تسجيل الدخول

اضطراب منهجية د. عدنان إبراهيم في الاستدلال

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد.

أما بعد، أيها الكرام، كثير من محبي الدكتور عدنان إبراهيم ومن اتبعه، ومن الذين يتشوقون وينتظرون نزول خطبه كل أسبوع، يقولون إن مخالفي الدكتور عدنان إبراهيم لا يركزون على الرد العلمي على ما يطرح، وإنما يهتمون بالتصنيف والتفسيق والتبديع وما إلى ذلك. مع أنه في الحقيقه هناك ردود علمية، ولكن سأتناول، بإذن الله، في مجموعة من الحلقات والمقاطع انتقادات علمية منهجية، ألتزم فيها بأدب الحوار والنقد العلمي والموضوعي لبعض ما يطرحه الدكتور عدنان إبراهيم. هذا المقطع هو في ذم صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، حيث صور الدكتور عدنان إبراهيم أن أبا هريرة كان يتردد على النبي صلى الله عليه وسلم ذهابا ومجيئا لأجل الأكل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم انزعج منه انزعاجا شديدا فقال له: يا أبا هر، زر غبا تزدد حبا.

النبي لما شايف واحد من الصحابة، مش حذكر اسمه، بيقول لك الشيخ بطعم فيه، بعدين واحد من الصحابة ايش نعمله؟ ثابت عنه هذا: كل يوم عند النبي بده ياكل، رايح جاي، رايح جاي، طالع نازل، أكل أكل! يا اخي شوف غيري، النبي يعني شوف غيري، كون عند أبو بكر مرة، عند عمر، عند أبو ذر، عن أي واحد. فأبو هريرة قال له النبي: ما أقدر أحمل يا اخي، كل يوم أنت ملازمني، فقال له: يا أبا فلان، النبي: زر غبا تزدد حبا. قضية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وأن النبي قال له: زر غبا تزدد حبا. النبي قال له: يا أبا هريرة، زر غبا تزدد حبا.

هذا المقطع الذي لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة، عليه ثلاثة انتقادات علمية ومنهجية.

الانتقاد الأول: الدكتور ربط بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هر، زر غبا تزدد حبا، وبين تردد لأجل الأكل. يعني أن أبا هريرة أزعج النبي صلى الله عليه وسلم لقضية الأكل. عند مراجعة روايات هذا الحديث والتقليب والتفتيش في الكتب، لم أجد أي رواية فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث لأجل موضوع الأكل، ما فيها قضية الأكل أبدا، فيها: يا أبا هر، زر غبا تزدد حبا، وفي روايات أخرى عامة: زر غبا تزدد حبا. ذكر هذه الزياده في الحديث وهي ليست في الحديث، هذا خطأ علمي فادح جدا؛ لأن فيه ذما لصاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لم ليس موجودا. يعني من أين جاءت هذه الرواية؟ من أين أتى الدكتور عدنان إبراهيم بهذه الرواية؟ والعجيب أني رايت في كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور مصطفى السباعي، رايته يرد على نفس هذه الشبهة لمنتقد لأبي هريرة، أتى بنفس هذه الزيادة، وهي ليست موجودة في السنة، وهذا إشكال علمي كبير جدا.

الانتقاد الثاني على هذا المقطع هو التناقض المنهجي للدكتور عدنان إبراهيم، حيث إن الدكتور يشدد في بعض الأحاديث، يشدد في أسانيدها، وإذا خالف الحديث شيئا في اعتقاده أو في تصوره، فانه يرده مباشرة، ولو كان بأصح الأسانيد. هذا الحديث الذي معنا من غير الزيادة، الزيادة أصلا موجودة، لكن أصل الحديث: زر غبا تزدد حبا، هذا الحديث ضعفه أناس من كبار أهل الحديث، منهم الإمام أبو جعفر العقيلي رحمه الله تعالى قال: لا يثبت فيه أي شيء، ومنهم الإمام الكبير أيضا البزار رحمه الله تعالى قال: لا يثبت فيه أي شيء. وهذان الإمامان هما أعلم من تكلم في هذا الحديث فيما وقفت عليه. نعم، هناك من حسنه من أهل العلم، ولكن ليس القول الراجح التحسين. وأنا لا أنتقد الدكتور عدنان على تصحيحه الحديث؛ لأنه قال: هذا ثابت عنه في المقطع، لكن أنتقده أنه يدقق في بعض الأبواب، في بعض المسائل يدقق في الأسانيد، ولكن حينما تأتي مثل هذه الأبواب لا يدقق فيها. وبالله عليكم، لو كان بنفس إسناد هذا الحديث روي حديث في فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، كيف سيكون تدقيق الدكتور عدنان على إسناد هذا الحديث؟ أليس سينقل كلام البزار والعقيلي، ويقول: هؤلاء كبار أئمة أهل السنة ضعفوا هذا الحديث؟

الانتقاد الثالث على الدكتور عدنان إبراهيم في هذا المقطع، أنه في بعض المواضع وبعض المقاطع الأخرى يرد بعض الأحاديث؛ لأن هناك أحاديث أخرى أصح منها تعارض هذه الأحاديث في نظر الدكتور. حسنا، هذا الحديث الذي ذكرت، أليس يعارضه ما هو أصح منه من أحاديث متعدده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا تطبق هذه المنهجية في هذا الحديث الذي معنا؟

دعونا ننظر في الأحاديث الصحيحة التي تخالف هذا الحديث: هل كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم معروفا بالطعام الشهي اللذيذ الجميل المتنوع الذي يسيل لعاب الفقراء حتى يتردد أبو هريرة ترددا كثيرا على بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألم تقل عائشة: كان يوقد، كان يمر علينا الهلال ثم الهلال، وليس يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار؟ حسنا، ألم يعرف في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد أبا هريرة وهو جنب، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا جنب، فجلست ثم انسلت، فذهبت فاغتسلت، فعدت، فقال: أين كنت يا أبا هر؟ قال: كنت جنبا. قال: إن المؤمن لا ينجس؟ ألم يعرف أن أبا هريرة كان يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل الحديث، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أحرص الناس على الحديث، كما في البخاري: ما ظننت أن يسالني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رايت من حرصك على الحديث؟ ثم ألا يعرف عن أبي هريرة، كما في الصحيح، أنه كان يسقط في المسجد من الجوع، من شدة الجوع، وأن ذلك بسبب ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتلهي بهذه الملازمة عن الصفق في الأسواق، وعن الدخول في التجارة وتحصيل الثروات والأموال؟

ثم هل كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزعج ممن يسأله شيئا؟ يعني هو الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسأل الأموال فلم يكن ينزعج، فهل سينزعج من صاحبه إذا طلب منه أكلا أو تردد لأجل الطعام؟ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: اللهم حبب عبيدك كهذا، الذي هو أبو هريرة، إلى عبادك المؤمنين. فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يحبب أبا هريرة للمؤمنين. والدكتور عدنان، بتصويره أبا هريرة بهذه الصورة المزعجة التي لا يبالي فيها أبو هريرة بشعور النبي صلى الله عليه وسلم لأجل الأكل، لا شك أن هذا يبغض أبا هريرة إلى عباد الله المؤمنين، وإن لم يقصد الدكتور عدنان إبراهيم هذا الأمر.

انتظرونا في مقاطع جديدة وفي حلقات جديدة، بإذن الله، في انتقادات ووقفات علمية ومنهجية مع خطب ومقاطع الدكتور عدنان إبراهيم. أشكركم على المتابعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.