طيب، الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح المجلس الثاني من مجالس هذه السلسلة التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها سلسلة نافعة طيبة مباركة، وهي سلسلة بيان القرآن لسبيل المجرمين. وسبق في المجلس الأول تحدثت عن أن كل هذه السلسلة ستكون عبر أربعة محاور، يعني المقاطع القرآنية التي ستكون في هذه المجالس كل مقطع منها سأتناوله من أربعة محاور بإذن الله تعالى:
المحور الأول: في بيان أصناف المجرمين الذين تتناولهم أو يتناولهم هذا المقطع، أي صنف منهم. الأمر الثاني: في بيان المحركات الداخلية للمجرمين في كيدهم أو إشكالهم المذكور في المقطع القرآني. الأمر الثالث: هو في بيان خططهم الخارجية ووسائلهم ومكائدهم التي يسعون من خلالها لمحاربة الإسلام. الأمر الرابع: في بيان التوجيه الإلهي للمؤمنين في هذا المقطع في كيفية مواجهتهم لهذا الكيد الإجرامي.
ولكن مما أود التنبيه إليه أن هذه الأمور الأربعة لن أذكرها بالترتيب، يعني من خلال المقطع سنتناول المحاور الأربعة لكن ليست بالترتيب أنه المحور الأول بيان الصنف، المحور الثاني كذا، واضح لماذا؟ لأنه بحسب الآيات، يعني مثلًا يكون المقطع ثلاث آيات، خمس آيات، ممكن آية واحدة، فإذا كان عدة آيات فقد تكون الآية الأولى فيها موضوع أساليب المجرمين، الآية الثالثة فيها بيان الموقف منهم، الآية الثانية وهكذا، واضحة القضية؟ واضح، طيب.
أول مقطع قرآني أبدأ به في هذه السلسلة هو الآيات التي في سورة التوبة في قول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. هذه الآيات التي سأتناولها في هذا المجلس بإذن الله تعالى.
من الواضح أن هذه الآيات تتناول أي صنف من أصناف المجرمين؟ تتناول المنافقين. إيش الفائدة إنه إحنا نقول لا بد أن نعرف الآية تتناول أي صنف من أصناف المجرمين؟ الفائدة ستظهر مع تتالي المجالس بإذن الله. مع تتالي المجالس ستجد أن القرآن قد كوّن لديك قاعدة عن هذا الصنف: ما هي أساليبه؟ وما هي بواعثه؟ وما هي خططه؟ حتى يدرك الإنسان كل صنف وما يتميز به من مكائد ومن علامات ومعالم في الطريق الإجرامي، وحتى ترى أيضًا نقاط الاتفاق والاشتراك بين الأصناف.
طيب، هذه الآيات واضحة أنها في المنافقين. هذه الآيات يمكن أن تفهم بدون سبب النزول، ومع سبب النزول يزداد الإنسان فهمًا لهذه الآيات. ويذكر أهل الآثار وروايات التفسير أن سبب هذه القصة أو سبب هذه الآيات هو أن أناسًا من المنافقين بنوا مسجدًا قريبًا من مسجد قباء بالمدينة، وأرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي إلى هذا المسجد -بين قوسين- ليعطيه الشرعية فيصلي فيه. تعرفون هذه القضية كانت مشهورة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي إلى بيته فيصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى؛ ولماذا؟ لأن عتبان كان قد أضرّ، كان لا يرى، ويقول: وإن الوادي الذي بيني وبين مسجد قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فهل تأتي إلى بيتي فتصلي فيه مكانًا أتخذه مصلى؟ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت عتبان رضي الله تعالى عنه وصلى فيه مقرًا له بأن يتخذ هذا المكان مصلى.
إذًا هذه القضية كانت معروفة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، فأولئك بنوا مسجدًا وأرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي فيصلي فيه حتى يعطيه الشرعية، يعني أنه هذا مسجد معتبر. ويذكر أهل التفسير والآثار المسندة فيه أنهم جعلوا الحجة في ذلك أنه هناك أهل أمراض وأهل أعذار، وهناك أناس لا يستطيعون أن يأتوا إلى مسجد قباء أو إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يريدون أن يبنوا هذا المسجد قريبًا، يعني في طرف من الأطراف الذي يمكن لمن في هذا الطرف من أصحاب الأعذار أن يأتوا في ذلك المسجد، وبالتالي هم لا يريدون إلا الحسنى، أي ما يريدون إنه يعني يعملون شيئًا مشكلًا في هذا المسجد.
من الروايات التي وردت في ذلك، من الآثار المرسلة المشهورة في التفسير، أن هذا كان قبل غزوة تبوك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يعني: إني على جناح سفر أو على شغل، ولكن إذا رجعت. فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من السفر قبل أن يدخل المدينة نزلت عليه هذه الآيات، لم يذهب النبي صلى الله عليه وسلم هناك، بل أرسل النبي صلى الله عليه وسلم -كما يُروى- أنه أرسل من يهدم ذلك المسجد. هذا يكون يعني قريبًا من قوله: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ليس في قضية الهدم، وإنما في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقترب من ذلك المسجد أساسًا.
طيب، الآن هذا فيما يتعلق بسبب النزول. نرجع إلى الآيات وننظر في المحاور الأربعة: كيف أن هذه الآيات تكشف بعض البواعث الباطنية، وتكشف الأساليب الخارجية، وتكشف عن التوجيه الرباني للمؤمنين كيف يتعاملون مع هذا الموقف، وبطبيعة الحال تكشف عن الصنف الذي تتناوله هذه الآيات وهو صنف المنافقين. قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
الكيد الخارجي المستعمل في هذه، يعني هذه الآيات تشير إلى قضية الكيد الخارجي أكثر من إيش؟ من الدوافع الداخلية، يعني هذه الآيات عنوانها الأساسي في واحدة من المكائد التي يستعملها المنافقون في حرب الإسلام والإضرار به، مكيدة خارجية. وهذه المكيدة الخارجية إن شاء الله مع الآيات الكثيرة التي سنتناولها في هذه المجالس المتعلقة بالمنافقين سنرى أن أساليب المنافقين تختلف، الله سبحانه وتعالى يذكر أساليبهم المختلفة: تارة يتخذون مثل هذه الوسائل، وتارة يتخذون وسائل مختلفة وهي غالبًا تكون أشد.
السؤال: هل اتخاذ المنافقين لهذه الوسيلة الخارجية يعبر عن مرحلة قوة أم مرحلة ضعف؟ بالنسبة للمنافقين مرحلة ضعف، جيد؟ لأنه الوسيلة المتخذة هنا هي وسيلة ظاهرها الصلاة، يعني ظاهرها الصلاح، يعني هم اتخذوا مسجدًا. قصدي أننا سنجد إن شاء الله مع الآيات أن المنافقين في حالة الشدة في حالة قوتهم يتخذون وسائل فيها مواجهة وعنفوان، وفي حال ضعفهم يتخذون وسائل فيها يعني ظاهرها الصلاح، فهنا اتخذوا مسجدًا، ليش؟ لأنهم ضعفاء، فهم يريدون أن يتخذوا وسيلة من الوسائل الشرعية ليتوصلوا إلى مقاصد غير شرعية.
هذه السلسلة التي نتناولها كلها -بيان القرآن لسبيل المجرمين- لا فائدة حقيقية منها إذا لم نؤمن بأن ما يذكره الله عن المجرمين هو أمر قابل للتكرار في كل الأزمان وفي زماننا هذا، بمعنى أن فائدة تناول بيان القرآن لسبيل المجرمين هو أن نعي لسبيل المجرمين في زماننا، وأن ندرك أن بيان القرآن لسبيلهم ليس بيانًا لمرحلة قد أتت وانصرمت وانتهت، وإنما هي مرحلة أو هي أفعال متكررة ناتجة عن ما قاله الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ.
فالقلوب تتشابه في كل زمان؛ قلوب الطغاة، قلوب المجرمين، قلوب المنافقين تتشابه، والأفعال التي ينتجونها تتشابه من حيث الأساليب العامة، وتتنوع من حيث الأدوات والوسائل، هذه بحسب كل زمان، كل زمان له أدواته. طيب، الآن الوسيلة الخارجية التي اتخذها المنافقون في هذه الآيات هي وسيلة التذرع بالأمور المشروعة للوصول إلى مقاصد غير مشروعة، وإذا نظرت في هذا الزمان فيجب أن تدرك أن هناك من يمارس مثل هذا العمل.
هناك من يمارس مثل هذا العمل، يعني هناك من بحسب ما يروج في كل زمن، وبحسب ما يروج في كل مرحلة حتى ولو يسيرة من تلك الحقب، فإذا كان الرائج مثلًا هو نشر العلم، فقد يأتي من ينشر العلم ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإذا كان الرائج هو مثلًا الجهاد في سبيل الله، فقد يأتي من يتخذ القتال تفريقًا بين المؤمنين وإلى آخره. فليفهم الإنسان أن هذه الوسيلة متكررة وهي التذرع بمثل هذه الأمور المشروعة في أساس جنسها.
الله سبحانه وتعالى قال إنهم اتخذوا هذا المسجد: ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ. إرصادًا يعني استعدادًا وتهيئة لمن حارب الله ورسوله من قبل، الذي هو كما قال المفسرون أبو عامر الراهب أو أبو عامر الفاسق. وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ فائدة مهمة جدًا جدًا في المحور الرابع من هذه المواد ومن هذه المجالس، وهي كيف يوجه الله المؤمنين للوعي وللتعامل مع سبيل المجرمين.
في قول الله سبحانه وتعالى: وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ إشارة مهمة جدًا إلى ضرورة استقراء التاريخ ومعرفة المواقف المسبقة لأصحاب مثل هذه النوايا المشتبهة، لأن الله يقول: وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ، يعني أن المنافقين قد يفعلون بعض الأفعال التي لو أخذتها مجردة لقلت إنه ليس فيها شيء، ولو ضممتها للسياق التاريخي ونظرت في أفعالهم الأخرى ستجد أنها تدل على الفساد.
ومع الأسف الشديد، مرحلتنا هذه من أكثر المراحل التي يغفل فيها أهل الحق عن استقراء التاريخ ومعرفة ما الذي يسلكه المجرمون في وسائل الإفساد، فيتعاملون أحيانًا -خلنا نقول- بطيبة زائفة مع بعض المفسدين الذين مثلًا يحاولون أن يخرجوا في بعض المواقف اللطيفة، ولا في بعض المواقف التي فيها شيء من الخير وكذا، وينسون التاريخ الأسود في محاربة الدين ومحاربة الشريعة وإلى آخره، بينما الله سبحانه وتعالى يقول هنا: وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ. يعني انظروا، هذا مما يعين المؤمنين على أن يروا إشكال هذا المشروع أنه مُعَدّ لمن له مواقف مسبقة في حرب الله والرسول، الذي هو أبو عامر الراهب، وهذا أبو عامر كان له دور في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحزاب وغير ذلك، بسم الله.
طيب، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ. طبعًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ هذه كذلك نقطة مهمة جدًا، وهي أن المشاريع الإسلامية الصحيحة من أهم علاماتها أنها تكون جامعة للمؤمنين، وأن من علامات الفساد في المشاريع أن تكون مفرقة للمؤمنين -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته- لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هنا أن من الأسباب التي جُعل فيها هذا المشروع فاسدًا هو أن فيه تفريقًا للمؤمنين، فقال: اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ.
وسيلة أخرى يتخذها المنافقون وهي مذكورة في هذه الآيات وهي من الوسائل الخارجية، وهي متكررة كثيرًا، وهي ما ورد في قوله سبحانه وتعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. الآن اجتمعت وسيلتان: الوسيلة الأولى عمل ظاهري ظاهره الخير وهو بناء المسجد، والأمر الثاني أنهم دعموا هذا المسجد بالحلف بالله أنهم إنما أرادوا به الخير. وهذا الحلف أحيانًا يكون هو سبب الريبة أصلًا، يعني الإنسان لما يعمل المشاريع الصالحة هو لا يكون بحاجة لكثرة الحلف، ولهذا إن هو عمل عملًا صالحًا، أليس كذلك؟ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
طيب، الآن أخذنا -خلنا نقول- أمرين في المحور الثالث الذي هو في الوسائل الخارجية التي يسلكها المجرمون. الآية التالية: قول الله سبحانه وتعالى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا وهي متعلقة بإيش؟ المحور الرابع اللي هو التوجيه الإلهي للمؤمنين، ماذا يفعلون أمام مثل هذه الوسائل. الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا، يعني هذا المسجد وهذا المشروع الإفسادي إذا قمت فيه ولو مرة واحدة فإنه سيعطيه قدرًا من الشرعية وقدرًا من الاعتبار، بحيث يمكن أن يزيد المنافقين حجة إلى حجتهم، فالله يوحي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن لا يقوم في هذا المسجد أبدًا: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا.
إيش الفائدة بالنسبة لك في هذا الزمن تجاه سبل المجرمين؟ هنا أنت قد تجد مثلًا قناة إعلامية فاسدة مفسدة مروجة للفساد بكل اتجاه، جيد؟ أحيانًا مما يروج هذه القناة هو أن يظهر فيها بعض الدعاة، جيد؟ فمثلًا ما الفائدة؟ القناة فيها الإفساد بالليل والنهار والطعن في الدين والتشكيك، ثم يظهر داعية فيها يتكلم عن أذكار الصباح والمساء وعن الوالدين، يعني جالسين يلعبوا على رأسه! جالسين يلعبوا على رأسه: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا.
لكن بالمناسبة، هذا مثال على الضرار، مو القناة، على ضرار البرنامج، يعني هي الفكرة إنه أحيانًا سحب بساط حتى يجذب البسطاء إلى مثل هذه القنوات الذين يحبون الخير وما إلى ذلك، خاصة إذا كانت الأسماء لامعة. لكن إذا كان الذي سيخرج في القناة سيتحدث في صميم الإشكالات فهذا منزع آخر الآن، واضحة الفكرة؟ يعني إذا كان سيتكلم مثلًا عن خطورة نشر الفاحشة بين المسلمين، آثار ترويج الأفلام الفاسدة وتكون هذه القناة من هذا النوع، هذا الآن ما يقال فيه: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا، يعني لا يقال فيه: لا تقم فيه أبدًا، بالعكس، هذا يقال فيه إنه قام بمقام حق في ميدان هو من أهم الميادين التي يجب أن يبين فيها الحق.
وقل مثل ذلك: قناة تروج للإلحاد فيأتي شخص فيتكلم عن دلائل أصول الإسلام وعن صحة النبوة وعن صدق القرآن الكريم وعن تهافت الملحدين، هذا خروج جيد. لكن قناة تشكك في الدين وتنشر الإلحاد والانحلال إلى آخره، وبعدين الواحد يجي يخرج ويتكلم عن الأمانة في البيع والشراء، فهذا قد يكون فيه مخالفة لقول الله سبحانه وتعالى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا.
طيب: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ. لاحظ، الله سبحانه وتعالى ذكر أن تأسيس مسجد الضرار كان على إيش قبل ذلك؟ كان على الكفر والتفريق بين المؤمنين والاستعداد والتهيئة لمن حارب الله ورسوله من قبل، لما ذكر البناء المقابل -المسجد المقابل- قال: على التقوى، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ.
هذا معيار من معايير المشاريع الصالحة، معيار من معايير المشاريع الصالحة أن يكون مؤسسًا على التقوى، والتأسيس على التقوى يمكنك أن تقول إنه أساساته صحيحة، وأن ما يحدثه من آثار فيمن يتصل به هي آثار في التقوى والإيمان والصلاح وصلاح الأحوال وما إلى ذلك. وهذه تصلح للمقارنة بين السياقات، فإذا كان هناك سياق من السياقات يعطي من ينتمي إليه قلة التزكية وكثرة التفريق بين المؤمنين، وعدم الاهتمام بمحاربة من يحارب الله ورسوله من أصحاب العداء الصريح للإسلام والمسلمين، وإنما ينشغل بعكس ذلك بمحاربة المؤمنين أو حتى قد يصل إلى مرحلة أنه يكون قريبًا ممن حارب الله ورسوله، فهذه علامات يميز الإنسان بها بين السياقات، بخلاف من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان.
طيب: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ. طبعًا تعرفون فيه خلاف كبير بين العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، أي المساجد هو؟ هل هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أم مسجد قباء؟ خلاف مشهور ومعروف في كتب التفسير، يعني مثل هذه المجالس ليست للنقاش التفصيلي في هذه المسألة، على أن من الفوائد الجميلة التي وقفت عليها من كلام ابن عاشور رحمه الله كذا إشارة بعيدة ما لها دخل في التفسير المباشر، لكن فيها تطويحة كذا بعيدة جميلة، إنه يقول -أظن حتى نقلها عن غيره، طبعًا هذا على ترجيح أنه قباء، وحتى لو قلنا إنه هو المسجد النبوي، يعني على كلا الترجيحين ما في مشكلة- فهو يقول لك: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ هو يقول: مو من أول يوم يعني مقصود اليوم نفسه، ولكن في أول الأيام، يعني في أول أيام إيش؟ في أول أيام الهجرة، جيد؟ يقول: في هذا دلالة على فقه الصحابة إذ اعتمدوا التاريخ الهجري، وفي الآية: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فهمتوا الفكرة؟ فكأن هذا أول يوم يؤرخ به، يعني من أول يوم هذا العام الهجري، فهذه فائدة كذا يعني من عموم اللفظ وليست خاصة به.
فقال: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. ما الفائدة من ذكر الرجال هنا الذين يتطهرون في السياق العام للآيات؟ إيش ممكن يكون في فائدة؟ جميل، يعني في هذا المعنى صحيح، هي الفكرة أنه من علامات القوة التي تقوي صحة الطريق أن يكون المؤمنون الحاملون لرسالة هذا الطريق على حال صالحة موافقة لتقوى الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يقول عن هذا المسجد الذي أسس على التقوى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
الآية التالية ما هي؟ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. هذه الآية تقترب من المحور الرابع اللي هو التوجيه للمؤمنين. إيش التوجيه الذي يمكن أن يؤخذ من هذه الآية؟ برأيكم ما الفائدة العملية التي يمكن أن يخرج بها المؤمن من هذه الآية في سياق التعامل مع المجرمين؟
أحسنت، أحسنت، إن قضية المقارنة بين الحق والباطل، وطبيعة الحق وطبيعة الباطل، ومآلات الحق ومآلات الباطل، هي من أهم الطرق القرآنية في تعزيز اليقين وتثبيت أهل الحق على الطريق. يعني لا يكفي في تثبيت أهل الحق على طريقهم أن يعرفوا الحق وأن يعرفوا مآلات الحق، وإنما من المهم جدًا أن يدركوا فساد الباطل، لأن فساد الباطل يزيد طريق الحق صفاء، ويزيده وضوحًا وجلالًا وجمالًا.
ولذلك مثلًا لما تقرأ سورة الفتح تجد أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر المؤمنين قال: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، تمام؟ علم ما في قلوبهم من الخير والصدق والإيمان والتضحية وإلى آخره، تمام؟ لما تذهب في الصفحة التالية ستجد أن الله ذكر أهل الجاهلية فقال: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ. فلاحظ: فِي قُلُوبِهِمْ، فِي قُلُوبِهِمْ، الأولى من الإيمان والصدق والإخلاص وإلى آخره، وفي قلوبهم الثانية حمية الجاهلية.
القرآن دائمًا تجد فيه الحديث عن انحطاط المشركين، عن ضلال الطريق الذي يسيرون عليه، عن سوء العاقبة التي إذا استمروا فيها سيصلون إليها. اليوم نحن بحاجة ماسة إلى بيان سبيل المجرمين، وبيان انحطاط طريق الباطل، وبيان سوء المآل الذي يصل إليه الكفار والمفسدون والمجرمون في مثل هذا الزمن. يعني أنت في زمن يزين فيه الباطل تزيينًا يكاد أن لا يكون مسبوقًا، يزين بأنواع الزينة، وأقل ما في هذا التزيين أن تعرض المفاهيم التي تقول لك: لا تفرق بين الحق والباطل، يعني أن تقول لك: تقبل الجميع، أليس كذلك؟ يعني هذا أقل ما في الباطل الموجود اليوم، أن تقبل الجميع، هذا فيه إشكال كبير جدًا. القرآن دائمًا تجد فيه المقارنات بين طريق الحق وطريق الباطل.
هنا الله سبحانه وتعالى يقول لك: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ولاحظوا، الله سبحانه وتعالى ذكر هنا الظالمين: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، والآية اللي قبلها لما ذكر المسجد الذي أسس على التقوى قال لك: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. فلاحظ الفرق بين المتطهرين الذين يحبهم الله وبين الظالمين الذين لا يهديهم الله سبحانه وتعالى. ولذلك أنا برأيي من الفوائد والثمرات العملية التي يمكن أن يخرج بها المصلح من هذه الآيات هي أهمية أن يظل حريصًا على بيان فساد الطرق المنحرفة، بيان المآلات الفاسدة، بيان ما الذي ينعكس على الإنسان حين يسير في طريق الباطل وما الذي ينعكس على الإنسان حين يسير في طريق الحق.
طيب، قال الله سبحانه وتعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. هذا برأيكم يدخل في أي محور من المحاور؟ أحسنت، الثاني اللي هو إيش؟ المحركات الداخلية أو النفسية الداخلية للمجرمين.
لاحظوا إنه هذه الآيات فيها المحاور الأربعة. هنا في إشارة عظيمة وعزيزة في كتاب الله سبحانه وتعالى، العزة هنا بالمعنى يعني الأمر الثمين، وهو أن الله سبحانه وتعالى دائمًا في كتابه يصف النفسيات الداخلية أو المحركات الداخلية للإنسان سواء في طريق الخير أو في طريق الشر، بل وأحيانًا يذكر الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بالمحركات الداخلية بذكر تفصيلي، يعني تتعجب من كثرة التفصيلات التي فيه.
فمثلًا في سورة المدثر قال الله سبحانه وتعالى عن الوليد بن المغيرة واصفًا حاله ونفسيته وهو يكابر نفسه ويغالبها ليدفع الحق الذي استبان لها في القرآن، فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، يعني رصد نفسي عجيب في كيفية المراحل التي تتبعها الوليد حتى دفع الحق الذي كان هجم على نفسه وهو يعرف أنه حق. وهكذا تجد أن الله سبحانه وتعالى يصف كثيرًا من الأحوال النفسية للناس، حتى في المؤمنين: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ.
هنا يقول الله سبحانه وتعالى: لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ. هنا اختلف المفسرون: ما المقصود بهذه الجملة؟ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، بعضهم قال: لا يزال مورثًا للشك في قلوبهم، يعني مثل: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ، أي بسبب بنيانهم هذا قد أورثوا شكًا إلى شك، واضحة الفكرة؟
ومنهم من قال: لا، لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً، الريبة هنا ليست هي الشك بقدر ما هي الخوف، يعني -خلنا نقول- بعض ما يمكن أن يكون قريبًا من ذلك، وإنما ليس الشك الصريح. وبعضهم قال: إن هذا متعلق ببعض من كان في المسجد من هؤلاء ممن كان يظن أنه يحسن فعلًا، يظن أنه كان يحسن فعلًا، وذكروا بعض الروايات في ذلك، وأن هذا لا يزال ريبة في قلوبهم: إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ.
هذه شوفوا، استصحبوا هذا المعنى وشوفوا الآيات القادمة اللي في المجالس القادمة بإذن الله فيما يتعلق بصنف المنافقين، تجدون أن الله سبحانه وتعالى يذكر عن المنافقين هذا المعنى، وهو الريبة، الريبة التي في القلب. يعني ترى المنافق مع أنه منافق ومع أنه يحارب، ترى مو بالضرورة إنه هو يكون مستبطنًا -خلنا نقول- صحة النفاق الذي هو فيه وبطلان الحق الذي يعاديه، وإنما تجده أحيانًا وأحيانًا، تارة يضيء له شيء من الحق، وتارة تظلم عليه القضية بسبب الباطل، فيكون محتارًا في سيره.
وهذا مثل المثل الذي ذكره الله تعالى في سورة البقرة في البداية الذي قال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ... كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا. هناك عدة تفسيرات في هذه القضية، بس هذه الريبة والشك والتردد كما قال الله سبحانه وتعالى في نفس السورة: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، عن نفس الصنف: المنافقين: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، وكذلك في سورة البقرة قال سبحانه وتعالى قريبًا من هذا المعنى: فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، جيد؟ يعني أن المنافق في قلبه ريبة.
لذلك لا تستغرب أن يكون من التوجيه القرآني أحيانًا للنبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين أن يعظهم وأن يقول لهم في أنفسهم قولًا بليغًا، فقد يهتدي، نعم؛ لأنه قلبه فيه ريبة، وإن عادى وإن عمل مشاريع معادية مو بالضرورة إنه هو انتهى تمامًا. لذلك في سورة النساء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا.
وهم درجات، يعني المنافقون هناك من أُغلق على قلبه وخُتم على قلبه وطُبع على قلبه، وهناك من هو في حالة الريب. وأنت خذ هذا في أصناف المجرمين بشكل عام، المجرمون لا ينبغي أن تتعامل معهم على درجة واحدة؛ هناك من هم رؤوس في الشر قد أغلقت قلوبهم، وهناك من هم قد اتبعوا شيئًا من هذا الشر ولكنهم غير مقتنعين فيه بقناعة تامة، وهناك المستفيدون الذين يعني لأن في هذا الشر وفي هذا الطريق بعض المكتسبات المالية مثلًا فيسيرون فيه، واضح؟ ولذلك تعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألف الناس بالمال، تألف الناس بالمال هذا إيش معناه؟ هذا معناه أن المال أحب إليهم من الحق.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم طمعًا في إسلامهم، وطمعًا في أن يدخل الإيمان في قلوبهم لاحقًا، طبعًا هذا المشهد لحاله وحده، هذا مشهد تستفيد منه في الوعي في التعامل مع الناس، شيء عجيب! ولاحظ الذين كان يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم غالبًا يكونوا من الرؤوس؛ الرؤوس اللي هم كانوا أمضوا لهم سجل تاريخي في محاربة الإسلام، لكن تأتيهم لحظات ضعف ولحظات في علو الإسلام، ها؟ فيمكن لهم أن ينكسروا وأن يجبنوا، أو أن يدخلوا تحت هذه المظلة الكبيرة.
وقد يدخلون في أول الأمر محبة للمال، ثم بعد ذلك كما حصل، وهناك أناس منهم أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم، أعطاهم أظن حتى مئة من الإبل، ها؟ فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مع المرتدين، يعني حتى المال ما نفع معهم، يعني كانت مصلحة فقط، وهناك أناس منهم لا، دخلوا في الإسلام وألفت قلوبهم بالمال، وحسن إسلامهم واستقام حالهم، ونصروا الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الوعي النبوي عجيب جدًا في التعامل مع أصناف الناس، عجيب! يعني مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم للناس وأصنافهم وأحوالهم، وأن هذا يصلح معه التأليف، وهذا يصلح معه الشدة، وهذا يصلح معه كذا، وهذا يصلح... وهذا الفقه نحتاجه اليوم؛ لأن هناك أناسًا من المشتغلين بالدعوة اليوم لا يأتون بمثل هذا، فيقولون: أنت تقول الحق، فالذي يتبع يتبع، واللي ما يتبع في ستين نيلة يروح في أي مكان، وجهنم لها سبعة أبواب ادخل من أي... لا لا لا، أبدًا ليست هذه القضية!
يا أخي مو بس إنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي، يعني يقصد يؤلف، الله سبحانه وتعالى ينزل في كتابه الكريم لما يذكر أصناف الزكاة، ها الزكاة الزكاة، يعني الزكاة المفروضة من أركان الإسلام، يذكر الله من أصناف من يأخذ هذه الزكاة المؤلفة قلوبهم، أليس كذلك؟ هم الأصناف الثمانية الذين يأخذون الزكاة المؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم تعرف أنت المؤلفة قلوبهم هذا لنقص إيمانهم، نقص إيمانهم ونقص دينهم، سواء كانوا كفارًا، ها؟ يراد إدخالهم في الإسلام، أو كانوا من المؤمنين من المسلمين الذين يعني إسلامهم ضعيف.
وتعرف النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، وقال: وإني لأعطي أقوامًا خشية أن يكبهم الله في نار جهنم، وأَكِلُ أقوامًا إلى إيمانهم، منهم عمرو بن تغلب، هذا في البخاري، وكان عمرو يفرح بهذه الجملة يعني فرحًا شديدًا، إنه يقول: ترى النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أقوامًا... هذا المدخل يجعله يعيد النظر في الإسلام، ويعرف أن له بوابة جميلة. جيد، تحدث اليوم مع بعض من يشتغل بالدعوة وقل له: والله ناس تعطيهم فلوس، ممكن ينتقد هذا الفعل ويعتبره من تزوير للإسلام، التهاون في... لا، الإنسان يجب أن يفقه أحوال الناس، ومراعاة أحوال الناس وطبيعة تلقيهم للحق، وبالتالي اختيار الحق.
الأمر ليس هكذا فقط، وإنما الحق المحض، الحق المحض لا ينبغي أن يقال بمجموعه في كل وقت إذا كانت عقول الناس لا تحتمله أصلًا، فضلًا عن الأمور التي هي دون الحق. يعني أنت تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين قيل له: ألا نقتل عبد الله بن أبي بن سلول؟ وهو رأس المنافقين الذي استمر يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم أذى شديدًا، أذى شديدًا، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم عنه إنه معصوم الدم والمال، وإنما قال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
ولما أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها مرة أخرى على أساس بناء إبراهيم عليه السلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن قومك حديثو عهد بكفر فأخشى أن تنكر قلوبهم. والإمام البخاري بوب على هذا فقال: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن تقصر عنه عقول بعض الناس، وذكر عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟. هذا هو الوعي الحقيقي، وهذا هو المنهج الحقيقي، وهذا هو الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الاتباع للأئمة والعلماء، ويذكرون مآلات الأقوال ومآلات الكذا. وتعرف أحيانًا يذكرون في مسألة القراءات وقراءتها وعدم القراءة في المساجد التي لا... في الناس مثل هذه القراءات وقد تنكر قلوبهم شيئًا من القرآن بسبب ذلك.
الشاهد من هذا كله: تفاوت قلوب أهل الباطل، وأن هذا التفاوت قد يكون فرصة لصاحب الحق أن يعظ، ويعني خلنا نقول هو مجرد أن يدرك أن هذا التفاوت موجود هو يعينه على أن يتخذ الوسيلة المناسبة. قال الله سبحانه وتعالى: لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. طيب، هذي يعني إشارات سريعة متعلقة بهذه الآيات.
الأمر الأهم في هذه الآيات كله من حيث المحاور الأربعة هو ما يتعلق بالنقطة الثالثة، وهو الأساليب الخارجية التي يتخذها المنافقون أو المجرمون في الكيد للإسلام وأهله، وأن هذا الكيد المذكور في هذه الآيات هو من أخطر أنواع الكيد الذي يمكن أن يتخذه أو يسير عليه، وهو التذرع بالوسائل التي يكون ظاهرها الصلاح للوصول إلى مقاصد فاسدة. ومن جلال القرآن وجماله أنه يبين المنطلقات وبعض معايير القياس حتى يكتشف الإنسان، ثم يبين الموقف: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا، ويبين كذلك بعض الأمور الداخلية المستصحبة في هذا المعنى.
وهذا كله يجعل يعني وعي المؤمن بسبيل المجرمين أكثر نضجًا وأكثر واقعية وأكثر اقترابًا من الواقع، ويعينه على اتخاذ الوسائل المناسبة.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يغفر لنا ويرحمنا، وأن يجعلنا مباركين أينما كنا. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، نسألك اللهم أن تغفر لنا وترحمنا، وأن تعفو عنا وتعافينا، اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، واجعلنا من أهله يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تؤتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وأن تقينا عذاب النار. اللهم إنا نسألك أن تعز دينك وتعلي كلمتك يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعلِ كلمة الدين، اللهم إنا نسألك أن تنصر الحق وأهله، وأن تذل الباطل وأهله، اللهم انصر الحق وأهله وأذل الباطل وأهله يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن ترحم أمة نبيك محمد، وأن تفتح عليها وتنزل لها الفرج يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك نصرك وفتحك ونورك وبركتك وهداك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن تزيدنا علمًا، وأن تجعلنا ممن يعمل بما علمته يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من الصادقين الصابرين، واجعلنا من القانتين، اللهم اجعلنا من الخاشعين.
ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك ذاكرين، شاكرين، راهبين، قانتين، منيبين، مخبتين. اللهم تقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، اللهم اهدِ قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا.
اللهم إنا نسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ونسألك أن تبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم إنا فقراء إليك، محتاجون إلى رحمتك وعفوك، نسألك اللهم ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم إنا نسألك ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ونعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا. اللهم إنا نعوذ بك من الضعف والقلة والذلة، ونعوذ بك أن نظلم أو نُظلم. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. اللهم أنزل علينا من رحمتك وبركتك إله الحق، اللهم عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله، اللهم عاملنا برحمتك وفضلك وكرمك وجودك وإحسانك، اللهم إنا نسألك أن تتجاوز عنا وتغفر لنا.
اللهم رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
ربنا اغفر لوالدينا، اللهم اغفر لوالدينا، اللهم اغفر لوالدينا، اللهم إنا نسألك أن تعافيهم وأن تحفظهم وأن تبارك فيهم، ونسألك أن تغفر لمن مات منهم يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوالنا وذرياتنا، وأصلح بنا ومن حولنا ومن نحب يا رب العالمين. اللهم اجعلنا هداة مهتدين وارضَ عنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين وارضَ عنا.
اللهم إنا نسألك، لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السماوات والأرض، يا رحمن، نسألك اللهم أن تفرج همومنا، وتنفس كروبنا، وتقضي ديوننا، وتقضي حوائجنا، ونسألك اللهم أن تنزل علينا من بركاتك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا ونحن نعلم، ونستغفرك اللهم لما لا نعلم، اللهم إنا نعوذ بك من شر ما عملنا ومن شر ما لم نعمل.
سبحانك اللهم وبحمدك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك يا رب العالمين. اللهم إنا نرجو مغفرتك ورحمتك إله الحق، نسألك اللهم أن تعتق رقابنا من النار. اللهم اغفر لنا وارحمنا واجعلنا من الصادقين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد