الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المجلس الثاني من قراءتنا لتفسير الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله لسورة الفرقان المباركة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: 7-8]. ذكر أن هاتين الآيتين نزلتا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا عليه أشياء وسألوه الآيات.
فكان فيما كلموه به حينئذ فيما حدثنا ابن حميد، قال بإسناده عن ابن عباس؛ إذ قالوا له: فإن لم تفعل لنا هذا -يعني ما سألوه من تسيير جبالهم عنهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلاً، وما ذكره الله في سورة بني إسرائيل- فخذ لنفسك، سل ربك يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويرد عنك، وسله فيجعل لك قصوراً وجناناً وكنوزاً من ذهب؛ يعني إن لم تفعل ذلك لنا نحن، فخذ لنفسك، يعني أن يجعل الله لك جنة أو كنزاً لك أنت تغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمس، حتى نعلم فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بفاعل». فأنزل الله في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾.
فتأويل الكلام: وقال المشركون: ما لهذا الرسول -يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم الذي يزعم أن الله بعثه إلينا- يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في أسواقنا كما نمشي؟ ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ يقول: هلا أنزل إليه ملك إن كان صادقاً من السماء، فيكون معه منذراً للناس مصدّقاً له على ما يقول، أو يلقى إليه كنز من فضة أو ذهب فلا يحتاج معه إلى التصرف في طلب المعاش، أو تكون له جنة، يقول: أو يكون له بستان يأكل منها.
واختلفت القراءة في ذلك، فقرأته عامة قراءة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ بالياء، بمعنى يأكل منها الرسول. وقرأ ذلك عامة قراءة الكوفيين: ﴿نَأْكُلُ مِنْهَا﴾ بالنون، بمعنى نأكل من الجنة. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالياء؛ وذلك للخبر الذي ذكرنا قبل من أن من سأل من المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه هذه الخلال لنفسه لا لهم، فإذا كانت مسألته إياه ذلك كذلك، فغير جائز أن يقولوا له: سل لنفسك كذلك لنأكل نحن. وبعد، فإن في قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
لِنقف هنا؛ ربنا تبارك وتعالى في هذه السورة ذكر أعظم حق وأعظم ما ينبغي أن يؤمن به وأن يعمل له: الله تبارك وتعالى وتوحيده، وذكر القرآن العظيم، وذكر الرسول الكريم ورسالته، وذكر البعث وهو الآخرة، ثم ذكر أقوال وأفعال المشركين الذين كفروا بالله وصدوا عن سبيله. فذكر أولاً أنهم تجاه توحيد الله تبارك وتعالى وإخلاص الدين له اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً. ففي باب توحيد الله أشركوا بالله تبارك وتعالى وادعوا أن له شريكاً في الملك.
ثم انتقل من الكلام عن الله تبارك وتعالى إلى الكلام عن القرآن، فهم تجاه هذا القرآن قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾. كما أبطل الله تبارك وتعالى دينهم الذي كانوا عليه، وهو دين الشرك، أبطل كذلك مقالتهم لما أمر نبيه أن يجيبهم: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. ثم انتقل الكلام الآن عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأوردوا الشبهات التي سماها الله زوراً؛ لماذا سماها الله زوراً؟ لأن هؤلاء لم يقولوا: نحن نكذبك ونكفر بك، وإنما ذكروا شبهات ليصدوا الناس عن رسالته، وهذا هو الذي سماه الله زوراً، وفي بعض المواضع زخرف القول، وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
فما هو الزور هنا؟ أنهم قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، طبعاً هم لا يؤمنون بأنه رسول، لكن يقولون: كيف يكون هذا رسولاً وهو كذا وكذا؟ إذاً هم يدعون أن ما يذكرونه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تتعارض مع كونه رسولاً، فهذا هو الزور تماماً. فمرة يقولون: كيف يكون بشراً ويرسله الله؟ ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾، ويمكن أن يكون اعتراضهم أصلاً على أن يرسل الله تبارك وتعالى رسولاً من البشر، ويمكن أن يكون اعتراضهم على تخصيص هذا الرسول بعينه: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. فيبقى في كل موطن عندهم حجة غير الموضع الآخر.
فهنا قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ -الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم- ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يعني يفعل كما نفعل فهو بشر. فلاحظ هنا، هم -هل يشرح لي وجه الشبهة هذه يا شباب؟- عندهم، ما هي الشبهة تحديداً في هذا الأمر؟ هل فقط أنه بشر ولا في أمر آخر؟ ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي﴾، عايزين يقولوا إيه؟ من وجهة نظرك في ذاكرتهم، أن النبي لا يأكل ولا يخالف الناس؟
إسلام يقول: يجب أن يغنيه الله؛ كيف يكون هذا رسولاً لله وربه يتركه يلتمس الطعام ويمشي في الأسواق ويحتاج لذلك؟ ربنا وجه لهم الخطاب أم وجهه للنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ لأن يمكن أن يخطر ببال الإنسان فعلاً: طيب أنا إذا كان الله يحبني وأنا رسوله، ربنا يقطع كل بادرة يمكن أن تحصل لنبي من الأنبياء أو لولي من أولياء الله المؤمنين. فربنا لم يوجه الخطاب هنا لهم، في بعض المواضع ربنا كلمهم أهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، نعم، لكن هنا تحديداً لم يوجه الخطاب لهم، وإنما وجهه للنبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا: ما لهذا الرسول الذي يدعي أنه رسول الله يفعل كما نفعل ويحتاج كما نحتاج، ياكل الطعام ويمشي في الأسواق، فهو بشر من جهة، وكذلك محتاج يلتمس؛ لو كان رسولاً حقاً كان سيكون ملكاً. طيب خذ بالك، أنا عايزك تركز عشان هم يتنازلون، لأن الحجج ممكن تطلع تتصاعد وممكن تتنازل؛ افهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، دي في البداية، خلاص كل الحجج التي ذكرت بعدها هي أعلى منها، لذلك هيجي بعدها أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، يبقى هنا الحجج بتطلع وتصعد، هنا العكس؛ هم قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. طيب خلاص اعتبرنا أنه بشر، ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، يبقى هو بشر ومعاه ملك، فهمنا؟ يبقى هم بيقولوا: طيب خلاص احنا قبلنا أن يكون بشراً، بس يكون معاه ملك. طيب هو بشر ومش معاه ملك، طيب مش معاه جنة يأكل منها؟ فكل هذا من الزور الذي سماه الله سبحانه وتعالى زوراً، وهو إلقاء الشبهات التي يكذبون بها رسالته، يقولون: لو كان رسولاً ما حصل له ما حصل.
يبقى لا بد أن يغنيه الله. قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، ده أول شيء، لولا.. كلمة لولا يعني هلا، يعني للتحضيض، يعني ياريت ينزل معاه ملك فيكون معه نذيراً، ولذلك سيذكر الله أنه لو أراد أن يقوي دعوة نبي سيرسل رسولاً من البشر أيضاً، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾، يعني لو أردنا أن نعزز رسالته لن نعزز بملك وإنما سنعزز أيضاً برسول تمام. ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، لاحظ أن هذا يناسب كلمة الإنذار؛ لماذا يا شباب؟ لأن أصلاً هذا الإنذار هو الذي جلب سخرية هؤلاء واستعجال العذاب، وجلب لهم هذا الحقد والحسد للنبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك ربنا خصه بالذكر وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾.
﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ﴾، كنز ليه يا شباب؟ لأن ربنا يبين أن هؤلاء فتنوا بالمال، لذلك في موضع آخر: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. طيب أنا أسألك من وجهة نظرك، فكر، لماذا إذا كان هذا الأمر سبباً في إيمان هؤلاء كما يطرحون، لماذا لم يبعث الله سبحانه وتعالى رسوله غنياً عنده كنوز وقصور؟ فكر كده، لماذا؟ مش هذا سيكون سبباً في إعجاب هؤلاء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
أحسنت، حتى يكون من اتبعه لم يتبعه إلا بأنه داع إلى الحق. طيب من يأتي بشاهد هنا؟ والذي سيجيب شاهداً يبقى ذكياً. ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، ونفس الكلام قالها أول رسول، وآخر رسول واحدة: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. أنا ليس عندي مغريات، مش جاي أقولك هتؤمن بيا فهدي فلوس وكنوز، لا، أنا أدلك على الحق، لذلك: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
هي تذكرة، فلو كان هذا الرسول فيه من الصفات التي تجعل الناس يتبعونه طمعاً في دنيا وإن لم يكن على الحق، لضاع مضمون الرسالة. لا، هو فيه الآيات التي تشهد لصدقه، صح؟ أنه صادق أمين، ﴿لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِهَذَا الْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنتُم مُّصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا﴾، أيوه، هو ده القدر الذي المفروض كانوا يسألون عنه، إنما لو أنهم يتبعونه لكونه غنياً لكونه عظيماً في قومه، لا، لا ينبغي أن يكون هناك شيء يتبعونه لأجله إلا هذا، فأنا جئت وليس معي مغريات أعدكم بها، لا، أنا جئت ومعي هذا الحق: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾.
فربنا تبارك وتعالى ذكر حجتهم هذه الشبهة التي يلقونها: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾. هم يتنازلون الآن، يعني ينزلون في الاقتراحات. طبعاً هو هنا الطبري رد هذه القراءة ورأى أنها ليست وجيهة، بالعكس، القراءة الأخرى لها وجه بليغ جداً، يعني: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ نَّأْكُلُ مِنْهَا﴾ حتى نعلم أنها جنة وليست سحراً، إحنا نأكل منها عشان ممكن يكون سحر أعيننا. فهي قراءة صحيحة وثابتة ولها وجه، أما "يأكل منها" فيكتفي عن التماس الطعام، أو "نأكل منها" نحن حتى نتيقن أنه أنها حق وليست سحراً، ماشي كده.
إذاً، لاحظ هم، أول شيء ذكر الله شبههم تجاه القرآن، فذكروا في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وبعدين ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾. طيب بالنسبة لهذا الذي جاء بالقرآن، هذه شبهة طبعاً، هي الشبهة الأولى أيضاً تمس النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم اتهموه بالافتراء، لكن هنا قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يعني هو بشر ويتصرف كما نتصرف، ولو كان نبي الله حقاً وولياً لله لأغناه الله، فربنا هنا يعلمهم أن الله أغناه، إيه هو؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، هذا أعظم عطاء؛ فهذه الآية يا شباب تبين أن أعظم عطاء لله هو الوحي، واتباع الوحي ده أعظم عطاء.
تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا. لم يحدثهم هم، وإنما يوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلم أن الله أغناه. هم صدقوا في جزئية أنه لو كان رسول الله لأغناه الله، لكن أغناه بماذا؟ أغناه بهذا الوحي، ولذلك حديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». فسرها سفيان بن عيينة: أي يستغني به، يرى نفسه غنيًا بهذا القرآن، لا يرى أن أحدًا أعظم نعمة منه. واضح؟ ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾. هل ربنا تبارك وتعالى أغنى نبيه؟ نعم، أغناه بهذا الوحي، ولذلك هو قال لهم: أنا زيكم في كل شيء، إنما خاصتُها الوحي. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. طيب ما الفارق؟ ﴿يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾، يبقى هو ده الفارق الذي ينبغي أن ينتبهوا له، مش فارق الغنى، وده يدل على سفاهة هؤلاء.
هناخدها ولها علاقة بكتاب المناقب، والمناقب هي منازل الناس عند الله، فربنا يبين الموازين الباطلة، موازين هؤلاء: المال والبنين. ولذلك بعضهم يستغني بدعوته عن دعوة الحق؛ إن كان ذا مال وبنين معه فلوس، ولكن مش محتاج لهذه الدعوة، الفقراء يحتاجونا، مش محتاج، فيستغني بماله عن دعوة الحق، فربنا يبطل كل سبب يتعزز به الناس. مرة مثلًا يقول: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ﴾، خلاص يبقى لغينا ده. طيب ممكن يجادل عنك واحد من الصالحين، يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك. طيب النسب؟ ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، يبقى النسب كمان غير معتبر الآن تمامًا. لاحظ كل الأشياء التي هي منازل الناس عند الناس أبطلها الله كلها: المال والبنين والجاه والنسب. لا نفعتهم شفاعة ولا شيء، ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، بس، ما لكش أي لازمة عند الله إلا بقدر إيمانك، واضح؟
فربنا يبين أن هؤلاء موازينهم في الحكم باطلة. لذلك ربنا جعل لهم من الفتنة أن يسابق إلى الإسلام أناس في عينهم يصدرونه؛ بلال وخباب وسلمان، وقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾. ده بيقولوا ده لوحده سبب يخليهم ما يدخلش الدين ده، لأنه لو كان حقًا ما سبقونا إليه. لو كان ده حق وخير إزاي دول يسبقوا إليه؟ ليه؟ لأنه موازينه باطلة، بيظن أن الله ما دام أغناه يبقى هو كريم عند الله، لا، فربنا يبطل كل هذه الموازين. فمن ضمن هذه الموازين أنها أثرت عليهم: كيف يكون هذا رسول الله وهو عادي يلتمس الرزق في الأسواق ويأكل ويحتاج ما نحتاجه؟ يبقى ده ربنا يبين بطلان موازين هؤلاء، زي الحديث الذي هو: مر رجل من أشراف المسلمين، والذي بعده مر رجل من فقراء المسلمين، نفس الشيء. يبقى ننتبه لهذه الشبهات: "ما لهذا الرسول".
طبعًا يا شباب، لماذا نتعلم هذه الشبهات؟ هل فقط لنعرف الشبهات في عصر النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، لنعرف أن جنس هذه الشبهات واحد. مش أنت ممكن تشوف شخص عمال يكلمك عن عظمة القرآن العظيم عشان بعد كده يقول لك بقى السنة تحكم على القرآن، فكلمة حق يراد بها باطل، أن يقول لك هذا القرآن كبيان لكل شيء وهو مستغن عن كل شيء عشان يبطل لك السنة، وهو ده زخرف القول، وهو ده الزور، فنحن نتعلم هذا ليتعلم جنس الزور عند هؤلاء. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ﴾، يعني هذا اقتراح من عندهم، ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يعني ينذر كما ينذر، فيشهد له بالصدق، أو يلقى إليه كنز، يبقى ده يدل على أن نظرة هؤلاء في وزن الناس ليست بالوحي ولا بالهدى، وإنما هو بأن يكون غنيًا، أو يكون ذا جاه أو مال، أو تكون له جنة يأكل منها هو فيغني، أو نأكل نحن منها فنعلم أننا لم يُسحرنا بفعله.
وقال الظالمون، شوف أنا قلت لك أول ما الضمير يظهر بصفة يبقى هذه الصفة لازم تنتبه لها، طب ما كان ممكن ربنا يقول وقالوا؟ صح، طب مش هو في الأول قال وقالوا ما لهذا الرسول؟ طب ما كان ممكن يقول: ﴿وَقَالُوا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، صح ولا لا؟ لم يقل ذلك، أول ما الضمير يظهر باسم يبقى هذا الاسم له أثر فيما بعده، وقال الذين لا يرجون لقاءنا، لم يقل وقالوا، لا، وقال الذين لا يرجون لقاءها تمامًا، وقال الذين كفروا، هنا قال وقال الظالمون، لماذا وصفهم بالظلم؟ ﴿وَقَالُوا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾. الظالمون اسم جامع يدل على ماذا؟ يدل على أكثر من أمر، أن هؤلاء ظلموا في حق الله، وظلموا؛ وعلى فكرة الظلم ليس إيصال الأذى، وإنما الظلم وضع الشيء في غير موضعه. واحد يقول لك إزاي الكافر ظالم؟ نعم، ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾، لأنك عبدت نفسك لما لا يستحق، فأنت ظلمت نفسك، وكذلك الظلم وضع الشيء في غير موضعه، تصور واحد مثلًا أنت أعطيته مصحفًا ليتعلم فيه فرماه في الأرض، يبقى ظلم في حقه ليه؟ لأن حق هذا المصحف أن يُصان، فهم ظلموا في حق الله، لم يظلموا الله، ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ لا يستطيع أحد أن يظلم الله، وإنما ظلموا في هذا الحق، لم يقوموا به.
وظلموا في حق القرآن، هم قالوا أفك وأساطير الأولين، وظلموا النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم اتهموه بالأفك واتهموه بالبهتان، وكذلك بدأوا يثيرون الشبهات بدلًا من أن يتلقوا دعوته بالإيمان وأن يعذروه ويدعوا إلى دينه، لا، صدوا الناس عنه، ﴿وَقَالُوا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾. تفضل أكمل.
يقول: وقوله وقال الظالمون، يقول: وقال المشركون للمؤمنين بالله ورسوله، لا، هو لم يقل وقال المشركون، هو قال وقال الظالمون، هم مشركون نعم، بس هنا أراد الله أن يبين ظلمهم، يبقى مهم جدًا يا شباب أننا لا نغير الصفة التي ذكرها الله، لأن الله لو أراد أن يقول للمشركين طب ما هو قال كثير جدًا يذكر المشركين بهذا الاسم، بس هنا ذكر الظلم، وقال الظالمون؛ لماذا؟ لأنه يريد أن يبين هذا المعنى، أن هذا النبي الذي جاءهم يتكلم بلسانهم وهم يعرفون نسبه وجاء فيهم بدلًا من أن يتلقوا دعوته بالقبول والتسليم ويكونون أول من آمن به ويعزروه ويوقروه وينصروه ويدعوا إلى دينه، لا، قابلوا دعوته بالكفر والصد عن سبيله، فهم ظالمون في هذا الحق وظالمون في حق أنفسهم.
﴿وَقَالُوا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ طبعًا هذا خطاب لايه؟ لاحظ افهم الفكرة دي، هم المشرك عنده ثلاثة؛ بيخاطب الكبراء اللي هم مثله، بنتكلم على المجرمين الآن: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾، اللي هو بيصبر بعضهم بعضًا، بيقوي بعض، خلاص، ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. الخطاب الثاني: خطاب لمن يراهم يريدون الاستماع إلى هذا النبي، فيقول: لا تسمعوا لهذا القرآن. والخطاب الثالث: للصحابة الذين آمنوا، فمرة يقولون: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، ومرة: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، فاهم؟ يعني هم يخاطبون هنا، ﴿إِن تَتَّبِعُونَ﴾ هذا خطاب للصحابة، أنتم تتبعون رجلًا مسحورًا. مسحور طبعًا بعضهم قال مسحور يعني أن به سحر، لا هو مسحور، القول الأقرب أنه ساحر، يعني ليس نبيًا من عند الله، وإنما هو ساحر زي القول: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، فالمسح هنا مش معناها أنه مسه سحر، وإنما معناه أنه ساحر، هو سحركم وخدعكم، يخادع بهذا الذي يفعله. طبعًا فيها خلاف، بعضهم قال مسحور يعني هم نسبوه إلى أنه سحر، لا هم يريدون أن يقول إنه هو الذي يسحر.
يقول وقال المشركون للمؤمنين بالله ورسوله: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ﴾ أيها القوم، اتباعكم محمدا ﴿إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، يعني به سحر.
طبعًا هي فكرة السحر يا شباب، هم أحيانًا يقولون إن النبي مجنون، ما معنى مجنون؟ يعني به جن، يعني تتنزل الجن عليه، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. ولذلك يأتي: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، يعني من منكم أولى أن يكون المفتون الذي هو الشيطان يتنزل عليه، ولذلك قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، فالكلام هنا عن ماذا؟ عن جهة التلقي، هم يقولون هو يتلقى هذا عن الجن، ومرة يقولون عن بني آدم الذين هم العلماء من أهل الكتاب، فهم يقولون هنا: ﴿وَقَالُوا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، فهو ليس نبيًا، هم يريدون أن ينفوا عنه صفة النبي، ولذلك قولهم "ما لهذا الرسول" هذا تهكم، يعني إيه شوف الرسول ده بيعمل إيه، يعني هذا يدل على أنهم لا يعترفون برسالته.
الآن الخطاب، لاحظ في شوف أول خطاب في السورة هو ﴿قُلْ أَنزَلَهُ﴾ صح كده؟ الخطاب الثاني: ﴿انظُرْ كَيْفَ﴾، يبقى نحن قلنا إن من أهم المفاتيح في السورة أن نجمع الخطاب الموجه للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، ربنا يبين لنبيه: انظر كيف أرادوا أن يشبهوك، مرة شبهوك بساحر، مرة كاهن، مرة أنك تعلمت عند بعض أهل الكتاب، فأرادوا أن يضربوا، هم لما اجتمعوا يا شباب قالوا: اضربوا له مثلًا، هو كان واحد من ضمن الناس، فجأة قال هذا قرآن من عند الله، كيف نشخص هذه الحالة؟ فبعضهم فكر وقدر، زي الوليد بن المغيرة، بدأ يفكر قال: هذا سحر يؤثر. واحد تاني قال لهم: لا لا، دي أساطير الأولين اكتتبها، أنا لما رحت للحيرة ورحت البلدان دي أعرف أن دي أساطير الأولين. التالت قال: لا، ده مجنون، الجن هو اللي بيتنزل عليه. فضربوا له الأمثال، أرادوا أن يشبهوه وأن يشخصوا هذه الحالة، فربنا يكلم نبيه: انظر، وده مهم جدًا يا شباب أنك تعرف أن هذه السورة نزلت للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني أحيانًا ربنا ينزل الآية له هو قبل أن ينزلها لغيره، فيقول مثلًا: ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾، فهنا ربنا يكلمهم: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
هذه بشرى من الله للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم لن يستطيعوا أن يلقوا حجة صحيحة يبطلون بها دينك، لا في الحجج الماضية ولا فيما بعدها، ولذلك ربنا، هو ده ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، يبقى هذه الآية كما أنها بيان فإنها بشرى، يعني هي بشرى من الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.
يقول: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين شبهوا لك الأشباه بقولهم لك هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل وأخطأوا، لا طبعًا هذا الضمير لا يعود على كلمة مسحور فقط، يعود على كل مقالات هؤلاء: أفك، افتراه، وأعانه عليه قوم آخرون، أساطير الأولين اكتتبها، كاهن، ساحر، مجنون، كل هذه هي الأمثال. ولذلك في آية أخرى، مين يجيب الآية الأخرى النظيرة لهذه الآية في سورة الإسراء؟ ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، إزاي؟ لأنهم كانوا يأتون يستمعون إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون هنقول للناس إيه؟ يعني هم يستمعون لتلاواته، وبعدين يقولوا تاني يوم: يا ترى هنقول للناس إيه عشان نصدهم عنهم؟ يا ترى نقول ساحر ولا كاهن؟ وجاء في نفس الآية: ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، نفس الشيء بالضبط، فهذا لا يعود فقط على كلمة مسحور وإنما يعود على كل مثل ضربه هؤلاء للنبي صلى الله عليه وسلم.
يقول: وأخطأ طريق الهدى والرشاد، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، يقول: فضلوا ليس المراد منها هنا أنهم أخطأوا طريق الهدى وإنما ضلوا عن الهدف الذي أرادوا به ضرب الأمثال، إيه هو الهدف؟ أن يبطلوا حجتك، ما استطاعوا، فضلوا في هذا الهدف، وأنهم لم ينالوا ما طلبوه، لأن الضلال من ضمن معانيه ألا تنال ما تطلب، ده الضلال في خلاف الهدى. لذلك نحن نقول: اللهم اهدني وسددني، إيه الفرق بين الهدى والسداد؟ الهدى يعني أن أتوجه إلى الطريق الصحيح، والسداد أن أبلغه. واحد قال لك أنا عايز أسافر أنقرة، جميل، كده أمشي ولا كده؟ فانت قلت له: لا ده كده العكس، أمشي كده، يبقى أنت هديته صح، طيب هل هو إذا هدي يجب أن يبلغ؟ لا مش لازم أن يبلغ، هو ده معنى الهدى والسداد، يبقى الهدى هو أن تعرف طريق الحق، والسداد أن توفق إليه أن تصل، ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ﴾، هو البلوغ ده، أو أمضي حُقُبًا، طول ما أنا ماشي في الطريق ده اسمه هدى، إذا بلغت ده بقى السداد، فهو ربنا لما يقول: فضلوا.
لن يبلغوا مطالبهم من تلك الأمثال التي ضربوها لك. لماذا؟ لأن مطالبهم هي أن يسقطوا حجتك، وأن يصدوا المؤمنين عن دينك، وأن يمنعوا المشركين من الإيمان بك. وهذا لن يحصل؛ سيبقى المؤمنون ثابتين، وسيدخل من كان معهم في دينك، وسيتم الله نوره. ولذلك يا شباب، هذه الآية مهمة جداً: فكرة ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ في سورة الصف. كلمة إتمام النور جاءت في سورة التوبة وفي سورة الصف. في سورة التوبة ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا﴾، لكن هنا قال ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ في الصف؛ لأن النصارى لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفون صفته، وربنا ذكر هذه المقدمة توطئة لها ومبشراً بـ ﴿رَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين. النصارى أنكروا أن هذا هو أحمد الذي بشر به عيسى. لماذا قال ربنا ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾؟ هم أرادوا ألا يتمموا هذه الرسالة، فماذا قال الله؟ ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾. حتى لو كفر، حتى لو كذب هؤلاء، الله سيتم نوره. فهنا ربنا نفس الآيات بالضبط، هم فعلوا هذه الأمثال وضربوا لك هذه الأمثال ليصرفوا الناس عن دعوتك، فقال الله: ﴿ضَلُّوا﴾، يعني لن يبلغوا مطالبهم من هذه الأمثال. ﴿ضَلُّوا﴾ هذه تشبه بالضبط ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾، ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ لا في الماضي ولا في المستقبل، يعني لن يستطيعوا أن يسقطوا حجتك ولا أن يصدوا من آمن بك. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طبعاً في معنى آخر: لا يستطيعون سبيلاً؛ ما داموا على هذه الصفة لا يمكن أن يهتدي هؤلاء، لأنهم يعلمون الحق ولكنهم يصدون الناس، وهي بالضبط: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
بارك الله فيكم شيخنا. يقول: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي فلا يجدون سبيلاً إلى الحق إلا فيما بعثتك به، ومن الوجه الذي ضلوا عنه. وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك بإسناده عن ابن عباس: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره.
يقول: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير. انظروا يا شباب، أول ما تلاقي إسناداً، عندما يكون عندك خبرة في الأسانيد، وتجد سلسلة قوية جداً -مثل الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أو سالم عن عبد الله بن عمر، أو نافع عن عبد الله بن عمر، أو محمد بن المنكدر عن جابر، أو أبي وائل عن ابن مسعود- أول ما تلاقي سلسلة كهذه وليس هذا الإسناد متداولاً في الكتب القريبة المعروفة مثل البخاري ومسلم ومسند أحمد والأشياء هذه، ماذا يحدث؟ تنظر في أول راوي بعد هذه السلسلة القوية، ترجع لترجمة هذا الراوي؛ لأنك ممكن تقول: ما هذا؟ سعيد بن جبير عن ابن عباس، طب ما هذا إسناد قوي! لا، المشكلة ليست في سعيد بن جبير، بل المشكلة ممن عن سعيد بن جبير. فهمنا كذا يا شباب؟ فدي لفتة مهمة جداً، ولذلك صنف العلماء كتب الضعفاء. لماذا؟ عندنا أشهر كتب الضعفاء أربعة: الكامل لابن عدي، والمجروحين لابن حبان، والعقيلي في الضعفاء، وكتاب جمع هؤلاء هو ميزان الاعتدال للذهبي. تعرف أهم شيء يُضعف به هؤلاء هو أنهم يروون عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون؛ يأتون للأئمة الثقات الحفاظ فينفردون عنهم بما لا يرويه غيرهم. فيبقى أنت ليس أول ما تلاقي مثلاً سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي هريرة تقول: الله، هذا إسناد جميل! لا، من عن سفيان الثوري؟ مهمة دي. فهذه فقط لفتة حتى تنتبه؛ لأنك ممكن تنبهر بكلمة سعيد بن جبير عن ابن عباس فتقول هذا إسناد قوي، لا، شوف من الذي روى هذا الإسناد.
يقول: التمس الهدى في غير ما بعثتك به. طبعاً هو الآية، هم لم يلتمسوا الهدى؛ بل ضربوا له الأمثال يلتمسون بها الهدى، يعني هؤلاء لما قالوا ساحر، كاهن، أساطير الأولين، افتروه، هل كانوا يلتمسون الهدى في هذا؟ لا، وإنما كان لهم مطلب لم يبلغوه، ألا وهو أنهم أرادوا أن يصدوا عن سبيل الله وأن يسقطوا حجته فما استطاعوا. يعني الآن يا شباب فرعون لما قال: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ أراد أن يسقط حجة موسى، صح؟ طب لما جاء بالسحر، أسقط حجته ولا ثبت حجته؟ ثبتها، هو ده معنى الضلال يا شباب.
