الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح المجلس الثالث من مجالس سلسلة بيان القرآن لسبيل المجرمين، وهذه المرة أيضا مع المنافقين. لو تذكرون إحنا كم ذكرنا صنف من أصناف المجرمين الذين سيتناولون بهذه السلسلة؟ أربعة، اللي هم المنافقون، من هم الأربعة؟ المنافقون، أهل الكتاب، والمشركون، والشياطين، هذه أربعة أصناف. طيب، في المجلس السابق كان الكلام عن المنافقين في سورة التوبة في الآيات المتعلقة بمسجد الضرار.
اليوم أيضا عن المنافقين ولكن في سورة الأحزاب، في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا إلى آخر الآيات.
هذه الآيات فيها بيان القرآن لسبيل المجرمين الذين هم هنا المنافقون، وفيها كشف للحال الباطن من أحوال المنافقين في أوقات الأزمات التي يمر بها المجتمع الإسلامي. وهذا الكشف للأحوال الباطنة وقت الأزمات هو من علم الله بالنفوس وبسرائرها، وهو من الأبواب العظيمة في كتاب الله سبحانه وتعالى التي قل أن يحصلها المرء أو التي لا يمكن أن يحصل المرء مثلها من غير كتاب الله؛ فكتاب الله سبحانه وتعالى تناول الموضوع البشري والموضوع الإنساني وبواطن النفس البشرية بعين الخبير الحكيم الذي خلق الإنسان، ومن جملة ما يخطر في دواخل النفوس أو من أنواع ما يخطر في دواخل النفوس ما ينشأ فيها في أوقات الأزمات.
ودائما نجد في القرآن الكشف بين علاقة الإيمان والثبات الداخلي، وبين ضعف الإيمان وضعف اليقين وبين الاضطراب الداخلي. ولذلك هنا في هذه الآيات الله سبحانه وتعالى ذكر حالا من الظرف الخارجي الاستثنائي في الصعوبة، وذكر حالة من التأثر الداخلي للصنفين: للمؤمنين وللمنافقين، فأما المؤمنون فلم يدفعهم هذا الابتلاء الخارجي الذي أدى إلى شيء من الهزة الداخلية، لم يدفعهم إلى الفرار أو تنكب الطريق أو الطعن في الوعود الإلهية، وإن كان الشيطان يستغل مثل هذه الأزمات ليثير الظنون عند الإنسان ويثير بعض الخواطر السيئة، لكن المنافقين في مثل هذه الأزمات مباشرة يزول السطح الخارجي أو القشرة الخارجية للإيمان التي يتلبسون بها.
وبالمناسبة، الحديث عن المنافقين لا يعني أنهم دائما يبطنون الكفر، وإنما قد يكون في قلبهم من المرض ومن الشك ومن الريب وفيهم مادة من الإيمان، ليس بالضرورة أن تكون المادة القلبية لديهم هي مادة نفاق خالص. وأنتم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، وكما أن الإيمان شعب فالنفاق شعب؛ فالحديث عن المنافقين ليس بالضرورة أن يكون دائما حديثا عن طبقة واحدة ممن يبطن الكفر بالكفر الصريح.
وهنا لما جاءت الأزمة الخارجية الشديدة جدا التي وصف الله سبحانه وتعالى فيها أو ذكر الله فيها كلمة الزلزلة: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، لما جاءت هذه الأزمة الخارجية انقشعت القشرة الباطنة الرقيقة التي على قلوب المنافقين مباشرة. ولذلك إذا جاءت أزمات على حال المسلمين والدعاة إلى الله وما إلى ذلك، ثم قابلوا هذه الأزمات بعدم الصبر والثبات وبالتذبذب والاضطراب، أو بالدخول حتى في الشك أو التشكيك في شيء من الثوابت، فهذا دليل على النفاق الذي في القلوب، أو دليل على أن الإنسان صار في طريق المنافقين.
طيب، ما الذي حصل؟ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، يعني: أرأيتم تلك المجالس التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلسها في المسجد ويحدثنا فيها عن المستقبل والخير وعز الإسلام؟ أرأيتم تلك يعني السفرات أو الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم سواء للجهاد في سبيل الله أو في أي سياق من السياقات حين كان يحدثنا ويعظنا ويكلمنا ويبشرنا؟ أرأيتم تلك الآيات التي نزلت؟ أرأيتم هذا كله؟ يقولون: هذا كله إنما هو غرور! لقد غرر بنا، أو ليس هناك شيء من هذه الوعود ثابت يمكن الاعتماد عليه، وإنما هو غرور وزيف: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.
لماذا قالوا هذه الكلمة؟ لأنهم دائما يتأثرون بالموازين المادية؛ لما رأوا أن الأحزاب لهم عدد أكبر من عدد المؤمنين وقوة أكبر من قوة المؤمنين من حيث الناحية المادية، ورأوا أن الصورة الخارجية هي حصار المدينة، ها؟ لم يبق عندهم من الإيمان والتوكل والصدق والصبر والثقة بالله ما يدفعهم لأن يدفعوا هذه الصورة الخارجية بالمكون الإيماني الداخلي، فقالوا: هذا المكون الداخلي غرور، والصورة التي نراها الآن هي عبارة عن هيمنة كبيرة جدا، إذن: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.
ثم ونتيجة هذا الضعف؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ، لاحظ، المشكلة من الداخل؛ لذلك دائما الذي يسير في أي سياق إصلاحي يجب أن يكون بناؤه الأساسي بناء داخليا، والهزيمة الحقيقية إنما تحصل في الداخل قبل الميدان، فإذا حصلت الهزيمة داخل القلب والنفس، حتى الميدان لو لم يكن يقتضي هزيمة سيهزم الإنسان، وإذا حصل الثبات والصمود داخل النفس فإن الإنسان لا يهزم ولو كانت الصورة الخارجية فيها حالة انكسار. قالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.
طيب، هذه الحال اشترك المؤمنون والمنافقون فيها من حيث الصورة الخارجية، أعني في أساس الميدان والمعادلة الموجودة، أن هناك فئة قليلة من أهل المدينة حوصرت والتم عليها الأحزاب والتف الأحزاب وأحدقوا بها، ثم طال المقام ولم يستطع أهل هذه المدينة أن يتحركوا ولا أن يخرجوا ولا أن يجدوا لهم منفذا، قد ينقطع بهم الزاد بعد مدة، والأمر في ظاهره أنه إلى نهاية، نهايتهم الهزيمة. هذا الموقف وهذه الأزمة أحدثت النتيجتين المتناقضتين تماما، لا لأن السبب الخارجي اختلف، ولا لأن المؤمنين لديهم قوة مادية أكبر من حيث الأجسام، ولا لأن لديهم خطة التفاف عسكري معين، لا، وإنما لأن ما في النفوس يختلف.
فـ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا هذه قالها المنافقون، والمؤمنون قالوا: هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. في نفس الموقف، في نفس المقام، في نفس الحال، أولئك زاد إيمانهم وازداد تصديقهم لوعد الله سبحانه وتعالى، وأولئك زاد نفاقهم وكفرهم.
طيب، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، بس قبل الآن ما ننتقل للآية الثانية: الكلام عن الوعود الإلهية والأخبار النبوية المتعلقة بالمؤمنين، تعرفون أن الشريعة جاءت كما جاءت بالأوامر والنواهي فقد جاءت بالأخبار، والأخبار هذه كثيرة: أحيانا الأخبار متعلقة ببركة شيء معين، أحيانا الأخبار متعلقة بفضل أمر معين، أحيانا الأخبار متعلقة بحال المؤمنين في آخر الزمان، أحيانا أخبار متعلقة مختلفة. جيد؟ هذه الوعود مهما كنت ترى من الآيات والدلائل على ثبوتها فإنها لا تنفع وحدها ما لم يكن هناك قلب لديه من اليقين والتصديق ما يجعل هذه الأخبار والمبشرات تنزل على محل صحيح.
طيب، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ. أول شيء أنتم الآن ليه ما تقولوا يا أهل المدينة؟ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ كأنهم رجعوا إلى الاسم الجاهلي الذي كانوا يتنادون به قديما، والذي يسمون به المدينة، وتعلمون النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الاسم إلى المدينة وسماها بطيبة كذلك. وهنا المنافقون لما تنادوا فيما بينهم كأنهم يقولون: أرأيتم هذا الذي حدث خلال السنوات، إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم وما إلى ذلك؟ هذا كله غرور، فلترجعوا إلى أصلكم، وطنكم، الرابطة العرقية أو الوطنية التي تجمعكم: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، هذا النداء وهذا الشعار الذي يصلح أن يكون محلا للتنادي ومحلا للالتفات: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ، لا مقام لكم هنا في هذا الجيش مع النبي صلى الله عليه وسلم فارجعوا.
طيب، لاحظ أنت الآن لما تبدأ في هذه الآية بهذا النداء تشعر أنهم أناس من الأبطال الأقوياء الذين سيغيرون المعادلة، سينقلبون على جيش النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا بهم جبناء! جبناء يرفهم الخوف، ودائما المنافقون يلعبون على الحسابات والاحتمالات، يعني يرجح مثلا جانب الكفار لكن يبقي جانب احتمال عند المؤمنين، يلعب يمسك العصا من ثلاثة أرباعها، يعني يحاول يخلي شيء. طيب، أنتم الآن لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا مدري إيش، ما يعني قالوا: خلاص نحن لسنا مع المسلمين، لا لا لا: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ.
يذهبون مثل أي جبان في العالم، يذهب ويقول يعني: والله إحنا القصد ما إنه نترك طريق الدعوة ولا طريق الإصلاح ولا طريق نصرة الدين، لا، وإنما يعني في ظل هذه الظروف الحالية التي استجدت على الساحة العالمية وهذا، فإن بيوتنا الآن مكشوفة للأعداء، وإن بيوتنا ها؟ فيها من النساء والصبيان ما لا يوجد لهم من يحميهم، عورة، مكشوفة يعني ليس لها شيء، ممكن تأذن لنا إنه نحن نذهب فنحمي بيوتنا؟ إحنا أعوذ بالله، إحنا نبغى نخرج من الجيش ولا هذا؟ أعوذ بالله، لا، بس إحنا بيوتنا عورة بنحميها فقط!
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. المحرك الأساسي لهم هو مبدأ السلامة، للجبن والخوف والهلع الموجود في قلوبهم؛ هم جبناء، وهكذا المنافقون دائما جبناء. وكثير ممن يكون ممن ليس من المنافقين، يعني ليس ممن يبطن الكفر ولا ممن يبطن إرادة الشر بالإسلام، وممن يحب الخير للمسلمين، ولكن يكون فيه من الجبن ما قد يلحقه ببعض شعب النفاق. لاحظ: إنسان يسير في طريق الصلاح، وقد يسير في طريق العلم أو الدعوة، ولكن جبنه وخوفه قد يوصله إلى شيء من حال المنافقين أو إلى بعض شعب النفاق؛ لأن الجبن من الصفات التي أبرزها الله سبحانه وتعالى في المنافقين أنها تخذلهم ويخذلون بها وينخذلون بها عند مواطن الاحتياج في العمل للإسلام وفي نصرة الله ورسوله.
هنا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، هم لا يريدون إلا الفرار، هم يريدون السلامة، الموت جاك الموت جاك، الحصار من كل مكان، اهرب اهرب: إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم أمامكم ثابت، والصحابة من حوله جميعا في ذلك المقام كانوا من الثابتين، وصبروا على الحصار وصبروا على البرد وصبروا على الشدة، أفلا يسعكم ما وسعهم؟ أفلا تكونوا من خلفهم؟ لا، إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا.
