الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح المجلس الحادي عشر من مجالس بوصلة المصلح، والحمد لله أوشكنا على الانتهاء من المادة والسلسلة. وقد تحدثت في اللقاء السابق، اللي هو اللقاء العاشر، أعدت الحديث عن سياق السلسلة والظروف التي نشأت فيها المادة. وفي كل مجلس تقريبًا أتحدث أو أذكر الموضوعات الخمسة الأساسية في مادة بوصلة المصلح، وهي: أولًا: فضل الإصلاح، ثم جدوى الإصلاح، ثم بوصلة الإصلاح، ثم حملة الإصلاح، ثم عوائق الإصلاح. والحمد لله انتهينا من الثلاثة أقسام الأولى، ونحن في القسم الرابع الذي هو حملة الإصلاح، وأخذنا في حملة الإصلاح عدة دروس أو مجالس؛ أخذنا ثلاثة مجالس.
من صفات المصلحين أخذنا أربع صفات: كانت الصفة الأولى العبودية، والصفة الثانية الانطلاقة من مرجعية الوحي والاستمساك بها والرد إليها، الصفة الثالثة اليقين، والصفة الرابعة؟ الصبر. الصبر. طيب، وقلت إنه كل صفة من صفات المصلحين أتناولها من أربع جهات: الجهة الأولى: بيانها وما يدخل فيها، الجهة الثانية: مستندها من الوحي في السياق الإصلاحي، الجهة الثالثة: أهميتها وجودًا وعدمًا، الجهة الرابعة: كيفية تحقيقها. طيب، في كتاب بوصلة المصلح الصفات كثيرة، أنا في المادة المرئية أو في المحاضرات لن أذكر كل الصفات، ولكن سأوسع في بعض الصفات.
سننتقل الآن للصفة الخامسة، وليس بالضرورة أن تكون الصفة الخامسة الآن هي مطابقة لنفس الترقيم في الكتاب. طيب، الصفة الخامسة من صفات حملة الإصلاح: العلم، العلم. ولو تلاحظون، ابتدأنا بالعبودية، مرجعية الوحي، اليقين، الصبر، الآن العلم.
والعلم في السياق الإصلاحي وفي سياق حملة الإصلاح هو صفة مركزية يجب أن يكونوا عليها، يجب أن يسعوا لتحقيقها، يعني وجود العلم بالنسبة للمصلح هو ليس أمرًا تكميليًا أو ثانويًا، وإنما وجود العلم بالنسبة للمصلح هو أمر مركزي. والإصلاح إذا لم يكن على علم وبينة وبصيرة، فقد يكون إما ألا يحقق -خلنا نقول- ما ينبغي أن يحقق، وإما أن يكون حتى على طريقة خاطئة؛ لأنه وُجد على مر التاريخ أناس يرفعون شعار الإصلاح، ويسعون لتحقيق الإصلاح بنية صادقة ولكن كانت عاقبتهم إلى النار، ومن جملة هؤلاء الخوارج الذين تحدث عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يرفعون شعار الإصلاح، ومحاربة الفساد، ومحاربة التغير، وإلى آخره، ثم كان مآلهم إلى النار. والسبب الأساسي أو من أهم الأسباب لذلك هو فقدان العلم الحقيقي الذي ينطلق منه الإنسان في مسيرة الإصلاح، وهناك بلا شك أسباب أخرى.
طيب، الجهة الأولى من تناول الصفة الإصلاحية إيش هي؟ بيانها وما يدخل فيها. طيب، إيش اللي يدخل في حدود العلم فيما يتعلق بالسياق الإصلاحي؟ إيش المقصود من قول العلم؟ إيش أهم ما ينبغي أن يدخل في العلم في السياق الإصلاحي بالنسبة للمصلح؟ طيب، العلم بالشرع ومراد الله سبحانه وتعالى، جيد، وأيضًا العلم بغايات العلم ومقاصده، جيد.
طيب، أنا ذكرت بعض المحاور في قضية العلم، وأظن قضية العلم لا تحتاج إلى تفصيل كثير بقدر ما تحتاج إلى بيان ما يحتاجه المصلح من العلم، ليس هو ما يصطلح عليه من العلوم التراثية الشرعية فقط، وإنما هذا واحد من المكونات العلمية التي يجب أن يكون منها المصلح. وهناك باب آخر من أبواب العلم، وهو -وإن كان داخلًا في اسم العلم في الوحي، بل هو من أولى ما يدخل في اسم العلم في الوحي- إلا أنه لم يلقَ العناية الكافية من كثير من طلبة العلم، وهو العلم بالله؛ العلم المتعلق بالله وبالطريق إليه من جهة أعمال القلوب وما يتعلق بها من أنواع التعبدات. هذا النوع من العلم هو من أهم ما يحتاجه المصلح: العلم بالله، العلم بوعد الله، العلم بخبر الله. ثم بعد ذلك يأتي العلم الاصطلاحي، اللي هو متعلق بالفنون الشرعية التراثية المعروفة، وهو من الأركان الأساسية في تكوين المصلح.
مما ينبغي أن يزيده المصلح من العناية تحت ما يدخل، أو مما يدخل تحت اسم العلم: العلم بهدي الأنبياء والمرسلين، التركيز البالغ على سنن الأنبياء، والعناية البالغة بهديهم وسننهم وطريقهم في الإصلاح وشأنهم التعبدي، فهذا من أولى ما يدخل في العلم مما يحتاجه الإنسان المصلح.
طيب، الجهة الثانية: مستند هذه الصفة من مرجعية الوحي. أين نجد في مرجعية الوحي التأكيد على أن العلم مما يحتاجه المصلح في طريقه؟ أحسنت، قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. هذه الآية واضحة في أن من أسباب اختيار هذا القائد هو المكون العلمي لديه: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ؛ هذا أولًا اختيار من الله، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، فكونه متفوقًا عليكم في العلم، فهذا من موجبات تفضيله عليكم في قيادة الشأن الإصلاحي.
طيب، مما ذكره بعض العلماء في هذه الآية، البقاعي رحمه الله قال: وهذا يدل على اشتراط العلم في الملك. ولذلك تجد أن العلماء الذين اعتنوا ببيان مثلاً -يعني مثلاً ابن تيمية رحمه الله لما يتكلم في السياسة الشرعية عن الولايات الشرعية وعمن الأولى بالتقديم وما إلى ذلك- تأتي الإشارة إلى مثل هذه المعاني المتعلقة بالعلم والقوة والأمانة وما إلى ذلك.