يقول: وبإسناده عن مجاهد ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي... هو ده التفسير؛ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ لأن هناك فرقاً يا شباب بين أن يكون المعنى صحيحاً وأن يكون تفسيراً للآية. ممكن يكون المعنى صحيحاً بس ليس تفسيراً للآية لم تنزل له. لما أشوف التفسير الثاني، ودي لفتة مهمة جداً يا شباب، أن بعض من جمع الروايات، وطبعاً الآن لماذا قدم الرواية الأولى مع أن الرواية الثانية أقرب للتفسير؟ لأن الرواية الأولى عن ابن عباس، لا، ليست العبرة أن تكون عن ابن عباس، المهم أن تكون ثابتة عن ابن عباس، فأنت ممكن تقول أصل قول ابن عباس أحسن ولا قول مجاهد؟ طب هذا لما يكون ثبت عن ابن عباس أصلاً. فهمنا؟ زي واحد كان يذكر حديثاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له ضعيف، قال لي: هو أبو هريرة يقول أحاديث ضعيفة؟ فهمت كده؟ فهو لا، المشكلة في أن تثبت إلى أبي هريرة رضي الله عنه.
يقول وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقول تعالى ذكره تقدس، ﴿تَبَارَكَ﴾ ذكرت في السورة ثلاث مرات، من يذكرها؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا﴾، والأخيرة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. هذه أكثر سورة في القرآن ذكر فيها ﴿تَبَارَكَ﴾؛ كل جهة ذكرها الله مرة. ﴿تَبَارَكَ﴾ لأنه نزل الفرقان، ومرة ﴿تَبَارَكَ﴾ لأنه إن شاء جعل لك ذلك، ولكنه خصك بما هو أعظم، لأن أعظم عطاء في الدنيا هو الوحي للأنبياء، واتباع الوحي لأتباع الأنبياء، هو ده أعظم عطاء على الإطلاق. لذلك لما النبي عليه الصلاة والسلام سئل كما في البخاري: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم». قالوا: ليس عن هذا نسألك، نريد من جهة أخرى، قال لهم: آه، لو من جهة النسب يوسف، لأن يوسف عليه السلام اجتمع فيه ما لم يجتمع لغيره، هو نبي وأبوه نبي وجده نبي وجد أبيه نبي، هذه ليست موجودة في أحد غيره. فهمنا؟ يبقى لاحظ أن هذا أعظم عطاء يخص الله به. طب بالنسبة لباقي الناس سوى الأنبياء؟ هم الربانيون الذين هم أعلى الناس اتباعاً للأنبياء، الذين فقهوا في دين الله ونصروا الله بهذا الفقه والعلم، سواء في الجهاد في سبيل الله، أو في الدعوة، أو في الإصلاح، أو أي شيء ينصرون الله ورسوله.
فربنا الآن ذكر أن التبارك في هذا، وفي الآخر هو ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ﴾. يقول تعالى ذكره تقدس الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك، واختلف أهل التأويل في المعنى بذلك في قوله ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ﴾، فقال بعضهم: معنى ذلك خيراً مما قال هؤلاء المشركون لك يا محمد، هلا أُتيت، وأنت لله رسول. ثم بين تعالى ذكره عن ذلك الذي لو شاء جعل له من خير. لاحظوا يا شباب أن هذه هي أعظم فتنة منذ بعث الله الأنبياء، هذه الفتنة فتنة موازين الناس عند الله، ولذلك قوم نوح، أول شبهة ذكرت عنهم في سورة هود -التي هي هود- ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. هذه شبهة، شبهة عطاء الله في الدنيا. لذلك الرجل لما دخل جنته وهو ظالم لنفسه قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾، وبعدين ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، طب افرض فعلاً كان في ساعة؟
قال: خلاص، الذي أغناني في الدنيا لابد أن يغنيني في الآخرة. هي دي ظنهم، ربنا تبارك وتعالى بين أن هذا، والآن يا شباب فتنة كثير من الناس بما يسمونه الحضارة الغربية، التي هي المواصلات والطب والرفاهية، هي الفتنة دي بالضبط، نفس هذه الفتنة تماماً. هذه الفتنة هي التي غرت هؤلاء، فجعلت هؤلاء يظنون أن أولئك بلغوا أعلى ما يُبلغ في الحياة الدنيا، أعلى شيء. طب ربنا سبحانه وتعالى في القرآن يبطل هذا بجلاء ووضوح جداً، يذكر أقواماً لهم من الجاه والمنصب والمال والبنين، ويبين أنه لا يقيم لهم يوم القيامة وزناً ولا له أي لازمة، ولذلك السورة ستختم بهذه القاعدة العظيمة من سنة الله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، ليس لكم أدنى وزن ولا شرف ولا منزلة بأي شيء من الذي أنتم تتكبرون إلا الإيمان؛ فقد كذبتم، فقد فقدتم أعظم ما، فسوف يكون لزاماً، سواء اللزام أنهم قتلوا في بدر، أو اللزام الذي هو في الآخرة العذاب الذي سيلزمكم، ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
لاحظوا الفكرة دي، هذه الفتنة إلى الآن يا شباب يصدر قدوات للشباب؛ إنسان مثلاً ناجح في مجال عمله، ويلبس لبس كويس، ويهتم بصحته وشكله وأكله، ولابس لبس جميل وعائش في بيت جميل، فهذا الشكل المبهر تماماً هو الطعم، هو الزور الذي تُمرر من خلاله العقائد والأفكار الباطلة. جميل؟ يعمل لك مثلاً في فيلم واحدة راقصة بس شريفة وبتحب الوطن وبتصدق وتعمل مائدة رمضان، فاهم؟ إنسان صايع وفاسق وفاشل بس يطلع، اسمه ده، مظاهرات يا شارون، ﴿قُلِ الْحَقُّ﴾، أمك قرعة ولا لا، فاهم؟ فيبقى هو بيعمل إيه بقى؟ يحط في ذهنك أن هذه تجتمع، يجيب لك أفلاماً فيها الضباط يشربون الخمر والراقصة ترقص وهم يتكلمون عن كيف نحرر أرضنا ونحرر، فأنت ينطبع في اللاشعور عندك أن هذا عادي؛ آه، ممكن أنا أكون كذا وأكون كذا، لأن أصلاً العقائد التي تمرر في الأفلام والمسلسلات أشد من الأفلام الإباحية، أفلام الزنا، الإنسان المسلم لما يضعف ويشاهد شيئاً من ذلك تؤلمه نفسه، أنه يقيناً عارف أنه عمل شيئاً حراماً، لكن لما يجيبوا لك مثلاً امرأة تبحث عن ابنها، ابنها ضائع، وبعدين راحت عند البدوي قالت له يا بدوي ابني تائه، هات لي ابني، تطلع من عند البدوي تقابل ابنها في الشارع؛ إيه الفكرة؟ الرسالة أن البدوي يُدعى من دون الله ويستجيب.
يبقى أنت لازم تفهم هذا الزور، لأن هذا الزور موجود. من ضمن هذا الزور بقى يا شباب فكرة بيان العالم العربي الإسلامي أو المسلمين بأنكم في تخلف ولن تتخلصوا من هذا التخلف إلا كما تخلصت أوروبا؛ أوروبا كانت متخلفة 10 سنين -التي هي العشر قرون، قرون ما يسمونها قرون الظلام- لم يتخلصوا من هذا ويخرجون إلى النور -ما يسمونه عصر التنوير- إلا لما تركوا الدين ودخلوا في العلمانية. فأنتم شرط أن تلحقوا بهذا الركب أن تكفروا بهذا الدين الذي تسبب عنه كل هذا التخلف، فاهم؟ وتلاقي أي واحد منهم يدعو إلى التنوير يتكلم دائماً عن الحجاب، عن اللحية، عن الاستقامة، كأنه هو ده السبب الذي معطلك عن... وتلاقي مسلمين في المقابل يأخذون هذا الطعم، فيقول لك: أنا ملتحٍ بس فرفوش، أنا منتقبة بس بلعب كورة مع جوزي على البحر وبتكلم إنجليش وبلبس أديداس، وهكذا. يبقى أنت أخذت الطعم بالضبط، فاهم؟ هل ربنا لما المشركين قالوا اطرد خباباً وبلالاً، وقال لهم طب ما هو برضو ما احنا عندنا أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف والناس الكبراء دول، ولا أبطل هذه الفكرة من أساسها؟
فلما أنت تقول طب ما احنا عندنا أطباء ومهندسين، قال لا؛ طب يعني كده العمال دول إيه ما يشرفوا الإسلام؟ يبقى أنت لازم تفهم أن أنت قد تقبل هذه الشبهة ثم تحاول أن تدافع عنها؛ لا هي شبهة باطلة أصلاً. فربنا أبطل كل قيمة للإنسان إذا فقد الإيمان؛ إذا جاء الإيمان، تكلم في التفاصيل بقى التي بعدها، لذلك: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام»؛ سيحفظ الإسلام منزلتك بشرط إذا فقه وحسن إسلامه، إنما إذا بقيت كافراً ولا لك أي لازمة عند الله ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ ولا لك أي لازمة ولا أي شيء. يبقى أنت لازم تفهم هذه، دي يا شباب ليست مجرد قصة، لا ده ربنا يعلمك الموازين الباطلة عند هؤلاء. من الموازين الباطلة النظرة إلى العطاء، فهم يظنون أن من أعطاه الله كان ملكاً وأبوه ملك أو كان ذا مال وبنين وعنده عزوة، يبقى ربنا يحبه، فبالتالي لو ربنا أراد الخير وأراد الهدى يبقى لازم...
أكون أنا أول من آمن؟ لو كان خيراً ما سبقونا إليه. إزاي بلال وخباب؟ دي كانت فتنة كبيرة لهم يا شباب، فتنة كبيرة حقاً. أريد منك أن تفكر في المعنى ده بس، فكر كده، أنتقل إلى هذا الزمن عشان تتصور هذه الفكرة زي ما أنا بقول لك كده. تصور واحداً مثل المقوقس أو هرقل أو كسرى قاعد كده، وفجأة يدخل عليه واحد من العرب اللي هم ولا ليهم أي لازمة بالنسبة لهم، يعني ولا يذكرون في التاريخ، عندك مملكة فارس والروم، فيدخل عليه بحتة ورقة قد كده، يقول له: رسولنا يقول لك أسلم تسلم، يؤتك. أسلم؟ أسلم إيه ده يا ابني؟ بتهزر معايا ولا إيه؟ أنتم مين يا ابني؟ ما أنتم، لذلك بعضهم كان يقول: ما أنتم، مش من أنتم، أنتم مين أنت؟ أنت فاهم كده؟ فتصور هذا الأمر الكبير. أنت ممكن تقول يعني إنه قطع الخطاب، أيوه؛ لأن لما يكون واحد كافر ومتكبر لازم يعمل كده، طبيعي جداً.
فتصور بقى واحداً مثل أبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب وهؤلاء أشراف الناس وأشراف القوم، وهم اللي بالنسبة للناس أولياء الحرم، فيلاقي رجلاً يخرج يدعو إلى دين، ويلاقي أول من آمن به واحداً مثل بلال وخباب وعمار بن ياسر وهؤلاء. دي مش فتنة؟ ولا ده فتنة عظيمة؟ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ فبماذا أجاب الله؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]. يعني ربنا يقول لهم: أنا أعلم من الذي إذا هديته سيقدر هذا الهدى، إنما أنتم ما قدرتم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28]، ودوا نفسهم في داهية ودوا قومهم في داهية. يبقى هذه الآيات يا شباب تبين موازين الحق عند الله التي تبطل كل ميزان آخر. ميزان الحق عند الله هو الإيمان.
إذا آمنت أنت، يعني أنا عايزك تشوف في سورة هود كده يا شباب؛ عندك ناس نكرات، نكرات مالهمش أي وزن في مجتمعهم، وعندك ناس أشراف، تمام كده؟ أنهم طردوا لما آمنوا، قال نوح: ﴿وَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ﴾ [هود: 29]. تصور صاروا في معية الله وفي ضمان الله! أنا نفسي ما أقدرش، أنا ما أقدرش، بيقولوا أطردهم، أقول لهم أنا ما أقدرش، أنا أقدر؟ لا خلاص، دول أنا نفسي.. فاكرين إن أنا نبي أمشيهم؟ لا، دول صاروا أولياء لله، هو الذي سينصر، ﴿وَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ﴾، صح كده؟ في المقابل بقى جيب الناس عندهم مال وناس عندهم قوة زي قوم عاد، تمام كده، وناس بيجادل عنهم إبراهيم عليه السلام، دول يعني معلش اصبروا شوية عليهم، ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 74-76]، وكذلك امرأة لوط.
فشوف كيف تحول هؤلاء أنهم أولياء لله ينصرهم، وهؤلاء ليس لهم أدنى وزن. الإيمان والعمل الصالح هو منزلتك عند الله. فربنا يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ﴾، طب هو الذي خلق السماوات والأرض وأعطى هؤلاء الكفار، ألا يستطيع أن يعطيك؟ مش ممكن. يعني أنت لما تقعد تفكر مع نفسك كده، اجلس مع نفسك عشان تفهم؛ لأن الشيطان ممكن يأتيك من هذا، بيقول لك: ما بال المسلمين في ضعف وهوان وفي السجون ويهانون؟ مش دي شبهة؟ ده من أقوى الشبهات، ده كان شاب، ده أنا البوت اللي أنا عملته لاستقبال الأسئلة أكثر أسئلة بيجي لي عليه من الجنس ده: أين الله مما يحصل؟ وكيف يسمح الله بأن الطفل الجميل الكتكوت بحدود حمراء ده يقع عليه البيت أو يُقتل؟ طب وليه فلانة يحصل لها كذا؟ وليه؟ ما كل ده ليه؟ لأنهم لم يتعلموا من هدى الله، رأوا الأحداث بأعينهم هم، فلذلك هم عميان، أعمى، فلازم يضل.
فمن نفس الموازين بقى: ما بال الكفار في هذا النعيم وهذه الرفاهية وهذا النصر، وما بال المؤمنين في غلبه وتخلف وكذا وكذا؟ ما هو ربنا بيبين، هو ربنا هنا يدلك على هذا: أن أعظم عطاء هو الهدى والنصر، وأعظم النصر أن تلقى الله غير مبدل. حط بعد كده أي شيء آخر، إن ربنا يرزقك المال، يس، ما أنا قلت: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 10-12]، عادي طبعاً عطاء الله، إنما أعظم العطاء هو الإيمان والهدى. ولذلك ربنا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ﴾، ولو شاء، لكنه لم يشأ، لم يشأ هذا لحكمة بقى، من ضمن الحكمة في هذا: حتى لا يكون أحد يتبعك إلا من يريد أن يتبع الحق خالصاً؛ لأنك لو كان معك المغريات والمال فربما يتبعك لمنزلته.
ولذلك يا شباب أنت مثلاً لما يحصل الموقف وتلاقي عالماً ينتظر لاعب كورة أو ممثلاً أو مغنياً مشهوراً أو رجل أعمال أنه يتكلم بكلمة حق في هذا الظرف، إيه اللي خلاهم يتشحتف، يترجى ويتذلل للرجل ده؟ لأن موازينهم باطلة، بيفكر أن هذا الرجل سيُصر به الحق، لا يا حبيبي، هو لو تكلم عن الحق وينفع نفسه، الحق مش متعلق به هو، الذي يتشرف أن يتكلم بالحق، إنما للأسف موازين الناس، تلاقيه مثلاً في الحج ويشوف جنبه ممثلاً أو مغنياً أو لاعب كورة، يسيب الحج وعايز يتصور معاه! كان هو مثلاً يعني، حتى لو الإنسان عملها مع شخص عالم مثلاً، ممكن تصور ده أنه إنسان بيدل الناس على الخير، فأنا عايز آخد ذكر معانا إنسان في جهة فساد وجهة خير، أنه اعتمر أو حج ربنا يهديه، لكن أنت بقى بتتصور معاه بناءً على أنه حج ولا بناءً على ممثل ولاعب كورة؟ فشوف الموازين دي يا شباب أبطلها الله.
ولذلك يندر في الناس من يلغي كل الاعتبارات في تعامله مع الناس، ممكن شخص يتعامل معاك تعامل وحش جداً، أول ما يعرف أنك غني أو مشهور أو معك جنسية قوية يتغير تماماً، أهي الاعتبارات دي أبطلها الإسلام تماماً. لذلك أبو ذر رضي الله عنه، أبو ذر من السابقين الأولين، يعني أوذي في سبيل الله، معروف أبو ذر مش محتاج كلام، لما شتم رجلاً بأمه -حديث في البخاري- النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أعيرته بأمه؟»، أنت عملت كده؟ سكت، قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، لسه فيك موجودة، قال: على كبر سني؟ بعد كل السن ده؟ قال له: آه. بعد كده قال: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم».
فأصبح أبو ذر مش ممكن يأكل من حاجة إلا لما يأكل الخادم (الخول) بتاعه منها، ولا يمكن يلبس شيئاً لدرجة أنه كان يلبس اللي بنسميها إحنا بدلة، حلة، قطعتين، كان يدي القطعة اللي فوق للخادم، ويأخذ هو القطعة اللي تحت، الناس يقولوا: يا عم طب ما تجيبها على بعض عشان تكون بدلة وطقم، قال لهم: لا، أنا خلاص أنا هعمل كده، فاهم؟ فهل ممكن إنسان منا يكون عنده الجاهلية؟ نعم بلا شك، يكون عندنا مؤمن وفيه جاهلية، طبعاً جداً، بيعامل الناس أنه مشهور، اختلف، أنه غني، اختلف، أنه عنده جاه ومنصب، المعاملة اختلفت، يندر من الناس من لا يعتبر إلا الإيمان والكفر في التعامل، وهذا هو الذي جاء به الوحي.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾. النبي عليه الصلاة والسلام قال -كما في البخاري-: «إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله». اختار ما عند الله؛ لأنه يعلم، لأنه يوقن بجزاء الله، ويعلم أن ما عند الله خير وأبقى. اللي في الدنيا ده يبقى لا، ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. يبقى هنا يتحول الإنسان بدل ما يعيش يفكر في شكله وتفاصيل حياته وشعره وبشرته، ويقول لك هأمن مستقبلي وأعمل، لا، يفكر في الذي يبقى، مش الذي يفنى. هو شيء واحد اللي بيبقى من كل منك، كلك إيه؟ العمل الصالح. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. حتى الرجل الكافر قال: كل شيء مصيره لزوال غير ربي وصالح الأعمال، بس حتى وهو كافر قالها في الجاهلية، قالها إنه عارف أن الخير هو الذي يبقى.
شوف الآية موقعها هنا، هي خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن. يلعب الشيطان، طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم ليس معنى أن الله يكلمه أو يخاطبه بشيء معناها أنه كان فاقداً لهذا الشيء، وده اللي خلى بعض المفسرين يأتي للآيات يقول لا، المراد به أمته، لا يلزم، يعني ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾، وسيدنا موسى قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، عادي ابتداء الأمر والنهي ليس معناه أنك فعلت النهي أو أنك لم تفعل الأمر، لا، ولكن الله تبارك وتعالى ينبهه ويبين له هذا الأمر.
تبارك، طب ما أنا عادي، يعني مثلاً واحد من الشباب كان -ولله المثل الأعلى بس أضرب لك مثل عشان تفهم الفكرة- كان في عدد من الشباب اجتمعت معهم في بعض الدورات، فكان في بعضهم دائماً واقف له أنا على الواحدة، خليه يذاكر ويراجع، ولو لقيته بيهرج يستظرف أقول له انتبه، ولقيته مثلاً مش مهتم بالقرآن أشد عليه، وفي شباب تانيين أنا سايبه راحته بيلعب بيهزر عادي، فهو في لحظة من اللحظات ظن أن أنا أهينه أو أن أنا واقف له على الواحدة، بنسميها في مصر واقف له على الواحدة، يعني كل ما يغلط أنبه، فقلت له: ألم تعقل؟ ما انتبهت للحظة أن أنا لما أهتم بتفاصيلك دي أن أنا بحبك وباهتم بيك أكثر؟ يعني أنا لما أبعت لك رسالة وأتابعك مش دايم بأنهك، أن أنا بحبك أنت أكثر، ولا أن أنا أطنشك. فالتفت هو، قلت له: الموضع اللي أنت كنت زعلان مني فيه المفروض تشكرني فيه؛ لأن أنا مش فاضي لك، يعني هو أنا واقف لك على الواحدة عمال أقول لك أنت ما رجعتش، ما حفظتش، ما جيتش الدورة، فانا بكرهك أو بهينك؟ بالعكس ده أنا أحب لك الخير، بنبهك على كل شيء، فاهم كده؟
فشوف بقى هنا لما ربنا يقول لنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾، اللي هو عطاء يفنى، وربنا لا يخص به أولياءه، ربنا خصك بأعظم شيء وهو الوحي. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ﴾، أفضل. يروي بإسناده عن مجاهد في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾، خيراً مما قالوا، وبإسناده: قوله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾ قالوا: مما قالوا نعم، نفس الشيء وتمنوا ذلك، فجعل لك ما كان ذلك تجري تحت الأنهار، طبعاً ده يبين فساد موازين هؤلاء في الحكم على الناس. وقال آخرون: ذلك المشي في الأسواق والتماس المعاش، وبإسناده عن ابن عباس قال: ثم قال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾ من أن تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس، ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾.
طبعاً يا شباب الله سبحانه وتعالى قطع كل شبهة في اتجاهين، كل شبهة يمكن أن تكون سبباً في صد الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قطعها، وفي المقابل قطع كل شبهة تجعل الناس يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم لغير ما هو عليه من الهدى، أفهمك دي، ربنا قال مثلاً: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، يعني أن الله من فضله جعلك لا تقرأ كتاباً ولا تكتب قبل هذا عشان ما يرتاب المبطل. لكن لاحظ، هل قال: إذا ارتاب؟ لا، ارتاب المبطل؛ لأن حتى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ويكتب وجاء بهذا القرآن، لا يرتاب فيه إلا المبطل، لأنه هو، طب ما هم بيعرفوا يقرأوا ويكتبوا، هل آمنوا بهذا القرآن؟ طيب، لذلك شوف هرقل سأل أسئلة متنوعة لأبي سفيان، سأله: هل كان من آبائهم ملك؟ لا، طب هل واحد قال ما قالته؟ لا، طب أشراف الناس اتبع؟ قطع كل شبهة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
طيب في المقابل، ممكن واحد يتبع النبي صلى الله عليه وسلم لغرض أنه عظيم في قومه، يعني هو رجل ذا مكانة كبيرة في قومه، لا، إنما ما جاءتش، طب عنده كنوز؟ لا، لكن ما هي الخصلة الموجبة؟ أنه كان صادقاً، فلذلك هو احتج عليهم بها: «لو أخبرتكم أن خيلاً بهذا الوادي تريد أن تغير عليكم؟»، أيوه، يبقى هم سيتبعون للحق فقط فقط. ولذلك أصلاً بدأت الدعوة بايه؟ بدأت الدعوة بمستضعفين، ما فيها إلا الصادق، عشان وده من فضل الله، من فضل الله أن تكون الدعوة، ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، ليه؟ عشان يكون هذا يصيغ هذه الدعوة بالجد، لا يبقى فيها من هو مذبذب ومرتاب، ميبقاش عنده يقين، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾، ده خلاص هيروح، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾، ده هيقع في السكة، لن يبقى إلا البقية التي ينصر الله بها حتى لو كانت قليلة، فالاعتبار مش بالعدد هنا، إنما الناس كالإبل، مائة.
يقول: قال أبو جعفر، والقول والقول.
الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية؛ لأن المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز، واستكثروا أن يمشي في الأسواق وهو لله رسول. فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعداً بما هو خير مما كان عند المشركين عظيماً، لا مما كان منكراً عندهم. وعنا بقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
مين يشرح لنا يا شباب الكلمة دي؟ مين يشرح لنا ماذا يريد أن يقول الطبري؟ يعني أربع سطور ما فيهمش أي ابتكار، بس أنا عايز أشوفك صاحي ولا نايم.
أفضل شيخ، استنكروا أن يكون له جنة أو استعظموا عليه هذا الأمر؟ لا ركز، ما استنكروا أن يكون له جنة، استعظموا أن لا تكون. والأصل أن لا... أنا عايزك تتعلم تقرأ الكلام وتفكه، قدامك كلام ومعاك مجموعة ناس عايزين تشرح لهم، واستنكر أن يمشي... فيسرا هذه الأمور استخدموها على إيه؟ أنا عايزك تشرح لي كلام الطبري، ما تقوليش أنت فاهم إيه، شرحت الشوية لا، أنا عايزك تتعلم تشرح كلام العالم اللي أنت بتقرأ له.
تفضل يا عصفور.
قال: والقول الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية، اللي هو إيه بقى القول ده؟ قول مجاهد اللي هو ذكره هنا بدلله بالآثار، قال بعد معنى ذلك خير مما قال هؤلاء المشركون لك يا محمد هلا أوتيت، وأنت لله رسول، ثم بين تعالى ذكره عن ذلك الذي هو لو شاء جعل له من خير مما قالوا، فقال ثم قال: لأن المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها. يعني المشركين عنده هو الأول، إحنا عايز أفهم إيه القول اللي رجحه وإيه القول اللي ما رجحوش.
طيب، الآن في قولين، فقال بعضهم: معنى ذلك خير مما قال هؤلاء المشركون لك يا محمد، هلا أوتيت وأنت لله رسول، يعني أن تؤتى هذه الأشياء اللي هي الجنة وغيره وتكون لك وأنت لله رسول، يعني أن يشرفك الله سبحانه وتعالى بهذه الأشياء مثل الجنة والكنز، وأن يكون معك ملك نبي، فهذا قول مجاهد. ثم القول الآخر: بل عنى بقوله ذلك المشي في الأسواق والتماس المعاش.
مش فاهم، لا بصوا يا شباب كلمة ذلك، مش كلمة ذلك دي لابد أنها تعود على شيء؟ صح ولا لا؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ﴾ ذلك اللي هو إيه بقى؟ إحنا عايزين نعرف ذلك ده.
أفضل يا أحمد، في عندنا حاجتين اتذكروا، خير مما يطلبه الكافرون، أو خير من حالك الذي وجدت عليه، اللي هو المشي في الأسواق وأنك تأكل الطعام. فهمنا كده؟ ماهو في حاجتين ذكروا يا شباب، مش إحنا عندنا الضمائر دي لازم نرجعها؟ خلاص، فإحنا عايزين نعرف ذلك، خير من ذلك اللي هو إيه؟ يعني مثلا ﴿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ ذلك اللي هو إيه؟ النار، صح؟ طيب ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ﴾ اللي هو إيه بقى؟ عندنا حاجتين ذكروا، أما ما اقترحه المشركون الكنز والجنة، أو حالك الذي بعثت به، أنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق. فالطبري بيقول أيهما أولى بأن يكون أشبه بتأويل الآية؟
القول: خيراً مما قالوا. ليه؟ اقرأ، هو أنا عايزك تفك كلماته مش تكون فاهم أنت لأنهم، لأن المشركين... لا، أنا عايزك واحد يقرأ ويفسر يا جماعة ده إحنا لسه ما خدناش حاجة صعبة.
قول يا محمد اتفضل، أيوه، الذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعداً هو خير مما كان عند المشركين عظيماً، أي الذي هو أولى بوعد الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو خيراً يظنه المشركون أن هو أفضل لنبي، أحسنت. لاما كان عنده كلام جميل، لأن هو المشي في الأسواق هم أنكروه، فربنا يقول له: ربنا يديك خيراً من ذلك، لا ربنا يديك خيراً مما اقترحوا. يبقى كلمة ذلك عشان تكون منسجمة مع الآية لازم تكون معناه أن الله سيعطيك خيراً من هؤلاء، هم إن شاء هم بيقترحوا جنس، يعني كنز وجنة فقط، ده ربنا ممكن يجعل لك قصوراً وأنهاراً وكذا وكذا، فده الأولى من أن هو يقول ربنا كان قادراً بأن هو يجعل لك خيراً من ذلك الذي هو المشي في الأسواق. فهمنا؟ تفضل.
نعم، معنى بقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بساتين في أصول أشجارها الأنهار، كما بإسناد عن مجاهد: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال حوائط، اللي هي البساتين. فقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾، يعني بالقصور، لا ويجعل لك في قراءة ويجعل لك، صح، بس دي ويجعل لك لأن ده جواب ﴿إِن شَاءَ جَعَلَ﴾، ويجعل، وقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ يعني القصور البيوت المبنية، وبنحو ما قلنا قال أبو التوية.
طبعاً في خلاف، هل هذا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ هل هو وعد في الدنيا أو وعد في الآخرة؟ بعضهم قال هذا وعد في الآخرة، لكن هذا بعيد، يعني هم بيقولوا تبارك الذي إن شاء، وكلمة إن شاء زي ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107]، بيقولوا إن شاء هذه تحقيقاً، زي بالضبط لا تدخلون المسجد الحرام إن شاء الله، فهم يقولون أن هذا المعنى تبارك الذي إن شاء، وهو شاء ذلك، لكن هذا مش مناسب، لأن هؤلاء كانوا يتكلمون عن الآخرة ولا عن الدنيا؟ كان يتكلمون عن الدنيا، فيبقى تبارك الذي إن شاء جعل لك، يعني في الدنيا خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، ويجعل لك قصوراً. الآية بقى القراءة الأخرى هي السبب في أن هم قالوا أن هذا في الآخرة، لأن جاءت ويجعل لك قصوراً، يجعل يعني سيجعل لك قصوراً، فقالوا أن دي في الآخرة. فهمنا؟
تفضل، يقول: وبإسناده عن مجاهد ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ قال بيوتاً مبنية مشيدة، كان ذلك في الدنيا، قال كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصراً كائناً ما كان. وبإسناده عن مجاهد ﴿وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ في الدنيا مشيدة، في الدنيا. أيوه في الدنيا، كل هذا قالته قريش فكانت قريش ترى البيت من حجارة ما كان صغيراً قصراً.
يقول وبإسناد عن حبيب قال، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً هو أخر هذا لأنه ليس مسنداً، لو كان هذا إسناد صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدمه، يقول قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها، ما لم...
ما أثر هذه الآية على المؤمن يا شباب؟ أثر هذه الآية على المؤمن أنه إذا هدي للإيمان والعمل الصالح والقرآن، لا ينبغي أبداً أن يتحسر على نعمة فاتته تفنى ولا تبقى، لأنك أنت ممكن تقول: طب أنا مش معايا فلوس، طب أنا شكلي كذا، طب أنا بدني كذا، طب أنا سكني كذا، طب أنا بلدي كذا، فيقعد الشيطان يعظم لك جانب الحرمان لينسيك ما عندك من النعم. فانت ضع في الكفة الأخرى الإسلام والهدى، انشراح الصدر للعمل الصالح، هذا هو الأمر الذي يخص الله به، فيبقى إذا أنت تكلم نفسك وتقول: تبارك الذي إن شاء جعلني غنياً وجعلني كذا، لكنه هداني للقرآن وللعمل الصالح ولقيام الليل وللإصلاح وللنفع في سبيله، فالحمد لله الذي خصني بهذا الذي يختص به من يشاء.
هل معنى ذلك أن أنا لا أطلب هذا؟ لا، ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]، اطلب لكن لا تطلب طلب المحروم، اللي هو يفكر أن ربنا، طب أنت يا ربي ليه بتعمل فيا كده؟ لا، كل من هداه الله للإسلام والعمل الصالح فلا ينبغي قط أن يرى أحداً أعظم عطاء منه، ما ينفعش، ما ينفعش أبداً، فدي فكرة مهمة جداً يا شباب، تبارك الذي إن شاء، كلم نفسك، أنت كلم نفسك، قول تبارك الذي إن شاء جعلني في قصر وفي كذا وكذا، لكنه ولله الحمد اختصني بركعتين أصليها بالليل بسورة أحفظها بدرس أحضره، فالحمد لله الذي خصني بأمر.
ويبقى وحتى لو فقدت الأمر الذي يفنى عادي جداً، والنبي عليه الصلاة والسلام، طب مش كان في أنبياء ملوك؟ عادي داود وسليمان، بس ربنا جعل نبيه ليس كذلك، جعله عبداً رسولاً وليس ملكاً، ليه؟ لأن الله جعل له، ولذلك ربنا قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾. مين يقول لي ما موقع ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ هنا؟ ما موقعها؟ الآية، بل، أصلاً بيسموها للإضراب، قول يا أحمد. عشان طبيعي أن اللي كذب بالساعة مش هيكون مقدر الهداية ولا مقدر... أحسنت، وإيه كمان؟ أفضل، يعني الأسباب اللي قالوها، هذا كله اللي مضى ناتج أنهم لم يؤمنوا بالساعة ولا يريدون لقاء، ممتاز، وإيه كمان شيخنا؟ استكثروا أجراً في الدنيا، نعم، أن هو يرون أن الأجر يكون في الدنيا فقط، فهم ظنوا أن هذا كيف يكون رسولاً؟ دي عشته، لو علموا ما أعد الله له، لا خلاص، يبقى ما عدش عندهم أي إشكال، إنما الإشكال الأصلي: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾.
ولذلك ربنا دائماً يأتي بهذا التعليل، لو أنت ذكي ركز كده، ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [طه: 1-3]، ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130]، وبعدين ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: 27]، يبقى هو ده السبب في ده كله، فاهم؟ وبعدين سيدنا موسى ماذا قال لما لما قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: 26]، قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27]. وربنا يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1-2]، ده يدل أن الإيمان بالآخرة هو مفتاح الكف عن الحرام ومفتاح المسارعة في الخيرات.
الإيمان بالآخرة يا شباب، الإيمان بالآخرة ده قل فيه ما تشاء، ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: 46]، ذكرى الدار معناها أنها أكبر همهم، وأكثر ما يخطر بقلوبهم، ولذلك الإمام أحمد قال لعلي بن المديني: اجعل التقوى زادك وانصب الآخرة أمامك، ما تحطهاش وراك قدامك ليه؟ عشان طول ما أنت تعلم أنك ﴿كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]، ستعد لهذا اللقاء، فشوف كلمة ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ جعلت جواباً لكل هذا، لأنهم لكونهم كذبوا بالساعة قالوا: كيف يكون رسولاً وربنا لا يعطيه شيء؟ أيوه، طب ما هو ربنا أعد له أعظم العطاء بس في الآخرة، طب ما هو ربنا هو خيره بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا متاعاً، لا اختار ما عند الله لأنه خير وأبقى.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، والله هذه الآيات يا شباب تنزل على قلب المؤمن شفاء من كل وسوسة الشيطان، كيف يكون عالماً ويهان ويشتم ويضرب؟ كيف يكون طالب علم ومش لاقي يأكل وبعدين يشوفوه يرأف لحاله؟ ترأف لحاله إيه؟ هداه الله لأعظم عطاء، يعني هو أنت أصلاً اللي موضع شفقة، يعني لما يكون إنسان صرف عن كتاب الله وعن الهدى يا رب يكون أغنى الناس، تبلغ إيه يعني؟ أنت موضع شفقة أصلاً، إنما أعظم العطاء هو الهدى والنصر، ولذلك سيأتي الاثنين في الصورة دي، ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31]، الهدى والنصر، والنصر أن تبقى ثابتاً إلى أن تلقى الله.
شوفوا الآيات يا شباب، الإنسان مننا يصبر نفسه بها، طب أنا إزاي ده إنسان طائع لله وبيمر بالظروف دي؟ أيوه عادي بيمر بالظروف، أمال الأنبياء دول هم خيرة الناس؟ انظر الابتلاءات التي سيدنا أيوب عليه السلام وسيدنا لوط عليه السلام، كل هذا الابتلاء ليه؟ لأن هذا الابتلاء ترفع به درجته عند الله سبحانه وتعالى، فيبقى الإنسان ربنا يعلمك أن تتعلم ما هو العطاء الذي يستحق أن تبذل له، وأن تفرح به أيضاً، ﴿قُل بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، هو ده اللي يستحق، هو خير مما يجمعون، ليه؟ لأن كل ما يجمعونه سيفنى، وكل شيء يفنى لا قيمة له، يعني افهم دي يا شباب، كل شيء يفنى لا قيمة له، إنما الشيء الذي يبقى قيمته في البقاء، ولذلك ربنا في سورة الكهف التي تتحدث عن أصناف الفتن سمى العمل الصالح إيه؟ الباقيات الصالحات.
شوف الآية بدأت ازاي: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: 7]، زينة زخرف يبهر الناس، تمام كده؟ ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]، والآية اللي بعدها فوراً ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8]، كل حاجة ستفنى، وبعدين ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، من ضمن في الزينة، وبعدين ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]. الباقيات سماها الباقيات ليه؟ لأنها تبقى، يبقى الإنسان العاقل هو الذي يسعى فيما يبقى، ويحمد الله على ما يبقى، ويحرص على أن يبقى له عمله، فلا يبطله لا بالمن ولا بالأذى ولا بالرياء ولا بمفاخرة، لأن كمان ممكن الإنسان يضل بالعمل الصالح، أنه يهدى لعمل صالح ثم يتكبر به، ويجدر الناس ويحقر، لا، ربنا يريد منك أن تبقي هذا العمل ليبقى لك أجراً.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾.
نعم، يقول قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن أعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. هذا وعد من الله للمتقين. ننتقل الآن إلى الحديث الثاني، وهو عن الصدق: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق».
طبعاً هناك حديث أصح من هذا، وهو حديث أبي سعيد الخدري لما قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله»، فبكى أبو بكر. هذا حديث من أعظم الأحاديث. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10]. وربنا تبارك وتعالى يسعد المؤمن بعمله الصالح أعظم مما يتمتع به الكافر. الإنسان ممكن يفكر أن ربنا خصه فقط بأنه يعمل عملاً صالحاً، لا، ربنا يسعده به. قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»، وحديث آخر: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً». هو يذوق هذا ويفرح به ويرى أنه لو كانت الجنة هكذا لكفت؛ هي الجنة في صدر المؤمن، ربنا يسعده به ويثيب عليه.
يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 11-12]. يقول تعالى ذكره: ما كذب هؤلاء المشركون بالله وأنكروا ما جئتهم به يا محمد من الحق من أجل أنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد ولا يصدقون بالثواب والعقاب تكذيباً منهم بالقيامة وبعث الله الأموات أحياء لحشر القيامة.
والأقرب عندي والله أعلم، ليس هذا الوجه، وإنما الوجه أنهم كذبوا بالساعة فلذلك ظنوا أني لم أوتيك ما تستحق من العطاء؛ فلأنهم كذبوا بالساعة قالوا: أين عطاء الله لرسوله؟ وكيف لا يجعل الله لرسوله من العطاء ما يجعل له؟ فكلمة ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ ليست جواباً على تكذيبهم له، وإنما جواباً على هذا الاستغراب: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أين عطاء الله له؟ فلو كانوا يؤمنون بالساعة لعلموا أن الله أعد لرسوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5]، وهذا عطاء الله في الآخرة وليس عطاء الله في الدنيا. طبعاً هو سيدخل فيه عطاء الله في الدنيا، لكن المراد في الآخرة؛ فلأن هؤلاء كذبوا، فأنا أرى والله أعلم أن كلمة ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ تخص هذه الجزئية تحديداً، أنهم في جزئية العطاء كيف يكون رسول الله والله لم يعطه العطاء الذي يستحق؟ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، لأنهم لو علموا ما أعده الله له من المقام المحمود يوم القيامة ومن المنزلة في الجنة ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، ما قيل هذا الكلام.
هنا بدأ الإنذار، يقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وأعددنا لمن كذب ببعث الله الأموات أحياء بعد فنائهم لقيام الساعة ناراً تسعر عليهم وتتقد. هذه السورة تفصل في الإنذار بما لم يأتِ في أكثر السور. اضرب لك مثالاً سورة الإنسان، إن آية واحدة بس فيها الكلام عن العذاب والتفصيل كله في الجنة، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 3-4]، خلاص خلص الكلام، كل السورة تتكلم عن تفصيل نعيم المؤمنين، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5]، تفصيل بقى. أما السورة دي شوف بقى ركز في تفصيل هذا العذاب والإنذار.
﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12]، يعني هي حادة البصر وتراهم وهذه الرؤية حق، بخلاف ما يقول بعض المفسرين: كيف ترى؟ وإنما يراهم ملائكة. لا، النار ترى وتقول: هل من مزيد؟ وتتغيظ. لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۚ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35]، والآية التي قبلها ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91]، تريد أن تنطبق عليهم أصلاً. فإذا رأتهم من مكان بعيد؛ شوف التفصيل، من مكان بعيد ده معناه إيه؟ أنت تعرف لما واحد تقول له أنا هضربك بعد ربع ساعة دي سهلة، لكن لما تقول له أنت ليك عندي علقة محترمة بعد شهر، يفضل طول الشهر ده مرعوب. فهم بقى من مكان بعيد مستنيين مصيرهم، شوف تفصيل العذاب والرعب هنا، في سعير منتظره وهو جايله، هيفضل مهدد على ما يجيله، فالعذاب يعظم.
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]، القوا دليل على الإهانة؛ لأنهم عتوا واستكبروا، ترموا فيها رمي. ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾، خد بالك، كل كلمة فيها صنف جديد من العذاب؛ القوا، تراموا، أحسنت الله يفتح عليك، أن يقذف فيها، يرمى، إهانة لأنهم استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً. ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾، شفت أنت الأسرى لما بيجمعوهم كلهم في سلسلة واحدة، قيد واحد، اتخذوا كده مجموعة ورموا في مكان ضيق ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ في الأصفاد. بس كده انتهى الأمر؟ لا، في مشهد تاني: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، في اللحظة دي قالوا يا رب نموت، وقالوا: يا مالك ليقضِ علينا ربك. فماذا قال الله؟ أجابهم: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 14].
لماذا؟ أنت لما بتيجي تنده واحد بتفضل تنده لحد ما يجيب، زي ما النهارده بيقول: أحمد يا أحمد، فبيفضل ينده عليه لحد ما يجاوب. فكلمة ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ يعني بيقولوا يا ريت الموت يجيلنا الهلاك. فربنا قال: لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، أنت هتفضل تدعي ومش هيجيلك، لن تناله، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 50]، لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً؛ لأن الداعي يتوقف عن الدعاء حينما يُجاب، صح؟ هم لن يُجابوا، وادعوا ثبوراً كثيراً. شفت التفصيل ده؟ ده بقى الإنذار، كل هذا ينذرهم الله سبحانه وتعالى ويخوفهم. كان هذا الأمر يخيف المتقين، وكان يزداد به المجرمون جرأة على الله؛ يقولون: يستعجلون العذاب ما يحبسه، ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فشوف هذه السورة كيف فصلت في هذا المشهد، كان ممكن يقول لك اعتدنا لهم سعيراً، وانتهى الأمر، لوحدها مرعبة، لا ده فصل لك في هذا حتى يتم الإنذار، وده من معنى الفرقان، أن الله لم يبقِ لهؤلاء حجة؛ ذكر الآيات والنذر، ولذلك قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]، لأن الذي لا تنفعه الآيات التي تخاطب العقل ولا النذر التي تخاطب القلب يبقى ده ملوش خلاص، هنعمل له إيه ده؟ ولذلك ستختم السورة: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]، دول مش نفع معهم أي حاجة.
يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، يقول: إذا رأت هذه النار التي اعتدناها لهؤلاء المكذبين أشخاصاً من مكان بعيد تتغيظ عليهم، وذلك أنها تغلي وتفور، يقال فلان يتغيظ على فلان وذلك إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه وتبين في كلامه، وزفيراً وهو صوتها. فإن قال قائل: وكيف قيل سمعوا لها، والتغيظ لا يسمع؟ قيل معنى ذلك: سمعوا لها صوت التغيظ من الغليان والتوقد. وبإسناد، لا نحتاج إلى هذا، لا نحتاج أن نسأل كيف؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأمر، كما قال: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41]، ولما يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]، إذا كان الله قال لا تفقهون تسبيحهم، أنت تقول التسبيح هي زقزقة العصافير؟ هو يقول لك لا تفقهون تسبيحهم، خلاص يبقى هي تسبح، نحن لم نحط علماً بما قاله الله. فقال لك سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، يبقى سمعوا لها هي تقول هل من مزيد، والسماوات والأرض قالت: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، عادي جداً. من الذي قال إن الإرادة والسمع والبصر هو خاص بالبشر من الذي قال ذلك أو خاص بالحيوان؟ لا، الله سبحانه وتعالى ذكر أمراً نؤمن به ونصدق.
وبإسناد عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يقل علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار»، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً، قالوا: يا رسول الله وهل لها من عين؟ قال: «ألم تسمعوا إلى قول الله: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: 12]». هي مش لازم يكون لها عين حتى ترى، يعني مش لازم، هو ربنا قال إذا رأتهم النار ترى وتقول وتقول هل من مزيد، ويكون لها هذا التغيظ، خلاص هذا ذكره الله سبحانه وتعالى فنحن نؤمن به، كيفية هذا لا نحتاج أن نعلمها.
وبإسناد قال أخبرنا معمر في قوله ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، قال أخبرني بإسناده عن عبيد بن عمير قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خرت ترعد فرائصه، حتى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه فيقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. أنا ذكرت لك قبل ذلك أن الطبري رحمه الله كان يستكثر من هذه الآثار وكثير منها يكون إسناده فيه ضعف واضح، فلذلك لن تجد هذه الآثار في أصح الكتب أو على الأقل في الكتب القريبة التي هي من سنة 150 إلى سنة 300، التي هي من أول موطأ مالك لحد النسائي، وتجد هذا في الكتب البعيدة، فهذا مما يجعلك ترتاب في هذه الآثار. استدل بالمعنى؟ نعم، بس يسند إلى النبي عليه الصلاه والسلام، هي الاعتبار مش أنك تقول إن المعنى صحيح، الاعتبار أنك تسند هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا ده معنى كلامك أن لو كان المعنى صحيح يبقى يصح أن ننسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لا، الذي يقول كلاماً ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر فيه فقط إلى صحة المعنى ولكن إلى صحة النسبة.
والعالم واحد زي البخاري مثلاً ومسلم كان دائرة رواياته هل مطابقة دائرة سماعه؟ ولا أقل؟ أقل، طبعاً طبيعي جداً. دائرة الرواية أقل من دائرة السماع، وابن معين يقول: سمعنا أحاديث كثيرة سجر بها التنور، يعني عرف بعد كده أنها غلط، فدف بها الورق الذي عمله، حطه في الفرن ودفى به، قال لك أنفع من إيه. زي ما الأعمش عمل حاجة لذيذة جداً، سمع راجل عمال يهجس ويحكي للناس أحاديث باطلة، فعمل موقف غريب، قعد في وسط الحلقة وقعد ينتف إبطه، موقف غريب جداً، بالله عليك تخيلوا كده، يعني واحد عمال يدي درس ومحمد المسال فاهم، واحد عمال يدي درس وعمال يهجس، فالتاني قال لك أنا والله لو قلت له أنت كذاب ده أقل، فقعد في وسط الحلقة وتك تك، الراجل قال له أنت بتعمل إيه؟ قال له: أنا في سنة وأنت في بدعة، يعني أنا على الأقل نتف الإبط ده سنة، إنما أنت عمال تهجس وأنا سايبك، ارحمني بقى، ارحم أمي العيانة، احنا أنا ماشي في العلاج فاهم. الأعمش لازم نقرأ سيرة الأعمش، سيرة الأعمش دي تموت من الضحك وسبحان الله على التركيبة يا شباب، هو طبعاً معروف كان له ولد حكيت لكم عليه، كان يقعد يحفظه القرآن وبعدين يجي يسمع له يقول له: لا أقسم بهذا البلد، ووالدي بلا ولد، قال له صدقت، قال له أبوك بلا ولد، لو كان واحد له ولد زيك يبقى بلا ولد. فهم بعثوه مثلاً يشتري له خيط فقال له طوله 5 متر، قال له طب وعرضه؟ ما هو طوله خلاص أنت روح للراجل وهو هيقول لك، قال له: عرض خيبتي فيك. وهكذا، يعني من شوف هو ده كده، وعمره في حياته ما أذن عليه الأذان إلا في المسجد، وبيقول: ما رأيت قفل القوم، عمري ما وقفت في.
يختلف الناس في طباعهم، فبعضهم يخرج بالهيبة والوقار كطبيعة جبل عليها، كالإمام مالك رحمه الله، والأعمش كان إماماً كبيراً في العبادة والعلم والقرآن، وطبيعته الهيبة والوقار. وهذه الأمور لا تأتي بتكلف الطباع، بل هو أمر يجعله الله لك في قلوب الناس، وهذا الاختلاف وارد. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لو لبثت ما لبث يوسف لأجبت الداعي». فلو عدت تلك المدة في السجن وقال لي أحد اخرج، سأخرج على الفور ولن أنتظر حتى تظهر براءتي، لكن يوسف عليه السلام قال: لا، بل ارجع إلى سيدك واسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن. فأنا أقصد أن أقول لكم: انظروا حيز الاختلاف إلى أي درجة قد يصل، فسيرة العلماء ميزتها في هذا الأمر أنك ستعرف أنه لا يوجد نمط واحد، فهؤلاء نحسبهم جميعاً على خير وهدى وإيمان، لكن تختلف هذه الطباع.
يقول بإسناده عن ابن عباس قال: إن الرجل ليُجر إلى النار، فتنزل وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لكِ؟ قالت: إنه يستجير مني. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليُجر إلى النار فيقول: يا رب، ما كان هذا الظن بك! فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: كنت أرجو رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليُجر إلى النار، فتشق إليه النار كما تشق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. نعم، هذا يتكلم عن أن النار تغار على حق الله تبارك وتعالى، وتريد أن تهلك هؤلاء الذين عاشوا في الدنيا بعد هذا الإنذار. انظر ربنا يقول: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60]. ربنا يخوفه ويطغى أكثر، يصرف لهم الآيات فلا يزيدهم إلا كفوراً. ماذا يفعل لهم بعد ذلك؟ يعني الآيات موجودة والنذر موجودة، يصرفها لهم وينوع الآيات في الباب الواحد فيزدادون كفراً، يخوفهم فيزدادون طغياناً. ولذلك ربنا ذكر هذا التعبير البديع: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ﴾ [القيامة: 31-33]. يعني أنت تكذب بالآيات، وذاهب تتبخطر وفرحان وتضحك. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي أَهْلِهِم مَّسْرُورِينَ﴾ [الانشقاق: 13]. لا، هذا المفروض ترتعد أصلاً ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: 34]. يبقى المؤمن يخاف وهو لا خوف عليه، والكافر يأمن وهو عليه الخوف.
يقول القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]. هذا يبين أنهم لن يروحوا للنار هكذا فحسب؛ لأن المشهد الأول يصور لك أنهم يأتون ماشين، ﴿لَا يَدْعُونَ هُنَالِكَ ثُبُورًا كَثِيرًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 13-14]. سبحان الله، كل كلمة تخيف المؤمن. لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً. يقول تعالى ذكره: وإذا أُلقي هؤلاء المكذبون بالساعة في النار في مكان ضيق، قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، دعوا هنالك ثبوراً. مالك؟ في تلك اللحظة دعوا بالهلاك. واختلف أهل التأويل في معنى الثبور، فقال بعضهم: هو الويل. وبإسناد عن ابن عباس في قوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ يقول: ويلاً. وبإسناد عن ابن عباس: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً وادعوا ويلاً كثيراً. فقال آخرون: الثبور الهلاك. وبإسناد يقول: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ الثبور الهلاك.
قال أبو جعفر: والثبور في كلام العرب أصله انصراف الرجل عن الشيء، يقال منه: ما ثَبَرَك عن هذا الأمر؟ أي ما صرفك عنه؟ وهو في هذا الموضع دعاء هؤلاء القوم بالندم على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا والإيمان بما جاءهم به نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى استوجبوا العقوبة منه، كما يقول القائل: يا ندامتاه، ويا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول في قوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي هلاكاً، يقول: هو مصدر من ثَبَرَ الرجلُ أي أهلك. ويُستشهد لقيله ذلك ببيت.
كما قلت لكم إن الطبري رحمه الله اعتمد على ثلاثة من علماء اللغة؛ الطبري سمى كتابه: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ماذا كان يريد بـ جامع البيان؟ يريد أن يجمع بين تفسير الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويريد أن يجمع بين تفسير أهل اللغة المعروفين، وهو اهتم بثلاثة تحديداً: أبو عبيدة معمر بن المثنى الذي كتابه مجاز القرآن، والفراء الذي هو صاحب معاني القرآن من الكوفة، وأبو عبيدة من البصرة، وفي الأخفش الأوسط. فهو أحب أن يجمع بين الاثنين، فأحياناً كان في دلالات اللغة يرجع لواحد من هؤلاء، ممكن يرجع لغيرهم بس هؤلاء أكثر ناس، وكان في الأغلب لا يسميهم، يقول: من أهل البصرة، من أهل الكوفة. فمن أهل الكوفة الفراء، ومن أهل البصرة ممكن يكون الأخفش وممكن يكون أبو عبيدة معمر بن المثنى، وهذا هو الأغلب.
ويُستشهد لقيله ذلك ببيت ابن الزبعرى: إذ جار الشيطان في سنن الغي وما لميله مثبوراً. وقوله: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ لاحظ أنه أحياناً ينكر عليهم في أمور وأحياناً يذكر مقالتهم فقط. هو هنا لم يعلق عليها. وقوله: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ زي بالضبط: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]، كذلك جمع كلام الله لأهل النار في الآخرة، هذا من أعظم التخويف، مثلاً: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 100]، اللي هو: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، مثلاً هنا: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]، كل هذا من شدة تفصيل العذاب.
سؤال: ثبور تأتي بمعنى الويل، هل هم يدعون أن يكون لهم ويل ولا كيف؟ لا، الويل يعني يقول: أنا في ويل، أنا في ويل، فربنا يقول: فإما أن يدعو بالهلاك ليرتاح أو أنه يندب، فحاجة من الاثنين؛ يعني زي ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: 16]، مثلاً: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، فيكون المعنى: اقعد ادعُ زي ما أنت عايز، مش هينفعك هذا الدعاء، أو لو أنت دعيت بالموت لن تنال هذا الموت. فسواء كان الثبور معناه أنه يقول: يا ويلي، فربنا يقول له: اقعد قول يا ويلي ده مش هينفعك، اقعد ابكِ. الثاني يعني سواء صبرت عليها أو جزعت منها أنت لن تخرج منها، أو الثاني أنه يقول: يا ليت أهلك ليقضي علينا ربك، قال: إنكم ماكثون. الكافر ليتني كنت... تمام.
يقول: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ﴾ أيها المشركون ندماً واحداً أي مرة واحدة، ولكن ادعوا ذلك كثيراً. وإنما قيل: ﴿لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ لأن الثبور مصدر، والمصادر لا تُجمع، وإنما توصف بكثرتها وقلتها، كما يقال: قعد قعوداً طويلاً، وأكل أكلاً كثيراً. وبإسناد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من يُكسى حُلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: يا ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبور، حتى يقفوا على النار، وهو يقول: يا ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبور، فيقال: لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً».
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: 15-16]. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة: أهذه النار التي وصف لكم ربكم صفتها وصفة أهلها خير، أم بستان الخلد الذي يدوم نعيمه ولا يبيد؟ التي وعد المتقون، لأن الحديث عن إدخال الجنة يتكلم فيه بلفظ التقوى وليس بلفظ الإحسان، لذلك مثلاً ربنا يقول: حقاً على المحسنين، ومرة: حقاً على المتقين. إيه الفرق بينهم؟ أن حقاً على المحسنين هذا حق مستحب، إنما حقاً على المتقين هذا حق واجب. فهنا قال: التي وعد المتقون، لأنه يتكلم عن الحد الأدنى الذي يدخل به الإنسان الجنة، اللي هو اتقى الكفر. طبعاً المتقون درجات.
هل الجنة فيها خير حتى يُقال إن النار خير منها؟ فده بيسموه تفضيل على غير بابه. لكن هو تفضيل؛ لأن هذه لا شك أفضل من هذه. أنا عايز حد منكم يجيب آيات في القرآن شبيهة بهذا المعنى، أن يكون المفضل عليه ليس فيه شيء ولا أدنى درجة من هذا التفضيل؟ ﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: 62]، أحسنت، ادي واحدة. وإيه كمان؟ ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40]، ممتاز جداً الله يفتح عليك. لازم تشغل دماغك عشان تجمع النظائر. ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَم مَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22]. الآخر ليس عنده شيء من الهداية، فاهمين يا شباب؟ محل البحث أن يكون المفضل عليه ليس عنده أدنى درجة من هذه الصفة. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59]. كل دي أمثلة على أن يكون المفضل عليه فيه شيء من هذا التفضيل.
يقول: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ يقول: كانت جنة الخلد للمتقين جزاء أعمالهم لله في الدنيا بطاعته، وثواب تقواهم إياه، ومصيراً لهم. لاحظ أن الجنة هنا لم يأتِ تفصيلها؛ لأن أصلاً هذه السورة بُنيت على الإنذار أكثر، هي فيها بشرى بلا شك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، لكن جاء التفصيل في الإنذار. ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ يقول: لهؤلاء المتقين في جنة الخلد التي وعدهم الله ما يشاؤون مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: لابثين فيها ماكثين أبداً، لا يزودون عنها ولا يزول عنهم نعيمها. وقوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾. كان على ربك وعداً مسؤولاً دي فيها دلالتان عظيمتان: وعداً مسؤولاً يعني كان حقاً على الله، يسأل الله، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، المؤمن يسأل ربه، الذين يحملون العرش يقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ﴾، فهم يسألون ربهم أن يُنجز هذا الوعد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنجز لي ما وعدتني»، فهو يسأله ربه سؤال الدعاء. فلأن هذا حق، أحق الله على نفسه، فربنا يحق على نفسه ما يشاء، كان حقاً عليه نصر المؤمنين: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54].
الرحمة، يحرم على نفسه كما في الحديث: «إني حرمت الظلم على نفسي». فربنا سبحانه وتعالى جعل ذلك حقًا ووعدًا مسؤولًا يسأله، ووعدًا مستحقًا، وجعله وعدًا مسؤولًا يسأله المؤمن بدعائه وعمله. لذلك هم يقولون: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 65]، يسألون ربهم الجنة ويستعيذون من النار، ويسألون ربهم كذلك بالدعاء. يبقى معنى مسؤولًا فيها جهتان: الجهة الأولى أن الله يسأل عنه، والمؤمن يطلبه طلب الدعاء من الله تبارك وتعالى، وهذا حق على الله تبارك وتعالى، أحقه الله على نفسه تكرُّمًا منه.
والأمر الثاني أن المؤمن يسأل ربه تبارك وتعالى هذا النعيم. وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194]، فكان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد التي وصف صفتها في الآخرة وعدًا وعدهم على طاعته إياه في الدنيا.
قال ابن عباس: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: 16]، كقوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، فاسألوا الذي وعدكم، نطلب إنجازه، أي اطلبوا منه تحقيقه وإنجازه. وقال ابن زيد في قوله: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ قال: سألوه إياها في الدنيا، طلبوا ذلك فأعطاهم، وعدهم إذ سألوه أن يعطيهم فأعطاهم، فكان ذلك وعدًا مسؤولًا. كما وقت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم، فجعلها أقواتًا للسائلين، وقت ذلك على مسألته، وقرأ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10].
وكان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ إلى أنه معني به وعدًا واجبًا، وذلك أن المسؤول واجب وإن لم يسأل كالدين. ويقول ذلك نظير قول العرب: لأعطينك ألفًا وعدًا مسؤولًا، بمعنى أنه واجب لك فتسأله. أي حق لك أن تسألني؛ يعني أنت لما تأتي بأجير ويعمل عندك، فأنت لما تسأله شيئًا تستحقه.
ما الفرق بين الاثنين؟ «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، دي معناها إيه؟ مع أن ربنا قال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]. نحن نعلم أن الأمر إذا جاء منفيًا وجاء مثبتًا فالمثبت غير المنفي، كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: 17]. فالله سبحانه وتعالى بيّن أن العمل الصالح سبب في الجنة لكنه ليس ثمنًا لها، «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». يبقى وعدًا مسؤولًا يعني يسأله العبد، يدعو ربه أن ينجز له ما هو حق على الله تبارك وتعالى؛ لأنه عزيز حكيم فلا يخلف وعده، لا يخلف الميعاد.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 17]. ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة، العابدين الأوثان، وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجن. «وما يعبدون من دون الله» اسم عام سواء عُبد برضاه أو بغير رضاه، سواء كان صنمًا أو كان عيسى أو كان عزيرًا، أي أحد أو الملائكة أو نبيًا من الأنبياء.
اختلف القراء في قراءة ذلك؛ فقرا أبو جعفر وعبد الله بن كثير: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء، بمعنى ويوم يحشرهم ربك ويحشر ما يعبدون من دونه فيقول. وقرأها عامة قراء الكوفيين: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ بالنون. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان متقاربتان المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ﴾ يقول الله للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: أأنتم أزلتموهم عن طريق الهدى ودعوتموهم إلى الغي والضلال حتى تاهوا وهلكوا؟ أم هم عبادي الذين أخطأوا سبيل الرشد والحق وسلكوا العطب؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 18]. يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: تنزيهًا لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء، ولكن متعتهم بالمال يا ربنا في الدنيا والصحة حتى نسوا الذكر، وكانوا قومًا هلكى قد غلب عليهم الشقاء والخذلان.
واختلفت القراءة في قوله: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: ﴿نَتَّخِذَ﴾ بفتح النون، سوى الحسن ويزيد بن القعقاع فإنهما قرآها: ﴿أَن نَّتَّخِذَ﴾ بضم النون. فذهب الذين فتحوها إلى المعنى الذي بيناه في تأويله من أن الملائكة وعيسى ومن عُبد من دون الله من المؤمنين هم الذين تبرأوا أن يكون كان لهم ولي غير الله تعالى ذكره. وأما الذين قرأوا ذلك بضم النون فإنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن المعبودين في الدنيا إنما تبرأوا إلى الله أن يكون كان لهم أن يُعبدوا من دون الله جل ثناؤه، كما أخبر الله عن عيسى أنه قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116].
ويدل على أن تفسير «لا إله إلا الله» يعني لا معبود حق إلا الله، أو لا معبود بحق إلا الله، الاثنين ينفعوا: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62]. فيبقى كلمة «بحق» تدل على الله وحده هو الذي له هذا الحق، لذلك ربنا قال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 79].
دون الله ينفع، ربنا يعطيه أمراً لينصر به دينه، فإذا به يدعو إلى الشرك. ما كان له، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب. تفضل: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117].
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بفتح النون لعلل ثلاث؛ إحداهن إجماع الحجة من القراء عليها، والثانية أن الله جل وعلا ثناؤه أي ذكر نظير هذه القصة قصة في سورة سبأ، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم﴾ [سبأ: 40-41]. طبعاً هو الطبري يا شباب كان عنده منهج خاص في ترجيح القراءات أو برد بعض القراءات، من ضمنها أنه يرى الأغلب على قراءة معينة فيقضي بها، خصوصاً إذا كان السياق من وجهة نظره يساعد على هذه القراءة، تمام؟
لكن أكثر العلماء بعده لا يرون ذلك، ويرون أن القراءة إذا كانت ثابتة حتى لو كان غيرها أولى منها بالدلالة، فيبقى دي قراءة تصح بها الصلاة. في فرق بين الترجيح أنك ترجح قراءة على أخرى وبين أنك أنت تسقط قراءة أو تبطل القراءة بها، فاهم؟ طبعاً منهج الطبري يحتاج إلى تحرير قوي جداً؛ لأن كثيراً من الناس يلصق إليه أموراً هي ليست منه.
فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم﴾ [سبأ: 40-41]. فأخبر عن الملائكة أنه: أيوه أنت ولينا من دونهم. ده يبقى كده هو جعل هذه الآية تفسيراً للآية الأخرى. ليه بقى؟ مين يقول لي وجه الشبه بين الاثنين؟
على قراءة نتخذ أو نتخذ، في فرق بينهم ولا لا؟ مين يقول لي الفرق؟ أما احنا مفعول به أو نحن فاعل، صح ولا لا؟ طيب لو هو جعل آية سبأ تفسيراً لهذه الآية وبياناً، سيرجح نتخذ أو نتخذ؟ اللي عارف يرفع إيديه. أعيد السؤال ثاني: إذا جعل آية سبأ تفسيراً لآية الفرقان فهو يرجح نتخذ أو نتخذ؟
افهموا يا شباب معنى أنت ولينا، لا يعني هم سيقولون ربنا أنت ولينا، يعني أنت المعبود. لا، على قول أن نتخذ من دونك من أولياء، أفهم أفهم يا عبد الله، هل هم يتكلمون عما يفعلونه هم، أم فعل بهم؟ ده الخلاف، هل نحن اتخذنا من دونك أولياء، يعني صرنا معبودات، أو نحن اتخذنا أولياء؟ تمام، دي القراءتين. فأنا بسألك الآية في سورة سبأ: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم﴾ [سبأ: 41]. يبقى أنت ولينا قطعا، ما معناه نحن نتولاه، نحن نعبدك.
فاهم كده؟ يبقى ﴿مَا كَانَ لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: 18]، دي إيه معناها هنا؟ ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، ما معناها نتخذ نحن؟ أما يكون معناها إيه؟ أنت ولينا، يعني أنت معبودنا، أو أن نتخذ يعني أن نجعلهم أولياء لنا، ندعوهم إلى عبادتنا؟ فاهمين يا شباب؟ يعني نتخذ من دونك يعني بدل من أن نعبدهم لك نعبدهم لنا لأنفسنا. أن إحنا نستعمل ما أعطيتنا من الهدى في أن إحنا ندعوهم، زي بالضبط: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 79]. ربنا أعطاه الكتاب والحكم والنبوة عشان يقول للناس اعبدوني ولا أعبد الله؟ فيبقى المعنى ده يا شباب، إما أن يريد أولئك الذين عبدوا من دون الله أن يقولوا لا سبحانك، وده اللي خلى الطبري يا شباب يفسر أن المعبودات هنا هي الملائكة؛ لأنه فسر الآية دي بآية سبأ. فهمنا كده؟ ماشي اتفضل.
يقول: فأخبر عن الملائكة أنهم إذا سئلوا عن عبادة من عبده، تصريح بذكر الاسم في سبأ؛ رجح الآية عنده هو لأنه رأى أن الآيتين متطابقتين. اتفضل.
كذلك يرد عن صحة قراءة من قرأ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء، بمعنى أنه ما كان ينبغي لنا أن نتخذهم من دونك أولياء. والثالثة أن العرب لا تدخل من هذه التي تدخل في الجحد إلا في الأسماء ولا تدخلها في الأخبار؛ لا يقولون ما رأيت أخاك من رجل، وإنما يقولون ما رأيت من أحد، وما عندي من رجل، وقد دخلت هاهنا في الأولياء وهي في موضع الخبر، ولو لم تكن فيها من كان وجهاً حسناً.
طبعاً هو هنا يرى أن هذه القراءة أرجح، وعنده ثلاث حجج، من ضمنها حجة في السياق، وحجة في آية أخرى فسرتها هو رآها كذا، والثالثة من الناحية اللغوية. لكن الذين اختاروا القراءة الأخرى يا شباب، ما معنى الآية على القراءة الأخرى ﴿مَا كَانَ لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾؟ هو عايز يقول إن كلمة من هنا فيها مشكلة، الصواب ما كان لنا أن نتخذ من دونك أولياء، بس من هنا خلت أن القراءة الأولى هي الأصح. فاهمين الفكرة؟
إحنا عايزين نفهم بقى وجه من قرأ بهذه القراءة إيه من وجهة نظرك؟ ليس لنا أن يشرك بنا شيئاً، أيوه، إحنا ما ينفعش يشرك بنا، ما ينفعش، ما ينبغي أن نتخذ نحن. أيوه، الله ينور عليك، ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116]، هي دي، إحنا ما ينفعش أن يلتبس على أحد فيجعلنا آلهة. إنما القراءة الثانية: ما كان لنا أن نتخذ، إحنا نتخذ، يعني نقول للناس كونوا عباداً لنا، فلا إحنا أهل لأن نعبد ولا إحنا ينبغي لنا أن نقول اعبدوه. فاهم كده؟
طب مين يقول لي بقى الجمع بين القراءتين هنا له أثر في هذه الآية؟ فكر بقى، والله اللي هيجيبها يبقى ذكي جداً، عشان لما تفهم القراءتين لهما أثر بالغ. إحنا قلنا ولا إحنا فينا الصفات القابلة، إيه بقى؟ ده يدل على إيه بقى؟ توحيد الله، آه، بس في حاجة تانية، دي مش تخص الله. لا، تبرئة نفسهم. هم كمان لا، الكلام هنا مش عن التبرئة.
لا، افهم باشا، ركز معايا، تصور كده أن في شخص عظم شخصاً، حلو، شخص عظم شخصاً فالشخص ده يعني خلاه إله، فالشخص ده بيقول أنا ما قلتلوش إني إله، ولا دعيته لعبادتي، وأنا ما أستحقش أكون إله. شفت الفكرة دي؟ الفكرة دي بتدل على إيه؟ تدل على أن هؤلاء ليس عندهم أدنى حجة على ما هم عليه، وهي دي معنى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]، يعني بيقولوا لا إحنا فينا شيء يستحق الألوهية ولا نحن دعوناهم إلى عبادتنا ومع ذلك عبدونا.
ده بقى يدخل الأصنام كذلك يا شباب، يعني ده يدخل في الأصنام، هي الأصنام قالت لهم اعبدوني؟ ولا قالت لهم اعبدوني؟ فاهم؟ فلا نحن فينا ما نستحق به العبادة، ولا نحن دعوناهم لعبادتنا. يبقى هو ده أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، ليبين الله أن أولئك ليس عندهم أدنى شبهة على ما هم عليه، فبالتالي ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 17]، كان هذا هو الجواب.
فهم اللي اختاروا هذا الضلال، يعني ربنا بيقول عبادي هؤلاء جاؤون يوم القيامة ضالين، أنتم اللي أضللتموهم ولا هم ضلوا السبيل؟ فقالوا احنا وجودنا مش سبب في ضلالهم، لأن إحنا ما فيناش صفات الألوهية، ولا إحنا دعونا هؤلاء أبداً، يعني إحنا ما لناش أي ذنب في هذا، هم بقى اللي ظلوا السبيل. وده يدل على مسؤولية الكافر عن كفره، وده أصلاً المقصود من الآية. مقصود الآية باختصار يا شباب هو إقامة الحجة على الكافر بأنه ليس له أدنى شبهة فيما هو عليه.
طب أسألك سؤال بقى، وده اللي أنا بدأت به القصة دي عشان تفهمه، كيف يكون هذا حجة على الكافر ولم يحصل بعد؟ ده في الآخرة، يعني لما ربنا يقول لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، ربنا يلقي الأصنام في النار، يقولهم لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، أده! طب هم شافوا الأصنام في النار؟ يعني هل هذه الحجة، كيف تقوم الحجة هنا؟ هو لو رأى كمان في النار في الدنيا كانت نفس الأمر. لا، لا، مش بتكلم عن كده، أنا بسألك سؤال، ربنا بيحكي المشهد هنا يبطل فيه حجة هؤلاء. المشهد ده حصل؟ شافوه بعينيهم؟ طب على أي وجه يذكر؟ إنذار، إنذار، مش حجة، فاهمين يا شباب؟
لأن بعض الناس مش قادر يفرق بين الاثنين، الحجة هي المقدمة التي يؤمن بها الخصم وأنت تلزمه بها، إنما الإنذار هو خبر إعلام، فمش لازم يكون المناظرة أو بيان الحق فقط في الآية أو البرهان، لا في إنذار. فربنا لما يقول مثلاً: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: 98-99]، فواحد يقول لك إزاي تقوم الحجة عليهم بأمر لم يروه؟ لا، دي مش حجة، ده إعلام وإنذار وإخبار، ممكن يتعظ به هؤلاء. فيبقى الآية ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ هذا إنذار من الله سبحانه وتعالى بأمر يحصل؛ لأن السورة دي يا شباب قائمة على الحجة الفرقان، وقائمة على الإنذار، الاثنين. فلما ربنا يقول: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: 3]، دي إحنا في حيز الآيات والبراهين، صح كده؟
طيب، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: 27] دي إيه؟ ده إنذار، عصابة الحق هي إنذار، أيوه بس ولكن بلغهم هذا وبلغهم الرسول عليه الصلاة والسلام. طيب ما في ولا واحد فطن مثلاً شال صنم وألقاه في النار، شوف إنه هو كيف، ولا؟ ما هو ما كانش ده الكلام، مش ده المعنى. المعنى ربنا بيحكي لهم مشهد لم يحدث بعد، فهل هو هنا يقيم عليهم الحجة بذلك؟ لا، هو ينذرهم، لذلك ربنا قال: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: 16]، في فرق بين ربنا يقول صرفنا الآيات، وفرق يقول نخوفه، ده شيء وده شيء. تمام، يبقى خلينا نتصور المشهد بقى يا شباب، ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أو يحشرهم وما يعبدون من دون الله، ربنا هيجيبهم وهيجيب المعبودات التي عبدت.
ممكن المعبودات دي تكون كل من عُبد؟ آه ممكن جداً، يعني لما ربنا يقول مثلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: 73]، مش ده يدخل فيه كل الذين يدعون، صح ولا لا؟ ممكن. لكن في بعض المواضع يستثنى، صح: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]، آه لا، دي ما يدخلش فيها الذي عبد بغير رضاه، صح ولا لا؟ هنا بقى يا ترى المعبودات دي كلها ممكن تكون كل المعبودات حتى من عبد برضاه، وحتى الأصنام ستشهد أنها ما كان ينبغي أن تتخذ آلهة؟ ممكن، تمام كده، ممكن جداً. وبعضهم قال خصها بالملائكة عشان آية سبأ أو غيرها.
طيب، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ﴾ يوجه الكلام للمعبودات هذه: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾، هل كان عندكم سبب في وجودكم أو في دعوتكم لهؤلاء؟ تمام. ركز كده وخذ بالك من ﴿أَضْلَلْتُمْ﴾ دي، ممكن واحد يقول لك ﴿أَضْلَلْتُمْ﴾ طب ما فرعون أضل قومه وما هدى؟ لا، لأن المعنى مش ده. المعنى هل أجبرتموهم على ذلك؟ لأن الفكرة هنا في إقامة المسؤولية، أن هو مسؤول عن ده، حتى لو هو دعاك إلى عبادته، فهو لم يضلك بمعنى لأنه لا يملك ضلالك ولا هدايتك أصلاً، وده المعنى.
لذلك هم قالوا لما هم قالوا في سورة سبأ، لما هم قالوا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَل كُنتُم مُّجْرِمِينَ﴾ [سبأ: 32]. قالوا لا، مكر الليل والنهار، أيوه بس احنا أنتم اللي كنتم مستعدين لكده أصلاً، أنتم كنتم مجرمين. يبقى ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 17]، الواقع أن هم ضالون بس أنتم أضللتم؟ قالوا لا ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، تمام، على اختلاف القراءات. ولكن عايزين بقى نفهم ولكن دي. اتفضل أحمد.
نعم، يقول: وأما البور فهو مصدر واحد وجمع للبائر، يقال أصبحت منازلهم بوراً خالية لا شيء فيها، ومنه قولهم بارت السوق وبارت الطعام، إذا خلا من الطلاب والمشتري، فلم يكن له طالب، فصار كالشيء الهالك. ومنه قول ابن الزبعري: يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور وقد قيل إن بور مصدر كالعدل والزور والقطر، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وإنما أريد بالبور في هذا الموضع أن أعمال هؤلاء الكفار كانت باطلة؛ لأنها لم تكن لله كما.
عايز واحد منكم يفكر كده في جواب هذه المعبودات التي عُبِدَت. ما معنى أنهم سيذكرون واقع الحال؟ فكر كده في الجواب، اقرأ الآيات وفكر. تصور المشهد، تصور الجزء الأول من المشهد وجواب هذه المعبودات، فكر دي آخر حاجة يا شباب هنقف عندها. المفروض أن يكون جواب الملائكة أو جواب الذين عُبِدوا من دون الله هو الذي يصف الحال الواقع؛ أنهم قالوا: لا، مش احنا اللي أضللنا، ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا. وبعدين يأتي التعقيب: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: 19].
مين أفضل يا مهند؟ شيخنا، هو في ارتباط في الآية ببداية السورة: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 7]؛ لأن معيار المشركين في ذاك الوقت أن السيادة وحتى النجاة في الآخرة هو اللي معه المال والولد، مثل آية سورة سبأ: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 35]، فلو كانوا في هذا الحال لما سيعذبوا يوم القيامة. فهي فيها نفي لهذه العقلية وهذا المعيار.
نزلي دي على الآية شيخنا. هي الفكرة التي ذكرتها عايزك تطلعها لي من الآية: ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾؛ شيخنا بتمتعهم وجعل الحياة الدنيا هي مركزية العمل، وأن العيش والانغماس في الدنيا هو أقصى ما يصل إليه الإنسان، وأنه سينجح في هذا الانغماس في الآخرة. لا، أنت كده ذكرت حاجة جديدة، أنت عايز تقول إنهم تصوروا أنهم ما داموا مُنعّمين في الدنيا يُنعّمون في الآخرة؟ دي فكرتك؟ لا، لأنهم تمتعوا في الدنيا وكان عندهم المال والولد والجاه، فسينجون يوم القيامة، ماشي، كده أنا عرفت خلاصة قولك.
مين تاني؟ اتفضل يا أسامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة»، فهم لما كان المعيار عندهم الدنيا وانغمسوا فيها، بلشوا يقيسوا كل الأمور عليها حتى أمور الوحي، فلما بدأوا يختبروا صدق النبي صلى الله عليه وسلم كانت معاييرهم معايير الدنيا كما جاء في أول السورة. فنرجع للآية: ﴿مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾؛ يعني زُخر في الدنيا والحياة الدنيا، فالانغماس في الدنيا يلهي عن ذكر الله حتى نسوا الذكرى وهم أصلاً قوم بور لا خير فيهم. يعني أنت عايز تقول: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ دي من المكملات، يعني هم كانوا قوماً بوراً ونسوا الذكرى؟ عايز كده؟ هم قوم بور بحيث أنهم صدوا عن الآخرة ولهوا بالدنيا. ماشي، تمام. أنا عارف طبعاً حديث «الدنيا ملعونة»، بعض العلماء حسنه، لكن الأقرب أن المعنى صحيح أنها لا تبقى، لكن وصفها باللعن ده فيه ضعف من ناحية الإسناد.
أفضل الجواب، وفي تعليل لسبب ضلالهم؛ إذا نظرنا لسورة الفرقان ومعنى الفرقان أنه القرآن فُرِّق على زمن طويل، فـ﴿مَّتَّعْتَهُمْ﴾ هنا هو طول الأمد، فيعني أن الله سبحانه وتعالى أطال في أمد هؤلاء ليُختبَروا ﴿وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾، فكان طول الأمد هذا فتنة لهم بـ(أنس) الذكر، وكان وجه الفتنة أنه كان قومًا بوراً وهلك. ماشي، طيب، حد تاني يا شباب عايز يضيف حاجة؟ معلش أنا عايزك تفهم كده؛ لأن الله لما يذكر تعقيباً لازم يكون في صلة، أنا عايز أفهم إيه التعقيب ده.
اسمع خالد وبعدين أحمد. أفضل شيخ، وجه الفرقان بالآية أنه الذين اتخذوا ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا﴾ أثبتوا الحق لله وأبطلوا الباطل، اللي هو ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، يعني أثبتوا بطلانهم حق الحق وأبطلوا الباطل. ماشي، لا، إحنا عايزين نفهم الآية؛ ﴿وَلَكِن﴾، ولكن دي معناها إيه؟ معناها هو ده اللي حصل. بص يا شباب، أنا عايز أفهمك كلمة "ولكن" وموقعي عشان تفهم، أنا بقول لك مثلاً: هو أنت عملت كده عشان كذا؟ لا، ولكن عملته عشان كذا، فاللي أنا بعمله ده هو التوصيف الحالي. فالآية ذُكِر فيها أمران: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 17]، فهم ذكروا الشق الأول الذي يخص أننا لم نضللهم. ولكن، طب إيه بقى "لكن" دي؟ اتفضل يا أحمد.
في الجزء الأول هم غرتهم الحياة الدنيا، يعني هم كفروا عشان غرتهم الحياة الدنيا بنعم الله سبحانه وتعالى أنعمها عليهم، والحاجة الثانية الله سبحانه وتعالى لم يعجل لهم بالعذاب، فالله سبحانه وتعالى مدهم بالنعم، زي ما أن الإنسان يطغى إذا رأى مستغنى، اللي هم الله سبحانه وتعالى متعهم وأمدهم بكل نعم هم عايزينها، أيوه فهم عشان كده كفروا بالله سبحانه وتعالى. الحاجة الثانية العذاب الذي الله سبحانه وتعالى ذكره في الآخرة لم يعجل لهم، فهم يفتكروا الله يفتح عليك، ممتاز، ممتاز جداً، دي فكرتين مهمتين لازم نركز فيهم.
﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾، حتى دي معناها زي: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]. هم الآن يا شباب يفسرون ضلال هؤلاء، من ضمن الأمور التي في الآية أن الله متعهم، "متعهم" دي فيها أكثر من معنى، أنعم عليهم. فاهم كده؟ تعرف الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ﴾ [يونس: 88]، يبقى أنت أعطيتهم ليضلوا. وفي معنى ثانٍ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: 82]؛ يعني ربنا ينعم عليهم فبدلاً من أن يشكروا الله ويعبدوه، لا، ده هم كذبوا. يبقى ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾. هل الآباء هنا دول هل ربنا ذكرهم عشان الآباء دول جالهم الذكر؟ لا، ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: 6]، طب ربنا يبين أنه عظم عليهم النعمة، متعهم ومتع آباءهم حتى نسوا الذكر. يعني أن هذا التمتيع وهذا الإمهال، أول شيء ربنا متعهم بالنعم، ومتعهم بأن أمهلهم؛ ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾، يعني لم يعجل لهم العذاب. فاهم كده؟ فهذا التأخير وهذا الإمهال بدلاً من أن يشكروه، لا، هذا أنساهم الذكر.
زي بالضبط إيه يا شباب؟ اللي هي في سورة ن والقلم وما يسطرون، ربنا قال إيه؟ قال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 5-6]. بعدين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ... فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ... وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ... أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 7-14]. بسبب ماله وما عنده من البنين استغنى عن دعوتك. فالمعنى أن هؤلاء يصفون تحديداً: "أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟" فهم تبرأوا أن يكونوا هم أضلوهم، تمام، هم ضلوا بالفعل، بس ما سبب ضلالهم؟ هو ده المهم.
طيب أنت ممكن تفكر، يعني الذي أريد أن أقوله لكم يا شباب، ما علاقة هذه الكلمة "لكن" بإثبات الضلال على هؤلاء؟ بيان رحمة الله تبارك وتعالى بهم، أنهم متعهم ومتع آباءهم ولم يعجل لهم العذاب، وأمهلهم وأنذرهم حتى نسوا الذكر. زي بالضبط: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: 110]، انشغلت بالسخرية منه عن أنك تذكر الله وتعبد الله وتشكر الله سبحانه وتعالى. فيبقى إيه زي بالضبط: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. لا، ما هو النسيان معناه الإعراض والترك. اتباع للهوى، اخترعوا آلهة وشرائعهم اجتماع الأهواء، وزعموا آلهة... لكن يعني اخترعوا ذكر؟ لا لا، ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ لا ما نسوش ذكر، بص يا جماعة عايزك تركز معايا بس بالله عليك؛ عشان الآية دي فعلاً هي من الآيات المشكلة من ناحية أن كثيراً بيستشكل ماذا تريد أن تقول هذه المعبودات.
طيب ركزوا كده معايا يا شباب، ربنا يحشرهم وما يعبدون، فيقول ربنا بيكلم هؤلاء الذين عُبِدوا من دونه أياً كان بقى، خلاص دول أتوا الله ضالين، فربنا يقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾، أنتم أضللتم ولا هم ضلوا السبيل؟ هم ضالون. تمام كده؟ فهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: 18]. خلاص، ولكن، ولكن ده تفسير لحال هؤلاء، ولكن متعتهم وآباءهم. تمام كده؟ حتى يعني معناها أن غاية هذا التمتيع حصل عنه هذا أنهم نسوا الذكر، تركوه، زي بالضبط: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ﴾، فأنت أعطيت فده يا شباب يدل على ماذا؟ يدل على أن هؤلاء مُتِّعوا من الله. تمام كده؟ وكان هذا التمتيع سبباً في أن ينسوا الذكر وأن يحلوا قومهم دار البوار، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. التمتيع ده بقى معناه إيه؟ بعض العلماء يرى أنه نعم الله التي أنعمها عليهم فطغوا بها ولم يشكروها، بعضهم يرى أن الله أمهلهم فلم يعاجلهم بالعذاب فغرَّ ذلك فاستمروا في هذا إلى أن وصلوا إلى البوار. فالمهم أن هذه الآية تبين أن أولئك يتحملون مسؤولية ضلالهم ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾، هم الذين نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً.
ليست نفس الآية: ﴿مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾، نفس الشيء، بل ﴿مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾، صح، ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ صح. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28]. ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ ماشي. خلينا نقف هنا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق