تسجيل الدخول

تدبّر سورة الأنفال 03

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح هذا المجلس من مجالس تفسير سورة الأنفال، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المجالس طيبة مباركة وأن يقبلها بفضله ورحمته إنه هو السميع العليم.

كنا وقفنا في المجلس السابق عند قوله سبحانه وتعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

احنا طبعا لما نتناول هذه الآيات أو أي مقطع من مقاطع السورة نحاول ننظر في السياق، نكون متحضرين ما جاء قبل ذلك وما جاء وما سيأتي بعده، بحيث إنه تأتي الآيات في مواقعها من حيث التصور والفهم. فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، هل المسلمون قاتلوا وضربوا بسيوفهم يوم بدر؟ نعم، ثم يقول الله سبحانه وتعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وهذا النفي لقتل المسلمين للكفار وكذلك لإصابة الرمي الذي في الجملة التالية: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، مع أنه أثبت له الرمي فقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، وتذكير بعظيم نعمة الله سبحانه وتعالى وبحقيقة من أظهر ما يدخل في وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ هو أن الله أرسل الملائكة فضربوا المشركين فوق الأعناق وضربوا منهم كل بنان، يعني ترى أمدكم الله بملائكته فضربوا، وبعضهم ذكر أنه فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم أي يعني قد يدخل في كل هذا أنه ترى الله هو الذي قدر لكم كل ذلك، أنتم أردتم العير ولكن الله ساقكم إلى هذا الموضع وامر بالقتال ويسر لكم ذلك وأتى بهم إليك، أتى بهم إليك، أتى بكم إليهم وقلل في أعينهم وقلل في أعينكم وأراك في منافك في منامك قليلا، وهيأ كل الأسباب التي بمجموعها يكون الله قد قتلهم، يكون الله قد قتل.

وهذه الجملة يعني في في سياق طبعا المسلمون في ذلك اليوم ضحوا تضحية كبيرة وبذلوا بذلا عظيما وقاتلوا قتالا شديدا وصبروا وقتل منهم شهداء، ثم يقول الله لهم: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، مثل هذا هذه الآية تذكر المؤمن بأن لا يمنح الإنجازات حول نفسه إذا حصلت الإنجازات، يعني إيش في إنجاز أكبر من إنجاز يوم بدر؟ ثم يكون التذييل بعد ذلك: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، والرمي المقصود هنا هو ما رواه يعني ما روي في في الكتب في كتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى المشركين برمية حصى وتراب فاصابت جميعا، والرمي العادية لا توصل هذا هذا الحصى إلى إلى جيش كامل. طيب، إذا الفائدة المستفادة من هذه الجملة هي أن لا يجعل الانسان إنجازاته في نصرة الدين سببا لنسيان القدر الإالهي والعون الإالهي الذي به تحقق هذا الانجاز، فهذه من أهم الفوائد التي تتحقق في مثل هذه الجملة.

وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا. وليبلي المؤمنين أي ليصيبه بنعمته بلاء حسنا، يبلیه يصيبهم ببلاء حسن بنعمة حسنة. هذا الذي حصل يوم بدر من نصر الله المؤمنين على المشركين ومن هذا الإنجاز العظيم الذي تحقق ومن قطع دابر الكافرين ومن إحقاق الحق ومن إعلاء كلمة المؤمنين ومن تقويتهم على المشركين، هذا كله بلاء حسن من الله للمؤمنين نعمة حسنة من الله للمؤمنين، يصيب الله المؤمنين بهذا النصر وبهذا العون وبهذا المدد ليكون نعمة مسجلة في ذاكرة المؤمنين تجاه ربهم، فالله سبحانه وتعالى ينزل النصر ومن اسباب زوال النصر على المؤمنين أن يبلي المؤمنين بلاء حسنا وأن يجعل في نفوسهم وفي قلوبهم وفي عقولهم ذكرى أو محلا للتذكر لأفضاله.

من المقاصد في قضية تقدير الأقدار المتعلقة بنصر المؤمنين هو أن يتذكر المؤمنون النعمة: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا. طيب، فلم تقتلهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا، إيش؟ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. احنا قلنا ننتبه للأسماء والصفات التي تاتي في سياق معين بحيث إنه طيب، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ هنا إيش ارتباطها؟ إن الله سميع عليم هنا إيش الدعاء الاستغاثة ها، فهنا اتى إن الله سميع عليم، إن الله سميع عليم.

طيب إيش الآية اللي بعدها؟ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ. ذَلِكُمْ الذي ذكر من نصر الله للمؤمنين ومن إذلال الكفار ومن فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ذَلِكُمْ وان الله موهن كيد كافر، أي يعني كانها واعلموا أن الله موهن كيد الكافرين، وهذه فيها بشرى أن ما حصل من النصر لم ينتهي يوم بدر لا سيووه الله كيد الكافرين أيضا، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ.

ولما جاء التذييل بهذه الآية موهن كيد الكافرين، انتقل الخطاب من المؤمنين إلى الكفار، الخطاب المباشر كان كان الخطاب للمؤمنين: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، ثم لما قال: ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ، انتقل الخطاب المباشر إلى الكفار فقال سبحانه وتعالى إيش؟ إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ. إيش معنى أن تستفتحوا؟ها، أن تستفتحوا طبعا طلب الفتح هنا هو أشر ما يكون بطلب الحكم من الله، يعني مثل ربنا افتح بيننا وبين بالحق افتح. إِن تَسْتَفْتِحُوا أيها المشركون، أي أن تطلبوا من الله أن يقضي بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم معه بالحق، وهذا يروي رواية أهل السير أن المشركين كانوا يقولون اللهم من كان منا على الحق فانصره هذا اليوم أي أو في هذه المعركة، لاحظ كيف اغترار بما كانوا عليه. إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ رايتموه الآن، رايتم نتيجة إصراركم على هذا الكفر وطلب من الله سبحانه وتعالى أن ينصر الأحقى وأن يهزم الأقطع للرحم والاضلال، وتعالى في هذا اليوم وجاءكم قضاء ما استقضى وحكم ما استحكمت فجاء الفتح عليكم بما حصل لكم يوم بدر من القتل والهزيمه.

وَإِن تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وإن تعودوا إلى إيش؟ وإن تعود إلى قتال المسلمين والاعتداء والظلم والكفر أو إلى مقتضى الكفر من الصد عن سبيل الله وما إلى ذلك، وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ نعد عليكم بالنصر، نعد عليكم بان تهزموا وبان ينصر أعداؤكم عليكم أعداؤكم من المؤمنين، وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.

هذه الآية على أنها يعني آية قصيرة لكنها عجيبة في نسف قواعد الكفار النفسي، ويعني كل جملة منها هي جملة عجيبة كاملة وأتت بعد هذا القتال، تخيل بعد القتال الآن يسمعون هذه الآية: إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، جمل متتالية عجيبة تبين قواعد يعني واضحه ومثل ما قلنا انه ترى لما تاتي الايات بعد الاحداث يكون لها موقع كبير حتى بالنسبة للمشركين لما تاتيهم مثل هذه التهديدات بعدما راوا من نصر الله للمؤمنين يكون لها وقع غير الوقع الذي كان كانوا يسمعونه في مكه قبل الهزيمه.

وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ، هنا نريد أن نقف وقفة يعني في السنن الإلهية لأن قوله سبحانه وتعالى: وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ يقتضي أن انه إذا جاء القتال مرة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى سينصر المؤمنين عليهم كما نصرهم يوم بدر، والقتال الذي استجد بعد بدر هو يوم أحد، والنتيجة النهائية يوم أحد كانت انكسار المسلمين، فكيف نفهم هذا الانكسار مع قوله سبحانه وتعالى: وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ؟ هذه قضية مهمة حتى تفهم السنن الإلهية وأنا ذكرتها في سلسلة السنن الإلهية لأنه فهم مجموع النصوص الوارده في السنن يجعل الانسان يفقه هذه النصوص بشكل جيد.

الذي حصل يوم أحد جولتان، الجولة الأولى تحقق فيها الوعد ونصر الله فيها المؤمنين وكسر فيها المشركين وهزمهم، وهذا هذه الجولة الأولى ذكر الله فيها أنه حقق الوعد للمؤمنين صح ولا لا؟ في سورة آل عمران المتعلقة بأحد قال الله عن يوم أحد: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، إذاً وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ، فنصر الله المؤمنين يوم أحد في الجولة الأولى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ.

انتهت الجملة، انتهت هذه الجملة. الآن جاء سبب آخر وهنا تتداخل السنة الإلهية، جاء سبب آخر ما هو السبب الآخر؟ أكمل الآية: حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ أَنتم أيها المؤمنون حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، فإذا اجتمع في يوم واحد في مقام واحد في معركة واحدة سبب للنصر فتحقق به النصر وسبب للهزيمه فتحققت به الهزيمه أو تحقق به الانكسار وذلك في يوم واحد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى إيش الآية التالية؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ. سورة الأنفال من أكثر السور التي جاء فيها الأمر بالاستجابة لله وللرسول وجاء فيها الأمر بطاعة الله ورسوله، والذي يتأمل في هذه الآيات الآمرة بطاعة الله ورسوله في سورة الأنفال يدرك قيمة ومركز الاستجابة لله ورسوله في طبيعة عمل المسلمين، طبيعة عمل القائمين بنصرة دين الله، طبيعة الجهاد في سبيل الله، طبيعة العمل الذي تكون فيه الأمة أو جماعة من الأمة تعمل أنه أهمية أن تكون مرجعية الوحي والاحتكام إليها والصدور عنها والاستسلام لها أمرا أن يكون ذلك أمرا أو أن يكون ذلك من من أوثق ما هو حاضر في نفوس العاملين وفي نفوس المصلحين. لذلك تكرر المعنى وتكرر الأمر في بداية السورة إيش أول آية فيها؟ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ صح؟ ولما ذكر المشركون في الصفحة الثانية وصفهم الله بأنهم إيش؟ شاقوا الله ورسوله، شوف مقابل الطاعة. وبعدين بعد أن ذكر الله نصر المؤمنين كذا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أطيعوا الله ورسوله. وستاتي بعد آيات قليلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. وبعدين سياتينا في سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فف أطيعوا أطيعوا أطيعوا أطيعوا، هذه الأوامر المتكررة إدراكها في سياق العمل للدين وفي سياق نصرة الإسلام مركزي ومهم جدا جدا.

طيب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ. هنا السمع المقصود به السمع الحسي، ويعني ولا تولوا عنه عن هذه الطاعة وأنتم تسمعون الآيات وتسمعون العبر. الذي يتولى بعد أن سمع يقال فيه أنه لم يسمع لأن يقصد به صورتان من السمع -رحمك الله- صورة السمع الحسي وصورة السمع المعنوي، السمع المعنوي اللي هي السمع المعنوي هو الاستجابة، السمع الحسي اللي هو السماع المعروف. فلاحظ كيف الآية اللي بعدها أولا في الآية هذه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّسَمَّعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ.

هذه الآيات الأربعة في يعني وسط الآيات المتعلقة بالمعركة والقتال مهمة جدا لأنه المؤمن يعني يسير في سياق العمل للدين والإسلام ثم يرجع إلى المدار والأساس ترى الشان كل الشان هو في الطاعة لله وللرسول. تقبيح المشركين وتقبيح أفعالهم هو من أهم الأمور التي تحض المؤمن على الاستجابة والامتثال لأمر الله ورسوله وتزيده ثقة بطريقه وتزيده صدودا وابتعادا عن طريق الكافرين. في هذه الآيات: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ، أرايتم ما دب على الأرض من أنواع الحيوانات والكائنات ترى شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون؟ الصم البكم هنا المقصود بها الناحية المعنوية، ولاحظ التركيز على قضية السماع الاستماع الاستجابة، السماع سمع أو لم يسمع، استجاب أو لم يستجاب، صم بكم وان كانوا يسمعون من ح من حيث دخول الموجات الصوتية إلى آذانهم وفهم اللغة ومفردات الألفاظ مفهومة لكن لا يوجد استجابة حقيقية ولا يوجد نفاذ من السمع إلى القلب، كأن هذه الأصوات تدخل ثم لا تنزل إلى القلب فلا يحصل معها المقصود: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّسَمَّعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ.

وهذه الآية تفيد أن لا يحزن الإنسان على كافر لأن هذا راجع إلى قضاء الله وقدره وحكمته وهو أعلم بعباده، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّسَمَّعَهُمْ، وذكر الله لنا عن الكفار كذلك بعد أن يعرضوا على النار يعرضوا على النار قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، قضية مستحجمة داخل النفس وليست متعلقة بأنه سمع أو لم يسمع عرف أو لم يعرف، وإنما هي قضية مستحجمة من الشر داخل النفوس.

ثم يتكرر الأمر بال يعني الأمر بالاستجابه لله وللرسول فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، هذه إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ليست بطبيعة الحال مقيدة لبعض الأوامر دون الأخرى، ليس المقصود أن هناك أوامر تحيي وهناك أوامر لا تحيي فاستجيبوا للأوامر التي لا تحيي وإنما هي

متصلة بمطلق الأمر الذي يأتي عن الله ورسوله، كل ما يأتي عن الله ورسوله فهو حياة، فهو أمر امتثاله يؤدي إلى الحياة. والنظر إلى الشريعة وإلى الوحي باعتباره محيياً للإنسان، ومن أهم زوايا النظر التي ينبغي الدخول إلى الوحي من خلالها، بمعنى أن لا ينظر إلى الوحي على أنه مثلاً وسيلة لاكتساب الأجر فقط الامتثال أو حتى القراءة، ولا أن ينظر له على أنه مثلاً وسيلة للفهم المجرد؛ لا، هو المقصود ترى هذا الامر تستجيب له وهذه الاستجابة يحصل معه حياة.

فكرة أن يكون الإنسان متطلباً لحياة قلبه وروحه ونفسه وعقله عن طريق ما جاء عن الله ورسوله، هذا من أعظم المقاصد التي تتطلب في قضية الاستجابة لله وللرسول. ومن أعظم ما يدخل في هذا الأمر، أو في هذه الآية: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، من أعظم ما يدخل في هذا الجهاد في سبيل الله، على أن الجهاد في سبيل الله قد ينظر إليه لأنه باب للموت بينما هو في الحقيقة باب للحياة إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ.

ليش احنا نقول من أولى ما يدخل فيها الجهاد؟ طبعا أصلا من المفسرين من لم يفسرها إلا بالجهاد، ومنهم من فسرها بالعموم، لكن هي عامة ومن أهم ما يدخل فيها الجهاد. ليش من أهم؟ السياق، هي كلها في سورة الأنفال، وقد نقول مما يدخل فيها الأمر باجتماع الكلمة وإصلاح ذات البين؛ لأنه جاءت في السورة في البداية: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، ومن أعظم ما يدخل فيها الامتثال والانقياد والاستسلام فهذا كله حياة، هذا كله حياة.

هل يعني من اللطائف أن بعض الباحثين أخذ يتتبع المعارك في حقبة من التاريخ الإسلامي، خاصة في القرون الأولى، وكيف أنها كانت سبباً لحياة الأمة وحياة المجتمعات الإسلامية من ناحية الحياة الحسية، أنه كيف أنه في تلازم، ترى إذا ترك الجهاد ترى يأتي الموت، وإذا قام الجهاد تاتي الحياة؟ ها يعني صاير القضية بالعكس؛ لأنه بالجهاد تحمى الارواح وتحفظ الحرمات وترفع راية الدين ويخاف الاعداء ويرهب، وبالتالي تحصل حياة حسية حتى، حياة حسية لكثير من الناس. وحتى التتبع كان فيه أنه عدد القتلى من المسلمين في المعارك وكذا، والاحصاءات وكذا، وكيف لما ترك الجهاد ايش صار من عدد القتلى في المسلمين لما يأتي الصليبيون إلى البلاد الإسلامية وكم يقتلونه؟ وكيف لما يقوم سوق الجهاد بالعكس يقل القتلى ويكون عدد محدود ويحيى الناس؟

وإن كان هذه الآية في الأصل العامة: إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، يعني كل ما جاء به الله سبحانه وتعالى وامر به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو حياة. طيب هذه الآية عامة إلى درجة أن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بها على حالة جزئية جداً، يعني حالة جزئية في موقف معين، وهو أنه دعا أحد الصحابه وهو يصلي، دعا أحد الصحابة وهو يصلي فلم يرد على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يصلي، فأتى للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة فقال: لماذا لم تأتي؟ ألم تسمع الله يقول: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ؟ فما دام النبي صلى الله عليه وسلم دعاك فتستجيب.

جيد أن حتى هذا الموقف الجزئي يدخل فيه اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. وفي وهذا الموقف يؤسس لحالة عالية من الانقياد والسرعة في الامتثال والاستجابة، وهذا القدر يجب أن يكون دائماً في قلب المؤمن، اللي هو أن هو دائماً إذا سمع يستجيب ويبادر في الاستجابة، ثم بعد ذلك يفرح بالاستجابة؛ لأنه هي ايش؟ هي داعية إلى الحياة: حياة القلب وحياة الروح وحياة إلى آخره.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، لما يحييكم. طيب هنا نقول من أولى ما يستجاب، خاصة في سياق الآيات هنا، أن إذا كان الإنسان في سياق الإصلاح والعمل للدين والجهاد في سبيل الله والرباط وما إلى ذلك، أن يستجيب لامر الله ورسوله فيما يتعلق بهذه الأعمال، وأولى ما يدخل فيها الأخلاص؛ لأن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، فمن لم تجب لله ورسوله في هذه الننية فقد خالف.

والأمر باجتماع الكلمة وعدم التنازع والتفرق، وهذا من أولى ما يدخل في الآية، وبعد ذلك الأمر الاستجابة لأمر الله ورسوله فيما يتعلق بالغنائم وطبيعة توزيعها وعدم الغلول، كل هذه الأمور التفصيلية تدخل في اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.

هذه الجمله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، من أعظم الجمل التي تؤسس لحالة الانكسار عند المؤمن للحالة الافتقار والذل منه لله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم أنه لن ولا ينبغي له أن يأمن قلبه ولا أن يظن أنه يتحكم بالإيمان في قلبه بحيث أنه متى أراد أن يكون مؤمناً سيكون، ومتى أراد أن يرفع مستوى الإيمان يرفع، وأنه في أمان؛ لا، الله يحول بين المرء وقلبه، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحول بينك وبين ما هو مستودع في قلبك من إيمان من معرفة فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يحول بينك وبين ذلك.

ومن هنا يأتي الإنسان ليتطلب حالة الحبل بينه وبين الله الذي يمد الله بسببه قلبه بالإيمان ويديم عليه النعمة بهذا الإيمان. طيب ما السبب الذي يمد به الانسان بالإيمان؟ يا سلام، من أهم ما يدخل فيه الاستجابة والامتثال لأمر الله ورسوله، التسليم الاستسلام الاستجابة الانقياد الطاعة، هذا كله من أعظم ما يتسبب به استقرار الإيمان في النفس وفي القلب.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، الله سبحانه وتعالى يحذر المؤمنين، يحذرهم من نوع من الابتلاء ونوع من العقوبات ونوع من الفتن لا يصيب الظالمين وحدهم وإنما يصيب الظالمين ومن جاورهم ومن حام في حماهم ومن سكت عنهم ومن بظلمهم، أو حتى لم يرضَ ولكنه لم ينكر ظلمهم.

فالفتنة اللي هو معنى أن يصاب من لم ينكر المنكر بالعقوبة التي تنزل على الظالم، كما في الأحاديث المشهورة: أن الناس إذا راوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب، وما إلى ذلك من النصوص. وهذا لا شك أنه أيضا من النصوص المخيفة التي تجعل الإنسان يظل محاضراً اسباب العقوبة العامة، التي من أهمها عدم انكار المنكر والرضا بالظلم وما إلى ذلك.

طيب، ويعني احنا زماننا هذا ينبغي أن يوقظ فيه هذا المعنى؛ لأنه من المعاني التي ترسخ في زماننا معنى الحرية، الاستقلالية، فردانية، كل واحد ماله دخل بالثاني، كل واحد له دخل بشانه بس. هذا إذا وجد في مجتمع ما فاعلم أنه من أسوأ الصفات التي يمكن أن يصاب بها مجتمع في ميزان الإسلام، من أسوأ الصفات التي يمكن أن يصاب بها مجتمع، وإذا رايته في مجتمع ما فاعلم أنه نذير شؤم ونذير خطر كبير جداً جداً.

يعني ليس الشان في وجود الذنوب والمعاصي ولا المنكرات، الشان هو في هل هناك رضا عام بها أو لا؟ هل هناك تصالح مع وجودها أو لا؟ فإذا وجدت حالة التطبيع مع هذه المنكرات ومع هذا الفجور والفسق والظلم، وكل واحد بحاله، ما أحد له دخل في أحد وما إلى ذلك، هذه هي المصيبة العظمى.

لكن طالما أنه وجد رفض ولو بالإنكار القولي حتى لو لم تحصل استجابه فهنا هذا من علامات الأمان باذن الله تعالى إن لم يكن المجتمع فعلى الأقل من أنكر مثل هذه المنكرات. وهذه المعاني مقررة ومعروفة ولكن يعني ينبغي أن تستحضر دائماً، ولذلك من أعظم ما ينبغي أن يزال من المنكرات في مجتمع، في أي مجتمع، ومنكر عدم إنكار المنكر، منكر التقرير والتبرير للمنكر، والمنكر أحياناً وهو موجود في بعض المجتمعات اليوم.

بعض المجتمعات فيها تدين كثير لكن أغلب المنكرات التي تنكر هي المنكرات المتعلقة بالسلوك والأخلاق والإنحلال الخلقي وما إلى ذلك، بينما لا ينكر الظلم مثلاً. وتجد في النصوص النص على قضية الظلم تحديدا، فهذا أيضا مما ينبغي أن يستحضر ويفهم.

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

هذه الآن نزلت بعد ايش؟ بعد النصر يوم بدر. من الذين من هم الذين نصروا يوم بدر؟ هم الذين كانوا يسحبون في أزقة مكة وتوضع عليهم الحجارة ويجلدون بالسياط رحمك الله ويعذبون واضطروا اضطراراً لترك بلادهم والهجرة والذهاب والمجيء، واستهزئ بهم وقيل لهم ما قيل من أنواع السب والشتم والاهانات. هؤلاء هم الذين نصروا يوم بدر، انتصروا وسادة المشركين قتلوا ورؤوس الطغيان اجتثت يوم بدر، وألقوا مهانين في القليب قليب بدر.

فغادرنا أبا جهل صريعاً وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال ذوي حسب إذا نسبوا حسيب. يخاطبهم رسول الله لما قذفنا كباكب في القليب: ألم تجدوا كلامي كان حقاً، وأمر الله يأخذ بالقلوب؟ فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا صدقت وكنت ذا رأي مصيب. تخيل يحمى يسحب أبو جهل، والناس الملأ هؤلاء الذين حملوا راية الطغيان يسحبون مجندلين على الأرض يلقون في القليب، ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم على شفا القليب ويخاطبهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، أنا وجدنا ما...

عمر بن الخطاب يقول: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا روح فيها؟ قال: ما أنتم باسمع لما أقول منهم. وصلت هذه الكلمات بعد هذا النصر، ثم الغنائم ورفع الكلمه وعوده هؤلاء الأربعة عشر والـ ٣٠٠ عودتهم منتصرين، تاتي عليهم في تلك اللحظات هذه الآية: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

هذه من أعظم درجات الإيمان التي يصل إليها الإنسان، أن يتذكر لحظات الضعف وقت القوة، وأن يتذكر المقدمات وقت النتائج، وأن يتذكر نعمة الله عليه حين يمتلك الأمور في يديه. هذا التذكر للنعم وقت العز، تذكر للضعف وقت القوة، هذا التذكر لنعمة الله على المؤمنين في مثل هذه الأوقات هذا من أعظم ما يحبه الله سبحانه وتعالى.

ولذلك ذكر المؤمنين به، يعني الله يذكر المؤمنين به ليذكروا هذه النعمة، فتذكر النعمة، خاصة النعمة التي تاتي يعني التي تكون صورتها هو تغيير للمؤمنين من الذل إلى العز، من الهزيمة إلى النصر، من الشتات إلى الاجتماع. حتى في سورة آل عمران: وَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، ايش؟ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ. اذكروا نعمة الله عليكم، الله يريد منا أن...

هنا يقول: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ. في المقابل يذكر الله سبحانه وتعالى ويذكر نبيه صلى الله عليه وسلم أحوال من إذا تغير حالهم من الفقر إلى الغنى، أو من الذل إلى العز، نسوا الماضي. متى بدأت حياتك أيها الأستاذ؟ بدأت منذ أن امتلكت الثروة.

هذه تعرف قصة الأبرص والأعمى والأقرع، معروفة القصة في البخاري، لما جاءهم الملك، كل واحد جاءه ملك على صورته هو، أول شيء جاء أنه ايش تحتاج؟ قال: فقط أن ينبت الله لي شعراً، وهذا قال: أن يرد الله إلي بصري، وهذا قال: أن يغير جلدي. فأعطاهم الله ذلك، ثم جاءهم، كل واحد منهم جاءه ملك في نفس صورته التي كان عليها وقال له: أنا فقير ومحتاج وكذا، أحتاج أعطني كذا. فاثنان منهم جحدوا وتكبروا على هذا الذي طلب وأنكروا ما كانوا عليه من الحال.

وصاحب الغنم الذي أعطي الغنم تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه فأعطى، فكان هذا من الأمثلة المهمة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى. والإنسان بطبيعته ينسى ويجحد ويطغى، ينسى ويجحد ويطغى. وأحياناً يا جماعة الخير يكون الإنسان الذي كان له تاريخ في الفقر، أو تاريخ في الذل، أو تاريخ في الهزيمة، هو أشد الناس طغياناً بعد تغير الحال. أحياناً يكون هو أشد الناس طغياناً بعد تغير الحال وأكثر الناس اغتراراً، بينما المفترض أنه بالعكس يعني كلما كنت في حال أضعف زمن ما تتذكر هذه النعمة فتظل متواضعاً.

أما قارون فقال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي. فهنا الله سبحانه وتعالى يذكر المؤمنين وهم في لحظة النصر يذكرهم بما كانوا عليه قبل ذلك من الضعف والقله تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والقبول، وأن يغفر لنا ويرحمنا ويهدينا ويسددنا، ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.