طيب، أيضًا دليل آخر، إيش فيه أدلة أخرى؟ جيد، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي. فموجب اتباعك لي هو ما معي من العلم الذي ليس معك، وهذا معناه أن العلم موجب للاتباع والقيادة والإمامة في الدين، جيد. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، جميل. وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ، جيد. هذه كلها الآن آيات فيها ذكر العلم في سياق الإصلاح.
لكن هناك باب آخر من الآيات متعلق بالأنبياء يدل على قيمة العلم، وهي الآيات التي فيها ذكر البينة والبصيرة، يعني: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ. إذا لم يكن العلم أساسيًا في طريق المصلح فلا يمكن أن يحقق معنى البصيرة. يعني معنى البصيرة في سبيل الأنبياء وفي سبيل من اتبعهم لا يمكن أن يكون بدون العلم؛ فقُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ، أَدْعُو إِلَى اللَّهِ هذه واضحة في السياق الإصلاحي الآن، عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. طيب، هذه البصيرة من أين تأتي؟ هذه البصيرة واحدة من أركانها الأساسية العلم.
وكذلك خطاب الأنبياء المتكرر: قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي. وهذه البينة أيضًا واحدة من مكوناتها الأساسية هو العلم، بل هي مبنية أساسًا على العلم. الآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا وهي تؤكد على مركزية العلم في السياق الإصلاحي.
طيب، ما أهمية -الجهة الثالثة هذه- ما أهمية وجود العلم كصفة للمصلح في السياق الإصلاحي تحديدًا، وما خطورة فقدان هذه الصفة؟ هنا هناك أمور متعددة وكثيرة. واحدة من الأمور الكاشفة عن أهمية العلم والتي تزيد من شأنه من جهة الطريق الإصلاحي، هو ما يتعلق بالواقع الحالي. يعني الآن نحن أخذنا أهمية العلم في السياق الإصلاحي من مرجعية الوحي، تمام، هذه الآن كاشفة عن مكانة العلم مطلقًا في طريق المصلح بغض النظر عن أي ظرف آخر.
مما يزيد -ولو تتذكرون في الدرس العاشر أو الدرس التاسع طرحت سؤالًا، قلت: من أين نأتي بصفات المصلحين أصلاً؟ يعني من أين لنا أن نأتي بصفات المصلحين؟ بنقول: صفات المصلحين، حملة الإصلاح هذه صفاتهم، من فين؟ المرجع الأساسي هو مرجعية الوحي. طيب، في مرجع آخر يمكن أن يؤكد بعض المعاني وهو احتياجات الواقع، أي أن المصلح في هذا الواقع يجب أن يكون على هذا القدر من الصفات، اللي هي صفات مطلقة تثبت بمرجعية الوحي متجاوزة للزمن أساسًا، وصفات يؤكدها الواقع. فمن الصفات التي يؤكدها الواقع في هذه المرحلة: صفة العلم؛ أن المصلح في مثل هذا الواقع الذي نعيشه اليوم، الذي فيه الاختلافات الكثيرة والإشكالات الكثيرة، لا يمكن أن يسير بطريق صحيح إلا إذا كان المكون العلمي أساسيًا لديه.
ومما يلاحظ في كثير من السياقات الإسلامية والدعوية أنه هذه الصفة، يعني أحيانًا تقع منافرة لفكرة الإصلاح وصفة العلم. يعني هناك بعض التصورات في الواقع: إما أن أكون طالب علم وأستمر طالب علم وأتخصص في العلوم الشرعية ثم لا يكون لي ذلك الانتقال إلى منافذ الواقع المتصلة بأحوال الناس وإشكالاتهم، وإما أن أكون متصلًا بواقع الناس وإشكالاتهم وأن أكون مشتغلًا بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ولكن المكون العلمي يكون قليلًا لدي. ومتى ما اجتمع العلم المتين مع الدعوة إلى الله والتحرك في الواقع تحت عنوان الإصلاح، كانت النتائج بإذن الله مختلفة عن كثير مما هو حاصل اليوم.
طيب، كيف تحقق هذه الصفة؟ اكتساب صفة العلم، تحقيق العلم له مدارج معروفة وله مسالك معروفة. هناك بعض -خلنا نقول- المفاتيح الاصطلاحية أو المفاتيح الدلالية هي التي متى ما روعيت فإنها تكون مما يحقق هذه النتيجة، اللي هي نتيجة اكتساب العلم: المنهجية، طول الزمن، تلقيه عن أهله، التحقيق، الشمولية، التدرج. هذه ست كلمات مهمة في تحصيل العلم، إذا اجتمعت مع بعضها فإنها تعين بإذن الله على هذا التحقيق. طبعًا السياق ليس سياق التفصيل في كيفية اكتساب العلم، لكن الذي أريد أن أنبه إليه أو عليه في سياق العلم هو أن العلم لا يقتصر على الجانب المعرفي؛ الآن بغض النظر إيش هو الباب، هو باب معرفي متعلق بالعلم بالله، ولا باب معرفي متعلق بالعلوم الإسلامية، هذا شيء آخر. لكن العلم وتحققه في النفس ليس من جهة الرافد المعرفي فقط، وإنما هناك رافد آخر يحقق العلم في النفس ولو من جهة تثبيت حقائق العلم، اللي هو إيش؟ الهداية الإلهية؟ جميل، الهداية الإلهية صحيح، تحري أن يطلب الإنسان النور الذي يقذفه الله في القلب، جميل.
لكن أيضًا العمل بمقتضى العلم والسير في طريق الإصلاح ورؤية أيام الله المتحققة في الأرض، هذا من أعظم ما يدخل تحت اسم الفقه في الدين. وأمس قرأت عليكم كلام الطبري رحمه الله في تفسير الآية، في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ. وهذا التفسير من الطبري -يعني أنا ما أحب أكرر النصوص، لكن اليوم سأكرره مرة أخرى لأنه حقيقة تفسير عجيب، وهو إن صح هذا التفسير فهو باب عظيم من أبواب الفقه في الدين يجب أن يراعيها الإنسان المسلم، لا يظن أن العلم هو باب معرفي نظري فقط-.
ماذا قال الطبري؟ طبعًا كما قلت المتبادر للذهن في قوله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، المتبادر للذهن أن الطائفة المتفقهة هي الطائفة القاعدة، أليس كذلك؟ أن فيه طائفة تبقى وفيه طائفة تنفر: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً، أي الطائفتين المقصودة في الآية لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ؟ المتبادر للذهن الطائفة التي تبقى تتفقه في الدين، أليس كذلك؟ وهو قول مشهور عند العلماء.
