بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً بطلاب وطالبات أكاديمية الجيل الصاعد، وبالشباب المشرفين عندي هنا الله يحييكم، وبمن يشاهد الحلقة بعد ذلك في أي موقع من المواقع أو أي برنامج من البرامج، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع كل من يشاهد ويستمع بما يشاهد ويستمع.
نحن في سلسلة الهوية؛ تعزيز الهوية، والإشكال في الهوية، وتحديد ووضوح الهوية بالنسبة للشاب المسلم. ومن أكبر المشكلات الموجودة اليوم عند الشباب، من أكبر المشكلات، اللي هو: أنا مين؟ إيش المفروض أني أكون؟ من فين أنا أشكل هويتي؟ وقلنا إنه الهوية أصلاً فيه هويات بالنسبة للإنسان؛ في شي معروف، اللي هو مثلاً هوية وطنية، هذه تحدد جنسيتك، وتحدد فيها تاريخ ميلادك، وتستفيد منها في السفر، وتستفيد منها في.. وهذا شيء يعني يختلف باختلاف الناس واختلاف.. لكن احنا كنا نحن نتكلم هنا باعتبار أنه اللي يجمعنا هو الإسلام.
إيش الهوية؟ أو إيش محددات وملامح الهوية التي تشكل شخصية الشاب المسلم، أو ملامح الشاب المسلم؟ وقلت إن هذه الهوية ما تلغي الهويات الأخرى؛ إنسان ينتمي إلى قبيلة، إنسان ينتمي إلى مجتمع، إنسان ينتمي إلى أسرة، هذا شيء آخر ما في.. لكن الهوية الإسلامية هي الحاكمة على ما دونها. ذكرت في البداية أنه أول محدد للهوية هو العبودية لله سبحانه وتعالى؛ أنا تعريفي الشخصي، أول تعريف أعرّف به نفسي أمام نفسي، وأعرّف به نفسي أمام الآخرين، وأعامل به نفسي، هو أنني عبد لله، وهذا يؤثر على طبيعة نظرتي لنفسي.
الهوية الثانية أو المحدد الثاني: أنا أنتمي لأمة عظيمة، أمة كبيرة واسعة الأرجاء، أنتمي إلى هذه الأمة بدينها الذي هو الإسلام. اليوم سأتحدث عن محدد ثالث من محددات الهوية، الذي هو التاريخ. تاريخ؛ إيش علاقة التاريخ بهويتك أنت؟ هل التاريخ له ارتباط بهوية؟ هل أنا كشخص حتى تتشكل هويتي الإسلامية بشكل صحيح، لابد أن يكون عندي معرفة بالتاريخ أو يكون عندي استمداد من التاريخ أم لا؟ هذا سيكون محور حديث اليوم.
أولاً: الجواب بشكل سريع بعدين سأذكر الأدلة؛ الجواب بلا شك وبلا ريب أن التاريخ من أعظم محددات الهوية، وأنتم تلاحظون في مختلف البلدان في العالم تجدونهم يضعون مجسمات لشخصيات تاريخية مرتبطة بتلك الدولة، صح؟ مثلاً بعض دول أورووبا واضعين أحد قادة شو اسمه الحروب الصليبية اللي صارت، وتجد مثلاً بطل من أبطال الحرب، وأحياناً رمز من رموز المخترعين، وأحياناً رئيس دولة، وأحياناً كلهم أشياء من التاريخ، أحياناً نصب تذكاري يضعونه لأشياء معينة ويقيمون حوله طقوس أو اجتماعات سنوية أو شيء، ليش؟ لأنه يشكل هوية الشعب مع أنه شي تاريخي، صح ولا لا؟
وتلقى بعض الشعوب واضح عندها، يستمدوا دائماً، يذكر لك شخصيات تاريخية؛ فلان سوى، وفلان فعل، وفلان سوى، وفلان فعل، وأحياناً يتذكروا موته ويسووا ساعة حداد، وأحياناً ما أدري ايش تمام. الشعوب والأمم بشكل عام تعترف بالتاريخ. مع الأسف، يعني احنا كمسلمين بحكم أننا وجدنا في مرحلة كنا فيها ضعفاء في هذا الزمن، ولأن غير المسلمين خاصة الغرب عندهم تفوق مادي وصار في استعمار وصار في استشراق وصار في نقد للتراث الإسلامي وللسنة وحتى نقد للقرآن من جهتهم، وصار إنه غاية أمنيات كثير من شباب المسلمين هي أن يدرس في الغرب، فهذا كله أدى إلى أن الإنسان يعني يستحي نوعاً ما أو يخجل أو يواري رأسه في التراب من التاريخ؛ تاريخه، بينما أولئك يفتخرون بتواريخهم وبتاريخهم، صح؟ ومع الأسف كثير من المسلمين صاروا يتبنون اطروحات الغربيين في التشكيك في شخصياتك التاريخية العظمى.
فتجي بعض المسلمين يقول لك: والله تاريخنا يعني لم يكن مشرفاً، والله الفتوحات الإسلامية أصلاً هي كانت يعني استعمار، والله هذا كله تأثر بنا. بدل ما يكون في اعتزاز وافتخار واستجلاب المحطات التاريخية التي تعينك على تشكيل هويتك بشكل أفضل، صار في اهتزاز وإلى آخره. طيب، مو معنى ذلك أن كل شيء حصل في التاريخ فهو صحيح؟ لا، في صحة وفي خطأ.
طيب، الخلاصة أن هل للتاريخ دور في تشكيل هوية الإنسان؟ نعم. هل هذا خاص بالمسلمين؟ لا، الأمم تضع الأنصبة التذكارية وتستجلب تاريخها لتحيي فكرة. وبالمناسبة، هذي له شواهد تاريخية بس ما في مجال لها الآن، ولا حتى في تاريخ الفكر الغربي كان في بعض السمات الأساسية في بعض المراحل في تاريخ الفكر الغربي هي استجلاب شخصيات تاريخية وفتح سياق جديد في الواقع بناء على استجلاب التاريخ، لكن هذا ما يعني.. اللي يبغى يتوسع فيها يروح يقرأ عن القومية؛ نشأة القومية في الغرب، لكن مو هذا سياقها.
طيب، إذا تريد فقط لمحة سريعة بدون ما أذكر لك الأدلة التفصيلية -أنا حذكر الأدلة التفصيلية- بس إذا تبغى لمحة سريعة حتى تعرف أن التاريخ له تأثير على هويتك؛ تخيل نفسك الآن وقد ألغيت من ذهنك كل ما تعرف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قصص الأنبياء، ومن قصص أبي بكر وعمر وخالد بن الوليد وصلاح الدين، وقبل ذلك عائشة رضي الله عنها وخديجة وإلى آخره، تخيل نفسك الآن وقد قطعت الصلة بكل هذه الأحداث، ستشعر أن مكوناً أساسياً من مكوناتك قد فقد، أليس كذلك؟ أليس كذلك؟
لذلك، وانظر بالعكس؛ اجي اقول لك يا اخي انت مسلم، يا اخي انت ابن أناس عظماء، يا اخي انت ابن الأبطال وابن الأمجاد، انت ابن أبي بكر وابن عمر وابن صلاح الدين وابن قبل ذلك الصحابة خالد الوليد أبو عبيدة سعد بن أبي وقاص، كنت تشعر أنه انت يعني ما انت لحالك، ما انت وحدك، تشعر أنك يعني عندك تاريخ، لست ورقة ملقية في الأرض، بل انت ثمرة في وسط شجرة كبيرة تعتضد بساق الشجرة وبفروعها وبغصانها، كل شيء يعضد بعض، تشعر أنك جزء من شيء كبير جداً جيد. ولذلك تعرفوا العرب كان عندهم هذا الشيء قديما، فتجد مثلاً الذين يربون على تاريخ العرب الأبطال، تجد فيه على طول هو كشخصية تجد فيه الأنفَة والعزة والكرامة. طب إيش دخل؟ ويتكلم عن تاريخ؟ لا، التاريخ يصنع الإنسان، يصنع الإنسان.
طيب، إذا هذه كلها مقدمة في أن التاريخ له علاقة بهوية، التاريخ له علاقة بهوية، تمام؟ طيب، الآن نريد أن نذكر أدلة من القرآن ومن السنة على أن التاريخ يرتبط بالواقع ويؤثر فيه. ما أتكلم يؤثر فيه من جهة السياق العام الخارجي، لا، يؤثر فيه من جهتك أنت كفاعل في التاريخ، تمام ولا مو تمام؟ طبعا طيب.
أولاً، أولاً: القرآن مليء بذكر التاريخ وقصص الأنبياء، وباثبات العلاقة بل بتأسيس العلاقة بين ما ذكره من قصص وبين ما يريده من النبي صلى الله عليه وسلم. مرة أخرى، القرآن مليء بذكر التاريخ وبذكر القصص، وفي ثنايا هذا الذكر تأسيس للعلاقة والارتباط بين ذاك التاريخ وتلك القصص وبين ما يريده الله من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمله متأثراً بتلك القصص وبأولئك الشخصيات. هذا الآن مرتبط بين التاريخ وبين ما تفعله في الواقع.
ها مثلاً، قال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، ذكر الأنبياء أسماء أنبياء كثير، ثم قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. انظر ماذا فعلوا؟ افعل مثلهم. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم تاريخ الآن ملة إبراهيم حنيفا. طيب، إيش رايكم لو قلت لكم احنا كل يوم في كل صلاة نذكر شي متعلق في شي مرتبط بالتاريخ أو يعني شخصيات أخرى؟ يا شيخ لله درك ولله أنت ولله أبوك كمان. لا، غير التشهد؛ صراط الذين أنعمت عليهم. أنت كل صلاة تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. طيب، انت ممكن ترى تقرأها كذا صراط الذين أنعمت عليهم، طب مين هم هذولا الذين أنعمت عليهم؟ اقرأ سورة النساء ستجد الجواب: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ. لاحظ، أنت في كل صلاة تقول: ربي اجعلني على صراط الذين أنعمت عليهم. من اللي أنعمت عليهم؟ ترى في تاريخ طويل جداً أنبياء، شوفوا في علاقة كل صلاة، واضح العلاقة، شكراً يا عدنان الله يعطيك العافية.
طيب، أيضاً دليل آخر: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ.. إلى آخره. طيب، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، تاريخ ولا مو تاريخ؟ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وإلى آخره.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً كان يستحضر هذا، ولذلك لما آذاه شخص من الأشخاص أذى شديداً جداً جداً، شكك في عدالة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أمانته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. وقال عبد الله بن مسعود في البخاري، صحيح البخاري، قال: كأني أنظر إلى رسول الله يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، يحكي يحاكي مثل ما فعل النبي، مثل ما حصل لذلك النبي، وحصل لهذا النبي. هذا كله استجلاب للتاريخ وتفعيل له في الواقع وتأثير في كيفية تفاعل الإنسان مع الأحداث.
لذلك أنت شف لاحظ التأثير؛ ممكن تقول لك تجد انسان مثلاً مسلم كذا حزنان وضعيف وتأثر بسبب ما بموقفه وانهزم، كل المسلم لا لا يجبن، لا يضعف تمام، فاهم الفكرة؟ طيب، أنت لما تقول المسلم، أنت ما انت جالس تقول له أحمد ولا خالد، أنت جالس تقول للمسلم أنت لما تقول للمسلم إيش قصدك دجاج؟ تستحضر أشياء كثير من ضمنها التاريخ، فالمفترض ألا تكون كذلك، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحضر: رحم الله أخي موسى أُوذي بأكثر من هذا فصبر.
طيب، هذا الآن الحزمة الأولى من الأدلة، اللي هي ايش؟ القرآن يذكر التاريخ ويؤسس للعلاقة.
الحزمة الثانية: النبي صلى الله عليه وسلم يستحضر التاريخ لأصحابه، ويطلب منهم أموراً يطلب منهم هذه الأمور استحضار القضية التاريخية واستحضار القضية التاريخية. فمثلاً في صحيح البخاري أيضاً جاء خباب رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردته عند الكعبة في مكة وسط التعذيب، فقال: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ وأنت تعرف أن هذا الخطاب يأتي بعد ايش؟ طول يعني ألا.. ألا تدعو لنا يعني يا رسول الله تعبنا. هم شوفوا الآن كيف استجلاب التاريخ يؤثر في قرارات الواقع، ويؤثر حتى في طبيعة ما يغرس في النفس ويبعثها على الفعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يرده ذلك عن دينه، ويؤتى بأمشاط الحديد فيمشط ما بين عظمه وجلده من لحم وعصب، ما يرده ذلك عن دينه، والله ليسيرن الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون. لكنكم قوم تستعجلون.
انظروا كيف يستجلب النبي صلى الله عليه وسلم التاريخ ويستدعي التاريخ ويأتي بالتاريخ ليفعله في الواقع، وليقول: أنت في داخلك، في شخصيتك، في نفسك حاول أن تستنهضها وتأتي بهذا المكون التاريخي وتجعله أحد الروافد بصناعة قدرتك على التحمل والصبر والثبات وإلى آخره. وكل الخطاب القرآني في قص الأمم السابقة والابتلاءات التي ابتليوها، كل الخطاب القرآني هو مخاطب به الصحابة أيضاً والمسلمون جميعاً، ليس فقط النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، النقطة الثالثة: هي أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس للاقتداء التاريخي لمن سيأتي من الأمة لاحقاً. الآن، النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم.. هذه النقطة السابقة ايش كان؟ كان يأتي بالتاريخ يثبت الصحابة ويجعلهم.. صح، لا لا، الآن أتكلم عن نصوص في المستقبل؛ لسا النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن المستقبل، يخاطب أصحاب المستقبل أو من يمكن أن يستفيد من هذا النص في المستقبل ليرجعوا إلى التاريخ الذي لم يكن تاريخاً بعد.
النبي صلى الله عليه وسلم كان مثلاً يؤسس للاقتداء ببعض الصحابة، ولسا ما صار تاريخه، ولسا كان مستقبل في وقته، بس كان يؤسس لمن سيأتي لاحقاً ليقول لهم اقتدوا. ولذلك في السنن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي. هذا في وقت كلام النبي صلى الله عليه وسلم كان مستقبل ولا تاريخ؟ كان مستقبل، ولكنه هو في الحقيقة تأسيس لايش؟ للاقتداء به تاريخ بعدين، واضح؟
طيب، أنت الآن هذا أصلاً أكثر ناس يمكن أن يستفيدوا من هذا الحديث هم في مر التاريخ المفترض أنهم الحكام، حكام المسلمين، لأنه خلفاء؛ الخليفة. فانظروا كيف سنتهم فسيروا على سنتهم، هذا ليس فقط يشكل هوية الإنسان الواحد، هذا المفروض يشكل هوية الشعب كاملة إذا كان النظام سيسير على ذلك النظام. انظر كيف يؤسس النبي صلى الله عليه وسلم.
الهوية المستجرمة من التاريخ. ولذلك ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد نظر إلى السماء وكان كثيرا في الحديث وكان كثيرا ما ينظر إلى السماء، ها؟ في الليل نجوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد. وهذا فيه تأسيس لمحاولة الاقتداء بالصحابة والنظر فيما كان عليه الصحابة؛ لأنهم كانوا أمنة لهذه الأمة.
ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. هذا الآن كان مستقبلا وهو سابقا كان مستقبلا وهو الآن تاريخ.
فأنت الآن كإنسان مسلم تعيش في القرن الخامس عشر الهجري تمام، لا تستطيع أن تترك هذا التاريخ، لا تستطيع أن تحذف الثلاث قرون الأولى أو تنظر إليها باعتبارها محطة تاريخية لا علاقة لك بها. بالعكس هي من خير المحطات التي مرت في تاريخك. وحين نقول القرن الخامس عشر الهجري، هذا له علاقة بالموضوع ولا ما له علاقة بالموضوع؟ العلاقة بالموضوع، إيش العلاقة؟ التاريخ هو التاريخ الهجري، التاريخ الهجري مرتبط بمن؟ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مرتبط بمن؟ بنا نحن.
ولذلك أحرصوا يا شباب، أحرصوا يا شباب حتى لو كانت الأماكن اللي تعيشوا فيها ما بيستعملوا التاريخ الهجري، أحرصوا أنكم تعرفوا التاريخ الهجري وتستعملوه ولو، ولو أحيانا، أنا ما أقول لا تستعملوا الميلادي، سنقول استعملوا الهجري ولو أحيانا، لا تنسَ التاريخ الهجري، لا تعتبره غير موجود، لا تعتبره شيئا تكميلياً، هو من هويتك، هو من هويتك تمام.
طيب أحبك الله يا عمار. كم نقطة ذكرنا الآن؟ طيب أنا أقول شي، قلت لك لله درك وما أدري ايش؟ ها يا أكاديمية الجيل، اثنين ولا ثلاثة؟ ثلاثة.
فتلك النقطة الرابعة، النقطة الرابعة وهي خطيرة جدا في قضية التاريخ والهوية وهي مرتبطة بالقرآن والسنة؛ القرآن يقول: دينك ودين إراهيم ودين نوح ودين موسى ودين عيسى ودين إسماعيل وإسحاق و... كله الإسلام. نعم، تختلف التفاصيل، تختلف الشرائع، ولكن هو دين واحد من حيث الاستسلام لله والخضوع له والانقياد له، وهذا له ارتباط بين التاريخ وبين هويتك كإنسان مسلم.
ولذلك اسمعوا هذا الحديث ربما كثير منكم لم يسمعه سابقا وهو حديث صحيح في البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأنبياء أخوة لعلات. مين مر عليه الحديث؟ مين مر على الحديث أو يعرف معناه؟ الأنبياء أخوة لعلات. تعرفوا إيش معنى علات؟ علاتهم الضرات. الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، تشبيه أمهاتهم شتى ودينهم واحد، يعني كأنهم أخوة لأم. الأمهات هنا إيش المقصود فيها؟ أيوه، الشرائع التفصيلية لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، فهذا من هذا الأم وهذا من هذا الأم وهذا من هذا الأم، بس ترى كلهم دينهم واحد، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، مثل ما لو كان أبوهم واحد وامهاتهم مختلفة، صار هم يجمعهم شي الآن، يجمعهم الأب بس الأمهات مختلفة، لذلك تلقى مثلا كلهم فيهم خصلة مرتبطة بالأم، بالأب عفوا، تمام؟ وبعدين كل واحد عنده من أمه شوي كذا الأنبياء، وكذا أنت معاهم كمسلم، الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، واضح؟
طيب الآن هذا ما يؤسس للعلاقة بينك وبين التاريخ العظيم تاريخ البشرية كله من ناحية الأنبياء ومن تبعهم من المسلمين. صح؟ ولذلك تجد أن الله سبحانه وتعالى إذا ذكر الأنبياء أحيانا تجد إثبات هذه الوحدة، مو وحدة الأديان اللي دحين، مو وحدة الأديان اللي دحين أنه أديان حرفت المقصود أصل أديان الأنبياء وليس النسخة الموجودة الآن تمام؟ أصل الدين الذي هو الاستسلام لله والتوحيد وتحقيق التوحيد، أما التفليت وما التثبيت فليس من دين الأنبياء. تجد مثلا أن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
هذا فيه إثبات ولا ما في إثبات؟ فيه إثبات، أنت لست وحدك ولست منبتا هكذا، لا، أنت لك علاقة بإبراهيم عليه السلام. أنت مو في كل صلاة، عشت في التشهد، إيش تقول؟ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على... قال: إبراهيم، صليت على إبراهيم. كل صلاة تقولها ولا ما تقول كل صلاة؟ إيش معنى هذا؟ معناه أنك أنت يا حبيبي، طب أنت عايش كده، أنت مرتبط بأمة، مرتبط بتاريخ، مرتبط بأنبياء، مرتبط بشريعة نزلت من السماء، مرتبط في شي، ما أنت، ما أنت كائن حي موجود في طرف هذا وجدت في ألف ومدري كم وواحد وعشرين عايش في هذا الزمن، همي أكل والعب وأتشقلب وأطلع وبعدين خلاص، صلِّ اللهم على نبينا محمد... آه لا، قضية أعظم من ذلك، في في... لذلك، لذلك اسمعوا ما قال الله سبحانه وتعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ.
ولذلك يا شباب جميعا والحاضرين جميعا، فرق كبير جدا جدا جدا بين إنسان يشعر أنه يعيش وحده ولا علاقة له بأي شيء مضى وبين إنسان يعيش وهو يشعر أنه تبع لإبراهيم عليه السلام، وأنه مؤمن بموسى وعيسى وكل الأنبياء، وأن ما أنزل عليهم في أصله هو واحد، وإن كانت الشرائع تختلف، ثم هو يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتفاصيل سيرته وأحداثه، ثم هو يؤمن بمن سار على درب النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والأبطال والرجال. تخيل إنسان يمشي وهو محمل بكل هذه المعاني وبكل هذا الرصيد، تشعر أنه إنسان ثقيل ثقيل امتلأ، وبين انسان يمشي أكثر ناس يعرفهم خمسة لعيبة كورة وستة حقين أفلام، تبع فرق موسيقية وكم شخصية أنمي وشخصيات ألعاب إلكترونية، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، إذا كانت بالوزن ستجد أن ذاك يزن أطنانأ وذاك بالكاد يزن كم جرام، فرق هائل هائل هائل جدا هائل جدا.
طيب، احنا كم ذكرنا الآن؟ أربعة. طيب الأخيرة الخامسة. الأخيرة الخامسة: القرآن والسنة يؤسسان بشكل واضح للاقتداء التفصيلي، شوف أنا غير قبل شوي حقت الأنبياء ابتداء أول القضية العامة اللي هو الدين الأصل، لا، إلى الاقتداء التفصيلي والاستحضار الشمولي والدقيق المتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون حياتك معيرة معيرة ومقاسة وممسطرة إن صحت التسمية على مسطرة النبوة وعلى مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام.
وإذا كان هذا لا يؤثر في الهوية فما الذي يؤثر في الهوية؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، صلوا كما رأيتموني أصلي، خذوا عني مناسككم. ولذلك كان الصحابة يقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، طبعا غير الآيات الكثيرة: مَنْ يُطِعْ... يعني ورد الأمر بطاعة الرسول في القرآن تقريبا في أربعين موضع أو فيما قارب ذلك، وليس فقط الأمر بالطاعة، هي التحذير من أن تخالف ولو واحد من الأوامر النبوية الأوامر الواجبة، لذلك: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ... وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا... ولا يعرف الأسلوب العربي هنا: أمرا تشمل كل الأوامر، أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، ليس لك خيار، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
طيب، الآن هذه قضية التأسيس للاقتداء الشمولي التفصيلي بالنبي صلى الله عليه وسلم وتذكر ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل شيء ومحاولة السير على سنته، هذا جزء أساسي من تشكيل هويتك كإنسان كإنسان مسلم.
وآآ هذا هذا هذه النقاط كلها تدل على أن من المهم جدا علينا أن ندرس التاريخ. طيب، انتهينا الآن من الخمس نقاط، الآن اريد أن أختم ببعض الملاحظات.
الملاحظة الأولى: الملاحظة الأولى إذا قرأت التاريخ فلا تقرأه قراءة رواية أو قراءة قصصية مجردة، إذا قرأت تاريخك اقرأ التاريخ قراءة على أنه جزء مما يمكن أن يؤثر في هويتك تمام؟
هذا واحد. ولاحظ اثنين، بس لا تفصلوها عن واحد، لا تفصلوها عن واحد هي متصلة بواحد تماما مكملة ضابطة. ولاحظ اثنين، ها إذا قلنا أنك تقرأ التاريخ قراءة استمداد وتشكيل لهويتك أو تأثير في تشكيل هويتك فيجب أن تفرق بين التاريخ الذي يصلح أن يتم الاقتداء به بنسبة مئة بالمئة وبين التاريخ الذي تقتدي في بعض صوره، واضح؟ فلا يصلح أن تقول والله لانه موجود في الدولة العباسية إذا هو جزء من هويتي، الدولة العباسية ليست معصومة جيد، والله لأنه واحد في وقت صلاح الدين الأيوبي بدر يشفي، صلاح الدين الأيوبي نفسه ليس معصوما، واضحة الفكرة؟ فتفرق فتجعل كل شيء له قيمته، وبالتالي وبالتالي وبالتالي.
وهذه ملاحظة رقم ثلاثة وهي مكملة مهمة للناحية الثانية ملاحظة رقم ثلاثة: المواقف التاريخية هي محكومة بالمظلة الأصلية للهوية التي هي العبودية والإسلام، فهي التي تحكم التاريخ بحيث إنه ما الذي يصلح منه أن يكون مشكلا لهويتي وما الذي يعتبر خطأ فلا يكون مشكلا لهويته؛ لأنه البعض ترى تاخذه حمية على التاريخ الإسلامي يقول لك البطل العظيم أحد خلفاء المسلمين مدري ايش سوى، أصبر أصبر شوي، اتحمس مرة تمام سوى أشياء بس تنتبه لا تسوي كذا يعني كورة كده لأ انتبه في صح وفي خطأ وفي كده لا تنظر نظرة سوداوية ولا تنظر نظرة إنه ما يوجد أي خطأ، فنحن بنقول التاريخ وتأثيره في الهوية ليس معنى ذلك أن هو تعصب أنه تأخذ أي شيء، لا، اقرأ التاريخ قراءة ليست قراءة قصص وإنما قراءة استمداد ثاني أعرف درجات ثالث أحكم، خل الشرع هو الحاكم على هذه المواقف التاريخية وليست المواقف التاريخية هي الحاكمة للشرع.
الملاحظة رقم أربعة: نلاحظ رقم أربعة، أعظم نقطة في التاريخ تستلهم منها الهوية وتستلهم منها معالم التشكيل الشخصية وتستلهم منها آه خل نقول الاقتداء التفصيلي وتستلهم منها، هي مدرسة محمد عليه الصلاة والسلام، النقطة التاريخية المرتبطة بالنبي صلى الله عليه وسلم الأهم محطة تاريخية يمكن أن تنظر إليه مرحلة الإسلام الأولى جيد، ثم بعد ذلك التفضيل بحسب ما فضل النبي صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يرونهم.
طيب، بهذا نكون قد أخذنا عرضا سريعا متعلق بالتاريخ وعلاقتي بالهوية، لا تنسوا لا تنسوا أن هذا ليس هو المكون الوحيد لهوية المسلم، معك مكونات قلنا: المكون الأول العبودية لله، المكون الثاني الإسلام والانتتماء للأمة الإسلامية، المكون الثالث التاريخ وسيأتي إن شاء الله مكونات أخرى من ضمنها اللغة، سأحدثكم عن العلاقة بين اللغة والهوية بإذن الله تعالى، وكذلك سنتكلم عن الهوية وعلاقتها بالضد كيف تتميز هويتك بالنسبة إلى إلى من هو ضد هويتك وأن هذا له اثر في صناعة آه هويتك وربما تتيسر أشياء أخرى، الله يعطيكم العافية فتح الله علينا وعليكم بارك الله فينا وفيكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ أحمد السيد