلقى الشرع بتسليم ونية عمل جاءه التخفيف، يبقى التسليم يجلب التخفيف، أما المعارضة وإلقاء الشبهات هذا هو الذي يجعل الأمر عسيراً.

لذلك ربنا قال ﴿اذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]، كان أول ما يقول إن لاحظ أن هو لم يقل لم يقل، يعني مش كان يكفي أن موسى يقول لهم اذبحوا بقرة؟ شوف هو نبيهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، شوف شوف هذا الأمر، قالوا ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، ده أول شيء، وبعدين طب ما لونها؟ طب ما... لذلك ربنا قال ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71]، ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 74]، يبقى أنا كلمة سورة البقرة، السورة هذه العظيمة الكبيرة تسمى البقرة.

طب آل عمران، لازم أقف مع نفسي، طبعاً أنا مش هقدر أذكر لكم كل سورة لماذا سميت، ولكن أنا بس أذكر لك المفاتيح اللي هي بتفتح لك، يبقى ده المفتاح الأول؛ الاسم. سورة العنكبوت؛ سورة تتحدث عن الفتن التي يتعرض لها المؤمن، وتتحدث عن إهلاك الله للكفار في الدنيا والآخرة، وأن الله إذا جاء أمره لن يرده شيء، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: 4]، خلاص، ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، لن يسبقوا الله ولن يفلت من عذابه. طب السورة دي اللي فيها أمور كثيرة، وذكرت إبراهيم عليه السلام وفصلت في قصته، وذكرت أمره لقومه ونهيه عن الشرك وهكذا، سميت العنكبوت، مع أن العنكبوت جاء في آية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 41].

أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. لماذا تسمى؟ إذاً أنا لازم أقف هنا، سورة إبراهيم، إبراهيم ذكر في سور كثيرة بس هنا سميت سورة إبراهيم. إذاً هذا من ضمن المفاتيح، وهو اسم السورة، وفي مفاتيح كثيرة جداً سنحاول أن نطبقها كما طبقناها على سور قبل ذلك: سورة النور، سورة النحل، سورة العنكبوت، سورة يونس، سورة هود، وسورة فصلت، وسورة الإسراء، وغيرها من السور المباركة وسورة القصص.

الآن نقف مع هذه السورة المباركة التي سميت بالفرقان ولم يعرف لها اسم غير ذلك. بعض الناس يقول تبارك الفرقان؛ ليعطيها مدخل، هذه السورة مشهورة عند بعض الناس يقول سورة تبارك، الفرقان، حاميم السجدة. سورة الفرقان، كلمة الفرقان هي تتكلم عن اسم من أسماء القرآن، ربنا سبحانه وتعالى لما يتكلم عن القرآن لازم تنتبه جداً أن الله الذي أنزل القرآن يعظم القرآن حتى يكون في قلبك معظماً؛ فمرة ربنا يقول: ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَىٰ﴾ [طه: 4]، عشان يلفت نظرك أن هذه السماء والأرض بما فيها من الآيات الذي خلقها هو الذي أنزل هذا الكتاب حتى تنظر إليه وحتى تعظمه.

مرة ثانية ربنا سبحانه وتعالى يبين لماذا أنزله؛ فمرة يقول مثلاً: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، فيه بيان الهدى وفيه براهين الهدى وفيه الفرقان بين الحق والباطل. مرة ثانية يصفه بأن هو بشرى، مرة ثانية يقول: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ [ص: 29]، مرة ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1]، يبين أنهم لن يخرجوا مما فيه من ظلمات الكفر والشرك والعصيان والبدعة إلا بنور هذا القرآن.

إذاً ربنا سبحانه وتعالى لما يتكلم عن القرآن يمكن أن يذكر من أنزله ويحمد نفسه تبارك وتعالى ويسبح نفسه، ومرة أخرى ربنا يعلمك لماذا أنزله، ومرة أخرى يعطيه اسماً حتى تنتبه أنت لهذا الاسم. ما هو القرآن؟ هدى صح، ونور صح، وفرقان وبشرى وشفاء صح، بس كل اسم من هذه الأسماء له دلالة كاسماء الله، أسماء الله هي مترادفة ومتباينة؛ مترادفة أنها جميعاً تدل على الله، طب متباينة في الدلالة، يعني هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، السميع، البصير، اللطيف، الخبير، كل هذه أسماء تدل على الله بس كل اسم له دلالة، صح ولا لا؟ كذلك محامد الله، يعني ما يحمد الله عليه، النبي صلى الله عليه وسلم اسمه أحمد ومحمد والحاشر والعاقب، كل اسم منها له دلالته.

لما ربنا سبحانه وتعالى يختار اسماً، هو في سورة في القرآن يا شباب سميت بالقرآن؟ القرآن نفسه سميت يعني سورة اسمها القرآن؟ ما فيش، صح؟ طيب في سورة سميت بصفة من صفات القرآن؟ يعني هي طبعاً بغض النظر عن سورة النور؛ النور هو وصف للقرآن، واضح كذا؟ لما تنظر لسورة الفرقان ستجد أن الله سماها الفرقان؛ فهي بتدل على أمرين: تدل على القرآن نفسه، وتدل على صفة في هذا القرآن يريد الله منك أن تنتبه لها وهي صفة الفرقان.

لو أنت نظرت إلى كلمة الفرقان جاءت في القرآن في سورة البقرة مثلاً، وجاءت في سورة الأنفال، وجاءت في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ [الأنبياء: 48]. فالفرقان لها دلالات؛ هو يعني يجعل الشيء فرقتين، يعني فيه تفريق. فيمكن أن يكون وصف الفرقان معناه القرآن نزل مفرقاً منجماً، لم ينزل جملة واحدة، ممكن يكون هذا المعنى. ومن معاني الفرقان هو أن يفرق بين الحق والباطل؛ فيثبت حجة الحق ويدحض شبهات الباطل، يبقى دي صفة جديدة؛ لأن صفة أن القرآن هدى معناه أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، لكن من جملة هذا الهدى أن يفرق بين الحق والباطل، وهذا معنى ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33].

فأنت لما تنظر بقى إلى هذه السورة، إحنا اتفقنا على المفاتيح؛ المفتاح من هذا الاسم يدل على أن الله لم يقل هذه سورة القرآن، لا، يريد أن يبين أمراً في هذا القرآن وهو أنه فرقان، كما أنه وصف القرآن بأنه هدى وبشرى ورحمة وذكرى وتبصرة وبصائر، لكن هنا الله تبارك وتعالى وصف القرآن بأنه فرقان. إذاً فرقان يمكن أن يكون المعنى أن الله فرقه، لم ينزله جملة واحدة، أو أنه فرقان بين الحق والباطل، وطبعاً الفرقان لها دلالات، مثلاً ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]، هذا من معنى الفرقان.

إحنا لما نحاول أن نفهم لماذا سميت هذه السورة بالفرقان؟ هذا لا يمكن أن يأتي إلا بأن نقرأ هذه السورة من أولها لآخرها لنعلم لماذا سميت بالفرقان، ده مفتاح هو، سنتكلم عنه إن شاء الله. من أهم المفاتيح يا شباب، أول آية في السورة، أول آية في السورة التي هي مقدمة السورة أو فاتحة السورة دي لازم تنتبه لها جداً، يمكن أن تكون ربنا يوجه خطاباً للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، مثلاً: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: 2]، يبقى الكلام واضح، أهو ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1]. يبقى ده ممكن يكون بدأ هكذا، واضح؟ ممكن يبدأ بداية أخرى بسؤال وربنا سبحانه وتعالى سيبين الجواب، مثلاً: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2] وهكذا.

يبقى المفتاح من ضمن المفاتيح المهمة بماذا افتتحت السورة؟ لو أنت نظرت إلى أول آية في سورة الفرقان ستجد أن هذه الآية هي السورة كلها؛ كل السورة هي بيان لهذه الآية المباركة. كيف؟ ربنا بدأ هذه السورة بأنه أثنى على نفسه، وربنا سبحانه وتعالى وحده وحده هو الذي يثني على نفسه، وكل الناس يتعلمون الثناء منه، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». فربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿تَبَارَكَ﴾، لم يقل تبارك الله، في بعض الآيات يقول: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]، لا، هنا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]. تبارك فيها كثر خيره وكثرت بركته، يعني فيها تفاعل من البركة وعظم عطاؤه، كل هذا سنتكلم عنه.

لكن أنا عايزك تلاحظ هذا الفعل، أن الله بدأ بالثناء على نفسه تبارك وتعالى، وهو يحب الثناء، وهو أهل الثناء والمجد. تبارك من أي وجه؟ مش ممكن ربنا يقول ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، صح؟ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ [الأعلى: 1-2]، فأول فعل لله بعد تبارك أو سبحان، ده معناه أن هذا هو الذي تبارك الله به، فشوف ربنا ماذا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.

يبقى أول كلمة، أول كلمة في الآية تتكلم عن مين؟ عن الله تبارك وتعالى، من جهة إيه؟ أنه أنزل الهدى وأنزل الفرقان، وهذا من أعظم الأمور التي أنت تنتبه لها، أن الله وإن كان يذكر نعمه على عباده الكثيرة، أن هو خلق وأن هو رزق وأطعم ويفصل: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: 5-7]، وبعدين ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾، مش كل دي نعم؟ بس جعل أعظم نعمة هي نعمة الوحي والهدى، دي أعظم نعمة. لذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام أول ما علم قومه عن الله ماذا قال؟ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 78]، دي أول شيء، تمام؟ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: 34]، يبدأ بالخلق وبعدين ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [يونس: 35]، في واحد من الآلهة يهدي للحق؟ لذلك ربنا لما أنكر على بني إسرائيل أن هم عبدوا العجل ماذا قال؟ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 148].

كيف تعبد من لم يخلق ولم يهدِ؟ فربنا تبارك وتعالى مثلاً في سورة الأنعام لما قال بعض المشركين ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91]، ماذا قال الله؟ قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾، ليه؟ ليه ما قدر الله حق قدره؟ لأن الذي يظن أن الرب يخلق ولا يهدي هذا لم يقدر الله حق قدره؛ لأن الذي خلق لابد أن يهدي. لذلك ربنا قال في سورة الإنسان التي هي مختصر حياة الإنسان، ماذا قال؟ قال: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1].

سؤال: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟ في وقت من الأوقات كان الإنسان مش موجود فيه؟ آه، طبعاً كل الناس هتقول كده، صح؟ طب ما سألش نفسه مين اللي جابه؟ ولماذا أتى به؟ ما ده سؤال مهم، أنت لم تكن شيئاً مذكوراً، على خلاف هل يراد به آدم أو يراد به بنو آدم، هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؟ نعم كله هيقول آه صح في وقت ما كنتش موجود فيه. طب من الذي أتى بك؟ فربنا يقدم لك الجواب هنا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]. يبقى بين من الذي خلقك ومما خلقك ولماذا خلقك، في شوف الآية! شفت الإيجاز؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: 2-3]. يبقى الذي خلق لابد أن يهديه.

فشوف ربنا سبحانه وتعالى يعني عايزك تركز في السورة؛ أنت لما تنظر للسورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 1-2]، تكلم بعد أنزال الوحي، فهذا يدل على أن الله يريد منك أن تقدم نعمة إنزال هذا الفرقان. يبقى أولاً ربنا يتكلم عن نفسه ويمجد نفسه ويثني على نفسه من جهة أنه نزل الفرقان.

ممكن ربنا في مرة أخرى مثلاً يقول ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ دي جهة أخرى، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ دي جهة، لكن هنا من جهة أنه نزل. وكلمة ﴿نَزَّلَ﴾ كذلك ﴿نَزَّلَ﴾ تدل على ماذا؟ تدل على التفريق؛ أنه نزله منجماً، نزله شيئاً بعد شيء، يعلم ويهدي ويبصر به ويشفي به ويبشر وينذر، فنزل شيئاً لـ، ولذلك السورة جاء فيها قول الكفار: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، ربنا بين لا، أن هذا القرآن نزله، يبقى أول شيء نحمده أن الله نزله مفرقاً.

هل قال تبارك الذي نزل القرآن؟ لا، لم يقل ذلك، وإنما قال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾. الفرقان لما سماه الفرقان ده معناه أن الله في هذه السورة سيثبت حجة الحق ويبطل كل شبهة عند أهل الباطل، ولذلك ربنا في هذه السورة أبطل كل ما ذكره المشركون عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كتاب الله وعن اليوم الآخر، التي هي خلاصة ما كان عليه أولئك المشركون. يبقى الفرقان يثبت حجة النبي صلى الله عليه وسلم في باب توحيد الله والقرآن والرسالة والدار الآخرة والإنذار والبشرى.

﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، على عبده كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، على عبده هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكلمة ﴿عَبْدِهِ﴾ تدل على ماذا؟ تدل على أن الله يصطفي من عباده، ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: 15]. يعني ربنا يخلق ما يشاء، اختار وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ونلاحظ كلمة على عبده تدل على أنه عبد الله قبل أن يكون رسوله، دي معروفة جداً، أنه عبد لله قبل أن يكون رسولاً لله، ولذلك حتى لو كفر به كل الناس، أمره الله بالعبادة ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، فهو عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

﴿لِيَكُونَ﴾، إحنا لسه ما أخذناش التفسير، إحنا بس عشان نعرف المفاتيح، ﴿لِيَكُونَ﴾ ده يدل على ماذا؟ على حكمة الله، أنه يجعل الشيء لشيء، ﴿لِيَكُونَ﴾، فهو أنزل الفرقان ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾، يبقى ده يدل على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يبعث في قومه خاصة، وإنما شرفه الله بأنه جعل رسالته الخاتمة، فهذا يدل على زي ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]، ﴿لِّأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] إلى آخر ذلك.

﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، القرآن هو هدى ونور وفرقان وبشرى وإنذار، بس ربنا لم يذكر من كل هذا إلا الإنذار ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، مع أنه في السورة نفسها ماذا قال؟ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، لكن هنا قال ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، اختار هذا اللفظ تحديداً، فهذا مفتاح لي يدلني على أن هذه السورة لابد أن يجتمع فيها النذر، الإنذار. ومعنى الإنذار هو الإعلام بمخوف يمكن اتقاؤه، وإلا لو ما كنتش تقدر تتقيه يبقى ده ما اسموش إنذار، اسمه إعلام، يعني لما ربنا قال عن الوليد بن المغيرة ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 26]، ده إنذار؟ لا، مش إنذار، ليه؟ ده إعلام بأنه خلاص أنت هيحصل لك ده، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] دي معناها إيه؟ إنذار؟ لا مش إنذار، الإنذار معناه أن المخاطب يمكن أن يتقي هذا الإنذار، وأن الله سبحانه وتعالى يخوفه به؛ ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]. يبقى شوف الآية الأولى هذه فتحت لك أبواباً في أن الكلام سيكون عن الله الذي من جهة.

تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. إن قوله: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يشير إلى إنزاله منجماً؛ فالفرقان من جهة أنه يفرق بين الحق والباطل، ونزل مفرقا على عبده، وسيكون الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنك ستجد في هذه السورة جمع الله أقوال وأفعال المشركين تجاه النبي صلى الله عليه وسلم. أولاً قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾، وهذا أول شيء من كلامهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم. وبعدين قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ لأنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، فاجتهد أو حاول أن يكتتب. وبعدين قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ومرة ثانية ماذا قالوا؟ ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾.

هذا المفتاح دلني على أن هذه السورة ستتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وستتحدث عن أفعال هؤلاء تجاه الله، وتجاه القرآن، وتجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وتجاه الإنذار؛ يعني ربنا سبحانه وتعالى ينذرهم بإنذارات كثيرة ومع ذلك لا ينتفعون. ربنا صرف لهم الآيات: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. هذه المفاتيح يا شباب، لسه ما تكلمنا عن تفسير الآية خالص، بس أنا وأنا أقرأ أنتبه، مثلاً: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، إذاً هذه جهة معينة.

يجب أن تفهموا يا شباب أن هذا هو خير ما يدقق فيه الإنسان؛ بعض الناس يدقق جداً ويجيب كتاباً لبعض أهل العلم ويقعد يعرب كل لفظة ويجيب لك كل أشكال؛ ليه؟ هو ده كلام الله عز وجل، ويقعد يجمع بين كلامه ويتعب. لا يا حبيبي، هذا يفعل مع كتاب الله؛ هي دي الدقة، أن تنتبه لكل كلمة لأن كل كلمة في موضعها علمها من علمها وجهلها من جاهلها. الآن نحن سنقرأ إن شاء الله تفسير الطبري وبعدين نعلق على كل آية، بس أريد منك أن تنتبه، إن شاء الله سنحاول أن نأخذ هذه السورة تدريباً لكم على دراسة سورة من القرآن العظيم.

قال أبو جعفر: تبارك تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدس ربنا. فقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يقول: تبارك الذي نزل الفصل بين الحق والباطل، فصلاً بعد فصل، وسورة بعد سورة، على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ليكون لجميع الجن والإنس الذين بعثه الله إليهم داعياً إليه نذيراً؛ يعني منذراً ينذرهم عقابهم ويخوفهم عذابهم إن لم يوحدوا، ولم يخلصوا له العبادة، ويخلعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

قال ابن زيد في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، قال: النبي النذير. وقال: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، وقرأ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾، قال: الرسل. قال: المنذر رسل، وكان نذيراً واحداً بلغ ما بين المشرق والمغرب ذو القرنين، ثم بلغ السدين، وكان نذيراً، ولم أسمع أحداً يحق أنه كان نبياً. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾، قال: من بلغه القرآن من الخلق فرسول الله نذيره، وقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وقال: لم يرسل الله رسولاً إلى الناس عامة إلا نوحاً بدأ به الخلق فكان رسول أهل الأرض كلهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم ختم به.

لما ننظر إلى هذه الآية، خلينا نبدأ من أول كلمة فيها: تبارك. لما ننظر، الله سبحانه وتعالى لما يتكلم عن نفسه؛ زي مثلاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾، ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ هذه آيات تأتي كثيرة أن الله سبحانه وتعالى يسبح نفسه، أو يذكر كلمة تبارك لأمر معين. هذا معناه أن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تركز على هذا الأمر تحديداً في هذه السورة؛ فربنا سبحانه وتعالى هنا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، يبقى الحديث عن نفسه هو تبارك وتعالى، وهذا سيستغرق عدداً من الآيات، أن الله سبحانه وتعالى سيقول تبارك عن نفسه ويذكر أموراً تبارك بها.

هذه الأمور مثلاً: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، جعل مقدمة مع أن الله سبحانه وتعالى له ملك السماوات والأرض وخلق قبل أن ينزل هذا الفرقان، لكن الله سبحانه وتعالى افتتح بكلمة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ليبين أن هذه أعظم نعمة، وهي أنه نزل ما يهتدي به العباد وما يفرق به بين الحق والباطل. يبقى كلمة تبارك، هذا أول أمر تعطينا هذه الكلمة من الأمور المهمة جداً. أيضاً أن الله قال: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، يعني جعله فصلاً بعد فصل، آية بعد آية، سورة بعد سورة؛ فهذا التفريق أيضاً من نعم الله. فهذا التفريق أولاً ليتدبر النبي صلى الله عليه وسلم ويجمعه الله في قلبه، وليثبت به حجته، وليثبت هو نفسه. ولاحظوا يا شباب، مهم جداً أن تعلم أن الله يربي نبيه صلى الله عليه وسلم؛ يعني يعلمه ما يحتاجه لذلك يكثر كاف الخطاب.

هذا التفريق هو من نعم الله، وليس فقط إنزال القرآن، لا، إنزاله مفرقاً. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، نحن قلنا إن الفرقان لماذا سميت السورة بالفرقان؟ لأن الله ذكر أموراً عن نفسه، وذكر أفعال الكفار تجاه هذه الأمور؛ يعني الله الذي نزل الفرقان والذي له ملك السماوات والأرض وخلق كل شيء فقدره تقديراً، هؤلاء أشركوا به، وربنا سيبطل شبهاتهم في هذا الأمر. هل هؤلاء تقبلوه بشكر لله؟ لا، كفروا به وكذبوه واتخذوه مهجوراً؛ يعني قالوا فيه هجراً، قالوا إنه أساطير الأولين اكتتبها، إفك افتراه، وكان الأولى أن يقبلوه وأن يعظموه، لكنهم كفروا به ونهوا الناس عن اتباعه والاستماع إليه. يبقى ده تجاه القرآن، أما النبي صلى الله عليه وسلم فاتهموه بأنه كذب هذا القرآن وافتراه وأنه اكتتب، وسخروا منه واستهزأوا به واقترحوا عليه الآيات، وقالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.

ذكر الله أفعال هؤلاء المشركين تجاه هذه الأمور: الله، الرسالة، الوحي، القرآن، النبي صلى الله عليه وسلم، الإنذار؛ ووضح كل شبهات هؤلاء. يبقى هذه كلمة ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، لأن الله سبحانه وتعالى يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بصفة العبد في أشرف المواضع. من يذكر لنا مواضع يا شباب؟ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، وعباد الرحمن وهذا أصلاً سيأتي في السورة.

كنت أحاول أن أذكر لكم بعض الفوائد المهمة في مسألة ﴿تبارك الذي﴾؛ كلمة ﴿الذي﴾ لما يذكرها الله سبحانه وتعالى عن نفسه، لو أنت جعلت بحثاً أو رسالة، جمعت فيها: الله الذي، أو إن ربكم الله الذي، أو مثلاً الحمد لله الذي، كلمة ﴿الذي﴾ هذه تجمع فيها محامد الله وأفعاله. نحن نتكلم يا شباب عن الإيمان بالله؛ الإيمان بالله هو أن نؤمن به، أن نحبه، أن نعظمه، أن نكبره، أن نسبحه، أن نشكره، أن نخلص له، أن نرجوه، أن نخافه، أن نتوكل عليه، أن نخشاه، أن تخبت له قلوبنا. كل هذا كيف سيحصل؟ سيحصل بأن نجمع محامد الله وأفعاله. وكيف نجمعها؟ ليس لنا طريق إلا هذا الوحي. أضرب لك مثالاً: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهُ الَّذِي﴾، هذه الـ ﴿الذي﴾ لو أنت جمعتها من القرآن، أنت بتجمع محامد الله وأفعاله. ربنا يعلمنا عن نفسه؛ ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُم عَنكُمْ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.

كلمة ﴿الذي﴾ معناها أن الله يعلمك عن نفسه، عن آياته، عن نعمه، عن أسمائه، عن محامده، عن أفعاله، عن سننه. فربنا هنا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾، يبقى ربنا يذكر أفعاله ومحامده؛ ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، قلنا نزله منجماً ونزله على عبده، لأن الله يصطفي ويختار؛ ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.

أمره على من يشاء من عباده ليكون للعالمين نذيرا. فذكر الله سبحانه وتعالى أنه أنزل هذا الفرقان لينذر. أنزله على عبده، كلمة عبده هذه لا بد أن أقف معها؛ عبده يعني ماذا؟ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد لله قبل أن يكون رسولا، وهؤلاء الذين يدعون أن يكونوا للمتقين إماما هم عباد الله قبل أن يكونوا أئمة، وهذه فكرة مهمة لأن أحيانا طالب العلم يقع في نفسه أمر أنني أهتم بالدعوة والتعليم والإصلاح والنفع المتعدي وهو ينسى نفسه من العبادة. لا، أنت عبد الله، ولذلك الملائكة قالت لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42]. بماذا اصطفاك؟ للعبادة: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. ولذلك ربنا يذكر كثيرا عن الأنبياء كما يذكر دعوتهم، يذكر دعاءهم وصلاتهم.

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن داود خير الصلاة صلاة داود». وكان يحكي أن داود عليه السلام كان الخدم أو الذين هم الأتباع له أول ما يصلحون السرج على الخيل وهو يقرأ الزبور كاملا وهم لسه ما وضعوها على الخيل، ليذكر عبادته، كان ملكا وكان نبيا ومع ذلك العبادة لله. يبقى كلمة عبد لا بد أن يكون لها أثر، لم يقل هنا رسوله، ربنا قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ﴾ [التوبة: 33]، هل هنا قال الرسول؟ لا، قال عبده، لأن هذه السورة تذكر صفات أو خصال عباد الرحمن. تمام كذا يا شباب؟ يبقى هذا أمر مهم جدا، ولذلك ربنا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1]، يعني ما تتعجبوا من هذا، ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: 2]، وسيدنا نوح قال: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: 63]، فهذا أمر مهم جدا في كلمة حمد الله تبارك وتعالى.

قلنا الفرقان، ربنا سبحانه وتعالى قلنا الفرقان هو تمييز بين شيئين، زي فرق الشعر، واحد شعره هكذا، فرقه يعني جعل هنا شقا وهنا شقا. فأنا أريد أن أفهم التفريق هذا بالنسبة للقرآن ما هو؟ فالمعاني المذكورة في هذا التفريق: إما أن يكون التفريق في الإنزال، نزل فصلا بعد فصل وآية بعد آية، أو نزل فرقانا بين الحق والباطل، تمام؟ هذه مهمة جدا. ربنا سبحانه وتعالى أحيانا يذكر القرآن بأنه كتاب أو قرآن أو هدى أو نور أو تبصرة أو تذكرة أو شفاء أو رحمة أو أحسن الحديث أو متشابه أو مثاني أو بشرى أو مبين أو ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]، كل آية لها شيء. لماذا أنا أقول لك ذلك؟ حتى تلاحظ هذه الصفة في السورة، مثلا لما ربنا يقول في سورة النمل هدى وبشرى، يبقى أنا لا بد أن ألاحظ معنى الهدى ومعنى البشرى.

مرة ثانية كلمة حكيم، قلنا إن فيه فرقا بين حكيم ومبين؛ مبين في السور التي جاءت بقصص وأنباء، وحكيم في السور التي جاءت تتكلم عن حكمة الله في خلقك، زي سورة يس مثلا: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1-2]، كذلك سورة يونس وغيرها، سورة لقمان. السور التي يأتي فيها المبين زي سورة القصص، سورة النمل، سورة يوسف، تجد أن هذه السور يأتي فيها الأنباء كثيرا، فهذه مهمة جدا. أنا بقى يا شباب لما آتي لوصف القرآن بأنه فرقان، لماذا فرقان؟ لأن الله سبحانه وتعالى نزله مفرقا، وفرق فيه بين الحق والباطل، فكل شبهة ذكرها أولئك عن الله أو عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن القرآن أو عن الإنذار، الله سبحانه وتعالى أبطلها، وإن شاء الله هذا سيأتي معنا في خلال السورة.

طيب نكمل، تفضل. يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. يقول تعالى ذكره: تبارك الذي نزل الفرقان الذي له ملك السماوات والأرض، فالذي الثانية من نعت الذي الأولى، وهما جميعا في موضع رفع، الأولى بقوله تبارك، والثانية نعت لها. ويعني بقوله الذي له ملك السماوات والأرض: الذي له سلطان السماوات والأرض ينفذ في جميعها أمره وقضاؤه، ويضيف كلها أحكامه. يقول فحق على من كان كذلك أن يطيعه أهل مملكته ومن في سلطانه ولا يعصوه، يقول: فلا تعصوه، يقول: ولا تعصون نذيرا إليكم أيها الناس واتبعوه واعملوا بما جاءكم به من الحق.

نعم، طيب ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، بدأ بالثناء على نفسه بأنه نزل هذا الفرقان على عبده لينذر به، حتى لا يأخذ الناس قبل الإنذار، لئلا يكون للناس على الله حجة، يبقى هذا الإنذار أيضا من رحمة الله. ﴿الَّذِي لَهُ﴾، يعني الذي نزل هذا الفرقان هو الله الذي له، كلم هنا عن جهة الملك، الذي له ملك السماوات والأرض. لاحظ كذا ذكر أربعة أمور أريدك أن تركز فيها فقط لكي ترى طريقة القرآن في البيان، الذي نزل الفرقان، هو ده محل النزاع بين النبي صلى الله عليه وسلم وقومه، هو يقول: هو من عند الله، هم يقولون: لا، أنت افتريت هذا القرآن. فبدأ الله سبحانه وتعالى بأنه نزله على قلبك ونزله عليك حتى لو كفر كل الناس به.

لاحظ كذا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، لو لاحظت ستجد أن الأمر الأول يقرون به، والأمر الأخير يقرون به، والأمر الذي في المنتصف هو محل النزاع. فربنا بدأ بأمر محكم متفق عليه وأنه له ملك السماوات والأرض، ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: 84-85]، يبقى هم يقرون بهذا صح؟ لكنهم يجعلون لله ولدا، يجعلون له شريكا، صح؟ ختمت بماذا؟ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]، هذه الآية وحدها هي أول فرقان؛ لماذا؟ لأن هذه الآية ذكرت الحق وأبطلت فعل هؤلاء. الحق أن الله وحده الذي ملك وخلق، فهو رب الناس وملك الناس وإله الناس، وأبطلت أنهم جعلوا له شريكا في الملك يدعونهم ويتقربون إليهم يرجون منهم الضر والنفع، وكذلك ادعوا لله الولد سواء اليهود أو النصارى أو المشركون لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله تبارك وتعالى، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وفي قراءة: "الذين هم عند الرحمن إناثا".

وأيضا قالوا عزير ابن الله، اليهود، والنصارى قالوا المسيح ابن الله. فربنا سبحانه وتعالى بين أن الذي له ملك السماوات والأرض كيف يكون له ولد؟ هل الإنسان يملك ولده؟ لا، فيبقى ربنا بدأ في هذه الآية بأول فرقان، وهو الفرقان في أمر التوحيد وإخلاص العبادة لله، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، تمام، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، هم يقرون بهذا، لا يمكن أن يكون له ولد ولا أن يكون له شريك في الملك. يبقى هذا أول فرقان في الآية، أول فرقان في السورة هو في حق الله تبارك وتعالى في أنه رب الناس وإله الناس وملك الناس تبارك وتعالى. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهم يقرون بذلك، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، زي ما ربنا قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100].

هي دي كذا، ذكر المقالة وأبطلها، ذكر المقالة وأبطلها، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، لأنه لو كان له شريك في الملك يبقى ليس له الملك، لا بد أن ينفرد به، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 1-3]. لاحظ بقى ركز كذا، نحن قلنا ربنا سبحانه وتعالى يذكر في هذه السورة الحق ويذكر فعل هؤلاء المشركين تجاه هذا الحق، فماذا قال الله بعده؟ ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: 3]. يبقى هذا فرقان في أمر توحيد الله وإخلاص الدين له وقطع شبهة هؤلاء، وبيان أن هؤلاء لأن أصلا هذه السورة تبين ماذا يا شباب؟ تبين أن كل شبهة جاءت بها المشركون دحضها الله. فبالتالي طبيعي جدا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]، ليس له حجة.

وفي آية جميلة جدا يا شباب في سورة يس فيها معنى عظيم جدا، ربنا يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 77-79]. لا، قبلها ربنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 71-72]، تمام؟ ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: 74-75]، يعني ماذا؟ يعني الصنم لا يقدم له أي شيء وهو جالس يدافع عن الصنم، يدافع عن الصنم ويقاتل عنه وهو لا يقدم له شيئا. فربنا هنا يقول: الرب الذي له كل هذا، هؤلاء لم يعبدوه ولم يوحدوه، والصنم الذي لم يقدم لهم أدنى شيء يعبدونه ويتقربون إليه ويدافعون عنه. فربنا يبين هنا أن هؤلاء ليس لهم أي حجة، وإنما اتخذوا إلههم هواهم، ولذلك ربنا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]، يعني واحد اتخذ إلهه هواه، مهما جئته بحجة لا ينتفع بها. يبقى هذا هو الفرقان الأول، وهو في حق الله. الآن لم يأتِ الكلام لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن القرآن ولا عن الدار الآخرة، صح؟ الكلام هنا عن الله، فأول فرقان في السورة في أعظم حق على العباد وهو حق الله أن يعبد وألا يشرك به شيء.

تفضل أحمد، يقول: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان: 2]، يقول: تكذيبا لمن أضاف إليه الولد، وقال الملائكة بنات الله، ما اتخذ الذي نزل الفرقان على عبده ولدا، فمن أضاف إليه ولدا فقد كذب وافترى على ربه. ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، يقول: تكذيبا لمن كان يضيف وجوهه إلى الأصنام ويعبد من دون الله من مشركي العرب، ويقول في تلبيته: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه. ممكن نفتح قليلا عشان بدأ الحرب يجي، يقول هذا القول ما كان لله من شريك في ملكه وسلطانه فيصلح أن يعبد من دونه. يقول تعالى ذكره: فاعبدوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم، الجأوا وخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس، فإن كل ذلك خلق خلقه في ملكه، ولا تصلح إلا لله الذي هو مالك جميع ذلك.

وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: 2]، يقول تعالى ذكره: وخلق الذي نزل على محمد فرقان كل شيء، فالأشياء كلها خلقه وملكه، وعلى المماليك طاعة مالكهم وخدمة سيدهم دون غيره. يقول: وأنا خالقكم ومالككم فأخلصوا لي العبادة دون غيري. فقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، يقول: أنت تلاحظ أن السورة هذه بدأت، تبدأ بالفرقان مع أنها تذكر الحق وحججه وتذكر الباطل وتبطلُه، لأن الله يحق الحق ويبطل الباطل. كذلك فربنا هنا أحق هذا الحق، يعني ماذا أحق هذا الحق؟ يعني ذكر براهينه، لأنك أنت ممكن تتخيل تقول طب أنا كمسلم، أنا أعلم أن الله سبحانه وتعالى له هذا الحق، لا فرق بين أن تولد مسلما وأن تعلم لماذا أنت مسلم، هذه فكرة مهمة جدا. لأن بعض الناس يا شباب هو مؤمن لكن ليس على بينة، ليس عنده يقين يذهب الشك، وليس عنده تقوى تحمله على الطاعة، تمام؟ وليس عنده محكمات تدفع الشبهات، فبالتالي ممكن يسمع واحدا في فيديو خمس دقائق يوقعه في بدعة، في كفر، يشككه في دينه. فلا بد أن تفهم هذا المعنى، يا شباب: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ [الأنعام: 57]. ربنا سبحانه وتعالى يا شباب يقول هذا المعنى العظيم، ركز كذا: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾، ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]، فمن كان على بينة من ربه، ما معنى هذا؟ أنك على بينة، على هدى، على بصيرة، يعني أنت على الحق وموقن أنك على الحق، لأنك أنت ممكن أصلا تكون على الحق صح، بس تعبد الله على حرف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ [الحج: 11]، هو يعبد الله بس على حرف.

ولذلك ربنا يتكلم عن التأسيس: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: 109]، يبقى البنيان مؤسس، ظاهر منه شيء، لكن تحته واحد يريد أن يطلع بعمارة مئة دور، يبقى لا بد أن يدخل تحت في الأساسات، كلما كان الأساس عميقا وواسعا فثابت، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ [إبراهيم: 24-25]. يبقى أنت ممكن تقول طب أنا أعرف كل هذه الأشياء، لماذا أدرسها؟ تدرسها حتى تزداد يقينا، ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، لأن الاطمئنان هذا هو أصل المسارعة في الخيرات، لذلك ربنا بين من الذي يتردد.

المرتاب لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. الإنسان المتقي المؤمن الموقن بأول ما يسمع بالجهاد يقول له: بعد إذنك ممكن أطلع معاك أجاهد؟ هو عارف أنه المخاطب بذلك. أما من يخاطب ربنا؟ إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون، أروح ما أروحش، طب كذا طب كذا. إذاً اليقين مسارعة، والشك إبطاء؛ أنك إذا كنت موقناً ستقدم. ولذلك ربنا قبل أن يبعث موسى إلى فرعون أراه الآيات: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ﴾ [طه: 23-24]. فيبقى أنت لازم تفهم أن الله سبحانه وتعالى لما يذكر لك براهين إخلاص الدين له ويكلمك عن نفسه هذه مش أمور تكميلية تقول طب ما أنا عارف، لا مش عارف، أنت يجب أن تزداد يقيناً في الإيمان بالله ويجب أن تزداد علماً بالله حتى توقن بأنك على حق وحتى تقدم.

دلوقتي طالعة فكرة بين الشباب نسبية الحق، اللي هي: والله إحنا على حق بس ممكن نكون غلط، احتمال. فاهم؟ ودي أصلاً فكرة الليبرالية، اللي هي الليبرالية الدينية هي أصلاً أول ليبرالية جت، اللي هي فكرة نسبية الحق. طب نسبية الحق دي حاولوا يعملوها ليه؟ جون لوك وغيرهم من الفلاسفة بتوع الفترة دي قالوا لك عشان الحروب اللي بين الناس؛ لأنهم بيتصوروا أن الحرب جاءت بسبب اليقين الذي عندك، فبما أنك على يقين فأنت تقاتل؛ فبالتالي يذبذبوا لك دي ويقولوا لك: لا، أنت مش لازم تكون على الحق، ممكن يكون غيرك على الحق. تمام، فيبقى أنت مسلم بس والله اليهود والنصارى ممكن يكونوا صح برضه، احتمال، بس أنا مسلم يعني شايف أني صح. هذا من أعظم ما جاء القرآن ليبطله؛ القرآن جاء حتى لا يبقى في قلبك ذرة شك، لأن كل ذرة شك ستضعفك عن العمل فيمحو عندك ذلك.

أضرب لك مثالاً عشان تفهم فكرة ذرة الشك دي، لما النبي الكريم صلى الله عليه وسلم معه هذا القرآن العظيم المبارك، هو من عند الله وهو موقن بأنه من عند الله. طب هذا القرآن من عند الله، فلماذا يكفر به الناس؟ هل يجب أنه مادام من عند الله وحق أن يؤمن به الناس؟ فربنا ماذا قال؟ ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ [هود: 17]. طب بقي تفسير، إذا كان هذا القرآن لا ريب فيه ولا مرية فيه، طب ليه أكثر الناس لا يؤمنون؟ ربنا قال له: آه، ما هو أكثر الناس لا يؤمنون دي سنة معروفة، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. فيبقى لازم تفهم أن القرآن جاء لتزداد يقيناً في أنك على حق، وتزداد يقيناً في أن كل ما دون الإسلام على باطل. الاثنين دول مع بعض: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]، الاثنين مع بعض: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].

فتلاحظ كده أن الله كما أقام البراهين والبينات على الحق بكل تفاصيله، أقام البراهين على إبطال كل باطل. ولذلك موسى عليه السلام لما ألقى عصاه الناس عرفوا بس أنه على حق؟ لا، عرفوا أن السحر على باطل، صح ولا لا؟ لذلك ربنا ماذا قال لموسى في هذا السياق، ركز كده في سورة يونس: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81]. طب ما الآية كده خلصت؟ قال لهم: لا، دي سنة الله، دي سنة الله: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾، فيبقى دي مش خاصة بموسى، لا هو ربنا يحق الحق ويبطل الباطل. فيبقى أنت كمسلم ممكن تتصور –طبعاً لأن أنا بحط نفسي مكان الشاب اللي عمال يسمع الكلام ده- فيقول: يا عم ما إحنا سمعنا الكلام ده كتير. لا يا حبيبي هذا هو الكلام الذي ينبغي أن تكثر من سماعه، لأنك تحتاج إلى هذا اليقين، أنت عايز تزوده، لأن كل ما ازداد هذا اليقين علمت أنك على بينة ولا بد أن ينعكس اليقين عملاً.

ولذلك مين أكثر الناس تقوى؟ أكثر الناس علماً. النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ هل قال أنا أتقاكم لله فقط؟ لا، قال: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية». الاثنين. فكلما ازداد الإنسان لذلك يقول: «لو علمتم ما أعلم»، لأن إحنا لسه عندنا ما نعلم، فمش ممكن نوصل لما هو عنده؛ لأنه ليس عندنا ما يعلم. «لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً». بس إحنا لا نعلم، هو علم لدرجة أنه رأى الجنة والنار. يبقى كلما ازداد الإنسان علماً مفصلاً كان موقناً، ولا بد أن يزداد عمله؛ مش ممكن يزداد اليقين ويبقى العمل كما هو. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن في الجسد مضغة»، شوف يبين هذا التناسب، إذا صلحت تلقائياً صلح الجسد، تلقائياً من غير ما تشعر. يعني أنت ممكن ما تحسش بالشعور ده، أنت لا تشعر بأنك زدت علماً فزدت عملاً، لا، هو ده شيء تلقائي؛ إذا كان الإنسان يزداد يقيناً بأمر ما لا بد أن يزداد عملاً. ولذلك الصحابي اللي قال للنبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر: ما لي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال له: «جنة عرضها السماوات والأرض»، خلاص انتهت، قتل حتى قتل.

فيبقى لازم تفهم أن هذه الآيات التي تتلى عليك فيها براهين وآيات الله ونعم الله ومحامد الله، دي مش مجرد تكرار تقول: يا عم ما إحنا عارفين أن ربنا... لا، أنت يجب أن تعلم ذلك مفصلاً، لازم تعرفه مفصل؛ لأن كل معلومة بتعلمها عن الله بتنعكس، مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري قال: «إن عبداً أذنب ذنباً فقال: أصبت ذنباً فاغفر لي، قال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي». يبقى العبد عارف حاجتين: أن ربه قد يعاقبه بذنبه ويأخذه، وأنه كذلك يغفر الذنب. فالمعلومتين دول خلوه يتوب، وهو ده معنى قول الله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. أهو يعلمون ده! يبقى لازم تفهم ده، الراجل اللي قتل 99 نفساً لما عرف أنه ماله توبة دي معلومة غلط، عمل إيه؟ كمل 100.

فلازم تفهم أن اللي أنت بتدرسه بهذا التفصيل ده مش ترفيه أو "يا عم إحنا عارفين"، لا مش عارف! أنت يجب أن تعلم ذلك مفصلاً، لأن الله لما يذكر لك علماً يبقى معنى ذلك أن هذا هو أهم العلم. فلما يقول لك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: 1]، تبقى تقول: آه يا اللهم لك الحمد، مش بس عشان ربنا نزل الفرقان، على أنه هداني أنا لهذا الفرقان. طب هو مش ربنا نزل الفرقان وأكثر الناس معرضون عن هذا الفرقان؟ وأكثر الناس الفرقان بالنسبة لهم شفاء ولا عمى عليهم؟ عمى وخسارة. ولذلك ربنا يجمع الاثنين يقول: ﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ [النور: 35]، فانت تقول يبقى لازم كله يشوف، يقول لك: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور: 35]، وكذلك ﴿أَنزَلْنَاهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، فتقول يبقى كله هيشوفها؟ لا، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فإذا كنت أنت ممن هداهم الله لهذا الكتاب كيف لا تقدر هذه النعمة؟ تفتح المصحف عادي كده كأنه أمر عادي، لا مش عادي، مش عادي من اتجاهين: أن الله أنزل هذا الفرقان والهدى فهي أعظم نعمة، وأنه هداك أنت لهذا الهدى.

ولذلك ربنا يقول للنبي عليه الصلاة والسلام، شوف المعنى العظيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: 87-88]. الذي هُدي لهذا القرآن لا ينبغي أن يرى أحداً أعظم نعمة منه، لأن هذا هو الفضل الذي يختص الله به من يشاء. فيبقى يا شباب لا تمل من هذا، ولا يضحك عليك الشيطان ويخدعك بأنه "أنا عارف، يا عم ما إحنا عارفين"، لا، أنت يجب أمرين: أن تتعلم أكثر، وأن تتذكر؛ لأن ممكن تكون عارف المعلومة لكن نسيتها، وده معنى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55].

فإذا كان الله –ركز بقى في المعنى ده– إذا كان الله ثبت نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في مدة البعثة من أولها إلى آخرها، اللي هي حوالي 23 سنة، بقي يتعاهده ويربيه بالعلم والهدى والبشرى والتثبيت والبيان، ويعلمه كيف يجيب، إحنا مش هنحتاج ده؟ يعني إذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ربنا يقول: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: 74]، وربنا يقول: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]، ويبشره وينذر، ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان يحتاج إلى هذا طبعاً، كان يحتاج إليه. طب أمال إحنا؟ ده إحنا أفقر الناس إليه. فيبقى أنت تزداد علماً منه وتحتاج إلى تذكرة، أنك تبقى ذاكراً له عشان ما تبقاش غافل عنه، وهو ده معنى يا شباب أن وصف القرآن بأنه ذكرى، فوصف القرآن بأنه ذكرى ليه؟ لأن الله يريد منك ألا تغفل عنه.

ده الفرق بين أننا كنا بندخل مثلاً امتحان الجغرافيا أو التاريخ، ممكن أجيب 100 من 100 وتاني يوم أنساه، ليه؟ لأني اختبرت وعايز أنجح بس. لكن هل المعلومات العلمية الدينية هي معلومات مرحلية بحيث أنك تأخذها وتنجح فيها وتنساها؟ لا، أنت تريد أن يحفظ الله لك العلم، ولذلك الله سبحانه وتعالى بشر النبي بأمرين في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، طمأنه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، سنجمعه في قلبك ونسره على لسانك. فيبقى خلاص كده، فيبقى أنت تريد أن يبقى القرآن في قلبك وعلى لسانك لحد ما تلقى الله به، فيبقى ده محتاج إيه بقى يا شباب؟ محتاج زيادة علم وذكر. كم واحد درس كتب وتبخرت من مخه نسيها؟ كم واحد حفظ القرآن ومش قادر يجيب الآية في الموضع الفلاني؟

يعني أبو بكر لما النبي عليه الصلاة والسلام توفي وبعض الصحابة زي عمر قال: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، طب ما في آية مذكورة، موجودة، يعني كتير حافظينها وقرأوها بس لم يستحضرها، أبو بكر جاء بها في موضعها تماماً: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]. هل هذه الآية يا شباب كان الصحابة بعدها كما كانوا قبلها؟ ولا الموضوع أزال كل شيء؟ كانت شفاء ولا لا؟ هو ده المقصود. فيبقى إحنا لما نتعلم ونتدارس ونتذكر ونراجع القرآن ونثبته، عايزين إيه؟ عايزين بس أننا نسمعه؟ لا، نريد أن يشفينا الله به ويبين لنا في الموضع الذي نحن محتاجينه، فإنا محتاج هنا أسمع الآية دي وأتذكرها.

محتاج هنا عمر بن الخطاب، الرجل اللي هو عيينة بن حصن قال له: أنت لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، راجل قليل الأدب، وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين وقوي وقادر عليه بكل شيء، يعني الراجل في قمة الضعف وعمر في قمة القوة والتمكن من كل جهة، سواء من قوته أو من منصبه، آية واحدة سكنته: الحر بن قيس قال: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وهذا من الجاهلين. قال ابن عباس: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها الحر، وكان عمر وقافاً عند كتاب الله. وقافاً يعني الآية تيجي شفاء. شفت الآية عملت فيه إيه؟ غيرته إزاي؟

وأبو بكر رضي الله عنه لما حلف أن هو لن ينفق على مسطح -تكلم في عائشة رضي الله عنها- فقال له: يعني أنا بصرف عليك وأنت تتكلم في بنتي وتتلقى الأخبار؟ وتلقى ربنا أنزل الآية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22]، شوف الآية، شوف الآية بتقول تحلف بالله أنك ما تعملش الخير بعدين، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. مش أنت لما بتغلط بتحب أن ربنا يغفر لك؟ طب ما أنت اغفر له. ماذا قال أبو بكر؟ قال: والله لا أقطعها عنه. شفت الآية؟ فيبقى إحنا يا شباب مش بنتعامل مع آيات نقعد نرص: "حافظ 20 سورة، حافظ 30 جزء"، لا، لا، إحنا بنتعامل مع آيات ربنا أنزلها لنا: بشرى، هدى، فرقان، بينات، نور، بصيرة، فإذا لم تنل بركة كل اسم من هذه الأسماء يبقى أنت ما تعرفش ليه ربنا أنزل القرآن.

وكان الحسن البصري يستغرب، يقول لك إيه؟ كان يعدي يلاقي مجموعة كده من الناس زي دلوقتي كده متجمعين وواحد يقول له: "أنا هجيب لك الفاتحة في نفس واحد"، كان يقول لهم: يا جماعة هو ربنا نزلها عشان تجيبها في نفس واحد؟ يعني هو في.. وكان يستغرب منهم، أنتم بتعملوا إيه؟ ده هو ربنا أنزلها شفاء، هدى، نوراً، بركة، فلما أنت ما تنلش منها ده... حتى البشرى، كتير من الناس ليه معقد في نفسه؟ صح بيسابق في الخيرات بس دايماً متشائم، دايماً فاكر أن ده جزء من الإيمان على فكرة، أن هو دايماً يائس، دايماً بيقول لك: "أنا أحقر عباد الله، أنا كذا"، لا يا حبيبي، القران كما أنه هدى، بشرى، يبشرك. ولذلك في أصعب الظروف في سورة يونس ربنا قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: 87]، وفي الموضع ده كده الذي...

أنتم خائفون، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي نعم، لأنك مؤمن فبشره؛ إذًا أنت تحتاج إلى البشرى، وفي مرة ستحتاج الفرقان، ومرة ستحتاج الرحمة. كل اسم من أسماء القرآن أنت تحتاج أن تتعرض لبركته. إذًا لما ربنا يفصل لك، ما تجيش تقول: يا عمي طب ما ده موجود في سورة كذا، أيوه؛ فهو ربنا يزيدك علمًا ويثبت عندك العلم، ويريد أن تبقى ذاكرًا للعلم. ليه يا شباب؟ أنت عارف كان زمان عندنا الستات في الشرع يقول لك: ربنا يكفيك شر الغفلة، ساعة الغفلة. عارف الغفلة دي يعني إيه؟ الغفلة دي هي اللحظة التي تنسى فيها ما كان ينبغي أن تتذكره، فيتسلط عليك الشيطان.

وده المعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. صحابي النبي عليه الصلاة والسلام يدعوهم في أخراهم، هم يجروا ولا يسمعوه. صحابي ممكن يعمل كده! يقول: أنا عملت كده؟! يعني الغزوة شغالة والنبي عليه الصلاة والسلام بيقول لي تعال، وأنا سايبه؟ إزاي أنا عملت كده إزاي؟ أنا ممكن أعمل كده! هي بقى ساعة الغفلة دي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۗ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾.

إذًا يا شباب نحن نريد أن نزداد علمًا ويقينًا، ونريد أن نبقى ذاكرين لهذا العلم فلا نغفل عنه، ونريد أن ننقل هذا لمن بعدنا؛ فهو ده معنى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. كما أن من الكفار من يثبت الكافرين على كفرهم: ﴿لَوْ أَن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾، ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾، شفت العناد ده؟ ﴿وَلَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ﴾، شفت الجودة في المقابل؟ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، اجعلنا أئمة هدى، نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا. ده تفسير البخاري الجميل جدًا، تفسير بديع والله. الكلمة دي، يعني الآية دي فسرت بمعاني كثيرة، بس تفسير البخاري دقيق جدًا، بيقول يعني: اجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا؛ فنكون حلقة في هذه السلسلة المباركة، سلسلة الصالحين المصلحين الهداة المهتدين.

فأنا هاخد منهم وهدي للي بعدي، فيبقى أنا اقتديت بهؤلاء الهداة واقتدوا بي، وكنت سببًا في هداية هؤلاء. أريد من الأبناء أن ينشؤوا في طاعة الله، وأريد من الشباب أن يستقيموا على هدى الله، وأن ننال أجرًا. بصوا يا شباب، هل ربنا سبحانه وتعالى بدوننا سيتم نوره؟ طبعًا والله متم نوره. طب ما احنا ماذا؟ نريد أن يكون لنا نصيب في إتمام هذا النور، بس، إنما هي سفينة نوح واقفة على حد، هي ماشية، بس نحن نريد أن يتم الله نوره بنا، وأن نكون ممن أتم الله بهم نوره. شوف الأمر ده العظيم ده: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾.

فاللي بيدخل بالنية دي عمره ما يستكثر أبدًا العلم. يقول لك: أصلاً أنا بقعد كم ساعة؟ يعني واحد يقول لي: أنت بتقعد بالشباب كم ساعة؟ قلت له: يا عم ده أبسط ما يكون، يريد بس الإنسان يهلك عمره في هذا. يا ما شباب قاعدين بيقعدوا على التليفونات ويقعدوا على الفيسبوك والأشياء بالساعات الطويلة، فمن ادخر له الله ماله وجهده ووقته في الخير ده يحمد الله. ده أنت في مقام الشكر، عمال تفكر نفسك بتتعب، ده أنت تحمد الله أن في الوقت اللي فيه ناس ملحدون وكفار وبيعملوا فواحش، ربنا اختارك عشان تجلس مع كتابه وتتدبر في هذا الكتاب وتتدارس، وتقعد بقى نفكر في الآية دي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، ما معنى الفرقان؟ طب ما هو ده، هذا هو الذي يستحق.

واحد يقول لك: أصله أخذ جائزة نوبل، يعني الناس يا شباب لا تستكثر ما فعله هذا الشخص عشان يأخذ جائزة نوبل مثلًا، أو جائزة كبيرة في تفصيلة معينة حتى لو قضى فيها 50 سنة، بينما لما يتدبر في هذا الكتاب الذي أنزله الله أصلاً لذلك، يقول لك: ده تضيع وقت. ليه؟ لأن هؤلاء محجوبون عن هذا النور، فطبيعي جدًا، أنت كيف تفسر كيف تشرح للوضيع مقاصد الشريف؟ مش ممكن. واحد يقول لك: إزاي فلان الفلاني ده يروح يصرف مثلًا في الحج 100 ألف دولار؟ طب ما كان عمل بهم كذا وكان... أيوه ما أنت تصورك كده عن الحياة هنعمل لك إيه، ما بتفهمش مشكلتك أنت.

لا يصعب جدًا يا شباب، يصعب جدًا أن يتصور الإنسان المحتال كيف يتصرف الصادق، لأن هو محتال اتعود على اللف والدوران، فمش هيفهم ده؛ فاهم، يعني مش هيفهم أبدًا أنك أنت ممكن تشتغل 10 سنين عشان تطلع عمرة، تشتغل 10 سنين عشان تجيب كتاب. أيوه ما عندوش مشكلة هو، أنت ما عندكش مشكلة لأنك تعرف قدر هذا، إنما هو لا يفهم هذا. فلذلك ربنا سبحانه وتعالى إذا أنار الله بصيرتك على أمر ما، أنفذ في هذا الأمر، وأعظم هذه الأمور يا شباب العلم. والله العظيم لو علم الشاب قدر العلم في ثباته واستقامته لم يستكثر أبدًا ما يبذله في العلم.

لكن للأسف كثير من الشباب حتى اللي انضموا للبرامج العلمية يكلمك عن الإصلاح ويكلمك عن الثبات، ولا يفهم منزلة أن تكون عالمًا بالله عالمًا بكتابه، تعرف الآية فيما نزلت وفيمن نزلت. هتجيب لي واحد يقرأ القرآن ولا يعرف الآية نزلت في مين ولا نزلت ليه، ولا إيه الرسالة اللي فيها، ولا إيه علاقة أول الآية بآخرها، لواحد يطلب هذا، فرق كبير جدًا يا شباب: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾.

إذًا ليه قدمت لك ده؟ لأني أعرف أن الشاب يمكن أن يخطر بباله: طب ما احنا درسنا الكلام ده في كتب في سور أخرى. أيوه ما أنت المفروض كده، هو أنت المفروض أن تزداد إيمانًا وعلمًا بالبراهين، تمام، عشان يطمئن قلبك، وحتى تبقى ذاكرًا، وحتى تلقى الله بهذا، ولا تكون ممن يعبد الله على حرف؛ أول ما تصيبه فتنة ينقلب على عقبيه. تجي له مصيبة ينقلب، تجي له فتنة يفتن. زي ما حكيت لكم كده الإمام أحمد اتعذب، الرجل الإمام أحمد قال له: مش أنا لسه ربنا حفظني من الكفر؟ قال له: آه، قال له: خلاص أنت زعلان ليه؟ طب ما كده تمام. لكن احنا يا شباب بنتعرض لفتن كبيرة جدًا ومصائب كبيرة جدًا وأحداث ونوازل، إذا لم يكن الإنسان على علم وبصيرة ويقين، أقسم بالله أنا بشوف ناس كثيرة من الشباب، بشوف العبارات اللي بيكتبها: أنت فين يا رب من هذا اللي بيحصل؟ وأنت شباب طلاب علم! مفروض يعني إيه يا رب كده ويقعد يفكر إزاي ربنا يسمح بأن الطفل الفلاني الجميل الكتكوت ده أنه يقع عليه البيت؟ فاهم، ده ليه؟ أنه لم يعلم عن الله ولا عن سنن الله، فصدر منه هذه الأقوال وهذه الأفعال.

من الناس ما يقول: آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله. يعني أبو بصير عشان تفهم بس معنى الثبات، أبو بصير ده اللي تخلص من المشركين وجاء للنبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، قال له: لا احنا مش هناخدك. بالله عليك هذا الموقف لو كان هذا الرجل ليس على يقين وعلى علم بالله، كان عمل إيه؟ كان كفر، كان كفر بالله. بقى أنا عملت كل ده عشانكم وعشان الإسلام وأنت تقول لي أنا أصل في شرط بيني وبين المشركين؟ صح، لكن هو ماذا فعل؟ سلم لحكم الله ولحكم رسوله، فاهمين يا شباب المعنى ده؟ فاللي أنا عايز أقوله لك أن أنت ما تفكرش أن ما معك من العلم وشوية العبادة اللي احنا بنعملها ده كفيل بأن احنا نثبت، لا الإنسان يحتاج أن يزداد من هذا حتى يلقى الله ثابتًا.

تفضل أكمل. ﴿بِكَ وَقَوْلُهُ: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، يقول: فسوى كل ما خلق وهياه لما يصلح له فلا خلل فيه ولا تفاوت. القول في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.

إذًا أول فرقان في إحقاق الحق، وهو أعظم حق؛ حق الله على العباد، وإبطال أعظم باطل؛ وهو الشرك؛ لأن الإنسان كما يتعلم أعظم حسنة وهي التوحيد، يتعرف على أعظم سيئة وهي الشرك. ما هو لما النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». إذًا كما، يبقى ربنا ثبت هنا أول حق، وأبطل أعظم باطل وهو الشرك. يقول تعالى ذكره مقررًا مشركي العرب بعبادتهم ما دونه من الآلهة، ومعذبًا إياهم منهم، ومنبههم على موضع خطأ فعلهم وذهابهم عن منهج الحق، وركوبهم من سبل الضلالة ما لا يركبه إلا كل مذكور الرأي مسلوب العقل.

أيوه لذلك في الآخر سيقول: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، هو أصلاً دي المقدمة عشان توصل للخاتمة دي. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، هو ده، يعني إيه إلهه هواه؟ يعني ليس له أدنى حجة على ما هو عليه. ما عندوش أدنى حجة. ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾، طب الآلهة دي عملت لك حاجة كده فانت بناءً عليها اتخذتها؟ لا. ولا شيء، ولا شيء. طب أنت اتخذتها ليه؟ تركت هذا الذي فعل لك كل شيء واتخذت إلهًا لم يصنع لك أي شيء! إذًا أنت اتخذت إلهك هواك.

أفضل يقول: واتخذ هؤلاء المشركون بالله من دون الذي له ملك السماوات والأرض وحده من غير شريك، الذي خلق كل شيء. لاحظ أن كلمة اتخذ من أكثر الكلمات التي تتكرر في هذه السورة. مهم جدًا يا شباب أن أنت تلاحظ الكلمات اللي بتتكرر في السورة، مثلًا كلمة اتخذ تكررت، وزن مثلًا تفعيل: قدره تقديرًا، رتلناه ترتيلاً، كذلك كلمة ثبور، شكورًا، نشورًا، ففي أشياء معينة أنت لازم تلاحظها. كلمة اتخذ حتى لما قال: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾، ويوم يعض الظالم على يديه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. فتلاحظ أن هذه الكلمة تكررت.

ماشي، يقول: يعني أصنامًا بأيديهم يعبدونها، لا تخلق شيئًا وهي تخلق، ولا تملك لأنفس نفعًا ترتجه إليها ولا ضرًا تدفعه عنها ممن أرادها بضر، ولا تملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا نشره من بعد مماته، وتركوا عبادة خالق كل شيء وخالق آلهتهم ومالك الضر والنفع، والذي بيده الموت والحياة والنشور. أيوه شفت؟ لاحظت أنت هنا الفرقان أهو، هو ده معنى الفرقان أن الله يذكر الحق وبراهينه ويبطل الباطل وشبهاته، هو ده الفرقان. والنشور مصدر نشر الميت نشورًا، وهو أن يبعث ويحيى بعد الموت.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا...﴾. طبعًا دي إشارة كلمة نشور هي إشارة للنشر البعث اللي هم ينكرونه. نعم، القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا...﴾. أه الآن انتقلنا إلى ماذا؟ القرآن. ما احنا مش احنا قلنا أن السورة بتتحدث عن الله وعن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الإنذار اللي هو الدار الآخرة. الله ذكر الكلام عنه وعن التوحيد وعن الشرك، الآن سيذكر الله أفعال هؤلاء وأقوالهم تجاه كتاب الله الذي هو الفرقان، يعني ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. الكفار المشركون ماذا فعلوا تجاه هذه الأمور، تجاه الله والنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن؟

فبدأ الكلام عن القرآن الآن. في حق الله أشركوا، وفي حق القرآن كذبوا. ها ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا...﴾. سؤال، سورة تتنقل بين هذه الأربعة معاني، يعني ليس شرط، هي فصول، هي فصول، الآن الفصل طبعًا سيأتي الكلام عن الله مرة أخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، هيأتي تمام، لكن هي دي اللي أنت تركز فيها الآن الكلام عن القرآن. ماذا فعل هؤلاء تجاه هذا الفرقان الذي كان ينبغي أن يحمدوا ربهم عليه، وأن يكونوا أول من يؤمن به لأنه جعله بلسان نبيهم وجعله في، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾، ولذلك أول ما هم كفروا سلب الله منهم هذا الفضل وجعله في من؟ في ناس في، في هناك على بعد 400 كيلو المدينة، تمام. ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. هم كفروا فعلى طول أنت تولى ويستبدل قومًا غيركم. فتح الله لك بابًا من الخير، فإذا لم تكن أهلًا له سيسلب منك على طول، دي سنة الله تبارك وتعالى.

أفضل يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. لاحظ يا شباب لما، لما طب مش ربنا كان ممكن يقول: وقالوا، مش الكلام عنهم؟ مش ربنا قال اتخذوا؟ طب ما كان يكون وقالوا، صح؟ اعرف كده أن الضمير إذا أظهر باسم، يبقى هذا الاسم مؤثر، زي مثلًا إيه: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، طب ما كان يقول وقالوا؟ صح لا، بس هو يريد أن يبين صفة الظلم هنا ظلم. فهمت كده؟ فيبقى أول ما يسمى هذا الضمير ما يقولش قالوا، لا يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فاهم؟ زي ما أنا أقول لك إيه: كان في واحد صاحبي أحسنت إليه وأكرمته، لكن الخاين لم يصن العشرة، طب أنا لو أنا جيت قلت لك: لكن هو.

لم يصن العِشرة، ليس المعنى تامًا، ولكنني أريد أن أُبرز صفة الخيانة هنا، فهل فهمت ذلك؟ الله عز وجل يصف حالهم حين قال: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21]، لم يقل هنا الذين كفروا، ألا تلاحظ ذلك؟ هذه نقطة مهمة جدًا يا شباب؛ إن الله إذا أظهر هذا الضمير باسم، فإن هذا الاسم لابد أن يؤثر في المعنى. وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، هذا معنى؛ فمرة يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31]، ومرة سماهم مجرمين، ومرة قال: لا يرجون لقاءنا، ومرة قال: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: 8].

يقول تعالى ذكره: فقد جاءوا ظلما وزورا. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله الذين اتخذوا من دونه آلهة: ما هذا القرآن الذي جاءنا به محمد إلا أفك افتراه، وتخلصه وتقوله، وأعانه عليه قوم آخرون. ذكر أنهم كانوا يقولون: إنما يعلم محمدًا هذا الذي يجيئنا به اليهود، فذلك قوله: وأعانه عليه قوم آخرون، يقول: وأعان محمدًا على هذا الأفك الذي تراه يهود. ذكر من قال ذلك، حدثني وبإسناده عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4] قال: يهود، وبإسناد عن مجاهد مثله، وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4]، يقول تعالى ذكره: فقد أتى قائل هذه المقالة، يعني الذين قالوا: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون.

طبعًا في أثر مشهور جدًا خلينا نقرأه، روي عن مجاهد وعن ابن عباس أنهم أشاروا في قوله: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ إلى أربعة من العبيد كانوا للعرب وهم كانوا من الفرس، وذكروا أسماءهم منهم عداس مولى حويطب ويسار وكان روميًا، وكذلك ذكروا عددًا من هؤلاء العبيد، وقالوا إن النبي ﷺ كان يعينه هؤلاء على افتراء هذا الأفك، وحتى جاءت في سورة النحل، يا شباب مين يذكر الآية؟ أيوه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103].

فالأول هم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]. لماذا قالوا أعانه عليه قوم آخرون في وجهة نظرك؟ فكر كده، النبي ﷺ لم يكن يقرأ ولا يكتب، ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48]، هذا أضبط من كلمة كان أميًا؛ لأن كلمة أمي مختلف فيها، النبي الأمي يعني من الأميين الذين لم ينزل عليهم كتاب، وإن كان بعض أهل العلم قال الأمية هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكن لا أرى هذا المعنى هو الأصوب، إنما النبي ﷺ ما كان يتلو من كتاب ولا يخطه بيمينه. فهم قالوا: وأعانه عليه قوم آخرون؛ ليبينوا أنك إذا انبهرت بهذا القرآن قلت: كيف يأتي من محمد؟ لا، فأعانه عليه قوم آخرون، فقد جاءوا ظلما وزورا.

لماذا ظلما؟ ظلما يعني بالظلم، نسبته كلام الله وتنزيله إلى أنه أفك افتراه محمد ﷺ، وقد بينا في المرة السابقة أن معنى الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فكان ظلم قائلي هذه المقالة القرآن بوصفهم إياه بغير صفته. الظلم يا شباب؛ ربنا سبحانه وتعالى قال عن الجنتين: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33]، الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه في مقابل العدل، وهو إعطاء كل ذي حق حقه. ما هو الحق تجاه هذا الكتاب الذي هو هدى؟ الإيمان به والتصديق والعمل به والدعوة إليه، فهؤلاء ظلموا النبي الكريم ﷺ حيث نسبوه إلى ما هو بريء منه، وظلموا في حق القرآن حيث لم يقوموا بحقه. فالظلم هو التفريط في الحق؛ ما هو حق هذا النبي؟ أن يوقر وأن ينصر وأن يعان، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه؛ هل هؤلاء فعلوا ذلك؟ لا، إذًا هم ظلموه حيث نسبوه إلى الكذب والافتراء، وظلموا أنفسهم في حق القرآن؛ لأنهم لم يقوموا بحقه، بل كفروا به وافتروا عليه وصدوا الناس عنه.

والزور أصله تحسين الباطل وتأويل الكلام، فقد أتى هؤلاء القوم في قيلهم إن هذا إلا أفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، كذبا محسنا، وبنحو ذلك قال التأويل، ذكر من قال ذلك وبإسناد عن مجاهد: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قال: كذبًا. القول في تأويل قوله تعالى: فقد جاءوا ظلما وزورا، لاحظ ربنا سبحانه وتعالى ذكر عن هؤلاء أمرين؛ أولًا قال الذين كفروا: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]. فكان ممكن ربنا يصف أن قولهم هذا باطل، بس ربنا هنا وصفه بوصفين: فقد جاءوا ظلما وزورا.

ما معنى كلمة الظلم والزور؟ الظلم أنهم ظلموا هذا النبي الكريم ﷺ وادعوا أنه افترى وأنه ساحر وكاهن، دي خلاص عرفناها، والمعنى الثاني أنهم ظلموا في حق القرآن؛ بدل ما يتقبلوا هذا القرآن ويؤمنوا به ويعملوا به ويدعون إليه، لا، كفروا به وصدوا الناس عنه. والزور بقى يعني إيه؟ مين فكر في زور دي؟ إنهم حاولوا أن يجملوا هذه المقالة حتى يقبلها الناس؛ لأن الزور هو الباطل المحسن المزين، ولذلك ربنا في الآخر قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72].

فما معنى الزور يا شباب؟ أنهم فكروا: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: 18-19]. عمال يفكر إزاي أقول للناس؟ هذا محمد الذي لا يقرأ ولا يكتب جاء بهذا، وهذا حق، إزاي أنا أصدّهم عن هذا؟ أفكر تمام كده، هو ده الزور بقى، فمرة يقول: إن هذا إلا أفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، فبيحسن كلامه؛ لأن لو قال لهم إن هذا من عند محمد هيقولوا له: إزاي يا عم محمد لا يقرأ ولا يكتب؟ فيحاول يجمل هذا الزور حتى ينفق بين الناس. فقد جاءوا ظلما وزورا، الزور هو الباطل المحسن المزين حتى يروج على الناس، ربنا كشف هذا الزيف، وده من معنى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33].

فربنا سبحانه وتعالى امتن على نبيه أن هؤلاء الذين جاؤوا بالزور حتى يبطلوا دعوته، امتن الله عليه بأنه كشف هذا الزور وأبطله. ولذلك ماذا سيأتي بقى؟ ركز يا شباب في الآية التي بعدها عشان تفهم هذا الترابط، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها، ربنا بعد آيات ماذا سيقول؟ ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 9]. قعدوا يشبهوك: مرة يقول لك كاهن، مرة ساحر، مرة مجنون، الأمثال الأشباه؛ عايزين يشبهوه، هو كان إنسان عادي معانا، فجأة طلع قال: أنا معي القرآن من عند الله. طب ده إيه؟ ما الناس عايزين يعرفوا تفسير هذه الظاهرة إيه، فرعون قال إيه عن موسى؟ ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 57]، عشان يفسر لهم ما هو عمل حاجة غريبة، قال لهم: لا، السحرة بيعملوها؛ ففرعون كان عنده هذا القالب الجاهز، قال له: مثلك مثل الساحر، طب هم قالوا مرة كاهن، ساحر، مجنون، أساطير الأولين اكتتبها، علمه بشر، ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا، ودي لها معنيان: لن يستطيعوا أن يبطلوا حجتك، لا سبيل لهم، فكل حجة سأكشف لك دي بشرى للنبي عليه الصلاة والسلام، والثانية بما أنهم يتعاملون بهذا، فلا يمكن أن يهتدوا إلى السبيل.

إذًا كان إنسان يعلم أنه على الحق ويريد أن يصرف الناس عن هذا الحق، فهل يهدى هو إلى هذا الحق؟ إذًا هذه السورة يا شباب سورة الفرقان هي براهين الحق وإبطال الباطل، الفرقان؛ فلذلك ربنا سبحانه وتعالى قال: ذكر الأول ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4]، حتى تنفق مقالتهم بين الناس، زوروها وزخرفوها، قال لك أساطير الأولين اكتتبها؛ يعني شاف واحد يكتبها له، افتعلها، عشان يحسنوا، لأنهم لو قالوا للناس إن هذا من عند محمد سيفضحون، لذلك: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]؛ يعني من مثل محمد، هاتوا لي واحد زي محمد كده يجيب هذا القرآن، دي بعض التفاسير، والتفسير الثاني من مثل يعني من مثل القرآن، فيبقى هو، وده يدل على ماذا يا شباب؟ هذا يدل على أن المجرمين الذين يصدون عن سبيل الله يعتمدون على التزوير وتزويق المقالة.

من ضمنها إيه؟ أن هو ممكن لو جاب لك واحد، بيقول لك بيسموا نفسهم مفكرين، مجددين، دول، الشيخ زمان كان بيسميهم "المجددي نت"، فالشيخ بيسأله بيقول له ده إيه؟ قال له ده "جمع مخنث سالم"، فهمت كده المجددي نت، مش المجددون ولا المجددات، كراشات يعني زي ما بيقولوا، فهم واحد هو لو كان كافر خلاص الناس عارفاها كافر، فيقول لك لا ده ممكن يبقى مسلم ويبقى أزهري ويبقى كذا ويروج لك ويجيب لك آيات، مش قلت لكم إن أنا استمعت إلى قناة لمدة أربع أيام أو خمس أيام، مهتم جدًا بأن أنا أعرف القناة دي، بيجيبوا مناظرات مع اليهود والرافضة، وفي اليوم الخامس ليتهم بيتكلموا عن حب الكفار، وأن إحنا نسلم لهم ديارنا، لأن هم، وعرفت في الآخر أنهم ديانة القاديانية البهائية، طب بالله عليك الكلام ده من كام؟ من حوالي 11 سنة، يعني كنت متعلم، فاهم؟ والله لمدة خمس أيام وأنا بقول جزاكم الله خيرًا، مش ممكن على الشبهات اللي بيردوا فيها على اليهود والنصارى والرافضة في قمة القوة، قلت يا رب إيه ده! وفي اليوم الخامس بقى بيتكلموا عن إيه أن طبعًا هي فكرة أصلًا إنشاء القاديانية هي إضعاف عزيمة المجاهدين، اللي كانوا الهنود اللي هم كانوا يجاهدوا بريطانيا الإنجليز، فهم جابوا واحد اسمه ميرزا غلام أحمد، التقطوه، ما دول لقطاء، اللقطاء اللي هو بيلقط لمهمة، زي الليمونة بتجيبها بتعصر وبعدين ترميها، هم كده بيلتقطوه عشان مهمة، هم التقطوه عشان يضعف الشاهد.

أنا عايز أقوله لك بالله عليك، دلوقتي واحد ما عندوش علم، شاب عادي فتح القناة دي، انبهر بشوية الزخارف اللي حواليها وحطوا له السم في العسل، هو ده الزخرف يا شباب، الزخرف والزور، فالزور هو الباطل المحسن، ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4]، لكن الله بشره بأنه سيكشف هذا الزور، سيكشف هذا الزور، وذلك ربنا قال على المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72] في نفس السورة، والزور هو كل باطل مزخرف. تعرف من الزور إيه؟ من ضمن الزور إيه؟ إن هو لازم الكفر بالقرآن أن أنا أقول لهم ده مش من عند الله لا؟ طب ما أنا أشغلهم بيه، أعيش في حفلات ومهرجانات ورقص ولعب، وبعد كده هم حصل فيهم في النهاية أنهم أعرضوا عن هذا الكتاب، هو لازم عشان يعرض عنه يقول إنه كذب ويزور؟ لا، هو مؤمن بيه بس لا ينتفع منه بشيء، لذلك ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه: 16]، الصد نوعان: صد بأن يجعلك تكذب بها، اللي هو ﴿تَاللَّهِ إِن كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56]، اللي هو بيقول له: إحنا مش محاسبين خلاص، ده معروف، لكن في صد تاني أنه يشغلك عن العمل لها، هو في واحد صاحبك معاك في المدرسة أو في الجامعة بيقول لك في واحد بيقول لك يا عم ما فيش امتحانات، وده لو قال لك ما فيش امتحانات ده عبيط صح؟ لكن الثاني يقول لك في امتحانات أه، بس تعال نلعب، يبقى هو في امتحانات أه، بس هو أشغلك عنها، يبقى ده صدك عنها أيضًا.

يبقى الذي أشغلك عن العمل للآخرة هو صدك عنها، فذلك ربنا قال: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾ [طه: 16]، أنت اللي هتهلك. فكلمة الزور لها دلالة هنا يا شباب، أن أهل الباطل يزخرفون القول، وده معنى ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، هي دي معنى زخرف القول ليغروا، لكن ربنا قال: ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: 113]، هو ده معنى صادف قلبًا خاليًا فتمكن، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، قبلوا هذا الزخرف، إنما المؤمن لا يقبله أبدًا، لا يشهد الزور، لا يشهد الزور؛ يكشفه. يعني لا يشهد الزور، من معناه أنه عارف إنه زور، فتعرف لما في مجموعة من النصارى كانوا جايين يناظروا النبي عليه الصلاة والسلام في سورة القصص فهم جايين يناظروا، فاهتدوا، فقام جماعة من سفهاء قريش قالوا لهم: بأنتم قومكم بعثوكم عشان تجادلوا هذا النبي وتفحموه، تقوموا ترجعوا مسلمين؟ فقعدوا يسخروا منهم، فماذا قال الله؟ شوف البيان العظيم، قال عن هؤلاء وصفهم بأحسن صفات: ﴿أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: 54] صح كلام جميل، ثم قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].

وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لنا أعمالنا التي تليق بنا، ننشغل بها ونهتم بها، ولكم أعمالكم التي تليق بكم، بتسخروا عادي. وبعدين إيه، سلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين، لن نجاري، ليه؟ لأنهم عرفوا أن هذا لغو، يبقى دي مهمة. المؤمن لا يشهدون الزور لأنه يعرف أنه زور.

تعرف كان في الشيخ أبو إسحاق بيحكي أنه كان في مرة دعا الناس عشان يتصدقوا لطلاب العلم يشتروا لهم كتب، فقامت واحدة ست من اللي فوق اتحمست وراحت شايلة الغويشة بتاعتها -بتسموها إيه يا عبده، السوارة دي؟- فالست ألقت السوارة دي اللي هي الغويشة وثقيلة كده، فالناس استبشروا قالك دي مش تكفينا، ده إحنا نطلب بها العلم لحد ما نبقى ابن تيمية، ماشي كده. فالشيخ بيقولك تحمسنا وخدنا الغويشة دي ورحنا أول ما دخلنا عند الجواهرجي، الراجل الجواهرجي بص عليها كده، قال لهم: "فلصو" على طول، قال لهم: "فلصو"، ما كشفش، يبقى ده عرف الزور على طول، عرف الزور.

فربنا سبحانه وتعالى كلمة «لا يشهدون الزور» كلمة كبيرة يا شباب. المؤمن الله سبحانه وتعالى يجعل له فرقانًا، هذا من بركة القرآن، أن القرآن كما أنه فرقان يجعل الله به الفرقان فتنكشف لك الأمور. لما خرج قارون على قومه في زينته إيه اللي حصل؟ من أهل العلم فتنوا به، قالوا ده أنت محل شفقة، يعني أنت نشفق عليك، التانيين قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: 79]، إنما أهل العلم أنهم يرون بالوحي مش بعينيهم، خلاص. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، يبقى هو يرى بالوحي، ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾ [الرعد: 19]. يبقى إذا فقد جاءوا ظلماً وزورًا، هذا الزور لا ينفق أبدًا عند من كان متنوّرًا بنور الله. لذلك ربنا قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72]، عارفين أنه زور، مهما تزخرف فيه هو زور.

فاهم يعني واحد مثلا تصور جايب بضاعة تعبانة، فعرضها في بترينة جميلة وحط لها شياكة وعمل عطر، الناس الخبرة هيبص كده يقول لك ده يا عم ده فلصو. وواحد تاني جايب حاجة نفيسة ومرمية في الأرض، أيوه هي نفيسة، هي ذهب حتى لو كانت في وسط الأرض، والتانية حديد حتى لو كنت حاططها في أجمل شيء. فده يا شباب كلمة كبيرة لو أنت تفطنت لها، فقد جاءوا ظلمًا وزورًا، يزخرفون القول للصد عن سبيل الله، ولكن الله تبارك وتعالى يكشف زورهم، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]، بشرى للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

عشان تستبشر، ما أنت ممكن تشوف شاب مثلا تافه عامل برامج يدعو فيه عن الإلحاد، زي في فكرة منتشرة يا شباب جدا بين الشباب اللي بيدرسوا هندسة وطب، اللي هي فكرة العلموية، اللي هي لا نؤمن إلا بالمختبرات، فيدخلهم من الفكرة دي، فكرة أن العلم هو كل شيء وهو سيد الموقف، تمام؟ وبعدين يحط له فيها فكرة بقى إيه، أن ما فيش حاجة اسمها الإيمان بالغيب أصلًا، في الميتافيزيقا اللي هي الغيب، طيب الفيزيقا اللي هي الواقع، الأشياء المشاهدة، العالمية هي الكفر بالغيب والإيمان بما نراه ونحس ويمكن أن يختبر. فيدخله من المدخل ده ويبدأ يبعت له الرسائل، فانت ممكن تخاف تقول طب شبابنا يحصل إيه فيهم؟ لازم تعرف أن الله سبحانه وتعالى متم نوره، إحنا نأخذ بالأسباب لكن نعلم أن الله متم نوره.

ولذلك ربنا قال في سورة الصافات: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالُ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 161-163]، مهما تعملوا لن تفتنوا إلا من لم أقدر له الهداية، أما إذا قدرت له الهداية يا رب تجتمع كل الأرض عشان تضله لن يضل، مش هيضل أبدًا. يعني الغلام قصة الغلام والساحر ده كل الظروف اللي حواليه تدعوه للكفر والسحر، ربنا جعل في طريقه الراهب، يبقى أنت لازم تفهم الفكرة دي. فقد جاءوا ظلمًا وزورًا، ربنا هنا يبين لك فعل هؤلاء، ويبين أنه سيكشف هذا الزور، وأن هذا الزور لن ينطلي أبدًا على أهل الإيمان، وأن من هداه الله لن يبقى هذا الزور زورًا بل سينكشف أمامه زخرف القول غرورًا.

لكن: ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 113]، لأنه أول ما هيرضى بالزور لازم هيقترف، وده يبين العلاقة بين العلم والعمل، يبقى هيقترف لازم طبيعي جدًا.

نعم بارك الله فيكم، يقول القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 5-6]. ذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، وأنه المعني بقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ذكر الرواية لذلك، وبإسناد عن ابن عباس قال: كان النضر بن الحارث بن علقمة بن عبد المناف بن عبد الدار بن قصي من شياطين قريش. طبعًا لاحظ أن كل قريش كانت لها صلة بالنبي عليه الصلاة والسلام في جزء من نسبه، وهو ده كقول ابن عباس إن هو لم يكن، هناخد إن شاء الله في كتاب المناقب، لم يكن بطن من بطون قريش إلا له صلة بالنبي عليه الصلاة والسلام يذكرها عند آية المودة في القربى، فهذا الرجل الذي جاء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وهو من نسبه وهو منه، ماذا قال؟

شوف، تفضل يقول: وكان من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا وصفه من الشياطين؟ لأن هو ليس كافرًا فقط وإنما هو مضل، وربنا ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6]. يعني الشياطين من الجن ومن الناس، ففي شياطين جن، وفي شياطين إنس، فده مضل فيفعل فعل الشيطان لأنه يضل. نعم، يقول: وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة. وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعضهم بيخلوها بالراء اسفنديار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسًا تذكّر بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خَلَفَه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا قريش أحسن حديثًا منه، فهلمَّ، فأنا أعجبك الكلام، يعني فرحان قوي يعني، عاجبك الراجل ده! أه زي ما الواد زاهر عمري ما هأنساها له: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، الكلب، هو الكلب عمل لك حاجة؟ ده هو كلب، أنت اللي حطيت الإناء، أنت اللي غلطان، قالك والكلب!

يقولكم زي الشاب اللي قلت لك اللي هو كنت بدربهم على الوعظ والتذكير وكده، فأخذتهم هو دائمًا بيضحك، أي حاجة بيتكلم فيها بيضحك هو بيحب كده ويبتسم ابتسامة جميلة، فبيقول الناس: "تعرفوا عذاب القبر؟"، قلت له: "يا راجل حلو يعني ولا إيه؟ تعرفوا عذاب القبر؟"، قلت له: "أه نعرفه بس أنت بتعمل كده ليه؟ يعني لازم الإنسان يعني يخش"، فأنت بقى بتحكي كلامه كان الراجل عاجبك يعني. يقول: ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: ما محمد أحسن حديثًا مني. قال فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثماني آيات من القرآن، ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

وكلما، طبعًا لاحظوا يا شباب أن القرآن، القرآن هو إيه؟ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: 115]، القرآن في حاجتين، إما في أنباء وإما في تشريع، هو القرآن كله كده، يا إما أنباء عن الله وملائكتي وكتبي ورسلي ويوم الآخر القصص السابقين، أو تشريع، أقيموا الصلاة، آت الزكاة، لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، لا تقربوا الزنا، تشريع. فالكفار تجاه هذه الأشياء بدأوا يقولوا أشياء، فهو لما النبي عليه الصلاه والسلام يذكر فيقول لك دي أساطير الأولين اكتتبها، يعني دي حدوتة أو حكاية أو قصة اكتتبها، فده مش من عند الله ولا شيء، يعني القصص، لذلك ربنا قال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ [يوسف: 111]. يبقى هو تجاه القصص والأنباء بيقولوا أساطير الأولين. تفضل.

يقول وبإسناد عن ابن عباس نحوه، إلا أنه جعل قوله: فأن الله في النضر ثماني آيات، عن ابن إسحاق عن الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس، وبإسناد عن ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أشعارهم، وكانوا الكهانة زي التجارة كده، كهانة، زراعة، صناعة، فقالها النضر بن الحارث. الكهانة هي الإخبار عن الغيب بالسجع، الكهانة ودي مش موجودة غير عند العرب، لذلك مفيش نبي يوصف بالكهانة. نعم، تمام، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هم الذين افتروا ووصفوه، إنما الأنبياء قبل ذلك يقول ساحر أو مجنون. تمام؟ لأن كلمة الكاهن الكهانة هي عند العرب خاصة، اللي هو واحد بيخبر بالغيب ويذكر قصص بس بالسجع. لذلك لما الراجل اللي هو قتل النبي عليه الصلاه والسلام يريد أن يغرمه في قتل الطفل فقال: كيف أغرم مالم لا شرب ولا أكل ولا؟ قال: هذا من إخوان الكهان، لأنه ذكر هذا السجع.

يعني بارك الله فيكم، يقول الكلام وقال هؤلاء المشركون بالله الذي قالوا لهذا القرآن: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: 4]، محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الذي جاءنا، طبعًا لاحظ مع أنه واحد هو اللي قال القول لكن ينسبه الله لهم لأنهم رضوا هذه المقالة. ولاحظ كده يا شباب، أنا عايزك تركز، ربنا سبحانه وتعالى ذكر تصرفات هؤلاء تجاه القرآن مختلفة متنوعة، صح؟ مرة قول شاعر، قول كاهن، زلت به الشياطين، صح؟ لاحظ أن الله سبحانه وتعالى ذكر أمورًا هي في نفسها تدل على كذب هؤلاء، لماذا؟ لأنهم ضربوا الأمثال للقرآن وللنبي صلى الله عليه وسلم وهي أمثال متناقضة، يعني مرة يقولون ساحر ومرة يقولون مجنون. طب الساحر هو عنده قدرة أن يخدع الناس، والمجنون هو ما لا عقل له، فإزاي واحد يكون ساحر ويكون مجنون؟ هم نفس مقالاتهم تدل على البطلان. وده معنى ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 9].

هذا من ضمن الأمثال، بعضهم قال افتراه عنه والثاني قال أساطير الأولين اكتتبها يعني افتعل من يكتبها له وتملى عليه بكرة وأصيلاً، أفضل نعم. يقول وتأويل الكلام وقال هؤلاء المشركون بالله الذين قالوا في هذا القرآن: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: 4] محمد، هذا الذي جاءنا به محمد، ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون أحاديثهم التي كانوا يفترون في كتبهم، اكتتبها محمد من يهود، فهي تملى عليه، يعنون بقولهم فهي تملى عليه، فهذه الأساطير تقرأ عليه. طبعًا زي الآية الأخرى التي هي: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا﴾ [الأنفال: 31]، ده قول النضر اللي هو ذكر أفضل.

يقول قوله من قولهم أمليت عليك الكتاب، وتملى بكرة غدوة وأصيلاً، يقول وتملى عليه عشياً. وقوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: 6]. يقول تعالى ذكره، أيوه هذه أول "قل" في السورة صح ولا لا؟ هذه السورة علم الله نبيه بماذا يجيب هؤلاء، ولازم تفهم أن كلمة "قل" هذه تستحق أن يعمل لها دراسة كبيرة في القرآن. كلمة "قل" علم الله نبيه أن يجيب، مثلاً: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وهكذا. لو أنت جمعت كلمة "قل" في سياق تثبيت الحق وإبطال الباطل، هذه أعظم قواعد للمناظرة، وكثير من الشباب اللي بيدخل في مناظرة يجهل هذا الأصل العظيم من القرآن.

أن القرآن كما أنه جاء بالحق، جاء بإبطال الباطل. فهنا هذا الباطل، علم الله نبيه بماذا يجيب هؤلاء، وهو ده معنى ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]. نعلمك كيف تجيب على شبهة هؤلاء، هم قالوا: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]. خلاص، وبعدين قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]، اكتتبها، جاء من يكتبها له لأن هو لا يقرأ ولا يكتب تمام كده، تملى عليه بكرة وأصيلاً. ﴿قُلْ أَنزَلَهُ﴾ ما دام قال "أنزله الذي"، يبقى هذا الذي سيذكر أمر يختص الله به لا يشركه فيه أحد، "أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض".

ليه؟ لأن هذا القرآن جاء فيه هذه الأسرار التي لا يمكن أبدًا أن يحيط بها إلا الله. الكلام عن الله، عن ملائكته، عن اليوم الآخر، خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهذه ستأتي معنا في السورة نفسها تمام، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: 45]، كل هذا ما أشهم خلق السماوات، فهذه الأنباء لا يمكن أن ينزلها إلا من يعلم السر في السماوات والأرض. يبقى ده أيضًا فرقان في هذه المقالة، هم قالوا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانوا عليه قوم آخرون، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها، ما الفرقان لهذا؟ "الذي يعلم السر"، هذا القرآن لا يمكن أن ينزله إلا الذي يعلم السر، فهل محمد وهؤلاء القوم يعلمون السر في السماوات والأرض؟ لا، لا يعلمون، تفضل.

يبقى هذا أيضًا فرقان، هذا هو الفرقان الثاني. يقول وقوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: 6]، يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بآيات الله قومك، ما الأمر كما تقولون من أن هذا القرآن أساطير الأولين وأن محمدًا افتراه.

أعانه عن لم يقل لهم: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ اللَّهُ﴾؛ طب ما هو ده محل النزاع. هو سيدنا إبراهيم لما قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77]؛ لأنه لو قال: "إلا الله"؛ طب ما هو ده محل النزاع اللي بينا وبينك، يبقى لا بد أن يذكر صفة تكون هي الحجة. فهل هو هنا قال: قل أنزله الله؟ لا، ﴿أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ فيلفت نظرهم إلى أن هذا القرآن بما فيه من هذه الأسرار لا يمكن أن ينزله إلا من يعلم السر. فهمنا كده؟ لذلك ربنا يقول مثلاً: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]؛ يبقى هذا فرقان، هذا فرقان.

بل هو الحق، ولاحظ أن في بعض السور مثلاً لما هم يقولون كده ربنا يقول إيه؟ ركز عشان تشوف الأجوبة؛ مش في بعض السور ربنا يقول: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34]، صح؟ هل ربنا قال هنا فليأتوا بحديث مثله في السورة؟ لا، لم يقل. طب هل قال فليأتوا بسورة، فليأتوا بعشر سور؟ لا، ما قالش أي شيء من ده. وده يبين لك أن الجواب عن تهمة افتراء النبي صلى الله عليه وسلم متنوع؛ أكثر الناس بيجعل جواب واحد بس، صح ولا لا يا شباب؟ قل: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 88]، اللي هو إيه فليأتوا بحديث؟ لا، ربنا لم يذكر هذا فقط هنا. ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، لا يمكن أبداً أن ينزل هذا القرآن إلا من كان يعلم السر، وهو الله تبارك وتعالى وحده.

بل هو الحق، أنزله الرب الذي يعلم سر من في السماوات ومن في الأرض ولا يخفى عليه شيء، وهو محصٍ ذلك على خلقه ومجازيهم بما عزمت عليه قلوبهم وأضمروا في نفوسهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾؛ إنه لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. "إنه كان غفورًا رحيمًا" دي تدلك على أن هذه السورة أصلاً فيها أمران مهمان يدلان على في من نزلت؛ مين اللي بتكلمهم السورة؟ مش مثلاً يا شباب سورة آل عمران فيها شقان؛ شق يتكلم عن وفد نصارى نجران اللي هم جاؤوا يجادلون في النبي صلى الله عليه وسلم، يجادلون في الإسلام ويجادلون عن عيسى، يقولون إن عيسى يعني هو ابن الله أو هو الله، صح؟ فجاءت السورة تتكلم عن ذلك، لذلك ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 6]، يعني كما أنه خلقكم من ذكر وأنثى خلق عيسى من أنثى، تمام؟ فجاءت تتكلم عن هذا، والشق الثاني عن غزوة أحد، صح كده؟ يبقى احنا عرفنا فيما نزلت.

فأنا مهم أن أنا أعرف السورة بتتكلم عن مين، مثلاً سورة تبت يد أبي لهب هو إعلام لأبي لهب، سورة المدثر إعلام للعذاب اللي هاله الوليد بن المغيرة. طب هنا بقى السورة هل هي إعلام أم إنذار؟ لا، هي إنذار، والذي يؤكد ذلك أن هذه السورة بدأت بكلمة "نذيرًا"، يبقى الإنذار هو إعلام بمخوف يمكن اتقاؤه، ممكن يتخلصوا منه. وكذلك ذكر غفورًا رحيمًا، وستختار: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 68-70]؛ دي البشرى. فيبقى فيها إنذار وفيها بشرى، يبقى كلمة ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، طبعاً يعلم السر من ضمنها أسرار هؤلاء ما يضمرون للنبي صلى الله عليه وسلم وما يدبرون يعلمه الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ترغيبًا لهم في الإقلاع عن هذا الأمر.

فلأن ذلك من عادته في خلقه؛ فكأنكم أيها القائلون ما قلتم من الإثم، فاعلون ما فعلتم من الكفر، وبنو الذي قلنا... سبحان الله يا شباب، يعني ربنا سبحانه وتعالى في هذه السورة، يعني أنت لما تتصور أن في شخص يمكن أن يقول هذا الكذب على الله وعلى القرآن وعلى النبي صلى الله عليه وسلم والكذب في الآخرة، ثم يرغبه الله في التوبة؛ هذا من أعظم ما يفتح لك باب الرجاء. وكثير من هؤلاء تاب بالفعل، يعني تعرف حتى الذين شجوا النبي صلى الله عليه وسلم في أحد ودعا عليهم، ربنا قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 128]، وتابوا. كل الذين ذكروا تاب الله عليهم، يعني ممكن واحد تتصور في أول الإسلام يكون يعادي الإسلام، ومثل عمر رضي الله عنه ثم صار كما هو معلوم. فسبحان الله، ده يدلك على ماذا؟ ده يدلك على أن من كان فيه ذرة خير، فإن الله لا يضله.

يبقى في المقابل من هلك على الكفر لا ينبغي أن تذهب نفسك عليه حسرات، ما تجيش تقول يعني أنت بس كان إنسان كويس، أوعى، هو أعلم بالمهتدين سبحانه وتعالى. يعني أنت شوف كل كل كل هذه المقالات ربنا بعدها يقول غفورًا رحيمًا، أيوه، ومنهم من تاب من كان يقول هذا ويجتمع وتاب وحسن إسلامه، ومنهم من جاهد في سبيل الله، منهم من قتل في سبيل الله بعد ذلك، صح ولا لا؟ فده يدلك في اتجاهين؛ أن من كان به خير ويعلم الله فيه الخير لا بد أن يهديه، ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: 70]. فعلاً علم الله فيهم خيرًا، اللي كانوا مأسورين الوليد بن الوليد بن المغيرة وسهيل بن عمرو تاب الله عليهم، وبعدين صاروا مجاهدين في سبيل الله ونفع الله بهم الإسلام، وسهيل بن عمرو هو الذي رد الناس عن الردة أول ما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد، وعكرمة بن أبي جهل كيف جاهد في سبيل الله بعد ذلك؟ وهكذا، فيبقى أنت لازم تفهم هذا، ده الاتجاه الأول.

الاتجاه الثاني بقى أن من مات كافرًا من هؤلاء اعلم أنه في شدة الكفر؛ لأنه بعد كل هذا النور وهذه البينات التي دلت على صدق النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك كفر، يبقى هذا هو، هكذا. ولذلك ربنا قال في سورة النمل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: 93]؛ دي في غزوة بدر، أن هم يعني هو ربنا بشره بيقول لهم قول لهم أن أنتم هتشوفوا الآيات الدالة على صدقي، وهتعرفوا تقولوا أه هو ده اللي كان سيهزم الجمع ويولي الدبر، هتشوفوا تقول إيه ده احنا بنقتل على أيدي هؤلاء؟ أيوه، سيهزم الجمع وستعرفون أن هذه دلالة على صدق، لكن لن ينفعكم، لن تنفعكم هذه الآية لأن خلاص أنتم ستهلكون بها. فشوف ربنا تبارك وتعالى بعد كل هذا الكفر والشرك والظلم والزور من هؤلاء يعرض عليهم التوبة. وده يا شباب في المقابل ينعكس على الداعي إلى الله، وهو أنه لا ييأس من إيمان الكافر؛ في فرق بين أنك أنت تعامله ككافر وتشدد عليه وتغلظ عليه ما دام كافرًا يصد عن سبيل الله، وبين أنك أنت تقول هذا لا يمكن أن يؤمن، لا يمكن أن يؤمن، جدًا؛ كم واحد كان في بدايته معاديًا للإسلام ثم بعد ذلك صار من أكثر الدعاة إلى الله والمنافحة عنه.