الطبري يرجح أن الطائفة المتفقهة في الدين هي الطائفة النافرة ويقول ما يلي، قال رحمه الله: وأما قوله لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ -عمومًا سأكمل النص، لكن أريد أن تركزوا معي لأنه هذا المعنى دقيق جدًا وهو معنى خطير في قضية الفقه في الدين، وهو من أعظم ما فقه الصحابة في الدين؛ الصحابة مورد الفقه في الدين لديهم لم يكن جانب التلقي المعرفي فقط- ماذا قال رحمه الله؟ قال: وأما قوله لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ؛ فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: تتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم لعلهم يحذرون. يقول: لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله حذرًا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم.
معنى مختلف تمامًا، وباب من أبواب التفقه في الدين؛ الله سبحانه وتعالى يقول: لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، الطبري يقول لك هذا التفقه هو معاينة -ماذا سماه؟- قال: بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله. هناك معانٍ متعلقة بمعية الله ونصره وتوفيقه، المعاني المتعلقة بأثر الصدق والإخلاص، وأثر العلم للدين ومعية الله للمؤمنين، وسنن الله في الأرض، سنن الله في الأقوام وفي الأمم، هذا باب من العلم عظيم وباب من الفقه الشريف. والصحابة رضوان الله تعالى عليهم قد عاينوا هذا الفقه بأعينهم، أو رأوا هذا الفقه بأعينهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في سياق العمل للدين، وفي سياق الإصلاح، وفي سياق نصرة هذا الدين، وفي سياق القيام به.
يعني الصحابي الذي حضر يوم بدر ورأى بأم عينيه نصر الله سبحانه وتعالى يتنزل في ذلك المقام الحرج، ورأى نزول الملائكة، وآثار الاستمساك، وآثار الحق الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى رؤوس الشرك وهي تسقط وهي تُلقى بعد ذلك في الآبار، مثل هذا المعنى الذي يعاينه أهل الإيمان يجعل في النفس من الإيمان والصدق والفقه في الدين، والعلم بما أخبر الله به من حقائق متعلقة بهديه وبسنته سبحانه وتعالى في خلقه، ما لا يحصل بالمعلومات النظرية مهما كانت هذه المعلومات النظرية فيها من دقائق الاستنباط ما فيها.
ولاحظوا، أنا ما أتكلم الآن عن مجرد زيادة اليقين، يعني أن يزيد اليقين بهذا العمل وبرؤية هذه الآثار، تمام، لكن الفقه نفسه، أن تفقه؛ يعني الفقه ليس متعلقًا بدلالة الآية من حيث هل تدل على الوجوب أو تدل على إلى آخره، لا، وإنما الفقه هو أن يعلم الإنسان حقائق ما أخبر الله به. هناك أشياء مما أخبر الله به لن تدرك إلا في الآخرة، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، وهناك من حقائق ما أخبر الله به ما يمكن أن يُرى في هذه الدنيا، وهذه الحقائق التي تُرى في هذه الدنيا شأنها ليس زيادة اليقين فقط، وإنما شأنها زيادة الفقه بسنة الله سبحانه وتعالى. وهذا باب من العلم من أشرف العلم، وهو باب كما قلت لا يُدرس عبر المتون والتسلسل التراثي، وإنما هو باب يأتي مع العمل للدين، والعمل الذي يكون منطلقًا من الإيمان بالله والصدق والإخلاص وإلى آخره.
فمن يُحرم من هذا الباب من الفقه في الدين يُحرم من باب عظيم من الخير. وعمومًا هذا داخل في قضية الفقه في الدين أو صفة العلم كصفة من صفات المصلحين التي ذكرت.
طيب، بقي -عفوًا- بقي من كلام الطبري كلام جميل جدًا، إيش يقول؟ يقول: وبعد، فإنه قال ثناؤه: وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ؛ عطفًا به على قوله: لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ. ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها -لأنه هو قال: وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، فهو يقول الطائفة النافرة هذه حصل لها الإنذار، يعني حصل لها الامتثال- قال: وللإنذار وخوف الوعيد نفرت؛ فما وجه إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزًا أن توصف بإنذار الأخرى لكان أولى بأن توصف به الطائفة النافرة؛ لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة. ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تنذر من حيها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بما عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك.
الشاهد في هذا كله، وين الشاهد في هذا كله؟ إنه هذا داخل تحت اسم الفقه في الدين الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في الآية، واضح؟
طيب، الصفة السادسة من صفات المصلحين: صفة العمل، أو لنقل أن يكون العمل مركزيًا بالنسبة للإنسان المصلح. العمل هنا ليس المقصود به عملًا محددًا، وإنما المبدأ، مبدأ أن هذا الدين دين عمل، وأن الإنسان المصلح هو إنسان عامل، وأن ما يتلقاه من حقائق الدين والعلوم والمعارف وما إلى ذلك إنما ينبغي أن يُحوَّل إلى سياق عملي. فكرة العمل ومبدأ العمل -طبعًا بحسب المقتضى: العمل التعبدي الذاتي، العمل الإصلاحي، العمل- فكرة العمل أساسية في سياق المصلح؛ إذا لم يكن المصلح قد رُبي ونشأ على أن العمل من أهم صفاته، فإنه يكون قد أخل بصفة من الصفات الإصلاحية الجوهرية.
شرح هذه الصفة ذكرته الآن. مستندها من الوحي: مستند صفة العمل من الوحي في السياق الإصلاحي: العمل بالعلم، أن يكون العمل هو الغاية، أن يكون العمل دائمًا. أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ، إيش العلاقة بالسياق الإصلاحي؟ أي زائد أن الأمر بالبر هو شيء من الدعوة، جيد: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ. أحسنت، هذا دليل أوضح؛ لأنه هذا الدليل كمان فيه كلمة الإصلاح تحديدًا: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ. يعني شعيب عليه السلام يخاطب قومه يقول: هذا الخطاب الذي أدعوكم إليه، وهذا المعنى الذي أدعوكم إليه، وهذا الدين الذي أدعوكم إليه، ترى أنا أول من سيمتثل له. ليست الفكرة توزيع أدوار: أنا أتحدث وأنتم تعملون، لا: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، إذا نهيتكم عن شيء ستجدونني أول من ابتعد عن هذا الأمر.
مما يدل على هذا المعنى في سياق الأنبياء، التكرار في خطاب الأنبياء بذكر أنهم المبادرون دائمًا إلى العمل، يعني مثلًا: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. هذا الخطاب متكرر في ذكر الأنبياء: أنا أول من يبادر، أول من سيعمل، أول المستسلمين، أول المؤمنين، أول المقبلين، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ. فهذا من المستندات الشرعية المهمة في فكرة مبدأ العمل بالنسبة للإنسان المصلح.
كان خلقه القرآن، جيد، من جهة امتثال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى، جيد جيد. طيب، من الأدلة -ولكني سأؤخرها إلى صفة الحكمة- من الأدلة المهمة والمركزية في بيان أهمية العمل في السياق الإصلاحي سأؤخره إلى صفة الحكمة اللي هي قول الله سبحانه وتعالى: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، ودلالة ربانيين سأذكرها في تلك الصفة بإذن الله.
طيب، ما أهمية وجود مبدأ العمل في السياق الإصلاحي كصفة للمصلحين؟ أول شيء: أن أي ثمرة من ثمرات الإصلاح يُرجى أن تتحقق لا تتحقق إلا بوجود سببها من العمل. وأنا أظن أن علاقة العمل بالثمرة الإصلاحية مثل علاقة العمل بدخول الجنة بالنسبة للمؤمن. تعلمون أن الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم، جاء في مرجعية الوحي إثبات علاقة العمل بدخول الجنة وجاء نفي علاقة العمل بدخول الجنة، أليس كذلك؟ صح ولا لا؟ جاء الإثبات وجاء النفي؛ الإثبات في مثل قوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، طيب والنفي؟ لن يدخل أحدًا منكم الجنةَ عملُه. هنا العمل مثبت والعمل منفي من جهة العلاقة بدخول الجنة، والجواب عند أهل العلم أن الإثبات هو متعلق بالسببية، أنه بسبب أعمالكم دخلتم الجنة، وأن النفي متعلق بالمكافأة أو الاستحقاق؛ أنه مهما عملتم ترى العمل لن يكون هو العمل التام الكامل الوافي الذي خلاص، وإنما لا بد أن يكون مشفوعًا برحمة الله التي فيها سد للخلل وإلى آخره، جيد؟
طيب، نفس الشيء العمل والثمرة بالنسبة للسياق الإصلاحي: لا توجد ثمرة بالنسبة للمصلح بدون عمل، وفي نفس الوقت العمل وحده مهما كان لا يمكن أن يكون كافيًا لتحقيق الثمرات الكبرى للإصلاح، وإنما يحتاج هذا كله إلى عون الله وتوفيقه ومدده ومباركته وإلى آخره، واضحة الفكرة؟
إذن من أهم ما يكشف عن أهمية العمل أنه لا ثمرة بلا عمل، وفي نفس الوقت العمل لابد فيه من توفيق الله سبحانه وتعالى، إذن هو سبب للعون والنصر والمدد الإلهي، هو من أهم أسباب طرد اليأس وبث الأمل والتفاؤل، فالعاملون هم المتفائلون، وهذا يا جماعة يصدقه الواقع. اليوم الواقع مليء باليائسين، وإذا تصفحت في سِير اليائسين ستجد أن من المشتركات بينهم قلة العمل، وإذا تصفحت أو نظرت في صفحات المتفائلين ستجد أن من السمات المشتركة لديهم -إذا كان التفاؤل واعيًا حقيقيًا- هو العمل؛ لأن العمل والصدق فيه والإخلاص فيه يجعل الله في نفس العامل من حقائق الدين والإيمان، ومن حقائق التصديق بوعد الله وخبره ما لا يجعله في نفس القاعد، ما لا يجعله في نفس المتثاقل، وهذا اليقين هو من أعظم أسباب التفاؤل.
طيب، كيفية تحقيقها؟ كيف تُحقق هذه الصفة؟ طبعًا بقي أمور أخرى من ناحية الأهمية يُرجع لها في الكتاب. كيف تُحقق صفة العمل بالنسبة للمصلح؟ طبعًا تكلمنا في البداية قلنا التحقيق سواء في السياق الذاتي أو في السياق العام الدعوي التربوي إلى آخره، أنا برأيي أن من أهم ما ينبغي أن يراعى حتى تُحقق هذه الصفة بالنسبة للمصلحين هو التأكيد الدائم على أن العلم وسيلة والعمل غاية، والتأكيد دائمًا في المحاضن التربوية وفي سياق العلوم الشرعية وتدريسها وفي سياق تحفيظ القرآن وما إلى ذلك: يا جماعة الخير، ترى هذه الميادين العلمية والمعرفية هي مقدمات، وأن العمل هو الغاية التي يسعى الإنسان لتحقيقها. بث هذا المفهوم والسعي لتعزيزه ومركزته هو من أهم ما يعيننا على تحقيق هذه الصفة بإذن الله.
أيضًا يوجد وسائل مختلفة لتحقيق هذه الصفة، من جملتها: اللفت الدائم لواقع المشكلات الموجودة في الأمة الإسلامية، وأن كل ما ازداد الإنسان وعيًا بهذه المشكلات وحقائقها ومساحتها ازداد يقينًا أنه لا أمل بلا عمل، ما يمكن هذا الواقع يتغير إذا لم يكن العمل حقيقيًا واستثنائيًا، وهناك بعض الوسائل الأخرى.
طيب، الصفة التالية رقم سبعة: صفة القوة، صفة القوة. والمقصود بالقوة هنا هو القوة المعنوية المتعلقة بالنفس وعزيمتها، والقلب وثباته وإقدامه، وإن كان يدخل فيها كذلك القوة الجسمانية والمادية، وقوة البيان، وامتلاك الأدوات والمهارات، لكن الأساس فيها هو القوة المعنوية. هذه الآن الجهة الأولى اللي هي إيش؟ بيانها وما يدخل فيها.
طيب، من أعظم ما يدخل في القوة ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ومعنى القوة المقصود هنا في صفات المصلحين، يعني معنى القوة المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف هو المعنى المقصود في صفات المصلحين، اللي هي صفة القوة من صفات المصلحين.
هناك نص مركزي -مثل ما ذكرت نص الطبري قبل قليل- هناك نص مركزي للنووي رحمه الله تعالى في تفسير معنى القوة في هذا الحديث، وأنا برأيي إنه هذا من التوفيق الذي وُفق له النووي رحمه الله؛ أحيانًا يُوفق الإنسان لشرح بعض المعاني أو لتقديم بعض النصوص المركزية التي ما ينبغي أن تذهب تفرع بعدها أو تستدرك، خلاص تأتي بالنص كما هو وتجعله أصلًا في الباب.
النووي رحمه الله شرح معنى القوة في المؤمن القوي، يعني أنت الآن لما تسمع المؤمن القوي إيش اللي يخطر ببالك؟ قوة المال، قوة الجسد، أنواع القوة. النووي استعمل عبارة جميلة جدًا في القوة المعنوية المقصودة هنا، ماذا قال؟ قال: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، القريحة في أمور الآخرة. القريحة هذه ما تنشرح، يعني القريحة في أمور الآخرة لازم تأخذها وتفهم أبعادها وخلاص، يعني عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، هو شرح بعد ذلك شيئًا مما تقتضيه القريحة، تعرف اللي يقول لك: عنده قريحة في الشعر؟ هذا لديه قريحة في أمور الآخرة. يقول: فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها. هذا كلام النووي في معنى المؤمن القوي.
هذه القوة التي فسرها النووي هي التي يجب أن تكون بالنسبة للمصلح في سياق الإصلاح، بالإضافة إلى المعاني الأخرى والتي ذكرتها، ومما يدخل فيها: قضية الأدوات، والمهارات، والبيان، وثبات القلب، وما إلى ذلك.
طيب، إيش الأدلة من مرجعية الوحي على أهمية القوة في السياق الإصلاحي تحديدًا؟ الدليل الأول ما تم ذكره: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. طيب، أيضًا؟ أحسنت: قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. طيب، فيه آية مركزية في صفة المصلح فيها ذكر القوة، ابن تيمية بنى عليها جزءًا كبيرًا من كتاب السياسة الشرعية: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، هو أرجعها في الأخير للقوة والأمانة، حتى أظنه أدخل العلم ضمن القوة، لا أذكر، لكن جعل هذه الآية مركزية في شأن الولايات ومن يتولاها.
جيد. طيب، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قال السعدي رحمه الله في التفسير، قال: فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجر من جمعهما. جيد، وهذان الوصفان - انظر ماذا قال السعدي -: وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا بإجارة أو غيرها، فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد أحدهما أو إحداهما، وأما باجتماعهما فإن العمل يتم ويكمل.
طيب، آه مم أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم آه في القوة البيانية، إيش فيه في القوة البيانية؟ أحسنت: اهجهم فوالله لهو أشد عليهم من نضح النبل، أو: واهجهم وروح القدس معك. هذا من الأمور التي ينبغي أن تراعى، نلاحظ كيف النبي صلى الله عليه وسلم فضل قوة البيان في ذلك المقام على قوة السنان.
طيب، ما أهمية وجود القوة في السياق الإصلاحي أو كصفة للمصلح؟ وما خطورة فقدانه؟ القوة هي من أعظم الأسباب التي تعين المصلح على ألا ينكسر أمام الأزمات والتحديات، وإذا ذكرت الأزمات والتحديات فإن أولى الناس أن يكون مصاحبا للأزمات والتحديات على طول الطريق هو المصلح.
وبالتالي قد يؤتى الإنسان أحيانا في طريقه الإصلاحي من جهة ضعفه، ضعفه المعنوي، ضعف نفسه. جيد، إنسان لم يتعود ولم يترب على العزيمة وعلى الثبات وعلى الشجاعة وعلى الإقدام. جيد، إنسان يعيش حالة رخاء، ماشي هو متعلم ونشأ بين المكتبات والدروس الشرعية ولكنه يعيش دائما حالة رخاء، لم يتعود على تلقي الضربات والشدائد، هذا ليس قويا. جيد، هذا ليس قويا، بعد ذلك في طريقه الإصلاحي المشكلة ليس أنه فقط قد يسقط بسبب ضعفه، وإنما قد إيش؟ يؤتى الإسلام من قبله. وهذا الذي نراه في الواقع، كثيرا ما يؤتى الإسلام من قبل بعض المتصدرين في مجالات إسلامية لأنهم ضعفاء، لأنهم ضعفاء، يعني كلمة ضعفاء ترى يعني إذا نبغى نفكها فنقول أحيانا مثلا لأنهم جبناء، لأنهم ضعفاء لأنهم لم يتحملوا الآثار أو ما ينبغي أن يتحملوه في سياق تصدرهم للدعوة إلى الله تعالى والقيام بشأن الدين. يعني هذا الأمر ترى ليس سهلا، يعني يحصل دائما وهذا على مر التاريخ، إنه الإنسان قد ينكسر فيكسر من وراءه، والسبب الأساسي ليس عدم قناعته بصحة الطريق، ولا عدم وضوح المنهجية، ولا عدم ولا إلى آخره، وإنما الفكرة هي أنه إنسان ضعيف. ولذلك تربية المصلحين على القوة وعلى العزيمة وعلى الشجاعة وعلى الثبات.
وهذي ترى تدخل في الأمور التربوية التفصيلية، يعني أنت كمرب لمن يأتيك الطالب وأمامه مشكلة معينة، أحيانا حين تستصحب أهمية أن يكون الطالب قويا أحيانا أنت تجعله يواجه المشكلة على عينك تراه، لكن تريد أن تربيه على هذا المعنى، وهذا بالمناسبة ترى من حكمة الابتلاء في سنة الله سبحانه وتعالى؛ إنه الله سبحانه وتعالى يرى المؤمن وهو يواجه الشدائد والله يعلم والله قادر على أن يبعد عنه هذه الشدائد ولكنه يربيه، ولكنه يربيه بهذه الشدائد. جيد، وتعرفون الحديث الصحيح النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل المؤمن كـ إيش؟ كالخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها مرة، وفي رواية في البخاري: مثل المؤمن يكفأ بالبلاء. جيد، ومثل المنافق كالخامة من الزرع لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة. فقضية إنه الإنسان يربى على معنى القوة، وأن يقصد المربي وهو يربي الطالب على أن يربى على معنى القوة، هذا مهم جدا جدا. نربيهم على معنى الإلقاء والخطاب تماما هذا جزء، نربيهم على معنى العلم الشرعي ممتاز، لكن التربية وهذا لا يأتي إلا بالتربية، هذا ما يأتي بالدروس العادية، وهذا من النقص الذي يحصل فيمن ينشأ في سياق معرفي علمي فقط ولا ينشأ في سياق تربوي فيه تربية النفس على الكمالات.
الله سبحانه وتعالى ذكر ترى صفة، احنا ذكرنا المستند من القوة صح؟ المستند من الوحي على نص القوة، طب هل في ذكر للضعف في السياق الإصلاحي؟ جيد، صحيح، لكن هذا باب آخر. أقصد الضعف إنه قد يؤدي، ولكن بسبب قوة المصلح لم يضعف: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. لذلك طبعا من أهم ما يدخل في القوة كأثر وكناتج اللي هو الصبر.
طيب، آه أحيانا احنا تكلمنا عن أهمية القوة صحيح؟ مما يكشف عن أهميته أن القوة من أعظم ما يدفع إلى المبادرة وإلى الانطلاق. احنا الآن في واقع يا جماعة يحتاج إلى شق طرق جديدة قطعا في السياقات الدعوية والإصلاحية والمشاريع وكذا. الإنسان الضعيف اللي فيه جبن وفيه يخاف من الفشل ويخاف إنه هو وما جرب قبل كذا ولا أحد ولا يعرف مدري إيه ولا هو مستعد إنه... مثل هذي المعايير لما تكون كامنة في النفس نتيجتها هي الإحجام، لما يكون المعنى المهيمن في النفس هو ثبات القلب والإقدام والشجاعة والجرأة، ها طبعا المحكومة بالصفات الأخرى العلم والحكمة، فإنه يقدم. هذا الإقدام قد يكون عبر شق بعض الطرق الدعوية والتجارب التي قد يكون فيها شيء من الصعوبة ولكنه يقدم على ذلك؛ لأن الواقع يحتاج إلى مثل هذه المعاني. لذلك من أهم آثار القوة بالنسبة للمصلح إيش؟ لأ، الصبر خلصنا منه. المبادرة، المبادرة، الانطلاق في توليد المشاريع، آه إنشائها، طبعا هذا في جوانب من القوة، وواضح أثرها في القوة البيانية والمهارية، هذي واضحة.
طيب، كيفية تحقيق هذه الصفة؟ أنا ذكرت قبل قليل في قضية إنه المربي ومراعاة هذا المعنى هذي من أهم الأمور. التوكل على الله والاعتصام به والتفويض إليه والاستغناء بمعيته، هذا الجانب الإيماني العجيب، وهذا إذا نفخت روح المؤمن من هذا المعنى وهو معنى التوكل والاعتصام حملت ما يضعف الجسم عن حمله في طريقه، يعني حتى ولو كان مشلولا، ولو كان مريضا، ولو كان دقيق الساقين، ولو كان إلى آخره، فإن معنى التوكل والاعتصام واليقين وثبات هذه المعاني الكبرى في النفس هي من أعظم ما ينفخ روح العمل والإقدام والشجاعة وثبات القلب في آه النفس.
مما يقوي من شأن القوة من المعاني الإيمانية مركزية الآخرة. مركزية الآخرة بالنسبة للإنسان المؤمن هي من أعظم ما يجعله قويا عصيا على الانكسار، وهذا السبب هو الذي جعل السحرة يثبتون أمام تهديد فرعون؛ لأنهم قالوا: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وهذا يناقض المعنى الذي يبحثون إليه، أقصد معنى الحياة الدنيا يناقض معنى الخلود الذي يطمحون إليه ويسعون آه إليه.
من الأمور التي تعين على القوة، وهو معنى خلينا نقول إجراء فني معين، اللي هو كثرة امتلاك المهارات؛ لأن كثرة امتلاك المهارات تعطي ثقة في النفس، يعني أنت لما تبدأ في باب إذا أنت عندك مهارة في هذا الباب هذا يعطيك قدرا من القوة اللي هي الثقة، قدرا من الثقة إنك تقدم أو تقبل على هذا الباب، هذا تعرفه غير الإنسان اللي لا يمتلك أي آه خلينا نقول مهارة في مجال يريد الدخول إليه.
أيضا مما يعين على تكوين هذه القضية اللي هي الدربة والتجربة، وأن يتعود الإنسان على هذا المعنى. أنت يعني احنا لا نتكلم في السياق الذاتي التربوي بالنسبة للإنسان المصلح، عود نفسك على أن تقدم على بعض الأمور، خاصة ضمن إذا كنت لسه في سياق تكوين علمي في سياق تكوين، عود أن تقتحم بعض الأمور وتتولى بعض المهام بنية أن تتدرب، فقط بهذه النية، أن تتدرب وأن تجرب.
طيب، كم خلصنا صفة؟ سبعة. إيش صافي طلع؟ صح يعني، تعبان ولا إيه؟ طيب أنا آخذ صفة، الثلاث صفات بس ولا ناخد تلات صفات زيادة بس ولا أربعة؟ الله أكبر! آه عشان ما يكفي إلا صفتين شكله، خلاص ناخذ وحدة، أنا في نيتي وحدة بس عشان أقول لكم أربعة ثلاثة عشان تصير الوحدة سهلة يعني. إيه، طيب، آه الصفة الأخيرة في هذا اللقاء آه اللي هي الصفة الثامنة الثامنة، آه خليني أختار صفة ما يكون فيها تفصيل كثير عشان ما بقي كثير من الوقت. مم طيب ما في مشكلة، ناخذ صفة الوعي، الوعي.
المصلح لا بد أن يكون واعيا. نرجع، قلنا: العبودية، الانطلاق من مرجعية الوحي والاستمساك بها والرد إليها، اليقين، الصبر، العلم، العمل، القوة، الوعي. طيب، إيش المقصود بالوعي؟ إيش الجهة الأولى؟ ما الذي يدخل في مثل هذه الصفة؟ الوعي بسبيل الأعداء وخططهم ومكرهم. الوعي بالواقع وكيف تشكل هذا الواقع، وأهم القوى المؤثرة فيه، والأركان الأساسية في هذا الواقع من مختلف الجهات. طيب، ومما يدخل في الوعي الوعي المستقبلي، وليس فقط الوعي الواقعي، الوعي المستقبلي اللي هو ما يتوقع من المشكلات، ما يتوقع طبعا ما هو مقصود المستقبلي هو توقع الإشكالات سياسية فقط، لا، وإنما كثير من الأمور المتعلقة بالتحديات الدعوية، وهذا هو الأهم بالنسبة للإنسان آه المصلح. أيضا مما يدخل في الوعي الوعي بالواقع الدعوي والإصلاحي والإسلامي، خارطة العاملين، الاتجاهات، إلى آخره، هذي من الأمور المهمة بالنسبة للإنسان المصلح. كذلك الوعي بالمنهج الإصلاحي والسنن الإلهية.
طيب، في مرجعية الوحي أين نجد مستندا أو أين نجد سندا للوعي، لصفة الوعي بالنسبة للإنسان المصلح؟ طيب، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. صفة الوعي من الصفات اللي إذا أردت أن أستعرض الآيات التي فيها سيتحول موضوع الكتاب إلى أدلة من مرجعية الوحي على أهمية الوعي. حلو العنوان ممكن يصير: أدلة الوحي على أهمية الوعي، هذا العنوان.
طيب، الآيات التفصيلية في تنشئة أو تربية الصحابة على الوعي آيات كثيرة جدا، وهي الآيات التي تحدث الله فيها عن صفات المنافقين وحيلهم وأساليبهم ومكرهم، وعن حيل أهل الكتاب وطبيعة مكرهم للإسلام والمسلمين، وكيف يواجه المسلمون مثل هذه الألاعيب ومثل هذه المكائد. عجيب القرآن في هذا المعنى! عجيب! يعني الآيات التي تحدثت عن هذه المعاني آيات كثيرة، بل كادت أن تستغرق سورا من السور الطوال بكاملها، يعني سورة التوبة كادت أن تذهب في صفات المنافقين وحيلهم وأقوالهم، تعرف حتى الأثر المشهور عن ابن عباس إنه ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، ومنهم، اللي في سورة التوبة. آه سورة آه يعني في سورة مثل سورة البقرة المتنوعة الموضوعات فيها مثل هذا المعنى، في سورة الأحزاب، في سورة النساء، في سورة المنافقون، في سور كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى.
لك أن تتخيل الصحابي الذي نشأ في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى هذه الآيات ويرى حقائقها على أرض الواقع، ترى في كثير من الناس اليوم يعني لما يقرأ آيات المنافقين يشعر إن هي آيات ما لها أثر، إنه فين المنافقين؟ ما هم موجودين، المنافقين كانوا زمان. جيد؟ مين المنافقين الآن؟ بينما الصحابة كانوا على وعي كبير جدا في هذه الآيات التي تنزل عليهم وما تحدثه في نفوسهم وما يرونه من تصديق على أرض الواقع، وهذا يؤكد المعنى الذي ذكره الطبري قبل قليل: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وأن التفقه في الدين يكون بإبصار الحقائق على أرض الواقع أيضا، وليس بمجرد تلقيها من الشق النظري والمعرفي فقط. ما كان يحدث في الصحابة من وعي بهذه الآيات وما يرونه من أثر في الواقع هو معنى مختلف عن كثير مما ينشأ عليه الصالحون اليوم. أحيانا ينشأ الصالح على الغفلة، ينشأ على الغفلة، يعني ليس فقط أنه هو لا يبصر هذه الحقائق، لا، ينشأ على ما يضادها، يعني ينشأ مثلا على إحسان الظن بمن لا يستحق إحسان الظن ممن يكيد للإسلام والمسلمين ليل نهار. الرجوع إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وإدراك الكم الكبير من الآيات التي نزلت في مثل هذه المعاني ومحاولة مد الجسر بينها وبين حقائقها في هذا الواقع الذي نعيشه هي من الأمور المهمة في تشكيل الوعي بالنسبة للإنسان المسلم.
ومما يؤسف له أيضا في واقعنا، طبعا لما نقول في واقعنا ما يحتاج يقول استدراك إنه هذا ليس شاملا لكل أحد، لا، ولكن أقصد أنه من المشكلات المنتشرة، يعني مما يؤسف له إنه حتى الوعي المتعلق بالملاحدة اللي هم الصريحين في جحود الخالق سبحانه وتعالى، حتى من يعني خلونا نقول يردد جهارا نهارا معاداته للإسلام والمسلمين، أحيانا تجد الوعي آه ضعيفا تجاه آه خلينا نقول المكونات التي ينطلقون منها، الأساليب التي يعتمدونها، الوسائل التي يصلون من خلالها إلى وبث المفاهيم، كأنه في يعني ربما في عقل البعض إنه الذي يتولى هذه المهام هم أناس متخصصون لا دخل لنا نحن الشرعيين في مثل هذه القضايا، وهذا حقيقة من الإشكال الكبير جدا.
تجد في القرآن: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وتجد آه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. ثم يأتي التوجيه: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا. فلاحظ إنه يعني كيف كشف كشف خلنا نقول الحجب التي يمكن ألا يبصرها المؤمن بعينيه، تعرف المؤمن يعظم الله سبحانه وتعالى، فلما يأتيك شخص يقول لك: والله الذي لا إله إلا هو، وأشهد الله، فأنت يعني ما راح تسوي شيء خلاص يعني. فالله سبحانه وتعالى يربي المؤمنين على أن هذه الشهادات والأيمان أحيانا إنما تكون هي الجنة التي يتخذها المنافق، يعني هي ما يتقي به العقوبة، ويكرر الله هذا المعنى عن المنافقين، أليس كذلك؟ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ، إلى آخره من الحقائق القرآنية في مثل آه هذا المعنى.
وحقيقة يعني إذا كان الله سبحانه وتعالى يعني يبصر المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بمن يتظاهرون بالصلاح ألا يغتروا بهم، فنحن اليوم نحتاج أن نبصر كثيرا من يعني المشتغلين بالعلم الشرعي، نبصرهم بسوء من يظهر الفساد. جيد؟ يعني إنسان يظهر الصلاح فتقول له: ليس كل من يظهر الصلاح فهو في الحقيقة صالح. أحيانا تحتاج تبصر الإنسان بفساد من يظهر الفساد ولا يتقي لا بأيمان ولا بـ: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ولا بشيء آه من ذلك.
كذلك في: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. وهذا النص عجيب جدا في وصف أو في ربط هذا المعنى بالإيمان بالإيمان، يعني ما العلاقة بين الإيمان وبين ألا يلدغ الإنسان من جحره مرتين؟ هذا يؤكد معنى أن الإيمان فطنة، الإيمان ينبغي أن يكون صاحبه وهو فطنا. أعجبني الخطابي علق على هذا النص يعني ذكر أنه وإن كان ظاهره الخبر إلا أنه يراد به الأمر، واضح؟ يعني: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، هذا خبر، أليس كذلك؟ الخطابي يرى أنه خبر يراد به الأمر كما هو معروف، يعني هناك كثير من الأخبار الشرعية يراد بها الأوامر، لكن هذه اللفتة يعني آه مهمة، ماذا يقول رحمه الله؟ قال: هذا لفظه خبر ومعناه أمر، أي ليكن المؤمن حازما حذرا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى. وقد يكون ذلك - يقول الخطابي - وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا وهو أولاهما بالحذر وهو أولاهما بالحذر. لأجل ذلك يعني، وأنا بدأت بسلسلة بيان القرآن لسبيل المجرمين محاولا تتبع يعني مواطن من كتاب الله فيها بيان سبيل المجرمين وكشف هذا السبيل على وجه التفصيل، ابتدأت بها ثم توقفت قليلا لإنهاء يعني بوصلة المصلح وبعض المواد الأخرى، ثم سأعود إليها بإذن الله تعالى.
طيب، آه مم ما أهميتها في السياق الإصلاحي؟ صفة الوعي ما يحتاج صح؟ ما يحتاج بيانا على أهميتها وجودا وعدما، لكن خلينا نقول مثل ما ذكرت في معنى العلم: إنه مما يؤكد أهمية الصفة الوارد أصلها في الوحي بالنسبة للمصلحين، مما يؤكد هذا المعنى الوارد في الوحي هو مدى الاحتياج الموجود في الواقع، فإذا نظرت إلى ما في الواقع من سبل الكيد والمكر الذي يقوم به أعداء الإسلام والمسلمين فأنت تدرك أن هذه الصفة وإن كانت قد كثر ما ذكر ما يتعلق بها في الوحي، إلا أن النظر في الواقع يؤكد من قيمتها وأهميتها بالنسبة للإنسان آه المصلح.
ومما يكشف عن أهميتها أنها تجعل المصلح غير متفاجئ بما يحدث من مشكلات، وعلى وعي وعلى انتباه. يعني ترى في ناس ممن كانوا يعملون للإسلام يا جماعة الخير ألحدوا أو وصلوا إلى بوابة الإلحاد، بعض الشباب يعني بعض الشباب، ليش؟ لأنه قال: كنا نعقد الآمال على حسن العاقبة التي نحن فيها، وبعدين تفاجأنا بتصرفات ما كنا نتوقع أنها تحدث بالنسبة لمثلا من يعادي العمل للإسلام وما إلى ذلك. طيب هذا من قلة وعيك أصلا يا أبو الشباب، من قلة وعيك، لو أنت عندك وعي بالفعل في الواقع ومكونات هذا الواقع، هناك أناس لا ينبغي أن يحسن بهم الظن، فإذا أنت أحسنت الظن بهم فهذا من سوء تقديرك ومن قلة وعيك، فأن تفاجأ بمثل هذه النتائج ويحدث هذا صدمة عليك في دينك! أحيانا ترى أحيانا داخل السياقات الدعوية والإصلاحية يقول لك: والله أنا كنت أحسن الظن بفلان الفلاني مسؤول عن كذا، داعية كذا، بعدين اكتشفت إنه في كذا كذا إلى آخره. طيب ماشي، ممكن الإنسان يتأثر كذا يعني بحدود معينة، ولكن هذا المعنى ليس معنى جديدا، ليس معنى مفاجئا، وهو المعنى هذا موجود في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، آه نختم بكيفية تحقيقها، كيف تحقق هذي الصفة بالنسبة للإنسان المصلح؟ من الأمور المهمة جدا آه التي تعين على تحقيق صفة الوعي بالنسبة للإنسان المصلح هي أهمية المحافظة على مسافة بين المصلح وبين الواقع الذي يتعامل معه، بين الأحداث التي آه يتفاعل معها. واضح؟ يعني أحيانا سبب عدم الوعي هو أن المجريات تلتهم الإنسان، لم يستطع أن يبصرها من الخارج. ترك المسافة بين المصلح وبين الواقع والقدرة على الرؤية الشمولية، يعني الكاميرا هذي اللي بالطيارة هذي، اللي الإنسان ينظر من فوق يشوف المكونات ويشوف الواقع، يعني إنه يأخذ المصلح نفسا، يأخذ نفسا وينظر إلى هذا الواقع ويحاول أن يلملم بين أجزائه المتفرقة ويكون صورة شمولية، ترك هذه المسافة هي من الأمور المهمة في آه الوعي.
طبعا مما ينتج عن هذا إنه يدرك المصلح أن الواقع أكبر من السياق الذي هو فيه، يعني أحيانا أنت مثلا تشتغل في الرد على الإلحاد مثلا، فكيف تفهم الواقع؟ تفهم الواقع: هؤلاء ملحدون وهؤلاء مؤمنون، هؤلاء يردون على الإلحاد فهم أفضل الناس، وهؤلاء لا يردون على الإلحاد فهم مقصرون، فهمت؟ هذا الآن تحليل ناقص جدا للواقع، هذا رؤية للواقع من خلال المشروع الجزئي، من خلال مشروع جزئي اللي هو مجال معين، مجال علمي معين، مجال معرفي معين، أن يعني يضم الإنسان الصور المختلفة هذا يعني مهم جدا.
مما يزيد الوعي بالواقع كثيرا آه فهم السياقات التاريخية الحديثة، فهم السياقات التاريخية الحديثة كيف تشكل هذا الواقع؟ العناية بتاريخ الفكر الحديث، آه العناية حتى خلنا نقول التاريخ السياسي الحديث إلى آخره، المحطات الكبرى الأساسية التي مرت في القرن العشرين، آه التغيرات على مستوى العالم، هذا يعني القراءة في مثل هذه المجالات هي من الأمور المهمة في زيادة الوعي.
دراسة تجارب المصلحين، هذا مهم جدا في زيادة الوعي، دراسة تجارب المصلحين خاصة إذا كان المصلحون الذين تدرس تجاربهم يشتركون معك في شيء من الواقع الذي تشتغل فيه، هذا مهم، يعني يزيد من البصيرة بالنسبة للإنسان.
الوعي بالسنن الإلهية المتعلقة بالتدافع بين الحق والباطل، هذا أيضا من جملة الأمور المهمة التي آه تزيد من الوعي لدى الإنسان المصلح.
ما في داعي ناخذ صفة ثانية صح؟ أنتوا ما تعبتوا بس إنه عشان الصلاة صح؟ إيه ما شاء الله تبارك الله. طيب، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ولكم، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم لك الحمد، نستعين بك ونتوكل عليك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد