تسجيل الدخول

تدبّر سورة الأنفال 02

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد:

أستعين بالله ونستفتح هذا المجلس من مجالس الحديث عن سورة الأنفال، تفسير هذه السورة والتأمل في آياتها واستخراج دروسها وعبرها. وهذا المجلس نبتدئ فيه من قول الله سبحانه وتعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.

هذه الآية جاءت بعد قول الله سبحانه وتعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. ثم جاءت إذ، وإذ هذه ظرفية تتحدث عن ظرف زماني، صح؟ تتحدث عن وقت، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ. هذا الظرف قيل إنه متعلق بقوله سبحانه وتعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ، ها، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، هذا الآن إرادة الله، إرادة الله متعلقة بهذه الحال التي كنتم فيها، أو هذه الحال متعلقة بإرادة الله سبحانه وتعالى، وقيل المقصود: واذكروا إذ، واذكروا إذ تستغيثون ربكم.

على أية حال، هذا المشهد العظيم الذي ذكره الله في هذه الآيات: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ، هذا مشهد عظيم من مشاهد يوم بدر، مشهد يعني من أجلِّ المشاهد التي كانت يوم بدر. والمقصود الأول بهذا اللفظ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ هو النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم وفي ذلك المقام استغاثة عجيبة وعظيمة وكبيرة لربه سبحانه وتعالى. وهذه الاستغاثة من النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر لم يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته استغاثة كمثل ما حفظ عنه من الاستغاثة في ذلك اليوم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط بين الدعاء والقتال أو بين القتال والدعاء، فتكرار الدعاء مع القتال أو الحث على الدعاء مع القتال هذا دائم، لكن الاستغاثة الشديدة المحققة يعني التي لم يُعهد مثلها أو لم يُحفظ مثلها في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت يوم بدر.

ومجرد تلك الاستغاثة التي حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر تبيّن لك حساسية ذلك اليوم واستثنائية ذلك المقام، وأنه يوم فاصل. ويُعرف ذلك من طريقة الاستغاثة ومن نفس كلمات الاستغاثة؛ لأن من كلمات الاستغاثة في ذلك اليوم أن قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض. ولك أن تتصور وأن تتخيل أن ثلة مؤمنة تواجه الجيش الكافر، وهذه هي الثلة المؤمنة الوحيدة في الأرض، وليس من وراء هذه الثلة إلا بقايا من الذرية ومن بقية من لم يستطع الحضور، بقية يسيرة جداً، لكن هذه هي العصابة المانعة الأساسية، القوة للمؤمنين. فالمقام مقام مواجهة بين الإسلام وبين الكفر، وليس بين فئة مسلمة وفئة كافرة، وإنما بين الإسلام والكفر، بين الفئة الممثلة للإسلام مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وبين المشركين.

طيب يا جماعة، الآن إحنا لا زلنا في الاستغاثة، لكن خلينا بس نرجع نتصور الحال حتى يعني نعرف كيف كانت النفوس في ذلك اليوم. الآن معركة بدر هي أول لقاء مواجهة بين المسلمين والمشركين، ولقاء المواجهة هذا أتى بعد مرحلة استضعاف طويلة جداً. يعني الآن أول ما أقبل المشركون والمسلمون في موضعهم وفي معسكرهم، ثم رأوا المشركين، ترى لما يرون أبا جهل وعتبة وشيبة والوليد وعقبة بن أبي معيط وهذه الفئة، هذه الفئة مرتبطة بالذاكرة عندهم مع سجل طويل من التعذيب، سجل طويل من الإجرام والظلم والتسلط، يعني تخيلوا الآن الإنسان، عارف، يعيش مرحلة مستضعَف، ها، ويرى جلاديه أمامه بسطوتهم بقوتهم، كيف ممكن يكون شعور الخوف والإنسان ليس بيده لا عدد ولا عُدّة وفي تجربة في بأس هؤلاء وتسلطهم وجبروتهم؟! فلذلك لو تلاحظون في سورة الأنفال الله سبحانه وتعالى يعني ذكر عدة مثبتات للمؤمنين، وعدة أسباب قدرها لتزول الهيبة من نفوس المؤمنين تجاه هؤلاء المجرمين الطغاة.

فمثلاً: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا، هذه أسباب نفسية الآن، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا، هذه ستأتينا إن شاء الله في الدرس يمكن بعد القادم أو اللي بعده. لاحظ هذا الآن سبب تزول به شيء من الرهبة النفسية؛ لأنه هي رؤيا منام، وطبعاً من الفوائد الجميلة في هذه الآية أنه لم يأتِ الخبر من الله سبحانه وتعالى بأن عددهم قليل؛ لأن عددهم لم يكن قليلاً، وإنما أتت مناماً، ها، وبما أنه منام، فالمنام تُستعمل فيه الرموز، واضح؟ فقد تكون القلة التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم مقصوداً بها القلة في بأسهم أو في شدتهم أو في هذا، ورُمز لها بقلة العدد، وإلا لو كانت خبراً لكان غير مطابق للواقع ولا يكون ذلك، وبناءً على ذلك أتت في المنام، ها، لكن إيش الفكرة أو إيش القضية وإيش السبب؟ السبب هو إزالة الهيبة من قلوب المؤمنين.

وأيضاً حتى في الآيات التي معنا في هذا الوجه عندنا شيء يعني يدل على شيء من إزالة الرهبة، في أي آية؟ أحسنت: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. ما هو هذا التثبيت؟ هذا التثبيت شيء في داخل النفس، في داخل القلب، وجزء منه هو، ترى بالمناسبة لما يذكر جاءت بعض الروايات أو بعض المفسرين يذكر أشياء قد لا تكون ثابتة لكنها هي تدل على المعنى، أنه تصل إلى أن الملك ممكن يتكلم بشيء، أنه ترى المشركون يعني قالوا سننكشف أو أنهم سينكشفون إذا كذا وإلى آخره، فيتداول المؤمنون مثل هذا الكلام، قد لا يكون هذا ثابتاً، لكن لاحظ المفسرون هذا المعنى اللي هو معنى أنه ترى تثبيت داخلي نفسي.

طيب، إحنا الآن كثرة المثبتات تدل على ماذا؟ على هول الأمر وشدة ذلك الموقف، إحنا لما نأخذها كذا في التاريخ نقول: والله ثلاثمائة وأربعة عشر أمام ألف، لا، هي ما هو ثلاثمائة وأربعة عشر أمام ألف، هي كان موقفاً رهيباً مهولاً عظيماً أتى بعد قصة طويلة من الاضطهاد والظلم والجبروت والتعذيب والتسلط على المؤمنين. بعدين من هؤلاء الثلاثمائة وأربعة عشر؟ ها، بلال اللي كان يُسحب في أروقة مكة، ها، وبقية الصحابة الذين كانوا منهم من هاجر إلى الحبشة سابقاً ومنهم يعني فئة لم تجرب مصاولة هذه الفئة. وأصلاً المشركون هؤلاء ترى لم يُعدوا عدتهم الكافية، يعني أصلاً كانوا في غرور، أصلاً يعني: من هؤلاء الذين إحنا توّ كنا نسحبهم في شوارع مكة ونضربهم ونعذبهم، الآن جاؤوا يقاتلون؟! من هؤلاء الذين تجرؤوا حتى يقاتلون؟! من هؤلاء؟! هذه النفسية اللي خرج بها المشركون، لذلك في نفس سورة الأنفال إيش الآية تدل عليه؟ لا، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. المؤمنون خرجوا للعير، ثم بعد ذلك تحول إلى قتال، كم فارس معهم؟ فارس واحد، معهم فارسان بس، ما في شيء.

طيب، لأجل ذلك كله ولأجل هذا التاريخ ولأجل هذه المعطيات ولأجل أنه صراع بين الإسلام والكفر، ولأجل حساسية المعركة واستثنائية كل شيء، استغاث النبي صلى الله عليه وسلم تلك الاستغاثة. كانت تلك الاستغاثة معبرة عن هول الموقف، كانت تلك الاستغاثة معبرة عن حساسية المشهد، كانت تلك الاستغاثة معبرة عن أن هذا الأمر يعني هو في صميم الحد الفاصل بين النجاة والهلاك، بين الفوز والخسران، بين النصر أو الهزيمة.

طيب، ما هي هذه الاستغاثة التي استغاث بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه الاستغاثة حفظها لنا أهل الحديث، فبيّنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين وعددهم ورأى المسلمين وعددهم، استقبل القبلة صلى الله عليه وسلم ومد يديه وأخذ، وهكذا في الرواية: يهتف بربه، يهتف بربه ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض. قال: فما زال يهتف بربه ماداً يديه حتى سقط الرداء عن منكبيه، فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه من خلف النبي صلى الله عليه وسلم فالتزمه ووضع الرداء على كتفيه وقال: كفاك مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعدك.

طيب، من الدروس والعبر المهمة في هذا المشهد هو أن كل هذه الاستغاثة الشديدة التي أتت من النبي صلى الله عليه وسلم، هي استغاثة آتية بعد الوعد بالنصر أم قبله؟ بعد الوعد بالنصر أم قبله؟ بعد الوعد، بعد الوعد. وبالمناسبة الوعد على قسمين: في وعد عام وفي وعد خاص، الوعد العام ترى كل ما نزل في النصوص المكية، يعني ترى في رصيد كبير من السور والآيات التي نزلت في مكة فيها الوعد، صح ولا لا؟ فيها الوعد بالنصر وفيها الوعد والإخبار عن سنن الله وإهلاكه، ولا تنسوا أن الله قد توعد هؤلاء المشركين بأعيانهم، توعدهم بالعذاب في الدنيا، شوف لاحظوا، في وعد. وهناك وعد خاص اللي هو: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ، ولذلك كان الدعاء أصلاً هو إيش؟ أنجز لي ما وعدتني، أنجز ما وعدتني.

طيب، ما هو الدرس المستفاد؟ الدرس العظيم المستفاد من هذا المعنى هو أهمية سبب الدعاء، الدعاء سبب عظيم للنصر، ولن يأتي عليك مقام في المصاولة بين الحق والباطل سيكون عندك فيه من الوعد ما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك استغاث بهذا القدر من الاستغاثة، ودعا بهذا القدر من الدعاء. وبناءً على ذلك، فلا ينبغي لمؤمن في مقام تدافع بين الحق والباطل أن يستهين في قضية الدعاء وفي قضية الاستغاثة، بل هي من أعظم الأسباب التي يواجه بها الأعداء ومن أعظم أسباب النصر، حتى لو كان هناك وعد مسبق بالنصر، كل هذه الاستغاثة وهناك وعد مسبق! فكيف بنا اليوم، ها، خاصة من يقومون في مقامات مواجهة الأعداء من أعداء الله سبحانه وتعالى، هم أحوج الناس إلى مثل هذا الدعاء، هم أحوج الناس إلى مثل هذا الدعاء، وهم أحوج الناس إلى دعاء الأمة لهم.

وهذا فيه أيضاً سنّة النبي صلى الله عليه وسلم في قضية العلاقة بين القتال وبين دعاء الأمة حتى من غير الحاضرة لهذا القتال، ومنه في حديث النعمان بن بشير المشهور: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الأرواح وتحضر الصلوات، وفسروا الصلوات هنا بالدعاء الذي يُدعى به للمسلمين في القتال، فهذا من الأمور التي يعني ينبغي استحضارها أو دوام استحضارها: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ.

وكون الله سبحانه وتعالى ذكر لنا هذا المشهد معناه أنه يحبه سبحانه، يعني مشاهد يوم بدر كثيرة، الله سبحانه وتعالى ذكر منها، وممكن ترى الإنسان يتتبعها بعدين في سورة الأنفال كم مشهداً ها من مشاهد يوم بدر ذكره الله في سورة الأنفال؟ فمن المشاهد مشهد الاستغاثة: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ، فَاسْتَجَابَ لَكُمْ. طبعاً هذه الألف والسين والتاء ليست للطلب، إنما هي للتحقيق والمبالغة في تحقق الشيء، استجاب لكم.

ما هي هذه الاستجابة لهذه الاستغاثة؟ الاستجابة كانت في التبشير بنزول الملائكة، يعني التبشير المفصل المخصص أو الخاص أو المعين بصورة من صور النصر أو بسبب من أسباب النصر، يعني لم تكن الاستجابة: إني سأنصركم، وإنما كانت الاستجابة في شيء معين ومفصل من أسباب النصر، ما هو؟ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، ومردفين: يتبع بعضهم بعضاً، يردف بعضهم بعضاً، يعني أيضاً قابل العدد للزيادة، يعني سواء خارج الألف، أيضاً ذكر بعض المفسرين أنها قابلة للزيادة من خارج الألف كذلك.

طيب، هنا ابن عاشور يلتقط التقاطة بديعة وجميلة ولطيفة ورائعة جداً، خليني ممكن أقرأها لكم بالنص، عنده التقاطة في هذا التبشير رائعة. شوفوا يا جماعة، يقول: وفائدة التبشير بإمداد الملائكة أن يوم بدر كان في أول يوم لقي فيه المسلمون عدواً قوياً وجيشاً عديداً، فبشرهم الله بكيفية النصر الذي ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لماذا؟ لأن النفوس أميل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره، بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم، واضح؟ يعني هذه كأنها مراعاة من الله سبحانه وتعالى لطبيعة النفوس البشرية التي تفرح بالسبب المحدد والمعين والمباشر. وبعض المفسرين أشار أيضاً إلى أن الوعد بالنصر العام قد يمكن أن يأتي في النفس أنه ولكن قد يكون مسبوقاً بحالة من الابتلاء وحالة من الصعوبة وحالة من، ثم هيئت النصر، لا، هنا بشرهم بمدد من الملائكة، هذا الآن أنه ترى في ألف من الملائكة سينزلون معكم، كان هذا من أعظم المثبتات ومن أعظم المبشرات في مثل هذا المقام وفي مثل هذا المشهد.

ومن هنا يؤخذ أهمية التفاؤل والتبشير وقت المعارك ووقت التدافع بين الحق والباطل، وأنه لاحظوا: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، إيش؟ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ، يعني الآن القتال الصفوف قائمة والعدو أمامهم، ما الذي حصل من الاستجابة؟ حصل الاستجابة بشرى بس، بشرى! بشرى، لاحظوا قيمة البشرى، يعني ترى ممكن النفوس تتغير والقلوب تطمئن لأنه هناك بشرى، وهذه لا شك أنها معتمدة على إيمان؛ لأنه أصلاً الإيمان بالملائكة هو إيمان بشيء غيبي، ها، فهم مؤمنون يؤمنون، لكن جاءتهم البشرى المعينة فاطمأنت القلوب وسكنت النفوس.

ولذلك من كان يعني في مقام القيادة ومقام التأثير أو التذكير في مثل هذه المقامات، فمن أهم ما ينبغي الحرص عليه هو التبشير، خاصة إذا كان هناك مبشرات يعني محددة أو محسوسة أو معينة، فلها وقع في النفوس في مثل هذه المقامات أكثر من مجرد التبشير العام أو التبشير المجمل، هذا يستفاد من هذا المعنى: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.

طيب، قد يقال: يكفي جبريل عليه السلام ها يعمل بجناحه للمشركين فينتهي؟ لا، ولكن الذي حصل أنهم نزلوا كهيئة المقاتلين، أو في حدود يعني إيش؟ القتال البشري، قد يكون يعني لا شك أنه لهم من القدرات أكثر من ذلك، لكن هم لم ينزلوا بقوة يعني ما يُنزل الله به الملائكة للعذاب الاستثنائي الذي تُقلب به الديار، لا، وإنما نزلوا بخيولهم ها وبسيوفهم أو بأصواتهم ويقاتلون ويدخلون في القتال ويدخلون في المعركة. وهذا الذي حصل كما في الرواية، هذا الذي حصل كما في الرواية في صحيح مسلم أنه كان المسلم يعني يطارد المشرك فما يعني ينتبه إلا وقد سقط ضُرب وجهه بسوط الملائكة أو بسيف الملائكة. ولذلك جيش من الملائكة شهد المشهد وكان لهم أفضلية، مع أنه هم شاركوا باعتبارهم يعني مدداً نازلاً للمسلمين على المشركين، لكن مع ذلك كما في البخاري، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أفضل المسلمين، قال جبريل: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة، وكذلك من شهد بدراً من الملائكة من أفضل الملائكة؛ لأنهم شهدوا يوم بدر.

وهذا يدل على أن المقامات التي يضيق فيها الحال بحيث تصبح الثلة المؤمنة هي الممثلة للإسلام، الحامية له، المدافعة عنه في وجه الباطل، وتضيق الأحوال ويشتد الأمر بحيث إنه إما أن يوجد الإسلام وإما أن يضمحل، هذه المقامات، هذه المقامات من أشرف المقامات، لذلك الواحد يتحدث عن أنه ترى لما يأتي الإنسان في أزمنة غربة وفي أزمنة فتن وفي أزمنة تسلط الباطل وفي أزمنة تسلط الظلم، فلا يبتئس، ويبحث عن أن يقيمه الله في مقام الدفاع عن الحق وإبطال الباطل؛ لأنه متى ينال هذا الشرف في التاريخ؟ في التاريخ كله متى ينال هذا الشرف؟! ولذلك يحصل يعني على مر التاريخ أحياناً استحضار مثل هذا المعنى؛ لأنه حصلت، حصلت حملات على الأمة الإسلامية في التاريخ خلاص يعني ضاقت فيها الأحوال، يعني مثلاً لما جاء المغول أو التتار أسقطوا البلدان والمدن واحدة تلو الأخرى، واحدة والأخرى، ما بقي شيء، ما بقي شيء من أقصى مشرق العالم الإسلامي أسقطوه كله حتى وصلوا إلى بغداد ووصلوا إلى بلاد الشام واحتلوا البلاد، فخرج لهم الجيش من مصر، جيش المماليك بقيادة قطز رحمه الله، فلما اشتد القتال قال كلمته المشهورة المعروفة التي نقلها عنه المؤرخون جميعاً لما اشتد القتال مع المغول، ماذا قال؟ واإسلاماه! أنه يعني خلاص المقام واإسلاماه، يعني مقام مقام الإسلام أو الكفر ما في، يعني الدنيا حتنتهي. فهذه مقامات خطيرة جداً وحساسة جداً.

إحنا نقول يا جماعة: ترى زماننا هذا الذي نعيش فيه إحنا ما نقول إنه يعني ما في إلا فئة مؤمنة، الحمد لله المسلمون منتشرون، ولكن طبيعة المعركة اليوم وطبيعة الصراع بين الحق والباطل طبيعة فيها تغول وشمول في هيمنة الباطل عجيبة ومخيفة جداً، فلذلك من يقوم اليوم في مقام نصرة الحق وفي مقام مصاولة الباطل، فهذا يعني من أشرف الأزمنة التي يُدافع فيها عن الحق ومن أشرف الأزمنة التي يُدفع فيها الباطل.

وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ، ها، وإيش؟ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، هذه لاحظ تكرر معنى التثبيت الداخلي، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. هنا تأمل ها يا من تدافع عن دين الله، يا من تصاول أعداء الله، يا من تنصر الحق، يا من تبطل الباطل، تأمل الأسماء الحسنى الواردة في مثل هذه المقامات: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ها، وبالتالي ترى من الأسماء التي ينبغي أن تستعمل وقت الدعاء بالنصر واستمداد ما عند الله وكذا: يا عزيز، يا حكيم، ها، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

ثم ذكر سبحانه وتعالى صوراً من صور الاستجابة لهذه الاستغاثة، فقال إيش؟ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ، الأَمَنَة: الأمان، ها، والعلماء يذكرون أن النعاس وقت الصلاة من الشيطان ووقت القتال من الملائكة أو من الرحمن، يعني وأعجب شيء أن يأتي النعاس وقت القتال! أعجب شيء أن يأتي النعاس وقت القتال، يعني أنت تعرف لو الواحد نعسان ها لو الواحد نعسان وجاءت مصيبة، مصيبة من مصائب الحياة، ما يعني يروح كل النوم؟ أو خطر معين، صح ولا لا؟ تخيل إنسان جاءه خطر معين وهو نعسان، خطر كبير جداً يعني في حياة أو موت، ما في مكان للنعاس، لكن هنا تخيل في كل هذه الظروف وفي كل هذه الأحوال وفي كل هذا القلق والتوتر والصعوبة والحال والشدة والجيش والعدد يأتيهم النعاس! وهذا أيضاً ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران، قال: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ، ومن أهمته نفسه هل ينام؟ ما ينام. الفكرة الفرق بين الاثنين أنه هذاك يعني كأنه فوض أمره لله، توكل عليه، وبشره الله فاطمأن قلبه فنام أو نعس، أما الثاني همّته نفسه: خلاص، أنت الآن المحك، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ، هؤلاء لم يغشهم النعاس.

طيب، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ، طبعاً هذه الآية هي مستمرة ليست خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى سمعنا من يذكر سمعنا من يذكر ويروي مثل هذه المشاهد حصلت أيضاً لعباد الله المؤمنين في مختلف الأماكن ومختلف المقامات يحصل فيها تدافع بين الحق والباطل، يكون هناك توكل على الله، يكون هناك دعاء، يكون هناك استمداد، يحصل مثل هذا، وهذا من أعظم صور الطمأنينة.

وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، كل شيء حدث في ذلك اليوم له حكمة، فيه معنى، فيه شيء متصل إما بتثبيت المؤمنين وإما بهزيمة الكافرين والفتّ في عضدهم، لاحظوا الله سبحانه وتعالى يذكر التفاصيل ويذكّر بها، ولذلك من أخطر الأشياء أن تمر على المؤمن الآيات، الآيات والمشاهد والعبر والدلائل ثم ينسى، خاصة إذا كان نسيان نسيان جحود، ها، خاصة إذا كان نسيان نسيان جحود، الله سبحانه وتعالى لا يحب من ينسى نعمته: شهدتَ الآياتِ تذكّر، شهدتَ الآياتِ تذكّر واحمد الله ولا تنسَ، وإن نسيتَ اللي هو غياب الحدث عن الذاكرة ها فإذا ذُكِّرت به فيجب عليك أن تتذكر وتشكر، فلا تنسى الآيات، لا تنسى الآيات، لذلك لاحظوا الله يذكر بالتفاصيل واحدة تلو الأخرى: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، ثم بعد ذلك الآية التي قال إيش: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ، بعد طبعاً: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ، ثم بعدها: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ.

وهنا طبعاً يذكر العلماء والمفسرون عدة أمور مرتبطة بالماء الذي نزل أو بالمطر الذي نزل من السماء في ذلك اليوم، منها: أن المكان الذي كان فيه المسلمون كان مكاناً رملياً، وهذا المكان الرملي قد تغوص فيه الأقدام في الكر والفر والقتال، فجاء المطر فثبّت هذه الأرض فأصبحت قابلة للحركة عليها بسرعة. وكذلك ذكر كثير من المفسرين ولعلهم اعتمدوا على بعض الروايات المروية في هذا الباب، أن من الصحابة في ذلك اليوم من أصبح على جنابة وكانهم فقدوا الماء أو قلّ فيهم الماء، ومن هنا دخل الشيطان: تصلون مجنبين؟ تصلون على حدث؟ كذا إلى آخره، فجاء هذا الماء ليطهر المؤمنين، ها، هذا من التفاسير المشهورة فيه: لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، ها، وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، يعني كان واضحاً من هذا الماء والمطر أنه محفوف بمعية الله، فوقع موقعاً حسناً من المؤمنين فزاد في تثبيتهم، فزاد في تثبيتهم. وهذا كله دليل على شدة مقام ذلك اليوم، ودليل على أن المؤمن يحتاج إلى كثرة المثبتات والمبشرات التي تربط على قلبه ويثبت به الأقدام.

ثم: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ، حتى الملائكة وهم الملائكة بقوتهم وبما جعله الله لهم من القدرة ومن الإمكان ومن الأجنحة ومن، إنما هو بمعية الله: أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، هذا التثبيت للمؤمنين هو من أدوار الملائكة التي جعلها الله لهم في الحياة الدنيا، وفهم العلاقة بين المؤمنين والملائكة هو أمر في غاية الأهمية، والمؤمن الذي يعيش وهو يستحضر طبيعة العلاقة بالملائكة يعيش حياة فيها من السعادة والسكينة والطمأنينة ما لا يعيشه من لا يدرك هذه العلاقة. ولا أريد أن يتحول الدرس إلى الإيمان بالملائكة والحديث الطويل عنها؛ لأنه الحديث تذكرون يمكن في الحقيبة الشرعية الإيمان بالملائكة كان الحديث طويلاً جداً جداً عن علاقة المؤمنين بالملائكة وأدوار الملائكة، ترى أدوار في الحياة الدنيا.

ولذلك ترى حتى الملائكة لهم أدوار حتى في قضية ترى الخواطر الحسنة التي تحدث للإنسان المؤمن، ها، وفي كما قال ابن مسعود: لمة الملك، لمة الملك ولمة الشيطان، لعلي إذا وجدت الأثر سريعاً أقرأه عليكم، هذا أثر مهم جداً. نعم، قال ابن مسعود، اسمعوا معي هذا الأثر، قال: إن للمَلَكِ لَمَّةً وللشيطانِ لَمَّةً، ما هي لمة الملك؟ لاحظوا، قال: فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، جيد؟ أخرجه ابن المبارك في الزهد. اسمعوا تعليق ابن تيمية على هذا الأثر، قال ابن تيمية: وهذا الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ عنه، وهو كلام جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل ومن شعور وإرادة، ها، يعني هو ترى يرجع هذه الأشياء في بداياتها إلى الملائكة بإذن الله سبحانه وتعالى التي يؤيد بها عبده المؤمن، ها، فيقذفون في قلبه بإذن الله من الخير ومن البشرى ومن التفاؤل ومن التثبيت والى آخره، واضح؟

فإذا جاءت المعارك وجاء التصاول بين الحق والباطل، فهنا أيضاً يعني يعظم هذا الدور، فهنا بإذن الله تعالى لما جاء الخبر، ها، الوحي إلى الملائكة: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، هذا تثبيت من الله بملائكته لعباده المؤمنين في ذلك اليوم، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، اليوم الفاصل بين الحق والباطل.

فكما قلت يعني ينبغي على المؤمن أن يعني أولاً أن يحب الملائكة، وأن يتأمل في يعني في الأدوار التي يقومون بها مما ذكره الله سبحانه وتعالى ومما ذكره رسوله صلى الله عليه وسلم. تعرفون الملائكة ماذا قالوا في سورة فصلت: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فصلى الله على جبريل وميكائيل وعلى عباد الله الصالحين.

وتعرفون في التحيات نحن نسلّم على الملائكة في كل تشهد لما نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قال العبد ذلك، أي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال: إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض. هي أصلاً كان الصحابة ماذا يقولون؟ كانوا يقولون: السلام على جبرائيل، السلام على ميكائيل، فجاء التوجيه النبوي بأن يكون السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. واستحضر وأنت تقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين في الصلاة، استحضر أنك تسلّم على الملائكة أيضاً: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وترى مثل ما ذكرت لكم، ترى يعيش المؤمن باستحضار الملائكة وهذه ترى حياة أخرى، يعني حياة أخرى وهو يعيش في هذا الشعور غير الحياء منهم، هم ترى أيضاً يعني طبيعة علاقتهم بالمؤمنين طبيعة تفصيلية، تعرفون لما قال في عثمان: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ طيب ليش تستحي الملائكة من عثمان تحديداً؟ ترى لبعض السمات في شخصية عثمان تحديداً، فهمت الفكرة؟ فيعني أيضاً معرفتهم بالبشر وبالمؤمنين معرفة.

وفي نفس الوقت يا ويل الكافرين من هؤلاء الملائكة؛ لأنه حتى في سورة الأنفال إيش الآيات اللي وردت فيه؟ فيه آية، نعم: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، ها، وفي سورة الأنعام إيش سورة الأنعام أيضاً؟ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ، إيش معنى باسطو أيديهم؟ بالعذاب، أَيْ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ. فيعني هؤلاء رسل الله الذين يعني جعلهم الله لمختلف الوظائف والأعمال، ومن أهمها أو ومنها الوظائف المتعلقة بتثبيت المؤمنين وبتعذيب الكافرين.

هذا وإن من أعظم نقاط الاتصال أو نقاط الحضور للملائكة مع عباد الله المؤمنين في مجالس الذكر: وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون كتاب الله إلا، وذكر منها: حفتهم الملائكة. وإن كذلك إن لله ملائكة سيّارة، ها، وذكر في الحديث والقصة المشهورة في الحديث كأنهم يأتون إلى مجالس الذكر أصلاً، إذا وجدوا قال: فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله...

تنادوا هلموا إلى حاجتكم. هذا في البخاري: تنادى الملائكة هلموا إلى حاجتكم، إلى غير ذلك من المعاني العظيمة: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ.

وهذا من جملة يعني أو من جنود الله سبحانه وتعالى، الذي من الجنود التي يعني تأتي كأثر معنوي؛ ها، لا يشاهد ولا يرى، ولكنه شيء يخل الله في نفوس المجرمين والمشركين والمنافقين، ويكون من جنود الله التي ينهزم بها المقاتل قبل أن يواجه المقاتل المسلم. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ. هذا توجيه للملائكة: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. لاحظوا هذا التوجيه ليس فيه مجرد القتال والنصر، وإنما فيه ايش معنى ايش معنى التعذيب؟ وهذا التعذيب هذا لأنه أصلاً يا جماعة الخير شوف، لازم نستوعب شيئاً مهمّاً جداً يوم بدر وهذا ذكرته سابقاً وأعيده: لازم نستوعب بشكل جيد، يوم بدر هو يوم تحقق الوعد الإلهي والأخبار الربانية التي أنزلها في كتابه في الآيات المكية؛ من تعذيب المشركين وأنه سينالهم الجزاء في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة.

أين نالهم الجزاء؟ أهم يوم لتحقق الوعود الإلهية التي جاءت في الأخبار المكية فيما يتعلق بالمشركين كان يوم بدر. يوم العذاب، يوم بدر كان يوم العذاب للمشركين، فهو لم يكن مجرد يوم نصر وهزيمة، نصر للمؤمنين وهزيمة للمشركين، وإنما كان يوم انتقام من المشركين. ولذلك حتى الأمر للملائكة جاء بتفصيل الضرب وأين يضربون: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

وقد تحقق هذا العقاب على هؤلاء المشركين في هذا اليوم يوم بدر، وكان يوم عذاب شديد. ولذلك ذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله سبحانه وتعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قالوا يوم بدر، قالوا يوم بدر. وكذلك كما تعلمون لما نزل في مكة قوله سبحانه وتعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ كان ذلك يوم بدر.

فهذا اليوم يوم تحقق الوعود، لذلك ما يعني ترى السورة كاملة نزلت في هذا اليوم، مو شيء ترى سهل يعني، مو شيء عادي يعني، ولذلك ما يصلح التعامل مع يوم بدر أنه يعني أنه بس والله يوم من أيام البطولات ويوم من أيام لا لا، يوم بدر يجب أن نقراه من زوايا مختلفه، مثلاً زاوية اسمها زاوية السنن الإلهية، يعني شفت دروس السنة الإلهية وكتاب السنة الإلهية؟ أهم يوم في السيرة النبوية لتحقق السنة الإلهية يوم بدر. أهم يوم السنة الإلهية تحققت يوم بدر، ليش؟ لأنه ذكرت السنة الإلهية كثيراً في الآيات المكية، كثيراً ذكرت، ثم جاءت يوم بدر وتحققت.

ذلكم الآية اللي بعدها ذلكم ايش لا بعدها ذلكم يا جماعة ايش الآية اللي بعدها؟ الله ايش الآية اللي بعدها؟ طيب، خل أقول ذلكم ذلكم أما هذيك ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ صح ولا؟ أما ذلكم في الآية اللي بعدها: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ، ونسأل الله العافية بعد ذلك العذاب الذي نالوه في الدنيا سيذوق عذاب النار.

طيب، إذاً يوم بدر يوم يجب أن يُقرأ من زاوية السنن الإلهية ويكون هذا من أهم الزوايا التي ينظر من خلالها، ثم بعد ذلك جاء التوجيه للمؤمنين بعد ذكر هذه العبر المتعلقة بالاستغاثة وتعذيب المشركين وهكذا يعني، بقوله سبحانه وتعالى: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ كذا يعني ينتهي مقطع من مقاطع السورة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ فِئَةً عفوا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ. إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

هذا أمر مباشر من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بالثبات أمام أعداء وقت التزاحم أو وقت الزحف أو وقت التداني والتقاربها والاشتباك مع الكفار والمشركين. لا يجوز الفرار في هذا المقام، ويأتي الأمر المباشر من الله سبحانه وتعالى بذلك، ولم ياتي الأمر وحده، وإنما أتى الأمر وأتى معه الوعيد على من يخالف هذا الأمر.

هل حصل فرار يوم بدر؟ ما حصل فرار يوم بدر. هذه الآيات متى نزلت؟ قبل المعركة أم بعدها؟ بعدها. إذاً هذا يعني أمر من الله في سياق آيات القتال، في سياق آيات الجهاد، في سياق آيات المعية الإلهية للمؤمنين، وأن النصر إنما هو من عند الله، وأنه هذا هو المعيار وهذا هو المققياس.

أتى هذا الأمر: إِذَا لَقِيتُمُ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ. يا جماعة الخير، هذا الأمر عظيم وخطير جداً وينبغي التنبه له والوقوف عنده، ألا وهو أن الجبن والفزع، أو نقول إن الجبن أو الفزع -لأنه ليس بالضرورة أن يكون الفرار لأجل الجبن وإنما قد يكون الفرار لأجل الفزع وعدم السيطرة على النفس، قد يكون مع أنك مع أن الذي يحصل منه ذلك خرج مجاهداً في سبيل الله، احنا ما نتكلم لا على المنافقين ولا على المرائين، وإنما قد يكون خرج مجاهداً في سبيل الله يبتغي ما عند الله ويريد إعلاء كلمة الله ثم يبوء من الجهاد بغضب من الله- والسبب في ذلك أنه لم يثبت في مواجهة أعداء الله وفر من الزحف، مع أن هذا الفرار هو آتٍ عن شعور فطري وعن أحياناً ذهول عن النفس بسبب شدة المعركة وشدة القتال.

على أن الله سبحانه وتعالى حين ذكر هذا الأمر وذكر الوعيد المتعلق به وشده الوعيد: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، على أن الله حين ذكر ذلك رحم المؤمنين وذكر بعض الاستثناءات في هذا المقام فقال: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ.

أما التحرف لقتال فهو أن يفر الإنسان ليكر، تعرف الفر والكر أو الكر والفر ها، فإذا فر الإنسان ليكر مرة أخرى، مثل الالتفاف أو الإهام بالانسحاب وصar هنا ولاهم دبره يوم ومن يوليهم يومئذ دبره لكنه ما ولاهم الدبر إلا ليعود في نفس المعركة، ها. وهذا من التكتيكات العسكرية التي يعني ذكرها الله سبحانه وتعالى وأشار إليها وفعلها المسلمون على مر التاريخ.

أو متحيزاً إلى فئة، وهذه الفئة يعني هي الفئة التي تأوي إلى مثلاً قادة قائد الجيش، يعني مثلاً ممكن يكون على على مثلاً أزمنة صلاح الدين الأيوبي احنا كنا في طريق إلى بيت المقدس، مثلاً الحصن الذي ينطلق منه الجيش نفترض أنه في جيش أو سرية خرجت من الحصن تقاتل الصليبيين، فاشتد القتال والأحوال ما استطاعوا وكذا، انسحبوا إلى هذا الحصن، هذا الانسحاب للحصن هو انسحاب سيتبعه قتال، يعني هو انحياز إلى فئة المسلمين المقاتلة الممتنعه في مكان ما التي يتقوى بها المؤمنون في هذا القتال.

واضح الفكرة؟ قد يترجح عند القائد أنه خلاص القرار الآن الذي ينبغي أن يتخذ هو الانسحاب، لكن هذا الانسحاب يجب أن يكون إلى فئة من المسلمين ينحاز إليها المسلمون، تتقوى بهم ثم يحصل مثل هذا القتال، ولذلك يروى عن عمر بن الخطاب لما حصل حصلت حصل انكسار يوم الجسر، ذكروا أخذناه في خير القرون أبديات الثقافة في أبي عبيد رضي الله تعالى عنه الذي قتل يوم الجسر في العراق، كانت معركة شديدة وقتل فيها الكثير من المسلمين، روي عن عمر أنه قال: لو انحاز إلي فأن فئته، لو انحاز إلي فأن فئته. هو هذا انحياز إلى قائد الجيش، إلى المسؤول العام للمسلمين، إلى كذا بحيث أن يصير في تقويه أعادة إرسال دفعة جديدة، إرسال هذا نوع من الانسحاب الذي استثناه الله سبحانه وتعالى من الوعيد.

هل يوجد استثناءات أخرى؟ عند كثير من العلماء الاستثناء الذي الانسحاب الذي يحصل بسبب العدد، أنه ترى هذه الآية مخصوصة أو مخصصة بقول الله سبحانه وتعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

فهنا صار الواجب في الثبات والواحد أمام الاثنين، وهذا طبعا أصلاً فيه دروس وعبر، كيف أنه يعني خلاص ترى الأصل أنّه حتى ولو كان العدد قليلاً أقل نصف العدد ترى إنما يقاتل المؤمنون ها يعني كان نصف الجيش بالنسبة للمؤمنين هو عزيمتهم وصدقهم وصبرهم وتوكلهم على الله، بل هو كل شيء، فهذا أيضاً من الاستثناءات في مثل هذه المعركة.

على أن في مثل هذا الانسحاب على أن الصبر أفضل، على أن الصبر أفضل وهذا حصل في مؤتة، يوم أن كان عدد المشركين أضعاف أضعاف أضعاف عدد المسلمين، ومع ذلك خاض المسلمون المعركة، ثم اختلف المؤرخون: هل انسحب جيش مؤتة أم أكمل القتال؟ فالمشهور أنه انسحب، ومن كبار المؤرخين والعلماء من يرجح أنه لم ينسحب وإنما انتهت المعركة بانتصار المسلمين، وممن رجح ذلك ابن كثير في البداية والنهاية، وذكر أقوال بعض المؤرخين وذكر الأدلة، ذكر أدلة بالتفصيل على أن جيش مؤتة لم ينسحب إنما قاتل، ومن أدلته ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري.

ها لا لا هذا الحديث فيه ضعف، لكن الحديث الذي في البخاري الذي هو أخذ الراية زيد فاصيب، ثم اخذها جعفر فاصيب، ثم اخذها عبد الله بن رواحه فاصيب، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه. هكذا في البخاري: حتى فتح الله عليه. فيقول هذه فتح الله عليه فيها النصر وليس الانسحاب.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يعفو عنا وعن عباده المؤمنين. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ونسأله سبحانه وتعالى أن يذل أعداءه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرفع راية الإسلام ويرفع راية الحق، وأن يعز حملة الدين والعاملين لدينه سبحانه وبحمده. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.