ولذلك من الفوائد المهمة جدا في معرفة سبيل المجرمين وسبيل المنافقين تحديدا، أن ندرك أنه مهما كان هناك من الحق والخير وحملة الحق، النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه فضلا عمن دونه ومن بعده، مهما كان من العوامل الخارجية التي تؤدي إلى الثبات فإنهم لا يثبتون؛ لأن المشكلة عندهم ليست في قلة الدلائل، المشكلة عندهم في مرض القلب، ومرض القلب لا دواء له من كثرة الأمور الخارجية، وإنما بعلاجه من داخله.
طيب، يريدوا إيش؟ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا. يقول الله سبحانه وتعالى: ولو أن هؤلاء دخلت عليهم ديارهم وبيوتهم من أقطارها من جوانبها ثم سئلوا الفتنة -الارتداد عن الدين- لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، يعني ما ترددوا طويلا في أن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر. ولاحظ السياق هنا يدل على بقاء شيء من الإيمان لديهم، أليس كذلك؟ بقاء شيء من الإيمان لديهم، شيء مما قد يكون فيه مادة من الإيمان لديهم، واضح؟ لأنه قال: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ، لو سئلوا الكفر والشرك لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، ما ترددوا إلا قليلا، أو ما مكثوا إلا قليلا حتى يعطوا هذا الذي طلب منهم.
طيب، وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا. الآن عهدهم لله سبحانه وتعالى هذا أيضا يؤكد المعنى الذي هو إيش؟ أن فيهم شيئا من الإيمان، جيد؟ فهم قد عاهدوا الله سابقا أنه إذا جاء لقاء مع المشركين أو إلى آخره فإنهم سيكونون من الصادقين الثابتين، ولكنهم خذلوا جبنهم وخوفهم ومرض قلوبهم وشكهم ونفاقهم في أبواب أخرى: وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا.
وهذا المعنى، اللي هو العهد، هذا ذكره الله في أكثر من موضع من كتابه فيما يتعلق بالمنافقين، وذلك أنه سبحانه وتعالى قال في سورة التوبة: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ، لاحظت؟ نفس الشيء: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ، وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. لاحظ أن صفتين من الصفات الداخلية في المنافقين تنتج لهم كثيرا من الشؤم، وهذا المعنى مكرر في كتاب الله أيضا، وهو من أهم ما يبين سبيل المجرمين، اللي هم في حالة المنافقين تحديدا من المجرمين. المعنيان المشؤومان الداخليان اللذان يولدان كثيرا من الشرور هما إيش؟ أحسنت: الجبن والشح.
الجبن والشح، الشح هذا هو، شوفوا: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ، فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ، بخلوا به، تمام؟ وسيأتينا بعد قليل ذكر الشح أيضا في المنافقين، فيجتمع في المنافقين هذان الأمران: الجبن والبخل، أو الجبن والشح، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث شريف عظيم: شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع، فجمع بين الجبن والشح وقال هما أشر ما يمكن أن يكون في الإنسان: شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع.
وكأن الشح يعني يجعل الإنسان في حالة من ضيق النفس والحرص والطمع بحيث إنه يخاف ويهلع إذا فقد شيئا من ماله، أو إذا خاف أن يفقد شيئا من ماله، وأحيانا فقط لأنه يريد أن ينفرد بشيء معين، أو فقط لأنه يكره الخير لشخص آخر، هذا من الشح أيضا، يعني الشح ليس بالضرورة أن يكون بإمساك ما في اليد، وإنما يكون الشح أيضا بكراهية أن ينزل عليك شيء من الخير، هذا كله من الشح، ولذلك الشح يبعث على الحسد.
ولذلك، وهذا كلام من صميم قلبي أقوله لكل من يعني يستمع هذا الكلام: من أراد أن يكون من المؤمنين حقا، وخاصة إذا أراد أن يكون من المصلحين وممن يسير على طريق الأنبياء ويتحمل أعباء هذا الدين، فليطهر قلبه من الجبن ومن الشح، فليطهر قلبه من الجبن ومن الشح؛ فإنك إذا ظننت أن الجبن إنما هو نقص في الشجاعة قد يؤدي إلى نقص في العمل، وأن الشح إنما هو نقص في الكرم قد يؤدي إلى نقص في العطاء والبذل، فإنك واهم؛ فإن الجبن والشح من شر ما يمكن أن يكون في الإنسان، ومن شر ما يمكن أن يولد من الصفات الأخرى التي قد توصل الإنسان إلى النفاق، وهذا واضح في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذه الآيات في هذا المعنى.
ولذلك إذا أكملنا الآيات، طبعا الله سبحانه وتعالى قال في هذه الآية: إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، هذا الجبن، تمام؟ إيش الآية اللي بعدها؟ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، إيش؟ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، إيش؟ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ.
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، لاحظ إيش؟ الشح والجبن، فجمع الله بينهما في صفات المنافقين: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، شوف شوف مقدار الجبن الموجود عندهم! كله خوف من الموت، كله خوف: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ.
سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، اللي هي زي إيش؟ كله منكم، ولولا إنكم أنتم أصلا ما سويتم كذا ما كان أحد جاكم، ولو ما إنكم اشتغلتم بهذا الطريق أصلا ما كان هذا، وإحنا كنا بخير، كنا في حال طيبة، كنا في يثرب وحالتنا ممتازة، أتيتونا بالإسلام وبمدري إيش وبمعاداة القبائل، وجونا القبائل والتموا على المدينة، سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، ها؟ مثل ما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء إيش؟ لا هذيك سورة التوبة، في سورة النساء إيش قال؟ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ، صحيح، ولكن أنا قصدت آية أخرى أوضح منها.
طيب، من قوله: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. نفس ما ذكر الله عن قوم فرعون: وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ. كله منكم، كله من إيمانكم هذا، كله من عملكم الإسلامي والدعوي هذا!
سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، سلقوكم بألسنتهم، هذا من سبيل المجرمين، هذا من سبيل المنافقين: إذا جاء وقت الخوف ما تشوف إلا الغبار: إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، وإذا جاءت حالة الأمن وذهب الخوف انطلقت الألسن تسلق سلقا، ها؟ يعني حتى ذكر بعض العلماء إنه هذا نفس السلق، السالق والصالق نفسه بالسين والصاد، اللي هو حتى برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة: الصالقة والحالقة والشاقة، وهنا سَلَقُوكُم نفسها سلقوكم؛ ولذلك يقولون: خطيب مسلاق، يعني يسلقونكم ويرفعون أصواتهم وألسنتهم عليكم، شوف: سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، وكأن الطعن وشدة الطعن عند المنافقين سمة ملازمة فيهم: سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
طيب، الآن إحنا قلنا في كل آيات أو في كل مقطع نذكر أربعة أمور، ما هي؟ بيان أي صنف من الأصناف، وذكرنا المنافقين. اثنين: بواعث المحركات الداخلية وذكرناها، وهي هنا كم باعث ومحرك داخلي؟ ثلاثة: الجبن، والبخل، وإيش؟ لا، أحسنت: الريب، مرض القلب: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، الريب والشك: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، الريب والشك وعدم اليقين، قلة اليقين، تذبذب القلب، اضطراب ومرض القلب، ثلاثة أمور داخلية.
وقلنا إيش أيضا في الأساليب الخارجية؟ إيش الأساليب الخارجية المذكورة هنا؟ الوسائل التي يستعملونها، ها؟ قبل ألسنة حداد إيش؟ أيوة، التعذر بالأساليب اللينة والناعمة للاعتذار من تحمل المسؤولية والثبات في الطريق، ها؟ اللي هو: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، هذا واحد، هذه من الأساليب التي يستعملونها من سبيل المجرمين. اثنين: في الآيات اللي قرأناها بسرعة: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، وقبل ذلك: وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا.
ولذلك دائما دائما المنافقون في أوقات العمل للإسلام دورهم هو التثبيط: تثبيط العزائم والهمم، والتخذيل، وفت العضد، والتهويل فيما يتعلق بالأعداء، هذه وظيفة أساسية من وظائف المنافقين الذين يكونون بين المسلمين في وقت العمل للإسلام. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى إيش؟ في آية في سورة التوبة عن هذا المعنى، آية واضحة في السياق، ها يا جماعة؟ إيش في آية في القرآن تدل على هذه الصفة في المنافقين؟ أحسنتم أحسنتم: لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ. أنتم قلتم: وفيكم سماعون لهم، بس إني ما سمعت البداية، أنت قلت: وفيكم سماعون لهم من البداية: لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا -أسرعوا- خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.
طيب، إذن لاحظ هنا: المعوقين، معوقين: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إلى آخر الآية. طيب، إحنا الآن ذكرنا المحركات والبواعث الداخلية للمجرمين -وعليكم السلام- المحركات والبواعث الداخلية للمجرمين اللي هي في هذه الآيات إيش؟ المرض، مرض القلب، والجبن، والشح، تمام؟
طيب، الأساليب الخارجية التي يستعملونها ما هي؟ أول شيء: التعذر والانسلال، التذرع بالوسائل السلمية للخروج من الأزمة، وعدم -خلنا نقول- عدم الانخذال انخذالا مباشرا بدون أن يوجدوا لأنفسهم أعذارا؛ ولذلك هذا من أهم الأمور التي يزيد القرآن بها وعي المؤمنين أنه يعلمهم الأساليب التي يستعملها المنافقون، والأساليب التي يستعملها المنافقون كثير منها ما يكون بما ظاهره المسالمة وأنه معكم والأمور تمام ونحن حبايب وإلى آخره، تمام؟ طيب، هذا الأمر الأول اللي هو التذرع بالأساليب الناعمة للانسلال من العمل للإسلام، من نصرة الإسلام، انسلال، تمام.
طيب، والأمر الثاني إيش؟ التثبيط لغيرهم، لا يكتفون بانسلالهم هم وتخليق الأعذار، وإنما يثبطون غيرهم ويقعدون غيرهم. الأمر الثالث إيش؟ وقت الرفاهية والأمان وحالة وذهاب الخوف يستأسدون ويستعملون اللسان السلق بألسنة حداد، يسلقون: سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ، فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، إنه: أرأيتم إيش اللي جانا؟ كله بسببكم، أنتم عشان كذا، أنتم المسلمين أصلا هذا، إحنا ما شفنا خير من بعدكم، أصلا مدري إيش، إحنا كنا بسلام وبعافية وبخير، وكان أمان وحالتنا يعني مستقرة، ورخاء وتطور وازدهار وحياة رغيدة والعصافير تزقزق كل صباح، فمن يوم ما جاء الإيمان والإسلام وهم في حالهم تلك النبي صلى الله عليه وسلم صارت معاداة العرب والناس جاؤونا من كل مكان ومن كل حدب! هكذا: سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ -وهذا المخيف- وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.
طيب، قبل أن ننتقل إلى الأمر الرابع اللي عادة نذكره في هذه الدروس اللي هو إيش؟ الأمر الرابع: توجيه الله للمؤمنين في مثل هذه الأحوال المتعلقة بسبيل المجرمين المذكور في نفس هذه الآيات، ما الذي يأمر الله به المؤمنين أن يفعلوه في مثل هذه الأحوال؟ قبل أن ننتقل إلى هذا نريد بس نؤكد على المعنى السابق وأذكر فيه أن هذا المعنى أيضا مكرر في كتاب الله، خاصة المعنى الأول اللي هو الانسلال، الاستئذان، الكذا: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ بعدين إيش؟ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ شوف: وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا، وإن كانت هذه يعني من جهة أخرى، طيب عموما هذه من صفات المنافقين الأساسية.
طيب، بقي الأمر الرابع في هذه الآيات: حين ذكر الله سبيل المجرمين هنا، وحين ذكر الله سبيلهم من جهة المحركات الداخلية، وذكر الله سبيلهم من جهة الأفعال الخارجية التي فعلوها، بماذا وجه المؤمنين؟ وجه الله سبحانه وتعالى المؤمنين بعدة أمور في هذه الآيات: أولا: وجه الله سبحانه وتعالى المؤمنين بأن ذكر من المعاني المطلقة في رده على المنافقين ما هو تحذير للمؤمنين أيضا، يعني: أيها المؤمنون احذروا هذا الفعل الذي فعلوا، احذروا؛ فإن فيها مطلقات ليست خاصة بالمنافقين، يعني مثلا: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ، ماذا قال الله؟ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، يعني حتى أنتم أيها المؤمنون وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا. ثم لما ذكر فرارهم قال إيش؟ أيضا من المطلقات إيش اللي ذكرها الله سبحانه وتعالى؟ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ، وأيضا أوضح منها: قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً، جيد؟ هذا الآن التوجيه أو الأمر الأول.
الأمر الثاني، وهو أمر واضح مباشر للمؤمنين في مثل هذه الأحوال، وهو قوله سبحانه وتعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، ذكره الله سبحانه وتعالى بعد آيتين، إنه قال سبحانه وتعالى: فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، إيش بعدها؟ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ. السياق كله عن نفس القصة.
إذن، التوجيه إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاستمساك بغرزه، والثبات خلفه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ. وهنا: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، أي: أيها المؤمنون، وإن رأيتم حالات النكوص والتذبذب والجبن والشح والاضطراب والانسحاب والتبديل وعدم الثبات، فإن لكم في رسول الله أسوة الثبات والصبر والصدق والتفاؤل والاستبشار والتصديق بوعد الله سبحانه وتعالى لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان أمامهم وبينهم إلا أن أولئك المنافقين لم ينتفعوا بوجوده بينهم، فهنا لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ليس لأي أحد
ليس لأي أحد يمكن أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم تأسي المستفيد، وإنما لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. ثم بقيت آيتان وهي تتمة للأمر العظيم المذكور في هذه الآيات، وفيها توجيه أيضًا للمؤمنين أو إشادة بالمؤمنين، فتدخل في الأمر الرابع: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وقال من قال من العلماء هنا إن الوعد المقصود هو قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا.
وزُلزلوا هذه مذكورة في نفس هذه الآيات أيضًا: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا. وفي سورة البقرة يقول لهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، ثم يقول لهم إيش؟ إي: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، فجاءت زُلزلوا في سورة الأحزاب. وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
ولما ذكر الله أن من صفات المنافقين إخلاف العهد، ذكر تمام العهد في الصادقين فقال إيش: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ، أي: نذره وعهده الذي عاهد به الله، والنحب هو النذر، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ. وصورة قضاء النحب قد تكون بالموت والقتل؛ أنهم عاهدوا الله على الصدق في اللقاء، عاهدوا الله على الصدق في اللقاء والثبات. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
والله سبحانه وتعالى يذكر هذا المعنى بموضع آخر في كتابه، في أكثر من موضع في كتابه: أنه عند هذه الأزمات يأتي أناس يمكثون يرجعون، أو أناس يتذبذبون ويضطربون، ويأتي أناس يثبتون ويصبرون وما يبدلون: قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.
فهنا في هذه الآيات الله سبحانه وتعالى ذكر أولئك الصادقين الذين قال من قال فيهم من الصحابة رضوان الله عليهم: كان في البخاري نزلت هذه الآية في أنس بن النضر، كان رضي الله تعالى عنه يقول إن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر حين قال إيش؟ وكان قد فاته مشهد بدر فقال: لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، ليرين الله ما أصنع. هذه اللي هي إيش: صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، هذا عهد مع الله، ها؟ لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما جاء يوم أحد وانكشف الجيش وفر من فر، كان سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه على آخر موضع يمكن أن يصل إليه الإنسان من جهة المشركين، أقرب موضع، يعني خلاص ما بعده اسمه ليس القتال، اسمه الموت، تمام؟ فهو كان على شفير الموت، سعد بن معاذ يقاتل، فجاء أنس بن النضر إلى هذا الموضع وتجاوزه إلى موضع الموت، فقال له سعد بن معاذ... قال له ابن معاذ: ويحك يا أنس! أو نحو ذلك، لا يقتطعونك، انتبه لا يقتطعونك! يعني أنت ذهبت إلى موضع ما عاد فيه ظهر، يعني ما أنت جالس في آخر صف بس يعني عندك ظهر تقدر تقاتل وفيه... لا لا، إذا ذهبت هنا يقتطعونك ما عاد فيه، احذرهم لا يقتطعوك أو لا يقتطعونك. فقال أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه: واهًا لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد!
ثم تقدم فقاتل حتى قُتل، ولم يعرفه أحد أو يتعرف على جثته لأن معالم هيكله قد مُسحت؛ لم يعد هناك أنف ولا عين ولا ملامح وجه يُميز بها عن بقية الأجزاء، حتى جاءت أخته رضي الله تعالى عنها فعرفته بإصبعه، عرفته ببنانه؛ لأنه لما دخل في ذلك الموضع ودخل دخول المستبسل نهشته الرماح والسيوف من كل مكان، وبطبيعة الحال قد يكون دُعس بالأرجل والأقدام بعدما سقط إلى أن غابت معالمه رضي الله تعالى عنه. هذا فيه وفي مثله نزل قول الله سبحانه وتعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
ولذلك لا مكان للجبناء ولا لذوي البخل والشح في الصفوف الأولى في نصرة الإسلام، حتى في... يعني في الدعوة إلى الله، لست أقصد فقط القتال، وإنما حتى في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنه قد تأتي أزمنة -كما في زماننا هذا- تكون الدعوة إلى الله في بعض صورها، أو في بعض أحوالها، أو في بعض يعني في بعض صور الواقع الموجود، تكون قد عرضت نفسك لأنواع من الخطر إذا سلكت طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هناك أناسًا يكرهون الحق من جهة كونه حقًا، وخاصة إذا بورك لك وبدأ الناس يسمعون. تعرفون مثلًا قوم لوط: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ.
والآن تُشرَّع قوانين بعض الدول في قضية معاقبة الإقناع... تغيير موقفك من أنك ما تكون شاذ، يعني جيد؟ لازم تترك الإنسان في حريته ما تؤثر عليه ولا على قراره ولا تغيره ولا تقنعه بشيء. وبشكل عام، الذي يدعو اليوم إلى صميم الإسلام وأساس الرسالة المحمدية، ويسعى لنشر الصلاح والإصلاح، ويحارب الفساد من جهة كونه فسادًا مناقضًا للفطرة ولما يحب الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن يتبرأ من الجبن والبخل.
لا بد أن يتبرأ من الجبن والبخل؛ لأنه قد يغلبه جبنه فينتكس عند الأزمات الشديدة، يترك كل شيء، وقد يزيد الأمر سوءًا فيُحرِّف حتى في رسالته وفي دعوته إرضاءً لذوي السطوة والقوة حتى يسلم، فيكون حبه للسلامة ليس فقط مؤثرًا في أنه استمر أو ما استمر، وإنما يكون مؤثرًا حتى على الدعوة التي المفترض أنه يدعو إلى الله بها فيُغيِّر، وتجده يُحرِّف ويُشرعن أحيانًا بعض الأعمال التي ليست من الحق، ليش؟ لأن من لديه القوة يريد هذا العمل، فتجد من يضفي الشرعية على مثل هذا العمل. لماذا؟ جبنًا وخوفًا وهلعًا.
فهنا وقع في جريمتين: الجريمة الأولى في نكوصه، والجريمة الثانية في تحريف دين الله سبحانه وتعالى وخيانة أمانة العلم ومسؤولية الحق الذي يحمله الإنسان. نسأل الله سبحانه وتعالى العافية، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد